وقال وهب بن منبه: إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز.
وقال محمد بن فضالة: مرّ عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز براهب في الجزيرة؛ فنزل إليه الراهب ولم ينزل لأحد قبله، وقال: أتدري لم نزلت إليك؟ قال: لا، قال: لحقّ أبيك، إنا نجده في أئمة العدل بموضع رجب من الأشهر الحرم، ففسره أيوب بن سويد بثلاثة متوالية: ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم: أبي بكر، وعمر، وعثمان، ورجب منفرد منها عمر بن عبد العزيز.
وقال حسن القصاب: رأيت الذئاب ترعى مع الغنم بالبادية في خلافة عمر بن عبد العزيز، فقلت: سبحان اللّه ذئب في غنم لا يضرها! فقال الراعي:
إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس.
وقال مالك بن دينار: لما ولي عمر بن عبد العزيز قالت رعاء الشاء: من هذا الصالح الذي قام على الناس خليفة؟ عدله كف الذئاب عن شائنا.
وقال موسى بن أعين: كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز فكانت الشاة والذئب ترعى في مكان واحد، فبينا نحن ذات ليلة إذ عرض الذئب للشاة فقلت: ما نرى الرجل الصالح إلا قد هلك، فحسبوه فوجدوه مات تلك الليلة.
وقال الوليد بن مسلم: بلغنا أن رجلا كان بخراسان قال: أتاني آت في المنام فقال: إذا قام أشج بني مروان فانطلق فبايعه فإنه إمام عدل، فجعلت أسأل كلما قام خليفة، حتى قام عمر بن عبد العزيز، فأتاني ثلاث مرات في المنام، فارتحلت إليه فبايعته.
وعن حبيب بن هند الأسلمي قال: قال لي سعيد بن المسيب: إنما الخلفاء ثلاثة: أبو بكر، وعمر، وعمر بن عبد العزيز، قلت له: أبو بكر وعمر قد عرفناهما، فمن عمر؟ قال: إن عشت أدركته، وإن مت كان بعدك، قلت:
ومات ابن المسيب قبل خلافة عمر.
وقال ابن عون: كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء قال: نهى عنه إمام الهدى، يعني عمر بن عبد العزيز.
стр. 247
وقال الحسن: إن كان مهدي فعمر بن عبد العزيز، وإلا فلا مهدي إلا عيسى ابن مريم.
وقال مالك بن دينار: الناس يقولون: ما لك زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها.
وقال يونس بن أبي شبيب: شهدت عمر بن عبد العزيز وإن حجزة إزاره لغائبة في عكنه، ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسها لفعلت.
وقال ولده عبد العزيز: سألني أبو جعفر المنصور: كم كانت غلة أبيك حين أفضت الخلافة إليه؟ قلت: أربعين ألف دينار؟ قال: فكم كانت حين توفي؟ قلت: أربعمائة دينار، ولو بقي لنقصت.
وقال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة بنت عبد الملك: ألا تغسلون قميصه؟ قالت: واللّه ما له قميص غيره.
قال أبو أمية الخصي غلام عمر: دخلت يوما على مولاتي فغدّتني عدسا، فقلت: كل يوم عدس؟ قالت: يا بني هذا طعام مولاك أمير المؤمنين.
قال: ودخل عمر الحمام يوما فاطلى فولى عانته بيده.
قال: ولما احتضر بعثني بدينار إلى أهل الدير، وقال: إن بعتموني موضع قبري وإلا تحولت عنكم، فأتيتهم فقالوا: لولا أنا نكره أن يتحول عنا ما قبلناه.
وقال عون بن المعمر: دخل عمر على امرأته فقال: يا فاطمة عندك درهم أشتري به عنبا؟ فقالت: لا، وقالت: وأنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم تشتري به عنبا؟ قال: هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غدا في جهنم.
وقالت فاطمة امرأته: ما أعلم أنه اغتسل لا من جنابة ولا من احتلام منذ استخلفه اللّه حتى قبضه.
وقال سهل بن صدقة: لما استخلف عمر سمع في منزله بكاء، فسألوا عن
стр. 248
ذلك، فقالوا: إن عمر خيّر جواريه فقال: قد نزل بي أمر قد شغلني عنكم، فمن أحب أن أعتقه أعتقته، ومن أحب أن أمسكه أمسكته، وإن لم يكن مني إليها حاجة، فبكين إياسا منه، قالت فاطمة امرأته: كان إذا دخل البيت ألقى نفسه في مسجده فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته أجمع.
وقال الوليد بن أبي السائب: ما رأيت أحدا قط أخوف من عمر.
وقال سعيد بن سويد: صلى عمر بالناس الجمعة - وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه - فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، إن اللّه قد أعطاك، فلو لبست، فنكس مليّا ثم رفع رأسه فقال: إن أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند القدرة.
وقال ميمون بن مهران: سمعت عمر يقول: لو أقمت فيكم خمسين عاما ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر وأخاف أن لا تحمله قلوبكم فأخرج معه طمعا من الدنيا، فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا.
وقال إبراهيم بن ميسرة: قلت لطاووس: هو المهدي - يعني عمر بن عبد العزيز - قال: هو مهدي، وليس به، وإنه لم يستكمل العدل كله.
وقال عمر بن أسيد: واللّه ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح بماله كله، قد أغنى عمر الناس.
وقالت جويرية: دخلنا على فاطمة ابنة علي بن أبي طالب ﵂ فأثنت على عمر بن عبد العزيز وقالت: لو كان بقي لنا ما احتجنا بعد إلى أحد!
وقال عطاء بن أبي رباح: حدثتني فاطمة امرأة عمر أنها دخلت عليه وهو في مصلاّه تسيل دموعه على لحيته، فقالت: يا أمير المؤمنين ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة إني تقلدت من أمر أمة محمد ﷺ أسودها وأحمرها؛ فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد؛ فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة؛ فخشيت أن لا
стр. 249
تثبت لي حجة؛ فبكيت.
وقال الأوزاعي: إن عمر بن عبد العزيز كان جالسا في بيته وعنده أشراف بني أمية فقال: أتحبون أن أولّي كل رجل منكم جندا؟ فقال رجل منهم: لم تعرض علينا ما لا تفعله؟ قال: ترون بساطي هذا؟ إني لأعلم أنه يصير إلى بلى وفناء وإني أكره أن تدنسوه بأرجلكم، فكيف أوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم؟ هيهات لكم هيهات! فقالوا له: لم؟ أما لنا قرابة؟ أما لنا حق؟ قال: ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء، إلا رجلا من المسلمين حبسه عني طول شقته.
وقال حميد: أملى عليّ الحسن رسالة إلى عمر بن عبد العزيز فأبلغ، ثم شكا الحاجة والعيال، فأمر بعطائه.
وقال الأوزاعي: كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام، ثم عاقبه، كراهة أن يعجل في أول غضبه.
وقال جويرية بن أسماء: قال عمر بن عبد العزيز: إن نفسي توّاقة، لم تعط من الدنيا شيئا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلما أعطيت ما لا شيء فوقه من الدنيا تاقت نفسي إلى ما هو أفضل منه - يعني الجنة -.
وقال عمرو بن مهاجر: كانت نفقة عمر بن عبد العزيز كل يوم درهمين.
وقال يوسف بن يعقوب الكاهلي: كان عمر يلبس الفروة الكبل، وكان سراج بيته على ثلاث قصبات فوقهن طين.
وقال عطاء الخراساني: أمر عمر غلامه أن يسخّن له ماء، فانطلق فسخن قمقما في مطبخ العامة، فأمر عمر أن يأخذ بدرهم حطبا يضعه في المطبخ.
وقال عمرو بن مهاجر: كان عمر يسرج عليه الشمعة ما كان في حوائج المسلمين، فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها، ثم أسرج عليه سراجه.
وقال الحكم بن عمر: كان للخليفة ثلثمائة حرسي وثلثمائة شرطي، فقال عمر للحرس: إن لي عنكم بالقدر حاجزا، وبالأجل حارسا، من أقام منكم فله
стр. 250
عشرة دنانير، ومن شاء فليلحق بأهله.
وقال عمرو بن مهاجر: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا، فأهدى له رجل من أهل بيته تفاحا، فقال: ما أطيب ريحه وأحسنه! ارفعه يا غلام للذي أتى به وأقرئ فلانا السلام وقل له: إن هديتك وقعت عندنا بحيث نحب، فقلت: يا أمير المؤمنين ابن عمك، ورجل من أهل بيتك، وقد بلغك أن النبي ﵌ كان يأكل الهدية، فقال: ويحك! إن الهدية كانت للنبي ﵌ هدية، وهي لنا اليوم رشوة.
وقال إبراهيم بن ميسرة: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب أحدا في خلافته، غير رجل واحد تناول من معاوية، فضربه ثلاثة أسواط.
وقال الأوزاعي: لما قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان يجري عليهم من أرزاق الخاصة كلموه في ذلك، فقال: لن يتسع مالي لكم، وأما هذا المال فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد.
وقال أبو عمر: كتب عمر بن عبد العزيز برد أحكام من أحكام الحجاج مخالفة لأحكام الناس.
وقال يحيى الغساني: لما ولاّني عمر بن عبد العزيز الموصل قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقة ونقبا، فكتبت إليه أعلمه حال البلد وأسأله: آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه السنة، فكتب إليّ أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة؛ فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم اللّه؛ قال يحيى: ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقة ونقبا.
وقال رجاء بن حيوة: سمرت ليلة عند عمر، فغشي السراج - وإلى جانبه وصيف - قلت: ألا أنبهه؟ قال: لا، قلت: ألا أقوم؟ قال: ليس من مروءة الرجل استخدامه ضيفه، فقام إلى بطة الزيت وأصلح السراج، ثم رجع، وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز.
وقال نعيم كاتبه: قال عمر: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة.
стр. 251
وقال مكحول: لو حلفت لصدقت ما رأيت أزهد ولا أخوف للّه من عمر بن عبد العزيز.
وقال سعيد بن أبي عروبة: كان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله.
وقال عطاء: كان عمر بن عبد العزيز يجمع في كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة.
وقال عبيد اللّه بن العيزار: خطبنا عمر بن عبد العزيز بالشام على منبر من طين فقال: أيها الناس، أصلحوا أسراركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا دنياكم، واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي لعرق له في الموت، والسلام عليكم.
وقال وهيب بن الورد: اجتمع بنو مروان إلى باب عمر بن عبد العزيز فقالوا لابنه عبد الملك: قل لأبيك: إن من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا موضعنا، وإن أباك قد حرمنا ما في يديه، فدخل على أبيه فأخبره، فقال لهم: إن أبي يقول لكم: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم.
وقال الأوزاعي: قال عمر بن عبد العزيز: خذوا من الرأي ما يصدق من كان قبلكم، ولا تأخذوا ما هو خلاف لهم؛ فإنهم خير منكم وأعلم.
وقال: قدم جرير (١)، فطال مقامه بباب عمر بن عبد العزيز ولم يلتفت إليه، فكتب إلى عون بن عبد اللّه (٢) وكان خصيصا بعمر:
يا أيها القارئ المرخي عمامته … هذا زمانك إني قد مضى زمني
стр. 252
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … أنّي لدى الباب كالمصفود في قرن
وقال جويرية بن أسماء: لما استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه بلال بن أبي بردة فهنأه وقال: من كانت الخلافة شرفته فقد شرفتها، ومن كانت زانته فقد زنتها، وأنت كما قال مالك بن أسماء (١):
وتزيدين أطيب الطيب طيبا … أن تمسيه، أين مثلك أينا؟
وإذا الدر زان حسن وجوه … كان للدر حسن وجهك زينا
قال جعونة: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جعل عمر يثني عليه، فقال: يا أمير المؤمنين لو بقي كنت تعهد إليه؟ قال: لا، قال: ولم وأنت تثني عليه؟ قال: أخاف أن يكون زين في عيني منه ما زين في عين الوالد من ولده.
وقال غسان عن رجل من الأزد: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: أوصني، قال: أوصيك بتقوى اللّه وإيثاره تخفّ عنك المؤنة، وتحسن لك من اللّه المعونة.
وقال أبو عمرو: دخلت ابنة أسامة بن زيد على عمر بن عبد العزيز فقام لها ومشى إليها، ثم أجلسها في مجلسه وجلس بين يديها وما ترك لها حاجة إلاّ قضاها.
وقال الحجاج بن عنبسة: اجتمع بنو مروان فقالوا: لو دخلنا على أمير المؤمنين فعطفناه علينا بالمزاح، فدخلوا، فتكلم رجل منهم فمزح، فنظر إليه عمر، فوصل له رجل كلامه بالمزاح، فقال: لهذا اجتمعتم؟ لأخس الحديث، ولما يورث الضغائن؟ إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب اللّه، فإن تعديتم ذلك ففي السنة عن رسول اللّه ﵌، فإن تعديتم ذلك فعليكم بمعاني الحديث.
وقال إياس بن معاوية بن قرة: ما شبهت عمر بن عبد العزيز إلا برجل صناع حسن الصنعة ليس له أداة يعمل بها، يعني لا يجد من يعينه.
стр. 253
وقال عمر بن حفص: قال لي عمر بن عبد العزيز: إذا سمعت كلمة من امرئ مسلم فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدت لها محملا من الخير.
وقال يحيى الغساني: كان عمر ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية ويقول: ضمنهم الحبس حتى يحدثوا توبة، فأتي سليمان بحروري، فقال له سليمان: هيه، فقال الحروري: وماذا أقول؟ يا فاسق ابن الفاسق، فقال سليمان: عليّ بعمر بن عبد العزيز، فلما جاء قال: اسمع مقالة هذا، فأعادها الحروري، فقال سليمان لعمر: ما ذا ترى عليه؟ فسكت، قال: عزمت عليك لتخبرني بماذا ترى عليه، قال: أرى عليه أن تشتمه كما شتمك، قال: ليس الأمر كذلك، فأمر به سليمان فضربت عنقه، وخرج عمر فأدركه خالد صاحب الحرس، فقال: يا عمر كيف تقول لأمير المؤمنين ما أرى عليه إلا أن تشتمه كما شتمك؟ واللّه لقد كنت متوقعا أن يأمرني بضرب عنقك، قال: ولو أمرك لفعلت؟ قال: إي واللّه، فلما أفضت الخلافة إلى عمر جاء خالد فقام مقام صاحب الحرس، فقال عمر: يا خالد ضع هذا السيف عنك وقال: اللهم إني قد وضعت لك خالدا فلا ترفعه أبدا، ثم نظر في وجوه الحرس فدعا عمرو بن مهاجر الأنصاري وقال: يا عمرو، واللّه لتعلمن أنه ما بيني وبينك قرابة إلا قرابة الإسلام، ولكن سمعتك تكثر تلاوة القرآن ورأيتك تصلي في موضع تظن أن لا يراك أحد؛ فرأيتك تحسن الصلاة وأنت رجل من الأنصار، خذ هذا السيف فقد وليتك حرسي.
وقال شعيب: حدثت أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أنت قائل لربك غدا إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة فلم تحيها؟ فقال أبوه: رحمك اللّه وجزاك من ولد خيرا! يا بنيّ إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا عليّ فتقا يكثر فيه الدماء، واللّه لزوال الدنيا أهون عليّ من أن يراق في سببي محجمة من دم، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنة؟
وقال معمر: قال عمر بن عبد العزيز: قد أفلح من عصم من المراء،
стр. 254
والغضب، والطمع.
وقال أرطاة بن المنذر: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو اتخذت حرسا واحترزت في طعامك وشرابك، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف شيئا دون يوم القيامة فلا تؤمن خوفي.
وقال عدي بن الفضل: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب، فقال: اتقوا اللّه أيها الناس، وأجملوا في الطلب؛ فإنه إن كان لأحدكم رزق في رأس جبل أو حضيض أرض يأته.
وقال أزهر: رأيت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وعليه قميص مرقوع.
وقال عبد اللّه بن العلاء: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب في الجمع بخطبة واحدة يرددها ويفتتحها بسبع كلمات: الحمد للّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد اللّه فلا مضلّ له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، من يطع اللّه ورسوله فقد رشد، ومن يعص اللّه ورسوله فقد غوى، ثم يوصي بتقوى اللّه، ويتكلم، ثم يختم خطبته الأخيرة بهذه الآية: ﴿يا عِبادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ (١) إلى تمامها.
وقال حاجب بن خليفة البرجميّ: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إن ما سنّ رسول اللّه ﵌ وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنا نرجئه.
أسند جميع ما قدمته أبو نعيم في الحلية.
وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد - والناس يسلمون عليه - ويقولون: تقبل اللّه منا ومنك يا أمير المؤمنين؛ فيرد عليهم، ولا ينكر عليهم.
قلت: هذا أصل حسن للتهنئة بالعيد، والعام، والشهر.
وأخرج عن جعونة قال: ولّى عمر بن عبد العزيز عمرو بن قيس السّكوني
стр. 255
الصائفة، فقال: اقبل من محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم، ولا تكن في أولهم فتقتل، ولا في آخرهم فتفشل، ولكن كن وسطا حيث يرى مكانك، ويسمع صوتك.
وأخرج عن السائب بن محمد قال: كتب الجراح بن عبد اللّه إلى عمر بن عبد العزيز: إن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم، وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك، فكتب إليه عمر: أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم، وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فقد كذبت، بل يصلحهم العدل والحق، فابسط ذلك فيهم، والسلام.
وأخرج عن أمية بن زيد القرشي قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا أملى على كتّابه قال: اللهم إني أعوذ بك من شر لساني.
وأخرج عن صالح بن جبير قال: ربما كلمت عمر بن عبد العزيز في الشيء فيغضب، فأذكر أن في الكتاب مكتوبا اتق غضبة الملك الشاب، فأرفق به حتى يذهب غضبه، فيقول لي بعد ذلك: لا يمنعك يا صالح ما ترى منا أن تراجعنا في الأمر إذا رأيته.
وأخرج عن عبد الحليم بن محمد المخزومي قال: قدم جرير بن عطية بن الخطفي على عمر بن عبد العزيز، فذهب ليقول، فنهاه عمر، فقال: إنما أذكر رسول اللّه ﵌، قال: أمّا رسول اللّه ﵌ فاذكره، فقال:
إن الذي ابتعث النبيّ محمدا … جعل الخلافة للأمير العادل
ردّ المظالم حقها بيقينها … عن جورها، وأقام ميل المائل
[واللّه أنزل في القرآن فريضة … لابن السبيل وللفقير العائل]
إني لأرجو منك خيرا عاجلا … والنفس مغرمة بحب العاجل (١)
فقال له عمر: ما أجد لك في كتاب اللّه حقا، قال: بلى يا أمير المؤمنين،
стр. 256
إنني ابن سبيل، فأمر له من خاصة ماله بخمسين دينارا.
وفي الطيوريات أن جرير بن عثمان الرحبي دخل مع أبيه على عمر بن عبد العزيز، فسأله عمر عن حال ابنه، ثم قال له: علمه الفقه الأكبر، قال: وما الفقه الأكبر؟ قال: القناعة وكفّ الأذى.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر بن عبد العزيز، فقال: صف لي العدل، فقلت: بخ! سألت عن أمر جسيم، كن لصغير الناس أبا، ولكبيرهم ابنا، وللمثل منهم أخا، وللنساء كذلك، وعاقب الناس على قدر ذنوبهم، وعلى قدر أجسادهم، ولا تضربن لغضبك سوطا واحدا فتعدّ من العادين.
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز كان يتوضأ مما مست النار، حتى كان يتوضأ من السكر.
وأخرج عن وهيب أن عمر بن عبد العزيز قال: من عد كلامه من عمله قل كلامه.
وقال الذهبي: أظهر غيلان القدر في خلافة عمر بن عبد العزيز فاستتابه فقال: لقد كان كنت ضالا فهديتني، فقال عمر: اللهم إن كان صادقا وإلا فاصلبه واقطع يديه ورجليه، فنفذت فيه دعوته، فأخذ في خلافة هشام بن عبد الملك وقطعت أربعته، وصلب بدمشق في القدر.
وقال غيره: كان بنو أمية يسبون علي بن أبي طالب في الخطبة، فلما ولي عمر بن عبد العزيز أبطله، وكتب إلى نوابه بإبطاله، وقرأ مكانه: ﴿إِنَّ اَللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسانِ﴾ (١) الآية، فاستمرت قراءتها في الخطبة إلى الآن.
وقال القالي في أماليه: حدثنا أبو بكر بن الأنباري حدثنا أحمد بن عبيد قال:
قال عمر بن عبد العزيز قبل خلافته:
إنه الفؤاد عن الصّبا … وعن انقياد للهوى
стр. 257
فلعمر ربك إن في … شيب المفارق والجلا
لك واعظا لو كنت تت … عظ اتعاظ ذوي النهى
حتى متى لا ترعوي … وإلى متى، وإلى متى؟
ما بعد أن سميت كهلا … واستلبت اسم الفتى
بلي الشباب وأنت إن … عمرت رهن للبلى
وكفى بذلك زاجرا … للمرء عن غي، كفى
فائدة: قال الثعالبي في لطائف المعارف (١): كان عمر بن الخطاب أصلع، وعثمان، وعلي، ومروان بن الحكم، وعمر بن عبد العزيز، ثم انقطع الصلع عن الخلفاء.
فائدة: قال الزبير بن بكار: قال الشاعر في فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوجة عمر بن عبد العزيز:
بنت الخليفة والخليفة جدها … أخت الخلائف والخليفة زوجها
قال: فلم تكن امرأة تستحق هذا النسب إلى يومنا هذا غيرها.
قلت: ولا يقال في غيرها هذا إلى يومنا هذا.
ذكر مرضه ووفاته
قال أيوب: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو أتيت المدينة فإن متّ دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول اللّه ﵌، فقال: واللّه لأن يعذبني اللّه بكل عذاب إلا النار أحبّ إليّ من أن يعلم اللّه مني أني أراني لذلك الموضع أهلا.
وقال وليد بن هشام: قيل لعمر في مرضه: ألا تتداوى؟ فقال: لقد علمت الساعة التي سقيت فيها، ولو كان شفائي أن أمسح شحمة أذني أو أوتى بطيب فأرفعه إلى أنفي ما فعلت.
وقال عبيد بن حسان: لما احتضر عمر بن عبد العزيز قال: اخرجوا عني، فقعد مسلمة وفاطمة على الباب، فسمعوه يقول: مرحبا بهذه الوجوه، ليست
стр. 258
بوجوه إنس ولا جان، ثم قال: ﴿تِلْكَ اَلدّارُ اَلْآخِرَةُ﴾ (١) الآية، ثم هدأ الصوت، فدخلوا فوجدوه قد قبض، ﵁!
وقال هشام: لما جاء نعي عمر بن عبد العزيز قال الحسن البصري: مات خير الناس.
وقال خالد الربعي: إنا نجد في التوراة أن السموات والأرض تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحا.
وقال يوسف بن ماهك: بينا نحن نسوّي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا كتاب رق من السماء فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، أمان من اللّه لعمر بن عبد العزيز من النار.
وقال قتادة: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ولي العهد من بعده: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عمر إلى يزيد بن عبد الملك، سلام عليك؛ فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني كتبت وأنا دنف من وجعي، وقد علمت أني مسؤول عما وليت، يحاسبي عليه مليك الدنيا والآخرة، ولست أستطيع أن أخفي عليه من عملي شيئا؛ فإن رضي عني فقد أفلحت ونجوت من الهوان الطويل، وإن سخط عليّ فيا ويح نفسي إلى ما أصير، أسأل اللّه الذي لا إله إلا هو أن يجيرني من النار برحمته، وأن يمن عليّ برضوانه والجنة؛ فعليك بتقوى اللّه، الرعيّة الرعيّة فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلا، والسلام. أسند هذا كله أبو نعيم في الحلية.
توفي عمر بن عبد العزيز ﵁ بدير سمعان - بكسر السين - من أعمال حمص لعشر بقين - وقيل: لخمس بقين - من رجب سنة إحدى ومائة، وله حينئذ تسع وثلاثون سنة وستة أشهر، وكانت وفاته بالسم، كان بنو أمية قد تبرموا به لكونه شدد عليهم وانتزع من أيديهم كثيرا مما غصبوه، وكان قد أهمل التحرز فسقوه السم.
قال مجاهد: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما يقول الناس فيّ؟ قلت: يقولون
стр. 259
مسحور، قال: ما أنا بمسحور، وإني لأعلم الساعة التي سقيت فيها، ثم دعا غلاما له فقال له: ويحك، ما حملك على أن تسقيني السم؟ قال: ألف دينار أعطيتها وعلى أن أعتق، قال: هاتها، قال: فجاء بها فألقاها في بيت المال، وقال: اذهب حيث لا يراك أحد.
مات في أيامه من الأعلام: أبو أمامة [سعد] بن سهل بن حنيف، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسالم بن أبي الجعد، وبسر بن سعيد، وأبو عثمان النهدي، وأبو الضحى وشهر بن حوشب الشامي، وحنش بن عبد اللّه الصنعاني، ومسلم بن يسار البصري، وعيسى بن طلحة بن عبد اللّه القرشي التيمي أحد أشراف قريش وعقلائها وعلمائها.
стр. 260
يزيد بن عبد الملك بن مروان
يزيد بن عبد الملك (١) بن مروان بن الحكم، أبو خالد، الأموي، الدمشقي.
ولد سنة إحدى وسبعين، وولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز بعهد من أخيه سليمان كما تقدم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما ولي يزيد قال: سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز، فأتى بأربعين شيخا فشهدوا له ما على الخلفاء حساب ولا عذاب.
وقال ابن الماجشون: لما مات عمر بن عبد العزيز قال يزيد: واللّه ما عمر بأحوج إلى اللّه مني، فأقام أربعين يوما يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز ثم عدل عن ذلك.
وقال سليم بن بشير: كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك حين احتضر: سلام عليك، أما بعد فإني لا أراني إلاّ لما بي، فاللّه اللّه في أمة محمد فإنك تدع الدنيا لمن لا يحمدك، وتفضي إلى من لا يعذرك، والسلام.
وفي سنة اثنتين خرج يزيد بن المهلب على الخلافة، فوجه إليه مسلمة بن عبد
стр. 261
الملك بن مروان فهزم يزيد وقتل، وذلك بالعقير موضع بقرب كربلاء.
قال الكلبي: نشأت وهم يقولون: ضحى بنو أمية يوم كربلاء بالدين، ويوم العقير بالكرم.
مات يزيد في أواخر شعبان سنة خمس ومائة.
وممن مات في خلافته من الأعلام: الضحاك بن مزاحم، وعديّ بن أرطاة، وأبو المتوكل الناجي، وعطاء بن يسار، ومجاهد، ويحيى بن وثاب مقرئ الكوفة، وخالد بن معدان، والشعبي عالم العراق، وعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وأبو قلابة الجرمي، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وآخرون.
стр. 262
هشام بن عبد الملك
هشام بن عبد الملك (١)، أبو الوليد، ولد سنة نيف وسبعين، واستخلف بعهد من أخيه يزيد.
قال مصعب الزبيري: رأى عبد الملك في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات، فسأل سعيد بن المسيب؛ فقال: يملك من ولده لصلبه أربعة؛ فكان آخرهم هشام.
وكان هشام حازما عاقلا، كان لا يدخل بيت ماله مالا حتى يشهد أربعون فسامة: لقد أخذ من حقه، ولقد أعطى لكل ذي حق حقه.
стр. 263
وقال الأصمعي: أسمع رجل مرة هشاما كلاما، فقال له: يا هذا، ليس لك أن تسمع خليفتك.
قال: وغضب مرة على رجل فقال: واللّه لقد هممت أن أضربك سوطا.
وقال سحل بن محمد: ما رأيت أحدا من الخلفاء أكره إليه الدماء ولا أشد عليه من هشام.
وعن هشام أنه قال: ما بقي شيء من لذات الدنيا إلا وقد نلته، إلا شيئا واحدا أخا أرفع مؤنة التحفظ فيما بيني وبينه.
وقال الشافعي: لما بنى هشام الرصافة بقنسرين أحب أن يخلو يوما لا يأتيه فيه غم، فما انتصف النهار حتى أتته ريشة بدم من بعض الثغور، فأوصلت إليه، فقال: ولا يوما واحدا!
وقيل: إن هذا البيت له، ولم يحفظ له سواه:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى … إلى بعض ما فيه عليك مقال
مات في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة.
وفي سنة سبع من أيامه فتحت قيصرية الروم بالسيف، وفي سنة ثمان فتحت خنجرة على يد البطال الشجاع (١) المشهور، وفي سنة اثنتي عشرة فتحت خرشنة في ناحية ملطية.
وممن مات في أيامه من الأعلام: سالم بن عبد اللّه بن عمر، وطاوس، وسليمان بن يسار، وعكرمة مولى ابن عباس، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وكثيّر عزة الشاعر، ومحمد بن كعب القرظي، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الصحابي آخرهم موتا، وجرير، والفرزدق، وعطية العوفي، ومعاوية بن قرة، ومكحول، وعطاء بن أبي رباح، وأبو جعفر الباقر، ووهب بن منبه، وسكينة بنت الحسين، والأعرج، وقتادة، ونافع مولى ابن عمر، وابن عامر مقرئ الشام، وابن كثير مقرئ مكة، وثابت
стр. 264
البناني، ومالك بن دينار، وابن محيصن المقرئ، وابن شهاب الزهري، وخلائق آخرون.
ومن أخبار هشام: أخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: أراد هشام بن عبد الملك أن يوليني خراج مصر، فأبيت، فغضب حتى اختلج وجهه، وكان في عينيه الحول، فنظر إليّ نظر منكر، وقال: لتلينّ طائعا، أو لتلينّ كارها، فأمسكت عن الكلام حتى سكن غضبه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتكلم؟ قال:
نعم، قلت: إن اللّه قال في كتابه العزيز: ﴿إِنّا عَرَضْنَا اَلْأَمانَةَ عَلَى اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ وَاَلْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها﴾ (١) الآية، فو اللّه يا أمير المؤمنين، ما غضب عليهن إذ أبين ولا أكرههن إذ كرهن، وما أنا بحقيق أن تغضب عليّ إذ أبيت، وتكرهني إذا كرهت، فضحك وأعفاني.
وأخرج عن خالد بن صفوان قال: وفدت على هشام بن عبد الملك، فقال: هات يا ابن صفوان، قلت: إن ملكا من الملوك خرج متنزها إلى الخورنق، وكان ذا علم مع الكثرة والغلبة، فنظر وقال لجلسائه: لمن هذا؟ قالوا: للملك، قال: فهل رأيتم أحدا أعطي مثل ما أعطيت؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة فقال: إنك قد سألت عن أمر، أفتأذن لي بالجواب؟ قال:
نعم، قال: أرأيت ما أنت فيه، أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثا وهو زائل عنك إلى غيرك كما صار إليك؟ قال: كذا هو، قال: فتعجب بشيء يسير لا تكون فيه إلا قليلا، وتنقل عنه طويلا فيكون عليك حسابا، قال: ويحك فأين المهرب؟ وأين المطلب؟ وأخذته قشعريرة، قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة اللّه بما ساءك وسرك، وإما أن تنخلع من ملكك، وتضع تاجك، وتلقي عنك أطمارك، وتعبد ربك، قال: إني مفكر الليلة وأوافيك السحر، فلما كان السحر قرع عليه بابه فقال: إني اخترت هذا الجبل، وفلوات الأرض، وقد لبست عليّ أمساحي، فإن كنت لي رفيقا لا تخالف، فلزما الجبل حتى ماتا؛ وفيه يقول عدي بن زيد العبادي (٢):
стр. 265
أيها الشامت المعير بالده … ر أأنت المبرأ الموفور؟
أم لديك العهد الوثيق من الأي … ام؟ بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم من … ذا عليه من أن يضام خفير؟
أين كسرى كسرى الملوك أبو سا … سان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك ال … روم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج … لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كل … سا فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد الم … لك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذ أش … رف يوما وللهدى تذكير
سره ماله وكثرة ما يم … لك والبحر معرض والسدير
فارعوى قلبه وقال: وما غب … طة حي إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والأم … ة وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق جف … فألوت به الصبا والدبور
قال: فبكى هشام حتى اخضلت لحيته، وأمر بابنتيه، وطي فرشه، ولزم قصره، فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان وقالوا: ما أردت إلى أمير المؤمنين؟ أفسدت عليه لذته، فقال: إليكم عني، فإني عاهدت اللّه أن لا أخلو بملك إلا ذكرته اللّه تعالى.
стр. 266
الوليد بن يزيد بن عبد الملك
الوليد بن يزيد (١) بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، الخليفة الفاسق، أبو العباس.
ولد سنة تسعين، فلما احتضر أبوه لم يمكنه أن يستخلفه لأنه صبي، فعقد لأخيه هشام، وجعل هذا ولي العهد من بعد هشام، فتسلم الأمر عند موت هشام في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، وكان فاسقا، شريبا للخمر، منتهكا حرمات اللّه، أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة، فمقته الناس لفسقه، وخرجوا عليه، فقتل في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين [ومائة].
стр. 267
وعنه أنه لما حوصر قال: ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع عنكم المؤن؟ ألم أعط فقراءكم؟ فقالوا: ما ننقم عليك في أنفسنا، لكن ننقم عليك انتهاك ما حرم اللّه، وشرب الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر اللّه.
ولما قتل وقطع رأسه وجيء به يزيد الناقص نصبه على رمح، فنظر إليه أخوه سليمان بن يزيد، فقال: بعدا له! أشهد أنه كان شروبا للخمر، ماجنا، فاسقا، ولقد راودني على نفسي.
وقال المعافى الجريري: جمعت شيئا من أخبار الوليد، ومن شعره الذي ضمنه ما فجر به من خرقه وسخافته، وما صرح به من الإلحاد في القرآن والكفر باللّه.
وقال الذهبي: لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة، بل اشتهر بالخمر والتلوط، فخرجوا عليه لذلك.
وذكر الوليد مرة عند المهدي فقال رجل: كان زنديقا، فقال المهدي: مه، خلافة اللّه عنده أجل من أن يجعلها في زنديق.
وقال مروان بن أبي حفصة: كان الوليد من أجمل الناس، وأشدهم وأشعرهم.
وقال أبو الزناد: كان الزهري يقدح أبدا عند هشام في الوليد ويعيبه، ويقول: ما يحل لك إلا خلعه، فما يستطيع هشام، ولو بقي الزهري إلى أن يملك الوليد لفتك به.
وقال الضحاك بن عثمان: أراد هشام أن يخلع الوليد ويجعل العهد لولده، فقال الوليد:
كفرت يدا من منعم لو شكرتها … جزاك بها الرحمن بالفضل والمن (١)
رأيتك تبني جاهدا في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبني
أراك على الباقين تجني ضغينة … فيا ويحهم إن مت من شر ما تجني
стр. 268
كأني بهم يوما وأكثر قيلهم … ألا ليت أنا حين يا ليت لا تغني
وقال حماد الراوية: كنت يوما عند الوليد، فدخل عليه منجمان فقالا:
نظرنا فيما أمرتنا فوجدناك تملك سبع سنين، قال حماد: فأردت أن أخدعه، فقلت: كذبا ونحن أعلم بالآثار وضروب العلم، وقد نظرنا في هذا فوجدناك تملك أربعين سنة، فأطرق ثم قال: لا ما قالا يكسرني، ولا ما قلت يغرني، واللّه لأجبين المال من حله جباية من يعيش الأبد، ولأصرفنه في حقه صرف من يموت الغد.
وقد ورد في مسند أحمد حديث: «ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو أشد على هذه الأمة من فرعون لقومه».
وقال ابن فضل اللّه في المسالك: الوليد بن يزيد، الجبار العنيد، لقبا ما عداه، ولقما سلكه فما هداه، فرعون ذلك العصر الذاهب، والدهر المملوء بالمعائب، يأتي يوم القيامة يقدم قومه فيوردهم النار، ويرديهم العار، وبئس الورد المورود، والمورد المردي في ذلك الموقف المشهود، رشق المصحف بالسهام، وفسق ولم يخف الآثام.
وأخرج الصولي عن سعيد بن سليم قال: أنشد ابن ميّادة (١) الوليد بن يزيد شعره الذي يقول فيه:
فضلتم قريشا، غير آل محمد … وغير بني مروان أهل الفضائل
فقال له الوليد: أراك قد قدمت علينا آل محمد، فقال ابن ميادة: ما أراه يجوز غير ذلك، وابن ميادة هذا هو القائل في الوليد أيضا من قصيدة طويلة:
هممت بقول صادق أن أقوله … وإني على رغم العداة لقائله
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا … شديدا بأعباء الخلافة كاهله
стр. 269
يزيد الناقص، أبو خالد بن الوليد
يزيد الناقص (١)، أبو خالد، بن الوليد عبد الملك، لقّب بالناقص لكونه نقص الجند من أعطياتهم، وثب على الخلافة، وقتل ابن عمه الوليد وتملك.
وأمه شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد، وأم فيروز بنت شيرويه بن كسرى، وأم شيرويه بنت خاقان ملك الترك، وأم أم فيروز بنت قيصر عظيم الروم؛ فلهذا قال يزيد يفتخر:
أنا ابن كسرى، وأبي مروان … وقيصر جدي، وجدي خاقان
قال الثعالبي: أعرق الناس في الملك والخلافة من طرفيه.
ولما قتل يزيد الوليد قام خطيبا فقال: أما بعد، إني واللّه ما خرجت أشرا ولا
стр. 270
بطرا ولا طمعا ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي، ولكن خرجت غضبا للّه ولدينه وداعيا إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ ، حين درست معالم الهدى، وطفئ نور أهل التقوى، وظهر الجبار المستحل الحرمة، والراكب البدعة، فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيكم ظلمة لا تقلع عنكم على كثرة من ذنوبكم وقسوة من قلوبكم، وأشفقت أن يدعو كثيرا من الناس إلى ما هو عليه فيجيبه، فاستخرت اللّه في أمري، ودعوت من أجابني من أهلي وأهل ولايتي، فأراح اللّه منه البلاد والعباد، ولاية من اللّه، ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه، أيها الناس، إن لكم عندي إن وليت أموركم أن لا أضع لبنة على لبنة ولا حجرا على حجر ولا أنقل مالا من بلد حتى أسدّ ثغره وأقسم بين مصالحه ما تقوون به؛ فإن فضل فضل رددته إلى البلد الذي يليه، حتى تستقيم المعيشة وتكونوا فيه سواء، فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم، وإن ملت فلا بيعة لي عليكم، وإن رأيتم أحدا أقوى مني عليها فأردتم بيعته فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته، وأستغفر اللّه لي ولكم.
وقال عثمان بن أبي العاتكة: أول من خرج بالسلاح في العيدين يزيد بن الوليد، خرج يومئذ من بين صفين من الخيل عليهم السلاح من باب الحصن إلى المصلى.
وعن أبي عثمان الليثي، قال يزيد الناقص: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل المسكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا.
وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي ﵀ يقول: لما ولي يزيد بن الوليد دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه، وقرب أصحاب غيلان.
ولم يمتّع يزيد بالخلافة، بل مات من عامه في سابع ذي الحجة، فكانت خلافته ستة أشهر ناقصة، وكان عمره خمسا وثلاثين سنة، وقيل: ستا وأربعين سنة، ويقال: إنه مات بالطاعون.
стр. 271
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك (١)، أبو إسحاق، بويع بالخلافة بعد موت أخيه يزيد الناقص، قيل: إنه عهد إليه، وقيل: لا.
قال يزيد بن سنان: حضرت يزيد بن الوليد وقد احتضر فأتاه قطن، فقال:
أنا رسول من وراء بابك يسألونك بحق اللّه لما وليت أمرهم أخاك إبراهيم، فغضب، فقال: أنا أولى بإبراهيم؟ ثم قال: يا أبا العلاء، إلى من ترى أعهد؟ قلت: أمر نهيتك عن الدخول فيه فلا أشير عليك في آخره، قال: وأغمي عليه حتى حسبته قد مات، فقعد قطن، فافتعل كتابا بالعهد على لسان يزيد، ودعا ناسا فاستشهدهم عليه، ولا واللّه ما عهد يزيد شيئا.
ومكث إبراهيم في الخلافة سبعين ليلة، ثم خلع: خرج عليه مروان بن محمد وبويع، فهرب إبراهيم، ثم جاء فخلع نفسه من الأمر، وسلمه إلى مروان، وبايع طائعا.
стр. 272
وعاش إبراهيم بعد ذلك إلى سنة اثنتين وثلاثين، فقتل فيمن قتل من بني أمية في وقعة السفاح.
وفي تاريخ ابن عساكر سمع إبراهيم من الزهري، وحكى عن عمه هشام، وحكى عنه ابنه يعقوب، وأمه أم ولد، وهو أخو مروان الحمار لأمه.
وكان خلعه يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من صفر سنة سبع وعشرين ومائة.
وقال المدائني: لم يتمّ لإبراهيم أمر، كان قوم يسلمون عليه بالخلافة، وقوم يسلمون عليه بالإمارة، وأبى قوم أن يبايعوا له، وقال بعض شعرائهم:
نبايع إبراهيم في كل جمعة … ألا إن أمرا أنت واليه ضائع
وقال غيره: كان نقش خاتم إبراهيم «إبراهيم يثق باللّه».
стр. 273
مروان الحمار
مروان الحمار (١)، آخر خلفاء بني أمية (٢)، أبو عبد الملك بن محمد بن مروان بن الحكم، ويلقب بالجعديّ نسبة إلى مؤدبه الجعد بن درهم، وبالحمار؛ لأنه كان لا يجف له لبد في محاربة الخارجين عليه.
كان يصل السير بالسير، ويصبر على مكاره الحرب. ويقال في المثل: فلان
стр. 274
أصبر من حمار في الحروب؛ فلذلك لقب به. وقيل: لأن العرب تسمي كلّ مائة سنة حمارا، فلما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان بالحمار لذلك.
ولد مروان بالجزيرة وأبوه متوليها سنة اثنتين وسبعين، وأمه أمّ ولد.
وولي قبل الخلافة ولايات جليلة، وافتتح قونية سنة خمس ومائة.
وكان مشهورا بالفروسية، والإقدام، والرجلة، والدهاء، والعسف، فلما قتل الوليد وبلغه ذلك وهو على أرمينية دعا إلى بيعة من رضيه المسلمون فبايعوه، فلما بلغه موت يزيد أنفق الخزائن، وسار فحارب إبراهيم فهزمه، وبويع مروان وذلك في نصف صفر سنة سبع وعشرين، واستوثق له الأمر، فأول ما فعل أمر بنبش يزيد الناقص، فأخرجه من قبره، وصلبه لكونه قتل الوليد.
ثم إنه لم يتهنّ بالخلافة؛ لكثرة من خرج عليه من كل جانب إلى سنة اثنتين وثلاثين، فخرج عليه بنو العباس، وعليهم عبد اللّه بن علي عمّ السفاح فسار لحربهم، فالتقى الجمعان بقرب الموصل، فانكسر مروان، فرجع إلى الشام، فتبعه عبد اللّه، ففرّ مروان إلى مصر، فتبعه صالح أخو عبد اللّه، فالتقيا بقرية بوصير، فقتل مروان بها في ذي الحجة من السنة.
مات في أيامه من الأعلام: السّدّي الكبير، ومالك بن دينار الزاهد، وعاصم بن أبي النّجود المقري، ويزيد بن أبي حبيب، وشيبة بن نصاح المقري، ومحمد بن المنكدر، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع مقرئ المدينة، وأبو أيوب السّختياني، وأبو الزناد، وهمام بن منبه، وواصل بن عطاء المعتزلي.
وأخرج الصولي عن محمد بن صالح قال: لما قتل مروان الحمار قطع رأسه ووجّه به إلى عبد اللّه بن علي، فنظر إليه وغفل، فجاءت هرة، فاقتلعت لسانه وجعلت تمضغه؛ فقال عبد اللّه بن علي: لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم هرة لكفانا ذلك.
стр. 275
السّفّاح أول خلفاء بني العباس
السّفّاح (١)، أول خلفاء بني العباس: أبو العباس عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم.
ولد سنة ثمان ومائة - وقيل: سنة أربع - بالحميمة من ناحية البلقاء، ونشأ بها، وبويع بالكوفة، وأمه ريطة الحارثية.
стр. 276
حدث عن أخيه إبراهيم بن محمد الإمام، وروى عنه عمه عيسى بن علي، وكان أصغر من أخيه المنصور.
أخرج أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري «أن رسول اللّه ﵌ قال: يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن، يقال له السفاح، فيكون إعطاؤه المال حثيا».
وقال عبيد اللّه العيشي: قال أبي: سمعت الأشياخ يقولون: واللّه لقد أفضت الخلافة إلى بني العباس وما في الأرض أحد أكثر قارئا للقرآن، ولا أفضل عابدا ولا ناسكا منهم.
قال ابن جرير الطبري: كان بدء أمر بني العباس أن رسول اللّه ﵌ أعلم العباس عمّه أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقّعون ذلك.
وعن رشدين بن كريب أن أبا هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية خرج إلى الشام، فلقي محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، فقال: يا ابن عم، إن عندي علما أريد أن أنبذه إليك، فلا تطلعن عليه أحدا، إن هذا الأمر الذي ترتجيه الناس فيكم، قال: قد علمته فلا يسمعنه منك أحد.
وروى المدائني عن جماعة أن الإمام محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس قال:
لنا ثلاثة أوقات: موت يزيد بن معاوية، ورأس المائة، وفتق بإفريقية فعند ذلك تدعو لنا دعاة، ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم المغرب، فلما قتل يزيد ابن أبي مسلم بإفريقية ونقضت البربر بعث محمد الإمام رجلا إلى خراسان، وأمره أن يدعو إلى الرضى من آل محمد ﵌، ولا يسمي أحدا، ثم وجه أبا مسلم الخراساني وغيره، وكتب إلى النقباء فقبلوا كتبه. ثم لم ينشب أن مات محمد، فعهد إلى ابنه إبراهيم، فبلغ خبره مروان، فسجنه، ثم قتله، فعهد إلى أخيه عبد اللّه، وهو السفاح، فاجتمع إليه شيعتهم، وبويع بالخلافة بالكوفة في ثالث ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وصلى بالناس الجمعة، وقال في الخطبة: الحمد للّه الذي اصطفى الإسلام لنفسه فكرمه وشرفه وعظمه، واختاره لنا وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوّام به والذابّين عنه، ثم ذكر قرابتهم في
стр. 277
آيات القرآن، إلى أن قال: فلما قبض اللّه نبيه قام بالأمر أصحابه إلى أن وثب بنو حرب ومروان فجاروا واستأثروا، فأملى اللّه لهم حينا حتى آسفوه، فانتقم منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا ليمنّ بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وما توفيقنا أهل البيت إلا باللّه، يا أهل الكوفة أنتم محلّ محبتنا، ومنزل مودتنا، لم تفتروا عن ذلك، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدت في أعطياتكم مائة مائة؛ فاستعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المبير.
وكان عيسى بن علي إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة يقول: إن أربعة عشر رجلا خرجوا من دارهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة هممهم، شديدة قلوبهم!
ولما بلغ مروان مبايعة السفاح خرج لقتاله فانكسر كما تقدم، ثم قتل، وقتل في مبايعة السفاح من بني أمية وجندهم ما لا يحصى من الخلائق، وتوطدت له الممالك إلى أقصى المغرب.
قال الذهبي: بدولته تفرقت الجماعة، وخرج عن الطاعة ما بين تاهرت وطبنة إلى بلاد السودان وجميع مملكة الأندلس، وخرج بهذه البلاد من تغلب عليها واستمر ذلك.
مات السفاح بالجدري في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وكان قد عهد إلى أخيه أبي جعفر، وكان في سنة أربع وثلاثين قد انتقل إلى الأنبار، وصيّرها دار الخلافة.
ومن أخبار السفاح، قال الصولي: من كلامه: إذا عظمت القدرة قلّت الشهوة، وقلّ تبرع إلا معه حق مضاع، وقال: إن من أدنياء الناس ووضعائهم من عد البخل حزما، والحلم ذلا، وقال: إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة، والصبر حسن إلا على ما أوقع الدين وأوهن السلطان، والأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة.
قال الصولي: وكان السفاح أسخى الناس، ما وعد عدة فأخّرها عن
стр. 278
وقتها، ولا قام من مجلسه حتى يقضيها، وقال له عبد اللّه بن حسن مرة: سمعت بألف ألف درهم وما رأيتها قط، فأمر بها فأحضرت، وأمر بحملها معه إلى منزله.
قال: وكان نقش خاتمه «اللّه ثقة عبد اللّه وبه يؤمن» وقلّ ما يروى له من الشعر.
وقال سعيد بن مسلم الباهلي: دخل عبد اللّه بن حسن على السفاح مرة، والمجلس غاصّ ببني هاشم والشيعة ووجوه الناس، ومعه مصحف، فقال: يا أمير المؤمنين، اعطنا حقنا الذي جعله اللّه لنا في هذا المصحف، قال له: إن عليا جدّك كان خيرا مني وأعدل، ولي هذا الأمر، أفأعطي جدّيك الحسن والحسين - وكانا خيرا منك - شيئا؟ وكان الواجب أن أعطيك مثله، فإن كنت فعلت فقد أنصفتك، وإن كنت زدتك فما هذا جزائي منك، فانصرف ولم يحر جوابا، وعجب الناس من جواب السفاح.
قال المؤرخون: في دولة بني العباس افترقت كلمة الإسلام، وسقط اسم العرب من الديوان، وأدخل الأتراك في الديوان، واستولت الديلم، ثم الأتراك، وصارت لهم دولة عظيمة، وانقسمت ممالك الأرض عدة أقسام، وصار بكل قطر قائم يأخذ الناس بالعسف، ويملكهم بالقهر.
قالوا: وكان السفاح سريعا إلى سفك الدماء، فأتبعه في ذلك عماله بالمشرق والمغرب، وكان مع ذلك جوادا بالمال.
مات في أيامه من الأعلام: زيد بن أسلم، وعبد اللّه بن أبي بكر بن حزم، وربيعة الرأي فقيه أهل المدينة، وعبد الملك بن عمير، ويحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، وعبد الحميد الكاتب المشهور، قتل ببوصير مع مروان، ومنصور بن المعتمر، وهمام بن منبه.
стр. 279
المنصور أبو جعفر عبد اللّه
المنصور أبو جعفر (١) عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، وأمه سلامة البربرية أم ولد، ولد سنة خمس وتسعين، وأدرك جده ولم يرو عنه. وروى عن أبيه، وعن عطاء بن يسار، وعنه ولده المهدي، وبويع بالخلافة بعهد من
стр. 280
أخيه، وكان فحل بني العباس هيبة وشجاعة وحزما ورأيا وجبروتا، جمّاعا للمال، تاركا اللهو واللعب، كامل العقل، جيد المشاركة في العلم والأدب، فقيه النفس، قتل خلقا كثيرا حتى استقام ملكه، وهو الذي ضرب أبا حنيفة ﵀! - على القضاء، ثم سجنه، فمات بعد أيام، وقيل: إنه قتله بالسم لكونه أفتى بالخروج عليه، وكان فصيحا بليغا مفوّها خليقا للإمارة، وكان غاية في الحرص والبخل، فلقب «أبا الدوانيق» لمحاسبته العمال والصناع على الدوانيق والحبات.
أخرج الخطيب عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي ﵌ قال: «منا السفاح، ومنا المنصور، ومنا المهدي».
قال الذهبي: منكر منقطع.
وأخرج الخطيب وابن عساكر وغيرهما من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: منا السفاح، ومنا المنصور، ومنا المهدي.
قال الذهبي: إسناده صالح.
وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن محمد بن جابر عن الأعمش عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري ﵃! قال: سمعت رسول اللّه ﵌ يقول: «منا القائم، ومنا المنصور، ومنا السفاح، ومنا المهدي، فأما القائم فتأتيه الخلافة ولم يهرق فيها محجمة من دم، وأما المنصور فلا ترد له راية، وأما السفاح فهو يسفح المال والدم، وأما المهدي فيملؤها عدلا كما ملئت ظلما».
وعن المنصور قال: رأيت كأني في الحرم، وكأن رسول اللّه ﵌ في الكعبة وبابها مفتوح، فنادى مناد: أين عبد اللّه؟ فقام أخي أبو العباس حتى صار على الدرجة، فأدخل، فما لبث أن خرج ومعه قناة عليها لواء أسود قدر أربعة أذرع، ثم نودي: أين عبد اللّه؟ فقمت على الدرجة، فأصعدت وإذا رسول اللّه ﵌، وأبو بكر، وعمر، وبلال، فعقد لي، وأوصاني بأمته، وعممني بعمامة، فكان كورها ثلاثة وعشرين، وقال: خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة.
стр. 281
تولى المنصور الخلافة في أول سنة سبع وثلاثين ومائة، فأول ما فعل أن قتل أبا مسلم الخراساني صاحب دعوتهم وممهّد مملكتهم.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومائة كان دخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي إلى الأندلس، واستولى عليها وامتدت أيامه، وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربعمائة، وكان عبد الرحمن هذا من أهل العلم والعدل، وأمه بربرية.
قال أبو المظفر الأبيوردي: فكانوا يقولون: ملك الدنيا ابنا بربريتين:
المنصور، وعبد الرحمن بن معاوية.
وفي سنة أربعين شرع في بناء مدينة بغداد.
وفي سنة إحدى وأربعين كان ظهور الراوندية القائلين بالتناسخ؛ فقتلهم المنصور، وفيها فتحت طبرستان.
قال الذهبي: في سنة ثلاث وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث، والفقه، والتفسير، فصنف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة ﵀ الفقه والرأي، ثم بعد يسير صنف هشيم، والليث، وابن لهيعة، ثم ابن المبارك، وأبو يوسف، وابن وهب، وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية، واللغة، والتاريخ وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة.
وفي سنة خمس وأربعين كان خروج الأخوين محمد وإبراهيم ابني عبد اللّه بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فظفر بهما المنصور فقتلهما وجماعة كثيرة من آل البيت؛ فإنا للّه وإنا إليه راجعون!
وكان المنصور أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين، وكانوا قبل شيئا واحدا، وآذى المنصور خلقا من العلماء ممن خرج معهما أو أمر بالخروج قتلا وضربا وغير ذلك، منهم: أبو حنيفة، وعبد الحميد بن جعفر، وابن عجلان، وممن أفتى
стр. 282
بجواز الخروج مع محمد على المنصور مالك بن أنس ﵀، وقيل له: إن في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين.
وفي سنة ست وأربعين كانت غزوة قبرس.
وفي سنة سبع وأربعين خلع المنصور عمه عيسى بن موسى من ولاية العهد، وكان السفاح عهد إليه من بعد المنصور، وكان عيسى هو الذي حارب له الأخوين فظفر بهما، فكافأه بأن خلعه مكرها، وعهد إلى ولده المهدي.
وفي سنة ثمان وأربعين توطدت الممالك كلها للمنصور، وعظمت هيبته في النفوس، ودانت له الأمصار، ولم يبق خارجا عنه سوى جزيرة الأندلس فقط فإنها غلب عليها عبد الرحمن بن معاوية الأموي المرواني، لكنه لم يتلقب بأمير المؤمنين، بل بالأمير فقط، وكذلك بنوه.
وفي سنة تسع وأربعين فرغ من بناء بغداد.
وفي سنة خمسين خرجت الجيوش الخراسانية عن الطاعة مع الأمير أستاذسيس واستولى على أكثر مدن خراسان وعظم الخطب، واستفحل الشر واشتد على المنصور الأمر، وبلغ ضريبة الجيش الخراساني ثلثمائة ألف مقاتل ما بين فارس وراجل، فعمل معهم أجشم المروزي مصافا، فقتل أجشم واستبيح عسكره، فتجهز لحربهم خازم بن خزيمة في جيش عرمرم يسد الفضاء، فالتقى الجمعان، وصبر الفريقان، وكانت وقعة مشهورة يقال: قتل فيها سبعون ألفا، وانهزم أستاذسيس فالتجأ إلى جبل، وأمر الأمير خازم في العام الآتي بالأسرى فضربت أعناقهم، وكانوا أربعة عشر ألفا، ثم حاصروا أستاذسيس مدة، ثم سلم نفسه فقيدوه وأطلقوا أجناده، وكان عددهم ثلاثين ألفا، انتهى.
وفي سنة إحدى وخمسين بنى الرصافة وشيّدها.
وفي سنة ثلاث وخمسين ألزم المنصور رعيته بلبس القلانس الطوال؛ فكانوا يعملونها بالقصب والورق ويلبسونها السواد، فقال أبو دلامة (١):
стр. 283
وكنا نرجي من إمام زيادة … فزاد الإمام المصطفى في القلانس
تراها على هام الرجال كأنها … دنان يهود جلّلت بالبرانس
وفي سنة ثمان وخمسين أمر المنصور نائب مكة بحبس سفيان الثوري، وعباد بن كثير، فحبسا، وتخوف الناس أن يقتلهما المنصور إذا ورد الحج، فلم يوصله اللّه مكة سالما، بل قدم مريضا ومات، وكفاهما اللّه شره، وكانت وفاته بالبطن في ذي الحجة ودفن بين الحجون وبين بئر ميمون، وقال سلم الخاسر (١):
قفل الحجيج وخلفوا ابن محمد … رهنا بمكة في الضريح الملحد
شهدوا المناسك كلهم وإمامهم … تحت الصفائح محرما لم يشهد
ومن أخبار المنصور - أخرج ابن عساكر بسنده أن أبا جعفر المنصور كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة، فبينا هو يدخل منزلا من المنازل قبض عليه صاحب الرصد، فقال: زن درهمين قبل أن تدخل، قال: خلّ عني فإني رجل من بني هاشم، قال: زن درهمين، فقال: خل عني فإني من بني عم رسول اللّه ﷺ ، قال: زن درهمين، قال: خل عني فإني رجل قارئ لكتاب اللّه، قال: زن درهمين، قال: خل عني فإني رجل عالم بالفقه والفرائض، قال: زن درهمين، فلما أعياه أمره وزن الدرهمين، فرجع ولزم جمع المال والتدنق فيه حتى لقب بأبي الدوانيق.
وأخرج عن الربيع بن يونس الحاجب قال: سمعت المنصور يقول: الخلفاء أربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والملوك أربعة: معاوية، وعبد الملك، وهشام، وأنا.
وأخرج عن مالك بن أنس قال: دخلت على أبي جعفر المنصور فقال: من أفضل الناس بعد رسول اللّه ﷺ ؟ قلت: أبو بكر وعمر، قال: أصبت، وذلك رأي أمير المؤمنين.
وأخرج عن إسماعيل الفهري قال: سمعت المنصور في يوم عرفة على منبر
стр. 284
عرفة يقول في خطبته: أيها الناس، إنما أنا سلطان اللّه في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على فيئه أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني اللّه عليه قفلا:
إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني، فارغبوا إلى اللّه أيها الناس، وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلامَ دِيناً﴾ (١) أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة بكم، والإحسان إليكم، ويفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم بالعدل؛ فإنه سميع مجيب.
وأخرجه الصولي، وزاد في أوله أن سبب هذه الخطبة أن الناس بخّلوه، وزاد في آخره: فقال بعض الناس: أحال أمير المؤمنين بالمنع على ربه.
وأخرج عن الأصمعي وغيره أن المنصور صعد المنبر فقال: الحمد للّه، أحمده وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، اذكر من أنت في ذكره، فقال: مرحبا مرحبا، لقد ذكرت جليلا، وخوفت عظيما، وأعوذ باللّه أن أكون ممن إذا قيل له اتق اللّه أخذته العزة بالإثم، والموعظة منا بدت، ومن عندنا خرجت، وأنت يا قائلها فأحلف باللّه ما اللّه أردت بها، وإنما أردت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر فأهون بها من قائلها، واهتبلها من اللّه، ويلك! إني قد غفرتها، وإياكم معشر الناس وأمثالها، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فعاد إلى خطبته فكأنما يقرؤها من قرطاس.
وأخرج من طرق أن المنصور قال لابنه المهدي: يا أبا عبد اللّه، الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه؟
وقال: لا تبرمنّ أمرا حتى تفكر فيه؛ فإن فكرة العاقل مرآته تريه قبيحه وحسنه.
стр. 285
وقال: أي بنيّ استدم النعمة بالشكر، والمقدرة بالعفو، والطاعة بالتألف، والنصر بالتواضع والرحمة للناس.
وأخرج عن مبارك بن فضالة قال: كنا عند المنصور، فدعا برجل ودعا بالسيف، فقال المبارك: يا أمير المؤمنين، سمعت الحسن يقول: قال رسول اللّه ﷺ : إذ كان يوم القيامة قام مناد من عند اللّه ينادي ليقم الذين أجرهم على اللّه؛ فلا يقوم إلا من عفا، فقال المنصور: خلوا سبيله.
وأخرج عن الأصمعي قال: أتي المنصور برجل يعاقبه، فقال: يا أمير المؤمنين، الانتقام عدل، والتجاوز فضل، ونحن نعيذ أمير المؤمنين باللّه أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين، فعفا عنه.
وأخرج عن الأصمعي قال: لقي المنصور أعرابيا بالشام، فقال: أحمد اللّه يا أعرابي الذي رفع عنكم الطاعون بولايتنا أهل البيت، قال: إن اللّه لا يجمع علينا حشفا وسوء كيل: ولايتكم والطاعون.
وأخرج عن محمد بن منصور البغدادي قال: قام بعض الزهاد بين يدي المنصور فقال: إن اللّه أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك ببعضها، واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة، واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده، فأفحم المنصور وأمر له بمال، فقال: لو احتجت إلى مالك ما وعظتك.
وأخرج عن عبد السلام بن حرب أن المنصور بعث إلى عمرو بن عبيد، فجاءه فأمر له بمال، فأبى أن يقبله، فقال المنصور: واللّه لتقبلنه، فقال: واللّه لا أقبله، فقال له المهدي: قد حلف أمير المؤمنين، فقال: أمير المؤمنين أقوى على كفارة اليمين من عمك، فقال له المنصور: سل حاجتك؟ قال: أسألك أن لا تدعوني حتى آتيك، ولا تعطيني حتى أسألك، فقال: علمت أني جعلت هذا ولي عهدي، فقال: يأتيه الأمر يوم يأتيه وأنت مشغول.
وأخرج عن عبد اللّه بن صالح قال: كتب المنصور إلى سوار بن عبد اللّه قاضي البصرة: انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر فادفعها إلى القائد، فكتب إليه سوار: إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر؛ فلست أخرجها من يده إلا ببينة، فكتب إليه المنصور: واللّه الذي لا إله إلا هو لتدفعها إلى القائد،