المهتدي باللّه
المهتدي باللّه الخليفة الصالح: محمد أبو إسحاق (١) - وقيل: أبو عبد اللّه - بن الواثق بن المعتصم بن الرشيد، أمه أم ولد تسمى وردة، ولد في خلافة جده سنة بضع عشرة ومائتين، وبويع بالخلافة لليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وما قبل بيعته أحد حتى أتي بالمعتز، فقام المهتدي له وسلم عليه بالخلافة، وجلس بين يديه، فجيء بالشهود فشهدوا على المعتز أنه عاجز عن الخلافة، فاعترف بذلك ومد يده فبايع المهتدي، فارتفع حينئذ المهتدي إلى صدر المجلس.
وكان المهتدي أسمر، رقيقا، مليح الوجه، ورعا، متعبدا، عادلا، قويا
стр. 387
في أمر اللّه، بطلا، شجاعا لكنه لم يجد ناصرا ولا معينا.
قال الخطيب: لم يزل صائما منذ ولي إلى أن قتل، وقال هاشم بن القاسم:
كنت بحضرة المهتدي عشية في رمضان، فوثبت لأنصرف، فقال لي: اجلس، فجلست، وتقدم فصلى بنا، ثم دعا بالطعام، فأحضر طبق خلاف وعليه رغيف من الخبز النقي، وفيه آنية فيها ملح وخل وزيت، فدعاني إلى الأكل، فابتدأت آكل ظانا أنه سيؤتى بطعام، فنظر إليّ وقال: ألم تك صائما؟ قلت: بلى، قال:
أفلست عازما على الصوم؟ فقلت: كيف لا وهو رمضان؟ فقال: كل واستوف فليس ههنا من الطعام غير ما ترى، فعجبت، ثم قلت: ولم يا أمير المؤمنين وقد أسبغ اللّه نعمته عليك؟ فقال: إن الأمر ما وصفت، ولكني فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز - وكان من التقلل والتّقشّف على ما بلغك - فغرت على بني هاشم؛ فأخذت نفسي بما رأيت.
وقال جعفر بن عبد الواحد: ذاكرت المهتدي بشيء، فقلت له: كان أحمد بن حنبل يقول به، ولكنه كان يخالف - أشير إلى من مضى من آبائه - فقال:
رحم اللّه أحمد بن حنبل! واللّه لو جاز لي أن أتبرأ من أبي لتبرأت منه، ثم قال لي:
تكلم بالحق وقل به، فإن الرجل ليتكلم بالحق فينبل في عيني.
وقال نفطويه: حدثني بعض الهاشميين أنه وجد للمهتدي سفط فيه جبة صوف وكساء كان يلبسه بالليل ويصلي فيه، وكان قد اطرح الملاهي، وحرم الغناء، وحسم أصحاب السلطان عن الظلم، وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين، يجلس بنفسه، ويجلس الكتّاب بين يديه، فيعملون الحساب، وكان لا يخل بالجلوس الاثنين والخميس، وضرب جماعة من الرؤساء، ونفى جعفر بن محمود إلى بغداد، وكره مكانه؛ لأنه نسب عنده إلى الرفض.
وقدم موسى بن بغا من الري يريد سامراء لقتل صالح بن وصيف بدم المعتز، وأخذ أموال أمه ومعه جيشه، فصاحت العامة على ابن وصيف: يا فرعون قد جاءك موسى، فطلب موسى بن بغا الإذن على المهتدي، فلم يأذن له، فهجم بمن معه عليه - وهو جالس في دار العدل - فأقاموه، وحملوه على فرس ضعيفة، وانتهبوا القصر، وأدخلوا المهتدي إلى دار ناجود وهو يقول: يا موسى اتق اللّه، ويحك! ما
стр. 388
تريد؟ قال: واللّه ما نريد إلاّ خيرا، فاحلف لنا أن لا تمالئ صالح بن وصيف، فحلف لهم، فبايعوه حينئذ ثم طلبوا صالحا ليناظروه على أفعاله، فاختفى، وندبهم المهتدي إلى الصلح فاتهموه أنه يدري مكانه، فجرى في ذلك كلام، ثم تكلموا في خلعه، فخرج إليهم المهتدي من الغد متقلدا بسيفه، فقال: قد بلغني شأنكم، ولست كمن تقدمني مثل المستعين والمعتز، واللّه ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنّط، وقد أوصيت، وهذا سيفي، واللّه لأضربن به ما استمسكت قائمته بيدي، أما دين، أما حياء، أما دعة؟ لم يكون الخلاف على الخلفاء والجرأة على اللّه؟ ثم قال: ما أعلم علم صالح، فرضوا وانفضوا، ونادى موسى بن بغا: من جاء بصالح فله عشرة آلاف دينار، فلم يظفر به أحد، واتفق أن بعض الغلمان دخل زقاقا وقت الحر، فرأى بابا مفتوحا فدخل فمشى في دهليز مظلم، فرأى صالحا نائما فعرفه - وليس عنده أحد - فجاء إلى موسى فأخبره، فبعث جماعة فأخذوه وقطعت رأسه وطيف به، وتألم المهتدي لذلك في الباطن، ثم رحل موسى ومعه بكيال إلى السن في طلب مساور، فكتب المهتدي إلى بكيال أن يقتل موسى ومفلحا أحد أمراء الأتراك أيضا أو يمسكهما، ويكون هو الأمير على الأتراك كلهم، فأوقف بكيال موسى على كتابه، وقال: إني لست أفرح بهذا، وإنما هذا يعمل علينا كلنا، فأجمعوا على قتل المهتدي، وساروا إليه، فقاتل عن المهتدي المغاربة، والفراغنة، والأشر وسنية، وقتل من الأتراك في يوم أربعة آلاف، ودام القتال إلى أن هزم جيش الخليفة، وأمسك هو فعصر على خصيتيه فمات، وذلك في رجب سنة ست وخمسين، فكانت خلافته سنة إلا خمسة عشر يوما، وكان لما قامت الأتراك عليه ثار العوام، وكتبوا رقاعا وألقوها في المساجد: يا معشر المسلمين، ادعوا اللّه لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن عبد العزيز أن ينصره اللّه على عدوه.
стр. 389
المعتمد على اللّه أبو العباس
المعتمد على اللّه (١) أبو العباس - وقيل: أبو جعفر - أحمد بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، ولد سنة تسع وعشرين ومائتين، وأمه رومية اسمها فتيان، ولما قتل المهتدي كان المعتمد محبوسا بالجوسق، فأخرجوه وبايعوه، ثم إنه استعمل أخاه الموفق طلحة على المشرق، وصير ابنه جعفرا ولي عهده، وولاه مصر والمغرب، ولقبه المفوض إلى اللّه، وانهمك المعتمد في اللهو واللذات، واشتغل عن الرعية، فكرهه الناس، وأحبوا أخاه طلحة.
وفي أيامه دخلت الزنج البصرة وأعمالها وأخربوها، وبذلوا السيف وأحرقوا وخربوا وسبوا، وجرى بينهم وبين عسكره عدة وقعات وأمير عسكره في أكثرها
стр. 390
الموفق أخوه، وأعقب ذلك الوباء الذي لا يكاد يتخلف عن الملاحم بالعراق، فمات خلق لا يحصون، ثم أعقبه هدات وزلازل، فمات تحت الردم ألوف من الناس، واستمر القتال مع الزنج من حين تولى المعتمد سنة ست وخمسين إلى سنة سبعين، فقتل فيها رأس الزنج لعنه اللّه واسمه بهبوذ، وكان ادعى أنه أرسل إلى الخلق فردّ الرسالة وأنه مطلع على المغيبات.
وذكر الصولي أنه قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف آدمي، وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلثمائة ألف، وكان له منبر في مدينته يصعد عليه ويسب عثمان، وعليا، ومعاوية، وطلحة، والزبير، وعائشة، ﵃!
وكان ينادي على المرأة العلوية في عسكره بدرهمين وثلاثة، وكان عند الواحد من الزنج العشر من العلويات يطؤهن ويستخدمهن.
ولما قتل هذا الخبيث دخل برأسه بغداد على رمح، وعملت قباب الزينة، وضج الناس بالدعاء للموفق، ومدحه الشعراء، وكان يوما مشهودا، وأمن الناس وتراجعوا إلى المدن التي أخذها، وهي كثيرة كواسط ورامهرمز.
وفي سنة ستين من أيامه وقع غلاء مفرط بالحجاز والعراق، وبلغ كر الحنطة في بغداد مائة وخمسين دينارا، وفيها أخذت الروم بلدة لؤلؤة.
وفي سنة إحدى وستين بايع المعتمد بولاية العهد بعده لابنه المفوض إلى اللّه جعفر، ثم من بعده لأخيه الموفق طلحة، وولى ولده المغرب، والشام، والجزيرة، وأرمينية، وولى أخاه المشرق، والعراق، وبغداد، والحجاز، واليمن، وفارس، وأصبهان، والري، وخراسان، وطبرستان، وسجستان، والسند، وعقد لكل منهما لواءين: أبيض، وأسود، وشرط إن حدث به حدث أن الأمر لأخيه إن لم يكن ابنه جعفر قد بلغ، وكتب العهد وأنفذه مع قاضي القضاة ابن أبي الشوارب ليعلقه في الكعبة.
وفي سنة ست وستين وصلت عساكر الروم إلى دياربكر، ففتكوا، وهرب أهل الجزيرة، والموصل. وفيها وثبت الأعراب على كسوة الكعبة فانتهبوها.
وفي سنة سبع وستين استولى أحمد بن عبد اللّه الحجابي على خراسان،
стр. 391
وكرمان، وسجستان، وعزم على قصد العراق، وضرب السّكّة باسمه، وعلى الوجه الآخر اسم المعتمد، وهذا محل الغرابة، ثم إنه في آخر السنة قتله غلمانه، فكفى اللّه شره.
وفي سنة تسع وستين اشتد تخيل المعتمد من أخيه الموفق؛ فإنه كان خرج عليه في سنة أربع وستين ثم اصطلحا، فلما اشتد تخيله منه هذا العام كاتب المعتمد ابن طولون نائبه بمصر، واتفقا على أمر، فخرج ابن طولون حتى قدم دمشق، وخرج المعتمد من سامراء على وجه التنزه، وقصده دمشق، فلما بلغ ذلك الموفق كتب إلى إسحاق بن كنداج ليرده، فركب ابن كنداج من نصيبين إلى المعتمد، فلقيه بين الموصل والحديثة، فقال: يا أمير المؤمنين، أخوك في وجه العدو وأنت تخرج عن مستقرك ودار ملكك، ومتى صح هذا عنده رجع عن مقاومة الخارجي، فيغلب عدوك على ديار آبائك، في كلمات أخر، ثم وكل بالمعتمد جماعة، ورسم على طائفة من خواصه، ثم بعث إلى المعتمد يقول: ما هذا بمقام فارجع، فقال المعتمد: فاحلف لي أنك تنحدر معي ولا تسلمني، فحلف له، وانحدر إلى سامراء فتلقاه صاعد بن مخلد كاتب الموفق، فسلمه إسحاق إليه، فأنزله في دار أحمد بن الخصيب، ومنعه من نزول دار الخلافة، ووكل به خمسمائة رجل يمنعون من الدخول إليه، ولما بلغ الموفق ذلك بعث إلى إسحاق بخلع وأموال، وأقطعه ضياع القواد الذين كانوا مع المعتمد، ولقبه ذا السندين، ولقب صاعدا ذا الوزارتين، وأقام صاعد في خدمة المعتمد، ولكن ليس للمعتمد حل ولا ربط؛ وقال المعتمد في ذلك:
أليس من العجائب أنّ مثلي … يرى ما قلّ ممتنعا عليه؟
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا … وما من ذاك شيء في يديه
إليه تحمل الأموال طرا … ويمنع بعض ما يجبى إليه
وهو أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به، ثم أدخل المعتمد واسط، ولما بلغ ابن طولون ذلك جمع الفقهاء، والقضاة، والأعيان، وقال: قد نكث الموفق بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد، فخلعوه إلا القاضي بكار بن قتيبة فإنه قال: أنت أوردت عليّ من المعتمد كتابا بولايته العهد فأورد عليّ كتابا آخر منه بخلعه، فقال:
إنه محجور عليه ومقهور، فقال: لا أدري، فقال ابن طولون: غرك الناس بقولهم
стр. 392
ما في الدنيا مثل بكار، أنت شيخ قد خرفت، وحبسه وقيده وأخذ منه جميع عطاياه من سنين، فكانت عشرة آلاف دينار؛ فقيل: إنها وجدت في بيت بكار بختمها، وبلغ الموفق ذلك، فأمر بلعن ابن طولون على المنابر.
ثم في شعبان من سنة سبعين أعيد المعتمد إلى سامراء ودخل بغداد، ومحمد بن طاهر بين يديه بالحربة والجيش في خدمته كأنه لم يحجر عليه، ومات ابن طولون في هذه السنة، فولى الموفق ابنه أبا العباس أعماله، وجهزه إلى مصر في جنود العراق، وكان خمارويه بن أحمد بن طولون أقام على ولايات أبيه بعده، فوقع بينه وبين أبي العباس بن الموفق وقعة عظيمة بحيث جرت الأرض من الدماء، وكان النصر للمصريين.
وفي هذه السنة انبثق ببغداد في نهر عيسى بثق، فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف دار.
وفيها نازلت الروم طرسوس في مائة ألف، فكانت النصرة للمسلمين، وغنموا ما لا يحصى، وكان فتحا عظيما عديم المثل.
وفيها ظهرت دعوة المهدي عبيد اللّه بن عبيد جدّ بني عبيد خلفاء المصريين الروافض في اليمن، وأقام على ذلك إلى سنة ثمان وسبعين، فحج تلك السنة واجتمع بقبيلة من كتامة، فأعجبهم حاله، فصحبهم إلى مصر، ورأى منهم طاعة وقوة فصحبهم إلى المغرب، فكان ذلك أول شأن المهدي.
وفي سنة إحدى وسبعين، قال الصولي: ولي هارون بن إبراهيم الهاشمي الحسبة فأمر أهل بغداد أن يتعاملوا بالفلوس، فتعاملوا بها على كره ثم تركوها.
وفي سنة ثمان وسبعين غار نيل مصر، فلم يبق منه شيء، وغلت الأسعار، وفيها مات الموفق، واستراح منه المعتمد.
وفيها ظهرت القرامطة بالكوفة وهم نوع من الملاحدة يدعون أنه لا غسل من الجنابة، وأن الخمر حلال، ويزيدون في أذانهم «وأن محمد بن الحنفية رسول اللّه» وأن الصوم في السنة يومان: يوم النيروز، ويوم المهرجان، وأن الحج والقبلة إلى بيت المقدس، وأشياء أخرى، ونفق قولهم على الجهال، وأهل البر، وتعب الناس
стр. 393
بهم.
وفي سنة تسع وسبعين ضعف أمر المعتمد جدا؛ لتمكن أبي العباس بن الموفق من الأمور، وطاعة الجيش له، فجلس المعتمد مجلسا عاما، وأشهد فيه على نفسه أنه خلع ولده المفوض من ولاية العهد، وبايع لأبي العباس، ولقبه المعتضد، وأمر المعتضد في هذه السنة أن لا يقعد في الطريق منجم ولا قصّاص، واستحلف الوراقين أن لا يبيعوا كتب الفلاسفة والجدل.
ومات المعتمد بعد أشهر من هذه السنة فجأة، فقيل: إنه سم، وقيل: بل نام فغم في بساط، وذلك ليلة الاثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة، إلا أنه كان مقهورا مع أخيه الموفق لاستيلائه على الأمور، ومات وهو كالمحجور عليه من بعض الوجوه من جهة المعتضد أيضا.
وممن مات في أيامه من الأعلام: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والربيع الجيزي، والربيع المرادي، والمزني، ويونس بن عبد الأعلى، والزبير بن بكار، وأبو الفضل الرياشي، ومحمد بن يحيى الذهلي، وحجاج بن يوسف الشاعر، والعجلي الحافظ، وقاضي القضاة ابن أبي الشوارب، والسوسي المقرئ، وعمر بن شبة، وأبو زرعة الرازي، ومحمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، والقاضي بكار، وداود الظاهري، وابن دارة، وبقيّ بن مخلد، وابن قتيبة، وأبو حاتم الرازي، وآخرون.
ومن قول عبد اللّه بن المعتز (١) في المعتمد يمدحه:
يا خير من تزجى المطي له … ويمر حبل العهد موثقه
أضحى عنان الملك مقتسرا … بيديك تحبسه وتطلقه
فاحكم لك الدنيا وساكنها … ما طاش سهم أنت موفقه
стр. 394
ومن شعر المعتمد لما حجر عليه:
أصبحت لا أملك دفعا لما … أسام من خسف ومن ذلة
تمضي أمور الناس دونى، ولا … يشعرني في ذكرها قلتي
إذا اشتهيت الشيء ولّوا به … عني وقالوا: ههنا علتي
قال الصولي: كان له ورّاق يكتب شعره بماء الذهب.
ورثاه أبو سعيد الحسن بن سعيد النيسابوري بقوله:
لقد قرّ طرف الزمان النّكد … وكان سخينا كليلا رمد
وبلّغت الحادثات المنى … بموت إمام الهدى المعتمد
ولم يبق لي حذر بعده … فدون المصائب فلتجتهد
стр. 395
المعتضد باللّه أحمد
المعتضد باللّه: أحمد (١) أبو العباس ابن ولي العهد الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، ولد في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وقال الصولي: في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وأمه أم ولد اسمها صواب، وقيل: حرز، وقيل: ضرار، وبويع له في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين بعد عمه المعتضد، وكان ملكا شجاعا، مهيبا، ظاهر الجبروت، وافر العقل، شديد الوطأة، من أفراد خلفاء بني العباس، وكان يقدم على الأسد وحده لشجاعته، وكان قليل الرحمة: إذا غضب على قائد أمر بأن يلقى في حفيرة ويطم عليه، وكان ذا سياسة عظيمة.
قال عبد اللّه بن حمدون: خرج المعتضد يتصيد، فنزل إلى جانب مقثأة -
стр. 396
وأنا معه - فصاح الناطور، فقال: عليّ به، فأحضر، فسأله، فقال: ثلاثة غلمان نزلوا المقثأة فأخربوها، فجيء بهم فضربت أعناقهم من الغد في المقثأة، ثم كلمني بعد مدة فقال: أصدقني فيما ينكر عليّ الناس، قلت: الدماء، قال: واللّه ما سفكت دما حراما منذ وليت، قلت: فلم قتلت أحمد بن الطيب؟ قال: دعاني إلى الإلحاد، قلت: فالثلاثة الذين نزلوا المقثأة؟ قال: واللّه ما قتلتهم، وإنما قتلت لصوصا قد قتلوا، وأوهمت أنهم هم.
وقال إسماعيل القاضي: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث صباح الوجوه روم، فنظرت إليهم، فلما أردت القيام قال لي: أيها القاضي واللّه ما حللت سراويلي على حرام قط.
ودخلت مرّة، فدفع إليّ كتابا، فنظرت فيه، فإذا [هو] قد جمع له فيه الرخص من زلل العلماء، فقلت: مصنف هذا زنديق، فقال: أمختلق؟ قلت:
لا، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء، وما من عالم إلا وله زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه، فأمر بالكتاب فأحرق.
وكان المعتضد شهما، جلدا، موصوفا بالرجلة، قد لقي الحروب، وعرف فضله، فقام بالأمر أحسن قيام، وهابه الناس، ورهبوه أحسن رهبة، وسكنت الفتن في أيامه لفرط هيبته.
وكانت أيامه طيبة، كثيرة الأمن والرّخاء.
وكان قد أسقط المكوس، ونشر العدل، ورفع الظلم عن الرعية.
وكان يسمى «السّفّاح الثاني»؛ لأنه جدّد ملك بني العباس، وكان قد خلق وضعف، وكاد يزول. وكان في اضطراب من وقت قتل المتوكل. وفي ذلك يقول ابن الرومي يمدحه:
هنيئا بني العباس إن إمامكم … إمام الهدى والبأس والجود أحمد
كما بأبي العباس (١) أنشئ ملككم … كذا بأبي العباس أيضا يجدد
إمام يظل الأمس يعمل نحوه … تلهف ملهوف ويشتاقه الغد
стр. 397
وقال في ذلك ابن المعتز أيضا:
أما ترى ملك بني هاشم … عاد عزيزا بعد ما ذللا
يا طالبا للملك كن مثله … تستوجب الملك، وإلا فلا
وفي أوّل سنة استخلف فيها منع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة وما شاكلها، ومنع القصاص والمنجمين من القعود في الطريق، وصلى بالناس صلاة الأضحى، فكبر في الأولى ستا، وفي الثانية واحدة، ولم تسمع منه الخطبة.
وفي سنة ثمانين دخل داعي المهدي إلى القيروان، وفشا أمره، ووقع القتال بينه وبين صاحب إفريقية، وصار أمره في زيادة.
وفيها ورد كتاب من الدبيل أن القمر كسف في شوّال، وأن الدنيا أصبحت مظلمة إلى العصر، فهبت ريح سوداء، فدامت إلى ثلث الليل، وأعقبها زلزلة عظيمة أذهبت عامة المدينة، فكان عدّة من أخرج من تحت الردم مائة ألف وخمسين ألفا.
وفي سنة إحدى وثمانين فتحت مكورية في بلاد الروم.
وفيها غارت مياه الرّيّ وطبرستان، حتى بيع الماء ثلاثة أرطال بدرهم، وقحط الناس، وأكلوا الجيف.
وفيها هدم المعتضد دار الندوة بمكة، وصيّرها مسجدا إلى جانب المسجد الحرام.
وفي سنة اثنتين وثمانين أبطل ما يفعل في النيروز: من وقيد النيران، وصبّ الماء على الناس، وأزال سنة المجوس.
وفيها زفت إليه قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، فدخل عليها في ربيع الأول، وكان في جهازها أربعة آلاف تكة مجوهرة، وعشر صناديق جوهر.
وفي سنة ثلاث وثمانين كتب إلى الآفاق بأن يورث ذوو الأرحام، وأن يبطل ديوان المواريث، وكثر الدعاء للمعتضد.
وفي سنة أربع وثمانين ظهرت بمصر حمرة عظيمة حتى كاد الرجل ينظر إلى وجه الرجل فيراه أحمر، وكذا الحيطان، فتضرّع الناس بالدعاء إلى اللّه تعالى، وكانت
стр. 398
من العصر إلى الليل.
قال ابن جرير: وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية على المنابر، فخوّفه عبيد اللّه الوزير اضطراب العامة، فلم يلتفت، وكتب كتابا في ذلك، ذكر فيه كثيرا من مناقب علي، ومثالب معاوية، فقال له القاضي يوسف: يا أمير المؤمنين أخاف الفتنة عند سماعه، فقال: إن تحركت العامة وضعت السيف فيها. قال:
فما تصنع بالعلويين الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك؟ وإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت كانوا إليهم أميل، فأمسك المعتضد عن ذلك.
وفي سنة خمس [وثمانين] هبّت ريح صفراء بالبصرة، ثم صارت خضراء، ثم صارت سوداء، وامتدّت في الأمصار، ووقع عقبها برد، وزنة البردة مائة وخمسون درهما، وقلعت الريح نحو خمسمائة نخلة، ومطرت قرية حجارة سودا وبيضا.
وفي سنة ست [وثمانين] ظهر بالبحرين أبو سعيد القرمطي، وقويت شوكته - وهو أبو أبي طاهر سليمان الذي يأتي أنه قلع الحجر الأسود - ووقع القتال بينه وبين عسكر الخليفة، وأغار على البصرة ونواحيها، وهزم جيش الخليفة مرات.
ومن أخبار المعتضد ما أخرجه الخطيب وابن عساكر عن أبي الحسين الخصيبي، قال: وجّه المعتضد إلى القاضي أبي حازم يقول: إن لي على فلان مالا، وقد بلغني أن غرماءه أثبتوا عندك وقد قسطت لهم من ماله، فاجعلنا كأحدهم، فقال أبو حازم: قل له: أمير المؤمنين - أطال اللّه بقاءه! - ذاكر لما قال لي وقت قلدني إنه قد أخرج الأمر من عنقه وجعله في عنقي، ولا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدّع إلا ببينة، فرجع إليه فأخبره، فقال: قل له: فلان وفلان يشهدان - يعني رجلين جليلين - فقال: يشهدان عندي، وأسأل عنهما؟ فإن زكّيا قبلت شهادتهما، وإلا أمضيت ما قد ثبت عندي، فامتنع أولئك من الشهادة فزعا، ولم يدفع إلى المعتضد شيئا.
قال ابن حمدون النديم: غرم المعتضد على عمارة البحيرة ستين ألف دينار، وفيها مع جواريه وفيهن محبوبته دريرة، فقال ابن بسام:
стр. 399
ترك الناس بحيره … وتخلى في البحيره
قاعدا يضرب بالطب … ل على حر دريره
فبلغ ذلك المعتضد فلم يظهر أنه بلغه، ثم أمر بتخريب تلك العمارات. ثم ماتت دريرة في أيام المعتضد، فجزع عليها جزعا شديدا. وقال يرثيها:
يا حبيبا لم يكن يعدله … عندي حبيب
أنت عن عيني بعيد … ومن القلب قريب
ليس لي بعدك في شيء … من اللهو نصيب
لك من قلبي على قل … بي وإن بنت رقيب
وخيال منك مذ غب … ت خيال لا يغيب
لو تراني كيف لي بعدك … عول ونحيب؟
وفؤادي حشوه من … حرق الحزن لهيب
لتيقّنت بأني … فيك محزون كئيب
ما أرى نفسي وإن سلّيت … ها عنك تطيب
لي دمع ليس يعصيني … وصبر ما يجيب
وقال بعضهم يمدح المعتضد، وهي على جزء جزء:
طيف ألم … بذي سلم
بين الخيم … يطوي الأكم
جاد نعم … يشفي السقم
ممن لثم … وملتزم
فيه هضم … إذا يضم
داوى الألم … ثمّ انصرم
فلم أنم … شوقا وهم
اللوم ذم … كم ثمّ كم
لوم الأصمّ؟ … أحمد لم
كلّ الثلم … مما انهدم
هو العلم … والمعتصم
خير النسم … خالا وعمّ
стр. 400
حوى الهمم … وما احتلم
طود أشم … سمح الشيم
جلا الظلم … كالبدر تمّ
رعى الذّمم … حمى الحرم
فلم يؤمّ … خصّ وعمّ
بما قسم … له النعم
مع النقم … والخير جم
إذا ابتسم … والماء دم
إذا انتقم
اعتلّ المعتضد في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين علة صعبة، وكان مزاجه قد تغير من كثرة إفراطه في الجماع. ثم تماسك. فقال ابن المعتز:
طار قلبي بجناح الوجيب … جزعا من حادثات الخطوب
وحذارا أن يشاك بسوء … أسد الملك وسيف الحروب
ثم انتكس، ومات يوم الاثنين لثمان بقين منه.
وحكى المسعودي قال: شكوا في موت المعتضد، فتقدم إليه الطبيب وجسّ نبضه ففتح عينيه، ورفس الطبيب برجله، فتدحاه (١) أذرعا فمات الطبيب ثم مات المعتضد من ساعته، ولما احتضر أنشد:
تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى … وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا
ولا تأمنن الدهر؛ إني أمنته … فلم يبق لي حالا ولم يرع لي حقا
قتلت صناديد الرجال فلم أدع … عدوّا ولم أمهل على ظنّة خلقا
وأخليت دور الملك من كل بازل … وشتتهم غربا ومزقتهم شرقا
فلما بلغت النجم عزا ورفعة … ودانت رقاب الخلق أجمع لي رقا
رماني الردى سهما فأخمد جمرتي … فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى
فأفسدت دنياي وديني سفاهة … فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى
فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى … إلى نعمة للّه أم ناره ألقى؟
стр. 401
ومن شعر المعتضد:
يا لاحظي بالفتور والدعج … وقاتلي بالدلال والغنج
أشكو إليك الذي لقيت من الوجد … فهل لي إليك من فرج
حللت بالطرف والجمال من الن … اس محل العيون والمهج
وله، انشده الصولي:
لم يلق من حرّ الفراق … أحد كما أنا منه لاق
يا سائلي عن طعمه … ألفيته مرّ المذاق
جسمي يذوب ومقلتي … عبرى وقلبي ذو احتراق
ما لي أليف بعدكم … إلا اكتئابي واشتياقي
فاللّه يحفظكم جميعا … في مقام وانطلاق
ولابن المعتز يرثيه:
يا دهر ويحك ما أبقيت لي احدا … وأنت والد سوء تأكل الولدا
أستغفر اللّه، بل ذا كله قدر، … رضيت باللّه ربا واحدا صمدا
يا ساكن القبر في غبراء مظلمة … بالظاهرية مقصى الدار منفردا
أين الجيوش التي قد كنت تنجبها؟ … أين الكنوز التي أحصيتها عددا
أين السرير الذي قد كنت تملؤه؟ … مهابة من رأته عينه ارتعدا
أين الأعادي الأولى ذللت مصعبهم؟ … أين الليوث التي صيرتها بددا؟
أين الجياد التي حجّلتها بدم؟ … وكن يحملن منك الضّيغم الأسدا
أين الرماح التي غديتها مهجا؟ … مذ مت ما وردت قلبا ولا كبدا
أين الجنان التي تجري جداولها؟ … وتستجيب إليها الطائر الغردا
أين الوصائف كالغزلان راتعة؟ … يسحبن من حلل موشيّة جددا
أين الملاهي؟ وأين الراح تحسبها؟ … ياقوتة كسيت من فضة زردا
أين الوثوب إلى الأعداء مبتغيا؟ … صلاح ملك بني العباس إذ فسدا
ما زلت تقسر منهم كل قسورة … وتحطم العالي الجبار معتمدا
ثم انقضيت فلا عين ولا أثر … حتى كأنك يوما لم تكن أحدا
مات في أيام المعتضد من الأعلام: ابن الموّاز المالكي، وابن أبي الدنيا،
стр. 402
وإسماعيل القاضي، والحارث بن أبي أسامة، وأبو العيناء، والمبرد، وأبو سعيد الخرّاز شيخ الصوفية، والبحتري الشاعر، وخلائق آخرون.
وخلف المعتضد من الأولاد أربعة ذكور، ومن الإناث إحدى عشرة.
стр. 403
المكتفي باللّه أبو محمد
المكتفي باللّه: أبو محمد علي (١) بن المعتضد، ولد في غرة ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين (٢)، وأمه تركية اسمها جيجك. وكان يضرب بحسنها المثل حتى قال بعضهم:
قايست بين جمالها وفعالها … فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
واللّه لا كلمتها ولو انها … كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي
وعهد إليه أبوه فبويع في مرضه يوم الجمعة بعد العصر لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين.
قال الصولي: وليس من الخلفاء من اسمه علي إلا هو وعلي بن أبي طالب ﵁، ولا من يكنى أبا محمد سوى الحسن بن علي، والهادي، والمكتفي.
ولما بويع له عند موت أبيه كان غائبا بالرقة، فنهض بأعباء البيعة الوزير
стр. 404
أبو الحسن القاسم بن عبيد اللّه، وكتب له فوافى بغداد في سابع جمادى الأولى، ومر بدجلة في سمارية، وكان يوما عظيما، وسقط أبو عمر القاضي من الزحمة في الجسر، وأخرج سالما، ونزل المكتفي بدار الخلافة، وقالت الشعراء، وخلع على القاسم الوزير سبع خلع، وهدم المطامير التي اتخذها أبوه وصيرها مساجد، وأمر برد البساتين والحوانيت التي أخذها أبوه من الناس ليعملها قصرا إلى أهلها، وسار سيرة جميلة، فأحبه الناس ودعوا له.
وفي هذه السنة زلزلت بغداد زلزلة عظيمة دامت أياما، وفيها هبت ريح عظيمة بالبصرة قلعت عامة نخلها، ولم يسمع بمثل ذلك.
وفيها خرج يحيى بن زكرويه القرمطي فاستمر القتال بينه وبين عسكر الخليفة إلى أن قتل في سنة تسعين، فقام عوضه أخوه الحسين، وأظهر شامة في وجهه وزعم أنها آيته، وجاءه ابن عمه عيسى بن مهرويه، وزعم أن لقبه المدثر، وأنه المعنيّ في السورة، ولقب غلاما له «المطوّق بالنور» وظهر على الشام، وعاث وأفسد، وتسمى بأمير المؤمنين المهدي، ودعي له على المنابر، ثم قتل الثلاثة في سنة إحدى وتسعين.
وفي هذه السنة فتحت أنطالية - باللام - من بلاد الروم عنوة، وغنم منها ما لا يحصى من الأموال.
وفي سنة اثنتين زادت دجلة زيادة لم ير مثلها حتى خربت بغداد، وبلغت الزيادة أحدا وعشرين ذراعا.
ومن شعر الصولي يمدح المكتفي ويذكر القرمطي:
[قد] كفى المكتفي الخليفة … ما كان قد حذر
إلى أن قال:
آل عباس أنتم … سادة الناس والغرر
حكم اللّه أنكم … حكماء على البشر
وأولو الأمر منكم … صفوة اللّه والخير
من رأى أن مؤمنا … من عصاكم فقد كفر
стр. 405
أنزل اللّه ذاكم … قبل في محكم السور
قال الصولي: سمعت المكتفي يقول في علته: واللّه ما آسي إلا على سبعمائة ألف دينار صرفتها من مال المسلمين في أبنية ما احتجت إليها، وكنت مستغنيا عنها، أخاف أن أسأل عنها، وإني أستغفر اللّه منها.
مات المكتفي شابا في ليلة الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين؛ وخلف ثمانية أولاد ذكور وثمان بنات.
وممن مات في أيامه من الأعلام: عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، وثعلب إمام العربية، وقنبل المقرئ، وأبو عبد اللّه البوشنجي الفقيه، والبزار صاحب المسند، وأبو مسلم الكجي، والقاضي أبو حازم، وصالح جزرة، ومحمد بن نصر المروزي الإمام، وأبو الحسين النوري شيخ الصوفية، وأبو جعفر الترمذي شيخ الشافعية بالعراق.
ورأيت في تاريخ نيسابور لعبد الغافر عن ابن أبي الدنيا (١) قال: لما أفضت الخلافة إلى المكتفي كتبت إليه بيتين:
إن حق التأديب حق الأبوه … عند أهل الحجى وأهل المروه
وأحقّ الرجال أن يحفظوا ذا … ك ويرعوه أهل بيت النبوه
قال: فحمل إليّ عشرة آلاف درهم، وهذا يدل على تأخر ابن أبي الدنيا إلى أيام المكتفي.
стр. 406
المقتدر باللّه أبو الفضل
المقتدر باللّه (١): أبو الفضل جعفر بن المعتضد، ولد في رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وأمه رومية - وقيل: تركية - اسمها غريب - وقيل: شغب - ولما اشتدت علة أخيه المكتفي سأل عنه، فصح عنده أنه احتلم، فعهد إليه، ولم يل الخلافة قبله أصغر منه؛ فإنه وليها وله ثلاث عشرة سنة، فاستصباه الوزير العباس بن الحسن، فعمل على خلعه، ووافقه جماعة على أن يولوا عبد اللّه بن المعتز، فأجاب ابن المعتز بشرط أن لا يكون فيها دم، فبلغ المقتدر ذلك، فأصلح حال العباس، ودفع إليه أموالا أرضته، فرجع عن ذلك، وأما الباقون فإنهم ركبوا عليه في العشرين من ربيع الأول سنة ست والمقتدر يلعب الأكرة، فهرب ودخل
стр. 407
وأغلقت الأبواب وقتل الوزير وجماعة، وأرسل إلى ابن المعتز فجاء وحضر القواد والقضاة والأعيان، وبايعوه بالخلافة، ولقبوه «الغالب باللّه» فاستوزر محمد بن داود ابن الجراح، واستقضى أبا المثنى أحمد بن يعقوب، ونفذت الكتب بخلافة ابن المعتز.
قال المعافى بن زكريا الجريري: لما خلع المقتدر وبويع ابن المعتز دخلوا على شيخنا محمد بن جرير الطبري، فقال: ما الخبر؟ قيل: بويع ابن المعتز، قال:
فمن رشح للوزارة؟ قيل: محمد بن داود، قال: فمن ذكر للقضاء؟ قيل: أبو المثنى، فأطرق ثم قال: هذا الأمر لا يتم، قيل له: وكيف؟ قال: كل واحد ممن سميتم متقدم في معناه عالي الرتبة والزمان مدبر والدنيا مولّية، وما أرى هذا إلا إلى اضمحلال، وما أرى لمدته طولا.
وبعث ابن المعتز إلى المقتدر يأمره بالانصراف إلى دار محمد بن طاهر لكي ينتقل ابن المعتز إلى دار الخلافة، فأجاب، ولم يكن بقي معه إلا طائفة يسيرة، فقالوا: يا قوم نسلم هذا الأمر ولا نجرب نفوسنا في دفع ما نزل بنا، فلبسوا السلاح وقصدوا المخرم وبه ابن المعتز، فلما رآهم من حوله ألقى اللّه في قلوبهم الرعب، فانصرفوا منهزمين بلا قتال، وهرب ابن المعتز ووزيره وقاضيه، ووقع النهب والقتل في بغداد، وقبض المقتدر على الفقهاء والأمراء الذين خلعوه، وسلموا إلى يونس الخازن فقتلهم إلا أربعة منهم القاضي أبو عمر سلموا من القتل، وحبس ابن المعتز، ثم أخرج فيما بعد ميتا، واستقام الأمر للمقتدر؛ فاستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات، فسار أحسن سيرة، وكشف المظالم، وحض المقتدر على العدل، ففوض إليه الأمور لصغره، واشتغل باللعب واللهو، وأتلف الخزائن.
وفي هذه السنة أمر المقتدر أن لا يستخدم اليهود والنصارى، وأن يركبوا بالأكف.
وفيها غلب أمر المهدي بالمغرب، وسلم عليه بالإمامة، ودعي له بالخلافة، وبسط في الناس العدل والإحسان، فانحرفوا إليه، وتمهدت له المغرب، وعظم ملكه، وبنى المهدية، وهرب أمير إفريقية زيادة اللّه بن الأغلب إلى مصر، ثم أتى العراق، وخرجت المغرب عن أمر بني العباس من هذا التاريخ، فكانت مدة
стр. 408
ملكهم جميع الممالك الإسلامية مائة وبضعا وستين سنة. ومن هنا دخل النقص عليهم.
قال الذهبي: اختل النظام كثيرا في أيام المقتدر لصغره.
وفي سنة ثلثمائة ساخ جبل بالدينور في الأرض، وخرج من تحته ماء كثير أغرق القرى.
وفيها ولدت بغلة فلوا (١)، فسبحان القادر على ما يشاء!
وفي سنة إحدى وثلثمائة ولي الوزارة علي بن عيسى؛ فسار بعفة وعدل وتقوى، وأبطل الخمور، وأبطل من المكوس ما ارتفاعه في العام خمسمائة ألف دينار.
وفيها أعيد القاضي أبو عمر إلى القضاء، وركب المقتدر من داره إلى الشماسية وهي أول ركبة ركبها وظهر فيها للعامة.
وفيها أدخل الحسين الحلاّج مشهورا على جمل إلى بغداد، فصلب حيا، ونودي عليه: هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه. ثم حبس إلى أن قتل في سنة تسع، وأشيع عنه أنه ادعى الإلهية وأنه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف، ويكتب إلى أصحابه من النور الشعشعاني، ونوظر فلم يوجد عنده شيء من القرآن، ولا الحديث، ولا الفقه.
وفيها سار المهدي الفاطمي يريد مصر في أربعين ألفا من البربر، فحال النيل بينه وبينها، فرجع إلى الاسكندرية، وأفسد فيها وقتل، ثم رجع فسار إليه جيش المقتدر إلى برقة، وجرت لهم حروب، ثم ملك الفاطمي الإسكندرية والفيوم من هذا العام.
وفي سنة اثنتين ختن المقتدر خمسة من أولاده؛ فغرم على ختانهم ستمائة ألف دينار، وختن معهم طائفة من الأيتام، وأحسن إليهم.
وفيها صلى العيد في جامع مصر، ولم يكن يصلي فيه العيد قبل ذلك؛
стр. 409
فخطب بالناس علي بن أبي شيخة من الكتّاب نظرا، وكان من غلطه أن قال: اتقوا اللّه حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مشركون.
وفيها أسلم الدّيلم على يد الحسن بن علي العلوي الأطروش، وكان مجوسيا.
وفي سنة أربع وقع الخوف ببغداد من حيوان يقال له «الزبزب» ذكر الناس انهم يرونه بالليل على الأسطحة، وأنه يأكل الأطفال، ويقطع ثدي المرأة؛ فكانوا يتحارسون ويضربون بالطاسات ليهرب، واتخذ الناس لأطفالهم مكاب ودام عدة ليال.
وفي سنة خمس قدمت رسل ملك الروم بهدايا، وطلبت عقد هدنة؛ فعمل المقتدر موكبا عظيما، فأقام العسكر وصفهم بالسلاح - وهم مائة وستون ألفا - من باب الشماسية إلى دار الخلافة، وبعدهم الخدام وهم سبعة آلاف خادم، ويليهم الحجاب وهم سبعمائة حاجب، وكانت الستور التي نصبت على حيطان دار الخلافة ثمانية وثلاثين ألف ستر من الديباج والبسط اثنين وعشرين ألفا، وفي الحضرة مائة سبع في السلاسل، إلى غير ذلك.
وفي هذه السنة وردت هدايا صاحب عمان، وفيها طير أسود يتكلم بالفارسية والهندية أفصح من الببّغا.
وفي سنة ست فتح مارستان أم المقتدر، وكان مبلغ النفقة فيه في العام سبعة آلاف دينار.
وفيها صار الأمر والنهي لحرم الخليفة ولنسائه لركاكته، وآل الأمر إلى أن أمرت أم المقتدر بمثل القهرمانة أن تجلس للمظالم وتنظر في رقاع الناس كل جمعة؛ فكانت تجلس وتحضر القضاة والأعيان وتبرز التواقيع وعليها خطها.
وفيها عاد القائم محمد بن المهدي الفاطمي إلى مصر فأخذ أكثر الصعيد.
وفي سنة ثمان غلت الأسعار ببغداد وسغبت (١) العامة لكون حامد بن العباس
стр. 410
ضمن السواد، وجدد المظالم، ووقع النهب، وركب الجند فيها، وشتتهم العامة، ودام القتال أياما، وأحرق العامة الحبس، وفتحوا السجون، ونهبوا الناس، ورجموا الوزير، واختلفت أحوال الدولة العباسية جدا.
وفيها ملكت جيوش القائم الجزيرة من الفسطاط، واشتد قلق أهل مصر، وتأهبوا للحروب، وجرت أمور وحروب يطول شرحها.
وفي سنة تسع قتل الحلاج بإفتاء القاضي أبي عمر والفقهاء والعلماء أنه حلال الدم، وله في أحواله السنية أخبار أفردها الناس بالتصنيف.
وفي سنة إحدى عشرة أمر المقتدر برد المواريث إلى ما صيرها المعتضد من توريث ذوي الأرحام.
وفي سنة اثنتي عشرة فتحت فرغانة على يد والي خراسان.
وفي سنة أربع عشرة دخلت الروم ملطية بالسيف.
وفيها جمدت دجلة بالموصل، وعبرت عليها الدواب، وهذا لم يعهد.
وفي سنة خمس عشرة دخلت الروم دمياط، وأخذوا من فيها وما فيها، وضربوا الناقوس في جامعها.
وفيها ظهرت الديلم على الري والجبال فقتل خلق وذبحت الأطفال.
وفي سنة ست عشرة بنى القرمطي دارا سماها «دار الهجرة» وكان في هذه السنين قد كثر فساده وأخذه البلاد وفتكه بالمسلمين، واشتد الخطب به، وتمكنت هيبته في القلوب، وكثر أتباعه، وبث السرايا، وتزلزل له الخليفة، وهزم جيش المقتدر غير مرة، وانقطع الحج في هذه السنين خوفا من القرامطة، ونزح أهل مكة عنها، وقصدت الروم ناحية خلاط، وأخرجوا المنبر من جامعها وجعلوا الصليب مكانه.
وفي سنة سبع عشرة خرج مؤنس الخادم الملقب بالمظفر على المقتدر؛ لكونه بلغه أنه يريد أن يولي إمرة الأمراء هارون بن غريب مكان مؤنس، وركب معه سائر الجيش والأمراء والجنود، وجاؤوا إلى دار الخلافة، فهربت خواص المقتدر، وأخرج المقتدر بعد العشاء، وذلك في ليلة رابع عشر المحرم من داره، وأمه، وخالته، وحرمه، ونهب لأمه ستمائة ألف دينار، وأشهد عليه بالخلع، وأحضر
стр. 411
محمد بن المعتضد، وبايعه مؤنس والأمراء، ولقبوه «القاهر باللّه» وفوضت الوزارة إلى أبي علي بن مقلة، وذلك يوم السبت، وجلس القاهر يوم الأحد، وكتب الوزير عنه إلى البلاد، وعمل الموكب يوم الاثنين، فجاء العسكر يطلبون رزق البيعة ورزق السنة، ولم يكن مؤنس حاضرا، فارتفعت الأصوات، فقتلوا الحاجب ومالوا إلى دار مؤنس يطلبون المقتدر ليردوه إلى الخلافة، فحملوه على أعناقهم من دار مؤنس إلى قصر الخلافة، وأخذ القاهر فجيء به وهو يبكي ويقول: اللّه اللّه في نفسي، فاستدناه وقبله، وقال له: يا أخي أنت واللّه لا ذنب لك، واللّه لا جرى عليك مني سوء أبدا، فطب نفسا، وسكن الناس، وعاد الوزير فكتب إلى الأقاليم بعودة الخلافة إلى خلافته، وبذل المقتدر الأموال في الجند.
وفي هذه السنة سير المقتدر ركب الحاج مع منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو اللّه أبو طاهر القرمطي (١)، فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلا ذريعا، وطرح القتلى في بئر زمزم، وضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره، ثم اقتلعه، وأقام بها أحد عشر يوما، ثم رحلوا وبقي الحجر الأسود عندهم أكثر من عشرين سنة، ودفع لهم فيه خمسون ألف دينار، فأبوا حتى أعيد في خلافة المطيع.
وقيل: إنهم لما أخذوه هلك تحته أربعون جملا من مكة إلى هجر، فلما أعيد حمل على قعود هزيل فسمن.
قال محمد بن الربيع بن سليمان: كنت بمكة سنة القرامطة، فصعد رجل لقلع الميزاب وأنا أراه، فعيل صبري وقلت: يا رب ما أحلمك، فسقط الرجل على دماغه فمات، وصعد القرمطي على باب الكعبة وهو يقول:
стр. 412
أنا باللّه وباللّه أنا … يخلق الخلق وأفنيهم أنا
ولم يفلح أبو طاهر القرمطي بعدها، وتقطع جسده بالجدري.
وفي هذه السنة هاجت فتنة كبرى ببغداد، بسبب قوله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ (١)، فقالت الحنابلة: معناها يقعده اللّه على عرشه، وقال غيرهم: بل هي الشفاعة، ودام الخصام، واقتتلوا جماعة كثيرة.
وفي سنة تسع عشرة نزل القرمطي الكوفة، وخاف أهل بغداد من دخوله إليها، فاستغاثوا ورفعوا أصواتهم والمصاحف، وسبّوا المقتدر.
وفيها دخلت الديلم الدينور فسبوا وقتلوا.
وفي سنة عشرين ركب مؤنس على المقتدر، فكان معظم جند مؤنس البربر، فلما التقى الجمعان رمى بربري المقتدر بحربة سقط منها إلى الأرض، ثم ذبحه بالسيف، وشيل رأسه على رمح، وسلب ما عليه، وبقي مكشوف العورة حتى ستر بالحشيش، ثم حفر له بالموضع ودفن، وذلك يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال.
وقيل: إن وزيره أخذ له ذلك اليوم طالعا، فقال له المقتدر: أي وقت هو؟ قال: وقت الزوال؛ فتطير وهمّ بالرجوع، فأشرفت خيل مؤنس، ونشبت الحرب، وأما البربري الذي قتله فإن الناس صاحوا عليه، فسار نحو دار الخلافة ليخرج القاهر فصادفه حمل شوك فزحمه إلى دكان لحام فعلقه كلاب، وخرج الفرس من مشواره من تحته فمات فحطه الناس وأحرقوه بالحمل الشوك.
وكان المقتدر جيد العقل، صحيح الرأي، لكنه كان مؤثرا للشهوات والشراب مبذرا، وكان النساء غلبن عليه، فأخرج عليهن جميع جواهر الخلافة ونفائسها، وأعطى بعض حظاياه الدرة اليتيمة ووزنها ثلاثة مثاقيل، وأعطى زيدان القهرمان سبحة جوهر لم ير مثلها، وأتلف أموالا كثيرة، وكان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان غير الصقالبة والروم والسود. وخلف اثني عشر ولدا ذكرا، وولي الخلافة من أولاده ثلاثة: الراضي، والمتقي، والمطيع. وكذلك اتفق
стр. 413
للمتوكل، والرشيد. وأما عبد الملك فولي الأمر من أولاده أربعة، ولا نظير لذلك إلا في الملوك، كذا قال الذهبي.
قلت: في زماننا ولي الخلافة من أولاد المتوكل خمسة: المستعين العباس، والمعتضد داود، والمستكفي سليمان، والقائم حمزة، والمستنجد يوسف، ولا نظير لذلك.
وفي لطائف المعارف للثعالبي - نادرة: لم يل الخلافة من اسمه جعفر إلا المتوكل والمقتدر، فقتلا جميعا: المتوكل ليلة الأربعاء، والمقتدر يوم الأربعاء.
ومن محاسن المقتدر ما حكاه ابن شاهين أن وزيره علي بن عيسى أراد أن يصلح بين ابن صاعد وبين أبي بكر بن أبي داود السجستاني، فقال الوزير: يا أبا بكر أبو محمد أكبر منك، فلو قمت إليه، قال: لا أفعل، فقال الوزير: أنت شيخ زيف، فقال ابن أبي داود: الشيخ الزيف الكذاب على رسول اللّه ﵌ [فقال: من؟ (١)] فقال: هذا، ثم قام ابن أبي داود وقال:
تتوهم أني أذل لك لأجل أن رزقي يصل إليّ على يدك، واللّه لا أخذت من يدك شيئا أبدا، فبلغ المقتدر ذلك، فصار يزن رزقه بيده، ويبعث به في طبق على يد الخادم.
مات في أيام المقتدر من الأعلام: محمد بن أبي داود الظاهري، ويوسف بن يعقوب القاضي، وابن شريح شيخ الشافعية، والجنيد شيخ الصوفية، وأبو عثمان الحيري الزاهد، وأبو بكر البرديجي، وجعفر الفريابي، وابن بسام الشاعر، والنسائي صاحب السنن، والجبائي شيخ المعتزلة، وابن الموّاز النحوي، وابن الجلاء شيخ الصوفية، وأبو يعلى الموصلي صاحب المسند، والأشناني المقرئ، وابن سيف من كبار قرّاء مصر، وأبو بكر الرّوياني صاحب المسند، وابن المنذر الإمام، وابن جرير الطبري، والزجاج النحوي، وابن خزيمة، وابن زكريا الطبيب، والأخفش الصغير، وبنان الجمال، وأبو بكر بن أبي داود السجستاني، وابن السّرّاج النحوي، وأبو عوانة صاحب الصحيح، وأبو القاسم البغوي المسند، وأبو عبيد بن حربويه، والكعبي شيخ المعتزلة، وأبو عمر القاضي، وقدامة الكاتب، وخلائق آخرون.
стр. 414
القاهر باللّه أبو منصور
القاهر باللّه: أبو منصور محمد (١) بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل.
أمّه أم ولد اسمها فتنة؛ لما قتل المقتدر أحضر هو ومحمد بن المكتفي، فسألوا ابن المكتفي أن يتولّى، فقال: لا حاجة لي في ذلك، وعمي هذا أحق به، فكلّم القاهر، فأجاب، فبويع، ولقب «القاهر باللّه» كما لقب به (٢) في سنة سبع عشرة؛ فأوّل ما فعل أن صادر آل المقتدر، وعذبهم، وضرب أمّ المقتدر حتى ماتت في العذاب.
وفي سنة إحدى وعشرين شغب عليه الجند، واتفق مؤنس وابن مقلة وآخرون على خلعه بابن المكتفي، فتحيل القاهر عليهم إلى أن أمسكهم وذبحهم
стр. 415
وطين على ابن المكتفي بين حيطتين.
واما ابن مقلة فاختفى، فأحرقت داره، ونهبت دور المخالفين، ثم أطلق أرزاق الجند فسكنوا، واستقام الأمر للقاهر، وعظم في القلوب، وزيد في ألقابه «المنتقم من أعداء دين اللّه» ونقش ذلك على السكة.
وفي هذه السنة أمر بتحريم القيان والخمر، وقبض على المغنين، ونفى المخانيث، وكسر آلات اللهو، وأمر ببيع المغنيات من الجواري على أنهن سوادج، وكان مع ذلك لا يصحو من السكر، ولا يفتر عن سماع الغناء.
وفي سنة اثنتين وعشرين ظهرت الدّيلم، وذلك لأن أصحاب مرداويج دخلوا أصبهان، وكان من قوّاده علي بن بويه، فاقتطع مالا جليلا، فانفرد عن مخدومه، ثم التقى هو ومحمد بن ياقوت نائب الخليفة، فهزم محمد، واستولى ابن بويه على فارس، وكان بويه فقيرا صعلوكا يصيد السمك، رأى كأنه بال فخرج من ذكره عمود نار، ثم تشعب العمود حتى ملأ الدنيا، فعبّرت بأنّ أولاده يملكون الدنيا، ويبلغ سلطانهم على قدر ما احتوت عليه النار، فمضت السنون، وآل الأمر على هذا إلى أن صار قائدا لمرداويج بن زياد الديلمي، فأرسله يستخرج له مالا من الكرخ، فاستخرج خمسمائة ألف درهم، وأتى همذان ليملكها، فغلّق أهلها في وجهه الأبواب، فقاتلهم وفتحها عنوة، وقيل صلحا، ثم صار إلى شيراز.
ثم إنه قلّ ما عنده من المال، فنام على ظهره، فخرجت حيّة من سقف المجلس، فأمر بنقضه، فخرجت صناديق ملأى ذهبا، فأنفقها في جنده.
وطلب خيّاطا يخيط له شيئا - وكان أطروشا - فظنّ أنه قد سعى به، فقال:
واللّه ما عندي سوى اثني عشر صندوقا، لا أعلم ما فيها، فأحضرت، فوجد فيها مالا عظيما.
وركب يوما، فساخت قوائم فرسه، فحفروه، فوجدوا فيه كنزا. واستولى على البلاد، وخرجت خراسان وفارس عن حكم الخلافة.
وفي هذه السنة قتل القاهر إسحاق بن إسماعيل النوبختي الذي قد كان أشار
стр. 416
بخلافة القاهر، ألقاه على رأسه في بئر وطمت. وذنبه أنه زايد القاهر قبل الخلافة في جارية، واشتراها، فحقد عليه.
وفيها تحرّك الجند عليه، لأن ابن مقلة في اختفائه كان يوحشهم منه، ويقول لهم: إنه بنى لكم المطامير ليحبسكم، وغير ذلك، فأجمعوا على الفتك به، فدخلوا عليه بالسيوف، فهرب، فأدركوه وقبضوا عليه في سادس جمادى الآخرة، وبايعوا أبا العباس محمد بن المقتدر ولقبوه «الراضي باللّه» ثم أرسلوا إلى القاهر الوزير والقضاة أبا الحسين بن القاضي أبي عمر والحسن بن عبد اللّه بن أبي الشوارب، وأبا طالب بن البهلول، فجاؤوه، فقيل له: ما تقول؟ قال: أنا أبو منصور محمد بن المعتضد، لي في أعناقكم بيعة وفي أعناق الناس، ولست أبرئكم، ولا أحللكم منها، فقوموا، فقاموا، فقال الوزير: يخلع ولا نفكر فيه، أفعاله مشهورة، وقال القاضي أبو الحسين: فدخلت على الرّاضي وأعدت عليه ما جرى، وأعلمته أني أرى إمامته فرضا، فقال: انصرف ودعني وإياه، فأشار سيماء مقدّم الحجرية على الراضي بسمله، فكحله بمسمار محمى.
قال محمود الأصبهاني: كان سبب خلع القاهر سوء سيرته، وسفكه الدماء، فامتنع من الخلع، فسملوا عينيه حتى سالتا على خديه.
وقال الصولي: كان أهوج، سفّاكا للدماء، قبيح السيرة، كثير التلوّن والاستحالة، مدمن الخمر، ولولا جودة حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل.
وكان قد صنع حربة يحميها، فلا يطرحها حتى يقتل بها إنسانا.
قال عليّ بن محمد الخراساني (١): أحضرني القاهر يوما والحربة بين يديه، فقال: أسألك عن خلفاء بني العباس، عن أخلاقهم وشيمهم. قلت: أما السّفّاح: فكان مسارعا إلى سفك الدماء، واتبعه عماله على مثل ذلك، وكان مع ذلك سمحا وصولا بالمال، قال: فالمنصور؟ قلت: كان أوّل من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد أبي طالب، وكانوا قبلها متفقين، وهو أوّل خليفة قرّب المنجمين، وأوّل خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية، ك «كتاب كليلة
стр. 417
ودمنة»، و «كتاب إقليدس»، وكتب اليونان، فنظر الناس فيها وتعلقوا بها، فلما رأى ذلك محمد بن إسحاق جمع المغازي والسير، والمنصور أوّل من استعمل مواليه وقدّمهم على العرب، قال: فالمهدي؟ قلت: كان جوادا عادلا منصفا ردّ ما أخذ أبوه من الناس غصبا، وبالغ في إتلاف الزنادقة، وبنى المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، قال: فالهادي؟ قلت: كان جبارا متكبرا، فسلك عماله طريقه على قصر أيامه، قال: فالرشيد؟ قلت: كان مواظبا على الغزو والحجّ، وعمّر القصور والبرك بطريق مكة، وبنى الثغور: كأذنة، وطرسوس، والمصيصة، ومرعش، وعمّ الناس إحسانه، وكان في أيامه البرامكة، وما اشتهر من كرمهم، وهو أوّل خليفة لعب بالصّوالجة، ورمى النشاب في البرجاس، ولعب بالشطرنج من بني العباس، قال: فالأمين؟ قلت: كان جوادا، إلا أنه انهمك في لذاته، ففسدت الأمور، قال: فالمأمون؟ قلت: غلب عليه النجوم والفلسفة، وكان حليما جوادا، قال: فالمعتصم؟ قلت: سلك طريقه، وغلب عليه حبّ الفروسية والتشبه بملوك الأعاجم، واشتغل بالغزو والفتوح، قال:
فالواثق؟ قلت: سلك طريقة أبيه، قال: فالمتوكل؟ قلت: خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقادات، ونهى عن الجدال، والمناظرات، والأهواء، وعاقب عليها، وأمر بقراءة الحديث وسماعه، ونهى عن القول بخلق القرآن، فأحبه الناس، ثم سأل عن باقي الخلفاء؟ وأنا أجيبه بما فيهم، فقال لي:
سمعت كلامك، وكأني أشاهد القوم، ثم قام.
وقال المسعودي: أخذ القاهر من مؤنس وأصحابه مالا عظيما، فلما خلع وسمل طولب بها فأنكر، فعذب بأنواع العذاب، فلم يقرّ بشيء، فأخذه الرّاضي باللّه، فقرّبه وأدناه، وقال له: قد ترى مطالبة الجند بالمال، وليس عندي شيء، والذي عندك فليس بنافع لك، فاعترف به، فقال: أما إذ فعلت هذا فالمال مدفون في البستان. وكان قد أنشأ بستانا فيه أصناف الشجر، حملت إليه من البلاد، وزخرفه، وعمل فيه قصرا، وكان الرّاضي مغرما بالبستان والقصر.
فقال: وفي أيّ مكان المال منه؟ فقال: أنا مكفوف، لا أهتدي إلى مكان فاحفر البستان تجده؟ فحفر الرّاضي البستان وأساسات القصر، وقلع الشجر، فلم يجد شيئا، فقال له: وأين المال؟ فقال: وهل عندي مال؟ وإنما كان حسرتي في
стр. 418
جلوسك في البستان وتنعمك، فأردت أن أفجعك فيه، فندم الراضي وحبسه، فأقام إلى سنة ثلاث وثلاثين، ثم أطلقوه وأهملوه، فوقف يوما بجامع المنصور بين الصفوف وعليه مبطّنة بيضاء، وقال: تصدقوا عليّ، فأنا من قد عرفتم، وذلك في أيام المستكفي ليشنع عليه، فمنع من الخروج إلى أن مات سنة تسع وثلاثين في جمادى الأولى عن ثلاث وخمسين سنة.
وكان له من الولد: عبد الصمد، وأبو القاسم، وأبو الفضل، وعبد العزيز.
ومات في أيامه من الأعلام: الطحاوي شيخ الحنفية، وابن دريد، وأبو هاشم الجبائي، وآخرون.
стр. 419
الراضي باللّه أبو العباس
الراضي باللّه: أبو العباس محمد (١) بن المقتدر بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل.
ولد سنة سبع وتسعين ومائتين، وأمه أم ولد رومية اسمها ظلوم، بويع له يوم خلع القاهر، فأمر ابن مقلة أن يكتب كتابا فيه مثالب القاهر ويقرأ على الناس.
وفي هذا العام - أي عام اثنتين وعشرين وثلثمائة - من خلافته مات مرداويج مقدم الديلم بأصبهان، وكان قد عظم أمره، وتحدثوا أنه يريد قصد بغداد، وأنه مسالم لصاحب المجوس، وكان يقول: أنا أرد دولة العجم، وأمحق دولة العرب.
стр. 420
وفيها بعث علي بن بويه إلى الراضي يقاطعه (١) على البلاد التي استولى عليها بثمان مائة ألف ألف درهم كل سنة، فبعث له لواء وخلعا، ثم أخذ ابن بويه يماطل بحمل المال.
وفيها مات المهدي صاحب المغرب، وكانت أيامه خمسا وعشرين سنة، وهو جدّ خلفاء المصريين الذين يسمونهم الجهلة الفاطميين، فإن المهدي هذا ادعى أنه علوي، وإنما جده مجوسي، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: جد عبيد اللّه الملقب بالمهدي مجوسيّ، دخل عبيد اللّه المغرب وادعى أنه علوي؛ ولم يعرفه أحد من علماء النسب، وكان باطنيا خبيثا، حريصا على إزالة ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء؛ ليتمكن من إغواء الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه: أباحوا الخمور والفروج، وأشاعوا الرفض، وقام بالأمر بعد موت هذا ابنه القائم بأمر اللّه أبو القاسم محمد.
وفي هذه السنة ظهر محمد بن علي الشلمغاني (٢) المعروف بابن أبي القراقر (٣)، وقد شاع عنه أنه يدّعي الإلهيّة؟ وأنه يحيي الموتى، فقتل وصلب وقتل معه جماعة من أصحابه.
وفيها توفي أبو جعفر السجزي أحد الحجاب، قيل: بلغ من العمر مائة وأربعين سنة وحواسه جيدة.
وفيها انقطع الحج من بغداد إلى سنة سبع وعشرين.
стр. 421
وفي سنة ثلاث وعشرين تمكن الراضي باللّه وقلد ابنيه أبا الفضل وأبا جعفر المشرق والمغرب.
وفيها كانت واقعة ابن شنبوذ (١) المشهورة واستتابته عن القراءة بالشاذ والمحضر الذي كتب عليه، وذلك بحضرة الوزير أبي علي بن مقلة.
وفيها في جمادى الأولى هبت ريح عظيمة ببغداد، واسودت الدنيا، وأظلمت من العصر إلى المغرب.
وفيها في ذي القعدة انقضّت النجوم سائر الليل انقضاضا عظيما ما رؤي مثله.
وفي سنة أربع وعشرين تغلب محمد بن رائق أمير واسط ونواحيها، وحكم على البلاد، وبطل أمر الوزارة والدواوين، وتولى هو الجميع وكتابه، وصارت الأموال تحمل إليه، وبطلت بيوت المال، وبقي الراضي معه صورة وليس له من الخلافة إلا الاسم.
وفي سنة خمس وعشرين اختلّ الأمر جدا، وصارت البلاد بين خارجي قد تغلب عليها، أو عامل لا يحمل مالا، وصاروا مثل ملوك الطوائف، ولم يبق بيد الراضي غير بغداد والسواد مع كون يد ابن رائق عليه، ولما ضعف أمر الخلافة في هذه الأزمان ووهت أركان الدولة العباسية، وتغلبت القرامطة والمبتدعة على الأقاليم، قويت همة صاحب الأندلس الأمير عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني وقال: أنا أولى الناس بالخلافة، وتسمى بأمير المؤمنين الناصر لدين اللّه، واستولى على أكثر الأندلس، وكانت له الهيبة الزائدة والجهاد والغزو والسيرة المحمودة، استأصل المتغلبين، وفتح سبعين حصنا، فصار المسمون بأمير المؤمنين في الدنيا ثلاثة: العباسي ببغداد، وهذا بالأندلس، والمهدي بالقيروان.
وفي سنة ست وعشرين خرج بجكم على ابن رائق، فظهر عليه، واختفى ابن رائق، فدخل بجكم بغداد، فأكرمه الراضي، ورفع منزلته، ولقبه أمير
стр. 422
الأمراء، وقلده إمارة بغداد وخراسان.
وفي سنة سبع وعشرين كتب أبو علي عمر بن يحيى العلوي إلى القرمطي، وكان يحبه، أن يطلق طريق الحاج ويعطيه عن كل جمل خمسة دنانير، فأذن وحج الناس، وهي أول سنة أخذ فيها المكس من الحجاج.
وفي سنة ثمان وعشرين غرقت بغداد غرقا عظيما حتى بلغت زيادة الماء تسعة عشر ذراعا، وغرق الناس والبهائم، وانهدمت الدور.
وفي سنة تسع وعشرين اعتلّ الراضي ومات في شهر ربيع الآخر، وله إحدى وثلاثون سنة ونصف، وكان سمحا، كريما، أديبا، شاعرا، فصيحا، محبا للعلماء، وله شعر مدون، وسمع الحديث من البغوي وغيره.
قال الخطيب: للراضي فضائل منها: أنه آخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة خطب يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الندماء، وكانت جوائزه وأموره على ترتيب المتقدمين، وآخر خليفة سافر بزي القدماء، ومن شعره:
كل صفو إلى كدر … كل أمر إلى حذر (١)
ومصير الشباب لل … موت فيه أو الكدر (٢)
درّ درّ المشيب من … واعظ ينذر البشر
أيها الآمل الذي … تاه في لجة الغرر
أين من كان قبلنا؟ … ذهب الشخص والأثر (٣)
ربّ فاغفر خطيئتي … أنت يا خير من غفر (٤)
ذكر أبو الحسن بن زرقويه عن إسمعيل الخطبي قال: وجّه إليّ الراضي ليلة الفطر، فجئت إليه، فقال: يا إسمعيل قد عزمت في غد على الصلاة بالناس، فما الذي أقول إذا انتهيت إلى الدعاء لنفسي؟ فأطرقت ساعة ثم قلت: قل يا أمير المؤمنين: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ﴾ (٥)
стр. 423
الآية فقال لي: حسبك، ثم تبعني خادم فأعطاني أربعمائة دينار.
مات في أيامه من الأعلام: نفطويه، وابن مجاهد المقرئ، وابن كاس الحنفي، وابن أبي حاتم، ومبرمان، وابن عبد ربه صاحب العقد، والإصطخري شيخ الشافعية، وابن شنبوذ، وأبو بكر الأنباري.
стр. 424
المتقي للّه أبو إسحاق
المتقي للّه: أبو إسحاق إبراهيم (١)، بن المقتدر بن المعتضد بن الموفق طلحة، بن المتوكل.
بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الراضي، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، وأمه أمة اسمها خلوب، وقيل: زهرة، ولم يغير شيئا قط، ولا تسرّى على جاريته التي كانت له، وكان كثير الصوم والتعبد، ولم يشرب نبيذا قط، وكان يقول: لا أريد نديما غير المصحف، ولم يكن له سوى الاسم والتدبير لأبي عبد اللّه أحمد بن علي الكوفي كاتب بجكم.
وفي هذه السنة من ولايته سقطت القبة الخضراء بمدينة المنصورة، وكانت تاج بغداد، ومأثرة بني العباس، وهي من بناء المنصور، ارتفاعها ثمانون ذراعا، وتحتها إيوان طوله عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، وعليها تمثال فارس بيده رمح
стр. 425
فإذا استقبل بوجهه جهة علم أن خارجيا يظهر من تلك الجهة، فسقط رأس هذه القبة في ليلة ذات مطر ورعد.
وفي هذه السنة قتل بجكم التركي، فولي إمرة الأمراء مكانه كورتكين الديلمي، وأخذ المتقي حواصل بجكم التي كانت ببغداد، وهي زيادة على ألف ألف دينار.
ثم في هذا العام ظهر ابن رائق، فقاتل كورتكين ببغداد، فهزم كورتكين واختفى، وولي ابن رائق إمرة الأمراء مكانه.
وفي سنة ثلاثين كان الغلاء ببغداد، فبلغ كر الحنطة ثلثمائة وستة عشر دينارا، واشتد القحط، وأكلوا الميتات، وكان قحطا لم تر بغداد مثله أبدا.
وفيها خرج أبو الحسين علي بن محمد اليزيدي (١)، فخرج لقتاله الخليفة وابن رائق، فهزما وهربا إلى الموصل، ونهبت بغداد ودار الخلافة، فلما وصل الخليفة إلى تكريت وجد هناك سيف الدولة أبا الحسن علي بن عبد اللّه بن حمدان، وأخاه الحسن، وقتل ابن رائق غيلة، فولى الخليفة مكانه الحسن بن حمدان، ولقبه «ناصر الدولة» وخلع على أخيه ولقبه «سيف الدولة» وعاد إلى بغداد وهما معه، فهرب اليزيدي إلى واسط، ثم ورد الخبر في ذي القعدة أن اليزيدي يريد بغداد، فاضطرب الناس، وهرب وجوه أهل بغداد، وخرج الخليفة ليكون مع ناصر الدولة، وسار سيف الدولة لقتال اليزيدي (٢)، فكانت بينهما وقعة هائلة بقرب المدائن، وهزم اليزيدي، فعاد بالويل إلى واسط، فساق سيف الدولة إلى واسط، فانهزم اليزيدي إلى البصرة.
وفي سنة إحدى وثلاثين وصلت الروم إلى أرزن، وميافارقين، ونصيبين، فقتلوا وسبوا، ثم طلبوا منديلا في كنيسة الرها، يزعمون أن المسيح مسح به وجهه فارتسمت صورته فيه، على أنهم يطلقون جميع من سبوا، فأرسل إليهم، وأطلقوا الأسرى.