وفي سنة ثلاث وعشرين تمكن الراضي باللّه وقلد ابنيه أبا الفضل وأبا جعفر المشرق والمغرب.
وفيها كانت واقعة ابن شنبوذ (١) المشهورة واستتابته عن القراءة بالشاذ والمحضر الذي كتب عليه، وذلك بحضرة الوزير أبي علي بن مقلة.
وفيها في جمادى الأولى هبت ريح عظيمة ببغداد، واسودت الدنيا، وأظلمت من العصر إلى المغرب.
وفيها في ذي القعدة انقضّت النجوم سائر الليل انقضاضا عظيما ما رؤي مثله.
وفي سنة أربع وعشرين تغلب محمد بن رائق أمير واسط ونواحيها، وحكم على البلاد، وبطل أمر الوزارة والدواوين، وتولى هو الجميع وكتابه، وصارت الأموال تحمل إليه، وبطلت بيوت المال، وبقي الراضي معه صورة وليس له من الخلافة إلا الاسم.
وفي سنة خمس وعشرين اختلّ الأمر جدا، وصارت البلاد بين خارجي قد تغلب عليها، أو عامل لا يحمل مالا، وصاروا مثل ملوك الطوائف، ولم يبق بيد الراضي غير بغداد والسواد مع كون يد ابن رائق عليه، ولما ضعف أمر الخلافة في هذه الأزمان ووهت أركان الدولة العباسية، وتغلبت القرامطة والمبتدعة على الأقاليم، قويت همة صاحب الأندلس الأمير عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني وقال: أنا أولى الناس بالخلافة، وتسمى بأمير المؤمنين الناصر لدين اللّه، واستولى على أكثر الأندلس، وكانت له الهيبة الزائدة والجهاد والغزو والسيرة المحمودة، استأصل المتغلبين، وفتح سبعين حصنا، فصار المسمون بأمير المؤمنين في الدنيا ثلاثة: العباسي ببغداد، وهذا بالأندلس، والمهدي بالقيروان.
وفي سنة ست وعشرين خرج بجكم على ابن رائق، فظهر عليه، واختفى ابن رائق، فدخل بجكم بغداد، فأكرمه الراضي، ورفع منزلته، ولقبه أمير
стр. 422
الأمراء، وقلده إمارة بغداد وخراسان.
وفي سنة سبع وعشرين كتب أبو علي عمر بن يحيى العلوي إلى القرمطي، وكان يحبه، أن يطلق طريق الحاج ويعطيه عن كل جمل خمسة دنانير، فأذن وحج الناس، وهي أول سنة أخذ فيها المكس من الحجاج.
وفي سنة ثمان وعشرين غرقت بغداد غرقا عظيما حتى بلغت زيادة الماء تسعة عشر ذراعا، وغرق الناس والبهائم، وانهدمت الدور.
وفي سنة تسع وعشرين اعتلّ الراضي ومات في شهر ربيع الآخر، وله إحدى وثلاثون سنة ونصف، وكان سمحا، كريما، أديبا، شاعرا، فصيحا، محبا للعلماء، وله شعر مدون، وسمع الحديث من البغوي وغيره.
قال الخطيب: للراضي فضائل منها: أنه آخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة خطب يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الندماء، وكانت جوائزه وأموره على ترتيب المتقدمين، وآخر خليفة سافر بزي القدماء، ومن شعره:
كل صفو إلى كدر … كل أمر إلى حذر (١)
ومصير الشباب لل … موت فيه أو الكدر (٢)
درّ درّ المشيب من … واعظ ينذر البشر
أيها الآمل الذي … تاه في لجة الغرر
أين من كان قبلنا؟ … ذهب الشخص والأثر (٣)
ربّ فاغفر خطيئتي … أنت يا خير من غفر (٤)
ذكر أبو الحسن بن زرقويه عن إسمعيل الخطبي قال: وجّه إليّ الراضي ليلة الفطر، فجئت إليه، فقال: يا إسمعيل قد عزمت في غد على الصلاة بالناس، فما الذي أقول إذا انتهيت إلى الدعاء لنفسي؟ فأطرقت ساعة ثم قلت: قل يا أمير المؤمنين: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ﴾ (٥)
стр. 423
الآية فقال لي: حسبك، ثم تبعني خادم فأعطاني أربعمائة دينار.
مات في أيامه من الأعلام: نفطويه، وابن مجاهد المقرئ، وابن كاس الحنفي، وابن أبي حاتم، ومبرمان، وابن عبد ربه صاحب العقد، والإصطخري شيخ الشافعية، وابن شنبوذ، وأبو بكر الأنباري.
стр. 424
المتقي للّه أبو إسحاق
المتقي للّه: أبو إسحاق إبراهيم (١)، بن المقتدر بن المعتضد بن الموفق طلحة، بن المتوكل.
بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الراضي، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، وأمه أمة اسمها خلوب، وقيل: زهرة، ولم يغير شيئا قط، ولا تسرّى على جاريته التي كانت له، وكان كثير الصوم والتعبد، ولم يشرب نبيذا قط، وكان يقول: لا أريد نديما غير المصحف، ولم يكن له سوى الاسم والتدبير لأبي عبد اللّه أحمد بن علي الكوفي كاتب بجكم.
وفي هذه السنة من ولايته سقطت القبة الخضراء بمدينة المنصورة، وكانت تاج بغداد، ومأثرة بني العباس، وهي من بناء المنصور، ارتفاعها ثمانون ذراعا، وتحتها إيوان طوله عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، وعليها تمثال فارس بيده رمح
стр. 425
فإذا استقبل بوجهه جهة علم أن خارجيا يظهر من تلك الجهة، فسقط رأس هذه القبة في ليلة ذات مطر ورعد.
وفي هذه السنة قتل بجكم التركي، فولي إمرة الأمراء مكانه كورتكين الديلمي، وأخذ المتقي حواصل بجكم التي كانت ببغداد، وهي زيادة على ألف ألف دينار.
ثم في هذا العام ظهر ابن رائق، فقاتل كورتكين ببغداد، فهزم كورتكين واختفى، وولي ابن رائق إمرة الأمراء مكانه.
وفي سنة ثلاثين كان الغلاء ببغداد، فبلغ كر الحنطة ثلثمائة وستة عشر دينارا، واشتد القحط، وأكلوا الميتات، وكان قحطا لم تر بغداد مثله أبدا.
وفيها خرج أبو الحسين علي بن محمد اليزيدي (١)، فخرج لقتاله الخليفة وابن رائق، فهزما وهربا إلى الموصل، ونهبت بغداد ودار الخلافة، فلما وصل الخليفة إلى تكريت وجد هناك سيف الدولة أبا الحسن علي بن عبد اللّه بن حمدان، وأخاه الحسن، وقتل ابن رائق غيلة، فولى الخليفة مكانه الحسن بن حمدان، ولقبه «ناصر الدولة» وخلع على أخيه ولقبه «سيف الدولة» وعاد إلى بغداد وهما معه، فهرب اليزيدي إلى واسط، ثم ورد الخبر في ذي القعدة أن اليزيدي يريد بغداد، فاضطرب الناس، وهرب وجوه أهل بغداد، وخرج الخليفة ليكون مع ناصر الدولة، وسار سيف الدولة لقتال اليزيدي (٢)، فكانت بينهما وقعة هائلة بقرب المدائن، وهزم اليزيدي، فعاد بالويل إلى واسط، فساق سيف الدولة إلى واسط، فانهزم اليزيدي إلى البصرة.
وفي سنة إحدى وثلاثين وصلت الروم إلى أرزن، وميافارقين، ونصيبين، فقتلوا وسبوا، ثم طلبوا منديلا في كنيسة الرها، يزعمون أن المسيح مسح به وجهه فارتسمت صورته فيه، على أنهم يطلقون جميع من سبوا، فأرسل إليهم، وأطلقوا الأسرى.
стр. 426
وفيها هاج الأمراء بواسط على سيف الدولة، فهرب في البريد يريد بغداد، ثم سار إلى الموصل أخوه ناصر الدولة خائفا لهرب أخيه، وسار من واسط تورون (١)، فقصد بغداد وقد هرب منه سيف الدولة إلى الموصل، فدخل تورون بغداد في رمضان، فخلع عليه المتقي، وولاه أمير الأمراء، ثم وقعت الوحشة بين المتقي وتورون، فأرسل تورون أبا جعفر بن شيرزاد، من واسط إلى بغداد، فحكم عليها وأمر ونهى، فكاتب المتقي ابن حمدان بالقدوم عليه، فقدم في جيش عظيم، واستتر ابن شيرزاد، فسار المتقي بأهله إلى تكريت، وخرج ناصر الدولة بجيش كثير من الأعراب والأكراد إلى قتال تورون، فالتقيا بعكبرا، فانهزم ابن حمدان والمتقي إلى الموصل، ثم تلاقوا مرة أخرى فانهزم ابن حمدان والخليفة إلى نصيبين، فكتب الخليفة إلى الأخشيد صاحب مصر أن يحضر إليه، ثم بان له من بني حمدان الملل والضجر، فراسل الخليفة تورون في الصلح، فأجاب وبالغ في الأيمان، ثم حضر الأخشيد إلى المتقي وهو بالرقة وقد بلغه مصالحة تورون، فقال:
يا أمير المؤمنين أنا عبدك وابن عبدك، وقد عرفت الأتراك وفجورهم وغدرهم، فاللّه اللّه في نفسك، سر معي إلى مصر، فهي لك، وتأمن على نفسك، فلم يقبل، فرجع الأخشيد إلى بلاده، وخرج المتقي من الرقة إلى بغداد في رابع المحرم سنة ثلاث وثلاثين، وخرج للقائه تورون، فالتقيا بين الأنبار وهيت، فترجل تورون وقبّل الأرض، فأمره المتقي بالركوب، فلم يفعل، ومشى بين يديه إلى المخيم الذي ضربه له، فلما نزل قبض عليه وعلى ابن مقلة ومن معه، ثم كحل الخليفة وأدخل بغداد مسمول العينين، وقد أخذ منه الخاتم والبردة والقضيب، وأحضر تورون عبد اللّه بن المكتفي وبايعه بالخلافة، ولقب المستكفي باللّه، ثم بايعه المتقي المسمول، وأشهد على نفسه بالخلع مع ذلك لعشر بقين من المحرم - وقيل: من صفر - ولما كحل قال القاهر:
صرت وإبراهيم شيخي عمى … لا بد للشيخين من مصدر
ما دام تورون له إمرة … مطاعة فالميل في المجمر
ولما بلغ القاهر أنه سمل قال: صرنا اثنين نحتاج إلى ثالث، فكان كذلك، سمل المستكفي.
стр. 427
ولم يحل الحول على تورون حتى مات، وأما المتقي فإنه أخرج إلى جزيرة مقابلة للسندية، فسجن بها، فأقام بالسجن خمسا وعشرين سنة، إلى أن مات في شعبان سنة سبع وخمسين.
وفي أيام المتقي كان [ابن] (١) حمدي اللص ضمنه ابن شيرزاد لما تغلب على بغداد اللصوصية بها بخمسة وعشرين ألف دينار في الشهر، فكان يكبس بيوت الناس بالمشعل والشمع، ويأخذ الأموال، وكان اسكورج الديلمي قد ولي شرطة بغداد، فأخذه ووسطه وذلك سنة ثنتين وثلاثين (٢).
مات في أيام المتقي من الأعلام: أبو يعقوب النهرجوري أحد أصحاب الجنيد، والقاضي أبو عبد اللّه المحاملي، وأبو بكر الفرغاني الصوفي، والحافظ أبو العباس بن عقدة، وابن ولاّد النحوي، وآخرون.
стр. 428
المستكفي باللّه أبو القاسم
المستكفي باللّه: أبو القاسم عبد اللّه (١) بن المكتفي بن المعتضد، أمه أم ولد اسمها أملح الناس، بويع له بالخلافة عند خلع المتقي، في صفر سنة ثلاث وثلاثين وعمره إحدى وأربعون سنة، ومات تورون في أيامه، ومعه كاتبه أبو جعفر بن شيرزاد فطمع في المملكة، وحلّف العساكر لنفسه، فخلع عليه الخليفة، ثم دخل أحمد بن بويه بغداد، فاختفى ابن شيرزاد، ودخل ابن بويه دار الخلافة، فوقف بين يدي الخليفة، فخلع عليه ولقبه «معز الدولة» ولقب أخاه عليّا «عماد الدولة»، وأخاهما الحسن «ركن الدولة» وضرب ألقابهم على السكة؛ ولقب المستكفي نفسه «إمام الحق» وضرب ذلك على السكة؛ ثم إن معز الدولة قوي أمره، وحجر على الخليفة، وقدر له كل يوم برسم النفقة خمسة آلاف درهم فقط، وهو أول من ملك العراق من الديلم، وأول من أظهر السعاة ببغداد، وأغرى المصارعين والسباحين، فانهمك شباب بغداد في تعلم المصارعة والسباحة، حتى صار السباح يسبح وعلى يده كانون، وفوقه قدرة، فيسبح حتى ينضج اللحم.
стр. 429
ثم إن معز الدولة تخيل من المستكفي، فدخل عليه في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين فوقف - والناس وقوف على مراتبهم - فتقدم اثنان من الديلم إلى الخليفة، فمد يديه إليهما ظنا أنهما يريدان تقبيلهما، فجذباه من السرير حتى طرحاه إلى الأرض، وجراه بعمامته، وهاجم الديلم دار الخلافة إلى الحرم ونهبوها، فلم يبق فيها شيء ومضى معز الدولة إلى منزله، وساقوا المستكفي ماشيا إليه، وخلع، وسملت عيناه يومئذ، وكانت خلافته سنة وأربعة أشهر، وأحضروا الفضل بن المقتدر وبايعوه، ثم قدموا ابن عمه المستكفي، فسلم عليه بالخلافة، وأشهد على نفسه بالخلع، ثم سجن إلى أن مات سنة ثمان وثمانين وثلثمائة وله ست وأربعون سنة [وشهران] وكان يتظاهر بالتشيع.
стр. 430
المطيع للّه أبو القاسم
المطيع للّه: أبو القاسم الفضل (١) بن المقتدر بن المعتضد، أمه أم ولد اسمها شغلة (٢)، ولد سنة إحدى وثلثمائة، وبويع له بالخلافة، عند خلع المستكفي في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلثمائة، وقرر له معز الدولة كل يوم نفقة مائة دينار فقط.
وفي هذه السنة من خلافته اشتد الغلاء ببغداد حتى أكلوا الجيف والروث، وماتوا على الطرق، وأكلت الكلاب لحومهم، وبيع العقار بالرغفان، ووجدت الصغار مشوية مع المساكين، واشتري لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم، والكر سبعة عشر قنطارا بالدمشقي.
وفيها وقع بين معز الدولة وبين ناصر الدولة بن حمدان، فخرج لقتاله ومعه
стр. 431
المطيع، ثم رجع والمطيع معه كالأسير.
وفيها مات الأخشيد صاحب مصر وهو محمد بن طغج الفرغاني، والأخشيد ملك الملوك، وهو لقب لكل من ملك فرغانة، كما أن الأصبهذ لقب ملك طبرستان، وصول ملك جرجان، وخاقان ملك الترك، والأفشين ملك أشروسنة، وسامان ملك سمرقند، وكان الأخشيد شجاعا مهيبا، ولي مصر من قبل القاهر، وكان له ثمانية آلاف مملوك، وهو أستاذ كافور.
وفيها مات القائم العبيدي صاحب المغرب، وقام بعده ولي عهده ابنه المنصور باللّه إسماعيل، وكان القائم شرا من أبيه، زنديقا ملعونا، أظهر سبّ الأنبياء، وكان مناديه ينادي: العنوا الغار وما حوى، وقتل خلقا من العلماء.
وفي سنة خمس وثلاثين جدّد معز الدولة الأيمان بينه وبين المطيع، وأزال عنه التوكيل، وأعاده إلى دار الخلافة.
وفي سنة ثمان وثلاثين سأل معز الدولة أن يشرك معه في الأمر أخاه عليّ بن بويه عماد الدولة، ويكون من بعده، فأجابه المطيع، ثم لم ينشب أن مات عماد الدولة من عامه، فأقام المطيع أخاه ركن الدولة والد عضد الدولة.
وفي سنة تسع وثلاثين أعيد الحجر الأسود إلى موضعه، وجعل له طوق فضة يشدّ به، وزنه ثلاثة آلاف وسبعمائة وسبعة وستون درهما ونصف.
وقال محمد بن نافع الخزاعي: تأملت الحجر الأسود - وهو مقلوع - فإذا السواد في رأسه فقط، وسائره أبيض، وطوله قدر عظم الذراع.
وفي سنة إحدى وأربعين ظهر قوم من التناسخية فيهم شاب يزعم أن روح علي انتقلت إليه، وامرأته تزعم أن روح فاطمة انتقلت إليها، وآخر يدعي أنه جبريل، فضربوا، فتعززوا بالإنتماء إلى أهل البيت، فأمر معز الدولة بإطلاقهم لميله إلى أهل البيت، فكان هذا من أفعاله الملعونة.
وفيها مات المنصور العبيدي صاحب المغرب بالمنصورية التي مصرّها، وقام بالأمر ولي عهده ابنه معدّ، ولقب بالمعز لدين اللّه - وهو الذي بنى القاهرة - وكان المنصور حسن السيرة بعد أبيه، وأبطل المظالم، فأحبه الناس، وأحسن أيضا ابنه
стр. 432
السيرة وصفت له المغرب.
وفي سنة ثلاث وأربعين خطب صاحب خراسان للمطيع، ولم يكن خطب له قبل ذلك، فبعث إليه المطيع اللواء والخلع.
وفي سنة أربع وأربعين زلزلت مصر زلزلة صعبة هدمت البيوت ودامت ثلاث ساعات، وفزع الناس إلى اللّه بالدعاء.
وفي سنة ست وأربعين نقص البحر ثمانين ذراعا، وظهر فيه جبال وجزائر وأشياء لم تعهد، وكان بالري ونواحيها زلازل عظيمة، وخسف ببلد الطاقان، ولم يفلت من أهلها إلا نحو ثلاثين رجلا، وخسف بمائة وخمسين قرية من قرى الري، واتصل الأمر إلى حلوان فخسف بأكثرها، وقذفت الأرض عظام الموتى، وتفجرت منها المياه، وتقطع بالري جبل، وعلقت قرية بين السماء والأرض بمن فيها نصف النهار ثم خسف بها وانخرقت الأرض خروقا عظيمة، وخرج منها مياه منتنة، ودخان عظيم، هكذا نقل ابن الجوزي.
وفي سنة سبع وأربعين عادت الزلازل بقم، وحلوان، والجبال، فأتلفت خلقا عظيما، وجاء جراد طبق الدنيا، فأتى على جميع الغلات والأشجار.
وفي سنة خمسين بنى معز الدولة ببغداد دارا هائلة عظيمة أساسها في الأرض ستة وثلاثون ذراعا.
وفيها قلد القضاء أبا العباس عبد اللّه بن الحسن بن أبي الشوارب، وركب بالخلع من دار معز الدولة وبين يديه الدبادب، والبوقات، وفي خدمته الجيش، وشرط على نفسه أن يحمل في كل سنة إلى خزانة معز الدولة مائتي ألف درهم، وكتب عليه بذلك سجلا، وامتنع المطيع من تقلده ومن دخوله عليه، وأمر أن لا يمكن من الدخول إليه أبدا.
وفيها ضمن معز الدولة الحسبة ببغداد والشرطة، وكل ذلك عقب ضعفة ضعفها وعوفي منها فلا كان اللّه عافاه.
وفيها أخذت الروم جزيرة أقريطش من المسلمين، وكانت قد فتحت في حدود الثلاثين والمائتين.
стр. 433
وفيها توفي صاحب الأندلس الناصر لدين اللّه، وقام بعده ابنه الحاكم.
وفي سنة إحدى وخمسين كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد لعنة معاوية، ولعنة من غصب فاطمة حقّها من فدك، ومن منع الحسن أن يدفن مع جده، ولعنة من نفى أبا ذر، ثم إن ذلك محي في الليل، فأراد معز الدولة أن يعيده فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محي «لعن اللّه الظالمين لآل رسول اللّه ﷺ » وصرحوا بلعنة معاوية فقط.
وفي سنة اثنتين وخمسين يوم عاشوراء ألزم معزّ الدولة الناس بغلق الأسواق ومنع الطباخين من الطبيخ، ونصبوا القباب في الأسواق، وعلقوا عليها المسوح، وأخرجوا نساء منتشرات الشعور يلطمن في الشوارع ويقمن المأتم على الحسين، وهذا أول يوم نيح عليه [فيه] ببغداد، واستمرت هذه البدعة سنين.
وفي ثاني عشر ذي الحجة منها عمل عيد غدير خمّ، وضربت الدبادب.
وفي هذه السنة بعث بعض بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين ملتصقين عمرهما خمس وعشرون سنة، والالتصاق في الجنب، ولهما بطنان وسرّتان ومعدتان، ويختلف أوقات جوعهما وعطشهما وبولهما، ولكل واحد كفّان، وذراعان، ويدان، وفخذان، وساقان، وإحليلان، وكان أحدهما يميل إلى النساء والآخر يميل إلى المرد، ومات أحدهما، وبقي أياما وأخوه حي فأنتن، وجمع ناصر الدولة الأطباء على أن يقدروا على فصل الميت من الحي، فلم يقدروا، ثم مرض الحي من رائحة الميت ومات.
وفي سنة ثلاث وخمسين عمل لسيف الدولة خيمة عظيمة ارتفاع عمودها خمسون ذراعا.
وفي سنة أربع وخمسين ماتت أخت معز الدولة، فنزل المطيع في طيارة إلى دار معز الدولة يعزيه، فخرج إليه معز الدولة، ولم يكلفه الصعود من الطيارة، وقبل الأرض مرات، ورجع الخليفة إلى داره.
وفيها بنى يعقوب ملك الروم قيسارية قريبا من بلاد المسلمين، وسكنها ليغير كلّ وقت.
стр. 434
وفي سنة ست وخمسين مات معز الدولة، فأقيم ابنه بختيار مكانه في السلطنة ولقبه المطيع «عز الدولة».
وفي سنة سبع ملك القرامطة دمشق، ولم يحج أحد فيها لا من الشام ولا من مصر، وعزموا على قصد مصر ليملكوها، فجاء العبيديون فأخذوها، وقامت دولة الرّفض في الأقاليم: المغرب، ومصر، والعراق، وذلك أن كافورا الأخشيدي صاحب مصر لما مات اختلّ النظام وقلّت الأموال على الجند، فكتب جماعة إلى المعز يطلبون منه عسكرا ليسلموا إليه مصر، فأرسل مولاه جوهرا القائد في مائة ألف فارس، فملكها ونزل موضع القاهرة اليوم واختطّها، وبنى دار الإمارة للمعز، وهي المعروفة الآن بالقصرين، وقطع خطبة بني العباس، ولبس السواد، وألبس الخطباء البياض، وأمر أن يقال في الخطبة: اللهم صلّ على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، وصلّ على الأئمة آباء أمير المؤمنين المعز باللّه، وذلك كله في شهر شعبان سنة ثمان وخمسين.
ثم في ربيع الآخر سنة تسع وخمسين أذّنوا في مصر بحي على خير العمل، وشرعوا في بناء الجامع الأزهر، ففرغ في رمضان سنة إحدى وستين.
وفي سنة تسع وخمسين انقضّ بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنه شعاع الشمس، وسمع بعد انقضاضه صوت كالرعد الشديد.
وفي سنة ستين أعلن المؤذنون بدمشق في الأذان بحي على خير العمل، بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعز باللّه، ولم يجسر أحد على مخالفته.
وفي سنة اثنتين وستين صادر السلطان بختيار المطيع، فقال المطيع: أنا ليس لي غير الخطبة، فإن أحببتم اعتزلت، فشدد عليه حتى باع قماشه، وحمل أربعمائة ألف درهم، وشاع في الألسنة أن الخليفة صودر.
وفيها قتل رجل من أعوان الموالي ببغداد، فبعث الوزير أبو الفضل الشيرازي من طرح النار من النحاسين إلى السماكين، فاحترق حريق عظيم لم ير مثله، واحترقت أموال وأناس كثيرون في الدور والحمامات، وهلك الوزير من عامه، لا ﵀!
стр. 435
وفي رمضان من هذه السنة دخل المعز إلى مصر ومعه توابيت آبائه.
وفي سنة ثلاث وستين قلد المطيع القضاء أبا الحسن بن محمد ابن أم شيبان الهاشمي بعد تمنع، وشرط لنفسه شروطا، منها: أن لا يرتزق على القضاء، ولا يخلع عليه، ولا يشفع إليه فيما يخالف الشرع، وقرر لكاتبه في كل شهر ثلثمائة درهم، ولحاجبه مائة وخمسين، وللفارض على بابه مائة، ولخازن ديوان الحكم والأعوان ستمائة، وكتب له عهد صورته:
هذا ما عهد [به] عبد اللّه الفضل المطيع للّه أمير المؤمنين إلى محمد بن صالح الهاشمي حين دعاه إلى ما يتولاه من القضاء بين أهل مدينة السلام مدينة المنصور، والمدينة الشرقية من الجانب الشرقي، والجانب الغربي، والكوفة، وسقي الفرات، وواسط، وكرخى، وطريق الفرات، ودجلة، وطريق خراسان، وحلوان، وقرميسين، وديار مضر، وديار ربيعة، ودياربكر، والموصل، والحرمين، واليمن، ودمشق، وحمص، وجند قنسرين، والعواصم، ومصر، والاسكندرية، وجند فلسطين، والأردن، وأعمال ذلك كلها، ومن يجري من ذلك من الأشراف على من يختاره من العباسيين بالكوفة، وسقي الفرات، وأعمال ذلك، وما قلده إياه من قضاء القضاة، وتصفح أحوال الحكام، والاستشراف على ما يجري عليه أمر الأحكام من سائر النواحي والأمصار التي تشتمل عليه المملكة، وتنتهي إليها الدعوة، وإقرار من يحمد هديه وطريقه، والاستبدال بمن يذم شيمته وسجيته، احتياطا للخاصة والعامة، وجنوا على الملة والذمة، عن علم بأنه المقدم في بيته وشرفه، المبرز في عفافته، الزكي في دينه وأمانته، الموصوف في ورعه ونزاهته، المشار إليه بالعلم والحجى، المجمع عليه في الحلم والنّهى، البعيد من الأدناس، اللابس من التقى أجمل اللباس، النقي الحبيب، المحبّو بصفاء الغيب، العالم بمصالح الدنيا، العارف بما يفسد سلامة العقبى، أمره بتقوى اللّه فإنها الجنّة الواقية، وليجعل كتاب اللّه في كل ما يعمل فيه رويته، ويرتب عليه حكمه وقضيته، إمامه الذي يفزع إليه، وأن يتخذ سنة رسول اللّه ﷺ منارا يقصده، ومثالا يتبعه، وأن يراعي الإجماع، وأن يقتدي بالأئمة الراشدين، وأن يعمل اجتهاده فيما لا يوجد فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع، وأن يحضر مجلسه من يستظهر بعلمه ورأيه، وأن يسوي بين الخصمين إذا تقدما إليه في لحظه ولفظه، ويوفي كلا منهما من إنصافه وعدله، حتى
стр. 436
يأمن الضعيف حيفه، وييأس القوي من ميله، وأمره أن يشرف على أعوانه وأصحابه، ومن يعتمد عليه من أمنائه وأسبابه، إشرافا يمنع من التخطي إلى السيرة المحظورة، ويدفع عن الإسفاف إلى المكاسب المحجورة.
وذكر من هذا الجنس كلاما طويلا.
قلت: كان الخلفاء يولون القاضي المقيم ببلدهم القضاء بجميع الأقاليم والبلاد التي تحت ملكهم، ثم يستنيب القاضي من تحت أمره من شاء في كل إقليم وفي كل بلد، ولهذا كان يلقب قاضي القضاة، ولا يلقب به إلا من هو بهذه الصفة، ومن عداه بالقاضي فقط أو قاضي بلد كذا، وأما الآن فصار في البلد الواحد أربعة مشتركون، كل منهم يلقب قاضي القضاة، ولعل آحاد نواب أولئك كان في حكمه أضعاف ما كان في حكم الواحد من قضاة القضاة الآن، ولقد كان قاضي القضاة إذ ذاك أوسع حكما من سلاطين هذا الزمان.
وفي هذه السنة - أعني سنة ثلاث وستين - حصل للمطيع فالج، وثقل لسانه، فدعاه حاجب عز الدولة الحاجب سبكتكين إلى خلع نفسه، وتسليم الأمر إلى ولده الطائع للّه، ففعل، وعقد له الأمر في يوم الأربعاء ثالث عشري ذي القعدة، فكانت مدة خلافة المطيع تسعا وعشرين سنة وأشهرا، وأثبت خلعه على القاضي ابن أم شيبان، وصار بعد خلعه يسمى الشيخ الفاضل.
قال الذهبي: وكان المطيع وابنه مستضعفين مع بني بويه، ولم يزل أمر الخلفاء في ضعف إلى أن استخلف المقتفي للّه، فانصلح أمر الخلافة قليلا، وكان دست الخلافة لبني عبيد الرافضة بمصر أميز، وكلمتهم أنفذ، ومملكتهم تناطح مملكة العباسيين في وقتهم، وخرج المطيع إلى واسط مع ولده، فمات في المحرم سنة أربع وستين.
قال ابن شاهين: خلع نفسه غير مكره فيما صح عندي.
قال الخطيب: حدثني محمد بن يوسف القطان، سمعت أبا الفضل التميمي، سمعت المطيع للّه، سمعت شيخي ابن منيع، سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا مات أصدقاء الرجل ذلّ.
وممن مات في أيام المطيع من الأعلام: الخرقي شيخ الحنابلة، وأبو بكر
стр. 437
الشبلي الصوفي، وابن القاص إمام الشافعية، وأبو رجاء الأسواني، وأبو بكر الصولي، والهيثم بن كليب الشاشي، وأبو الطيب الصعلوكي، وأبو جعفر النحاس النحوي، وأبو نصر الفارابي، وأبو إسحاق المروزي إمام الشافعية، وأبو القاسم الزجاجي النحوي، والكرخي شيخ الحنفية، والدّينوري صاحب المجالسة، وأبو بكر الضبعي، والقاضي أبو القاسم التنوخي، وابن الحداد صاحب الفروع، وأبو علي بن أبي هريرة من كبار الشافعية، وأبو عمر الزاهد، والمسعودي صاحب مروج الذهب، وابن درستويه، وأبو علي الطبري أول من جرّد الخلاف، والفاكهي صاحب تاريخ مكة، والمتنبي الشاعر، وابن حبان صاحب الصحيح، وابن شعبان من أئمة المالكية، وأبو علي القالي، وأبو الفرج صاحب الأغاني.
стр. 438
الطائع للّه أبو بكر
الطائع للّه: أبو بكر عبد الكريم بن المطيع (١)، أمه أم ولد اسمها هزار (٢)، نزل له أبوه عن الخلافة وعمره ثلاث وأربعون سنة، فركب وعليه البردة ومعه الجيش وبين يديه سبكتكين، وخلع من الغد على سبكتكين خلع السلطنة، وعقد له اللواء، ولقبه «نصر الدولة» ثم وقع بين عز الدولة وسبكتكين؛ فدعا سبكتكين الأتراك لنفسه فأجابوه، وجرى بينه وبين عز الدولة حروب.
وفي ذي الحجة من هذه السنة - أي سنة ثلاث وستين وثلثمائة - أقيمت الخطبة والدعوة بالحرمين للمعز العبيدي.
وفي سنة أربع وستين قدم عضد الدولة بغداد لنصرة عز الدولة على
стр. 439
سبكتكين، فأعجبته بغداد وملكها، فعمل عليها واستمال الجند، فشغبوا على عز الدولة، فأغلق بابه، وكتب عضد الدولة عن الطائع إلى الآفاق باستقرار الأمر لعضد الدولة، فوقع بين الطائع وبين عضد الدولة، فقطعت الخطبة للطائع بسبب ذلك ببغداد وغيرها من يوم العشرين من جمادى الأولى إلى أن أعيدت في عاشر رجب.
وفي هذه السنة وبعدها غلا الرفض وفار بمصر، والشام، والمشرق، والمغرب، ونودي بقطع صلاة التراويح من جهة العبيدي.
وفي سنة خمس وستين نزل ركن الدولة بن بويه عما بيده من الممالك لأولاده؛ فجعل لعضد الدولة فارس وكرمان، ولمؤيد الدولة الري وأصبهان، ولفخر الدولة همذان والدينور.
وفي رجب منها عمل مجلس الحكم في دار السلطان عز الدولة، وجلس قاضي القضاة ابن معروف وحكم؛ لأن عز الدولة التمس ذلك ليشاهد مجلس حكمه كيف هو.
وفيها كانت وقعة بين عز الدولة وعضد الدولة، وأسر فيها غلام تركي لعز الدولة، فجن عليه، واشتد حزنه، وامتنع من الأكل، وأخذ في البكاء، واحتجب عن الناس، وحرم على نفسه الجلوس في الدست، وكتب إلى عضد الدولة يسأله أن يرد الغلام إليه، ويتذلل، فصار ضحكة بين الناس، وعوتب فما ارعوى لذلك، وبذل في فداء الغلام جاريتين عوديتين كان قد بذل له في الواحدة مائة ألف دينار، وقال للرسول: إن توقف عليك في رده فزد ما رأيت، ولا تفكر، فقد رضيت أن آخذه وأذهب إلى أقصى الأرض، فرده عضد الدولة عليه.
وفيها أسقط الخطبة من الكوفة لعز الدولة، وأقيمت لعضد الدولة.
وفيها مات المعز لدين اللّه العبيدي صاحب مصر، وأول من ملكها من العبيديين، وقام بالأمر (١) بعده ابنه نزار، ولقّب «العزيز».
стр. 440
وفي سنة ست وستين مات المنتصر باللّه الحكم بن الناصر لدين اللّه الأموي صاحب الأندلس، وقام بعده ابنه المؤيد باللّه هشام.
وفي سنة سبع وستين التقى عز الدولة وعضد الدولة، فظفر عضد الدولة، وأخذ عز الدولة أسيرا، وقتله بعد ذلك، وخلع الطائع على عضد الدولة خلع السلطنة، وتوّجه بتاج مجوهر، وطوّقه، وسوّره، وقلده سيفا، وعقد له لواءين بيده: أحدهما مفضض على رسم الأمراء، والآخر مذهب على رسم ولاة العهود، ولم يعقد هذا اللواء الثاني لغيره قبله، وكتب له عهدا، وقرئ بحضرته، ولم يبق أحد إلا تعجب، ولم تجر العادة بذلك، إنما كان يدفع العهد إلى الولاة بحضرة أمير المؤمنين، فإذا أخذه قال أمير المؤمنين: هذا عهدي إليك فاعمل به.
وفي سنة ثمان وستين أمر الطائع بأن تضرب الدبادب على باب عضد الدولة في وقت الصبح والمغرب والعشاء، وأن يخطب له على منابر الحضرة.
قال ابن الجوزي: وهذان أمران لم يكونا من قبله، ولا أطلقا لولاة العهود، وقد كان معز الدولة أحب أن تضرب له الدبادب بمدينة السلام، فسأل المطيع في ذلك، فلم يأذن له، وما حظي عضد الدولة بذلك إلا لضعف أمر الخلافة.
وفي سنة تسع وستين ورد رسول العزيز صاحب مصر إلى بغداد، وسأل عضد الدولة الطائع أن يزيد في ألقابه «تاج الملة»، ويجدد الخلع عليه ويلبسه التاج، فأجابه. وجلس الطائع على السرير وحوله مائة بالسيوف والزينة، وبين يديه مصحف عثمان، وعلى كتفه البردة، وبيده القضيب، وهو متقلد بسيف رسول اللّه ﵌، وضربت ستارة بعثها عضد الدولة، وسأل أن تكون حجابا للطائع حتى لا يقع عليه عين أحد من الجند قبله، ودخل الأتراك والديلم، وليس مع أحد منهم حديد، ووقف الأشراف، وأصحاب المراتب من الجانبين، ثم أذن لعضد الدولة فدخل، ثم رفعت الستارة وقبل عضد الدولة الأرض، فارتاع زياد القائد لذلك، وقال لعضد الدولة: ما هذا أيها الملك؟ أهذا هو اللّه؟ فالتفت إليه وقال: هذا خليفة اللّه في الأرض. ثم استمرّ يمشي ويقبل الأرض سبع مرّات، فالتفت الطائع إلى خالص الخادم، وقال: استدنه، فصعد عضد الدولة، فقبل الأرض مرتين، فقال له: ادن إليّ، فدنا، وقبّل رجله،
стр. 441
وثنى الطائع يمينه عليه وأمره، فجلس على الكرسي بعد أن كرّر عليه: اجلس، وهو يستعفي، فقال له: أقسمت عليك لتجلسنّ، فقبل الكرسي وجلس، فقال له الطائع: قد رأيت أن أفوّض إليك ما وكل اللّه إليّ من أمور الرعية في شرق الأرض وغربها، وتدبيرها في جميع جهاتها سوى خاصتي وأسبابي، فتولّ ذلك؛ فقال:
يعينني اللّه على طاعة مولانا أمير المؤمنين وخدمته؛ ثم أفاض عليه الخلع وانصرف.
قلت: انظر إلى هذا الأمر، وهو الخليفة المستضعف الذي لم تضعف الخلافة في زمن أحد ما ضعفت في زمنه؛ ولا قوي أمر سلطان ما قوي أمر عضد الدولة.
وقد صار الأمر في زماننا إلى أن الخليفة يأتي السلطان يهنئه برأس الشهر، فأكثر ما يقع من السلطان في حقه أن ينزل عن مرتبته، ويجلسا معا خارج المرتبة؛ ثم يقوم الخليفة يذهب كأحد الناس، ويجلس السلطان في دست مملكته.
ولقد حدّثت أن السلطان الأشرف برسباي لما سافر إلى آمد لقتال العدوّ وصحب الخليفة معه كان الخليفة راكبا أمامه يحجبه، والهيبة والعظمة للسلطان، والخليفة كآحاد الأمراء الذين في خدمة السلطان.
وفي سنة سبعين خرج من همذان عضد الدولة، وقدم بغداد، فتلقاه الطائع، ولم تجر عادة بخروج الخلفاء لتلقي أحد.
فلما توفيت بنت معز الدولة ركب المطيع إليه، فعزاه، فقبل الأرض، وجاء رسول عضد الدولة يطلب من الطائع أن يتلقاه، فما وسعه التأخر.
وفي سنة اثنتين وسبعين مات عضد الدولة، فولّى الطائع مكانه في السلطنة ابنه صمصام الدولة، ولقبه «شمس الملة» وخلع عليه سبع خلع، وتوّجه، وعقد له لواءين.
ثم في سنة ثلاث وسبعين مات مؤيد الدولة أخو عضد الدولة.
وفي سنة خمس وسبعين همّ صمصام الدولة أن يجعل المكس على ثياب الحرير والقطن مما ينسج ببغداد ونواحيها، ووقع له في ضمان ذلك ألف ألف درهم في السنة، فاجتمع الناس في جامع المنصور، وعزموا على المنع من صلاة الجمعة، وكاد البلد يفتتن، فأعفاهم من ضمان ذلك.
стр. 442
وفي سنة ست وسبعين قصد شرف الدولة أخاه صمصام الدولة، فانتصر عليه وكحله، ومال العسكر إلى شرف الدولة، وقدم بغداد، وركب الطائع إليه يهنئه بالبلاد، وعهد إليه بالسلطنة، وتوّجه، وقرئ عهده والطائع يسمع.
وفي سنة ثمان وسبعين أمر شرف الدولة برصد الكواكب السبعة في سيرها كما فعل المأمون.
وفيها اشتدّ الغلاء ببغداد جدا، وظهر الموت بها، ولحق الناس بالبصرة حرّ وسموم تساقط منه.
وجاءت ريح عظيمة بفم الصلح حرقت الدجلة (١)، حتى ذكر أنه بانت أرضها، وأغرقت كثيرا من السفن، واحتملت زورقا منحدرا وفيه دواب؛ فطرحت ذلك في أرض جوخي فشوهد بعد أيام.
وفي سنة تسع وسبعين مات شرف الدولة، وعهد إلى أخيه أبي نصر، فجاءه الطائع إلى دار المملكة يعزيه، فقبل الأرض غير مرّة. ثم ركب أبو نصر إلى الطائع وحضر الأعيان؛ فخلع الطائع على أبي نصر سبع خلع أعلاها سوداء، وعمامة سوداء، وفي عنقه طوق كبير، وفي يده سواران، ومشى الحجاب بين يديه بالسيوف، ثم قبّل الأرض بين يدي الطائع، وجلس على كرسي، وقرئ عهده؛ ولقبه الطائع «بهاء الدولة، وضياء الملّة».
وفي سنة إحدى وثمانين قبض على الطائع. وسببه: أنه حبس رجلا من خواص بهاء الدولة، فجاء بهاء الدولة وقد جلس الطائع في الرواق متقلدا سيفا، فلما قرب بهاء الدولة قبّل الأرض وجلس على كرسي، وتقدم أصحاب بهاء الدولة، فجذبوا الطائع من سريره، وتكاثر الديلم، فلفوه في كساء وأصعد إلى دار السلطنة، وارتجّ البلد، ورجع بهاء الدولة، وكتب على الطائع أيمانا بخلع نفسه، وأنه سلم الأمر إلى القادر باللّه، وشهد عليه الأكابر والأشراف، وذلك في تاسع عشر شهر شعبان، ونفذ إلى القادر باللّه ليحضر وهو بالبطيحة.
стр. 443
واستمرّ الطائع في دار القادر باللّه مكرّما محترما في أحسن حال؛ حتى إنه حمل إليه ليلة شمعة قد أوقد نصفها، فأنكر ذلك، فحملوا إليه غيرها إلى أن مات ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وتسعين.
وصلى عليه القادر [باللّه في داره] وشيعه الأكابر والخدم، ورثاه الشريف الرضي بقصيدة.
وكان شديد الانحراف على آل أبي طالب، وسقطت الهيبة في أيامه جدا حتى هجاه الشعراء.
مات في أيام الطائع من الأعلام: ابن السني الحافظ، وابن عدي، والقفّال الكبير، والسيرافي النحوي، وأبو سهل الصعلوكي، وأبو بكر الرازي الحنفي، وابن خالويه، والأزهري إمام اللغة، وأبو إبراهيم الفارابي صاحب ديوان الأدب، والرفّاء الشاعر، وأبو زيد المروزي الشافعي، والداركي، وأبو بكر الأبهري شيخ المالكية، وأبو الليث السمرقندي إمام الحنفية، وأبو علي الفارسي النحوي، وابن الجلاب المالكي.
стр. 444
القادر باللّه أبو العباس
القادر باللّه (١): أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر.
ولد سنة ست وثلاثين وثلثمائة؛ وأمه أمة واسمها تمني، وقيل: دمنة.
بويع له بالخلافة بعد خلع الطائع، وكان غائبا، فقدم في عاشر رمضان، وجلس من الغد جلوسا عاما، وهنئ.
وأنشد بين يديه الشعراء، من ذلك قول الشريف الرضي (٢):
شرف الخلافة يا بني العباس … اليوم جدّده أبو العباس
стр. 445
ذا الطود أبقاه الزمان ذخيرة … من ذلك الجبل العظيم الراسي
قال الخطيب: وكان القادر من [الستر و] الديانة والسيادة وإدامة التهجد [بالليل] وكثرة [البر و] الصدقات وحسن الطريقة على صفة اشتهرت عنه [وعرف بها كل أحد، مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد] تفقه على العلامة أبي بشر الهروي الشافعي، وقد صنّف كتابا في الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة [على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز] وإكفار المعتزل والقائلين بخلق القرآن، وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي، وبحضرة الناس، ترجمه ابن الصلاح في طبقات الشافعية.
وقال الذهبي: في شوال من سنة ولايته عقد مجلس عظيم، وحلف القادر وبهاء الدولة كل منهما لصاحبه بالوفاء، وقلّده القادر ما وراء بابه مما تقام فيه الدعوة.
وفيها دعا صاحب مكة أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي إلى نفسه، وتلقب بالراشد باللّه، وسلم عليه بالخلافة، فانزعج صاحب مصر، ثم ضعف أمر أبي الفتوح وعاد إلى طاعة العزيز العبيدي.
وفي سنة اثنتين وثمانين ابتاع الوزير أبو نصر سابور أزدشير دارا بالكرخ وعمرها وسماها دار العلم، ووقفها على العلماء، ووقف بها كتبا كثيرة.
وفي سنة أربع وثمانين عاد الحاج العراقي من الطريق، اعترضهم الأصيفر الأعرابي، ومنعهم الجواز إلا برسمه، فعادوا ولم يحجوا، ولا حج أيضا أهل الشام ولا اليمن، إنما حج أهل مصر.
وفي سنة سبع وثمانين مات السلطان فخر الدولة، وأقيم ابنه رستم مقامه في السلطنة بالري وأعمالها، وهو ابن أربع سنين، ولقبه القادر «مجد الدولة».
قال الذهبي: ومن الأعجوبات هلاك تسعة ملوك على نسق في سنتي سبع وثمانين وثمان وثمانين: منصور بن نوح (١) ملك ما وراء النهر، وفخر
стр. 446
الدولة (١) ملك الري والجبال، والعزيز العبيدي (٢) صاحب مصر، وفيهم يقول أبو منصور عبد الملك الثعالبي:
ألم تر مذ عامين أملاك عصرنا … يصيح بهم للموت والقتل صائح
فنوح بن منصور طوته يد الردى … على حسرات ضمّنتها الجوانح
ويا بؤس منصور ففي يوم سرخس … تمزق عنه ملكه وهو طائح
وفرق عنه الشمل بالسمل، واغتدى … أميرا ضريرا تعتريه الجوائح
وصاحب مصر قد مضى بسبيله … ووالي الجبال غيّبته الضرائح
وصاحب جرجانية في ندامة … ترصده طرف من الحين طامح
وخوارزم شاه شاه وجه نعيمه … وعنّ له يوم من النحس طالح
وكان علا في الأرض يخطبها أبو … علي إلى أن طوّحته الطوائح
وصاحب بست ذلك الضيغم الذي … براثنه للمشرقين مفاتح
أناخ به من صدمة الدهر كلكل … فلم تغن عنه والمقدّر سانح
جيوش إذا أربت على عدد الحصى … تغص بها قيعانها والصحاصح
ودارت على صمصام دولة بويه … دوائر سوء سلبهن فوادح
وقد جاز والي الجوزجان قناطر ال … حياة فوافته المنايا الطوامح
وذكر الذهبي أن العزيز صاحب مصر مات سنة ست وثمانين، وفتحت له زيادة على آبائه: حمص، وحماة، وحلب، وخطب له بالموصل وباليمن، وضرب اسمه فيها على السكة والأعلام، وقام بالأمر بعده ابنه منصور ولقب «الحاكم بأمر اللّه» (٣).
стр. 447
وفي سنة تسعين ظهر بسجستان معدن ذهب، فكانوا يصفون من التراب الذهب الأحمر.
وفي سنة ثلاث وتسعين أمر نائب دمشق الأسود الحاكمي بمغربي؛ فطيف به على حمار، ونودي عليه: هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر، ثم ضرب عنقه ﵀، ولا رحم قاتله، ولا استاذه الحاكم.
وفي سنة أربع وتسعين قلد بهاء الدولة الشريف أبا أحمد الحسين بن موسى الموسوي قضاء القضاة والحج والمظالم ونقابة الطالبيين، وكتب له من شيراز العهد، فلم ينظر في القضاء؛ لامتناع القادر من الإذن له.
وفي سنة خمس وتسعين قتل الحاكم بمصر جماعة من الأعيان صبرا، وأمر بكتب سب الصحابة على أبواب المساجد والشوارع، وأمر العمال بالسب.
وفيها أمر بقتل الكلاب، وأبطل الفقّاع والملوخيا، ونهى عن السمك الذي لا قشر له، وقتل جماعة ممن باع ذلك بعد نهيه.
وفي سنة ست وتسعين أمر الناس بمصر والحرمين إذا ذكر الحاكم أن يقوموا ويسجدوا في السوق، وفي مواضع الاجتماع.
وفي سنة ثمان وتسعين وقعت فتنة بين الشيعة وأهل السنة في بغداد، وكاد
стр. 448
الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقتل فيها، وصاح الرافضة ببغداد: يا حاكم، يا منصور فأحفظ القادر من ذلك، وأنفذ الفرسان الذين على بابه لمعاونة أهل السنة، فانكسر الروافض.
وفيها هدم الحاكم بيعة قمامة التي بالمقدس، وأمر بهدم جميع الكنائس التي بمصر، وأمر النصارى بأن تحمل في أعناقهم الصلبان طول الصليب ذراع ووزنه خمسة أرطال بالمصري، واليهود أن يحملوا في أعناقهم قرم الخشب في زنة الصلبان، وأن يلبسوا العمائم السود، فأسلم طائفة منهم، ثم بعد ذلك أذن في إعادة البيع والكنائس، وأذن لمن أسلم أن يعود إلى دينه لكونه مكرها.
وفي سنة تسع وتسعين عزل أبو عمرو قاضي البصرة، وولي القضاء أبو الحسن بن أبي الشوارب، فقال العصفري الشاعر:
عندي حديث طريف … بمثله يتغنّي
عن قاضيين: يعزى … هذا، وهذا يهنّى
وذا يقول جبرنا … وذا يقول استرحنا
ويكذبان جميعا … ومن يصدق منا
وفيها وهى سلطان بني أمية بالأندلس وانخرم نظامهم.
وفي سنة أربعمائة نقصت دجلة نقصانا لم يعهد، واكتريت لأجل جزائر ظهرت، ولم يكن قبل ذلك قط.
وفي سنة اثنتين نهى الحاكم عن بيع الرطب، وحرقه، وعن بيع العنب، وأباد كثيرا من الكروم.
وفي سنة أربع منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا، واستمر ذلك إلى أن مات.
وفي سنة إحدى عشرة قتل الحاكم لعنه اللّه بحلوان - قري بمصر - وقام بعده ابنه علي، ولقب بالظاهر لإعزاز دين اللّه، وتضعضعت دولتهم في أيامه فخرجت عنهم حلب وأكثر الشام.
وفي سنة اثنتين وعشرين توفي القادر باللّه ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي
стр. 449
الحجة، عن سبع وثمانين سنة، ومدة خلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر.
وممن مات في أيامه من الأعلام: أبو أحمد العسكري الأديب، والرماني النحوي، وأبو الحسن الماسرجسي شيخ الشافعية، وأبو عبيد اللّه المرزباني، والصاحب بن عباد - وهو وزير مؤيد الدولة، وهو أول من سمي بالصاحب من الوزراء - والدارقطني الحافظ المشهور، وابن شاهين، وأبو بكر الأودني إمام الشافعية، ويوسف بن السيرافي، وابن زولاق المصري، وابن أبي زيد المالكي شيخ المالكية، وأبو طالب المكي صاحب «قوت القلوب»، وابن بطة الحنبلي، وابن سمعون الواعظ، والخطّابي، والحاتمي اللغوي، والأدفوي أبو بكر، وزاهر السرخسي شيخ الشافعية، وابن غلبون المقرئ، والكشميهني راوي الصحيح، والمعافى بن زكريا النهرواني، وابن خويز منداد، وابن جني، والجوهري صاحب «الصحاح»، وابن فارس صاحب «المجمل»، وابن منده الحافظ، والإسماعيلي شيخ الشافعية، وأصبغ بن الفرج شيخ المالكية، وبديع الزمان أول من عمل المقامات، وابن لال، وابن أبي زمنين، وأبو حيان التوحيدي، والوأواء الشاعر، والهروي صاحب «الغريبين» وأبو الفتح البستي الشاعر، والحليمي شيخ الشافعية، وابن الفارض، وأبو الحسن القابسي، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو الطيب الصعلوكي، وابن الأكفاني، وابن نباتة صاحب الخطب، والصيمري شيخ الشافعية، والحاكم صاحب المستدرك، وابن كجّ، والشيخ أبو حامد الإسفرايني، وابن فورك، والشريف الرضي، وأبو بكر الرازي صاحب الألقاب، والحافظ عبد الغني بن سعيد، وابن مردويه، وهبة اللّه بن سلامة الضرير المفسر، وأبو عبد الرحمن السلمي شيخ الصوفية، وابن البواب صاحب الخط، وعبد الجبار المعتزلي، والمحاملي إمام الشافعية، وأبو بكر القفّال شيخ الشافعية، والأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، واللالكائي، وابن الفخار عالم الأندلس، وعلي بن عيسى الربعي النحوي، وخلائق آخرون.
قال الذهبي: كان في هذا العصر رأس الأشعرية أبو إسحاق الإسفرايني، ورأس المعتزلة القاضي عبد الجبار، ورأس الرافضة الشيخ المقتدر، ورأس الكرامية محمد بن الهيصم، ورأس القراء أبو الحسن الحمامي، ورأس المحدثين الحافظ عبد الغني بن سعيد، ورأس الصوفية أبو عبد الرحمن السلمي، ورأس
стр. 450
الشعراء أبو عمر بن دراج، ورأس المجودين ابن البواب، ورأس الملوك السلطان محمود بن سبكتكين.
قلت: ويضم إلى هذا رأس الزنادقة الحاكم بأمر اللّه، ورأس اللغويين الجوهري، ورأس النحاة ابن جني، ورأس البلغاء البديع، ورأس الخطباء ابن نباتة، ورأس المفسرين أبو القاسم بن حبيب النيسابوري، ورأس الخلفاء القادر باللّه؛ فإنه من أعلامهم، تفقه وصنّف، وناهيك بأن الشيخ تقيّ الدين بن الصلاح عدّه من الفقهاء الشافعية، وأورده في طبقتهم، ومدّته في الخلافة من أطول المدد.
стр. 451
القائم بأمر اللّه أبو جعفر
القائم بأمر اللّه: أبو جعفر عبد اللّه بن القادر (١).
ولد في نصف ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلثمائة، وأمه أم ولد أرمنية اسمها بدر الدّجى، وقيل: قطر الندى.
ولي الخلافة عند موت أبيه [في يوم الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة] سنة اثنتين وعشرين، وكان وليّ عهده في الحياة، وهو الذي لقبه بالقائم بأمر اللّه.
قال ابن الأثير: كان جميلا، مليح الوجه [أبيض، مشربا حمرة، حسن الجسم]؛ ورعا، دينا، زاهدا، عالما، قويّ اليقين باللّه تعالى، كثير الصدقة والصبر، له عناية بالأدب، ومعرفة حسنة بالكتابة، مؤثرا للعدل والإحسان وقضاء الحوائج، لا يرى المنع من شيء طلب منه.
قال الخطيب: ولم يزل أمر [القائم بأمر اللّه] مستقيما إلى أن قبض عليه في سنة خمسين [وأربعمائة].
وكان السبب في ذلك أن أرسلان التركي -[المعروف] بالبساسيري - كان قد
стр. 452
عظم أمره، واستفحل شأنه لعدم نظرائه، وانتشر ذكره، وتهيبته أمراء العرب والعجم، ودعي له على المنابر، وجبى الأموال، وخرّب القرى، ولم يكن القائم يقطع أمرا دونه، ثم صح عنده سوء عقيدته، وبلغه أنه عزم على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة، فكاتب الخليفة أبا طالب محمد بن مكيال سلطان الغز المعروف بطغرلبك - وهو بالري - يستنهضه في القدوم، ثم أحرقت دار البساسيري.
وقدم طغرلبك في سنة سبع وأربعين، فذهب البساسيري إلى الرّحبة، وتلاحق به خلق من الأتراك، وكاتب صاحب مصر، فأمدّه بالأموال، وكاتب تبال (١) أخا طغرلبك، وأطمعه بمنصب أخيه، فخرج تبال واشتغل به طغرلبك.
ثم قدم البساسيري بغداد في سنة خمسين ومعه الرايات المصرية، ووقع القتال بينه وبين الخليفة، ودعي لصاحب مصر المستنصر بجامع المنصور، وزيد في الأذان: حيّ على خير العمل، ثم خطب له في كل الجوامع إلا جامع الخليفة، ودام القتال شهرا.
ثم قبض البساسيري على الخليفة في ذي الحجة وسيره إلى غابة وحبسه بها، وأما طغرلبك فظفر بأخيه وقتله، ثم كاتب متولي غابة في ردّ الخليفة إلى داره مكرما، فحصل الخليفة في مقرّ عزّه في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين، ودخل بأبهة عظيمة والأمراء والحجّاب بين يديه.
وجهز طغرلبك جيشا فحاربوا البساسيري فظفروا به، فقتل، وحمل رأسه إلى بغداد.
ولما رجع الخليفة إلى داره لم ينم بعدها إلا على فراش مصلاّه، ولزم الصيام والقيام، وعفا عن كل من آذاه، ولم يستردّ شيئا مما نهب من قصره إلا بالثمن، وقال: هذه أشياء احتسبناها عند اللّه، ولم يضع رأسه بعدها على مخدة.
ولما نهب قصره لم يوجد فيه شيء من آلات الملاهي.
وروي أنه لما سجنه البساسيري كتب قصته وأنفذها إلى مكة، فعلقت في
стр. 453
الكعبة فيها: إلى اللّه العظيم من المسكين عبده، اللهمّ إنك العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر، اللهمّ إنك غنيّ بعلمك، واطلاعك على خلقك، عن إعلامي، هذا عبد قد كفر نعمك وما شكرها، وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك حتى تعدى علينا بغيا، وأساء إلينا عتوّا وعدوا. اللهم قلّ الناصر، واعتز الظالم، وأنت المطلع العالم، المنصف الحاكم، بك نعتز عليه، وإليك نهرب من بين يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتز بك، وقد حاكمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا هذه إلى حرمك، ووثقنا في كشفها بكرمك، فاحكم بيننا بالحقّ وأنت خير الحاكمين.
وفي سنة ثمان وعشرين مات الظاهر العبيديّ صاحب مصر، وأقيم ابنه المستنصر بعده - وهو ابن سبع سنين - فأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر.
قال الذهبي: ولا أعلم أحدا في الإسلام لا خليفة ولا سلطانا أقام هذه المدّة. وفي أيامه كان الغلاء بمصر الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف، فأقام سبع سنين حتى أكل الناس بعضهم بعضا، وحتى قيل: إنه بيع رغيف بخمسين دينارا.
وفي سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة قطع المعز بن باديس الخطبة للعبيدي بالمغرب، وخطب لبني العباس.
وفي سنة إحدى وخمسين كان عقد الصلح بين السلطان إبراهيم بن مسعود ابن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وبين السلطان جغري بك بن سلجوق أخي طغرلبك صاحب خراسان بعد حروب كثيرة، ثم مات جغري بك في السنة، وأقيم مكانه ابنه ألب أرسلان.
وفي سنة أربع وخمسين زوّج الخليفة ابنته لطغرلبك بعد أن دافع بكل ممكن، وانزعج واستعفى، ثم لان لذلك برغم منه، وهذا أمر لم ينله أحد من ملوك بني بويه مع قهرهم الخلفاء وتحكمهم فيهم.
قلت: والآن زوّج خليفة عصرنا ابنته من واحد من مماليك السلطان فضلا عن السلطان، فإنا للّه وإنا إليه راجعون!
стр. 454
ثم قدم طغرلبك في سنة خمس [وخمسين] فدخل بابنة الخليفة، وأعاد المواريث والمكوس، وضمن بغداد بمائة وخمسين ألف دينار، ثم رجع إلى الرّيّ فمات بها في رمضان، فلا عفا اللّه عنه! وأقيم في السلطنة بعده ابن أخيه عضد الدولة ألب أرسلان صاحب خراسان، وبعث إليه القائم بالخلع والتقليد.
قال الذهبي: وهو أوّل من ذكر بالسلطان على منابر بغداد، وبلغ ما لم يبلغه أحد من الملوك، وافتتح بلادا كثيرة من بلاد النصارى، واستوزر نظام الملك، فأبطل ما كان عليه الوزير قبله عميد الملك من سبّ الأشعرية، وانتصر للشافعية، وأكرم إمام الحرمين، وأبا القاسم القشيري، وبنى النّظامية، قيل: وهي أوّل مدرسة بنيت للفقهاء.
وفي سنة ثمان وخمسين ولدت بباب الأزج صغيرة لها رأسان ووجهان ورقبتان على بدن واحد.
وفيها ظهر كوكب كأنه دارة القمر ليلة تمامه بشعاع عظيم، وهال الناس ذلك، وأقام عشر ليال، ثم تناقص ضوؤه وغاب.
وفي سنة تسع وخمسين فرغت المدرسة النظامية ببغداد، وقرر لتدريسها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فاجتمع الناس، فلم يحضر واختفى، فدرّس ابن الصباغ صاحب الشامل، ثم تلطفوا بالشيخ أبي إسحاق حتى أجاب ودرس.
وفي سنة ستين كانت بالرملة الزلزلة الهائلة التي خربتها حتى طلع الماء من رؤوس الآبار، وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألفا، وأبعد البحر عن ساحله مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون السمك، فرجع الماء عليهم فأهلكهم.
وفي سنة إحدى وستين احترق جامع دمشق، وزالت محاسنه، وتشوّه منظره، وذهبت سقوفه المذهبة.
وفي سنة اثنتين وستين ورد رسول أمير مكة على السلطان ألب أرسلان بأنه أقام الخطبة العباسية، وقطع خطبة المستنصر المصري، وترك الأذان بحيّ على خير العمل، فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعا.
стр. 455
وسبب ذلك ذلة المصريين بالقحط المفرط سنين متوالية حتى أكل الناس الناس، وبلغ الإردب مائة دينار، وبيع الكلب بخمسة دنانير، والهر بثلاثة دنانير.
وحكى صاحب «المرآة» أن امرأة خرجت من القاهرة ومعها مدّ جوهر، فقالت: من يأخذه بمدبر؟ فلم يلتفت إليها أحد.
وقال بعضهم يهنئ القائم:
وقد علم المصريّ أن جنوده … سنو يوسف فيها وطاعون عمواس
أقامت به حتى استراب بنفسه … وأوجس منها خيفة أيّ إيجاس
وفي سنة ثلاث وستين خطب بحلب للقائم، وللسلطان ألب أرسلان، لما رأوا قوة دولتهما، وإدبار دولة المستنصر.
وفيها كانت وقعة عظيمة بين الإسلام والروم، ونصر المسلمون، وللّه الحمد، ومقدمهم السلطان ألب أرسلان، وأسر ملك الروم، ثم أطلقه بمال جزيل، وهادنه خمسين سنة.
ولما أطلق قال للسلطان: أين جهة الخليفة؟ فأشار له، فكشف رأسه، وأومأ إلى الجهة بالخدمة.
وفي سنة أربع وستين كان الوباء في الغنم إلى الغاية.
وفي سنة خمس وستين قتل السلطان ألب أرسلان، وقام في الملك بعده ولده ملكشاه، ولقب «جلال الدولة»، ورد تدبير الملك إلى نظام الملك، ولقبه «الأتابك»، وهو أوّل من لقبه، ومعناه الأمير الوالد.
وفيها اشتد الغلاء بمصر، حتى أكلت امرأة رغيفا بألف دينار، وكثر الوباء إلى الغاية.
وفي سنة ست وستين كان الغرق العظيم ببغداد، وزادت دجلة ثلاثين ذراعا، ولم يقع مثل ذلك قط، وهلكت الأموال والأنفس والدواب، وركبت الناس في السفن، وأقيمت الجمعة في الطيار على وجه الماء مرّتين، وقام الخليفة يتضرّع إلى اللّه، وصارت بغداد ملقة واحدة، وانهدم مائة ألف دار أو أكثر.
стр. 456
وفي سنة سبع وستين مات الخليفة القائم بأمر اللّه ليلة الخميس الثالث عشر من شعبان، وذلك أنه افتصد ونام، فانحلّ موضع الفصد، وخرج منه دم كثير، فاستيقظ وقد انحلت قوته، فطلب حفيده ولي العهد عبد اللّه بن محمد، ووصاه، ثم توفي. ومدة خلافته خمس وأربعون سنة.
مات في أيامه من الأعلام: أبو بكر البرقاني، وأبو الفضل الفلكي، والثعلبي المفسر، والقدوري شيخ الحنفية، وابن سينا شيخ الفلاسفة، ومهيار الشاعر، وأبو نعيم صاحب «الحلية»، وأبو زيد الدّبوسي، والبرادعي المالكي صاحب «التهذيب»، وأبو الحسين البصري المعتزلي، ومكي صاحب «الإعراب» والشيخ أبو محمد الجويني، والمهدوي صاحب التفسير، والإفليلي، والثمانيني، وأبو عمرو الداني، والخليل صاحب «الإرشاد»، وسليم الرازي، وأبو العلاء المعري، وأبو عثمان الصابوني، وابن بطّال شارح البخاري، والقاضي أبو الطيب الطبري، وابن شيطا المقرئ، والماوردي الشافعي، وابن باب شاذ (١)، والقضاعي صاحب «الشهاب»، وابن برهان النحوي، وابن حزم الظاهري، والبيهقي، وابن سيده صاحب «المحكم»، وأبو يعلى بن الفراء شيخ الحنابلة، والحضرمي من الشافعية، والهذلي صاحب «الكامل» في القراءات، والفريابي، والخطيب البغدادي، وابن رشيق صاحب «العمدة»، وابن عبد البر.
стр. 457
المقتدي بأمر اللّه أبو القاسم
المقتدي بأمر اللّه (١): أبو القاسم عبد اللّه بن محمد بن القائم بأمر اللّه.
مات أبوه في حياة القائم - وهو حمل - فولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر. وأمه أم ولد، اسمها أرجوان (٢).
وبويع له بالخلافة عند موت جده، وله تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكانت البيعة بحضرة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، والدامغاني، وظهر في أيامه خيرات كثيرة، وآثار حسنة في البلدان.
وكانت قواعد الخلافة في أيامه باهرة وافرة الحرمة، بخلاف من تقدمه.
ومن محاسنه أنه نفى المغنيات والخواطي (٣) ببغداد، وأمر أن لا يدخل أحد
стр. 458
الحمام إلا بمئزر، وخرّب أبراج الحمام صيانة لحرم الناس.
وكان ديّنا، خيرا، قويّ النفس، عالي الهمة، من نجباء بني العباس.
وفي هذه السنة من خلافته أعيدت الخطبة للعبيدي بمكة، وفيها جمع نظام الملك المنجمين، وجعلوا النيروز أوّل نقطة من الحمل، وكان قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت، وصار ما فعله النظام مبدأ التقاويم.
وفي سنة ثمان وستين خطب للمقتدي بدمشق، وأبطل الأذان بحيّ على خير العمل، وفرح الناس بذلك.
وفي سنة تسع وستين قدم بغداد أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري [حاجّا] فوعظ بالنظامية، وجرى له فتنة كبيرة مع الحنابلة؛ لأنه تكلم على مذهب الأشعري، وحط عليهم، وكثر أتباعه والمتعصبون له، فهاجت فتن وقتلت جماعة.
وعزل فخر الدولة بن جهير من وزارة المقتدي لكونه شذ عن الحنابلة.
وفي سنة خمس وسبعين بعث الخليفة الشّيخ أبا إسحق الشيرازي رسولا من السلطان يتضمن الشكوى من العميد أبي الفتح [بن أبي الليث عميد العراق].
وفي سنة ست وسبعين رخصت الأسعار بسائر البلاد، وارتفع الغلاء.
وفيها ولى الخليفة أبا شجاع محمد بن الحسين الوزارة، ولقبه «ظهير الدين» وأظن ذلك أول حدوث التلقيب بالإضافة إلى الدين.
وفي سنة سبع وسبعين سار سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب قونية وأقصراء بجيوشه إلى الشام، فأخذ أنطاكية - وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلثمائة - وأرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره، قال الذهبي: وآل سلجوق هم ملوك بلاد الروم، وقد امتدت أيامهم، وبقي منهم بقية إلى زمن الملك الظاهر بيبرس.
وفي سنة ثمان وسبعين جاءت ريح سوداء ببغداد [بعد العشاء]، واشتد الرعد والبرق، وسقط رمل وتراب كالمطر، ووقعت عدة صواعق [في كثير من البلاد] فظن الناس أنها القيامة، وبقيت ثلاث ساعات بعد العصر، وقد شاهد
стр. 459
هذه الكائنة الإمام أبو بكر الطرطوشي وأوردها في أماليه.
وفي سنة تسع وسبعين أرسل يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش، إلى المقتدي يطلب أن يسلطنه، وأن يقلده ما بيده من البلاد، فبعث إليه الخلع والأعلام والتقليد، ولقبه بأمير المسلمين، ففرح بذلك، وسر به فقهاء المغرب، وهو الذي أنشأ مدينة مراكش.
وفيها دخل السلطان ملكشاه بغداد [في ذي الحجة] وهو أول دخوله إليها؛ فنزل بدار المملكة، ولعب بالكرة، وقد تقاوم (١) الخليفة ثم رجع إلى أصبهان.
وفيها قطعت خطبة العبيدي بالحرمين، وخطب للمقتدي.
وفي سنة إحدى وثمانين مات ملك غزنة المؤيد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، وقام مقامه ابنه جلال الدين مسعود.
وفي سنة ثلاث وثمانين عملت ببغداد مدرسة لتاج الملك مستوفي الدولة بباب أبرز ودرّس بها أبو بكر الشاشي.
وفي سنة أربع وثمانين استولت الفرنج على جميع جزيرة صقلية، وهي أول ما فتحها المسلمون بعد المائتين، وحكم عليها آل الأغلب دهرا إلى أن استولى العبيدي المهدي على المغرب.
وفيها قدم السلطان ملكشاه بغداد، وأمر بعمل جامع كبير بها، وعمل الأمراء حوله دورا ينزلونها، ثم رجع إلى أصبهان، وعاد إلى بغداد في سنة خمس وثمانين عازما على الشر، وأرسل إلى الخليفة يقول: لا بد أن تترك لي بغداد، وتذهب إلى أي بلد شئت، فانزعج الخليفة وقال: أمهلني ولو شهرا، قال: ولا ساعة واحدة، فأرسل الخليفة إلى وزير السلطان يطلب المهلة إلى عشرة أيام، فاتفق مرض السلطان وموته، وعدّ ذلك كرامة للخليفة، وقيل: إن الخليفة جعل يصوم؛ فإذا أفطر جلس على الرماد ودعا على ملكشاه، فاستجاب اللّه دعاءه، وذهب إلى حيث ألقت، ولما مات كتمت زوجته تركان [خاتون] موته وأرسلت إلى الأمراء سرا، فاستحلفتهم لولده محمود - وهو ابن خمس سنين - فحلفوا له،
стр. 460
وأرسلت إلى المقتدي في أن يسلطنه، فأجاب، ولقبه «ناصر الدنيا والدين»، ثم خرج عليه أخوه بركياروق بن ملكشاه، فقلده الخليفة ولقبه «ركن الدولة»، وذلك في المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وعلّم الخليفة على تقليده، ثم مات الخليفة من الغد فجأة، فقيل: إن جاريته شمس النهار سمّته، وبويع لولده المستظهر.
وممن مات في أيام المقتدي من الأعلام: عبد القادر الجرجاني، وأبو الوليد الباجي، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والأعلم النحوي، وابن الصباغ صاحب «الشامل»، والمتولي، وإمام الحرمين، والدامغاني الحنفي، وابن فضالة المجاشعي، والبزدوي شيخ الحنفية.