بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الناشر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿ياأيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾.
﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقواالله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾.
﴿ياأيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾.
أما بعد:
* فلا يخفى على مسلم عاقل، فضلًا عن لبيب، ما للصلاة من أهمية في حياته، فهي عماد الدين، وعموده المتين، وحُقَّ لركن مثل هذا أنْ يُوليَه المسلمون مزيدَ عناية واهتمام، لا بالعمل فحسب، فهذا فرض عليهم، وإنما كذلك بالتَّفقُّهِ والتعلُّمِ، خاصَّة ونحن في زمان طغت فيه
стр. 2
المادية على حياة المسلم الدينية، وتساهل كثير منهم في أداء الفرائض والأركان، إلا من رحم الله الرحيم الرحمن.
* ومن أبواب الصلاة التي أولاها الفقهاء ﵏ مزيد عناية واهتمام؛ باب الإمامة. وذلك لعظم شأنها، وكثرة مسائلها، وحاجة المسلم إلى التعرف على الأحكام الخاصة بها. وذلك أنَّ أحدًا منّا لا ينفكُّ في وقت من الأوقات أنْ يكون إمامًا في الصلاة، في مسجد حيِّه تارة، أو في عمله تارة، أو بين أصحابه في سفره، أو … ، أو … ، إلى غير ذلك مما يَعْرِض له.
* ورغبةً مِنَّا في المشاركة في نفع المسلمين، وإيصال هذه الأحكام المتعلقة بصلاة الإمام إليهم، وشعورًا بمسؤولية النشر الهادف؛ نُقدِّم اليوم للقارئ هذا الكتاب: «جامع أحكام صلاة الإمام». والذي اجتهد فيه مؤلِّفه في جمع وتقريب هذه الأحكام، لتكون عونًا - بإذن الله - على أداء تلك العبادة على الوجه الذي يُقرِّب إلى الله.
راجين من الله الكريم النفع لنا ولكاتبه ولعموم المسلمين، وأن يعيننا على ما يحبه ويرضاه، وأن يتقبل منا أعمالنا بقبول حسن، وأن يجعل هذا الجهد من مُبيِّضات الوجوه يوم نلقاه، إنه نعم المولى ونعم المجيب.
والحمد لله رب العالمين.
الناشر
стр. 3
تقديم فضيلة الشيخ مصطفى بن العدوي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
وبعد؛
فهذا بحثٌ جيدٌ ونافع في أحكام الإمامة في الصلاة، وما يتعلق بها، أعدَّه أخي في الله: أحمد الجابري -حفظه الله وبارك فيه-، وقد اعتنى -وفَّقه الله- بالناحيتين: الحديثية والفقهية على السواء، فاعتنى بتخريج الأحاديث والآثار، والحكم عليها بما تستحقه، مع النظر في أقوال علماء العلل في ذلك، كما اعتنى بنقل أقوال أئمة الفقه ﵏، فخرج بحثه جيدًا، موفقًا، نافعًا جدًّا في بابه، أحسبه كذلك، وقد قمت مع أخي بمراجعة ما كتبه؛ فألفيته -كما عهدتُه في أبحاثه- دقيقًا إلى حد كبير، متقنًا في عمله، ولا أزكّيه على الله.
فاللهَ أسألُ أن يوفقه لمواصلة طلب العلم الشرعي، والتأليف، والبحث والتحرير، والدعوة إلى الله، وأن ينفع به وبكتابه الإسلام والمسلمين.
هذا؛ وصلِّ اللهم على نبينا محمد وسلم.
والحمد لله رب العالمين.
كتبه
أبو عبد الله
مصطفى بن العدوي
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدِّمة
الحمد لله الذي سهَّل لعباده المتقين إلى مرضاته سبيلًا، وأوضح لهم طريق الهداية وجعل اتباع الرسول عليه دليلًا، واتخذهم عبيدًا له فأقروا له بالعبودية ولم يتخذوا من دونه وكيلًا.
والحمد لله الذي أقام في أزمنة الفترات من يكون ببيان سنن المرسلين كفيلًا، واختص هذه الأمة بأنه لا تزال طائفة فيها على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمره ولو اجتمع الثقلان على حربهم قبيلًا (١).
أحمده -والتوفيق للحمد من نعمه-، وأشكره -والشكر كفيل بالمزيد من فضله وكرمه وقسمه-، وأستغفره وأتوب إليه من الذنوب التي توجب زوال نعمه وحلول نقمه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أشهد بها مع الشاهدين، وأدخرها عند الله عُدَّة ليوم الدين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وآله وأصحابه والتابعين، ومن لزم طريقه واستن بسنته إلى يوم الدين.
وبعد؛
فإن الاشتغال بالعلم من أفضل القرب وأجلِّ الطاعات، وأهم أنواع الخير وآكد العبادات، وأولى ما أُنفقت فيه نفائسُ الأوقات، وشَمَّرَ في
стр. 5
إدراكه والتمكُّن فيه أصحاب الأنفس الزكيات، وقد تظاهر على ذلك جمل من الآيات الكريمات، والأحاديث الصحيحة المشهورات، وأقاويل السلف ﵃ النيِّرات، ومن ذلك -مثالًا لا حصرًا-:
قول الله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾.
وقوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾.
وقول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (١).
وقوله ﷺ ﷺ : «إنَّ مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ (٢) والعشب الكثير، وكان منها أجادب (٣) أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان (٤) لا تمسك الماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعَلِم وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به» (٥).
стр. 6
وقال الإمام الشافعي ﵀:
"كفى بالعلم فضيلة أن يدَّعيه من ليس فيه، ويفرح إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل شينًا أن يتبرأ منه من هو فيه، ويغضب إذا نُسب إليه" (١).
والكلام في فضل العلم وشرفه والحثِّ عليه= متسع كبير، يحوي من الآيات والأحاديث والآثار -فوق ما ذُكر- الكثير والكثير.
ولله درُّ القائل:
تعلم فليس المرء يولد عالمًا … وليس أخو علم كمن هو جاهل
وأن كبيرَ القوم لا علم عنده … صغير إذا التفّت عليه المحافل
ثم إن شرف العلوم يتفاوت بشرف مدلولها، وقدرها يعظم بعظم محصولها، ولا خلاف عند ذوي البصائر أن أجلَّها ما كانت الفائدةُ فيه أعمَّ، والنفعُ به أتمَّ، والسعادةُ باقتنائه أدوم، والإنسان بتحصيله ألزم، كعلم الشريعة الذي هو طريق السعداء إلى دار البقاء.
وعلوم الشريعة على اختلافها تنقسم إلى: فرض ونفل، والفرض ينقسم إلى: فرض عين، وفرض كفاية.
ولكل واحد منها أقسام وأنواع، بعضها أصول وبعضها فروع، وبعضها مقدِّمات وبعضها تتمات، وليس هذا موضعَ تفصيلها، إذ ليس لنا بغرض (٢).
ومن العلوم التي يتعين على المسلم -والمسلمة- البالغ العاقل معرفتُها: علمه بكيفية الوضوء، والصلاة، وشبهها.
стр. 7
فلا يُعقل أن مسلمًا مُكلَّفًا يصلي لربه في كل يوم وليلة خمس مرات -على الأقل- ومع ذلك: لا يدري شيئًا عن أحكام هذه الصلاة، وكيفيتها، وقد قال ﵊: «صلوا كما رأيتموني أُصلي» (١).
هذا مع توافر الوسائل المساعدة على التعليم، والإرشاد والتقويم.
ولم أر في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام!
وهذا الركن العظيم من أركان الإسلام، والذي تولى اللهُ فرضه بنفسه بدون واسطة -أعني: ركن الصلاة- أفرد له الفقهاءُ ﵏، وجزاهم عنا خيرًا- كتابًا كبيرًا واسعًا من كتب الفقه، ضمنوه المسائل والأحكام التي كان يُحتاج إليها في عصرهم، بل حتى التي لم يكن يُسأل عنها في عصرهم!
ولكثرة الأحكام المتعلقة بالصلاة، والمسائل المتفرعة منها: قَسَّمَ العلماءُ كتاب الصلاة إلى كتب مصغَّرة وأبواب، فتجدهم في كتاب الصلاة يذكرون -على سبيل المثال-:
* باب المواقيت. * باب صفة الصلاة.
* باب سجود السهو. * كتاب صلاة الجماعة.
* باب الإمامة. * كتاب صلاة الجمعة.
* كتاب صلاة الخوف.
إلى غير ذلك مما يذكر من الكتب والأبواب.
وهذه الأبواب أيضًا تتشعَّب فيها المسائل وتكثر فيها التفريعات بحسب احتياجات المسلمين وأسئلتهم، وبحسب الأحكام المتعلقة بكل باب -في المقام الأول-.
стр. 8
ومن هذه الأبواب التي يشتد الاحتياج إليها عن غيرها، ويكثر السؤال عن العديد من فروعها: باب الإمامة.
ذلك أن أحدًا منا لا ينفك أن يكون إمامًا في وقت من الأوقات على مدار حياته، بل على مدار يومه وليلته.
فإن لم يكن إمامًا راتبًا في المسجد: فهو إمام لأصحابه في العمل، أو في الدراسة، أو في السفر، أو -على أقل حال- إمام لأهل بيته.
ومع هذا: فإن الكثيرين -إلا من رحم رب العالمين- يجهلون أكثر مما يعرفون من أحكام الإمامة وشؤونها!
وإن تعجب أيها القارئ الكريم: فعجبٌ ما تشاهده هذه الأيام من تنافس كثير من الناس على مكان الإمامة، وحزنهم وخِصامِهم إذا لم يُقدَّموا لها (¬*)!!
مع أنك قد تجد ذلك الحزين المخاصِم لأنه لم يُقَدَّم: فاسقًا ظاهر الفسق، أو لحَّانًا لا يجيد القراءة، أو لا يدري شيئًا عن أحكام الصلاة والإمامة، أو … ، أو يجتمع فيه كل ما ذُكر!!
وهنا يبدأ تقاطر الأسئلة:
- هل مثل هذا يصلح أن يُقدَّم للإمامة؟!
- وإذا تقدَّم من تلقاء نفسه: هل تصح الصلاة خلفه؟!
- وماذا سيصنع ذلك الإمام إن نابه شيء في صلاته، إن أحدث -مثلًا-؟ أو قام من ركعتين ناسيًا التشهد الأول؟ أو … ، أو غير ذلك مما قد يتعرض له الإمام سهوًا أو خطأً.
أسئلة شتَّى تدور في خَلَدِ كثير من المسلمين، بعضهم يبحث عن جواب لها في أقرب مصدر فقه يقع بين يديه، وبعضهم يتركها حبيسة صدره!
стр. 9
سبب تأليف الكتاب:
مع الحاجة إلى بحثٍ مستقل، أو كتاب مفرَدٍ يجمع هذه المسائل والأحكام؛ لم تتحرك نفسي للقيام بعبء هذا الأمر، خاصَّة وقد سبق إليه بعض المعاصرين (١)، إلى أن جاء يوم وعرض عليَّ شيخنا الفاضل: أبو عبد الله مصطفى بن العدوي -حفظه الله ورعاه- أن أجمع شتات هذه المسائل المتعلقة بالإمامة، والتي يكثر السؤال عنها، ويحتاج المسلمون إليها.
* فاستخرتُ الله في ذلك، ثم وافقته فيما عرض، وأجبته لما طلب، راجيًا من الله -جلَّ في علاه- النفع لنفسي وإخواني، ومن هنا كانت البداية.
لم يكن الأمر يسيرًا كما هي العادة في أمثال هذه الأبحاث، وكما لا يخفى على القائمين عليها، ففي هذا الكتاب، ومع كل مسألة من مسائله -والتي بلغت ثمانيًا وثلاثين مسألة- كان عليَّ أن أجمع أقوال الفقهاء من المذاهب الأربعة، مع أقوال بعض العلماء المتأخرين (كشيخِ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، … وغيرهم)، وبعض العلماء المعاصرين (كالشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، .. وغيرهما) أحيانًا- وذلك بحسب ما تقتضي المسألة- (٢).
ثم يأتي بعد ذلك النظرُ في أدلة كل قول، وتخريج الأحاديث والآثار المستدلِّ بها، مع تحقيقها وبيان مرتبتها -عند أهل الحديث- من حيث الصحة والضعف.
стр. 10
ثم تأتي المرحلة الأخيرة -وليست بأيسرَ مما سبقها- وهي: ترتيب هذه الأقوال، وعرض المسألة بشكل مُيسَّرٍ -قدر الاستطاعة- يتيح للقارئ تَصُّورَ المسألة، واستيعابَ الأقوال فيها.
• عملي في هذا الكتاب:
بعد أن طُفتُ -بحمد الله- على «كتاب الإمامة» (١) في جُلِّ كتب الفقه المعتمَدة عند أهل المذاهب الأربعة، واستخرجت المسائل التي يُحتاج إليها في زماننا -فيما أرى- مسترشدًا في ذلك بنصائح شيخنا العدوي -حفظه الله-؛ جمعتُها ورتبتها في هذا الكتاب على النهج التالي:
١ - قسَّمتُ الكتاب إلى أبواب، وكل باب يحوي مسألة واحدة -بفروعها-، وهو مع ذلك مستقلٌّ بذاته عن غيره، فلا يحتاج إلى سابقه أو لاحقه لتكتمل فائدته -غالبًا-، وإن كانت المسائل كلها تتواصل مع بعضها ليصل القارئ إلى معرفة ما يلزمه من أحكام تتعلق بصلاة الإمام. ولم ألتزم في ترتيب الأبواب بنهج معين.
٢ - قمتُ بتخريج الأحاديث والآثار التي يستدل بها الفقهاء، مع تحقيقها والتوسع في الكلام عنها، ونقل أحكام الأئمة عليها، ليستبين للقارئ صحة الدليل من ضعفه، وهذه الخطوة من أهم ما يميز هذا الكتاب عما سواه، فإن غالب الأبحاث التي تناولت هذا الموضوع، أو جزءًا منه، أو ما يشابهه= تكون همةُ القائمين عليه -غالبًا- جمعَ أقوال الفقهاء وأدلتهم، ومناقشة تلك الأدلة، مع تخريج ضعيف،
стр. 11
أو تعليق خفيف على الأحاديث والآثار المستدل بها (١).
و طريقتي في التخريج هي: أنَّ الحديث أو الأثر إن كان في الصحيحين أو أحدهما؛ فأكتفي بالعزو إليهما، دون ذكر باقي المصادر، إلا إن كانت هناك فائدة من ذكرها، فذِكْرُ الحديث في الصحيحين -أو أحدهما-، مع قبول الأمة له، وعدم انتقاد أحد من الأئمة له= كافٍ جدًّا لنا أن نقبل الحديث ونحكم بصحته، وعلى ذلك فعندها يكون ذكر باقي المصادر التي أخرجت الحديث من باب: «التعب الذي ليس من ورائه أرب».
٣ - ليس من منهجي في هذا الكتاب أن أُرجِّح بين أقوال الفقهاء، إنما قمت بالجمع والتنسيق والترتيب، محاولًا في ذلك كله أن لا أضع شيئًا من عندي، أو أتدخل بقولي - إلا نادرًا-.
٤ - ذيَّلتُ جُلَّ المسائل بقول شيخنا مصطفى العدوي -حفظه الله-، بعد أن استأذنته في ذلك فأذن -جزاه الله خيرًا-، ليكون ذلك بمثابة عون للقارئ على الوصول للراجح من الأقوال في كل مسألة.
ولما كان الكتاب يتناول أصالةً: أحكامًا تختص بالإمام -دون المأمومين- فلا أتعرض لشيء من أحكام صلاة المأمومين إلا في مواطن معينة، ولما كان ترتيبه كما ذكرت آنفًا على صورة أبواب تحوي مسائل مستقلة= فقد آثرت أن يكون اسم الكتاب:
стр. 12
«جامع أحكام صلاة الإمام»
وقد حاولت أن أضمنه المسائل التي يكثر السؤال عنها، وتدعو الحاجة إلى معرفتها.
فإذا رأى القارئ أن هناك مسألة تختص بالإمامة ولم أُوردها هنا: فسبب ذلك لا يخرج -بإذن الله- عن أحد أمور ثلاثة؛ وهي:
أ - أنني رأيت أن تلك المسألة ليس لها كبير فائدة، أو نفع، أو استخدام في تلك الأيام، ومثال ذلك: «إمامة العبد»، «إمامة ولد الزنا»، «الرجل يصلي بقوم عراة»، … ، وغير ذلك من الأمثلة التي دونها الفقهاء في كتبهم، ووجودها في هذه الأيام نادرٌ جدًّا، إن لم يكن منعدمًا!
ب - أو أنني رأيت أن المسألة تلتصق بباب أو كتاب آخر من أبواب الفقه وكتبه أكثر من التصاقها بكتابنا هذا، ومثال ذلك: «إمامة المسافر للمقيمين»، حيث رأيت أنها تتعلق بـ «كتاب صلاة المسافرين»، و «خطيب الجمعة هل يصلي بنفسه أم يقدم آخر ليصلي بالناس»، فإنها تتعلق بـ «كتاب صلاة الجمعة»، إلى غير ذلك.
جـ- فإن لم يكن سببُ الإغفال أحدَ السببين المذكورين آنفًا: فلا مناص من أن تجعله السبب الأخير، وهو: النسيان، الذي لا ينفك عنه بشرٌ أو إنسان!
ولله درُّ ابن حزم حين قال -وهو يتكلم عن وهم ونسيان بعض رواة الحديث، على جلالة قدرهم وحفظهم-:
"فإذا صح أن رسول الله ﷺ نسي آية من القرآن (١)، فمن الزهري، ومن سُليمان، ومن يحيى حتى لا ينسى؟!
стр. 13
وقد قال الله : ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾ " [طه: الآية ١١٥]. اهـ (١).
ثم لا يخفى على القارئ الكريم أن هذا العمل جهد بشري، فحقيق أن يصدق فيه قول الله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ (٢).
بل إنك حين تطالع كتب سلف الأمة، تراهم أحيانًا -مع غزارة علمهم، وقلة أخطائهم، وشدة ورعهم- لا يفوتهم أن يذكروا بهذا الأمر، أعني: احتمال ورود الخطأ فيما كتبوه، فيستغفرون الله منه، ويعلنون تراجعهم عنه، ويلتمسون العذر من قارئه.
يقول ابن القيم ﵀:
"فيا أيها الناظر فيه - أي: في كتابه -، لك غُنْمُه وعلى مؤلفه غُرْمُه، ولك صفْوُه وعليه كَدَرُه، وهذه بضاعته المزجاة تُعرَض عليك، وبنات أفكاره تُزَفُّ إليك، فإن صادفت كفؤًا كريمًا لم تعدم منه إمساكًا بمعروف، أو تسريحًا بإحسان، وإن كان غيره فالله المستعان، فما كان من صواب فمن الواحد المنان، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله" (٣).
стр. 14
فأستغفر الله عما بدر مني في هذا الكتاب من خطأ فيه وقعت، وأسأله العون على ما قصدت، والتوفيق لصلاح النية والقصد فيما أردت، وأعول في أمري كله عليه، وأبرأ من الحول والقوة إلا إليه.
وختامًا أقول:
لقد كان من فضل الله عليَّ -ولا يزال فضلُه بحمده قائمًا متصلًا- أن حبب إليَّ العلمَ وأهله، فشغلني بذلك عما شُغل به الكثيرون من أقراني وأبناء سني، فاللهم لك الحمد على هذه النعمة.
ثم كان من فضله عليَّ أيضًا: أن يسر لي اللقاء بذلكم الشيخ المبارك -بإذن الله- فضيلة شيخنا: أبي عبد الله مصطفى بن العدوي -حفظه الله ورعاه-، فشرفتُ بالأخذ عنه، والتلقي منه، والجلوس بين يديه، وكم صوَّبَ لي من خطإ في الفهم، وقوّم لي من اعوجاج في اللسان، وفتح الله لي على يديه أبوابًا من العلم ما كنت أراها قبل الوفود عليه.
ناهيك عما تعلمته من سمته ودماثة خُلُقه، وجوده وكرمه، وبذله نفسه ووقته لإخوانه وطلابه، فأحسبه -والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا- من الداعين إلى سنة رسول الله ﷺ وهديه بالفعل قبل القول.
وإن نسيت كل هذا فلا أنسى أنه كان صاحب الفضل عليَّ -بعد الله، ثم والديّ- في أن أسلك هذا الطريق، طريق العلم والدعوة، فلا أدري -والله- كيف أشكره على ما تسبب لي فيه من الخير!
فأترك مكافأته لله، فلا أنساه من دعائي -حين أدعو- أن يجزيه الله عني خيرًا، وأن يبارك له في عمره وأهله، وأن ينفع بعلمه المسلمين، وأن يلبسه ثوب الصحة والعافية والستر في الدارين، وأن يختم لنا وله بخاتمة السعادة أجمعين، اللهم آمين.
كما أسأله -جلَّ في علاه- لإخواني الذين قدَّموا لي النصح،
стр. 15
ومدوا إليّ يد العون، وشدوا من أزري، وما بخلوا عليَّ بما يستطيعون تقديمه= أن يجزيهم خير الجزاء، وإن لم أذكرهم هنا بأسمائهم فالله يعلمهم، ويسمع دعائي لهم، فأسأله كما جمعنا في الدنيا على طاعته أن يجمعنا في الآخرة في جنته، إخوانًا على سرر متقابلين، آمين.
وأما أنتما: فرحمة من الله لي، ونعمة من الله -فوق نعمه- عليَّ، ورزق ساقه الله إليَّ، ولو سوَّدتُ صفحات هذا الكتاب كله بشكركما والثناء عليكما ما عَدَلَ ذلك عندي شكر فضلكما، فماذا عساي أن أقول في كلمات معدودات في أسطر قليلة؟!
إني لأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتقبل منكما ما قدَّمتما -وهو أعلم بما قدمتما- بقبول حسن، وألا يحرمكما ثواب كل عمل صالح يوفقني إليه، وأن يقر أعينكما بما رجوتما، وأن يطيل في طاعته عمركما، وأن يعينني على بركما على الوجه الذي يرضيه عني ثم يرضيكما.
﴿رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين﴾. [الأحقاف: الآية ١٥]
نفعني الله وإخواني بما علمني، وأسأله التوفيق والرشاد لما فيه الحق والصواب، وأن يرزقني الصدق والإخلاص لوجهه الكريم، في القول والعمل، والسر والعلن.
والحمد لله رب العالمين، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن الجميل، وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
وكتبه
أحمد بن إبراهيم الجابريّ
стр. 16
معنى الإمامة
الإمامة لغة:
تطلق على معان كثيرة، أهمها هنا: أنها بمعنى: القصد والتقدم، يقال: أمهم، وأم بهم: تقدمهم، وهي الإمامة (١).
وقال الفيومي: أمه أمًّا: من باب قتل: قصده وأممه، وتأممه أيضًا: قصده، وأمه، وأم به إمامة، صلى به إمامة (٢).
الإمامة اصطلاحًا:
تطلق على ثلاثة معان، وهي:
١ - الإمامة الكبرى: وهي الخلافة أو الملك أو رئاسة الدولة.
٢ - الإمامة الصغرى: وهي إمامة الصلاة، وهي التي نحن بصددها.
٣ - الإمامة في الدين: والمراد العالم المقتدى به (٣).
الإمامة عند الفقهاء:
لم يهتم الفقهاء كثيرًا في كتبهم بذكر تعريف لها، ولعل ذلك لاشتهار المعنى، ووضوحه عند الجميع.
لكن عرفها بعضهم بأنها «ربط صلاة المؤتم بالإمام» (٤).
стр. 17
وعرفها آخرون بأنها «اقتداء الغير بالمصلي» (١).
والأمر في ذلك قريب، وليس فيه اختلاف - بحمد الله -.
стр. 18
١ - نية الإمامة
المقصود من هذه المسألة: هو بيان هل يلزم لصحة الإمامة أن ينوي الرجل الإمامة أم لا يلزم؟
قال ابن رشد ﵀ (١):
وقد اختلفوا: هل يجب على الإمام أن ينوي الإمامة أم لا؟.
فذهب قوم إلى أنه ليس ذلك بواجب عليه لحديث ابن عباس: أنه قام إلى جنب رسول الله ﷺ بعد دخوله في الصلاة (٢)، ورأى قوم أن هذا محتمل، وأنه لا بد من ذلك إذا كان يحمل بعض أفعال الصلاة عن المأمومين. اهـ.
قلت: ما ذكره ابن رشد هو الإجمال في المسألة، وأما التفصيل فيها فدونك إياه:
قد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على خمسة أقوال، وهي:
أولًا: لا تجب نية الإمامة على الإمام مطلقًا.
وهو قول زفر (٣)
стр. 19
من الحنفية (١)، ونُقل عن مالك (٢)، وهو مذهب الشافعية، باستثناء الجمعة عندهم (٣). ورواية عند الحنابلة (٤).
стр. 20
واستدل هؤلاء بالأثر والنظر:
أما استدلالهم بالأثر فهو:
الدليل الأول: ما جاء في حديث ابن عباس ﵁ أنه قال: بت عند خالتي ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ عندها في ليلتها فصلى النبي العشاء، ثم جاء إلى منزله فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام، ثم قال: «نام الغليم»، أو كلمة تشابهها، ثم قام فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه، فصلى خمس ركعات ثم صلى ركعتين، ثم نام حتى سمعت غطيطه، ثم خرج إلى الصلاة (١).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ دخل الصلاة ولم ينو أن يكون إمامًا، ثم لحقه ابن عباس فائتم به، وأكمل النبي ﷺ صلاته، ولم ينه ابن عباس عن ذلك، فدلنا ذلك على أن نية الإمام لا تجب، وإلا لبين ذلك رسول الله ﷺ ، إذ أنه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
الدليل الثاني: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ» (٢).
стр. 21
وجه الدلالة:
أنه ﷺ دخل في صلاته ولم ينو إمامة أصحابة، ثم دخلوا معه في الصلاة مؤتمين به، ولما فرغ ما نهاهم عن ذلك ولا أمرهم بالإعادة، فدل ذلك على أن نية الإمام لا تجب.
وقد اعترض على هذين الدليلين، بأن ذلك كان في النفل وليس في الفرض.
وأجيب عن ذلك: بأن الأصل مساواة الفرض للنفل في النية (١).
وأن ما صح في النفل صح في الفرض إلا ما استثني بدليل، وقوى هذه الإجابة:
الدليل الثالث: حديث جابر بن عبد الله ﵄، وفيه: « … ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَوْضِ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثُمَّ قُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّإِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، فَلَمْ تَبْلُغْ لِي، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّسْتُهَا، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ» (٢).
стр. 22
وجه الدلالة:
أن جابرًا وجبارًا أحرما مع النبي ﷺ ، فصلى بهما، ولم ينكر فعلهما، فدل ذلك على عدم اشتراط نية الإمام للإمامة.
يقول ابن قدامة (١): والظاهر أنها كانت صلاة مفروضة؛ لأنهم كانوا مسافرين. اهـ.
وأما استدلالهم من ناحية النظر فقالوا:
إن الحاجة تدعو إلى نقل النية إلى الإمامة، وبيان الحاجة: أن المنفرد إذا جاء قوم فأحرموا وراءه فإن قطع الصلاة وأخبر بحاله قبح، وكان مرتكبًا للنهي في قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾. وإن أتم الصلاة بهم ثم أخبرهم بفساد صلاتهم كان أقبح وأشق، لأن الانفراد أحد حالتي عدم الإمامة في الصلاة، فجاز الانتقال منها إلى الإمامة، كما لو كان مأمومًا (٢).
وقد ورد على أصحاب هذا القول سؤال، وهو:
هل تحصل فضيلة الجماعة لهذا الإمام الذي لم ينو أم لا؟
قال النووي (٣): تحصل فضيلة الجماعة للمأمومين، وفي حصولها للإمام ثلاثة أوجه:
أصحها وأشهرها: لا تحصل وبه قطع الشيخ الجويني وآخرون؛ لأن الأعمال بالنيات (٤).
стр. 23
الثاني: تحصل؛ لأنها حاصلة لمتابعيه، فوجب أن تحصل له.
الثالث: قاله القاضي حسين (١): إن علمهم ولم ينو الإمامة لم تحصل، وإن كان منفردًا ثم اقتدوا به، ولم يعلم اقتداءهم، حصل له ثواب الجماعة. اهـ.
ثانيا: لا تجب إلا عند إمامة النساء.
وهو قول الحنفية (٢)، واختلفوا في الجمعة والعيدين (٣).
وقد اعترض على هؤلاء بالقياس على ما إذا أم رجلًا، وإذا لم ينو الإمامة صحت صلاته، بخلاف المأموم، فإن صلاته إنما تبطل بتوقيفه إياها على أفعال من ليس إمامًا له: وها هنا أفعال الإمام غير مربوطة بغيره (٤).
стр. 24
فأجابوا: بأن هذا القياس غير سديد؛ لأن المعنى يوجب الفرق بينهما وهو أنه لو صح اقتداء المرأة بالرجل، - أي: من غير نيته - فربما تحاذيه فتفسد صلاته، فيلحقه الضرر من غير اختياره، فشرط نية اقتدائها به حتى لا يلزمه الضرر من غير التزامه ورضاه (١).
ثم اعترض عليهم بأن ما ذكروه منقوض بالجمعة (٢).
ثالثا: لا تجب نية الإمامة إلا في خمسة مواضع: الجمعة، والجمع (٣)، والجنائز، والخوف، والاستخلاف.
وهذا قول المالكية (٤).
واستدلوا على ذلك بالنظر:
فقالوا: السر في هذه الخمسة، من جهة الفقه شيء واحد، وهو: أن الإمامة فيها شرط، ولما كانت صلاة المنفرد مساوية لصلاة الإمام لم يحصل وصف الإمامة إلا بالنية (٥).
стр. 25
رابعًا: تجب النية مطلقًا.
وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، (١) ونُقل عن الشافعي (٢) وهو وجه عند الشافعية (٣) وهو قول الثوري وإسحاق وأصحاب الرأى (٤).
واستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا:
إن الإمام إذا لم ينوها تكن صلاتهم فرادى (٥) ولأن الجماعة تتعلق بها أحكام وجوب الاتباع، وسقوط السهو عن المأموم، وفساد صلاته بفساد صلاة إمامه، وإنما يتميز الإمام عن المأموم بالنية، فكانت شرطًا لصحة انعقاد الجماعة (٦).
وأجيب على هؤلاء: بأن الأثر الثابت عن رسول الله ﷺ لا يعارض
стр. 26
بالنظر الذي يخطئ ويصيب.
خامسًا: تجب النية في الفرض دون النفل، ويستثنى في الفرض ما لو كان الإمام ينتظر أحدًا.
وهو رواية عن الإمام أحمد (١).
واستدل على عدم الإيجاب في النفل: بحديث ابن عباس (٢).
واستدل على الاستثناء المذكور في الفريضة بحديث جابر بن عبد الله (٣).
وأجيب على هذين الدليلين: بأن الأصل مساواة الفرض للنفل في النية، ثم إن هذا التفريق لم يرد عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه، فبقي الأمر على الجواز في جميع الصلوات إذا جاز في بعضها، والله أعلم (٤).
وأخيرًا: قال شيخنا أبو عبد الله مصطفى بن العدوي - حفظه الله -:
تصح، لحديث ائتمام ابن عباس بالنبي ﷺ .
стр. 27
٢ - الأحق بالإمامة
وهذه مسألة طالما كثر السؤال عنها، ألا وهي:
من الأحق بالإمامة؟؟ هل هو أفقه القوم؟ أم أقرؤهم؟
وما المقصود بأقرئهم؟
فأقول - وبالله التوفيق -:
المبحث الأول: الأحق بالإمامة:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين، وكتصور مبدئي لشكل هذا الاختلاف وسببه أسوق قول ابن رشد ﵀ حيث قال:
اختلفوا فيمن أولى بالإمامة وسبب هذا الاختلاف: اختلافهم في مفهوم قوله ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (١).
وهو حديث متفق على صحته (٢)، لكن اختلف العلماء في مفهومه، فمنهم من حمله على ظاهره، ومنهم من فهم الأقرأ هاهنا الأفقه؛ لأنه زعم أن الحاجة إلى الفقه في الإمامة: أمس من الحاجة إلى القراءة، وأيضًا فإن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه ضرورة، وذلك بخلاف ما
стр. 28
عليه الناس اليوم (١) اهـ.
كان هذا موجزًا قصيرًا عن المسألة، وإليك التفصيل بشيء من البيان:
قد ذكرت أن أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة على قولين، وهما.
القول الأول: يقدم الأفقه على الأقرأ، بشرط أن يعلم الحد الأدنى من القراءة.
وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن (٢)، بل هو الأصح عند الحنفية (٣)، وبه قال المالكية (٤) وهو الأصح عند الشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦)،
стр. 29
واختاره الشيخ ابن عثيمين (١).
واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:
أما استدلالهم بالأثر:
فقوله ﷺ : «مروا أبا بكر يصلي بالناس» (٢).
وجه الدلالة: قالوا: قد كان في القوم من هو أقرأ من أبي بكر كأبي ابن كعب مثلًا، لكن لم يكن هناك أعلم من أبي بكر، كما قال أبو سعيد الخدري: وكان أبو بكر أعلمنا (٣) وهذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ فيكون المعول عليه (٤).
وأما من ناحية النظر:
فقالوا: إن القراءة يحتاج إليها في ركن واحد، والعلم يحتاج إليه في جميع الصلاة، والخطأ المفسد للصلاة في القراءة لا يعرف إلا بالعلم (٥).
وأجاب هؤلاء عن عمدة استدلال الفريق الثاني: وهو حديث: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (٦) بقولهم:
إن الصحابة كانوا في ذلك الزمان يتعلمون القرآن بأحكامه، فكان
стр. 30
أقرؤهم أعلمهم، وأما في زماننا فقد يكون الرجل ماهرًا في القرآن ولا حظ له من العلم (١).
القول الثاني: يقدم الأقرأ على الأفقه:
وبه قال فريق من الحنفية (٢) كأبي يوسف، ونُقل عن أبي حنيفة (٣)، وهو وجه عند الشافعية (٤)، وهو مذهب أحمد، وعليه الحنابلة (٥)، واختاره ابن حزم الظاهري (٦).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
الدليل الأول: قول النبي ﷺ : «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ … » الحديث (٧).
стр. 31
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ رتب الأسباب المرجحة للإمامة فجعل القراءة على رأسها، قبل الفقه والعلم (١).
الدليل الثاني: عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» (٢).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل التعويل على الأحقية بالإمامة القراءة، ولم يذكر سواها، فدلنا هذا على أن الأقرأ أولى مطلقًا.
الدليل الثالث: حديث عمرو بن سلمة عن النبي ﷺ وفيه أنه قال: «صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَت الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا … »، فنظروا فلم يكن أحدٌ أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، .... الحديث (٣).
وجه الدلالة: أن الصحابة ﵃ فهموا من قوله: «أكثركم قرآنا» الإطلاق، دون النظر إلى كثرة العلم، أو السن، ولذا قدموا عمرو بن سلمة على صغر سنه.
الدليل الرابع: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْجِدِ قُبَاء، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَزَيْدٌ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ» (٤).
وجه الدلالة: إجماع كبار الصحابة المهاجرين على تقديم سالم عليهم، وفيهم أبو بكر وعمر وزيد بن حارثة، ولا شك أن في هؤلاء من
стр. 32
هو أعلم من سالم، فدل ذلك على تقديم الأقرأ مطلقًا.
وأجاب هؤلاء عما استدل به الفريق الأول بما يلي:
١ - أما حديث «مروا أبا بكر يصلي بالناس» (١).
قال الإمام أحمد: هو ليس بخلاف حديث أبي مسعود (٢) وإنما قوله لأبي بكر «يصلي بالناس»، عندي للخلافة، يعني أن الخليفة أحق بالإمامة، فأمر النبي ﷺ أبا بكر بالصلاة يدل على أنه أراد استخلافه (٣).
٢ - قالوا أي أصحاب القول الثاني: وأما قولكم عن حديث أبي مسعود أنه قدم الأقرأ لأنه الأفقه.
فالجواب: أن اللفظ عام، فالعبرة بعمومه، على أن في الحديث نفسه ما يبطل هذا التأويل، وهو قوله ﷺ : «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة». ففاضل بينهم في علم السنة مع تساويهم في القراءة (٤).
تنبيه: قد يُستشكل على البعض ما قاله ﷺ لمالك بن الحويرث ﵁ وقومه: « … فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» (٥).
стр. 33
فهل يعني هذا تقديم الأكبر مطلقًا؟
فالجواب: لا.
وإنما الأمر كما قال الشافعي ﵀: هؤلاء قوم قدموا معًا، فأشبهوا أن تكون قراءتهم وتفقههم سواء، فأُمروا أن يؤمهم أكبرهم (١).
المبحث الثاني: المقصود بأقرئهم:
قد اختلف أهل العلم في المراد من قوله ﵊: «يؤم القوم أقرؤهم»، على قولين:
الأول: الأكثر حفظًا للقرآن.
وهو رواية عند الحنابلة (٢)، ورجحه الشوكاني (٣)، وكذلك الصنعاني (٤).
واستدل هؤلاء بقول النبي ﷺ لوالد عمرو بن سلمة الجَرْمي: «وليؤمكم أكثركم قرآنًا» (٥).
стр. 34
الثاني: الأجود قراءة.
وبه قال: المالكية (١)، والشافعية (٢)، وهو الصحيح عند الحنابلة (٣) واختاره الشيخ ابن عثيمين (٤).
وفي سؤالٍ وُجِّه للجنة الدائمة للإفتاء، نصه:
هل معنى «أقرؤكم لكتاب الله»، أحفظكم أو أفقهكم؟
فكان الجواب: معنى أقرؤكم: أحسنكم تلاوة وترتيلًا للقرآن، ويراد به أيضًا أكثركم قرآنًا (٥).
عضو عضو نائب الرئيس
عبد الله بن قعود عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي
الرئيس
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 35
وأخيرًا قال شيخنا أبو عبد الله - حفظه الله -:
أحقهم بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله، والأقرأ: الأكثر حفظًا، مع صحة القراءة (١).
стр. 36
٣ - من أم قومًا وهم له كارهون
اتفق الفقهاء على كراهة إمامة الرجل للقوم وهم كارهون له، ولكن نشأ الخلاف بينهم حول تلك الكراهة، هل هي تنزيهية؟ أم تحريمية؟.
فالفقهاء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يكره له ذلك كراهة تحريمية.
وبهذا قال الحنفية (١)، وهو رواية عند الحنابلة (٢).
واحتج هؤلاء بقول النبي ﷺ : «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم: رجل أم قومًا وهم له كارهون، والعبد إذا أبق حتى يرجع إلى مولاه، والمرأة إذا باتت مهاجرة لزوجها عاصية له» (٣).