٣ - من أم قومًا وهم له كارهون
اتفق الفقهاء على كراهة إمامة الرجل للقوم وهم كارهون له، ولكن نشأ الخلاف بينهم حول تلك الكراهة، هل هي تنزيهية؟ أم تحريمية؟.
فالفقهاء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يكره له ذلك كراهة تحريمية.
وبهذا قال الحنفية (١)، وهو رواية عند الحنابلة (٢).
واحتج هؤلاء بقول النبي ﷺ : «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم: رجل أم قومًا وهم له كارهون، والعبد إذا أبق حتى يرجع إلى مولاه، والمرأة إذا باتت مهاجرة لزوجها عاصية له» (٣).
وجه الدلالة:
أن نفي قبول الصلاة، وأنها لا تجاوز آذان المصلين دليل على التحريم (١).
стр. 41
القول الثاني: يكره له ذلك تنزيهًا، ليس تحريمًا.
وبه قال الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
وقد ذهب الشافعي ﵀ إلى تضعيف الحديث الذي استدل به الفريق الأول، فقال: «يقال: لا تقبل صلاة من أم قومًا وهم له كارهون، ولا صلاة امرأة وزوجها غائب عنها، ولا عبد آبق حتى يرجع، ولم أحفظ من وجه يثبت أهل العلم بالحديث مثله … » (٣).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
وهذا الحديث ضعيف، ولو صح لكان فيه دليل على بطلان الصلاة، ومن ثم قال الفقهاء بالكراهة، وقد ذكر ابن مفلح في «النكت على المحرر»، أن الحديث إذا كان ضعيفًا، وكان نهيًا فإنه يحمل على الكراهة، لكن بشرط أن لا يكون الضعف شديدًا، وإن كان أمرًا فإنه يحمل على الاستحباب.
فالحديث لضعفه لم يكن موجبًا للحكم الذي يقتضيه لفظه، ولو ردوه كان مثيرًا للشك، فكان الاحتياط أن نجعل حكمه بين بين. اهـ (٤).
стр. 42
القول الثالث: وفيه تفصيل:
إذا كرهه قليل من القوم كره له ذلك تنزيهًا، وإذا كرهه أكثرهم أو أهل الفضل منهم: كره له ذلك تحريمًا.
وبهذا قال المالكية (١).
وأخيرًا: قال لي شيخنا - حفظه الله -:
الذي أراه أن الكراهة هنا تنزيهية، والله أعلم.
تنبيه:
قد اتفق الفقهاء على أن الكراهة هنا - أي كراهة المأمومين للإمام - مقيدة بسبب شرعي، أما الكراهة لغير الدين فلا عبرة بها.
وبهذا قال: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 43
لكن الشيخ ابن عثيمين ﵀ ذهب إلى قول آخر، وهو أن الكراهة مطلقة، سواء كانت لسبب شرعي أو لا فقال: لكن ظاهر الحديث الكراهة مطلقًا، وهذا أصح، لأن الغرض من صلاة الجماعة هو الائتلاف والاجتماع، وإذا كان هذا هو الغرض فمن المعلوم أنه لا ائتلاف ولا اجتماع إلى شخص مكروه عندهم، وينبغي له إذا كانوا يكرهونه بغير حق أن يعظهم ويذكرهم ويتألفهم، ويصلى بهم حسبما جاء في السنة، وإذا علم الله من نيته صدق نية التأليف بينهم يسر الله له ذلك اهـ (١).
وقال شيخنا - حفظه الله -:
إن الكراهة ينبغي أن تقيد بسبب شرعي، وأيضًا ينظر في حال الكارهين هل هم أهل العلم والفضل - فتعتبر كراهتهم - أم غيرهم. والله أعلم.
стр. 44
٤ - إمامة الفاسق والمبتدع
وهذه مسألة يكثر السؤال عنها - لا سيما في تلك الأيام وهي: هل تصح إمامة الفاسق والمبتدع؟ أم لا؟
وقبل الجواب عن هذا السؤال وذكر أقوال أهل العلم في تلك المسألة، أشير أولًا إلى المقصود بهاتين الكلمتين - الفاسق والمبتدع - عند أهل العلم.
فأقول - وبالله التوفيق -:
المقصود بالفاسق:
لغة: أصل الفسق: الخروج من الشيء، قال الله تعالى عن إبليس ﴿ففسق عن أمر ربه﴾. أي: خرج من طاعته، والعرب تقول: فلان فاسق إذا كان عريانًا قد تجرد من أثوابه، وتقول: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها.
اصطلاحًا: الفاسق في دينه: هو الخارج عن طاعة ربه (١).
وقيل: الفاسق: من أتى كبيرة - وهي ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة - أو داوم على صغيرة (٢).
المقصود بالمبتدع:
لغة: المبتدع: - بضم الميم وكسر الدال - هو صاحب البدعة، وهي اسم من ابتدع الأمر إذا ابتدأه أو أحدثه، كالرفقة من الارتفاق، والخلفة
стр. 45
من الاختلاف، ثم غلبت على ما هو زيادة في الدين، أو نقصان منه (١).
اصطلاحًا: المبتدع هو: من أحدث في الشريعة ما لم يكن في عهده ﷺ (٢) وقيل: المبتدع: هو الذي يعتقد شيئًا مما يخالف أهل السنة والجماعة (٣).
وقيل: غير ذلك من تعريفات تتشابه مع ما ذكر هنا.
هل تصح إمامة الفاسق والمبتدع؟ (٤)
انقسم العلماء في هذه المسألة إلى قسمين:
القسم الأول: يرى صحة إمامته.
وهذا مذهب الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، وإحدى الروايتين عن الحنابلة (٧)،
стр. 46
وهو قول عند المالكية (١)، وبه قال ابن حزم (٢)، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين (٣).
بل هذا القول هو رأي جمهور السلف ﵏، وإليك البيان:
* قال الطحاوي:
ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة (٤).
* قال النووي:
وذهب جمهور العلماء إلى صحتها - أي صحة الصلاة خلف الفاسق - (٥).
* قال ابن حزم:
وذهبت طائفة الصحابة كلهم - دون خلاف من أحد منهم- وجميع الفقهاء من التابعين كلهم - دون خلاف من أحد منهم - و أكثر من بعدهم، وجمهور أصحاب الحديث، وهو قول أحمد والشافعي، وأبي حنيفة وداود وغيرهم = إلى جواز الصلاة خلف الفاسق الجمعة وغيرها (٦).
* قال الشوكاني:
قد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة، ومن معهم من
стр. 47
التابعين إجماعًا فعليًّا، ولا يبعد أن يكون قوليًّا = على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم في كل بلدة فيها أمير، وكانت الدولة إذ ذاك لبني أمية، وحالهم وحال أمرائهم لا يخفى (١). اهـ.
واستدل هؤلاء بالأثر والنظر:
أما الأثر، فهو:
١) قوله ﵊: ««يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (٢).
وجه الدلالة:
عموم الحديث يشمل الفاسق وغيره.
٢) قوله ﵊ عن الأئمة -:
«يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ ولهم، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» (٣).
وجه الدلالة:
أن خطأ الإمام يعود عليه، لا على من ائتم به، وعلى وجود خطئه: لم يمنع النبي ﷺ من إمامته.
٣) قوله ﷺ لأبي ذر في أئمة الجور الذين يصلون الصلاة لغير وقتها:
«صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» (٤).
стр. 48
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ أذن بالصلاة خلفهم، وجعلها نافلة، وظاهره: أنهم لو صلوها في وقتها لكان مأمورًا بصلاتها خلفهم فريضة، فدل ذلك على صحة إمامتهم (١).
٤) قوله ﵊ لأبي ذر: «اسمع وأطع، ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة» (٢).
وجه الدلالة:
أن هذا يدخل فيه أن يكون الرجل المطاع إمامًا فاسقًا.
واستدلوا أيضًا بأقوال الصحابة وأفعالهم، ومنها:
٥) أن عدي بن الخيار دخل على أمير المؤمنين: عثمان بن عفان وهو محصور، فقال له: إنك إمام عامة، ونزل بك ما نرى ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج؟ فقال - أي عثمان -: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم (٣).
٦) كان ابن عمر - وغيره - يصلون خلف الحجاج بن يوسف الثقفي يقول عمير بن هانئ: شهدت ابن عمر، والحجاج محاصر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضر الصلاة مع هؤلاء (٤).
стр. 49
٧) كان الحسن والحسين يسرعان إذا سمعا منادي مروان، وهما يشتمانه، ويصليان معه (١).
وأما الدليل النظري:
قال الشيخ ابن عثيمين نقول: كل من صحت صلاته صحت إمامته، ولا دليل على التفريق بين صحة الصلاة وصحة الإمامة، فما دام هذا يصلي فكيف لا أصلي وراءه؟!؛ لأنه إذا كان يفعل معصية فمعصيته على نفسه، لكن لو فعل معصية تتعلق بالصلاة، بأن كان إذا دخل في الصلاة يبطلها = فلا تصح الصلاة خلفه؛ لأن صلاته لا تصح، لفعله محرمًا في الصلاة (٢). اهـ.
قال: وهذا القول لا يسع الناس اليوم إلا هو، لأننا لو طبقنا القول الأول: يعني اشتراط العدالة، على الناس: ما وجدنا إمامًا يصلح للإمامة اهـ.
٢ - القسم الثاني: يرى عدم صحة إمامة الفاسق.
نُقل هذا عن مالك (٣) وهو ظاهر مذهبه (٤)، بل نقل ذلك عن أبي
стр. 50
حنيفة (١)، وبعض الحنفية (٢)، وهو رواية عند الحنابلة عليها أكثرهم (٣).
واستدل هذا الفريق بالأثر والنظر أيضًا:
أما الأثر:
١ - فقوله ﵊: «لا يؤمن فاجر مؤمنًا».
وجه الدلالة: نهيه ﵊ عن إمامة الفاجر يقتضى التحريم، وعليه فلا تصح إمامته.
وأجيب عليهم: بأن هذا الحديث لا يصح (٤).
قالوا: وعلى تقدير صحة الحديث فإن المراد بالفاجر الكافر، لقوله تعالى: ﴿وإن الفجار لفي جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغائبين﴾ (١)، والفاجر الذي لا يغيب عن جهنم كافر، لأن الفاجر الذي فيه إيمان يمكن أن يغيب عن جهنم.
стр. 53
فتبين الآن: أن الفاجر يطلق على الكافر، وحينئذ لا يكون في الحديث دليل على عدم صحة إمامة الفاسق، لأنه إن كان ضعيفًا لم يصح الاستدلال به، وإن لم يكن ضعيفًا كان محتملًا لوجهين، وإذا دخله احتمال الوجهين بطل الاستدلال به على تعيين أحدهما إلا بدليل (١).
وأما الدليل النظري، فقالوا:
١ - العدالة شرط في الإمامة.
وأجيب عليهم: بأنه لا دليل على هذا الشرط، بل الأدلة تخالفه.
٢ - قالوا: نمنع إمامته لما فيه من تكثير البدع بشهرة الإمامة (٢).
وأجيب عليهم بأن هذا ليس محل النزاع، إنما النزاع في صحة إمامته لا في تقديمه أو تأخيره.
وأخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:
إمامة الفاسق جائزة مع الكراهة (٣).
والسؤال الذي يُطرح الآن:
إذا وُجد رجل ظاهره العدالة يحفظ شيئًا من القرآن قل أو كثر، ورجل آخر معروف بفسقه، لكنه أقرأ من الأول، فأيهما يقدم؟!.
وقبل أن نجيب عن هذا السؤال ينبغي أن نعلم أن الأئمة متفقون على كراهة إمامة الفاسق.
стр. 54
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
إن الأئمة متفقون على كراهة الصلاة خلف الفاسق، لكن اختلفوا في صحتها اهـ (١).
وقال الشوكاني:
واعلم أن محل النزاع إنما هو في صحة الجماعة خلف من لا عدالة له، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في ذلك. اهـ (٢).
وبعد أن تقرر لدينا هذا أدلف إلى الجواب؛ فأقول:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: تقديم العدل على الفاسق، وإن كان الأخير أفقه وأقرأ.
وأرباب هذا القول أحد اثنين:
- إما أنهم يقولون بعدم صحة إمامة الفاسق أصلًا (٣).
- وإما أنهم يقولون بصحتها، لكن يختارون تقديم العدل على الفاسق.
يقول النووي: قال أصحابنا: ويقدم العدل على فاسق أفقه وأقرأ منه (٤).
стр. 55
واستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا:
إن الصلاة وراء الفاسق وإن كانت صحيحة، فهي مكروهة، وأما الصلاة وراء العدل وإن كان دونه في القراءة فلا خلاف في صحتها، ولم يقل أحد بكراهة إمامته (١).
كما أن تقديمهم للإمامة وصلاة أهل الصلاح والخير خلفهم يحمل الناس على تحسين الظن بهم، فإذا وُجدت فرصة لإبعادهم أبعدوا، وقدم غيرهم من أهل الصلاح (٢).
القول الثاني: وهو تقديم الفاسق على العدل إن كان هو الأقرأ والأفقه.
قال ابن حزم: وتجوز إمامة الفاسق ونكرهه، إلا أن يكون هو الأقرأ والأفقه، فهو أولى حينئذ من الأفضل إذا كان أنقص منه في القراءة أو الفقه، ولا أحد بعد رسول الله ﷺ إلا وله ذنوب (٣).
واستدل هؤلاء بعموم قوله ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (٤).
وفي سؤال وُجه للّجنة الدائمة للفتاوى كان نصه:
رجل يحفظ القرآن ولكن ليس له لحية، وآخر يحفظ منه قليلًا وله لحية، أيهما يقدم إمامًا في الصلاة؟ (٥).
стр. 56
فأجابت اللجنة:
يقدم للإمامة في الصلاة من كان له لحية مع حفظه القليل من القرآن على من يحلق لحيته مع حفظ القرآن؛ لأن الأول غير آثم بقلة حفظه، والثاني آثم بحلق لحيته.
الرئيس نائب الرئيس
عبد العزيز بن باز عبد الرزاق عفيفي
وأخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:
عند المفاضلة بين فاسق حافظ للكتاب، وبين عدل قليل الحفظ يلزم النظر في الأمرين:
- درجة الفسق.
- ودرجة قلة الحفظ، وهل يصاحبها عدم إتقان للقراءة أم لا؟
والله أعلم (١).
стр. 57
٥ - إمامة الصبي
المقصود بالصبي هنا: الغلام الذي لم يبلغ، مع كونه يعقل الصلاة، ويقرأ (١).
والسؤال الذي نجيب عليه في هذا الباب - إن شاء الله - هو: هل تصح إمامة الصبي للبالغين؟ أم لا؟.
فأقول - مستعينًا بالله -:
اختلف أهل العلم في إمامة الصبي على ثلاثة أقوال، وهي:
القول الأول: تصح إمامته مطلقًا.
وهذا مذهب الشافعية (٢)، واختاره أبو مصعب من المالكية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤).
وكان ذلك في عهد النبي ﷺ ، ولم ينه عن ذلك، ولم ينزل قرآن أو وحي في النهي، فدل التقرير على جواز إمامة الصبي.
٢ - قوله ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١).
وجه الدلالة: أنه ﵊ لم يذكر بالغًا ولا غير بالغ، والأخبار على العموم، لا يجوز الاستثناء فيها إلا بحديث رسول الله ﷺ ، أو إجماع (٢).
وأما النظر، فقالوا:
إن أذانه جائز للرجال، فجاز أن يؤمهم كالبالغ (٣).
والأصل في هذا: أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره.
القول الثاني: لا تصح إمامته مطلقًا.
وهو الصحيح من المذهب عند الحنفية (٤)، ورواية عن مالك (٥) وهو اختيار ابن حزم (٦).
стр. 60
واحتج هؤلاء بما يلي:
١ - قوله ﵊: «وَإِذَا حَضَرَت الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكثركُم قُرآَنًا» (١).
وجه الدلالة:
قالوا: فكان المؤذن مأمورًا بالأذان، والإمام مأمورًا بالإمامة بنص هذا الخبر، ولما كان القلم قد رفع عن الصغير حتى يحتلم، فهو غير مأمور ولا مكلف، فإذا هو كذلك: فليس هو المأمور بالأذان ولا بالإمامة، وإذ ليس مأمورًا بهما فلا يجزئان إلا من مأمور بهما، لا ممن لم يؤمر بهما، ومن ائتم بمن لم يؤمر أن يأتم به - وهو عالم بحاله - فصلاته باطلة (٢).
وأُجيب على هذا: بأن الحديث حجة عليكم لا لكم؛ لأن الأمر على عمومه يشمل الجميع.
وقولكم: إن الصبي مرفوع عنه القلم: المراد منه رفع التكليف والإيجاب، لا نفي صحة الصلاة، والدليل على ذلك حديث ابن عباس: أنه صلى مع النبي ﷺ (٣).
وحديث أنس: أنه صلى هو واليتيم خلف النبي ﷺ (٤).
وحديث عمرو بن سلمة (٥)، وغيرها (٦).
стр. 61
٢ - قول ابن عباس ﵁: «لا يؤم الغلام حتى يحتلم» (١).
وجه الدلالة:
أن ابن عباس - وهو من أوعية العلم -، نهي عن إمامة الصبي مطلقًا، فرضًا ونفلًا، ولو كان جائزًا في شيء لدل عليه.
٣ - قول ابن مسعود ﵁: «لا يصلي خلف الغلام حتى تجب عليه الحدود» (٢)
وجه الدلالة:
أن ابن مسعود نهى عن الصلاة خلف الصبي حتى يبلغ، لأن الحدود لا تجب إلا بالبلوغ: فدل ذلك على عدم صحة إمامته.
وقد أجيب على هذين الأثرين: بأن كليهما ضعيف.
ثم إن صح هذا فمعارض بالمروى عن عائشة ﵂ من صحة إمامة الصبيان (٣).
стр. 62
وإذا اختلف الصحابة لم يحتج ببعضهم (١)
٣ - قالوا: الصبى غير مكلف، فيشبه المجنون.
وأجيب عليهم: بأنه يخالف المجنون، فالمجنون لا تصح طهارته. ولا يعقل الصلاة (٢).
٤ - قالوا: القياس يمنع إمامة الصبي، إذ أن صلاة الصبي نفل، وصلاة البالغ فرض، والفرض أعلى رتبة من النفل،
стр. 63
فإذا كان أعلى رتبة فكيف يكون صاحبه تابعا من هو أدنى منه رتبة؟!!.
وأجيب عليهم: بأنه لا قياس في مقابلة النص؛ لأن القياس رأي يخطئ ويصيب، ولا يجوز القول في الدين بالرأى، فإذا كان لدينا حديث صحيح عند البخاري فإن الرأي أمامه ليس بشيء (١).
شبهات القائلين بعدم جواز إمامة الصبي حول حديث عمرو بن سلمة:
١ - قالوا: لو علمنا أن رسول الله ﷺ : عرف هذا - يعني أمر عمرو بن سلمة - وأقره لقلنا به (٢).
وأجيب عليهم: بأنه إما أن نقول أنه ﷺ علم، أو أنه لم يعلم.
فإن كان قد علم: فالاستدلال بهذه السنة واضح.
وإن لم يعلم فإننا نقول: إن الله قد علم، وإقرار الله للشيء في زمن نزول الوحي دليل على جوازه، وأنه ليس بمنكر، لأنه لو كان منكرًا لأنكره الله وإن كان الرسول ﷺ لم يعلم به، ودليل ذلك:
أ - قوله تعالى: ﴿يستخون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا﴾.
فأنكر الله عليهم تبييتهم للقول مع أن الناس لا يعلمون به.
ب - الصحابة - رضوان الله عليهم - استدلوا على جواز العزل بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل (٣)(٤).
стр. 64
وقد نُبه النبي ﷺ بالوحي على القذر الذي كان في نعله، فلو كان إمامة الصبي لا تصح لنزل الوحي بذلك (١).
٢ - قالوا: يحتمل أنه أي: عمرو بن سلمة - كان يؤمهم في النافلة دون الفريضة.
وأجيب عليهم: بما قاله الحافظ، وهو:
وسياق رواية المصنف - أي البخاري - تدل على أنه كان يؤمهم في الفرائض، لقوله ﷺ فيه: «صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، وإذا حضرت الصلاة … ».
وفي رواية لأبي داود (٢): قال عمرو: «فما شهدت مشهدًا في جرم [هي قبيلته] إلا كنت إمامهم، وهذا يعم الفرائض والنوافل (٣). اهـ.
٣ - قالوا: يقدح في هذا الحديث قوله: أي عمرو «فكنت أؤمهم في بُردة موصولة فيها فتق، فكنت إذا سجدت خرجت استي». وهذا غير جائز في الصلاة (٤).
وأجيب عليهم (٥): بأنه قد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدي أزرهم، ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوى الرجال جلوسًا (٦)، وزاد أبو داود: من ضيق الأزر (٧).
стр. 65
القول الثالث: تصح إمامته في النفل دون الفرض.
وهو رواية عن بعض الحنفية (١) والرواية الثانية عن مالك (٢)، وبه قال بعض المالكية (٣)، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٤)
واستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا:
إن الصبي متنفل، وهم متنفلون، كما أن النافلة يدخلها التخفيف، ولذلك تنعقد الجماعة به فيها إذا كان مأمومًا (٥).
وأجيب عليهم: بأن هذا دليل عليكم، فإن ما جاز في صلاة النفل جاز في صلاة الفرض، إلا ما استثناه الدليل، ولا دليل على الاستثناء المذكور (٦).
وأخيرًا قال شيخنا - حفظه الله -:
قد دل الدليل على جواز إمامة الصبي، ألا وهو «حديث عمرو بن
стр. 66
سلمة»، ولكن ينبغي أيضًا النظر في حال الصبي، وحال المأمومين، فهذا له اعتبار، فليس كل صبي، وليس كل مأموم، والله أعلم (١).
стр. 67
٦ - إمامة القاعد (الجالس)
السؤال الذي نجيب عليه في هذا الباب - إن شاء الله - هو: هل تصح إمامة الرجل القاعد - لمرض أصابه - القادرين على القيام؟ وإذا صحت إمامته: فماذا يصنع المأمومون خلفه؟ أيصلون قعودًا؟ أم قيامًا؟!.
أولًا: هل تصح إمامة القاعد؟
وقبل الخوض في لُجّة هذا البحث وذكر ما حدث بين أهل العلم من خلاف حول هذه المسألة؛ أقول:
إن أهل العلم (١) قد استحبوا للإمام القاعد أن لا يتقدم، وأن يستخلف غيره، ولا مانع من أن أذكر هنا شيئًا من أقوالهم.
قال النووي: قال الشافعي والأصحاب: يستحب للإمام إذا لم يستطع القيام استخلاف من يصلي بالجماعة قائمًا كما استخلف النبي ﷺ ، لأن فيه خروجًا من خلاف من منع الاقتداء بالقاعد، لأن القائم أكمل، وأقرب إلى إكمال هيئات الصلاة (٢). اهـ.
قال ابن قدامة: المستحب للإمام إذا مرض وعجز عن القيام أن يستخلف؛ لأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فيخرج من الخلاف، ولأن صلاة القائم أكمل.
فإن قيل: قد صلى النبي ﷺ قاعدًا بأصحابه ولم يستخلف؟!
قلنا: صلى قاعدًا ليبين الجواز، واستخلف مرة أخرى.
стр. 68
ولأن صلاة النبي ﷺ قاعدًا أفضل من صلاة غيره قائمًا. اهـ (١).
قال ابن عبد البر: وأجمع العلماء - مع اختلاف مذاهبهم في هذا الباب - على استحباب الاستخلاف للمريض من الأئمة من يصلي بالناس كما فعل رسول ﷺ حين مرض (٢). اهـ.
وبعد هذا التمهيد: ندلف سويًّا إلى أقوال العلماء - بشيء من التفصيل - في هذه المسألة فأقول:
اختلف أهل العلم في صحة إمامة القاعد للقادرين على القيام على ثلاثة أقوال:
١ - القول الأول: تصح إمامته مطلقًا.
وهو مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عن مالك (٥)، واختيار ابن حزم (٦)، وكذا شيخ الإسلام ابن تيمية (٧).
стр. 69
واستدل هؤلاء بما يلي:
١ - قوله ﵊: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» (١).
وجه الدلالة:
عموم لفظ هذا الحديث يشمل القائم والقاعد ومن استثنى فعليه أن يأتي بدليل على الاستثناء.
٢ - عن أنس ﵁ قال: «سَقَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ» (٢).
وجه الدلالة:
صلاته ﷺ إمامًا قاعدًا دلت على جواز إمامة القاعد، وأُكد ذلك بقوله ﵊، «وإذا صلى قاعدًا». فدل على أن الأمر ليس خاصًّا به ﷺ بل عام يشمل الجميع.
٣ - ما جاء عن عائشة ﵂ وهي تصف مرض رسول الله ﷺ الأخير، وفي حديثها أنها قالت: « … ثم إن النبي ﷺ وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ ، بأن لا يتأخر
стр. 70
قال: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، قال: فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد … » (١).
وجه الدلالة:
قالوا: هذا فعله الأخير ﷺ قبل وفاته، وهو أنه صلى إمامًا قاعدًا، فدل هذا على صحة إمامة القاعد.
وقد اعتُرِض على الاستدلال بهذا الحديث، ووجه الاعتراض أنه قد جاءت روايات أخرى فيها أن أبا بكر هو الإمام، والنبي ﷺ كان مأمومًا (٢).
وأجيب على هذا الاعتراض: بأنه لا مانع أن يكون النبي ﷺ صلى مرة خلف أبي بكر، وصلى أبو بكر خلفه مرة أخرى.
٤ - أن الأصل المعتبر: أن من صحت صلاته صحت إمامته، إلا ما جاء دليل على استثنائه.
القول الثاني: لا تصح مطلقًا:
وهو رواية عن مالك (١)، وبه قال المالكية (٢)، واختاره محمد بن الحسن من الحنفية (٣)، واختاره بعض الحنابلة (٤).
واستدل هؤلاء بـ:
١ - حديث: «لا يؤمَّن أحد بعدي جالسًا».
وجه الدلالة قالوا: وإن كان النبي ﷺ قد صلى قاعدًا في مرض موته فقد نهى عن أن يفعل ذلك بعده، والنهي يقتضي التحريم.