وأجيب على هذا الاعتراض: بأنه لا مانع أن يكون النبي ﷺ صلى مرة خلف أبي بكر، وصلى أبو بكر خلفه مرة أخرى.
٤ - أن الأصل المعتبر: أن من صحت صلاته صحت إمامته، إلا ما جاء دليل على استثنائه.
القول الثاني: لا تصح مطلقًا:
وهو رواية عن مالك (١)، وبه قال المالكية (٢)، واختاره محمد بن الحسن من الحنفية (٣)، واختاره بعض الحنابلة (٤).
واستدل هؤلاء بـ:
١ - حديث: «لا يؤمَّن أحد بعدي جالسًا».
وجه الدلالة قالوا: وإن كان النبي ﷺ قد صلى قاعدًا في مرض موته فقد نهى عن أن يفعل ذلك بعده، والنهي يقتضي التحريم.
стр. 76
وأجيب عليهم: بأن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة (١).
قال الشافعي: وهذا حديث رواه منقطع عن رجل مرغوب عن الرواية عنه، لا يثبت بمثله حجة على أحد. اهـ (٢).
وقال أصحاب القول الأول: لو صح هذا الحديث لم يكن فيه حجة، لأنه يحتمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس، أي: يُعرب قوله جالسًا مفعولًا، لا حالًا (٣).
٢ - قالوا: القيام ركن، فلا يصح ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه كسائر الأركان (٤).
وأجيب عليهم: بأن هذا رأى في مقابل النص، ولا يعارض النص بالرأي، فقد ثبت الحديث بصحة إمامة القاعد.
стр. 77
٣ - قالوا: بأن صلاته ﵊ قاعدًا كانت من خصائصه. وأجيب عليهم: بأنه لا دليل على هذا التخصيص.
٣ - القول الثالث: تصح إمامته بشرطين:
١ - أن يكون إمام الحي أي: الإمام الراتب.
٢ - أن يكون مرضه يرجى زواله.
وهذا مذهب الحنابلة (١).
واستدلوا على ذلك: بصلاة النبي ﷺ قاعدًا (٢).
وجه الدلالة: قالوا: والنبي ﷺ حين فعل ذلك كان هو الإمام الراتب، وكان يرجى بُرؤه.
فإذا لم يكن هو إمام الحي: فلا حاجة: بالناس إلى تقديم عاجز عن القيام إذا لم يكن الإمام الراتب.
وإذا لم يكن مرضه يُرجى زواله: أدى اتخاذه إمامًا راتبًا إلى تركهم القيام على الدوام، ولا حاجة إليه، والأصل في هذا كله فعل النبي ﷺ (٣).
وأجيب عليهم: بأن القاعدة الأصولية تقول: إن ما ورد عن الشارع (٤) مطلقًا، فإنه لا يجوز إدخال أي قيد من القيود عليه إلا بدليل، فليس لنا أن نقيد ما أطلقه الشرع.
стр. 78
فقوله ﵊: «إذا صلى قاعدًا» مطلق، ليس مقيدًا بشروط (١).
وأخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:
إمامة القاعد جائزة - للأدلة المذكورة في القول الأول.
والله تعالى أعلم بالصواب.
ثانيا: كيف يصلي المأمومون خلف الإمام القاعد؟ قيامًا: أم قعودًا؟ (٢)
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول: يصلون خلفه قيامًا، ولا يقعدون.
وبهذا قال الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، وهو قول جمهور العلماء.
قال ابن عبد البر: وقال جمهور أهل العلم: لا يجوز لأحد أن يصلي في شيء من الصلوات المكتوبات جالسًا وهو صحيح قادر على القيام، لا إمامًا، ولا منفردًا، ولا خلف القاعد المريض. اهـ (٥).
стр. 79
واستدل هؤلاء بالأثر والنظر:
أما الأثر:
فصلاة النبي ﷺ قاعدًا، والصحابة خلفه قيامًا (١).
وأجابوا على حديث: «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ» بقولهم، إنه منسوخ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي ﷺ (٢).
وأما استدلالهم بالنظر فقالوا:
إن القيام ركن قدر عليه المأموم، فلم يجز له تركه، كسائر الأركان، وأما الإمام فسقط عنه لعدم استطاعته، وعلى كل واحد منهما فرضه (٣).
القول الثاني: يصلون خلفه قعودًا، ولا يقومون.
وبه قال: ابن حزم (٤)، ورجحه الشيخ ابن عثيمين (٥).
стр. 80
واستدل هؤلاء بما يلي:
قوله ﷺ : «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلوْا قُعُودًا أَجْمَعُونَ» (١).
وجه الدلالة:
أمره ﷺ باتباع الإمام حتى في قعوده يوجب على المأموم القعود، كما يجب عليه القيام في حال قيام الإمام.
وأجاب هؤلاء عن حديث عائشة في إمامة النبي ﷺ قاعدًا في مرض وفاته، وأبو بكر قائمًا بجانبه بقولهم:
إن هذا الخبر قد اختلف فيه على من كان الإمام في تلك الصلاة، أهو النبي ﷺ ؟ أم أبو بكر؟!.
فأصبح أمره باتباع الإمام والصلاة قعودًا خلفه إذا قعد يقينًا، بينما إمامته في مرض وفاته شك، وغير جائز ترك اليقين بالشك (٢).
ثم إذا صح الخبر: فإن فيه دليلًا على أن الصحابة لم يصلوا إلا قعودًا، وذلك لأن فيه أن الناس كانوا يقتدون بصلاة أبي بكر، وبالضرورة ندري أنهم لو كانوا قيامًا وأبو بكر قائم لما اقتدى بصلاته إلا الصف الأول فقط، وأما سائر الصفوف فلا؛ لأنهم كانوا لا يرونه، لأن الصف الأول يحجبهم عنه، فإذا في نص الخبر ولفظه «أنهم كانوا يقتدون بصلاة أبي بكر»، فهذا خبر عن جميعهم، فصح أنهم كانوا في حال يرونه كلهم، فيصح لهم الاقتداء بصلاته، ولا يكون ذلك البتة إلا في حال
стр. 81
قعودهم (١).
قالوا: ومما يؤكد أن هذا الأمر لم ينسخ عن النبي ﷺ : أن عمل الصحابة استمر عليه بعد موته ﷺ (٢).
وأجيب علي هذا الاستدلال: بأن هؤلاء الصحابة لم يعلموا بالناسخ، فبقي الأمر عندهم على أوله، وعلم الخاصة يوجد عند بعض، ويعزب عن بعض (١).
القول الثالث: إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة جالسًا صلى من وراءه جلوسًا.
لكن إن ابتدأ بهم الصلاة قائمًا ثم اعتل فجلس ائتموا خلفه قيامًا.
وهذا مذهب الحنابلة (٢).
واستدلوا على ذلك: بالجمع بين الحديثين، أي: الحديث الذي فيه الأمر بالقعود خلف القاعد، والآخر الذي فيه صلاة الصحابة قيامًا خلف النبي ﷺ وهو قاعد.
وجه الدلالة: قالوا: في الحديث الأول: أمر النبي ﷺ أصحابه أن يصلوا قعودًا خلفه لأنه صلى بهم قاعدًا، وهذا من بداية الصلاة.
стр. 84
وأما في الحديث الثاني: فأبو بكر كان الإمام أولًا، وابتدأ بهم الصلاة قائمًا، ثم جاء النبي ﷺ : فتحولت الإمامة إليه، فأتم الصلاة بهم جالسًا، وأتموا هم قيامًا، ولم يجلسوًا، ولهذا قلنا: إن الإمام إذا ابتدأ قائمًا ثم اعتل أكملوا هم قيامًا خلفه، ولأن القيام هو الأصل، فمن بدأ به الصلاة لزمه في جميعها إذا قدر عليه (١).
وأجاب هؤلاء عما احتج به أصحاب القول الأول من أن الحديث الأخير نسخ الأول بقولهم:
إن دعوى النسخ قول ضعيف: وذلك لأنه لا يجوز الرجوع إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع، فإن من المعلوم عند أهل العلم أنه يشترط للنسخ شرطان:
الأول: العلم بتأخر الناسخ.
الثاني: أن لا يمكن الجمع بينه وبين ما ادُّعي أنه منسوخ، وذلك أن القول بالنسخ يلغي أحد الدليلين ويبطل حكمه، وإلغاء الدليل ليس بالأمر الهين حتى نقول كلما أعيانا الجمع هذا منسوخ، فهذا غير جائز، والجمع هنا ممكن جدًّا، كما تقدم (٢).
لكن: قيل لأصحاب هذا القول - أي: الحنابلة - لو صلى المأمومون قيامًا خلف الإمام الذي ابتدأ الصلاة قاعدًا، فهل تصح صلاتهم؟!.
فأجابوا: في ذلك وجهان:
الأول: تصح صلاتهم، وهذا الصحيح من المذهب (٣).
стр. 85
واستُدل لذلك: بأن النبي ﷺ لما صلى وراءه قوم قيامًا لم يأمرهم بالإعادة.
الثاني: لا تصح صلاتهم، وإليه يومئ كلام الإمام أحمد، حيث قال: إن صلى الإمام جالسًا والذين خلفه قيامًا لم يقتدوا بالإمام، وإنما اتباعهم له إذا صلى جالسًا أن يصلوا جلوسًا، وذلك لأن النبي ﷺ أمهم بالجلوس، ونهاهم عن القيام - كما في حديث جابر وغيره -. اهـ (١).
واستدل لذلك: بقوله ﵊: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ» فهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن ترك المأموم اتباع إمامه مع قدرته عليه أشبه تارك القيام في حال قيام إمامه (٢).
وقد دُفع هذا القول: بأن هذا الأمرَ نُقل إلى الاستحباب بدليل إقراره ﵊ للقائمين خلفه في إمامته قاعدًا حال مرض وفاته (٣).
القول الرابع: يصلي المأمومون قيامًا، ويجوز لهم القعود أيضًا.
وبهذا قال ابن حجر (٤)، وأشار إليه ابن رجب (٥)، وقال به
стр. 86
الصنعاني (١)، وذكره الشوكاني (٢).
واستدل هؤلاء: بالأحاديث الصحيحة التي جاءت في الباب، وبأن هذا هو مقتضى الجمع بينها.
فقالوا: الأمر بالجلوس في البداية كان للندب، وتقريره القيام بعد ذلك قرينة عليه، أو كان أمره في البداية على الوجوب، لكن نسخ هذا الوجوب بتقرير القيام بعد ذلك، وإذا نسخ الوجوب بقي الجواز، فيكون هذا جمعًا بين الروايتين، خارجًا عن المذهبين جميعًا (٣)؛ لأنه يقتضي التخيير للمؤتم بين القيام والقعود (٤).
ودفع هؤلاء قول القائلين بالنسخ بعدة أدلة، منها:
١ - أن هناك قاعدة مطردة، وهي:
إذا وجدنا حديثًا صحيحًا صريحًا في حكم من الأحكام فإنه لا يرد باستنباط من نص آخر لم يسق لذلك المعنى بالكلية، فلا ترد - مثلًا - أحاديث تحريم صيد المدينة، بما يستنبط من حديث النغير (٥).
٢ - مما يدل على أن الأمر بالقعود خلف الإمام القاعد غير منسوخ:
أن النبي ﷺ علله بعلل لم تنسخ، ولم تبطل منذ شرعت، ومن هذه
стр. 87
العلل:
أ - أن الإمام إنما جعل إمامًا ليؤتم به، ويقتدى به في أفعاله فقال ﷺ : «إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون».
وما قبل أمره بالصلاة جلوسًا لم ينسخ منه شيء، فكذلك القعود؛ لأن الجميع مرتب على أن الإمام يؤتم به ويقتدى به.
ب - ومنها: أن النبي ﷺ جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس والروم بعظمائها، حيث يقومون وملوكهم جلوس، وشريعتنا جاءت بخلاف ذلك.
وقد دل على هذا:
ما جاء عن جابر أنه قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا، فلما سلم قال: «إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا، ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ، إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (١)(٢).
وأخيرًا، قال شيخنا - حفظه الله -:
الذي يظهر - والله أعلم - أن المأموم له الوجهان إذا صلى الإمام قاعدًا فله أن يصلي قائمًا؛ لأن هذا آخر أفعال الصحابة خلف رسول الله ﷺ ، صلى قاعدًا وهم خلفه قيام، فهذا مجوز القيام.
стр. 88
ولكن إن صلى قاعدًا تأسيًا بإمامه، واتباعًا، وإعمالًا لحديث: «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ».
فصلاته أيضًا صحيحة.
ولكن: يُلحظ أمر: وهو عدم الاختلاف بين المأمومين، فالخلاف شر.
والله أعلم (١).
стр. 89
٧ - إمامة من لا يحسن الفاتحة (١)
كلامنا في هذه المسألة يدور حول أمرين:
الأول: هل تصح إمامة من لا يحسن الفاتحة؟ أم لا تصح؟
الثاني: إن كانت إمامته لا تصح: فهل تبطل صلاة المأمومين خلفه وحدهم؟ أم تبطل صلاة الإمام والمأمومين جميعًا؟
الأول: هل تصح إمامة من لا يحسن الفاتحة لمن يحسنها؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال وهي:
١ - القول الأول: لا تصح إمامته مطلقًا.
وبهذا قال الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وهو الصحيح من المذهب
стр. 90
عند الشافعية (١)، وهو مذهب الحنابلة (٢).
دليلهم على قولهم:
١ - قوله ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله» (٣).
وجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ جعل القراءة من أوصاف الإمام المقدم، فكيف يتقدم من لا يحسن القراءة؟! (٤).
٢ - كما أن المأموم إذا ائتم بعاجز عن ركن سوى القيام، يقدر هو - أي المأموم - عليه، فلا يصح.
٣ - ولأن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم، وهذا عاجز عن التحمل للقراءة الواجبة على المأموم في صلاة الجماعة، وأعظم قراءة المأموم أن تكون مستحبة، ولا ينوب الفعل المستحب عن الواجب فلم يصح له الائتمام به لئلا يفضي إلى أن يصلي بغير قراءة (٥).
القول الثاني: تصح إمامته في الصلاة السرية، أما في الجهرية فلا تصح.
стр. 91
وبه قال الشافعية في القديم (١).
ودليلهم: أن المأموم لا يقرأ في الجهرية، بل يتحمل الإمام عنه فيها (٢).
القول الثالث: تصح في النوافل فقط.
وهو رواية عند الحنابلة (٣).
القول الرابع: تصح مطلقًا.
وهو مذهب عطاء وقتادة (٤)، وقول عند الشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦).
ودليلهم: القياس على العاجز عن القيام، فهو قد عجز عن ركن، وهو القيام، وصحت إمامته، وهذا الأمي عجز عن ركن - وهو الفاتحة -، فتصح قياسًا (٧).
وأجيب عليهم: بأن هذا قياس مع الفارق، فلا يصح؛ لأن العجز عن القيام ليس بنقص، وجهل القراءة نقص، فهو كالكفر والأنوثة (٨).
стр. 92
وأخيرًا: قال شيخنا (١) - حفظه الله -:
هناك أمور محتملة، وأخرى لا تحتمل، فالتي لا تحتمل: كأن يخطئ أخطاءً تخل بالمعنى، فهذا لا تصح صلاته، لكن ثمة أخطاء أخرى تحتمل، والصلاة معها صحيحة، والله أعلم.
стр. 93
ثانيًا: هل تبطل صلاة المأمومين والإمام؟ أم تبطل صلاة المأمومين فقط (١)؟!
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين.
القول الأول: تبطل صلاة المأمومين، الذين يحسنون الفاتحة - فقط -.
وبهذا قال: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢)، وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
واستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا:
١ - إن الإمام صاحب عذر، وقد اقتدى به من هو بمثل حاله و من لا عذر له، فتجوز صلاته وصلاة من هو بمثل حاله، وتبطل صلاة من لا عذر له (٥).
стр. 94
٢ - لأن الأصول المقررة متفقة على أن الفساد لا يتعدى من صلاة الإمام إلى المأموم (١).
القول الثاني: تبطل صلاة الإمام والمأمومين جميعًا.
وبه قال أبو حنيفة (٢)، وعليه المالكية (٣)، وهو رواية عند الحنابلة (٤).
واستدل هؤلاء بالنظر أيضًا: فقالوا:
إن المصلين لما جاءوا مجتمعين لأداء هذه الصلاة بالجماعة فالذي لا يحسن الفاتحة قادر على أن يجعل صلاته بقراءة صحيحة، وذلك بأن يقدم القارئ فيقتدى به، فتكون قراءته له، فإذا لم يفعل: فقد ترك أداء الصلاة بقراءة، مع القدرة عليها - ففسدت، بخلاف سائر الأعذار (٥).
стр. 95
٨ - إمامة اللحان والألثغ ومن على شاكلتهما
وقبل عرض أقوال العلماء في هذه المسألة رأيت أن أضع بين يدي القارئ تعريفات العلماء للمصطلحات المستخدمة هنا، كالألثغ، والأرت، واللحان، وغيرها.
فأقول:
اللحان (١):
قال ابن الأثير: اللحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان في كلامه إذا مال عن صحيح النطق اهـ.
فاللحن الذي هو الخطأ في الإعراب يقال منه: لَحَنَ في كلامه - بفتح الحاء - يلحن لحنًا، فهو لحان ولحانة (٢).
الألثع:
بالمثلثة: من في لسانه لُثغة - بضم اللام -، وهو من يبدل حرفًا بآخر، كأن يبدل السين بالمثلثة، أو الراء بالغين، فيقول: «المثتقيم»، أو «غيغ المغضوب عليهم» (٣).
الأرت:
بالمثناة: من في لسانه رُتة - بضم الراء -، وهو من يدغم في غير
стр. 96
موضع الإدغام (١).
التمتام:
من يكرر حرف التاء (٢).
الفأفاء:
من يكرر حرف الفاء (٣).
أولًا: إمامة اللحان:
اتفقت الكلمة عند المذاهب الأربعة على أن الذي يلحن في الفاتحة لحنًا يحيل المعنى = لا تصح إمامته.
وإليك شيئًا من أقوالهم:
قال شهاب الدين القرافي المالكي:
وأما اللاحن: قال ابن القصار والقاضي عبد الوهاب: إن غير المعنى- نحو: (إياك نعبد) بكسر الكاف، و (أنعمت عليهم) بضم التاء - لم تجز إمامته. اهـ (٤).
قال الإمام الشافعي:
وإن لحن - أي: الإمام -، في أم القرآن لحنًا يحيل معنى شيء منها لم أر صلاته مجزئة عنه، ولا عمن خلفه. اهـ (٥).
стр. 97
قال ابن قدامة الحنبلي:
فإن لحن لحنًا يحيل المعنى - كالذي يكسر الكاف من (إياك)، أو يضم التاء من (أنعمتُ) -، ولا يقدر على إصلاحه: فهو كالأمي، لا يصح أن يأتم به قارئ (١) اهـ.
وأما إن كان لحنه في الفاتحة لا يحيل المعنى: فإمامته جائزة مع الكراهة.
قال الإمام الشافعي:
وإن كان لحنه في أم القرآن لا يحيل المعنى: أجزأت صلاته وأكره أن يكون إمامًا بحال (٢). اهـ (٣).
وأما اللحن في غير الفاتحة:
فإن كان لا يحيل المعنى: فلا يبطل الصلاة (٤).
وإن أحال المعنى: فقد ذهب فريق من العلماء: إلى صحة صلاته أيضًا - مع الكراهة -.
وقال بذلك: بعض الحنفية (٥)، ............
стр. 98
والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
بينما ذهب بعضهم إلى فساد الصلاة.
وبه قال المتقدمون من الحنفية (٤)، وبعض المالكية (٥).
ثانيًا: إمامة الألثغ والأرت (٦).
ذهب المالكية (٧)، وبعض الحنفية (٨)، ووجه عند الحنابلة (٩)، إلى صحة إمامة من كان هذا حاله.
стр. 99
بينما ذهب: الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وآخرون من الحنفية (٣) إلى عدم صحة إمامة من كان هذا حاله.
ثالثًا: إمامة التمتام والفأفاء (٤).
ذهب الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨) إلى صحة إمامة من هذا حاله، مع كراهتها عندهم.
بينما ذهب بعض الحنابلة إلى عدم صحة إمامة هؤلاء (٩).
стр. 100
وسألت شيخنا عن إمامة هؤلاء جميعًا، فقال لي:
غيرهم أولى منهم بالإمامة، والله أعلم.
стр. 101
٩ - رجل صلى بقوم، ثم تبين أنه على غير طهارة (١)
لم يختلف العلماء في أن هذا الإمام الذي صلى بالناس وهو على غير طهارة عليه إعادة الصلاة (٢).
لكنهم اختلفوا في صحة صلاة المأمومين خلفه، وسبب اختلافهم: هل صحة انعقاد صلاة المأموم مرتبطة بصحة صلاة الإمام؟ أم ليست مرتبطة؟
فمن لم يرها مرتبطة قال: صلاتهم جائزة، ومن رآها مرتبطة قال: صلاتهم فاسدة (٣).
هذا موجز مسألتنا هنا، وأما التفصيل فدونك إياه.
اختلف أهل العلم في صحة صلاة المأمومين من عدمها، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تصح صلاتهم، وليس عليهم شيء.
وبهذا قال الشافعية (٤)،
стр. 102
وابن حزم (١)، وأشهب وابن عبد الحكم من المالكية (٢) ورواية عند الحنابلة (٣).
بل عزا ابن عبد البر هذا القول إلى الجمهور (٤).
واستدل هؤلاء بالقرآن والآثر والنظر.
أما استدلالهم بالقرآن فهو:
قوله تعالى: ﴿ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾.
وجه الدلالة:
قالوا: ليس في وسع المأموم علم الغيب من طهارة إمامه من عدمها، وكل إمام يصلى وراءه في العالم ففي الممكن أن يكون على غير طهارة - عامدًا أو ناسيًا - فصح أن المأموم لم يكلف علم يقين طهارتهم، وكل أحد يصلي لنفسه (٥).
وأما استدلالهم بالأثر فهو:
١ - خرج النبي ﷺ إلى الصلاة وكبر، ثم أشار إليهم فمكثوا، ثم
стр. 103
انطلق فاغتسل، وكان رأسه يقطر ماءً فصلى بهم، فلما انصرف قال: إني خرجت إليكم جنبًا، وإني نسيت حتى قمت في الصلاة (١).
وجه الدلالة:
أن الصحابة ظلوا على حالهم بعد خروج النبي ﷺ ، ولما عاد أكمل الصلاة بهم، ولم يأمرهم أن يستأنفوا الصلاة، فدل ذلك على صحة صلاة المأمومين وإن بطلت صلاة الإمام.
٢ - عموم قوله ﷺ : «يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» (١).
стр. 109
قال البغوي: فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم محدثًا أنه تصح صلاة المأمومين، وعليه الإعادة اهـ (١).
٣ - إجماع الصحابة ﵃ (٢)، فقد صلوا أئمة وهم على غير وضوء - ناسين - ثم أعادوا الصلاة ولم يأمروا المأمومين بالإعادة.
وإليك ما جاء في هذا الصدد.
أثر عمر بن الخطاب ﵁:
صلى عمر بن الخطاب بالناس الصبح بالمدينة، ثم خرج إلى الجرف، فذهب يغتسل فرأى في فخذيه احتلامًا، فقال: ما أراني إلا قد صليت بالناس وأنا جنب، فاغتسل ثم أعاد الصلاة (٣).
стр. 110
أثر عثمان بن عفان ﵁:
صلى عثمان بالناس الفجر، فلما تعالى النهار رأى أثر الجنابة على فخذه، فقال: كبرت والله، كبرت والله، أجنبت ولا أعلم، وأعاد