وجه الدلالة: قالوا: الحديث نص في حرمة أخذ الهدية على تعليم القرآن، فالأجرة من باب أولى، والإمامة في معناه؛ لأن كلًّا منهما يتقرب به إلى الله.
الدليل الثالث: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا
стр. 463
تَسْتَكْثِرُوا بِهِ» (١).
وجه الدلالة: قالوا: قوله ﵊: «لا تأكلوا به»: نهي، والنهي يقتضي التحريم، والذي لا يؤم الناس إلا بالأجرة داخل في عموم هذا النص.
وجه الدلالة: قالوا: وهذا ظاهر في ذم من يطلب الأجر على قراءة القرآن، وفي معناه من طلب الأجر على الإمامة، بل هو داخل في عمومه؛ لأن أعظم أركان الصلاة هو قراءة القرآن فيها.
وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:
١ - إن الإمام عمله لله تعالى، والله تعالى يثيبه على هذه الطاعة، فنفع
стр. 468
عمله لنفسه، فلا يصير مسلمًا إلى المستأجر، وعليه فلا يستحق الأجر عليه لقوله تعالى: ﴿من عمل صالحا فلنفسه﴾ (١)(٢).
وقد أجاب المجوزون لأخذ الأجرة عن هذا بقولهم (٣):
نعم: نفع عمل الإمام له، ولكن المراد بهذا النفع هو الثواب لا الأجرة بدليل الآية المذكورة، والثواب غير أخذ الأجرة فافترقا، ثم إن نفع عمل الإمام يرجع إلى المأموم؛ لأنه بالإمامة يحصل ثواب الجماعة، وهذا نفع يرجع إليه بسبب عمل الإمام وهو الإمامة، وعليه فإن الإمام يستحق الأجرة على عمله.
٢ - إن القربة متى حصلت: وقعت عن العامل، ولهذا تعتبر أهليته، فلا يجوز له أخذ الأجرة من غيره، كما في الصوم والصلاة (٤).
وأجاب المجوزون عن ذلك بقولهم:
إن المراد بالقربة هنا الثواب، والكلام هنا على الأجرة، فافترقا.
كما أن القياس على الصوم والصلاة قياس مع الفارق، فالإمامة لا تتعين عليه، وينتفع بها المأمومون، بخلاف الصوم والصلاة فإنهما يتعينان عليه، ولا يتعدى نفعهما غيره.
٣ - إن من شرط الإمامة في الصلاة كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز أخذ الأجرة عليها، كما لو استأجر قومًا يصلون خلفه الجمعة والتراويح (٥).
стр. 469
٤ - إن هذه الأعمال يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة إذ أنها تصح من المسلم دون الكافر، فلا يجوز إيقاعها إلا على وجه التقرب إلى الله تعالى، وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق، لأن الله تعالى إنما يقبل من العمل ما أريد به وجهه، لا ما فعل لأجل عروض الدنيا (١).
يقول ابن المنذر: أخشى أن لا تجزئ صلاة من أم بِجُعْل، كما روي عن الحسن أنه قال: أخشى أن لا تكون صلاته خالصة لله. اهـ (٢).
٥ - إن الإمام في الصلاة خليفة للرسول ﷺ في الإمامة، والرسول ﷺ لم يأخذ أجرة على ذلك، قال تعالى: ﴿قل لا أسئلكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ (٣)، فكذلك خليفته - وهو الإمام - ينبغي أن يكون مثله، فلا يأخذ على إمامته أجرًا (٤).
وأجاب المجوزون عن ذلك بقولهم:
قياس الإمام في الصلاة على رسول الله ﷺ قياس مع الفارق؛ لأن الرسول ﷺ هو المبلغ عن ربه، وهو الذي جاءنا بالحق، وعدم أخذه الأجرة على ذلك: إنما هو خاص به ﵊ بنص الآية.
كما أن العلماء متفقون على جواز الرزق على الإمامة، والرسول ﷺ ما كان يأخذ رزقًا عليها، فدل ذلك على أن هناك فرقًا بين الرسول ﵊ وبين خلفائه على إمامة الصلاة ونحوها من الأعمال الدينية.
стр. 470
ثم إن الآية خطاب لغير المسلمين، فهي لمشركي قريش ونحوهم، والضمير في قوله تعالى: ﴿عليه﴾، يراد به تبليغ دعوة التوحيد التي هي دين الإسلام لهؤلاء المشركين (١).
القول الثاني: لا يجوز أخذ الأجرة على الإمامة في الصلاة إلا للضرورة والحاجة.
وبهذا قال المتأخرون من الحنفية (٢)، وهو قول عند الحنابلة (٣)، واختيار شيخ الإسلام (٤).
وأما عن أدلتهم فإنها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما يدل على عدم الجواز في الأصل، وأدلتهم على ذلك هي نفسها أدلة أصحاب القول الأول [الأثرية والنظرية]، وقد تقدمت.
القسم الثاني: ما يدل على جواز الاستئجار على الإمامة للضرورة والحاجة.
وقد استدلوا على هذا بالقرآن والأثر والنظر.
أما استدلالهم بالقرآن؛ فهو:
قوله تعالى: ﴿ومن كان غنيًا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾.
قالوا: فيقاس الإمام على ولي اليتيم - المذكور في الآية، فلا يحل له
стр. 471
أن يأخذ مع الغني، ويحل له عند الحاجة (١).
وأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَت الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا، جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟»، فَقَالَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟»، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، قَالَ: «انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ: سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ، فَلَهَا نِصْفُهُ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ»، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟»، قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّهَا قَالَ: «أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» (٢).
قالوا: فجعل النبي ﷺ صداق هذه المرأة أن يعلمها ما معه من القرآن، وليس إكرامًا له، ففي لفظ مسلم قال: «فعلمها القرآن»، فيكون صداقها، وقد كان الرجل فقيرًا لا يملك شيئًا.
стр. 472
وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:
١ - إن هذا المحتاج يتعين عليه الاكتساب لنفسه وعياله، والإمامة لا تتعين عليه فلا يمكن له ترك الواجب المتعين عليه لغير المتعين، فإذا نوى عمله هذا لله تعالى وأخذ الأجرة عليه ليستعين بها على العبادة وطاعة الله، وتوفير الكفاية لنفسه وعياله: فإنه في هذه الحالة يكون قد جمع بين عبادتين (١).
٢ - كما أن الكثير من الناس قد كسلوا عن الاحتساب، وظهر منهم التواني في الأمور الدينية فلو امتنع الجواز: تعطلت المساجد، وضاعت صلاة الجماعة، وهذا خلاف ما أمر به الشارع (٢).
القول الثالث: يجوز أخذ الأجرة على الإمامة مطلقًا.
وبه قال بعض المالكية (٣)، وهو وجه عند الشافعية في النوافل (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥).
ونسبه البعض إلى الشافعي وأصحابه (٦).
стр. 473
واستدل أصحاب هذا القول بالقرآن والأثر والنظر:
أما استدلالهم بالقرآن فهو:
قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم﴾ الآيات.
стр. 474
قال ابن العربي:
قوله تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾، يدل على مسألة بديعة، وهي: أن ما كان من فروض الكفايات فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه، ومن ذلك: الإمامة، فإن الصلاة وإن كانت متوجهة على جميع الخلق: فإن تقدم بعضهم بهم من فروض الكفاية، فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها، وهذا أصل الباب، وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: «ما تركت بعد نفقة عيالي ومؤنة عاملي فهو صدقة» (١). اهـ (٢).
وأجاب المانعون: أي أصحاب القول الأول - على هذا بقولهم:
إن قياس الإمام على عاملي الزكاة المذكورين في الآية = قياس مع الفارق، فلا يصح، فإن ما يأخذه العاملون على الزكاة منصوص عليه من الشارع - كما في الآية السابقة بخلاف الإمام في الصلاة، فإن الاستئجار عليها مختلف فيه.
ثم إن الإمامة في الصلاة - وإن كانت فرض كفاية - فإن الإمام فيها عامل لنفسه، فهو كالمنفرد، بخلاف العاملين على الزكاة فهم يعملون لغيرهم.
كما أن الزكاة عبادة مالية تصح النيابة فيها فيجوز أخذ الأجرة عليها، بخلاف الصلاة فإنه، لا تجوز النيابة فيها، فلا يجوز أخذ الأجرة عليها.
وأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:
الدليل الأول: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ
стр. 475
ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ، حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا، حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ»، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ أَصَبْتُمْ اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا» (١).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقرهم على أخذ الأجر على الرقية بالقرآن، والإمامة تقاس عليه، لأن أعظم أركان الصلاة هو قراءة القرآن فيها.
وأجاب أصحاب القول الأول - المانعون - على ذلك بقولهم:
هناك فرق بين الأمرين؛ لأن الرقية نوع مداواة، والمأخوذ عليها جعل، والمداواة يباح أخذ الأجر عليها، والجعالة أوسع من الإجارة، ولهذا تجوز مع جهالة العمل والمدة (٢).
الدليل الثاني: حديث سهل بن سعد، وفيه قول النبي ﷺ : «زوجتكها بما معك من القرآن» (٣).
стр. 476
وأجاب أصحاب القول الأول - المانعون - على ذلك بقولهم:
ليس في الخبر تصريح بأن التعليم صداق، فيحتمل أنه زوجه إياها بغير صداق إكرامًا له، كما زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه (١).
ولكن يعترض على كلامهم هنا بأن لفظ الحديث عند مسلم: «فعلمها القرآن»، فيكون ذلك صداقها الواجب عليه، وليس إكرامًا له.
الدليل الثالث: قول النبي ﷺ : «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» (٢).
وأجاب المانعون بقولهم: هذا، يعني به أيضًا الجعل في الرقية، لأن ذكر ذلك في سياق خبر الرقية (٣).
الدليل الرابع: عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَيْرِيزٍ - وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي مَحْذُورَةَ، حَتَّى جَهَّزَهُ إِلَى الشَّامِ - قَالَ: قلت لِأَبِي مَحْذُورَةَ إِنِّي خَارِجٌ إِلَى الشَّامِ، وَأَخْشَى أَنْ أُسْأَلَ عَنْ تَأْذِينِكَ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ قَالَ لَهُ: خَرَجْتُ فِي نَفَرٍ، فَكُنَّا بِبَعْضِ طَرِيقِ حُنَيْنٍ فقفل رَسُول اللَّه ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ، فَلَقِيَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ، وَنَحْنُ عَنْهُ مُتَنَكِّبُونَ، فَظَلِلْنَا نَحْكِيهِ وَنَهْزَأُ بِهِ فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّوْتَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا حَتَّى وَقَفْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّكُم الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ؟ قَدْ ارْتَفَعَ» فَأَشَارَ الْقَوْمُ إِلَيَّ وَصَدَقُوا، فَأَرْسَلَهُمْ كُلَّهُمْ وَحَبَسَنِي فَقَالَ: «قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ»، فَقُمْتُ فَأَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّأْذِينَ هُوَ
وجه الاستدلال: أن أبا محذورة لما انتهى من التأذين أعطاه رسول الله ﷺ صرة فيها شيء من فضة مقابل تأذينه، فدل ذلك على جواز أخذ الأجرة على الأذان وهو من أعمال القرب، وتقاس عليه أيضًا - لأنها في معناه -: الإمامة.
وأجاب أصحاب القول الأول - المانعون - عن ذلك، بقولهم:
ولا دليل في ذلك لوجهين:
١) أن قصة أبي محذورة أول ما أسلم، لأنه أعطاه حين علمه الأذان، وذلك قبل إسلام عثمان بن أبي العاص، فحديث عثمان متأخر (١).
٢) أنها واقعة يتطرق إليها الاحتمال، وأقرب الاحتمالات فيها أن يكون من باب التأليف لحداثة عهده بالإسلام، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال لما يبقى فيها من الإجمال (٢).
وعقب الشوكاني على ما سبق بقوله:
وأنت خبير بأن هذا الحديث لا يرد على من قال: إن الأجرة تحرم إذا كانت مشروطة لا إذا أعطيها بغير مسألة، والجمع بين الحديثين (٣)
стр. 480
بمثل هذا = حسن. اهـ (١).
وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:
أولًا: يقاس الإمام في الصلاة على الخليفة في جواز الأجرة، بجامع أن كلًّا منهما عامل لمصلحة المسلمين (٢).
وأجاب أصحاب القول الأول - المانعون - عن ذلك بقولهم:
إن قياس الإمام في الصلاة على الخليفة: قياس مع الفارق، فإن ما يأخذه الخليفة هو من قبيل الأرزاق، وهي مجمع على جوازها - كما تقدم في أول الباب - والخلاف إنما هو في الأجرة، والرزق خلاف الأجرة، فافترقا.
وقالوا - مواصلين الإجابة:
ولو سلمنا أن ما يأخذه الخليفة على عمله هو أجرة، فإننا لا نسلم أن يأخذه على الإمامة، بل يأخذه على أعمال الخلافة والإمامة العظمى - وهي كثيرة جدًّا -، ثم هو قد حبس نفسه طوال الوقت لمصلحة المسلمين، والخلاف هنا حول الأجرة على ذات الإمامة ثم إن الإمام في الصلاة مصل لنفسه، فهو كالمنفرد، والصلاة تلزمه، بخلاف الخليفة فإن الخلافة لا تلزمه.
ثانيًا: إن الأجرة على إمامة الصلاة هي في مقابل التزامه للمكان المعين للصلاة والإتيان إليه، وتكلفة ذلك، وهو غير مأمور به عينًا، ولذا جاز أخذ الأجرة عليه (٣).
стр. 481
وأجاب المانعون عن هذا الدليل بقولهم:
أ - إن هذا الدليل يلزم منه عدم جواز أخذ الأجرة على ذات الإمامة في الصلاة، وهذا ينقض المذهب القائل بالجواز.
ب - أن ما ذكر من تكلف الإمام الصلاة في مكان معين … إلخ = أمر زائد على ما نحن بصدده، إذ أن الخلاف حول ذات الإمامة وأخذ الأجرة عليها، وهذا يدخل فيه من كان مجاورًا للمسجد، وهو من أهله، فهل تقولون: إنه في هذه الحالة لا يجوز له أخذ الأجرة على الإمامة؟!.
فإن قلتم ذلك فقد نقضتم مذهبكم، وإن قلتم بالجواز فقد أبطلتم دليلكم (١).
ثم إن أصحاب القول الثالث - القائلين بالجواز - أجابوا على الأدلة الأثرية (٢) التي استدل بها المانعون - أصحاب القول الأول - جملة وتفصيلًا.
أما من ناحية الجملة فقالوا:
إن هذه الأحاديث التي جاءت في النهي واستُدل بها على التحريم = ضعيفة لا حجة في شيء منها، ولا تقاوم ما جاء في الصحيح (٣).
وأما من ناحية التفصيل فقالوا:
١) حديث عثمان بن أبي العاص (٤).
قالوا: هذا الحديث فيه دليل على إباحة الأجرة لا تحريمها، لأن في قوله ﵊: «اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا»، دليلًا أن
стр. 482
هناك من يأخذ الأجرة، وإنما ذكره ذلك، ولو كان ذلك على الزجر لقال: لا تؤخذ الأجرة على الأذان، أو لا يجوز، أو ما شابه ذلك (١).
٢) وأما حديث عبادة بن الصامت (٢) - وما شابهه - (٣)
قالوا: إن صح فهو محمول عند كثير من العلماء على أنه لما علمه لله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس، فأما إذا كان من أول الأمر على التعليم - أو الصلاة - بالأجرة: فإنه يصح، كما في حديث اللديغ (٤)، وحديث سهل بن سعد في الواهبة نفسها (٥). وبهذا يجمع بين الأحاديث (٦).
وقال آخرون: وقد نقول: إن هذا الحديث منسوخ بحديث الرقية (٧).
القول الرابع: يجوز أخذ الأجرة على الإمامة بشرط أن ينضم إليها الأذان، أو القيام على المسجد، فأما إذا كانت مفردة: فلا يجوز.
وإلى هذا: ذهب المالكية في المشهور عندهم في المذهب (٨).
стр. 483
واستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا:
إن الإجارة على الإمامة انفرادًا لا تجوز، وإنما وقعت الإجارة هنا - حين ضُم الأذان مع الإمامة - على الأذان والإقامة، وقيامه على المسجد، لا على الإمامة في الصلاة، والأذان لا يلزمه، فيصح أخذ الأجرة عليه، فإذا ضم الأذان إلى الإمامة: قرب العقد من الصحة (١).
وأجاب المانعون عليهم بقولهم:
إن مقتضى الدليل أن الأجرة على الإمامة منفردة = لا تصح، وهذا هو مشهور مذهبكم، فإذا انضم إلى الإمامة والأذان: صحت الإجارة على الأذان وبطلت في الإمامة في هذه الحالة كذلك.
كما إنكم لم توقعوا الإجارة على الإمامة في الصلاة، وإنما أوقعتموها على الأذان والقيام على المسجد، والخلاف حول الإجارة على الإمامة، ليس على الأذان والقيام على المسجد.
ثم إن الإجارة على الأذان مختلف فيها، فإن قلنا: إن الإجارة على الأذان لا تصح: بطل ما ذهبتم إليه من صحة الإجارة على الإمامة في الصلاة تبعًا للأذان.
стр. 484
ثم أختم هذا البحث وهذه الأقوال بقول شيخنا - حفظه الله -، حيث قال:
لا يوجد دليل [صحيح صريح]، في المسألة على المنع، وإذا تعاطى الإمام أو طلب مبلغًا من أجل تفرغه - لا من أجل إمامته -: فلا نعلم مانعًا، وذلك لانقطاعه لهذا العمل.
أما إذا طلب بين يدي الصلاة - وهو قد كان معهم مصليًّا - مبلغًا من أجل إمامته: فلا يصح ذلك، والله أعلم. أهـ.
وختامًا:
فهذا ما يسَّر الله تعالى لي جمعه في هذا الكتاب، فله الحمد على ما وفَّق ويسَّر، ونسأله حسن الخاتمة والمآب؛ فإنه سبحانه الكريم الوهاب.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.