Полный текст (484 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وهذا القول - أي: لا يستحب للإمام أن يمكث في مصلاه بعد الصلاة - قال به: الشافعية (١) ، والحنابلة (٢) ، وهو قول الإمام مالك (٣) .
واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:
أما استدلالهم بالأثر؛ فهو:
عن البراء ﵁ قال: رمقت الصلاة مع محمد ﷺ ، فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء (٤) .
وجه الاستدلال: قوله: «فجلسته ما بين التسليم والانصراف». فيه دليل على أن جلوسه ﵊ بعد صلاته كان يسيرًا، ولم يكن يطيل القعود.
وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:
إن جلوس الإمام بعد صلاته في مصلاه يكون لعلة ذكرها الزهري في الحواشي
(١) قال الإمام الشافعي: وأستحب أن يذكر الإمام الله شيئًا في مجلسه قدر ما يتقدم من انصرف من النساء قليلًا، ثم يقوم، وإن قام قبل ذلك أو جلس أطول من ذلك فلا شيء عليه اهـ[الأم: ٢/ ٢٨٩]، المجموع [٣/ ٤٨٩]، مغني المحتاج [١/ ٢٨٣].(٢) قال ابن قدامة: فإن لم يكن معه نساء، فلا يستحب له إطالة الجلوس، اهـ.
[المغني: ٢/ ٢٥٥]، كشاف القناع [١/ ٤٦٨].(٣) قال ابن القاسم: وقال مالك في إمام مسجد الجماعة، أو مسجد من مساجد القبائل = قال: إذا سلم فليقم ولا يقعد في الصلوات كلها، قال: وأما إذا كان إمامًا في السفر أو في فنائه، ليس بإمام جماعة: فإذا سلم فإن شاء تنحى، وإن شاء أقام اهـ. [المدونة: ١/ ١٣٥].(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٩٢ - بدون ذكر القيام والقعود]، ومسلم [٤٧١]، وهذا لفظه.стр. 422
حديث أم سلمة، وهي: انصراف النساء قبل خروج الرجال، فإذا انتفت هذه العلة: فليس هناك داعٍ لجلوس الإمام في مصلاه (١) .
وقد جاء في السنة ما يدل على أن الجلوس في المصلى بعد الصلاة ليس بواجب وهو:
عَنْ عُقْبَةَ بن الحارث قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ: «ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ» (٢) .
قال الحافظ: وفي الحديث أن المكث بعد الصلاة ليس بواجب. اهـ (٣) .
وقال أصحاب هذا القول:
ويستثنى من هذا [أي: استحباب القيام]، ما إذا قعد مكانه يذكر الله بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس؛ لأن ذلك كان من هديه ﵊.
فعن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوْ الْغَدَاةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامَ (٤) .
وقالوا أيضًا:
ولو قعد الإمام في مصلاه ولم يقم منه - في أي صلاة - فلا شيء الحواشي
(١) فتح الباري [٢/ ٣٩٢].(٢) أخرجه البخاري [٨٥١].(٣) فتح الباري [٢/ ٣٩٣].(٤) أخرجه مسلم [٦٧٠].стр. 423
عليه، شريطة أن يتنحى أو ينحرف عن مكانه (١) .
وقال آخرون: بل المستحب له أن يقعد في مصلاه بعد الصلاة.
وبهذا قال المالكية (٢) .
واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر.
أما استدلالهم بالأثر؛ فهو:
١) عن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه (٣) .
وجه الاستدلال:
قوله: «أقبل علينا بوجهه»، فيه جواز جلوس الإمام في مصلاه الذي صلى فيه إذا أدار وجهه إلى الجماعة، بل هذا هو السنة، والصحابة لم يذكروا عن النبي ﷺ القيام، ولو قام لأخبروا به، لأنهم بأقل من هذا من فعله يخبرون به (٤) .
٢) حديث جابر بن سمرة: في جلوسه ﵊ بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس (٥) .
وجه الاستدلال:
قالوا: فهذا نص جلىٌّ يؤكد ما ذكرنا من استحباب جلوس الإمام الحواشي
(١) تقدم قول الشافعي في الأم: وإن قام قبل ذلك أو جلس أطول من ذلك: فلا شيء عليه، وقال ابن قدامة: فإن لم يقم: فالمستحب أن ينحرف عن قبلته، لا يلبث مستقبل القبلة.
قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله إذا سلم يلتفت ويتربع اهـ. [المغني: ٢/ ٢٥٥].(٢) مواهب الجليل [٢/ ١٠٩].(٣) صحيح: وقد تقدم.(٤) مواهب الجليل: [٢/ ١٠٩].(٥) تقدم قريبًا جدًّا.стр. 424
في مصلاه بعد الصلاة (٣) .
وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:
إن هذا الإمام الذي يقوم من مصلاه سريعًا بعد الصلاة جاعلًا ذلك من الدين يفوته خيران:
أحدهما: استغفار الملائكة له ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث، يقولون: اللهم اغفر له اللهم ارحمه (٤) .
الثاني: مخالفته لسنة رسول الله ﷺ التي هي نص الحديث، وفيه «كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه». ولو كان القيام من هديه ﵊: لذكر (٥) .
وقال قوم آخرون: إذا كانت الصلاة بعدها سنة: يكره للإمام المكث قاعدًا وإن لم يكن بعدها سنة: فإن شاء الإمام قام وإن شاء قعد.
وبهذا قال الحنفية (٦) .
واستدلوا على ذلك بالنظر؛ فقالوا:
إن الصلاة التي ليس بعدها سنة - كالفجر والعصر، لن يتحرك الإمام للصلاة بعدها بل سيغير هيئته ويظل جالسًا، وأما التي يُصلَّى بعدها الحواشي
(٣) مواهب الجليل: [٢/ ١٠٩].(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري [٤٤٥]، ومسلم [٦٤٩]، عن أبي هريرة ﵁.(٥) مواهب الجليل [٢/ ١٠٩].(٦) قال الكاساني:
إن كانت صلاة لا تصلى بعدها سنة - كالفجر والعصر - فإن شاء الإمام قام، وإن شاء قعد في مكانه يشتغل بالدعاء.
وقال: وإن كانت الصلاة بعدها سنة: يكره له المكث قاعدًا اهـ.
[بدائع الصنائع: ١/ ١٥٩ - ١٦٠].стр. 425
السنة: فقد يشتبه الأمر على الداخل فيظن الإمام لا يزال يصلي، وهذه الشبهة لا توجد في الحالة الأولى (١) . الحواشي
(١) المصدر السابق.стр. 426
٣٦ - انصراف الإمام عن يمينه وشماله
بينَّا في الباب السابق اتفاق الفقهاء على استحباب انصراف الإمام بعد صلاته، وتنحيه عن مكانه، سواء قام أم قعد، ونعرض هنا - إن شاء الله - رأي الفقهاء في كيفية انصراف الإمام، أي: هل ينصرف عن يمينه أم عن شماله؟
فقد اتفقت المذاهب الأربعة على أنه للإمام أن ينصرف عن يمينه أو شماله، كيف شاء، بلا إلزام له بشيء في ذلك (١) .
وعزا ابن رجب الحنبلي هذا القول إلى جمهور العلماء.
واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:
أما استدلالهم بالأثر فهو:
الدليل الأول: عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة (٢) . الحواشي
(١) قال الكاساني: وقال بعضهم: هو مخير، إن شاء انحرف يمنة، وإن شاء انحرف يسرة، وهو الصحيح اهـ. [بدائع الصنائع: ١/ ١٥٩].
* وقال الإمام الشافعي: فإذا قام المصلي من صلاته - إمامًا أو غير إمام -:
فلينصرف حيث أراد، إن كان حين يريد يمينًا أو يسارًا، أو مواجهة وجهه، أو من ورائه؛ انصرف كيف أراد لا اختيار في ذلك أعلمه. اهـ. [الأم: ٢/ ٢٩٠]، المجموع [٣/ ٤٩٠].
* وقال ابن قدامة: وينصرف حين شاء عن يمين وشمال. اهـ. [المغني: ٢/ ٥٧].
* وقال ابن عبد البر: وأما انصراف المصلي إذا سلم عن يمينه أو يساره: فإن السنة أن ينصرف كيف شاء. اهـ. [الاستذكار: ٦/ ٣٠٢].(٢) إسناده حسن: أخرجه أحمد [٦٦٧٩]، عن يحيى القطان، وفي [٦٩٢٨]، عن عبد الواحد الحداد ويزيد بن هارون، وأخرجه ابن ماجه [٩٣١]، وأحمد=стр. 427
الدليل الثاني: عن هُلب الطائي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يؤمنا فينصرف على جانبيه جميعًا، على يمينه وشماله (١) .
الدليل الثالث: عن أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: أقمنا عند النبي ﷺ نصف شهر، فرأيته ينفتل (٢) عن يمينه، ورأيته ينفتل عن الحواشي
(١) حسن بشواهده: أخرجه أبو داود [١٠٤١]، والترمذي [٣٠١]، وابن ماجه [٩٢٩]، وأحمد [٢١٩٦٧، ٢١٩٨١، ٢١٩٨٢]، وابن حبان [١٩٩٨]، والطيالسي [١٠٨٦]، وابن أبي شيبة [٣٠١٩]، والطبراني [الكبير: ٢٢/ ١٦٤]، والبيهقي [٢/ ٢٩٥]، وغيرهم = كلهم من طريق: سماك بن حرب، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه.
* قال الترمذي عقبه: حديث هُلب حديث حسن، وعليه العمل عند أهل العلم أنه ينصرف على أي جانبيه شاء، إن شاء عن يمينه، وإن شاء عن يساره اهـ.
* قال ابن عبد البر: وهذا حديث صحيح: اهـ. [الاستيعاب، ت. هُلب].
* وقال النووي: إسناده حسن اهـ. [المجموع: ٣/ ٤٩٠].
* قلت (القائل أحمد): خلا الكلام في سماك نفسه: ففي الإسناد قبيصة، لم يرو عنه غير سماك [كما ذكر ابن المديني، ومسلم في المنفردات والوحدان]، وأما عن توثيقه:
* فقد قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال ابن المديني والنسائي: مجهول، وترجم له البخاري وابن أبي حاتم فلم يذكرا فيه شيئًا، وقال الحافظ: مقبول. اهـ. وعلى ما ذُكر فالإسناد قد يضعف استقلالًا، لكن بالنظر إلى ما يسبقه ويلحقه من شواهد - مذكورة هنا -: يرتقي الحديث من الضعف إلى التحسين بإذن الله، وقد اختلف العلماء في اسم هُلب الطائي، وذكروا أن هلبًا هذا لقب له، قيل: لأنه كان أقرع، فمسح النبي ﷺ رأسه، فنبت شعر كثير، فسمي الهُلب، [طبقات ابن سعد، معرفة الصحابة، الاستيعاب].(٢) أي: ينصرف.стр. 428
يساره (١) .
الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي قائمًا وقاعدًا، وحافيًا وناعلًا، ورأيته ينفتل عن يمينه وعن شماله (٢) .
ولذلك كان بعض الصحابة يوصون بذلك، أي: أن ينصرف المصلي حيث شاء، ومن هؤلاء: الحواشي
(١) حسن بشواهده: أخرجه الطيالسي [١١١٢]، والطبراني [الكبير: ١/ ٢١٩] = من طريق قيس بن الربيع، عن عمير بن عبد الله، عن عبد الملك بن المغيرة، عن أوس.
وهذا إسناد فيه ضعف، لأن عبد الملك ليس فيه كبير توثيق، إلا ذكر ابن حبان له في ثقاته، وقد روى عنه جماعة، وأخرج له الترمذي وأبو داود في المراسيل، وقال عنه الحافظ مقبول، أي: حين يتابع وإلا فلين - كما نص الحافظ على ذلك، وأيضًا قيس بن الربيع متكلم في حفظه.
إلا أن لهذا المتن شواهد يرتقي بها إلى الحسن، والله أعلم.(٢) إسناده حسن: أخرجه أحمد [٧٣٨٤]، والحميدي [٩٩٧]، وعبد الرزاق [١/ ٣٨٥]، والشافعي [مسنده: ١/ ٤٥]، والبيهقي [٢/ ٢٩٥]، وغيرهم = من طريق ابن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأوبر الحارثي، عن أبي هريرة.
* في رواية عبد الرزاق: قال عن عبد الملك بن عمير، عن رجل، عن أبي هريرة.
* وكذلك عند الحميدي، إلا أنه قال عقب الحديث قال سفيان: قالوا: هذا أبو الأوبر.
* وقد ساق الدارقطني في علله [٢٢٥٩]، طرقًا أكثر مما ذكر هنا، وبين الخلاف على تعيين المبهم في الإسناد، من أن بعضهم يقول: عن رجل، وبعضهم يقول: عن أبي الأوبر، ثم قال: والصحيح من ذلك قول من قال: عن عبد الملك، عن أبي الأوبر، واسمه زياد الحارثي، اهـ.
* وأبو الأوبر هذا: ذكره ابن حبان في ثقاته، ونقل الحافظ في تعجيل المنفعة: توثيق ابن معين له، وقال عنه الهيثمي: لم أجد من ترجمه بثقة ولا ضعف [مجمع الزوائد: ٢/ ٥٤].
* ثم قال عنه في موطن آخر: ثقة [المجمع: ٨/ ٢٩٢]، وذكره الذهبي في [المغني: ١/ ٢٤٥]. وقال: مدني تابعي لا يُعرف اهـ.
* وعلى ما ذُكر: فيكون ظاهر الإسناد: الحسن، لتوثيق ابن معين لهذا الراوي، ولم أقف على أحد روى عنه إلا عبد الملك، والله أعلم بالصواب.стр. 429
علي بن أبي طالب ﵁:
عن علي ﵁ قال: إذا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجة، فكانت حاجتك عن يمينك أو يسارك فخذ نحو حاجتك (١) .
عبد الله بن عمر ﵁:
عن واسع بن حبان قال: كنت أصلي وابن عمر يسند ظهره إلى جدار القبلة، فانصرفت عن يساري، فقال: ما يمنعك أن تنصرف عن يمينك؟ قلت: لا، إلا أني رأيتك فانصرفت إليك، قال: أصبت، إن ناسًا يقولون: تنصرف عن يمينك، وإذا كنت تصلي فانصرف إن أحببت عن يمينك أو عن يسارك (٢) .
عبد الله بن مسعود ﵁:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا لَا يَرَى إِلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ، أَنْ لَا يَنْصَرِفَ، إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ (٣) .
فهذه الأحاديث والآثار دالة على أنه لا إلزام للإمام بشيء حين ينصرف، بل حيث كانت حاجته انصرف ناحيتها. الحواشي
(١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٣١١١]، عن أبي الأحوص، عن السبيعي، عن الحارث، عن علي.
- والحارث هو الأعور، في حديثه ضعف.(٢) إسناده صحيح: أخرجه مالك [١/ ١٠٩]، وابن أبي شيبة [٣١١٦]، وأبو يعلى [٥٧٤١] = كلهم من طريق يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن واسع بن حبان، وهذا سند صحيح.(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري [٨٥٢]، مسلم [٧٠٧]، واللفظ له.стр. 430
وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:
إن المقصود من الانحراف هو زوال الاشتباه، وذلك يحصل بالأمرين جميعًا، سواء انصرف يمينًا أو شمالًا (١) .
وبعد اتفاق الفقهاء على ما سبق: استحبوا للإمام أن ينصرف عن يمينه إن لم تكن له حاجة في الانصراف إلى الناحية الأخرى.
قال الإمام الشافعي:
وإن لم يكن له حاجة في ناحية، وكان يتوجه ما شاء = أحببت له أن يكون توجهه عن يمينه، لما كان النبي ﷺ يحب التيامن، غير مضيق عليه في شيء من ذلك (٢) .
وكان الإمام أحمد يفعل ذلك (٣) .
وقال ابن عبد البر:
وأكثر أهل العلم على أنه الأفضل: الانصراف من الصلاة عن اليمين، وأنه كالانصراف على الشمال سواء.
وأما أنه ﷺ كان يحب التيامن في أمره كله، في طهوره وانتعاله فقد بان أن ذلك في غير انصرافه من الصلاة، لأنه كان ينصرف منها عن يمينه وشماله. اهـ (٤) .
ويُستدل للفقهاء على ما ذكروه من استحباب الانصراف على اليمين = بالآتي: الحواشي
(١) بدائع الصنائع [١/ ١٥٩].(٢) الأم [٢/ ٢٩٠].(٣) قال ابن قدامة: وقال أبو داود: رأيته أي: أحمد إذا كان إمامًا فسلم انحرف عن يمينه. اهـ. [المغني: ٢/ ٢٥٥]، وانظر كشاف القناع [١/ ٣٤١].(٤) الاستذكار [٦/ ٣٠٢]، وانظر الدر المختار [١/ ٥٧٢] عند الحنفية.стр. 431
الدليل الأول: عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ … الحديث (١) .
الدليل الثاني: عَنْ السُّدِّيِّ - إسماعيل بن عبد الرحمن - قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا كَيْفَ أَنْصَرِفُ إِذَا صَلَّيْتُ عَنْ يَمِينِي، أَوْ عَنْ يَسَارِي؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ (٢) .
وأما ما جاء عن أنس ﵁ أنه كان ينفتل عن يمينه وعن يساره، ويعيب على من يتوقى أو من يعمد الانفتال عن يمينه (٣) .
فلا يعارض ما جاء عنه سابقًا، وإنما كما قال الحافظ: يجمع بينهما بأن أنسًا عاب من يعتقد تحتم ذلك ووجوبه، وأما إذا استوى الأمران فجهة اليمين الأولى (٤) .
ويبقى التعارض الظاهري بين ما جاء عن ابن مسعود في كون النبي ﷺ أكثر ما كان ينصرف عن شماله، وبين ما جاء عن أنس في كونه ﷺ أكثر ما كان ينصرف عن يمينه، وقد أزال العلماء هذا الإشكال، وجمعوا بين القولين بأكثر من وجه، ومن ذلك: الحواشي
(١) أخرجه مسلم [٧٠٩].
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: ولكن روي تفسير هذه اللفظة بالبداءة بالتفاته إلى جهة اليمين بالسلام، خرجه الإسماعيلي في «حديث مسعر من جمعه»، ولفظه: كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول الله ﷺ ، لأنه كان يبدأ بالسلام عن يمينه، وفي رواية أخرى له: أنه كان يبدأ بمن على يمينه فيسلم عليه اهـ. [فتح الباري له ٥/ ٢٧٦].(٢) أخرجه مسلم [٧٠٨].
وانظر للفائدة ما علق به ابن رجب على هذا الإسناد في الفتح له [٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨].(٣) إسناده صحيح: أخرجه البخاري [٢/ ٣٩٣ - مع الفتح]، تعليقًا جازمًا به، عن أنس ووصله الحافظ [التغليق: ٢/ ٣٤٠]، من طريق مسدد عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: الحديث.(٤) فتح الباري لابن حجر [٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤]، فتح الباري لابن رجب [٥/ ٢٧٧].стр. 432
قال النووي:
يجمع بينهما بأنه ﷺ كان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، فأخبر كل منها بما اعتقد أنه الأكثر. اهـ (١)
وقال الحافظ ابن حجر:
ويمكن أن يجمع بينهما بوجه آخر: وهو أن يحمل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد، لأن حجرة النبي ﷺ كانت من جهة يساره، ويحمل حديث أنس على ما سوى ذلك كحال السفر. اهـ (٢) .
وقد بدا للحافظ وجه آخر للجمع غير ما تقدم، فقال: ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بين الحديثين بوجه آخر، وهو: أن من قال: كان أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته في حال الصلاة، ومن قال: كان أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته في حالة استقباله القوم بعد سلامه من الصلاة. اهـ (٣) .
الدليل الثالث: عموم قول عَائِشَةَ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّه (٤) .
وختام القول في الأحاديث والآثار الواردة عن النبي ﷺ في هذا الأمر = ما قاله ابن أبي حاتم، حيث قال: تدبرت الأحاديث التي رويت في استقبال النبي ﷺ الناس بوجهه، فوجدت انحرافه عن يمينه أثبت. اهـ (٥) . الحواشي
(١) المصدر السابق.(٢) المصدر السابق.(٣) فتح الباري [٢/ ٣٩٤].(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري [١٦٨]، ومسلم [٢٦٨].(٥) فتح الباري لابن رجب [٥/ ٢٧٦].
- قال ابن رجب: وقال ابن أبي حاتم: سمعت يقول: فذكر الكلام.
- وذكر المحقق [الشيخ طارق بن عوض الله]، أنه كذا، وقال: ولعل الصواب «سمعت
أبي يقول» اهـ.стр. 433
٣٧ - تطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه الفريضة
بعض الفرائض لها سنن بعدها، فإذا أراد الإمام أن يصلي النفل بعد الفرض هل يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفرض؟ أم يتحول عنه؟
بداية أقول: إن المذاهب الأربعة اتفقت على استحباب أن يتحول الإمام عن موضعه الذي صلى فيه الفريضة لصلاة النافلة، وإنما الخلاف بينهم - وهو يسير - فيما إذا صلى في نفس المكان.
وتفصيل ذلك: أن العلماء لهم قولان في مسألة تنفل الإمام في موضعه الذي صلى فيه الفريضة، وهما:
القول الأول: يكره للإمام أن يتنفل في موضعه الذي صلى فيه الفريضة، ولا يكره للمأموم.
وبهذا قال الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، والحنابلة (٣) . الحواشي
(١) قال الحصكفي: وفي الجوهرة: يكره للإمام التنفل في مكانه لا للمؤتم اهـ.
[الدر المختار: ٢/ ٢٤٨]، بدائع الصنائع [١/ ١٥٩].
وقال ابن رجب الحنبلي: كره ذلك أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، اهـ. [فتح الباري له: ٥/ ٢٦٣].(٢) قال ابن القاسم: وقال مالك: من سلم إذا كان وحده، أو وراء الإمام = فلا بأس أن يتنفل في موضعه، أو حيث أحب من المسجد، إلا يوم الجمعة، قال: - أي سحنون - وسألت ابن القاسم: هل فسر لكم مالك لم كره للإمام أن يتنفل في موضعه؟ قال: لا، إلا أنه قال: عليه أدركت الناس اهـ. [المدونة: ١/ ٩٧]، الشرح الكبير [١/ ٣٣٢].(٣) قال ابن قدامة: قال أحمد: لا يتطوع الإمام في مكانه، ومن صلى وراء الإمام فلا بأس. اهـ. [المغني: ٢/ ٢٥٨]، الإنصاف [٢/ ٢٩٨]، واستثنى الحنابلة الضرورة من الكراهة.стр. 434
واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:
أما استدلالهم بالأثر؛ فهو:
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إِذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ، أَوْ يَتَأَخَّر عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ؟» - يَعْنِي السُّبْحَةَ - (١) .
الدليل الثاني: عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول» (٢) . الحواشي
(١) . ضعيف: الحديث مداره على ليث بن أبي سليم:
فأخرجه أبو داود [١٠٠]، وأحمد [٩٤٩٦]، والبيهقي [٢/ ١٩٠]، وابن أبي شيبة [٦٠١١]، وعنه ابن ماجه [١٤٢٧] = كلهم من طريق ليث، عن الحجاج بن عبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل [وعند البيهقي: إسماعيل بن إبراهيم، ونقل عن البخاري أن هذا أصح، من إبراهيم بن إسماعيل]، عن أبي هريرة.
وأخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤١٧] من طريق ليث، لكن عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي ﷺ : مرسلًا.
* قال البخاري: ولم يثبت هذا الحديث اهـ. [التاريخ الكبير - ت إسماعيل بن إبراهيم].
* وقال في صحيحه بعد أن ذكر الحديث معلقًا تمريضًا: ولا يصح. اهـ.
* ونقل البيهقي، عن البخاري قوله: والليث يضطرب فيه اهـ. [السنن: ٢/ ١٩٠].
* وعقب البيهقي: قائلًا: وهو ليث بن أبي سليم، يتفرد به اهـ.
* وقال الدارقطني: بعد أن ذكر الخلاف على ليث بن أبي سليم: ولا يصح الحديث، والاضطراب من ليث اهـ. [العلل: س ١٦٥١].
* وقال الحافظ: حكى ابن قدامة عن أحمد: لا أعرفه أي: هذا الحديث - عن غير علي، انتهى فكأنه [الكلام للحافظ]: لم يثبت عنده حديث أبي هريرة اهـ. [فتح الباري: ٢/ ٣٩٠]، وسيأتي الأثر، عن علي بن أبي طالب - في أدلتهم قريبًا.(٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن ماجه [١٤٢٨]، من طريق: عثمان بن عطاء [وهو ضعيف]، وأبو داود [٦١٢]، وعنه البيهقي [٢/ ١٩٠]، من طريق: عبد العزيز بن
عبد الملك [وهو مجهول] = كلاهما [عثمان وعبد العزيز]، عن عطاء الخراساني، عن المغيرة بن شعبة.
* قال أبو داود - عقب الحديث: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة اهـ.
* وقال المنذري: وما قاله ظاهر، فإن عطاء الخراساني ولد في السنة التي مات فيها المغيرة، وهي سنة خمسين من الهجرة على المشهور، أو يكون ولد قبل وفاته بسنة على القول الآخر اهـ.стр. 435
الدليل الثالث: عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: نَعَمْ صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ، فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ، أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، «أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ، حَتَّى نَتَكَلَّمَ، أَوْ نَخْرُجَ» (١) .
واستدلوا أيضًا ببعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، ومنها:
٤ - أثر علي بن أبي طالب ﵁:
عن علي قال: إذا سلم الإمام لم يتطوع حتى يتحول من مكانه، أو يفصل بينهما بكلام (٢) .
٥ - أثر عبد الله بن عمر ﵁:
عن الشعبي عن ابن عمر: أنه كره للإمام أن يتطوع في مكانه، ولم ير الحواشي
(١) أخرجه مسلم [٨٨٣].(٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٢١، ٦٠٢٧]، وعبد الرزاق [٢/ ٤١٦]، والبيهقي [٢/ ١٩١] كلهم من طريق: المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله، عن علي بن أبي طالب.
* وعباد بن عبد الله الأسدي: ضعفه ابن المديني، وقال البخاري: فيه نظر.стр. 436
به لغير الإمام بأسًا (١) .
٦ - أثر عبد الله بن عمرو ﵁:
عن مجاهد: عن عبد الله بن عمرو: أنه كره للإمام أن يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة (٢) .
٧ - أثر ابن عباس، وابن الزبير ﵁:
عن عطاء بن أبي رباح: أن ابن عباس وابن الزبير، وأبا سعيد وابن عمر كانوا يقولون: لا يتطوع حتى يتحول من مكانه الذي صلى فيه الفريضة (٣) .
وجاء عن بعض التابعين أيضًا مثل ذلك، ومنهم.
أ - سعيد بن المسيب:
عن قتادة قال: ذكرت لابن المسيب: أن ابن عمر رأى رجلًا يصلي يوم الجمعة في مكانه تطوعًا، فنهاه ابن عمر عن ذلك وقال: لا أراك تصلي الحواشي
(١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٢٢]، عن أبي خالد الأحمر، عن حجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الشعبي، عن ابن عمر [وسيأتي عن ابن عمر مثل ذلك في الأثر السابع، وأثر ابن المسيب].
* وحجاج - مع كثرة خطئه - موسوم بالتدليس، وقد عنعن هنا، وكذا شيخه أبو إسحاق.(٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٢٣]، من طريق حجاج [بن أرطاة]، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمرو، وهذا إسناد ضعيف للكلام في حجاج وعنعنته، وأيضًا فإن إبراهيم قال عنه الأكثرون: ليس بالقوي، كما أن رواية مجاهد عن ابن عمرو مختلف فيها، ونفى بعضهم السماع [كما في جامع التحصيل]، لكن الراجح - والله أعلم - أنه سمع منه، ورواية مجاهد عن ابن عمر أخرجها البخاري وابن خزيمة وابن حبان في صحاحهم.(٣) إسناده صحيح إلى عطاء: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٢]، عن ابن علية، عن أيوب، عن عطاء.
* وعطاء لم يسمع من ابن عمر وأبي سعيد [انظر تحفة التحصيل: ٢٢٨ - ٢٢٩].
* لكنه سمع من ابن عباس [وروايته عنه في الكتب الستة]، وسمع من ابن الزبير [وروايته عنه عند مسلم].стр. 437
مكانك، فقال ابن المسيب: إنما كره ذلك للإمام (١) .
ب - عروة بن الزبير:
عن هشام بن عروة قال: كان أبي إذا صلى المكتوبة: مال عن مكانه فسبح (٢) .
وجاء مثل ذلك عن: إبراهيم النخعي (٣) ، والشعبي (٤) ، وابن الحواشي
(١) إسناده صحيح إلى سعيد: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤١٨]، عن معمر، عن قتادة، ولا يخشى هنا من سوء حفظ معمر لحديث قتادة لأنه توبع من هشام بن عروة كما عند ابن أبي شيبة [٦٠٢٠].
* وأُنبِّه على أن قتادة لم يسمع من عبد الله بن عمر، بل شكك الإمام أحمد في سماعه من سعيد، فقال: أحاديث قتادة، عن سعيد بن المسيب ما أدري كيف هي، قد أدخل بينه وبين سعيد نحوًا من عشرة رجال لا يعرفون [جامع التحصيل: ٢٥٥]، إلا أن هذا لا يضر - إن شاء الله -، فقد أثبت له البرديجي السماع [جامع التحصيل]، بل أخرج الشيخان رواية قتادة، عن سعيد في صحيحيهما، ثم إنه في هذا الإسناد خاصة: يحكي حوارًا بينه وبين سعيد، فلا يخشى من تدليسه، والله أعلم.(٢) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٤]، عن حاتم بن إسماعيل، عن هشام.
* وهذا إسناد حسن للكلام في حاتم بن إسماعيل، وقد أدخل البخاري روايته عن هشام في صحيحه.(٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٢٦، ٦٠٢٩]، وعبد الرزاق [٢/ ٤١٨] = كلاهما من طريق منصور، عن إبراهيم النخعي قال: «يكره للإمام أن يتطوع في مكانه الذي صلى فيه الفريضة».(٤) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٣]، عن عبد الله بن إدريس عن حصين بن عبد الرحمن، عن الشعبي قال: «لا يتطوع حتى ينهض خطوة أو خطوتين».
* وهذا إسناد حسن للتغير الذي طرأ على حصين بن عبد الرحمن السلمي، وهناك في طبقته أكثر من واحد بنفس اسمه [حصين بن عبد الرحمن]، ومنهم من يروي، عن الشعبي أيضًا، لكن الذي يروي عبد الله بن إدريس عنه = هو صاحبنا، ورواية حصين عن الشعبي في الصحيحين. ورواية عبد الله عنه في مسلم.стр. 438
أبي ليلى (١) .
وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:
* إن تنفل الإمام بمكانه الذي صلى فيه الفريضة: قد يؤدي إلى اشتباه الأمر على الداخل، فيظنه لا يزال يصلي، أو قد يظن من يشاهده من المأمومين أنه تذكر نقصًا في صلاته فقام ليأت به، ولذلك يكره له التنفل في موضعه، ويستحب له التنحي عنه (٢) .
* وفي تنحي الإمام عن موضعه الأول: استكثار منه لمواضع السجود (٣) .
القول الثاني: يجوز للإمام أن يصلي النفل في موضعه الذي صلى فيه الفريضة.
وهو ظاهر كلام الشافعية (٤) ، واختيار ابن عقيل من الحنابلة (٥) ، ورجحه البخاري في صحيحه (٦) . الحواشي
(١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٢٤]، عن حفص بن غياث، عن حجاج [بن أرطاة]، عن الحكم [بن عتيبة]، عن ابن أبي ليلى: أنه كان يستحب للإمام إذا صلى أن لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه، أو قال: كان يكرهه.
* وضعف الإسناد من قبل حجاج بن أرطاة، وتقدم الكلام عنه.(٢) بدائع الصنائع [١/ ١٦٠].(٣) بدائع الصنائع [١/ ١٥٩]، المجموع [٣/ ٤٩١].(٤) قال النووي: قال أصحابنا: فإن لم يرجع - أي الإمام - إلى بيته وأراد التنفل في المسجد: يستحب أن ينتقل عن موضعه قليلًا، فإن لم ينتقل إلى موضع آخر فينبغي أن يفصل بين الفريضة والنافلة بكلام إنسان اهـ. [المجموع: ٣/ ٤٩٠].(٥) الإنصاف [٢/ ٢٩٨]، فتح الباري لابن رجب [٥/ ٢٦٣].(٦) حيث ذكر أثر ابن عمر - القادم - في صحيحه، وقال بعده: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: لا يتطوع الإمام في مكانه، ولا يصح اهـ.стр. 439
واستدل هؤلاء بالأثر، وهو:
الدليل الأول: أثر ابن عمر ﵁:
عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ، وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ (١) .
قالوا: فلو كان مكروهًا ما فعله ابن عمر ﵄.
وأجاب القائلون بالكراهة عن ذلك بقولهم:
إن ابن عمر فعل هذا عندما كان مأمومًا، ولم يكن إمامًا (٢) .
الدليل الثاني: أثر عبد الله بن مسعود ﵁:
عن عبد الله بن مسعود: أنه سئل عن الرجل يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة، قال: لا بأس (٣) . الحواشي
(١) أخرجه البخاري [٨٤٨]، قال: قال لنا آدم، حدثنا شعبة، عن أيوب، عن نافع فذكره.
والقاسم المذكور في الأثر: هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أحد فقهاء المدينة، وسيأتي ذكره لاحقًا في أثر سالم بن عبد الله.
فائدة: قال الحافظ - عن هذا الإسناد:
قول البخاري «قال لنا آدم … »، هو موصول، وإنما عبر بقوله «قال لنا» لكونه موقوفًا مغايرة بينه وبين المرفوع، هذا الذي عرفته بالاستقراء من صنيعه اهـ. [فتح الباري: ٢/ ٣٨٩].(٢) نقله ابن رجب، عن الإمام أحمد [الفتح له: ٥/ ٢٦٣].(٣) إسناده ضعيف: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤١٩]، وابن أبي شيبة [٦٠١٥] = كلاهما، عن أبي بحر عن شيخ، عن ابن مسعود.
* أما أبو بحر: فقد قال الإمام أحمد: بلغني أن أبا بحر هو أبو فرات بن أحنف [تعجيل المنفعة]، ووافقه على ذلك البخاري في تاريخه الكبير، وهذا الرجل وثقه ابن معين، ولكن في الإسناد مبهم، وهو شيخ أبي بحر، وضعف الإسناد من أجله.
* وبالاعتماد على قول أحمد والبخاري أن أبا بحر هو أبو فرات = نجد أنه سمى هذا المبهم عند البيهقي [٢/ ١٩٢]، باسم: عبد الله بن بشر الهلالي، وهذا الأخير ترجم له
البخاري في الكبير، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، وكلاهما أثبت له السماع من ابن مسعود، وكلاهما أيضًا لم يذكر فيه شيئًا، وعلى ذلك: بقي الإسناد ضعيفًا كما هو.стр. 440
وجاء عن بعض التابعين أيضًا مثل ذلك، منهم.
أ - سالم بن عبد الله بن عمر:
عن عبيد الله بن عمر قال: رأيت القاسم وسالمًا يصليان الفريضة، ثم يتطوعان في مكانهما، وأنبأني نافع أن ابن عمر كان لا يرى به بأسًا (١) .
وجاء مثل ذلك عن:
الحسن البصري (٢) ، ومحمد بن سيرين (٣) ، وعطاء بن أبي رباح (٤) .
وأجاب أصحاب هذا القول عن الأدلة الأثرية التي استدل بها القائلون بالكراهة بقولهم:
أما حديث أبي هريرة: فضعيف.
وكذلك حديث المغيرة، فلا حجة فيهما (٥) .
وأما حديث معاوية: فغاية ما يستدل به عليه: أن يفصل بين كل صلاتين، ولكن لا يستلزم ذلك الحركة، بل لو تكلم ولم يتحرك أجزأه، الحواشي
(١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٧]، عن معتمر، عن عبيد الله بن عمر.(٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٩]، عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن [البصري]، ومحمد [ابن سيرين]: أنهما كانا يصليان التطوع في مكانهما الذي يصليان فيه الفريضة.(٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٩]، عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن [البصري]، ومحمد [ابن سيرين]: أنهما كانا يصليان التطوع في مكانهما الذي يصليان فيه الفريضة.(٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٨]، عن وكيع، عن مسعر قال: سألت عطاء، عن الرجل يتطوع في مكانه؟ فقال: لا بأس. اهـ.(٥) ضعفهما النووي [المجموع: ٣/ ٤٩٠]، وقد تقدم بيان ضعفهما.стр. 441
وعندها لا تكون صلاته في مكانه مكروهة؛ لأن الفصل بين الصلاتين قد تم (١) .
وأما ما جاء عن بعض الصحابة بالكراهة: فقد جاء عن غيرهم أيضًا الجواز.
وإذا اختلف الصحابة لم يحتج بقول أحدهم على الآخر. الحواشي
(١) المصدر السابق.стр. 442
٣٨ - أخذ المال على الإمامة
لا خلاف بين العلماء في أن ما يعطاه الإمام في الصلاة من غير شرط = جائز، سواء كان ما يعطاه رِزقًا (١) ، أم وقفًا (٢) ، أم على سبيل الهدية والبر والصلة على إحسانه.
وإليك شيئًا من أقوال العلماء في ذلك - على اختلاف مذاهبهم -:
قال السرخسي الحنفي:
فإن عرف القوم حاجته - أي الإمام - فواسوه بشيء: فما أحسن ذلك، بعد أن لا يكون عن شرط. اهـ (٣) .
قال القرافي المالكي:
قال صاحب الطراز: واتفق الجميع على جواز الرزقة. اهـ (٤) .
قال الماوردي الشافعي:
أعمال القرب تنقسم ثلاثة أقسام وذكر منها:
وقسم لا يجوز أن يفعل عن الغير، لكن قد يعود نفعه على الغير، الحواشي
(١) الرزق: بالكسر مأخوذ من: رَزَقَ بالفتح، وهو لغة: ما ينتفع به، والجمع أرزاق، وفي الاصطلاح: العطاء ويشمل ما يفرضه الإمام في بيت المال للمستحقين وغيره من التبرعات كالوقف والهبة وصدقة التطوع وغير ذلك مما يدفع بلا مقابل وقيل: إن كان يخرج كل شهر سُمى رزقًا، وإن كان يخرج كل عام سُمى عطاءً.
[الموسوعة الفقهية الكويتية: [١٧/ ٢٤٢ - ٢٤٣، ٣٠/ ١٥٠].(٢) الوقف: لغة: الحبس، واصطلاحًا: حبس العين والتصدق بالمنفعة. [المصدر السابق: ٣/ ١٠٧].(٣) المبسوط [١/ ١٤٠]، وانظر البحر الرائق [١/ ٢٦٨].(٤) الذخيرة [٢/ ٦٦]، وانظر الشرح الكبير [١/ ١٩٨].стр. 443
كالأذان أو الإقامة، والقضاء، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه، ويجوز أخذ الرزق عليه (١) .
قال ابن قدامة الحنبلي:
وروي عنه (٢) … ، ولا بأس أن يدفعوا إليه من غير شرط (٣) . اهـ.
قال ابن حزم الظاهري:
وجائز أن يعطى (٤) على سبيل البر، وأن يرزقه الإمام كذلك (٥) . اهـ.
هذا فيما يتعلق بأخذ المال على الإمامة بدون شرط واتفاق.
وأما أن يأخذ الإمام في الصلاة أجرًا عن شرط واتفاق سابق: فهذا ما وقع فيه الخلاف بين العلماء.
وإليك التفصيل:
اختلف أهل العلم في حكم الإجارة على الإمامة - الصغرى - على الحواشي
(١) الحاوي الكبير [٢/ ٧٧ - ٧٨].(٢) أي: الإمام أحمد، هذا ما يشير إليه كلام ابن قدامة، ويؤكده قول البهوتي (فإن دفع إلى الإمام شيء وبغير شرط: فلا بأس نصًّا … )) [كشاف القناع ١/ ٤٥١]، فقوله «نصًّا»، يشير إلى نص الإمام أحمد.
- وبهذا يتبين خطأ صاحب كتاب «أخذ المال على أعمال القرب» [الذي هو في الأصل رسالة ماجستير، وقد استفدت منه كثيرًا. في هذا الباب خاصة]، حيث عزا هذا القول إلى ابن قدامة [١/ ٢٠٧].(٣) المغني [٣/ ٢٠].(٤) كلامه هنا على المؤذن، وابن حزم جعل المؤذن والإمام في مسألة الإجارة على السواء - كما سيأتي عنه قريبًا بإذن الله.(٥) المحلى [٣/ ١٤٥].стр. 444
أربعة أقوال وهي:
القول الأول: لا يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على الإمامة في الصلاة.
وبهذا قال: أبو حنيفة وصاحباه والمتقدمون من الحنفية (١) ، وابن حبيب من المالكية (٢) ، وهو مذهب الشافعية في الفريضة والأصح عندهم في النافلة (٣) ، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤) ، وبه قال ابن حزم (٥) .
واستدل أرباب هذا القول بالأثر والنظر: الحواشي
(١) عزاه إليهم: ابن عابدين في حاشيته [٦/ ٣٣٩]، وابن عبد البر [الاستذكار: ٥/ ٤١٨].
وقال ابن نجيم: لا يحل للمؤذن ولا للإمام أن يأخذ أجرًا اهـ[البحر الرائق: ١/ ٢٦٨].
وانظر: المبسوط [١/ ١٤٠]، والدر المختار [٩/ ٧٦].(٢) نقله عنه القرافي في الذخيرة [٢/ ٦٦].(٣) قال النووي: الاستئجار لإمامة الصلوات المفروضة = باطل، وكذا للتراويح وسائر النوافل على الأصح اهـ. [روضة الطالبين: ٤/ ٢٦٣].
وانظر: فتح العزيز [٦/ ١٠٣]، الحاوي الكبير [٢/ ٧٧ - ٧٨]، الفقه الإسلامي وأدلته [٥/ ٣٨٢٠].(٤) قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن إمام قال: أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهما؟ قال: أسأل الله العافية، من يصلي خلف هذا؟!!. [مسائل أبي داود: رقم ٤٤٢].
- قال ابن قدامة: وروى عنه أنه قال: « … ، لا تصل خلف من يشارط». [المغني: ٣/ ٢٠].
- وقال ابن مفلح: ويحرم - أي أخذ الأجرة - على أذان وإمامة صلاة، وتعليم قرآن … اهـ. [الفروع: ٤/ ٤٣٥].
- وانظر: المغني [٨/ ١٣٦]، الإنصاف [٦/ ٤٥ - ٤٦]، كشاف القناع [١/ ٤٥١].(٥) قال ابن حزم: ولا تجوز الإجارة على الصلاة، ولا على الأذان، لكن: إما أن يعطيهما الإمام من أموال المسلمين على وجه الصلة، وإما أن يستأجرهما أهل المسجد على الحضور معهم عند حلول أوقات الصلاة فقط مدة مسماة، فإذا حضر: تعين الأذان والإقامة على من يقوم بهما اهـ. [المحلى: ٨/ ١٩١ - ١٩٢].стр. 445
أما استدلالهم بالأثر فهو:
الدليل الأول: عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، فَقَالَ: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا (١) . الحواشي
(١) صحيح: هذا الحديث جاء عن عثمان بن أبي العاص مطولًا ومختصرًا، فرواه عنه:
١) سعيد بن المسيب:
- عند مسلم [٤٦٨]، وأحمد [١٦٢٧٧] = كلاهما من طريق غندر، عن شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان … مختصرًا.
- ولفظه: آخر ما عهد إلي رسول الله ﷺ : «إذا أممت قومًا فأخف بهم الصلاة».
٢) أشياخ من ثقيف.
- عند أحمد [١٦٢٧٥]: عن محمد بن بكر، عن شعبة، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت أشياخنا من ثقيف قالوا: أنا عثمان بن أبي العاص - وساق الحديث -، وفيه الأمر بالتخفيف، وليس فيه ذكر المؤذن.
٣) موسى بن طلحة:
- رواه عنه عمرو بن عثمان، واختلف عليه في المتن، فرواه عنه.
أ-عبد الله بن نمير [عند مسلم: ٤٦٨]، ووكيع [أحمد: ١٦٢٧٦]، ويحيى القطان، وأبو نعيم [أبو عوانة: ١٥٥٧، ١٥٥٨].
- واللفظ المذكور عند هؤلاء: قال النبي ﷺ لعثمان: «أم قومك» قال: قلت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي شيئًا، قال: «ادنه»، فأجلسني بين يديه، ثم وضع كفه في صدري بين ثديي، ثم قال: «تحول» فوضعها في ظهري بين كتفي، ثم قال: «أم قومك، فمن أم قومًا فليخفف، فإن فيهم الكبير، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاء».
ولم يذكر فيه النهي عن اتخاذ المؤذن بأجرة.
ب-يعلى ومحمد ابنا عبيد:
- عند أبي عوانة [١٥٥٧]، عن علي بن حرب قال: ثنا يعلى ومحمد ابنا عبيد.
- وزاد فيه: «واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا».
- وهذا إسناد صحيح.стр. 446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) =- فعلي بن حرب: قال عنه أبو حاتم: صدوق، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا، وقال ابن السمعاني: كان ثقة صدوقًا.
- وأما يعلى ومحمد ابنا عبيد:
- فيكفي قول الدارقطني: بنو عبيد كلهم ثقات اهـ.، وقول ابن عمار الموصلي: أولاد عبيد كلهم ثبت، وأحفظهم يعلى، وأبصرهم بالحديث محمد اهـ.
- قلت: وتتمة للفائدة: فإن يعلى قد ضعف ابنُ معين روايته، عن الثوري خاصة دون غيره.
- فإن قال قائل: ألا يعد إخراج مسلم لهذا الحديث من نفس طريق أبي عوانة - الذي صححت إسناده آنفًا - بدون ذكر هذه الزيادة = إعلالًا لها؟!.
- قلنا: ليس ذلك بشرط، فمسلم لم يلتزم بذلك، وأقوى دليل على ما ذكرنا: قول مسلم نفسه في صحيحه [عقب حديث: ٤٠٤]: وليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا، وإنما وضعت هَهُنا ما أجمعوا عليه. اهـ.
- ويُشفع هذا الدليل بآخر، ألا وهو: أن هذه الزيادة لم تأت من طريق عمرو بن عثمان، عن موسى بن طلحة فقط، بل أتت من طريقين آخرين، فممن روى الحديث، عن عثمان بن أبي العاص - غير من تقدم ذكرهم -.
٤) مطرف بن عبد الله بن الشخير:
واختلف عليه في ذكر هذه الزيادة، فروى الحديث عنه كل من:
أ-سعيد بن أبي هند (بدون ذكر الزيادة).
- كما عند ابن ماجه [٩٨٧]، وأحمد [١٦٢٧٣]، وابن أبي عاصم [الآحاد: ١٥٣٠]، والطبراني في الكبير [٩/ ٥١]، كلهم من طريق محمد بن إسحاق، عن سعيد، عن مطرف، عن عثمان.
- وابن إسحاق مدلس، وحديثه عند من سبق ذكرهم معنعنًا، إلا أن هناك طريقًا، عند الطبراني في الكبير [٩/ ٥١]، عن بشر بن موسى ثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا محمد بن إسحاق سمعه من سعيد بن أبي هند سمعه من مطرف بن عبد الله سمعت عثمان.
- وهذا إسناد حسن إن كان التصريح بالسماع محفوظًا، فمحمد بن إسحاق ممن يحسن حديثه إذا صرح بالتحديث، وأما بشر بن موسى = شيخ الطبراني: فقد ترجم له الخطيب في تاريخه، وقال عنه: كان ثقة أمينًا عاقلًا ركينًا. اهـ.
ب-أبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير [أخو مطرف].
- فرواه عنه الجريري، وفيه ذكر الزيادة، بل هو باللفظ الذي ذكره أصحاب القول الأول في أدلتهم تمامًا بحروفه.стр. 447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) =- والجريري: سعيد بن إياس وإن كان ثقة: إلا أنه اختلط قبل موته، ولكن الراوي عنه هنا حماد بن مسلمة.
- كما عند [أحمد: ١٦٢٧١]، وأبي داود [٥٣١]، والحاكم [٧١٥، ٧٢٢]، وابن خزيمة [٤٢٣]، والنسائي [٦٧٢]، والطحاوي [معاني الآثار: ٤/ ١٢٨]، والطبراني [الكبير: ٩/ ٥٢]، والبغوي [٤١٧]، والبيهقي [١/ ٤٢٩].
- وهناك رواية عند أحمد [١٦٢٧٠]، من طريق حماد أيضًا لكن بإسقاط مطرف، وهذا إما سقط، وإما طريق مرجوح برواية الجمع الكثير بإثبات مطرف.
- بقول العجلي: إنما الصحيح عنه أي الجريري: حماد بن سلمة، والثوري، … [التهذيب، ت الجريري].
- وقال الأبناسي: وممن سمع منه قبل التغيير: شعبة وسفيان الثوري والحمادان [الشذا الفياح: ٢/ ٧٥٣]، [الكواكب النيرات: صـ ٣٥].
- قلت (القائل أحمد): لكن يعكر على قولهما ما ذكره مسلم في التمييز، ونقله ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، حيث قال:
- «وحماد - أي ابن سلمة - يعد عندهم إذا حدث عن غير ثابت - كحديثه، عن قتادة وأيوب وداود بن أبي هند، والجريري، ويحيي بن سعيد، وأشباههم - فإنه يخطئ كثيرًا في حديثهم، وغير حماد في هؤلاء أثبت عندهم، كحماد بن زيد، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع».
- وعلق ابن رجب على ذلك بقوله.
- ومع هذا: فقد خرج مسلم في صحيحه لحماد بن سلمة عن أيوب، وقتادة، … ، والجريري، … ، ولكن: إنما خرج حديثه، عن هؤلاء فيما تابعه عليه غيره من الثقات ووافقوه عليه، ولم يخرج له عن أحد منهم شيئًا تفرد به عنه، والله أعلم اهـ. [شرح علل الترمذي: صـ ٧٨٣].
- ومع كلام الإمام مسلم الذي ذكرناه: فإنه يبدو أن حديث حماد، عن الجريري هنا: مما حفظه حماد بن سلمة خاصة، إذ أنه متابع على المتن تمامًا ممن هو أوثق منه، ومنصوص على صحة روايته عن الجريري - كما تقدم، وهو: حماد بن زيد، كما عند أحمد [١٦٢٧٢].
- وحقيقة أقول: قد خالجني الشك في صحة هذا الطريق أعني: طريق حماد بن زيد - فإنني لم أجد له ذكرًا إلا عند الإمام أحمد، وراويه هو: عفان بن مسلم الصفار قد رواه أيضًا عن حماد بن سلمة [عند أحمد: ١٦٢٧١ - قبل طريق حماد بن زيد مباشرة]، فاجتمع لعفانстр. 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = في هذا الإسناد شيخان، هما الحمادان، توبع عفان في روايته، عن حماد بن سلمة، ولم يتابع في روايته، عن حماد بن زيد.
- وليس مصدر الشك عندي تفرد عفان، وأنني لم أقف على متابع له، فها هو الإمام أحمد: يسأله الحسن بن محمد الزعفراني قائلًا: من تابع عفان على حديث كذا وكذا؟ فقال أحمد: وعفان يحتاج إلى أن يتابعه أحد؟!!، أو كما قال. اهـ. [التهذيب].
- وقد أخرج البخاري في صحيحه لعفان، عن حماد بن زيد [كما ذكر المزي في تهذيبه].
- وفي العلل لأحمد [٣٨٩]: أن حماد بن زيد كان يسأل عفان، عن حديث حماد بن سلمة عن أيوب، وهذا دال على مكانة عفان عند حماد بن زيد.
- كما أن راوي الحديث هنا، عن عفان هو الإمام أحمد: وهو أروى الناس عن عفان [كما ذكر ابن عدي في كامله، وعنه المزي في تهذيبه = كلاهما في ترجمة عفان].
- لكن مصدر الشك عندي: أني خشيت أن يكون هناك تصحيفًا، أو خطأ أو ما شابه ذلك.
- ولما كان من العسير أن أقف على نسخة خطية للمسند = فقد لجأت إلى المطبوع، وقلبت النظر في أكثر من نسخة [كالرسالة، وقرطبة، والمكتب الإسلامي]، فوجدتهم جميعًا أثبتوا حماد بن زيد، وكذا في [المسند الجامع].
- وما كدت أهدأ قليلًا حتى عاد الشك يقرع بابي من جديد، وذلك بعد نظري في [أطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي: ٤/ ٢٩٦ - للحافظ ابن حجر]، حيث ذكر الحافظ روايات الحديث بطرقها، ولم يشر إلى رواية عفان، عن حماد بن زيد، وهذا الأمر ليس له عندي إلا تفسير من ثلاث:
١) أن يكون هناك سقط في نسخة أطراف المسند المطبوعة.
٢) أو: يكون الحافظ قد غفل عن هذا الطريق وقت إعداده الكتاب.
٣) أو: ألا يكون هذا الطريق موجودًا من الأصل في المسند، أو تحديدًا: في النسخة التي كانت بين يدي الحافظ من المسند.
- وأما الاحتمال الرابع - الذي لم أذكره هنا: وهو أن يكون ذكر حماد بن زيد تصحيفًا ليس إلا، والصواب مع الحافظ في عدم ذكره له، ويكون هذا تقوية للشك الذي خالجني منذ البداية = فقد هدمه الحافظ ابن كثير ﵀!.
- حيث ذكر في كتابه [جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن: ٩/ ٢٤، ح: ٦٣٥٤]، رواية عفان، عن حماد بن زيد.
- وبهذا لم يعد أمامي إلا اعتماد رواية عفان، عن حماد بن زيد، وأن هذا طريق صحيح، يصحح به الحديث.стр. 449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = - وأما ما وقع في أطراف المسند للحافظ ابن حجر: فدونك التفسيرات الثلاثة المذكورة آنفًا، اختر منها أيها شئت!.
- وقد صحح الحديث من هذا الطريق، أعني: طريق الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف - جماعة من أهل العلم، منهم.
١) ابن خزيمة: حيث أودعه صحيحه، ولم يعله بشيء.
٢) الحاكم: حيث قال بعد إخراجه: على شرط مسلم، ولم يخرجاه اهـ.
٣) ابن عبد الهادي: حيث قال: رواه أبو داود والنسائي، من حديث حماد، وإسناده جيد اهـ[تنقيح التحقيق: ٣/ ٦٤].
٤) الحافظ ابن حجر: قال: إسناده حسن، وأصله في مسلم. اهـ. [فتح الباري ٢/ ٢٣٣].
٥) العجلوني: حيث قال: وهو عند أبي داود والنسائي بأسانيد صحيحة اهـ.
[كشف الخفاء: ١/ ٥٦٣ - ٥٦٤].
- ثم آخر من أذكرهم هنا من رواة الحديث، عن عثمان بن أبي العاص = هو:
٥) الحسن البصري:
- رواه عنه ثلاثة، وهم:
أ-عَبيدة بن حسان: بدون ذكر زيادة المؤذن.
- كما عند الطبراني في الكبير [٩/ ٥٧].
- وهذا إسناد ضعيف من أجل عَبيدة المذكور، فقد ذكره الذهبي في الميزان، ونقل عن أبي حاتم قوله فيه: منكر الحديث، وقول الدارقطني: ضعيف.
ب-هشام بن حسان: بدون ذكر الزيادة.
- كما عند الطبراني في الكبير [٩/ ٥٦]، والأوسط [٧٩٧٨]، عن موسى بن هارون، عن إسماعيل بن عبيد، عن محمد بن سلمة، عن ابن علاثة، عن هشام بن حسان.
- ولا يعنينا كثيرًا هذان الإسنادان، إذ أن المتن المذكور فيهما ثابت من غير هذين الطريقين - كما تقدم - وإنما يعنينا الطريق القادم الذي رواه.
جـ- أشعث: وفيه ذكر الزيادة:
- ولكن: من أشعث الذي يروي عن الحسن؟
- قال البرقاني: قلت للدارقطني: أشعث عن الحسن؟ فقال: هم ثلاثة يحدثون جميعًا عن الحسن:
- أحدهم: الحمراني - منسوب إلى حمران - مولى عثمان، بصري، وهو أشعث بن عبد الملك، ثقة.стр. 450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = - وأشعث بن عبد الله الحداني، بصري أيضًا، يروي، عن أنس والحسن، يعتبر به.
- وأشعث بن سوار الكوفي، يعتبر به، وهو أضعفهم، روى عنه شعبة حديثًا واحدًا اهـ. [سؤالات البرقاني: صـ ٥٥، ٥٦].
- قلت (القائل أحمد): جاءت بعض الروايات بذكر أشعث مهملًا:
- كما عند الترمذي [٢٠٩]، والحميدي [٩٠٦]، وعنه الطبراني [٩/ ٥٦]، وأخرجه ابن أبي شيبة [٢٣٦٩، وسقط أشعث من المطبوعة]، وعنه ابن ماجه [٧١٤].
- وجاءت رواية فيها تنصيص على أن أشعث هو ابن عبد الملك.
- أخرجها ابن حزم [المحلى: ٣/ ١٤٥]، لكن من طريق ابن أبي شيبة، والذي تقدم ذكره أنه ذكره مهملًا، وكذا فعل ابن ماجه في سننه، ذكره مهملًا.
- وهذا التمييز لأشعث فيما يبدو - والله أعلم - هو من ابن حزم، أو ممن هو فوقه ودون ابن أبي شيبة، حيث قال ابن حزم:
- حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم، ثنا ابن وضاح، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث، عن أشعث هو ابن عبد الملك الحمراني عن الحسن.
- وعلى هذا التمييز لأشعث بأنه ابن عبد الملك = تابع ابنَ حزم كلٌّ من:
- العلامة أحمد شاكر [في تعليقه على المحلى، والترمذي: ١/ ٤٠٩].
- العلامة الألباني [كما في صحيح سنن أبي داود: ٣/ ٢٩].
- ولذلك صححوا جميعًا الحديث!!.
- ولكن يبدو - والله أعلم - أن كلامهم هذا فيه نظر، فقد نص غير واحد من أهل العلم على أن أشعث المذكور هنا هو: ابن سوَّار، منهم:
- الطبراني: حيث سماه في رواية عنده في معجمه الكبير [٩/ ٥٦].
- أبو نعيم الأصبهاني: فقد ذكره من نفس الطريق الذي ذكره الطبراني مسميًا إياه بابن سوَّار [كما في الحلية: ٨/ ١٣٤].
- الدارقطني: حيث قال: تفرد به أشعث بن سوار، عن الحسن بهذه الألفاظ. [أطراف الغرائب والأفراد: ٤١٣٩].
- ابن عبد الهادي: كما في «تنقيح التحقيق» [١/ ٢٩٦].
- الزيلعي: كما في «نصب الراية» [٤/ ١٣٩].
- المباركفوري: كما في «تحفة الأحوذي» [١/ ٥٢٧].
- وعلى ما تقدم ذكره: يكون الراجح - والله أعلم - أن أشعث المذكور هو: ابن=стр. 451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = سوار، وهو كما قال الدارقطني: ضعيف يعتبر به اهـ.
- هذا الذي يترجح في حاله من مجموع أقوال الأئمة فيه، بخلاف القول الآخر للدارقطني، الذي نقله عنه السلمي في سؤالاته [٧٩]، حيث قال عنه هناك: كوفي متروك اهـ.، فيبدو أن هذا القول فيه تشدد بعض الشيء، إذ لم ينص أحد على ترك أشعث، فالأخذ بقول الدارقطني الموافق لأقوال الأئمة الآخرين = أولى من قوله المخالف، والله أعلم.
وقد نص على هذا المعنى: عثمان الدارمي، كما في الجرح والتعديل [٨/ ٣٣٩].
- ولذلك قال الترمذي بعد إخراجه الحديث من طريق أشعث: حديث عثمان حديث حسن اهـ.
[هذا الثابت بمخطوط الكروخي، وكذا في التحفة، ونقله جماعة من العلماء: كالنووي في المجموع (٣/ ١٢٦)، وابن قدامة في المغني [٨/ ١٣٨]، وابن رجب في فتحه [٣/ ٤٧٦]، وابن عبد الهادي في تنقيحه [١/ ٢٩٦]، والزيلعي في نصب الراية [٤/ ١٣٩]، والحافظ في البلوغ، خلافًا للمثبت في المطبوع من الترمذي وهو: حسن صحيح].
- بقى في هذا الإسناد مسألة أخيرة، وهي:
- هل سمع الحسن البصري من عثمان بن أبي العاص؟ أم لا؟
- ذهب فريق من أهل العلم إلى أن الحسن لم يسمع من عثمان، وهم:
١) الحاكم:
- حيث قال في مستدركه [عقب حديث: ٦٢٤]: فإن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص اهـ.
٢) المنذري:
- حيث قال: وقد قيل: إن الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص» اهـ. [عون المعبود: ٨/ ١٨٦]، [مختصر أبي داود: ٤/ ٢٤٤].
٣) ابن عبد البر:
- قال في ترجمة عثمان «والحسن أروى الناس عنه، وقد قيل: إنه لم يسمع منه». اهـ. [الاستيعاب: ت عثمان بن أبي العاص].
٤) المزي:
- قال: وروى الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، وقيل: لم يسمع منه اهـ.
-[تهذيب الكمال - ت الحسن البصري].
٥) علاء الدين مغلطاي:
- نقل كلام الحاكم معتمدًا له، [شرح سنن ابن ماجه: ٥/ ٤٧٦].стр. 452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٦) أبو زرعة العراقي:
- حيث نقل في تحفة التحصيل [صـ ٧٦]، قول المزي السابق، ولم يعقب بشيء.
٧) الحافظ ابن حجر:
- قال: الحسن عن عثمان بن أبي العاص = منقطع اهـ. [التلخيص الحبير: ١/ ٤٤١].
- بينما ذهب آخرون إلى إثبات سماع الحسن من عثمان، وهم.
١) علي بن المديني:
- قال: سمع الحسن من عثمان بن عفان، وهو غلام يخطب، ومن عثمان بن أبي العاص اهـ[العلل: صـ ٩٢ - ط غراس].
٢) يحيي بن معين:
- قال: يقال إنه رأى عثمان بن أبي العاص اهـ[رواية الدوري: ٤٢٥٧].
- وقال أيضًا: سمع الحسن من أنس، وعبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن مغفل، وعثمان بن أبي العاص اهـ. [رواية ابن مُحرز: ١/ ١٣٠، س: ٦٦١].
٣) أبو بكر البزار:
- نقل عنه الزيلعي أنه قال: «وروى الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، وسمع منه». اهـ[نصب الراية: ١/ ٩٠].
٤) ابن خزيمة:
- حيث أدخل في صحيحه رواية الحسن، عن عثمان [١٣٢٨]، محتجًّا بها، ولم يعلها بشيء.
- ولا أرى هناك داعيًا لكثير كلام للترجيح بين القولين، فاجتماع إمامين من أئمة العلل [أعني ابن المديني وابن معين]، على قول واحد لا يُعارض بقول الحاكم ومن لحقه، فالذي يبدو - والله أعلم - أن الحسن سمع من عثمان بن أبي العاص.
- وقد كان يكفينا نصوص الأئمة في هذه المسألة، إلا أنني لن أبخل على القارئ بما وقفت عليه من قرائن تؤكد صحة ما ذهب إليه ابن المديني ومن تابعه، فأقول - مستعينًا بالله -:
- بداية ينبغي أن نعلم: أن الحسن ولد لسنتين بقيتا من خلافه عمر بالمدينة، أي: سنة إحدى وعشرين من الهجرة، ثم خرج الحسن من المدينة أوائل سنة سبع وثلاثين، وكان عمره حينها: ست عشرة سنة، فوصل البصرة واتخذها مستقرًّا ومقامًا، ولذلك نسب إليها [*].
===
[*] انظر تفصيل ذلك في [المرسل الخفي: ١/ ٢٦٣ - ٢٧٥].стр. 453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = - وأما عثمان بن أبي العاص: فإنه - كما قال الحافظ في «الإصابة» أسلم في وفد ثقيف، فاستعمله النبي ﷺ على الطائف، وأقره أبو بكر ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان والبحرين سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة، حتى مات بها في خلافة معاوية، قيل: سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين اهـ.
- وذهب ابن البرقي وخليفة ومصعب وابن قانع إلى أنه مات سنة خمس وخمسين [كما نقل الحافظ في التهذيب].
- وقال العسكري: استعمله عمر على عمان، ومات سنة خمس وخمسين، أو نحوها [التهذيب].
- ونقل الحافظ، عن ابن سعد أنه قال:
«كتب إليه عمر: استخلف على الطائف، وأقبل، فاستخلف أخاه الحكم وأقبل إلى عمر، فوجهه إلى البصرة، فابتنى بها دارًا، وبقى ولده بها»، اهـ. [التهذيب].
قلت: وكلام ابن سعد في طبقاته مخالف بعض الشيء لما نقله الحافظ عنه، فنص كلامه هو « … ، فخلف عثمان أخاه الحكم بن أبي العاص على الطائف وقدم على عمر بن الخطاب فولاه البحرين، فلما عزل عن البحرين نزل البصرة، هو وأهل بيته … » اهـ.
- فنخلص مما سبق بالآتى:
١) أن عثمان دخل البصرة في حياة عمر، أو على أبعد تقدير بعد أن عُزل [وأغلب الظن أن ذلك في عهد عثمان بن عفان، لأن عمر لم يكن يحب عزله لأن رسول الله ﷺ أمَّره].
٢) وظل عثمان بالبصرة، حتى مات بها سنة خمسين [وذلك على أقل سنة ذكرت لتأريخ وفاته].
٣) وجاء الحسن فدخل البصرة سنة سبع وثلاثين [وكان عمره: ست عشرة سنة وعثمان بها].
فعلى ذلك: يكون الحسن قد عاصر عثمان بالبصرة ما يقارب من ثلاث عشرة سنة [إن لم يكن أكثر].
ومع نشاط الحسن وسعيه في تحصيل العلم، ومع ما حظي به عثمان من شرف الصحبة فاحتمال اللقاء بينهما وسماع الحسن منه قوي.
وهذا التنظير المذكور يقوى بالآثار والنصوص الآتي ذكرها، وهي:
- عن الحسن قال: «كنا ندخل على عثمان بن أبي العاص، وكان له بيت [وفي رواية وقد أخلى بيتًا للحديث].
ذكره عبد الله بن أحمد عن أبيه [العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله - ٢/ ١١]стр. 454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) =واللفظ له، والبخاري في «التاريخ الكبير»، تعليقًا [وعنده الرواية الثانية]. كلاهما من طريق أبي داود الطيالسي قال: حدثنا أبو عامر، عن الحسن قال: فذكره.
وهذا إسناد حسن فقط من أجل أبي عامر، صالح بن رستم الخزاز، فهو وإن كان قد ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، فقد وثقه أبو داود، والطيالسي، والبزار، ومحمد بن وضاح، وقال عنه أحمد: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال ابن عدي: روى عنه يحيى القطان مع شدة استقصائه، وهو عندي لا بأس به اهـ.
وقد استشهد به البخاري في صحيحه، وروى له الباقون، وعلى ذلك فلا بأس بتحسين هذا الإسناد الذي بين أيدينا.
٢) عن الحسن قال: « … ولقد رأيت عثمان بن أبي العاص صام يوم عرفة، يرش عليه الماء من إداوة معه يتبرد به».
- أخرجه ابن أبي شيبة [٩٧٢٢]، حدثنا يزيد بن هارون، والطبراني في الكبير [٩/ ٤٣] من طريق معتمر = كلاهما عن حميد الطويل عن الحسن.
وهذا إسناد صحيح، فإن حميدًا معدود في أصحاب الحسن، وقد قال أبو حاتم: أكبر أصحاب الحسن قتادة، وحميد اهـ[التهذيب]، وانظر كلام ابن معين في [شرح علل الترمذي: ٦٨٧].
- وأما ما يُخشى من تدليس حميد: فإن أهل العلم: تكلموا عن تدليسه، عن أنس، ولم أر أحدًا منهم ذكره بالتدليس مطلقًا عن كل أحد!.
- نعم، ذكره النسائي في المدلسين فقال: ذكر المدلسين: الحسن، قتادة، حجاج بن أرطاة، حميد، … ، ولكن من سبق النسائي أو لحق به قيد ذلك التدليس بالرواية عن أنس، حتى أن الحافظ ابن حجر لما ذكره في كتابه طبقات المدلسين [في المرتبة الثالثة]، قال: «حميد الطويل، صاحب أنس، مشهور كثير التدليس عنه، … » إلخ ما قال. وعلى ضوء تلك النصوص: نفهم كلام النسائي ﵀ حين ذكر حميدًا في المدلسين [وانظر منهج المتقدمين في التدليس: صـ ١١٥].
- وعليه فهذا إسناد صحيح إلى الحسن، والله أعلم.
٣) كان الحسن يقول: ما رأينا أفضل منه، يعني عثمان بن أبي العاص.
- ذكره عبد الله بن أحمد [العلل ومعرفة الرجال: ١٥٥٠]، قال: حدثني أبي قال: حدثنا سفيان قال: وكان الحسن يقول: فذكره.стр. 455
وجه الدلالة: قالوا: فمنع النبي ﷺ عثمان من اتخاذ المؤذن الذي يأخذ على أذانه أجرة، فإذا امتنع في الأذان: امتنع في الإمامة من باب أولى لكونها أدخل في باب القرب، والتعلق بالذمة، وكل منهما يتقرب به إلى الله (١) .
الدليل الثاني: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَقُلْتُ: لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَأَسْأَلَنَّهُ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا، مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» (٢) . الحواشي
(١) الذخيرة [٢/ ٦٦]، المحلى [٨/ ١٩١].(٢) في إسناده مقال: هذا الحديث جاء عن عبادة من طريقين، ومدارهما على: عُبادة بن نُسي - وهو ثقة فاضل - والطريقان هما:
الأول: ما أخرجه أحمد [٢٢٦٨٩]، وابن ماجه [٢١٥٧]، وأبو داود [٣٤١٦]، ومن طريقه البيهقي [٦/ ١٢٥]، وأخرجه الطحاوي [معاني الآثار: ٣/ ١٧]، والشاشي [١٢٦٦، ١٢٦٧]، وابن أبي شيبة [٢٠٨٤٣]، وعبد بن حميد [١٨٣]، والحاكم [٢٢٧٧]، وابن حبان [المجروحين: ١٠٣٠]، والطبراني في مسند الشاميين [٢٢٥٣] = كلهم من طريق المغيرة بن زياد عن عُبادة بن نُسي، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة: باللفظ المذكور.стр. 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وهذا إسناد ضعيف، دخله الضعف من اثنين، هما:
أ) الأسود بن ثعلبة:
- فهو وإن قال فيه الحاكم: شامي معروف، وذكره ابن حبان في ثقاته = فقد قال عنه ابن المديني: لا يُعرف، وعلى هذا اتكأ الحافظ ابن حجر فقال عنه في تقريبه: مجهول!!.
- وقول ابن المديني هذا نقله الذهبي في ميزانه واعتمده الحافظ عن الذهبي في تهذيبه، ولا أدري هل هذا القول وقف عليه الذهبي نصًّا، أم أنه استنبطه مما ذكره البيهقي في سننه [٦/ ١٢٥] بسنده إلى ابن المديني أنه قال - عن هذا الحديث -: إسناده كله معروف إلا الأسود ابن ثعلبة، فإنا لا نحفظ عنه إلا هذا الحديث. اهـ.
- وتعقب الحافظ ابن المديني فيما ذكره بأن للأسود ثلاثة أحاديث غير هذا، وذكر مواطنها، [كما في التلخيص: ٤/ ١٨]، ثم وجدت ابن حزم سبق الذهبي بهذا القول في مُحلاه [٨/ ١٩٤].
وعلى كل - كان هذا عن ابن المديني نصًّا أو استنباطًا - فالرجل ليس فيه كبير توثيق لأحد من الأئمة، وحتى إن تساهل أحد فأخذ بذكر ابن حبان له في ثقاته: لن ينفعه ذلك كثيرًا، وهذا بسبب.
ب) المغيرة بن زياد:
- فهو المعول عليه في تضعيف هذا الإسناد - عند كل من ضعفه - ويكفيك قول ابن عبد البر: هذا الحديث معدود في مناكير المغيرة اهـ[التمهيد: ١١/ ٥١].
- وأورده ابن حبان في المجروحين وقال: كان ممن ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، … إلخ كلامه، ثم ذكر له هذا الحديث.
- وقال الجورقاني - بعد إيراده للحديث من هذا الطريق -: هذا حديث باطل. اهـ.
- ثم أردف حكمه بقول ابن حبان، ولكن لم ينسبه إليه!! [الأباطيل والمناكير: ٢/ ١٦٤].
- وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، قال أحمد بن حنبل: المغيرة ابن زياد ضعيف الحديث، يحدث بأحاديث مناكير، وكل حديث رفعه فهو منكر اهـ.
- وقال الحافظ: إسناده ضعيف اهـ. [الدراية: ٢/ ١٨٨].
- بل إن الحاكم نفسه الذي قال عقب هذا الحديث: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه = هو القائل أيضًا: المغيرة بن زياد صاحب مناكير، لكنهم لم يختلفوا في تركه، ويقال: إنه حدث عن عبادة بن الصامت بحديث موضوع اهـ.
- فقال المزي: أخطأ الحاكم في هذا القول وتناقض اهـ. [تنقيح التحقيق: ٣/ ٦٥].
- وبعد ما قرأته آنفًا: أقول لك: مهلًا، لا تتسرع بالحكم على الحديث بالضعف ولعلكстр. 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) =ما نسيت ما ذكرته في أول الكلام من أن لهذا الحديث طريقًا آخر غير هذا، وهو:
الثاني: أخرجه أحمد [٢٢٧٦٦]، وأبو داود [٣٤١٧]، ومن طريقه البيهقي [٦/ ١٢٥]، وأخرجه الحاكم [٥٥٢٧]، والطبراني [مسند الشاميين: ٢٢٣٧]، كلهم من طريق بشر بن عبد الله بن يسار عن عُبادة بن نسى، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة قال:
كان رسول الله ﷺ يشغل، فإذا قدم رجل مهاجر دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن فدفع إلي رسول الله ﷺ رجلًا فكان معي في البيت، أعشيه عشاء أهل البيت، فكنت أقرئه القرآن، فانصرف انصرافة إلى أهله، فرأى أن عليه حقًّا، فأهدى إلى قوسًا لم أر أجود منها، ولا أحسن منها عِطفًا [*] فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله؟!، قال: «جمرة بين كتفيك تقلدتها، أو تعلقتها».
وهذا إسناد لا بأس به لما يلي:
أما جنادة بن أبي أمية، فقد قال عنه العجلي: شامى تابعي ثقة من كبار التابعين وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال: قيل له صحبة، وليس ذلك بصحيح اهـ.
- والذي ذكر أن له صحبة = يحيى بن معين [كما في التهذيب، ورجح الحافظ [كما في الإصابة والتقريب]، أنهما اثنان أحدهما صحابي، والآخر تابعي، وهذا الأخير هو صاحبنا هنا، وروايته، عن عبادة أخرجها أصحاب الكتب الستة، وعلى ذلك:
- فلا يخشى من جنادة في هذا الإسناد - خاصة -، أو في باقي الأسانيد - عامة. [وانظر: قواعد التهانوي: ٣٥٢].
- وأما الذي نزل بالإسناد عن درجة الصحة = فهو.
- بشر بن عبد الله بن يسار.
- كان من حرس عمر بن عبد العزيز، ترجم له ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، ولم يذكر فيه شيئًا وسبقه إلى ذلك البخاري في «تاريخه الكبير»، وأثبت له فيه السماع من عُبادة بن نسى.
- أما عن توثيقه: فلم أقف على أحد وثقه، إلا ذكر ابن حبان له في ثقاته.
- ولم يروا له أحد من أصحاب الكتب الستة إلا ما كان من أبي داود، حيث أخرج له هذا الحديث فقط، وأيضًا: أخرج له الحاكم وصحح حديثه.
- وأجمل الحافظ القول فيه فقال: صدوق!!، ولذلك فمن ذهب إلى تضعيف هذا الإسناد خاصة لانفراد بشر به، ولأن الحديث يحمل حكمًا هامًّا سيعمل به = فله وجه، ومن ذهب
===
[*] بكسر فسكون: سية القوس، وهو ما ثني من طرفيها.стр. 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) =إلى تحسينه لأن بشرًا ليس فيه تضعيف، والمتن الذي رواه له شواهد = فله وجه، والله أعلم.
وقال الحافظ بعد أن ضعف الإسناد الأول: وأخرجه أبو داود والحاكم من وجه آخر أقوى منه. اهـ. [الدراية: ٢/ ١٨٨].
- وقد ذكر الحديث ابنُ أبي حاتم في علله [١٧١٦]، بطريقيه، ولم ينقل شيئًا فيهما!!.
- وللحديث شواهد عن صحابة آخرين، وفي مفاريدها مقال، وهي:
١) حديث أبي بن كعب ﵁:
عن أبُي قال: علمت رجلًا القرآن فأهدى إلي قوسًا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «إن أخذتها أخذت قوسًا من نار»، فرددتها.
وقد روي عن أُبي من عدة طرق كلها ضعيفة، وهي:
أ- ما أخرجه ابن ماجه [٢١٥٨]، والبيهقي [٦/ ١٢٥]، والضياء [١٢٥٣]، كلهم من طريق يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد، عن عبد الرحمن بن سلم [أبي مسلم]، عن عطية الكُلاعي عن أُبي.
- وقبل تبيين ما في الإسناد من ضعف = أنبه على خطأ في سنن ابن ماجه.
- ففي السند عند ابن ماجه: زيادة (خالد بن معدان)، بين ثور، وعبد الرحمن بن سلم.
- قال الحافظ [النكت الظراف: ١/ ٣٦]:
- لم أقف في النسخ التي عن ابن ماجه على ذكر [خالد بن معدان]، بين ثور، وعبد الرحمن فيه، وكذا أخرجه الروياني في مسنده، عن بندار، عن يحيى بدونه، ولم يذكره ابن عساكر وهو سلف المزي، وكذا لم يرقم المزي في التهذيب لخالد بن معدان في الرواة، عن عبد الرحمن بن سلم اهـ.
- وذكر في الحاشية [في نفس الصفحة]: استدراك: بخط ابن عبد الهادي «خالد بن معدان في هذا الإسناد فضلة لا يحتاج إليه، ولم يذكره الحافظ أبو القاسم» اهـ.
- قلت (القائل أحمد): وقد نبه ابن عبد الهادي على هذا الوهم في التنقيح [٣/ ٦٥]، أيضًا.
وأما عن ضعف السند فسببه:
١ - عبد الرحمن بن سلم، فإنه مجهول - كما قال الحافظ - وقال ابن عبد الهادي: ليس بالمشهور، وقال الذهبي: ما روى عنه سوى ثور بن يزيد، وهذا إسناد مضطرب، وقال المزي: عنه ثور بن يزيد، وفي إسناد حديثه اختلاف كثير.
وقد ضعفه ابن الجوزي في علله [١/ ٨٤]، وقال: هذا حديث لا يصح اهـ.
٢ - الانقطاع بين: عطية بن قيس الكلاعي وأُبي بن كعب.стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = نص على ذلك: البيهقي [السنن: ٦/ ١٢٥]، والمزي [التهذيب: ت عطية]، والعلائي [جامع التحصيل: ٢٣٩]، وأبو زرعة والعراقي [تحفة التحصيل: ٢٣١]، والأخيران نقلًا عن المزي.
إلا أن الحافظ اعترض على ذلك فقال:
وقال المزي: أرسل عن أُبي، وكأنه تبع في ذلك البيهقي: وإلا فقد قال أبو مسهر:
إن عطية ولد في زمن النبي ﷺ ، فكيف لا يلحق أبيًّا؟!. اهـ[التلخيص: ٤/ ٧].
قلت: لكن ابن حبان نقل في ثقاته أنه ولد في السنة السابعة عشرة، وقد ذكر ذلك الحافظ نفسه في «تهذيبه»، وعلى قول ابن حبان يكون هناك انقطاع بين عطية وأُبي الذي اختلف في سنة وفاته، فقيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، وقيل: غير ذلك، فالله أعلم بالصواب.
وعلى كل: إن سلم من الانقطاع: ففيه عبد الرحمن بن سلم.
وقد ضعف الإسناد ابن الملقن [خلاصة البدر المنير ٢/ ٢٥٤].
وأما باقي الطرق عن أُبي = فهي:
ب - ما أخرجه الطبراني [الأوسط: ٤٣٩] من طريق: إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن سليمان بن عمير، عن الطفيل بن عمرو قال: أقرأني أُبي بن كعب القرآن، فأهديت إليه قوسًا، فغدا إلى النبي ﷺ وقد تقلده، فقال له النبي ﷺ : «تقلدها من جهنم»، قلت: يا رسول الله إنا ربما حضرنا طعامهم فأكلنا منه؟ فقال: «أما ما عمل لك فإنك إن أكلته فإنما تأكله بخلاقك، وأما ما عمل لغيرك فحضرته فأكلت منه = فلا بأس به».
- قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث، عن الطفيل بن عمرو إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل بن عياش اهـ.
- وقال الهيثمي: فيه عبد الله بن سليمان بن عمير، ولم أجد من ترجمه، ولا أظنه أدرك الطفيل اهـ.
- قلت: يبدو أن الاسم تصحف عند الطبراني، فقد أخرج الحديث سعيد بن منصور [٢/ ٣٥٩]، عن إسماعيل عن عبد ربه بن سليمان بن زيتون عن الطفيل، وهكذا أخرجه البغوي في «معجم الصحابة»، [كما في الإصابة ٣/ ٥٢٢]، وكذا ذكره ابن حزم [المحلى: ٨/ ١٩٤].
- وابن زيتون: لم أجد فيه توثيقًا إلا ذكر ابن حبان له في ثقاته، وقال عنه الحافظ: مقبول، وهناك علة أخرى ذكرها البغوي فقال: والذي روى عنه إسماعيل هذا الحديث: عبد ربه بن سليمان من أهل حمص، ولم يسمع من الطفيل بن عمرو، وهو حديث غريب اهـ.стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = جـ - وأخرج عبد بن حميد في مسنده [١٧٥]، عن أبي الوليد، عن همام بن يحيى، عن محمد بن جحادة، عن رجل يقال له: أبان عن أُبي: أنه علم رجلًا سورة من القرآن، فأهدى إليه ثوبًا، أو قال: خميصة، قال: فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «لو أنك أخذته ألبست ثوبًا من النار».
- وهذا سند ضعيف لجهالة أبان - الراوي المهمل في الإسناد، ذكره ابن حبان في ثقاته وقال: أبان شيخ يروى عن أُبي بن كعب، … ، لا أدري من هو، ولا ابن من هو اهـ.
- وكذلك هناك انقطاع، قال البخاري: أبان أن أُبي بن كعب: مرسل [التاريخ الكبير: ١٤٤٦]، فهذا انقطاع في الإسناد وكذلك ذكر ابن أبي حاتم، عن أبيه [الجرح والتعديل: ٢/ ٢٩٦] أنه مرسل.
- وللحديث طريق آخر عند ابن أبي شيبة [٢٠٨٤٥]، من طريق: موسى بن علي بن رباح، عن أبيه أن أبي بن كعب كان يعلم رجلًا مكفوفًا، فكان إذا أتاه غداه، قال: فوجدت في نفسي من ذلك، فسألت رسول الله ﷺ فقال: «إن شيء يتحفك به فلا خير فيه، وإن كان من طعامه وطعام أهله فلا بأس». وهذا الطريق أشار إليه المزي [التحفة: ١/ ٣٦]، وقال عنه ابن عبد البر: هو منقطع (يعني بين علي بن رباح وأُبي)، [التمهيد: ١١/ ٥١].
- وقد حكم الجورقاني على حديث أُبي هذا - بعد أن أورده من الطريق الأول - بقوله: هذا حديث باطل اهـ. [الأباطيل والمناكير: ٢/ ١٦٢].
- وقال ابن القطان الفاسي: وقد رُوي حديث أُبي بن كعب من طرق، وليس فيها شيء يلتفت إليه اهـ. [بيان الوهم والإيهام: ٣/ ٥٣١ - ٥٣٢].
- وتعقبه الحافظ بقوله: وفيما قال نظر [التلخيص: ٤/ ٧].
- قلت: ولعل قول ابن القطان أشبه، فالطرق كلها - التي وقفتُ عليها - كما رأيتَ هنا = ليس فيها شيء يسلم، والله أعلم.
٢) حديث أبي الدرداء ﵁:
* عن أبي الدرداء، عن رسول الله ﷺ قال: «من أخذ على تعليم القرآن قوسًا قلده الله قوسًا من نار يوم القيامة».
* أخرجه البيهقي [٦/ ١٢٦]، وابن عساكر [٨/ ٤٣٨]، كلاهما من طريق الوليد بن مسلم نا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء.
* وفي رواية ابن عساكر ذكر قصة حدثت لإسماعيل، حيث قال إسماعيل: قال لي عبد الملك بن مروان: يا إسماعيل علم ولدي، فإني مثيبك على ذلك، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، وكيف وقد حدثتني أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن رسول الله ﷺ …следующие страницы →