← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾]. ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ يحتمل أن يريد: صدق اللسان؛ إذ كان هؤلاء الثلاثةُ قد صدقوا ولم يعتذروا بالكذب، فنفعهم الله بذلك. ويحتمل أن يريد: أعمَّ من صدق اللسان، وهو الصدق في الأقوال والأفعال والمقاصد والعزائم. والمراد بـ ﴿الصَّادِقِينَ﴾: المهاجرون؛ لقول الله في «الحشر»: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، وقد احتجَّ بها أبو بكر الصِّدِّيقُ على الأنصار يوم السقيفة، فقال: نحن الصادقون، وقد أمركم الله أن تكونوا معنا؛ أي: تابعين لنا (١). ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ الآية؛ عتابٌ لمن تخلف عن غزوة تبوك من أهل يثرب ومن جاورها من قبائل العرب.

стр. 1122

﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: لا يمتنعوا من اقتحام المشقات التي تحملها هو ﷺ . ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ﴾ تعليل لما يجب من عدم التخلف. ﴿ظَمَأٌ﴾ أي: عطش. ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ أي: تعب. ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ أي: جوع. ﴿وَلَا يَطَئُونَ﴾ بأرجلهم أو بدوابهم. ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ عموم في كل ما يصيب الكفار. ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ ابن عباس: هذه الآية في البعوث إلى الغزو والسرايا؛ أي: لا ينبغي خروج جميع المؤمنين في السرايا، وإنما يجب ذلك إذا خرج رسول الله ﷺ بنفسه، ولذلك عاتبهم في الآية المتقدمة على التخلف عنه، فالآية الأولى: في الخروج معه ﷺ ، وهذه: في السرايا التي كان يبعثها. وقيل: هي ناسخة لكل ما ورد من الأمر بخروج الجميع؛ فهو دليل على أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين. وقيل: هي في طلب العلم؛ ومعناها: أنه لا تجب الرحلة في طلب العلم على الجميع، بل على البعض؛ لأنه فرض كفاية. ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ تحضيض على نفير بعض المؤمنين للجهاد، أو لطلب العلم.

стр. 1123

﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ إن قلنا: إن الآية في الخروج إلى طلب العلم؛ فالضمير في ﴿يَتَفَقَّهُوا﴾ للفرقة التي (تنفر -أي: ترحل-، وكذلك الضمير في ﴿يُنذِرُوا﴾ وفي ﴿رَجَعُوا﴾؛ أي: يُعلِّمون قومهم إذا رجعوا إليهم من الرِّحلة. وإن قلنا: إن الآية في السرايا؛ فالضمير في ﴿يَتَفَقَّهُوا﴾ للفرقة التي) (١) تقعد في المدينة ولا تخرج مع السرايا، وكذلك الضمير في ﴿يُنذِرُوا﴾، وأما الضمير في ﴿رَجَعُوا﴾ فهو للفرقة التي خرجت مع السرايا. وقيل: إن التفقُّه يكون في حين خروجهم مع السَّرايا؛ فعلى هذا تكون الضمائر كلها للفرقة التي خرجت مع السرايا. ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ الضمير للقوم.

стр. 1124

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾]. ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ أمر بقتال الأقرب فالأقرب على تدريج. وقيل: إنها إشارة إلى قتال الروم بالشام؛ لأنهم كانوا أقرب الكفار إلى أرض العرب، وكانت أرض العرب قد عمها الإسلام، وكانت العراق حينئذ بعيدةً. ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ أي: من المنافقين من يقول لبعضهم لبعض: أيكم زادته هذه إيمانًا؟ على وجه الاستخفاف بالقرآن؛ كأنهم يقولون: أيُّ عجبٍ في هذا؟ وأي دليل في هذا؟. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وذلك لما يتجدَّد عندهم من البراهين والأدلة عند نزول كل سورة.

стр. 1125

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ المرض: عبارة عن الشك والنفاق. ومعنى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ زادتهم كفرًا ونفاقًا إلى كفرهم ونفاقهم. ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ قيل: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ أي: يختبرون بالأمراض والجوع. وقيل: بالأمر بالجهاد. واختار ابن عطية أن يكون المعنى: يفضحون بما يُكشف من سرائرهم (١). ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: تغامزوا، وأشار بعضهم إلى بعض؛ على وجه الاستخفاف بالقرآن، ثم قال بعضهم لبعض: ﴿هَلْ يَرَاكُم مِنْ أَحَدٍ﴾ فيَنقل عنكم هذا الاستخفاف؟، فقولهم: ﴿هَلْ يَرَاكُم مِنْ أَحَدٍ﴾ كان بسبب خوفهم أن يُنقل عنهم ذلك. وقيل: معنى ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: على وجه التعجب مما ينزل في القرآن؛ من كشف أسرارهم، ثم قال بعضهم لبعض: ﴿هَلْ يَرَاكُم مِنْ أَحَدٍ﴾؛ أي: هل رأى أحدٌ أحوالكم فنقلها عنكم؟ أو عُلمت من غير نقل؟ فهذا أيضًا على وجه التعجُّب. ﴿ثُمَّ انصَرَفُوا﴾ يحتمل أن يريد: الانصراف بالأبدان.

стр. 1126

أو الانصراف بالقلوب عن الهدى. ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ دعاءٌ، أو خبرٌ. ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ تعليلٌ لصرف قلوبهم. ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ يعني: النبي ﷺ ، والخطاب: للعرب. أو لقريش خاصة؛ أي: من قبيلتكم حيث تعرفون حسَبه وصدقه وأمانته. أو لبني آدم كلهم؛ أي: من جنسكم. وقرئ: «مِنْ أَنْفَسِكُمْ» بفتح الفاء؛ أي: من أشرفكم. ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: يشقُّ عليه عنتُكم، والعنَت: هو ما يضرهم في دينهم أو دنياهم. و ﴿عَزِيزٌ﴾ صفة للرسول، و ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ فاعلٌ بـ ﴿عَزِيزٌ﴾، و «ما» مصدرية. أو ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ مصدر، و ﴿عَزِيزٌ﴾ خبر مقدَّم، والجملة في موضع الصفة. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ أي: حريص على إيمانكم وسعادتكم. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ سماه الله هنا باسمين من أسمائه. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي: إن أعرضوا عن الإيمان بك فاستعن بالله وتوكل عليه. وقيل: إن هاتين الآيتين نزلتا بمكة.

стр. 1127

سورة يونس ﵇ [﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾]. ﴿الر﴾ تكلَّمنا في أوَّل «البقرة» على حروف الهجاء التي في أوائل السور (١).

стр. 1128

﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ إشارةٌ إلى ما تضمَّنته السورة من الآيات، و ﴿الْكِتَابِ﴾ هنا: القرآن. ﴿الْحَكِيمِ﴾ من: الحكمة. أو من الحُكم. أو من الإحكام للأمر؛ أي: أحْكَمه الله. ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ الهمزة للإنكار، و ﴿عَجَبًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، و ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ اسمها، و ﴿أَنْ أَنْذِرِ﴾ تفسيرٌ للوحي. والمراد بالناس هنا: كفار قريش وغيرهم، والرجل هنا: رسول الله ﷺ . ومعنى الآية: الردُّ على من استبعد النبوة أو تعجَّبَ من أن يبعث الله رجلًا. ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أي: عملٌ صالح قدَّموه. وقال ابن عباس: السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ. ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يعنون: ما جاء به من القرآن. وقرئ ﴿لَسَاحِرٌ﴾؛ يعنون به: النبي ﷺ . ويحتمل أن يكون كلامهم هذا: تفسيرًا لما ذُكر قبلُ من تعجبهم من النبوة.

стр. 1129

أو يكون خبرًا مستأنفًا. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ تعريفُ بالله وصفاته؛ ليعبدوه ولا يشركوا به، وفيه ردٌّ على من أنكر النبوة؛ كأنه يقول: إنما أدعوكم إلى عبادة ربكم الذي خلق السموات والأرض، فكيف تنكرون ذلك وهو الحق المبين؟!. ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ أي: لا يشفع إليه أحدٌ إلَّا بعد أن يأذن له في الشفاعة، وفي هذا ردٌّ على المشركين الذين يزعمون أن الأصنام تشفع لهم. ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ نصبُ ﴿وَعْدَ﴾ على المصدر المؤكَّد للرجوع إلى الله، ونصبُ ﴿حَقًّا﴾ على المصدر المؤكَّد لوعد الله. ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: يبدؤه في الدنيا ويعيده في الآخرة، والبدأة دليلٌ على العودة. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ تعليلٌ للعودة؛ وهي البعث (١). ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: بعدله في جزائهم. أو: بقسطهم في أعمالهم الصالحة. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ وصفُ أفعال الله وقدرته وحكمته. والضياء أعظم من النور. ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ الضمير للقمر، والمعنى: قدَّر سَيْرَه في منازل.

стр. 1130

﴿وَالْحِسَابَ﴾ يعني: حساب الأوقات؛ من الأشهر والأيام والليالي. ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: ما خلقه عبثًا، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما تقدَّم من المخلوقات. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ قيل: معنى ﴿يَرْجُونَ﴾ هنا: يخافون. وقيل: لا يرجون حسن لقائنا؛ فالرجاء على أصله. وقيل: ﴿لَا يَرْجُونَ﴾: لا يتوقعونه أصلًا، ولا يخطر ببالهم. ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: قنعوا أن تكون حظّهم ونصيبهم. ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ أي: سكنت نفوسهم عن ذكر الانتقال عنها. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ يحتمل: أن تكون هي الفرقة الأولى؛ فيكون من عطف الصفات. أو تكون غيرها. ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ أي: يسدّدهم بسبب إيمانهم إلى الاستقامة. أو يهديهم في الآخرة إلى طريق الجنة، وهو أرجح؛ لما بعده. ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ أي: دعاؤهم.

стр. 1131

[﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾]. ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي: لو يعجل الله للناس الشر كما يحبون تعجيل الخير لهلكوا سريعًا. ونزلت الآية -عند قوم-: في دعاء الإنسان على نفسه وماله وولده. وقيل: نزلت في الذين قالوا: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ

стр. 1132

عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا﴾ عتابٌ في ضمنه نهيٌ لمن يدعو الله عند الضر، ويغفلُ عنه عند العافية. ﴿لِجَنْبِهِ﴾ أي: مضطجعًا، وروي أنها نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة؛ لمرضٍ كان به. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾ إخبارٌ في ضمنه وعيد للكفار. ﴿لِنَنْظُرَ﴾ معناه: ليظهر في الوجود؛ فتقوم عليكم الحجة. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: على قريش. ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: ما تلوته إلَّا بمشيئة الله؛ لأنه من عنده وما هو من عندي. ﴿وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ﴾ أي: ولا أعلمكم به. ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: بقيت بينكم أربعين سنة قبل البعث ما تكلمت في هذا حتى جاءني من عند الله. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ تنصلٌ من الافتراء على الله، وبيان لبراءته ﷺ مما نسبوه إليه من الكذب. أو (١) إشارةٌ إلى كذبهم على الله في نسبة الشركاء له. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ بيانٌ لظلمهم في تكذيب رسول الله ﷺ .

стр. 1133

﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ الضمير في ﴿يَعْبُدُونَ﴾ لكفار العرب، و ﴿مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾: هي الأصنام. ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم. ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ ردٌّ عليهم في قولهم بشفاعة الأصنام، والمعنى: أن شفاعة الأصنام ليست بمعلومةٍ لله الذي هو عالم بما في السموات والأرض، وكل ما ليس بمعلوم لله فهو عدمٌ محضٌ، ليس بشيء؛ فقوله: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾ تقرير لهم على وجه التوبيخ والتهكُّم؛ أي: كيف تعلمون الله بما لا يعلم؟. ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ تقدَّم في «البقرة» (١) في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ يعني: القضاء. ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ كانوا يطلبون آية من الآيات التي اقترحوا، ولقد نزلت عليه آيات عظامٌ فما اعتدُّوا بها؛ لعنادهم وشدة ضلالهم. ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أي: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، لا يطَّلع على ذلك أحد. ﴿فَانتَظِرُوا﴾ أي: انتظروا نزول ما اقترحتموه. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ أي: منتظرٌ لعقابكم على كفركم.

стр. 1134

[﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾]. ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾ هذه الآية في الكفار، وتتضمن النهي لمن كان كذلك من غيرهم، والمكر هنا: الطعن في آيات الله وترك شكره، ومكر الله الموصوف بالسرعة: هو عقابه لهم، سماه مكرًا؛ مشاكلة لفعلهم

стр. 1135

وتسميةً للعقوبة باسم الذنب (١). ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الضمير المؤنث في ﴿وَجَرَيْنَ﴾ للفُلك، والضمير في ﴿بِهِمْ﴾ للناس، وفيه الخروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو الذي يسمى الالتفات. وجواب ﴿إِذَا كُنتُمْ﴾ قوله: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾. وقوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾: قال الزمخشري: هو بدل من ﴿وَظَنُّوا﴾ (٢). ومعناه: دعوا الله وحده وكفروا بمن دونه. ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ رفع على أنه: خبر ابتداء مضمر؛ تقديره: وذلك متاع. أو يكون خبر ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ﴾. ويختلف الوقف باختلاف الإعراب. ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ معنى الآية: تحقير للدنيا وبيان سرعة فنائها؛ فشبهها بالمطر الذي يخرج به النبات، ثم تصيب ذلك النبات آفة عند حسنه وكماله. ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ كالزرع والفواكه. ﴿وَالْأَنْعَامُ﴾ يعني: المرعى التي ترعاه من العشب وغيرها.

стр. 1136

﴿أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ تمثيل بالعروس إذا تزينت بالثياب والحلي. ﴿قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: متمكنون من الانتفاع بها. ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ أي: بعض الجوائح؛ كالريح، والضَّرُّ، وغير ذلك. ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾ أي: جعلنا زرعها كالذي حُصِدَ وإن كان لم يُحصد. ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ﴾ كأن لم تَنْعَمَ. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ أي: إلى الجنة، وسُمِّيَت دار السلام؛ أي: دار السلامة من العناء والتعب. وقيل: السلام هنا: اسم الله؛ أي: يدعو إلى داره. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ذكر الدعوة إلى الجنة عامة مطلقة، والهداية خاصة بمن يشاء. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله. وقيل: الحسنى: جزاء الحسنة بعشر أمثالها، والزيادة: التضعيف فوق ذلك إلى سبع مئة. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لوروده في الحديث (١)، وكثرة القائلين به. ﴿قَتَرٌ﴾ أي: غبار يُغيِّرُ الوجه.

стр. 1137

﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ مبتدأ: على حذف مضاف؛ تقديره: جزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها. أو على تقدير: لهم جزاء سيئة بمثلها. أو معطوف على الذين أحسنوا؛ ويكون: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿بِمِثْلِهَا﴾. ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي: لا يعصمهم أحد من عذاب الله. ﴿قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ من قرأ بفتح الطاء: فهو جمع قطعة، وإعراب ﴿مُظْلِمًا﴾ على هذه القراءة: حال من ﴿اللَّيْلِ﴾. ومن قرأ ﴿قِطْعًا﴾ بإسكان الطاء: فـ ﴿مُظْلِمًا﴾: صفة له، أو حال من ﴿اللَّيْلِ﴾. ﴿مَكَانَكُمْ﴾ تقديره: الزموا مكانكم؛ أي: لا تبرحوا حتى تنظروا ما يُفْعَلُ بكم. ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي: فرَّقنا. ﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ أي: تختبر ما قدَّمت من الأعمال. وقرئ ﴿تَتْلُو﴾ بتاءين؛ بمعنى: تَتْبع، أو تقرؤه في الصحائف.

стр. 1138

[﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾]. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم﴾ الآية؛ احتجاجٌ على الكفارِ بحججٍ كثيرةٍ واضحةٍ، لا محيصَ لهم عن الإقرارِ بها. ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ مذكور في «آل عمران» (١). ﴿رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ أي: الثابت الربوبية، بخلاف ما يعبدون من دونه. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ أي: عبادة غير الله ضلالٌ بعد وضوح الحق. وتدلُّ الآية على أنه ليس بين الحق والباطل منزلة في علم الاعتقادات؛ إذ الحق فيها في طرف واحد، بخلاف مسائل الفروع.

стр. 1139

﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ المعنى: كما حق الحق في الاعتقادات كذلك حقت كلمات ربك على الذين عتوا وتمردوا في كفرهم أنهم لا يؤمنون. والكلمة يراد بها: القدر والقضاء. ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُم مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآية؛ احتجاجٌ على الكفار. فإن قيل: كيف يُحتَجُّ عليهم بإعادة الخلق، وهم لا يعترفون بها؟. فالجواب: أنهم معترفون أن شركاءهم لا يقدرون على الابتداء ولا على الإعادة؛ ففي ذلك إبطال لربوبيتهم، وأيضًا فوُضِعت الإعادة هنا موضع المتفق عليه؛ لظهور برهانها. ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ بتشديد الدال؛ معناه: لا يهتدي في نفسه، فكيف يهدي غيره؟. وقرئ بالتخفيف؛ بمعنى: يهدي غيره. والقراءة الأولى أبلغ في الاحتجاج. ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ استفهامية معناها تقرير وتوبيخ، و ﴿لَكُمْ﴾ خبرها، ويوقف عليه. ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي: تحكمون بالباطل في عبادتكم لغير الله. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾ أي: غير تحقيق؛ لأنه لا يستند إلى برهان. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ذلك في الاعتقادات؛ إذ المطلوب فيها اليقين، بخلاف الفروع.

стр. 1140

﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مذكور في «البقرة» (١). ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا بمعنى: «بل» والهمزة. ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ تعجيز لهم، وإقامة حجة عليهم. ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ يعني: من شركائكم وغيرهم من الجن والإنس. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غير الله. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أي: سارعوا إلى التكذيب بما لم يفهموه ولم يعلموا تفسيره. ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي: عِلْمُ تأويله. أو يعني بتأويله: الوعيد الذي لهم فيه. ﴿وَمِنْهُم مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآية؛ فيها قولان: أحدهما: إخبارٌ بما يكون منهم في المستقبل، وأن بعضهم يؤمن وبعضهم يتمادى على الكفر. والآخر: أنها إخبارٌ عن حالهم؛ أن منهم من هو مؤمن به ويكتم إيمانه، ومنهم من هو مكذب.

стр. 1141

[﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾]. ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآية موادعة، منسوخة بالقتال. ﴿مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: يستمعون القرآن، وجمع الضمير بالحمل على معنى «مَنْ». ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ المعنى: أتريد أن تسمع الصم؟ وذلك لا يكون؛ لا سيما إذا انضاف إلى الصمم عدم العقل. ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ المعنى: أتريد أن تهدي العمي؟ وذلك لا يكون؛ لا سيما إذا انضاف إلى عمى (١) البصر عمى البصيرة.

стр. 1142

والصَّمَم والعمَى: عبارةٌ عن قلة فهمهم. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً﴾ تقليلٌ لمدة بقائهم في الدنيا، أو في القبور. ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يعني: يومَ الحشر؛ فهو - على هذا - حال من الضمير في ﴿يَلْبَثُوا﴾. ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ شرطٌ، جوابه: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾، والمعنى: إن أريناك بعض عذابهم في الدنيا فذلك، وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا مرجعهم. ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ ذكرت «ثم» لترتيب الإخبار، لا لترتيب الأمر. قاله ابن عطية (١). وقال الزمخشري: ذُكرت الشهادة والمراد مقتضاها؛ وهو العقاب (٢). فالترتيب على هذا صحيح. ﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ قيل: مجيئه في الآخرة للفصل. وقيل: مجيئه في الدنيا؛ وهو بعثه. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ كلامٌ فيه استبعاد واستخفاف. ﴿بَيَاتًا﴾ أي: بالليل. ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ المعنى: أيُّ شيء تستعجلون من العذاب وهو ما لا طاقة لكم به!.

стр. 1143

وقوله: ﴿مَاذَا﴾ جواب ﴿إِنْ أَتَاكُمْ﴾، والجملة متعلقة بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾. ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ﴾ دخلت همزة التقرير على «ثم» العاطفة، والمعنى: أإذا وقع العذاب وعاينتموه آمنتم به الآن؟!، وذلك لا ينفعكم؛ لأنكم كنتم تستعجلون به مكذِّبين به. ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ أي: يسألونك هل الوعيد حق؟. أو: هل الشرع والدين حق؟. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أي: لا تَفُوتون من الوعيد. ﴿قُلْ إِي﴾ أي: نعم.

стр. 1144

[﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾]. ﴿ظَلَمَتْ﴾ صِفَةٌ لِـ ﴿نَفْسٍ﴾؛ أي: لو ملك الظالم الدنيا لافتدى بها من عذاب الآخرة. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ أي: أخفوها في نفوسهم، وقيل: أظهروها. ﴿مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: القرآن. ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: يشفي ما فيها من الجهل والشكّ. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ يتعلَّق ﴿بِفَضْلِ﴾ بقوله: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾، وكرَّر الفاء في قوله: ﴿فَبِذَلِكَ﴾ تأكيدًا، والمعنى: الأمر أن يفرحوا بفضل الله وبرحمته لا بغيرهما. والفضل والرحمة: عموم. وقد قيل: الفضل: الإسلام، والرحمة: القرآن. ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: فضل الله ورحمته خير مما يجمعون من حطام الدنيا.

стр. 1145

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِن رِزْقٍ﴾ الآية؛ مخاطبةٌ لكفار العرب الذي حرَّموا البَحيرة والسائبة وغير ذلك. ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ متعلّق بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، وكرَّر ﴿قُلْ﴾ للتأكيد، ولما قسَّم الأمر إلى إذن الله لهم وافترائهم ثبت افتراؤهم؛ لأنهم معترفون أن الله لم يأذن لهم في ذلك. ﴿وَمَا ظَنُّ﴾ وعيدٌ للذين يفترون. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف منصوب بالظن، والمعنى: أي شيء يظنون أن يفعل بهم في ذلك اليوم؟!.

стр. 1146

[﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١) أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾]. ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ الشأن: الأمر، والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد: هو وجميع الخلق؛ ولذلك قال في آخرها: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ بمخاطبة الجماعة. ومعنى الآية: إحاطة علم الله بكل شيء. ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ الضمير عائد على القرآن وإن لم يتقدَّم ذِكْرُه؛ لدلالة ما بعده عليه؛ كأنه قال: ما تتلو شيئًا من القرآن. وقيل: يعود على الشأن.

стр. 1147

والأول أرجح؛ لأن الإضمار قبل الذِّكر تفخيمٌ للشيء. ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ يقال: أفاض الرجل في الأمر: إذا أخَذ فيه بجدٍّ. ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾ ما يغيب. ﴿مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ وزنها، والذرة: صغار النمل. قال الزمخشري: إن قلتَ: لم قُدِّمت الأرض على السماء بخلاف سورة «سبأ»؟ فالجواب: أن السماء قدّمت في «سبأ»؛ لأن حقَّها التقديم، وقدّمت الأرض هنا؛ لمَّا ذُكرت الشهادة على أهل الأرض (١). ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾ من قرأهما بالفتح: فهو عطف على لفظ ﴿مِثْقَالِ﴾. ومن قرأهما بالرفع: عطفه على موضعه، أو رفع بالابتداء. ﴿أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ اختلف الناس في معنى الولي اختلافًا كثيرًا، والحقُّ فيه ما فسّره الله بعد هذا بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾، فمن جمع بين الإيمان والتقوى فهو الولي. وإعراب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: صفةٌ للأولياء. أو منصوبٌ على التخصيص.

стр. 1148

أو رفعٌ بإضمار: هم الذين. ولا يكون ابتداءً مستأنفًا؛ لئلا ينقطع مما قبله. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أما بشرى الآخرة: فهي الجنة اتفاقًا. وأما بشرى الدنيا: فهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، روي ذلك عن رسول الله ﷺ (١). وقيل: محبة الناس للرجل الصالح. وقيل: ما بشَّر به في القرآن من الثواب. ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ أي: لا تغيير لأقواله ولا خُلْفَ لمواعده. وقد استدلَّ بها ابن عمر على أن القرآن لا يقدر أحد أن يبدِّله. ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ يعني: ما يقوله الكفار من التكذيب. ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾ إخبارٌ في ضمنه وعدٌ للنبي ﷺ بالنصر، وتسليةٌ له. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أن تكون ﴿ما﴾ نافيةً، وأُوجبت بقوله: ﴿إِلَّا الظَّنَّ﴾، وكرَّر ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ توكيدًا، والمعنى: ما يتبع الكفار إلا الظن.

стр. 1149

والوجه الثاني: أن تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، ويتمُّ الكلامُ عند قوله: ﴿شُرَكَاءَ﴾، والمعنى: أيُّ شيء يتبعون؟ على وجه التحقير لما يتبعونه، ثم ابتدأ الإخبار بقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. والعامل في ﴿شُرَكَاءَ﴾ على الوجهين: ﴿يَدْعُونَ﴾. ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ من السُّكون؛ وهو ضدُّ الحركة. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: مُضيئًا تبصرون فيه الأشياء. ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ الضمير: للنصارى، ولمن قال: إن الملائكة بنات الله. ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ وصفٌ يقتضي نفي الولد، والردَّ على من نسبه لله؛ لأن الغني المطلق لا يفتقر إلى اتخاذ ولد. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بيانٌ وتأكيدٌ للغني، وباقي الآية توبيخ للكفار ووعيد لهم. ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ تقديره: لهم متاع في الدنيا.

стр. 1150

[﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾]. ﴿نُوحٍ﴾ روي أن اسمه عبد الغفار، وإنما سمي نوحًا؛ لكثرة نَوْحِهِ على نَفْسِهِ من خوف الله. ﴿كَبُرَ عَلَيْكُم﴾ أي: صعب وشقَّ. ﴿مَقَامِي﴾ أي: قيامي لوعظكم والكلام معكم. وقيل: معناه: مكاني؛ يعني: نَفْسِهِ، كقولك: فعلت ذلك لمكان فلان. ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بقطع الهمزة؛ من أَجْمَعَ الأمرَ؛ إذا عزم عليه. وقرئ بألف وصل؛ من الجمع.

стр. 1151

﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: ما تعبدون من دون الله. وإعرابه: مفعول معه. أو مفعول بفعل مضمر تقديره: ادعوا. وهذا على القراءة بقطع الهمزة. وأما على الوصل: فهو معطوف. ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي: لا يكون قصدكم إلى إهلاكي مستورًا ولكن مكشوفًا تجاهرونني به، وهو من قولك: غُمَّ الهلال: إذا لم يظهر. والمراد بقوله: ﴿أَمْرُكُمْ﴾ في الموضعين: إهلاككم لنوح ﵇؛ أي: لا تقصروا في إهلاكي إن قدرتم على ذلك. ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ أي: انْفُذُوا فيما تريدون. ومعنى الآية: أن نوحًا ﵇ قال لقومه: إن صعب عليكم دعائي لكم إلى الله فاصنعوا بي غاية ما تريدون؛ فإني لا أبالي بكم؛ لتوكلي على الله وثقتي به سبحانه. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ أي: يخلفون مَنْ هلك بالغرق. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ يعني: هودًا وصالحًا وإبراهيم وغيرهم. ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ قيل: إنه معمول ﴿أَتَقُولُونَ﴾؛ فهو من كلام قوم فرعون، وهذا ضعيف؛ لأنهم كانوا يصمّمون على أنه سحر؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾، فكيف يستفهمون عنه؟.

стр. 1152

وقيل: إنه من كلام موسى تقريرًا وتوبيخًا لهم، فيوقف على قوله: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾، ويكون معمول ﴿أَتَقُولُونَ﴾ محذوفًا؛ تقديره: أتقولون للحق لما جاءكم إنه لسحر، ويدلُّ على هذا المحذوف ما حكى عنهم من قولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾، فلما تمَّ الكلام ابتدأ موسى يوبّخهم (١) بقوله: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾، وهذا هو اختيار شيخنا الأستاذُ أبي جعفر بن الزبير ﵀. ﴿لِتَلْفِتَنَا﴾ أي: لتصرفنا وتردَّنا عن دين آبائنا. ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾ أي: الملك، والخطاب لموسى وأخيه ﵇. ﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ﴾ ﴿مَا﴾ موصولةٌ مرفوعةٌ بالابتداءِ، و ﴿السِّحْرُ﴾ الخبرُ. وقرئ ﴿آلسِّحْرُ﴾ بالاستفهام؛ فـ ﴿مَا﴾ على هذا استفهامية، و ﴿السِّحْرُ﴾ خبرُ ابتداءٍ مضمرٌ. ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ يَحتملُ أن يكون: من كلام موسى. أو إخبارًا من الله تعالى.

стр. 1153

[﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾]. ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ الضمير عائد على موسى، ومعنى الذرية: شُبَّانٌ وفتيان من بني إسرائيل آمنوا به على خوفهم من فرعون. وقيل: إن الضمير عائد على فرعون، فالذرية على هذا من قوم فرعون، وروي في هذا أنها امرأة فرعون وخازنه (١) وامرأة خازنه، وهذا بعيد؛ لأن هؤلاء لا يقال لهم ذرية، ولأن الضمير ينبغي أن يعود على أقرب مذكور. ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ الضمير يعود على الذرية؛ أي: آمنت الذرية من بني إسرائيل؛ على خوف من فرعون وملإ بني إسرائيل؛ لأن

стр. 1154

الأكابر من بني إسرائيل كانوا يمنعون أولادهم من الإيمان؛ خوفًا من فرعون. وقيل: يعود على فرعون؛ بمعنى: آل فرعون، كما يقال: ربيعة ومضر، أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له. ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ بدل من ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أيُّ: متكبِّرٌ قاهرٌ. ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تمكنهم من عذابنا فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما عذبناهم، فيفتنون بذلك. ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ أي: اتَّخِذَا (١) لهم بيوتًا للصلاة والعبادة. وقيل: إنه أراد الإسكندرية. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي: مساجد، وقيل: موجهة إلى جهة القبلة. فإن قيل: لم خصَّ موسى وهارون بالخطاب في قوله ﴿أَنْ تَبَوَّآ﴾، ثم خوطب معهما بنو إسرائيل في قوله: ﴿وَاجْعَلُوا﴾؟ فالجواب: أن قوله ﴿تَبَوَّآ﴾ من الأمور التي يختص بها الأنبياء وأولوا الأمر. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أمر لموسى ﵇، وقيل: لمحمد ﷺ . ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ دعاء بلفظ الأمر.

стр. 1155

وقيل: اللام لام كي، وتتعلقُ بقوله: ﴿آتَيْتَ﴾. ﴿اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: أهلكها. ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: اجعلها شديدة القسوة. ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ جوابٌ للدعاء الذي هو ﴿وَاشْدُدْ﴾. أو دعاءٌ بلفظ النفي. ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ الخطاب لموسى وهارون؛ على أنه لم يذكر الدعاء إلا عن موسى وحده، ولكن كان موسى يدعو، وهارون يؤمّن على دعائه. ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ أي: اثبُتا على ما أنتما عليه من الدعوة إلى الله. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾ أي: لحقهم؛ يقال: تَبِعهُ حتى أتْبَعَه، هكذا قال الزمخشري (١). وقال ابن عطية: أتْبَعَ بمعنى تَبِع، وأما اتَّبع - بالتشديد - فهو طلَبُ الأثر، سواءٌ أدرك أو لم يدرك (٢). ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ يعني: الله ، وفي لفظ فرعون مَجْهَلَةٌ وتلعثُمٌ؛ لكونه لم يصرح باسم الله. ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أي: قيل له: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار؟ وذلك لا يُقبل منك.

стр. 1156

﴿نُنَجِّيكَ﴾ أي: نُبْعِدُك مما جرى لقومك من الوصول إلى قعر البحر. وقيل: نلقيك على نَجْوةٍ من الأرض؛ أي: على موضع مُرْتَفِعٍ. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أي: بجسدك جسدًا بدون روحٍ. وقيل: بدرعك، وكانت له درع من ذهب يعرف بها. والمجرور (١) في موضع الحال، والباء للمصاحبة. ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ أي: لمن وراءك آية، وهم بنو إسرائيل.

стр. 1157

[﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧) فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾]. ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ منزلًا حسنًا، وهو مصر والشام. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ قيل: يريد اختلافهم في دينهم. وقيل: اختلافهم في أمر محمد ﷺ . ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ قيل: الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد غيره. وقيل: ذلك كقول القائل لابنه: إن كنت ابني فبرَّني، مع أنه لا يشك أنه ابنه، ولكن من شأن الشك أن يزول بسؤال أهل العلم، فأمره بسؤالهم، قال ابن عباس: لم يشكَّ النبي ﷺ ولم يسأل.

стр. 1158

وقال الزمخشري: ذلك على وجه الفرض والتقدير؛ أي: إن فرضت أن تقع في شك فاسأل (١). ﴿مِمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ قيل: يعني: القرآن والشرع بجملته، وهذا أظهر. وقيل: يعني ما تقدَّم من أن بني إسرائيل ما اختلفوا إلَّا من بعدما جاءهم الحق. ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: الذين يقرأون التوراة والإنجيل. قال السهيلي: هم عبد الله بن سلام ومُخَيريق ومَن أسلم من الأحبار (٢). وهذا بعيد؛ لأن الآية مكية، وإنما أسلم هؤلاء بالمدينة، فحَمْلُ الآية على الإطلاق أولى. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ خطاب للنبي ﷺ والمراد غيره. ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي: قضى أنهم لا يؤمنون. ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ «لولا» هنا للتحضيض؛ بمعنى «هَلَّا»، وقرئ في الشاذ: «هلَّا». والمعنى: هلَّا كانت قريةٌ من القرى المتقدمة آمنت قبل نزول العذاب فنفعها إيمانها!؛ إذ لا ينفع الإيمان بعد معاينة العذاب كما جرى لفرعون. ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ استثناء من القرى؛ لأن المراد أهلها، وهو استثناء

стр. 1159

منقطع، بمعنى: ولكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب. ويجوز أن يكون متصلًا، والجملة في معنى النفي؛ كأنه قال: ما آمنت قرية إِلَّا قوم يونس. وروي في قَصَصِهم: أن يونس ﵇ أنذرهم بالعذاب، فلما رأوه قد خرج من بين أظهرهم علموا أن العذاب ينزل بهم، فتابوا وتضرعوا إلى الله تعالى، فرفعه الله عنهم. ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ يريد: إلى آجالهم المكتوبة في الأزل. ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ الهمزة للإنكار؛ أي: أتريد أنت أن تكره الناس بإدخال الإيم ان في قلوبهم وتضطرهم إلى ذلك؟ وليس ذلك إليك، إنما هو بيد الله. وقيل: المعنى: أفأنت تكره الناس بالقتال حتى يؤمنوا؟، وكان هذا في صدر الإسلام قبل الأمر بالجهاد، ثم نُسخت بالسيف. ﴿انظُرُوا﴾ أمرٌ بالاعتبار والنظر في آيات الله. ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: من قضى الله عليه أنه لا يؤمن. و «ما»: نافية، أو استفهامية يراد بها النفي. ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ الآية؛ تهديدٌ. ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾ اعتراضٌ بين العامل ومعموله، وهما: ﴿كَذَلِكَ﴾ و ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 1160

[﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾]. ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ الوجه هنا بمعنى: القصد والدين. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ منسوخ بالقتال، وكذلك قوله: ﴿وَاصْبِرْ﴾. ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ وعد بالنصر والظهور على الكفار.
следующие страницы →