وهذه الأقوال أمثلة في الثقل والخفة.
وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١] الآية.
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ الآية؛ نزلت هي وكثيرٌ مما بعدها في هذه السورة في المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك؛ وذلك أنها كانت إلى أرض بعيدة، وكانت في شدَّة الحر وطيب الثمار والظلال، فثقلت عليهم، فأخبر الله في هذه الآية أن السفر لو كان لَعَرَضٍ من الدنيا، أو إلى مسافة قريبة لفعلوه.
﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أي: الطريق والمسافة.
﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ إخبارٌ بغيب؛ وهو أنهم يعتذرون بأعذار كاذبة ويحلفون.
﴿يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ أي: يُوقعونها في الهلاك: بحَلفهم الكاذب، أو بتخلُّفهم عن الغزو.
* * *
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ كانوا قد قالوا: نستأذنه في القعود، فإن أذن لنا قعدنا، (وإن لم يأذن لنا قعدنا) (١).
وإنما كان يظهر الصدق من الكذب لو لم يأذن لهم؛ فحينئذ كان يقعد العاصي والمنافق، ويسافر المطيع.
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية؛ أي: لا يستأذنك في التخلف عن الغزو لغير عذر مَنْ يؤمن بالله واليوم الآخر.
﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: شكَّت.
ونزلت الآية في عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ الآية؛ أي: لو كانت لهم نية في الغزو لاستعدوا له قبل أوانه.
﴿انْبِعَاثَهُمْ﴾ أي: خروجهم.
﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: كسر عزمهم، وجعل في قلوبهم الكسل.
﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ يحتمل أن يكون القائل لهم ﴿اقْعُدُوا﴾:
هو الله تعالى؛ وذلك عبارة عن قضائه عليهم بالقعود.
ويحتمل أن يكون ذلك من قول بعضهم لبعض.
﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ أي: مع النساء والصبيان وأهل الأعذار، وفي ذلك ذمّ لهم لاختلاطهم في القعود مع هؤلاء.
стр. 1089
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أي: شرا وفسادا.
﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ أي: أسرعوا السير، والإيضاع: سرعة السير، والمعنى: أنهم يسرعون بالفساد والنميمة.
﴿خِلَالَكُمْ﴾ أي: بينكم.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أي: يحاولون أن يفتنوكم.
﴿سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ قيل: يسمعون كلامهم. وقيل: يسمعون أخباركم وينقلونها إليهم.
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: طلبوا الفساد، (وروي أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين) (١).
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أي: دبروها من كل وجه، فأبطل الله سعيهم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَن لِي وَلَا تَفْتِنِي﴾ لما دعا النبي ﷺ إلى غزوة تبوك قال الجد بن قيس -وكان من المنافقين-: ائذن لي في القعود ولا تفتني برؤية بنات الأصفر (٢)؛ فإني لا أصبر عن النساء.
﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي: وقعوا في الفتنة التي فروا منها.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الحسنة هنا: النصر والغنيمة وشبه ذلك.
﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ أي: قد حذرنا وتأهبنا من قبل.
стр. 1090
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: ما قدَّر وقضى، وهذا ردٌّ على المنافقين.
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ أي: هل تنتظرون بنا إلَّا أحد أمرين: إما الظَّفَر والنصر، وإما الموت في سبيل الله، وكل واحدة من الخَصْلتين حسنى.
﴿بِعَذَابٍ مِنْ عِندِهِ﴾ المصائبُ وما ينزل من السماء، أو عذابُ الآخرة.
﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ يعني: القتل.
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ تهديدٌ.
* * *
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾ قيل: عذابهم في الدنيا بالمصائب.
وقيل: ما أُلْزِموا من أداء الزكاة.
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ إخبارٌ بأنهم يموتون على الكفر.
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ أي: من المؤمنين.
﴿يَفْرَقُونَ﴾ يخافون.
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أي: ما يلجؤون إليه من المواضع.
﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ هي الغيران في الجبال.
﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ وزنه مُفْتَعَل؛ من الدخول، ومعناه: نفقٌ أو سَرَبٌ في الأرض.
﴿يَجْمَحُونَ﴾ أي: يُسرعون.
﴿وَمِنْهُم مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي: يعيبك على قِسْمتها.
والآية في المنافقين؛ كالتي قبلها وبعدها.
وقيل: هي في ذي الخويصرة الذي قال: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ الآية؛ ترغيبٌ لهم فيما هو خير لهم.
وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ؛ تقديره: لكان ذلك خيرًا لهم.
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية؛ ﴿إِنَّمَا﴾ هنا: تقتضي حصر الصدقات -وهي الزكاة (١) - في هذه الأصناف الثمانية، فلا يجوز أن يعطى منها غيرهم.
стр. 1093
ومذهب مالك: أن تفريقها في هؤلاء الأصناف إلى اجتهاد الإمام؛ فله أن يجعلها في بعضهم دون بعض.
ومذهب الشافعي: أنه يجب أن تقسم على جميع هذه الأصناف بالسَّواء.
واختلف العلماء هل الفقير أشدُّ حاجةً من المسكين أو بالعكس؟ فقيل: هما سواء.
وقيل: الفقير الذي يسأل ويُعلَم حاله، والمسكين ليس كذلك.
﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ أي: الذين يقبضونها ويفرِّقونها.
﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ كفارٌ يعطون ترغيبًا في الإسلام.
وقيل: هم مسلمون يعطون ليتمكَّن إيمانهم.
واختلف هل بقي حكمهم، أو سقط للاستغناء عنهم؟.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ يعني: العبيد؛ يُشترون ويُعتقون.
﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ يعني: مَنْ عليه دين، ويشترط أن يكون استدان في غير فساد ولا سرف (١).
﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: الجهاد، فيعطى منها المجاهدون ويشترى منها آلات الحرب.
واختلف هل تصرف في بناء الأسوار وإنشاء الأساطيل؟.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو الغريب المحتاج.
стр. 1094
﴿فَرِيضَةً﴾ أي: حقًّا محدودًا، ونصبه على المصدر.
فإن قيل: لم ذُكر مصرف الزكاة في تضاعيف ذِكْر المنافقين؟.
فالجواب: أنه حصَر مصرف الزكاة في تلك الأصناف؛ ليقطع طمع
المنافقين فيها، فاتَّصلت هذه الآية في المعنى بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.
﴿يَحْلِفُونَ﴾ يعني: المنافقين.
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ تقديره: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك؛ فهما جملتان حُذف الضمير من الثانية؛ لدلالة الأولى عليها.
وقيل: إنما وحَّد الضمير لأن رضا الله ورسوله واحدٌ.
﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ من يعادي ويخالف.
﴿فَأَنَّ لَهُ﴾ «أنَّ» هنا مكررة؛ تأكيدًا للأولى.
وقيل: بدل منها.
وقيل: التقدير: فواجب أنَّ له؛ فهي في موضع خبر مبتدإٍ محذوف.
﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: تُنزل في شأنهم سورة على النبي ﷺ ، والضمائر في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ و ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ تعود على المنافقين.
وقال الزمخشري: إن الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ للمؤمنين، وفي ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ للمنافقين (١).
والأول أظهر.
﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ تهديدٌ.
﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ صَنَع ذلك بهم في هذه السورة؛ لأنها فضحتهم.
﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ نزلت في وديعة بن ثابت؛ بلغ النبيَّ ﷺ أنه
стр. 1097
قال: هذا يريد أن يفتح قصور الشام! هيهات هيهات!، فسأله عن ذلك فقال: إنما كنا نخوض ونلعب.
﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ كان منهم رجل اسمه مُخَشِّن (١)، تاب ومات شهيدًا.
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ خطابٌ للمنافقين، والكاف:
في موضعِ نصبٍ؛ والتقدير: فعلتم مثلَ فعلِ الذين من قبلكم.
أو في موضعِ خبر مبتدإٍ؛ تقديره: أنتم كالذين من قبلكم.
﴿وَخُضْتُمْ﴾ أي: خلطتم، وهو مستعارٌ من الخوض في الماء، ولا يقال إلَّا في الباطل من الكلام.
﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ تقديره: كالخوض الذي خاضوا.
وقيل: كالذين خاضوا؛ فـ «الذي» هنا -على هذا- بمعنى الجَمْع.
﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ الآية؛ تهديدٌ لهم بما أصاب الأمم المتقدمة.
﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ يعني: مدائنَ قومِ لوط.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالمعجزات.
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في مقابلةِ قوله - في المنافقين -: ﴿بَعْضُهُم مِن بَعْضٍ﴾، ولكنه خصَّ المؤمنين بالوصف بالولاية.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ قيل: عدن: هي مدينة الجنة وأعظمها.
وقال الزمخشري: هو اسم علم (١).
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: رضوانٌ من الله أكبر من كلّ ما ذُكر.
وذلك معنى ما ذكر في الحديث: «إن الله تعالى يقول لأهل الجنة:
стр. 1100
أتريدون شيئًا أزيدكم، فيقولون: يا ربنا أي شيء تزيدنا؟ فيقول: رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا» (١).
стр. 1101
[﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤) وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾].
﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين باللسان ما لم يظهر ما يدل على كفرهم، فإن ظهر منهم ذلك فحكمهم حكم الزنديق، وقد اختُلف هل يقتل أم لا؟.
﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الغلظة ضدُّ الرحمة والرأفة، وقد تكون بالقول والفعل
وغير ذلك.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ نزلت في الجُلَّاس بن سُوَيد؛ فإنه قال: إن كان ما يقول محمد حقًّا فنحن شرٌّ من الحُمُر، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقرره عليه، فحلف أنه ما قاله.
стр. 1102
﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ يعني: ما تقدَّم من قول الجُلَاس؛ لأن ذلك يقتضي التكذيب.
﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ لم يقل: «بعد إيمانهم»؛ لأنهم كانوا يقولون بألسنتهم: آمنا، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم.
﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ همَّ الجُلَاس بقتل مَنْ بلَّغ تلك الكلمة عنه.
وقيل: همَّ بقتل النبي ﷺ .
وقيل: الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول، وكلمةُ الكفر التي قالها قوله: سمِّنْ كلبك يأكلك، وهمُّه بما لم ينل: قوله: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨].
﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي: ما عابوا إلَّا الغنى الذي كان حقُّه أن يشكروا عليه، وذلك في الجُلَاس، أو في عبد الله بن أبيّ.
﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ فتح الله لهم باب التوبة، فتاب الجُلَاس وحسن حاله.
﴿وَمِنْهُم مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية؛ نزلت في ثعلبة بن حاطب، وذلك أنه قال: يا رسول الله ادع الله أن يكثر مالي، فقال له رسول الله ﷺ : «قليلٌ تؤدي شكره خيرٌ من كثير لا تطيقه»، فأعاد عليه حتى دعا له، فكثر ماله، فتشاغل به حتى ترك الصلوات، ثم امتنع من أداء الزكاة، فنزلت فيه الآية، فجاء بزكاته إلى النبي ﷺ ، فأعرض عنه ولم يأخذها منه، وقال: «إن الله أمرني أن لا آخذ زكاتك»، ثم لم يأخذها منه أبو بكر ولا عمر ولا عثمان (١).
стр. 1103
﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ إشارةٌ إلى منعه الزكاة.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ ذلك عقوبةٌ على العصيان بما هو أشدُّ منه.
﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ حكم بوفاته على النفاق.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ نزلت في المنافقين؛ حين تصدق عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف فقالوا: ما هذا إلَّا رياء.
وأصل ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ المتطوعين، والمراد به هنا: مَنْ تصدق بكثير.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ هم الذين لا يقدرون إلَّا على القليل فيتصدقون به.
نزلت في أبي عقيل؛ تصدق بصاع من تمر، فقال المنافقون: إن الله غني عن صدقة هذا.
﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ أي: يستخفُّون بهم.
﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ تسميةٌ للعقوبة باسم الذنب (١).
стр. 1104
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون لفظُ أمرٍ، ومعناه الشرط، بمعنى: إن استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، كما جاء في سورة «المنافقين».
والآخر: أن يكون تخييرًا؛ كأنه قال: إن شئت فاستغفر، وإن شئت فلا تستغفر لهم، ثم أعْلَمَه الله أنه لا يغفر لهم، وهذا أرجح؛ لقول رسول الله ﷺ : «إن الله خيَّرني فاخترت»، وذلك حين قال عمر: أتصلي على عبد الله بن أبيٍّ وقد نهاك الله عن الصلاة عليه! (١).
﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ذكرها على وجه التمثيل للعدد الكثير.
стр. 1105
[﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾].
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ أي: الذين خلَّفهم الله عن الغزو وأقعدهم عنه، وفي هذا تحقيرٌ وذمٌّ لهم، ولذلك لم يقل: «المتخلفون».
﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أي: بقعودهم.
﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أي: بعده حين خرج إلى تبوك، فـ ﴿خِلَافَ﴾ على هذا ظرف.
وقيل: هو مصدر مِنْ خَالَفَ؛ فهو على هذا مفعول من أجله.
﴿وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قال هذه المقالة رجل من بني سَلِمَة ممن صعب عليه السفر إلى تبوك في الحرِّ.
стр. 1106
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ أمرٌ بمعنى الخبر، فَضَحِكُهُم القليل: في الدنيا مدة بقائهم فيها، وبكاؤهم الكثير: في الآخرة.
وقيل: هو بمعنى الأمر؛ أي: يجب أن يكونوا يضحكون قليلًا ويبكون كثيرًا في الدنيا؛ لما وقعوا فيه.
﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ إنما لم يقل: «إليهم»؛ لأن منهم من تاب من النفاق وندم على التخلُّف.
﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ عقوبةٌ لهم فيها خزي وتوبيخ. ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني: في غزوة تبوك.
﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أي: مع القاعدين؛ وهم النساء والصبيان.
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ نزلت في شأن عبد الله بن أبي بن سلول وصلاةِ رسول الله ﷺ عليه حين مات.
فروي أنه صلى عليه فنزلت الآية بعد ذلك.
وروي أن رسول الله ﷺ لما تقدَّم ليصلي عليه جاءه جبريل فجبذ بثوبه، وتلا عليه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية، فانصرف ﷺ ولم يصل عليه.
﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ قيل: يعني براءة، والأرجح أنه على الإطلاق.
﴿أَنْ آمِنُوا﴾ «أنْ» هنا مفسِّرة.
﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ أي: أُولوا الغنى والمال الكثير.
стр. 1107
﴿لَكِنِ الرَّسُولُ﴾ الآيَةَ؛ أي: إن تخلَّف هؤلاء فقد جاهد الرسول ومن معه.
﴿الْخَيْرَاتُ﴾ تعمُّ منافع الدارين.
وقيل: هي الحور العين؛ لقوله: ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠].
وروي أنها نزلت في قوم من غِفَار.
﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ هم قوم لم يجاهدوا ولم يعتذروا عن تخلفهم؛ فكذبوا في دعواهم الإيمان.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ أي: من المعذّرين.
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ هذا رفعٌ للحرج عن أهل الأعذار الصحيحة من ضعف البدن والفقر إذا تركوا الغزو.
وقيل: إن الضعفاء هنا هم النساء والصبيان، وهذا بعيد.
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ قيل: نزلت في بني مُقَرِّنٍ، وهم ستة إخوة صحبوا النبي ﷺ .
وقيل: في عبد الله بن مغفل المزني.
﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ﴾ يعني: بنِيَّاتهم وأقوالهم، وإن لم يخرجوا للغزو.
﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وصفهم بالمحسنين؛ لأنهم (١) نصحوا لله ورسوله، ورفع عنهم العقوبة والتعنيف واللوم.
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ قيل: هم بنو مقرّن.
وقيل: ابن مغفل.
وقيل: سبعة نفر من بطون شتى؛ وهم البكّاؤون.
ومعنى ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾: على الإبل.
стр. 1110
وجواب ﴿إِذَا﴾ يحتمل أن يكون: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ﴾ أو ﴿تَوَلَّوا﴾.
﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ يعني: من غزوة تبوك.
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدِّقكم.
﴿مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ نعتٌ لمحذوف هو المفعول الثاني؛ تقديره: قد نبأنا الله جملةً من أخباركم.
﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ هم أهل البوادي من العرب.
﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ يعني: أنهم أحقُّ أن لا يعلموا الشرائع؛ لبعدهم عن الحاضرة ومجالس العلم.
﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ أي: تثقل عليه الزكاة والنفقة في
سبيل الله ثِقَلَ المغرم الذي ليس بحق عليه.
﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ أي: ينتظر بكم مصائب الدنيا.
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ خبرٌ، أو دعاءٌ.
﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ أي: دعواته لهم.
وهو عطفٌ على ﴿قُرُبَاتٍ﴾؛ أي: يقصدون بنفقاتهم التقرب إلى الله (١) واغتنام دعاء الرسول لهم.
وقيل: نزلت في بني مقرِّن.
﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم﴾ سائر الصحابة، ويدخل في ذلك التابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة؛ بشرط الإحسان.
﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ أي: اجترؤوا عليه، وقيل: أقاموا عليه.
﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ العذاب العظيم: هو عذاب النار.
وأمّا المرَّتان قبله:
فالثانية منهما: عذاب القبر.
والأولى: عذابهم بإقامة الحدود عليهم.
وقيل: فضيحتهم في النفاق.
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِم﴾ الآية؛ قيل: إنها نزلت في أبي لبابة، فعمله الصالح: الجهاد، وعمله السيئ: نصيحته لبني قريظة.
وقيل: هي فيمن تخلَّف عن تبوك من المؤمنين، فعملهم الصالح: ما سبق لهم، وعملهم السيئ: تخلفهم عن تبوك، وروي أنهم ربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد، وقالوا: لا نَحُلُّ أنفسنا حتى يحلَّنا رسول الله ﷺ .
وقيل: هي عامة في الأمة إلى يوم القيامة.
قال بعضهم: ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه.
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ قيل: نزلت في المتخلفين الذين ربطوا أنفسهم؛ لما تاب الله عليهم قالوا: يا رسول الله إنا نريد أن نتصدق بأموالنا، فنزلت هذه الآية، وأخذ ثلث أموالهم.
стр. 1113
وقيل: هي الزكاة المفروضة؛ فالضمير على العموم لجميع المسلمين.
﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ خطاب للنبي ﷺ ، في موضع صفة لـ ﴿صَدَقَةً﴾.
أو حال من الضمير في ﴿خُذْ﴾.
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادْعُ لهم.
﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أي: تَسْكُن به نفوسهم؛ فهو عبارةٌ:
عن صحة الاعتقاد.
أو عن طُمأنينة نفوسهم إذ علموا أن الله تاب عليهم.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ الضمير في ﴿يَعْلَمُوا﴾: للتائبين من التخلف.
وقيل: للذين تخلفوا ولم يتوبوا.
وقيل: عام.
وفائدة الضمير المؤكد: تخصيص الله تعالى بقبول التوبة دون غيره.
﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ قيل: معناه: يأمر بها.
وقيل: يقبلها من عباده.
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ قيل: هم الثلاثة الذين خُلِّفوا قبل أن يتوب الله عليهم.
وقيل: هم الذين بنَوْا مسجد الضِّرار.
وقرئ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ بالهمز وتركه، وهما لغتان، ومعناه: التأخير.
стр. 1114
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ قرئ ﴿الَّذِينَ﴾ بغير واو؛ صفة لقوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾، أو على تقدير: هم الذين، وهذه القراءة جارية على قول من قال في الـ ﴿مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾: هم أهل مسجد الضرار.
وقرئ ﴿وَالَّذِينَ﴾ بالواو؛ عطفًا على ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾، وهذه القراءة جارية على قول من قال في المرجين: إنهم الثلاثة الذين خلفوا.
﴿ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ كان بنو عمرو بن عوف من الأنصار قد بنوا مسجد قباء، وكان رسول الله ﷺ يأتيه ويصلي فيه، فحسدهم على ذلك قومهم بنو غَنْم بن عوف وبنو سالم بن عوف؛ فبنوا مسجدًا آخر مجاورًا له؛ ليقطعوا الناس عن الصلاة في مسجد قباء، وذلك هو الضرار الذي قصدوا، وسألوا من رسول الله ﷺ أن يأتيه، ويصلي لهم فيه، فنزلت عليه هذه الآية.
﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أرادوا أن يتفرَّق المؤمنون عن مسجد قباء.
﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: انتظارًا لمن حارب الله ورسوله، وهو أبو عامر الراهب الذي سمَّاه رسول الله ﷺ : الفاسق، وكان من أهل المدينة، فلما قدمها رسول الله ﷺ جاهر بالكفر والنفاق، ثم خرج إلى مكة فحزَّب الأحزاب من المشركين، فلما فتحت مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الشام، ليستنصر بقيصر فهلك هناك.
وكان أهل مسجد الضرار يقولون: إذا قدم أبو عامر المدينة يصلي في هذا المسجد.
والإشارةُ بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ إلى ما فعل مع الأحزاب.
стр. 1115
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أي: الخَصْلة الحسنى؛ وهي الصلاة وذكر الله، فأكَذَبَهم الله في ذلك.
﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ نهي عن إتيانه والصلاة فيه، فكان رسول الله ﷺ لا يمرُّ بطريقه.
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ قيل: هو مسجد قباء.
وقيل: مسجد النبي ﷺ بالمدينة، وقد رُوي ذلك عن رسول الله ﷺ (١).
﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ كانوا يستنجون بالماء، ونزلت في الأنصار على قول من قال: إن المسجد الذي أُسِّس على التقوى هو مسجد المدينة.
ونزلت في بني عمرو بن عوف خاصةً على قول من قال: إنه مسجد قباء.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ الآية؛ استفهام بمعنى التقرير.
والذي أُسِّس على التقوى والرضوان: مسجد المدينة أو مسجد قباء، والذي أُسِّس على شفا جرف هارٍ: هو مسجد الضرار.
وتأسيس البناء على التقوى والرضوان: هو بحسن النية فيه، وقصد وجه الله، وإظهار شرعه.
والتأسيس على شفا جرف هار: هو بفساد النية، وقصد الرياء، والتفريق بين المؤمنين؛ فذلك على وجه الاستعارة والتشبيه البديع.
стр. 1116
ومعنى ﴿شَفَا جُرُفٍ﴾: طَرَفِه.
ومعنى ﴿هَارٍ﴾: ساقط، أو واهٍ؛ بحيث أشْفى على السقوط، وأصل «هارٍ»: هائرٌ؛ فهو من المقلوب؛ لأن لامه جعلت في موضع العين. ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ أي: طاح في جهنم، وهذا ترشيحٌ للمجاز؛ فإنه لما شُبِّه بالجرف وُصِف بالانهيار؛ الذي هو من شأن الجرف.
وقيل: إن ذلك حقيقة، وأنه سقط في نار جهنم وخرج الدخان من موضعه.
والصحيح أن رسول الله ﷺ أمر بهدمه فهُدِم.
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: لا يزال في قلوب أهل مسجد الضرار ريبةٌ من بنيانه؛ أي: شكٌّ في الإسلام بسبب بنيانه؛ لاعتقادهم صواب فعلهم.
أو غيظ بسبب هدمه.
﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: إلَّا أن يموتوا.
﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جملةٌ في موضع الحال؛ بيانًا للشراء.
﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ﴾ قال بعضهم: ناهيك من بيع البائع فيه ربُّ العُلى، والثمن جنة المأوى، والواسطة محمد المصطفى ﷺ .
﴿التَّائِبُونَ﴾ وما بعده: أوصاف المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم؛ تقديره: هم التائبون.
﴿السَّائِحُونَ﴾ قيل: معناه الصائمون.
ويقال: ساح في الأرض: أي: ذهب.
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ نزلت في شأن أبي طالب؛ فإنه لما امتنع أن يقول: «لا إله إلا الله» عند موته؛ قال له رسول الله ﷺ : «والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك»، فكان يستغفر حتى نزلت هذه الآية (١).
وقيل: إن النبي ﷺ استأذن ربه أن يستغفر لأمِّه؛ فنزلت الآية.
وقيل: إن المسلمين أرادوا أن يستغفروا لآبائهم المشركين؛ فنزلت.
﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ المعنى: لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم لأبيه؛ فإن ذلك لم يكن إلَّا لوعد (٢) تقدَّم، وهو قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي﴾ [مريم: ٤٧].
стр. 1119
﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ قيل: تبين له ذلك بموت أبيه على الكفر.
وقيل: بأنه نُهي عن الاستغفار.
﴿لَأَوَّاهٌ﴾ قيل: كثير الدعاء، وقيل: مُوقنٌ، وقيل: فقيه، وقيل: كثير الذكر لله، وقيل: كثير التأوُّه من خوف الله.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ الآية؛ نزلت في قوم من المسلمين؛ استغفروا للمشركين من غير إذن، فخافوا على أنفسهم من ذلك، فنزلت الآية؛ تأنيسًا لهم؛ أي: ما كان الله ليؤاخذكم بذلك قبل أن يبين لكم المنع من ذلك.
﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ يعني: حين محاولة غزوة تبوك.
والساعة هنا: بمعنى الحين والوقت، وإن كان مدةً.
و ﴿الْعُسْرَةِ﴾: الشدة وضيق الحال.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: تزيغ:
عن الثبات على الإيمان.
أو عن الخروج في تلك الغزوة؛ لِمَا رأوا من الضيق والمشقة.
وفي ﴿كَادَ﴾:
ضمير الأمر والشأن.
أو ترتفع بها القلوب.
стр. 1120
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: على هذا الفريق؛ أي: رجع بهم عما كادوا يقعون فيه.
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة ابن الربيع، تخلَّفوا عن غزوة تبوك من غير عذر ومن غير نفاق ولا قصدٍ للمخالفة، فلما رجع رسول الله ﷺ عتب عليهم، وأمر أن لا يكلمهم أحد، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم، فبقوا على ذلك مدَّةً إلى أن أنزل الله توبتهم، وقد وقع حديثهم في البخاري ومسلم (١) والسِّير.
ومعنى ﴿خُلِّفُوا﴾ هنا: عن الغزوة.
وقال كعب بن مالك: معناه: خُلفوا عن قبول العذر، وليس بالتخلُّف عن الغزو، ويقوِّي ذلك: كونه جَعَل ﴿إِذَا ضَاقَتْ﴾ غايةً للتخلف.
﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ عبارةٌ عما أصابهم من الغم والخوف من الله.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ أي: رجع بهم ليستقيموا على التوبة.
стр. 1121
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾].
﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ يحتمل أن يريد: صدق اللسان؛ إذ كان هؤلاء الثلاثةُ قد صدقوا ولم يعتذروا بالكذب، فنفعهم الله بذلك.
ويحتمل أن يريد: أعمَّ من صدق اللسان، وهو الصدق في الأقوال والأفعال والمقاصد والعزائم.
والمراد بـ ﴿الصَّادِقِينَ﴾: المهاجرون؛ لقول الله في «الحشر»: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، وقد احتجَّ بها أبو بكر الصِّدِّيقُ على الأنصار يوم السقيفة، فقال: نحن الصادقون، وقد أمركم الله أن تكونوا معنا؛ أي: تابعين لنا (١).
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ الآية؛ عتابٌ لمن تخلف عن غزوة تبوك من أهل يثرب ومن جاورها من قبائل العرب.
стр. 1122
﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: لا يمتنعوا من اقتحام المشقات التي تحملها هو ﷺ .
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ﴾ تعليل لما يجب من عدم التخلف.
﴿ظَمَأٌ﴾ أي: عطش.
﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ أي: تعب.
﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ أي: جوع.
﴿وَلَا يَطَئُونَ﴾ بأرجلهم أو بدوابهم.
﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ عموم في كل ما يصيب الكفار.
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ ابن عباس: هذه الآية في البعوث إلى الغزو والسرايا؛ أي: لا ينبغي خروج جميع المؤمنين في السرايا، وإنما يجب ذلك إذا خرج رسول الله ﷺ بنفسه، ولذلك عاتبهم في الآية المتقدمة على التخلف عنه، فالآية الأولى: في الخروج معه ﷺ ، وهذه: في السرايا التي كان يبعثها.
وقيل: هي ناسخة لكل ما ورد من الأمر بخروج الجميع؛ فهو دليل على أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين.
وقيل: هي في طلب العلم؛ ومعناها: أنه لا تجب الرحلة في طلب العلم على الجميع، بل على البعض؛ لأنه فرض كفاية.
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ تحضيض على نفير بعض المؤمنين للجهاد، أو لطلب العلم.
стр. 1123
﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ إن قلنا: إن الآية في الخروج إلى طلب العلم؛ فالضمير في ﴿يَتَفَقَّهُوا﴾ للفرقة التي (تنفر -أي: ترحل-، وكذلك الضمير في ﴿يُنذِرُوا﴾ وفي ﴿رَجَعُوا﴾؛ أي: يُعلِّمون قومهم إذا رجعوا إليهم من الرِّحلة.
وإن قلنا: إن الآية في السرايا؛ فالضمير في ﴿يَتَفَقَّهُوا﴾ للفرقة التي) (١) تقعد في المدينة ولا تخرج مع السرايا، وكذلك الضمير في ﴿يُنذِرُوا﴾، وأما الضمير في ﴿رَجَعُوا﴾ فهو للفرقة التي خرجت مع السرايا.
وقيل: إن التفقُّه يكون في حين خروجهم مع السَّرايا؛ فعلى هذا تكون الضمائر كلها للفرقة التي خرجت مع السرايا.
﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ الضمير للقوم.
стр. 1124
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾].
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ أمر بقتال الأقرب فالأقرب على تدريج.
وقيل: إنها إشارة إلى قتال الروم بالشام؛ لأنهم كانوا أقرب الكفار إلى أرض العرب، وكانت أرض العرب قد عمها الإسلام، وكانت العراق حينئذ بعيدةً.
﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ أي: من المنافقين من يقول لبعضهم لبعض: أيكم زادته هذه إيمانًا؟ على وجه الاستخفاف بالقرآن؛ كأنهم يقولون: أيُّ عجبٍ في هذا؟ وأي دليل في هذا؟.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وذلك لما يتجدَّد عندهم من البراهين والأدلة عند نزول كل سورة.
стр. 1125
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ المرض: عبارة عن الشك والنفاق.
ومعنى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ زادتهم كفرًا ونفاقًا إلى كفرهم ونفاقهم.
﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ قيل: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ أي: يختبرون بالأمراض والجوع.
وقيل: بالأمر بالجهاد.
واختار ابن عطية أن يكون المعنى: يفضحون بما يُكشف من سرائرهم (١).
﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: تغامزوا، وأشار بعضهم إلى بعض؛ على وجه الاستخفاف بالقرآن، ثم قال بعضهم لبعض: ﴿هَلْ يَرَاكُم مِنْ أَحَدٍ﴾ فيَنقل عنكم هذا الاستخفاف؟، فقولهم: ﴿هَلْ يَرَاكُم مِنْ أَحَدٍ﴾ كان بسبب خوفهم أن يُنقل عنهم ذلك.
وقيل: معنى ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: على وجه التعجب مما ينزل في القرآن؛ من كشف أسرارهم، ثم قال بعضهم لبعض: ﴿هَلْ يَرَاكُم مِنْ أَحَدٍ﴾؛ أي: هل رأى أحدٌ أحوالكم فنقلها عنكم؟ أو عُلمت من غير نقل؟ فهذا أيضًا على وجه التعجُّب.
﴿ثُمَّ انصَرَفُوا﴾ يحتمل أن يريد:
الانصراف بالأبدان.