بمعنى التحية، وإنما رُفِع جوابه؛ ليدلَّ على إثبات السلام، فيكون قد حيَّاهم بأحسن مما حيَّوه.
ويحتمل أن يكون السلام بمعنى السلامة، ونُصِب الأول؛ لأنه في معنى الطلب، ورُفِع الثاني؛ لأنه في معنى الخبر.
﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ﴾ أي: ما لبث مجيئه، بل عَجِل، و «ما» نافية، و ﴿أَنْ جَاءَ﴾ فاعل بـ ﴿لَبِثَ﴾.
﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: مشويّ، وفعيل هنا بمعنى مفعول.
﴿نَكِرَهُمْ﴾ أي: أنكرهم ولم يعرفهم؛ يقال: نكر وأنكر بمعنى واحد. ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ قيل: إنه لم يعرفهم، فخاف منهم لما لم يأكلوا طعامه.
وقيل: عرف أنهم ملائكة، ولكن خاف أن يكونوا أُرسلوا بما يُخاف، فأمنوه بقولهم: ﴿لَا تَخَفْ﴾.
﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ قيل: قائمة خلف سِتْرٍ.
وقيل: قائمة في الصلاة.
وقيل: قائمة تخدم القوم، واسمها سارة.
﴿فَضَحِكَتْ﴾ قيل: معناه حاضت، وهو ضعيف.
وقال الجمهور: هو الضَّحِك المعروف، واختلفوا من أيِّ شيءٍ ضحكت؟.
стр. 1192
فقيل: سرورًا بالولد الذي بُشِّرت به؛ ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير.
وقيل: سرورًا بالأمن بعد الخوف.
وقيل: سرورًا بهلاك قوم لوط.
﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ أسند البشارة إلى ضمير الله تعالى؛ لأنها كانت بأمره.
﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ﴾ أي: من بعده، وهو ولده.
وقيل: الوراء ولد الولد.
و ﴿يَعْقُوبُ﴾ بالرفع: مبتدأ، وبالفتح: معطوف على ﴿إِسْحَاقَ﴾.
﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَا﴾ الألف فيه مبدلة من المتكلم، كذلك في «يا لهفا» و «يا أسفا» و «يا عجبًا»، ومعناه: التعجب من الوِلادة، وروي أنها كانت حينئذ بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مئة سنة.
﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل الدعاء والخبر.
﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم، وهو منصوب بفعل مضمر على الاختصاص، أو منادى.
﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود.
﴿مَجِيدٌ﴾ من المجد؛ وهو العلو والشرف.
﴿يُجَادِلُنَا﴾ هذا جواب ﴿فَلَمَّا﴾، على أن يكون المضارع في موضع الماضي، أو على تقدير: ظلَّ أو أخذ يجادلنا.
أو يكون ﴿يُجَادِلُنَا﴾ مستأنفًا، والجواب محذوف.
стр. 1193
ومعنى جداله: كلامه مع الملائكة في رفع العذاب عن قوم لوط.
وقد ذُكر في «اللغات» ﴿حَلِيمٌ﴾ (١)، وفي «براءة» ﴿أَوَّاهٌ﴾ (٢).
﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي: قلنا: يا إبراهيم أعرض عن هذا؛ يعني: عن المجادلة فيهم، فقد نفذ القضاء بعذابهم.
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ الرسل هم الملائكة، ومعنى ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أصابه سوءٌ وضجر؛ لما ظن أنهم من بني آدم، وخاف عليهم من قومه.
﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أي: شديد.
﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: يُسرعون، وكانت امرأة لوط قد أخبرتهم بنزول الأضياف عنده، فأسرعوا ليعملوا بهم عملهم الخبيث.
﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: كانت عادتهم إتيان الفواحش في الرجال.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ المعنى: فتزوجوهنَّ، وإنما قال ذلك ليقي أضيافه ببناته.
وقيل: اسم بناته الواحدة ريثا (٣)، والأخرى غوثا (٤)، وأن اسم امرأته الهالكة والهة، واسم امرأة نوح والغة.
стр. 1194
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي: ما لنا فيهنَّ أَرَبٌ.
﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ يعنون: نكاح الذكور.
﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ جواب «لو» محذوف؛ تقديره: لو كانت لي قدرة على دفعكم لفعلت.
ويحتمل أن تكون «لو» للتمني.
﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ معنى ﴿آوِي﴾ ألجأ، والمراد بالركن الشديد: ما يلجأ إليه من عشيرة أو أنصار يحمونه من قومه، وكان رسول الله ﷺ
يقول: «يرحم الله أخي لوطًا؛ لقد كان يأوي إلى ركن شديد» (١) يعني: إلى الله وملائكته.
﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ الضمير في ﴿قَالُوا﴾ للملائكة، والضمير في ﴿لَنْ يَصِلُوا﴾ لقوم لوط، وذلك أن الله طمس على أعينهم حينئذٍ.
﴿فَاسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ أي: اخرج بهم بالليل؛ فإن العذاب ينزل بأهل هذه المدائن.
وقرئ ﴿فَاسْرِ﴾ بوصل الألف وقطعها، وهما لغتان؛ يقال: سَرى وأسرى.
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: قطعة منه.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ نُهوا عن الالتفات؛ لئلا تتفطر أكبادهم على قريتهم.
стр. 1195
وقيل: ﴿يَلْتَفِتْ﴾ معناه: يتلوى (١).
﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ قرئ بالنصب والرفع:
فالنصب: استثناء من قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾، فيقتضي هذا أنه لم يُخرجها مع أهله.
والرفع: بدل من ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾، ورُوي على هذا أنه أخرجها معه، وأنها التفتت وقالت: يا قوماه!، فأصابها حجر فقتلها.
﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ أي: وقت عذابهم الصبح.
﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ذُكر أنهم لما قالوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ قال لهم لوط: هلَّا عُذِّبوا الآن! فقالوا له: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ الضمير للمدائن، رُوي أن جبريل أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، واقتلعها فرفعها حتى سمع أهل السماء صُراخ الدِّيَكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً﴾ أي: على المدائن، والمراد أهلها، روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته حجارة من السماء، وأما من كان في المدائن فهَلَك لما قُلِبت.
﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ قيل: معناه من ماء وطين، وإنها كان مثل (٢) الآجرِّ المطبوخ.
стр. 1196
وقيل: من سَجَلَه: إذا أرسله.
وقيل: هو لفظ أعجمي.
﴿مَنْضُودٍ﴾ أي: مضموم بعضه فوق بعض.
﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ معناه: معلَّمة بعلامة، روي أنه كان فيها بياض وحمرة.
وقيل: كان في كل حجر اسم صاحبه.
﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ الضمير للحجارة، والمراد بـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾ كفار قريش، فهذا تهديدٌ لهم؛ أي: ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم؛ لأجل كفرهم.
وقيل: الضمير للمدائن، فالمعنى: ليست ببعيدة منهم أفلا يعتبرون بها؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠].
وقيل: إن ﴿الظَّالِمِينَ﴾ على العموم.
﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ الصلاة: هي المعروفة، ونسب الأمر إليها مجازًا، كقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
والمعنى: أصلواتك تأمرك أن نترك عبادة الأوثان؟، وإنما قال الكفار هذا على وجه الاستهزاء.
﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ يعنون: ما كانوا عليه من بخس المكيال والميزان.
و ﴿أَنْ نَفْعَلَ﴾ عطفٌ على ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾ (١).
﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قيل: إنهم قالوا ذلك على وجه الاستهزاء والتهكُّم.
وقيل: معناه: الحليم الرشيد عند نفسك.
﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أي: سالمًا من الفساد الذي أدخلتم في أموالكم.
وجواب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ محذوف، يدلُّ عليه المعنى، وتقديره: أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أيصح (٢) لي ترك تبليغ رسالته؟.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا
стр. 1199
قصده وأنت مُوَلّ عنه، وخالفني عنه: إذا ولَّى عنه وأنت قاصده.
﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ أي: لا تُكْسِبُكم عدواتي أن يصيبكم مثلُ عذاب الأمم المتقدمة، و ﴿شِقَاقِي﴾ فاعل، و ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾ مفعول.
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ يعني: في الزمان؛ لأنهم كانوا أقرب الأمم الهالكين إليهم.
ويحتمل أن يريد: في البلاد.
﴿مَا نَفْقَهُ﴾ أي: ما نفهمُ.
﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ أي: ضعيف الانتصار والقدرة، وقيل: نَحِيل البدن، وقيل: أعمى.
﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ الرَّهْط: القرابة، والرَّجم: بالحجارة، أو بالسبِّ.
﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِنَ اللَّهِ﴾ هذا توبيخٌ لهم.
فإن قيل: إنما وقع كلامهم فيه وفي رهطه وأنهم هم الأعزة دونه، فكيف طابق جوابه كلامهم؟.
فالجواب: أنَّ تهاونهم به وهو رسول الله تهاونٌ بالله؛ فلذلك قال: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِنَ اللَّهِ﴾.
﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ الضمير في ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ لله تعالى، أو لدينه وأمره.
стр. 1200
والظِّهْرِيُّ: ما يُطَّرح وراء الظهر ولا يُعْبَأ به، وهو منسوب إلى الظهر بتغيير النسب.
﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ تهديدٌ، ومعنى ﴿مَكَانَتِكُمْ﴾ تمكُّنكم في الدنيا وعزَّتكم فيها.
﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ عذاب الدنيا والآخرة.
﴿وَارْتَقِبُوا﴾ تهديدٌ.
﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ أي: العطية المعطاة.
﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ باقٍ وداثرٌ.
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ حجة على التوحيد ونفي الشرك.
﴿تَتْبِيبٍ﴾ أي: تخسير.
﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ أي: يُجْمَعون فيه للحساب، والثواب والعقاب.
وإنما عبَّر باسم المفعول دون الفعل؛ ليدلَّ على ثبوت الجمع لذلك اليوم؛ لأن لفظ ﴿مَجْمُوعٌ﴾ أبلغ من لفظ «يُجْمَع».
﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أي: يحضره الأولون والآخرون.
﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ العامل في الظرف: ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾، أو مضمر.
وفاعل ﴿يَأْتِ﴾ ضمير:
يعود على ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.
وقال الزمخشري: يعود على الله تعالى؛ كقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ويعضده عَوْد الضمير عليه في قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ (١).
﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ الضمير يعود على أهل الموقف الذي دلَّ عليهم قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾.
﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ الزفير: إخراج النفس، والشهيق: ردُّه.
وقيل: الزفير: صوت المحزون، والشهيق: صوت الباكي.
стр. 1203
وقيل: الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن يراد بها سماوات الآخرة وأرضها، وهي دائمة أبدًا.
والآخر: أن يكون عبارة عن التأبيد، كقول العرب: ما لاح كوكب، وما ناح الحمام، وشبه ذلك مما يقصد به الدوام.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ في هذا الاستثناء ثلاثة أقوال:
قيل: إنه على طريق التأدب مع الله، كقولك: «إن شاء الله» وإن كان الأمر واجبًا.
وقيل: المراد به: زمان خروج المذنبين من النار، ويكون ﴿الَّذِينَ شَقُوا﴾ على هذا يعم الكفار والمذنبين.
وقيل: استثنى مدة كونهم في الدنيا وفي البرزخ.
وأما الاستثناء في أهل الجنة فيصح فيه القول الأول والثالث، دون الثاني.
﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي: غير مقطوع.
﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ المرية: الشك، والإشارة إلى عبدة الأصنام؛ أي: لا تشك في فساد دين هؤلاء.
﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ﴾ أي: هم متبعون لآبائهم، تقليدًا من غير برهان.
﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ يعني: من العذاب.
وقرئ ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد؛ على أن تكون ﴿إِنْ﴾ نافيةً، و ﴿لَمَّا﴾ بمعنى «إِلَّا».
﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ يعني: جزاء أعمالهم.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: الكفار، وقيل: إنهم الظَّلَمة من الولاة وغيرهم.
﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ مستأنفٌ غير معطوف، وإنما ذكر بـ ﴿ثُمَّ﴾ لبعد النصرة.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ الآية؛ يراد بها الصلوات المفروضة، فالطرف الأول: الصبح، والطرف الثاني: الظهر والعصر، والزُّلَف من الليل: المغرب والعشاء.
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ لفظه عام، وخصَّصه أهل التأويل بأن الحسنات الصلوات الخمس، ويمكن أن يكون ذلك على وجه التمثيل.
رُوي أن رجلًا قبَّل امرأةً، ثم ندم، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، وصلى معه الصلاة، فنزلت الآية، فقال النبي ﷺ : «أين السائل؟»، فقال: ها أنا ذا، فقال: «قد غُفر لك»، فقال الرجل: ألي خاصة أو للمسلمين عامة؟، فقال: «للمسلمين عامة» (١)، والآية على هذا مدنية.
وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك، وذكرها النبي ﷺ للرجل مستدلًّا بها، والآية على هذا مكية كسائر السورة.
стр. 1206
وإنما تُذهبُ الحسناتُ - عند الجمهور - الصغائرَ إذا اجتُنبتِ الكبائر.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة:
إلى الصلوات.
أو إلى كل ما تقدَّم من وعظ ووعد ووعيد.
﴿فَلَوْلَا﴾ تحضيض بمعنى «هلاَّ».
﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أي: أولو خير ودين بقي لهم دون غيرهم.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناء منقطع، معناه: ولكنَّ قليلًا ممن أنجينا من القرون ينهون عن الفساد في الأرض.
وقيل: هو متصل، فإن الكلام الذي قبله في حكم النفي؛ كأنه قال: ما كان فيهم من ينهى عن الفساد في الأرض إلَّا قليلًا، على أن الوجه في مثل هذا البدل، ويجوز فيه النصب.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: الذين لم ينهوا عن الفساد.
﴿بِظُلْمٍ﴾ هذا المجرور في موضع الحال من ﴿رَبُّكَ﴾، والمعنى: أنه لا يُهلك أهل القرى ظالمًا لهم، تعالى الله عن ذلك.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني: مؤمنة، لا خلاف بينهم في الإيمان.
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني: في الأديان، والملل، والمذاهب.
﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قيل: الإشارة إلى الاختلاف.
стр. 1207
وقيل: إلى الرحمة.
وقيل: إليهما.
﴿وَكُلًّا نَقُصُّ﴾ انتصب ﴿كُلًّا﴾ بـ ﴿نَقُصُّ﴾، و ﴿مَا﴾ بدل من ﴿كُلًّا﴾.
﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ الإشارةُ إلى السورة.
﴿اعْمَلُوا﴾ ﴿وَانتَظِرُوا﴾ تهديدٌ.
стр. 1208
سورة يوسف ﵇
[﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣) إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾].
﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ يعني: القرآن، و ﴿الْمُبِينِ﴾ يحتمل:
أن يكون بمعنى البيّن، فيكون غير متعدٍّ.
أو يكون متعدّيًا، بمعنى أنه أبان الحقَّ؛ أي: أظهره.
﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يتعلّق بـ ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾، أو بـ ﴿عَرَبِيًّا﴾.
﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ يعني: قصة يوسف، أو قصص الأنبياء على الإطلاق.
و ﴿الْقَصَصِ﴾ يكون مصدرًا، أو اسم مفعول؛ بمعنى المقصوص.
فإن أريد به هنا المصدر فمفعول ﴿نَقُصُّ﴾ محذوف؛ لأن ذِكْر القرآن يدلُّ عليه.
стр. 1209
﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ الضمير في ﴿قَبْلِهِ﴾ للقصص؛ أي: من الغافلين عن معرفته، وفي هذا احتجاج على أنه من عند الله؛ لكونه جاء به من غير تعليم.
﴿إِذْ قَالَ﴾ العامل فيه: «اذكر» المضمر، أو ﴿الْقَصَصِ﴾.
﴿يَاأَبَتِ﴾ أي: يا أبي، والتاء للمبالغة.
وقيل: للتأنيث، وكُسِرت دلالةً على ياء المتكلم، والتاء عوض من ياء المتكلم.
﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ كرّر الفعل لطول الكلام، وأجرى الكواكب والشمس والقمر مجرى العقلاء في ضمير الجماعة؛ لما وصفها بفعل مَنْ يعقل، وهو السجود.
وتأويل الكواكب في المنام: إخوته، والشمس والقمر: أبواه، وسجودهم له: تواضعهم له ودخولهم تحت كنفه وهو مَلِك.
﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ إنما قال ذلك؛ لأنه علم أن تأويلها ارتفاع منزلته، فخاف عليه من الحسد.
﴿يَجْتَبِيكَ﴾ يختارك.
﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قيل: هي عبارة الرؤيا، واللفظ أعم من ذلك.
﴿آلِ يَعْقُوبَ﴾ يعني: ذريته.
стр. 1210
[﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠) قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾].
﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: لمن سأل عنها، رُوي أن اليهود سألوا رسول الله ﷺ عن قصة يوسف، أو أمروا قريشًا أن يسألوه عنها، فهم السائلون على هذا، واللفظ أعم من ذلك.
﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ هو بنيامين، وهو أصغر من يوسف، ويقال إنه شقيق يوسف، وكان أصغر أولاد يعقوب.
﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة نقدر على النفع والضر بخلاف الصَّغِيرين، والعصبة: العشرة فما فوقها إلى الأربعين.
стр. 1211
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: في خطاٍ وخروجٍ عن الصواب بإفراط حبة ليوسف وأخيه.
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي: لا يشارككم غيره في محبته لكم وإقباله عليكم.
﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ أي: بالتوبة والاستقامة.
وقيل: هو صلاح حالهم مع أبيهم.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ هو يهوذا، وقيل: روبيل.
﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ غَوْره، وما غاب منه.
﴿السَّيَّارَةِ﴾ جمع سيَّارٍ، وهم القوم الذين يسيرون في الأرض للتجارة، وغيرها.
﴿إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي: هذا هو الرأي إن فعلتموه.
﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ أي: لم تخاف عليه منا؟.
وقرأ السبعة ﴿تَأْمَنَّا﴾ بالإدغام والإشمام؛ لأن أصله بضم النون الأولى.
﴿يَرْتَعِ﴾ مَنْ قرأه بكسر العين فهو من الرَّعي:
أي: من رعي الإبل.
أو من رعي بعضهم لبعض، وحراسته.
ومن قرأه بالإسكان، فهو من الرَّتْع؛ وهو الإقامة في الخِصب والتنعُّم، والتاء على هذا أصلية، ووزن الفعل «يَفْعَلُ».
ووزنه على الأول «يَفْتَعِلُ».
стр. 1212
ومن قرأ ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالياء: فالضمير ليوسف.
ومن قرأ بالنون: فالضمير للمتكلّمين؛ وهم إخوته.
وإنما قالوا: ﴿نَلْعَبْ﴾؛ لأنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء، أو كان اللعب من المباح لتعلم القتال، كالمسابقة بالخيل.
﴿وَأَجْمَعُوا﴾ أي: عزموا، وجواب ﴿فَلَمَّا﴾ محذوف.
وقيل: إنه ﴿وَأَجْمَعُوا﴾، أو ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ على زيادة الواو.
﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ يحتمل أن يكون هذا الوحي: بواسطة ملك، أو بإلهام.
والضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ ليوسف، وقيل: ليعقوب، والأول هو الصحيح.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ في موضع الحال:
من ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾؛ أي: لا يشعرون حين تنبئهم، فيكون خطابًا ليوسف ﵇.
أو من ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾؛ أي: لا يشعرون حين أوحينا إليه، فيكون خطابًا للمحمد ﷺ .
﴿نَسْتَبِقُ﴾ أي: نجري على أقدامنا لننظر أيُّنا يسبق.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي: بمصدّق لمقالتنا.
﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي: لا تصدِّقُنا ولو كنا عندك من أهل الصدق، فكيف وأنت تتهمنا!.
стр. 1213
وقيل: معناه: لا تصدقُنا وإن كنا صادقين في هذه المقالة، فذلك على وجه المغالطة منهم.
والأول أظهر.
﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: ذي كذب، أو وُصِف بالمصدر مبالغة.
وروي أنهم لطخوا قميصه بدم جَدْيٍ، وقالوا ليعقوب: هذا دمه في قميصه، فقال لهم: ما بال الذئب أكله ولم يَخرِق قميصه؟، فاستدلَّ بذلك على كذبهم.
﴿سَوَّلَتْ﴾ زيَّنت.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ وعد من نفسه بالصبر، وارتفاعه على أنه:
مبتدأ، تقديره: صبر جميل أمثل.
أو خبر مبتدإ، تقديره: شأني صبر جميل.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ رُوي أن هؤلاء (١) السيارة من مَدين، وقيل: هم أعراب.
﴿وَارِدَهُمْ﴾ الوارد: هو الذي يستقي الماء لجماعة، ونقل السهيلي أن اسم هذا الوارد: مالك بن ذُعْرٍ من العرب العاربة، ولم يكن له ولد، فسأل يوسف أن يدعو له بالولد فدعا له، فرزقه الله اثني عشر ولدًا، أعقب كلُّ واحد منهم قبيلةً (٢).
стр. 1214
﴿قَالَ يَابُشْرَى﴾ أي: نادى البُشرى، كقولك: يا حسرة، وأضافها إلى نفسه.
وقرئ: ﴿يَابُشْرَى﴾ بحذف ياء المتكلم، والمعنى كذلك.
وقيل على هذه القراءة: نادى رجلًا منهم اسمه بشرى، وهذا بعيد.
ولما أدلى الواردُ الحبلَ في الجب تعلَّق به يوسف فحينئذ قال: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾.
﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ الضمير الفاعل للسيارة، والضمير المفعول ليوسف، أي: أخفوه من الرُّفقة، وقالوا لهم: دفعَهُ لنا قوم لنبيعه لهم بمصر.
﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي: باعوه، والضمير أيضًا للذين أخذوه.
وقيل: الضمير لإخوة يوسف، وأنهم رجعوا إليه فقالوا للسيارة: هذا عبدنا.
﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: ناقصٍ عن قيمته.
وقيل: البخس هنا: الظلم.
﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ عبارةٌ عن قلَّتها.
﴿وَكَانُوا﴾ الضمير للذين أخذوه، أو لإخوته.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ في عودةِ الضمير وجهان:
أحدهما: أن يعود على الله؛ فالمعنى: أنه يفعل ما يشاء لا رادَّ لأمره.
والثاني: أنه يعود على يوسف؛ أي: يدبّر الله أمره بالحفظ له والكرامة.
﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قيل: الأشدُّ البلوغ، وقيل: ثمانَ عشرة سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون، وقيل: أربعون.
﴿حُكْمًا﴾ هو الحِكمة أو (١) النبوة.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: طلبت منه ما يكون من الرجل إلى المرأة (٢)، وهي زليخا امرأة العزيز.
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ روي أنها كانت سبعة أبواب.
﴿هَيْتَ لَكَ﴾ اسم فعل معناه: تعال وأقبل.
وقرئ بفتح الهاء وكسرها، وبفتح التاء وكسرها وضمها، والمعنى في ذلك كله واحد، وحركات التاء للبناء.
وأما من قرأه بالهمز؛ فهو فعل من تهيَّأْتُ، كقولك: جئت.
﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ منصوب على المصدرية، والمعنى: أعوذ بالله.
﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ يَحتمل أن يكون الضمير:
لله تعالى.
стр. 1217
أو للذي اشتراه؛ لأن السيد يقال له ربّ، فالمعنى لا ينبغي لي أن أخونه.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ الضمير للأمر والشأن، ويحتمل ذلك في الأوّل.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ أكثر الناس الكلام في هذه الآية حتى ألفوا فيها التواليف، فمنهم مُفْرِط ومُفَرِّط.
وذلك أن منهم من جعل همَّ المرأة وهمَّ يوسف من حيث الفعل الذي أرادته، وذكروا في ذلك رواياتٍ من جلوسه بين رجليها، وحلِّه للتِّكَّة وغير ذلك، مما لا ينبغي أن يقال به؛ لضعف نقله، ولنزاهة الأنبياء عن مثله.
ومنهم من جعل أنها همَّت به لتضربه على امتناعه، وهمَّ بها ليقتلها، أو يضربها ليدفعها، وهو بعيدٌ، يرده قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾.
ومنهم من جعل همَّها به من حيث مرادها، وهمه بها ليدفعها، وهذا أيضًا بعيد؛ لاختلاف سياق الكلام.
والصواب إن شاء الله: أنها همت به من حيث مرادُها، وهمَّ بها كذلك، لكنه لم يعزم على ذلك، ولم يبلغ إلى ما ذُكِرَ مِنْ حلِّ التكة وغيرها، بل كان همُّه خَطْرةً خطرت على قلبه لم يُطِعْها، ولم يتابعها، ولكنه بادر إلى التوبة والإقلاع عن تلك الخطرة حتى محاها من قلبه لما رأى برهان ربه، ولا يَقْدَحُ هذا في عصمة الأنبياء؛ لأن الهمَّ بالذنب ليس بذنب، ولا نقص عليه في ذلك؛ فإنه من همَّ بذنب ثم تركه كتبت له حسنة.
﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ جوابه محذوف، تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، وإنما حذف؛ لأن قوله ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ يدلُّ عليه.
стр. 1218
وقد قيل: إن ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ هو الجواب، وهذا ضعيف؛ لأن جواب «لولا» لا يتقدَّم عليها.
واختُلف في البرهان الذي رآه:
فقيل: ناداه جبريل: يا يوسف تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء!.
وقيل: رأى يعقوب ينهاه.
وقيل: تفكَّر فاستبصر.
وقيل: رأى زليخا غطَّت وجه صنم لها حياءً منه، فقال: أنا أولى أن أستحيي من الله.
﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ﴾ الكاف:
في موضع نصب، متعلقة بفعل مضمر، التقدير: ثبتناه مثل ذلك التثبيت.
أو في موضع رفع، تقديره: الأمر مثل ذلك.
﴿السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ خيانة سيده، والوقوع في الزنا.
﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ قرئ بفتح اللام حيث وقع؛ أي: الذين أخلصهم الله لطاعته.
وبالكسر؛ أي: أخلصوا دينهم لله.
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ معناه: سابق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب، فقصد هو الخروج والهروب عنها، وقصدت هي أن تردَّه.
стр. 1219
فإن قيل: كيف قال هنا: ﴿الْبَابَ﴾ بالإفراد، وقد قال بالجمع: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾؟
فالجواب: أن المراد هنا الباب البَرَّاني الذي هو المخرج من الدار.
﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي: قطعته من وراء، وذلك أنها قبضت في قميصه من خلفه لتردَّه، فتخرَّق القميص، والقدُّ: القطع بالطول، والقَطُّ: بالعرض.
﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ أي: وجدا زوجها عند الباب.
﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ لما رأت الفضيحة عكست القضية، وادَّعت أن يوسف راودها عن نفسها، فذكرت جزاء كلِّ من فعل ذلك على العموم، ولم تصرِّح بذكر يوسف؛ لدخوله في العموم، وبناء على أن الذنب ثابت عليه بدعواها.
و ﴿مَا جَزَاءُ﴾ يحتمل أن تكون «ما»: نافيةً، أو استفهامية.
﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ برَّأ نفسه من دعواها.
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ قيل: هو ابن عمها، وقيل: كان طفلًا في المهد فتكلم.
وكونه من أهلها أوجبُ للحجة عليها وأوثقُ لبراءة يوسف.
وكونه لم يتكلم قط، ثم تكلم بذلك كرامةً ليوسف ﵇.
والتقدير: شهد شاهد فقال، أو ضُمّنت الشهادة معنى القول.
﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ لأنها كانت تدافعه فتقدُّ قميصه من قبل.
стр. 1220
﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ لأنها جبذته إلى نفسها حين فرَّ منها، فقدَّت (١) قميصه من دبر.
﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ فاعل ﴿رَأَى﴾: زوجها، أو الشاهد.
﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ الضمير للأمر، أو لقولها: ﴿مَا جَزَاءُ﴾.
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي: اكتمه ولا تحدِّث به، و ﴿يُوسُفُ﴾ منادى حذف منه حرف النداء؛ لأنه قريب، وفي حذف الحرف إشارة إلى تقريبه وملاطفته.
﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ﴾ خطابٌ لها، وذلك من كلام زوجها، أو من كلام الشاهد.
﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ جاء بلفظ التذكير، ولم يقل «من الخاطئات»؛ تغليبًا للذكور.
стр. 1221
[﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾].
﴿نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أي: في مصر، روى أنهن خمس نسوة: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب.
﴿فَتَاهَا﴾ أي: خادمها، والفتى يقال بمعنى الشاب، وبمعنى الخادم.
﴿شَغَفَهَا﴾ بلغ شغاف قلبها وهو غلافه.
وقيل: السويداء منه.
وقيل: الشغاف: داء يصل إلى القلب.
﴿سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي: بقولهن، وسماه مكرا؛ لأنه كان في خفية.
وقيل: كانت قد استكتمتهن سرها فأفشينه عليها.
﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أي: أعتدت لهن ما يتكأ عليه من الفرش ونحوها.
وقيل: المتكأ: طعام.
стр. 1222
وقرئ في الشاذ: «مُتَّكًا» بسكون التاء وتنوين الكاف، وهو الأُتْرُجُّ.
وإعطاؤها السكاكين لهنَّ يدلُّ على أن الطعام كان مما يقطع بالسكاكين كالأترج، وقيل: كان لحمًا.
﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أمرٌ ليوسف، وإنما أطاعها؛ لأنه كان مملوك زوجها.
﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: عظَّمن شأنه وجماله.
وقيل: معنى أكبرن: حِضْنَ، والهاء للسكت، وهذا بعيد جدًّا.
﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي اشتغلن بالنظر إليه، وبُهِتْنَ من جماله حتى قطّعن أيديهن وهنَّ لا يشعرن كما يقطع الطعام.
﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ معناه براءة وتنزيه؛ أي: تنزيهٌ لله وتعجب من قدرته على خلقة مثله.
و «حاش» في باب الاستثناء تخفض على أنها حرف، وأجاز المبرد النصب بها على أن تكون فعلًا.
وأما هنا: فقال أبو علي الفارسي: إنها فعل، والدليل على ذلك من وجهين:
أحدهما: أنها دخلت على لام الخبر وهو اللام في قوله ﴿لِلَّهِ﴾، ولا يدخل الحرف على حرف.
والآخر: أنها حذفت منها الألف على قراءة الجماعة، والحروف لا يحذف منها شيء، وقرأها أبو عمرو بالألف على الأصل، وإنما تحذف من الأفعال كقولك: لم يكُ، ولا أدرِ.
стр. 1223
والفاعل بـ ﴿حَاشَ﴾ ضمير يعود على يوسف، تقديره: بَعُدَ يوسفُ عن الفاحشة لخوف الله.
وقال الزمخشري: إن ﴿حَاشَ﴾ وُضع موضع المصدر، كأنه قال: «تنزيها»، ثم قال: «لله»؛ ليبين من ينزه، قال: وإنما حذف منه التنوين مراعاةً لأصله من الحرفية (١).
﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ أخرجنه من البشر، وجعلنه من الملائكة؛ مبالغة في وصفه بالحسن.
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ توبيخ لهن على اللوم (٢).
﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: طلب العصمة، وامتنع مما أرادت منه.
﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي: أَمِلْ (٣)، وكلامه هذا تضرُّعٌ إلى الله.
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهر، والفاعل محذوف، تقديره: رأيٌ، والضمير في ﴿لَهُمْ﴾:
لزوجها وأهلها.
أو (٤) من تشاور معه في ذلك.
﴿رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ أي: الأدلة على براءته.
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قيل: معناه: في تأويل الرؤيا.
وقيل: إحسانه إلى أهل السجن.
﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ الآية؛ تقتضي أنه وصف لهما نفسه بكثرة العلم؛ ليجعل ذلك وُصْلةً إلى دعائهما لتوحيد الله.
وفيه وجهان:
أحدهما: أنه قال: إنه يخبرهما بكل ما يأتيهما في الدنيا من طعام قبل أن يأتيهما، وذلك من الإخبار بالغيوب الذي هو معجزة للأنبياء.
والآخر: أنه قال: لا يأتيكما طعام في المنام إلَّا أخبرتكما بتأويله قبل أن يظهر تأويله في الدنيا.
﴿ذلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ رُوي أنهما قالا له: من أين لك هذا العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم؟ فقال: ﴿ذلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾.
﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون هذا الكلام:
تعليلًا لما قبله من قوله: ﴿عَلَّمَنِي رَبِّي﴾.
أو يكون استئنافًا.
﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ نسبهما إلى السجن:
إما لأنهما سكناه.
أو لأنهما صَحِباه فيه، فكأنه قال: يا صاحبيَّ في السجن.
﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ﴾ الآية؛ دعاهما إلى توحيد الله، وأقام عليهما
стр. 1226
الحجة؛ رغبة في إيمانهما.
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ أوقع الأسماء هنا موقع المسمَّيات، والمعنى: سميتم آلهةً ما لا يستحق الإلهية، ثم عبدتموها (١).
﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: حجة وبرهان.
﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ يعني: الملك.
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ الظن هنا يحتمل:
أن يكون بمعنى اليقين؛ لأن قوله: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يقتضي ذلك.
أو يكون على بابه؛ لأنه عبارة الرؤيا ظنٌّ.
﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: عند الملك.
﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ قيل: الضمير ليوسف؛ أي: نسي في ذلك الوقت أن يذكر الله، ورجا غيره، فعاقبه الله على ذلك بأن لبث في السجن.
وقيل: الضمير للذي نجا منهما، وهو السَّاقي؛ أي: نسي ذِكْرَ يوسف عند ربه، فأضاف الذِّكر إلى ربه؛ إذهو عنده، والربُّ على هذا التأويل: الملك.
﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ البضع: من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى التسعة.
وروي أن يوسف ﵇ سُجِن خمس سنين أولًا، ثم سجن بعد قوله ذلك سبع سنين.
стр. 1227
[﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾].
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ هو ملك مصر الذي كان العزيز خادمًا له، واسمه ريان بن الوليد، وقيل: مصعب بن الريان، وكان من الفراعنة.
وقيل: إنه فرعون موسى، عُمِّر أربع مئة سنة حتى أدركه موسى، وهذا بعيد.
﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ يعني: في المنام.
﴿عِجَافٌ﴾ أي: ضعاف في غاية الهزال.
﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ خطاب لجلسائه وأهل دولته.
﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ أي: تعرفون تأويلها، يقال: عبرتُ الرؤيا بتخفيف الباء، وأنكر بعضهم التشديد، وهو مسموع من العرب.
وأدخلت اللام على المفعول به لما تقدَّم عن الفعل.
﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من
стр. 1228
حديثُ نفسٍ ووسوسة شيطانٍ بحيث لا يُعْبَرُ.
وأصل الأضغاث: ما جُمِع من أخْلاط النبات، واحده: ضِغْثٌ.
فإن قيل: لم قال ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ بالجمع، وإنما كانت الرؤيا واحدةً؟
فالجواب: أن هذا كقولك: فلان يركب الخيل، وإن ركب فرسًا واحدًا.
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ إمَّا أن يريدوا:
تأويل الأحلام الباطلة.
أو تأويل الأحلام على الإطلاق، وهو الأظهر.
﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ هو ساقي الملك.
﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد حينٍ.
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ يُقَدَّر قبله محذوفٌ لا بد منه، وهو: فأرسلوه فقال: يا يوسف.
وسمَّاه صديقًا؛ لأنه كان قد جرَّب صِدْقَه في تعبير الرؤيا وغيرها، والصِّدِّيق مبالغة في الصِّدق.
﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ أي: فيمن رأى سبع بقرات، وكان الملك قد رأى سبع بقرات سمان أكلتهن سبع عجاف، فعجب كيف غلبتهنَّ؟ وكيف وسعت في بطونهنَّ؟، ورأى سبع سنبلات خضر، وقد التفتْ بها سبعٌ يابسات، حتى غطَّتْ خضرتها.
﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ﴾ هذا تعبيرٌ للرؤيا، وذلك أنه عبَّر البقرات السّمان
стр. 1229
بسبع سنين مخصبةٍ، وعبّر البقرات العجاف بسبع سنين مجدبةٍ، وكذلك السنبلات الخضر واليابسة.
﴿دَأْبًا﴾ بسكون الهمزة وفتحها، مصدر دأب على العمل: إذا داوم عليه، وهو مصدر في موضع الحال.
﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ هذا رأيٌ أرشدهم يوسف إليه، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين، فعلَّمهم حيلةً يبقى بها من السنين المخصبة إلى السنين المجدبة، وهي أن يتركوه في سنبله غير مدروس (١)، فإن الحبة إذا بقيت في غشائها انحفظت.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: لا تَدْرُسُوا منه إلَّا ما يُحتاج للأكل خاصة.
﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ يعني: سبع سنين ذات شدَّةٍ وجوع.
﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي: تأكلون فيهنَّ ما اختزنتم من الطعام في سنبله، وأسند الأكل إلى السنين مجازًا.
﴿مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ أي: تُحْرِزون (٢) وتُخَبِّئون.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ هذا زيادةٌ على ما تقتضيه الرؤيا، وهو الإخبار بالعام الثامن.
﴿يُغَاثُ النَّاسُ﴾ يحتمل أن يكون:
من الغيث؛ أي: يُمطرون.
стр. 1230
أو من الغوث؛ أي: يفرِّجُ الله عنهم.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي: يعصرون الزيتون والعنب والسمسم وغير ذلك مما يعصر.