← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الحجة؛ رغبة في إيمانهما. ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ أوقع الأسماء هنا موقع المسمَّيات، والمعنى: سميتم آلهةً ما لا يستحق الإلهية، ثم عبدتموها (١). ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: حجة وبرهان. ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ يعني: الملك. ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ الظن هنا يحتمل: أن يكون بمعنى اليقين؛ لأن قوله: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يقتضي ذلك. أو يكون على بابه؛ لأنه عبارة الرؤيا ظنٌّ. ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: عند الملك. ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ قيل: الضمير ليوسف؛ أي: نسي في ذلك الوقت أن يذكر الله، ورجا غيره، فعاقبه الله على ذلك بأن لبث في السجن. وقيل: الضمير للذي نجا منهما، وهو السَّاقي؛ أي: نسي ذِكْرَ يوسف عند ربه، فأضاف الذِّكر إلى ربه؛ إذهو عنده، والربُّ على هذا التأويل: الملك. ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ البضع: من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى التسعة. وروي أن يوسف ﵇ سُجِن خمس سنين أولًا، ثم سجن بعد قوله ذلك سبع سنين.

стр. 1227

[﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾]. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ هو ملك مصر الذي كان العزيز خادمًا له، واسمه ريان بن الوليد، وقيل: مصعب بن الريان، وكان من الفراعنة. وقيل: إنه فرعون موسى، عُمِّر أربع مئة سنة حتى أدركه موسى، وهذا بعيد. ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ يعني: في المنام. ﴿عِجَافٌ﴾ أي: ضعاف في غاية الهزال. ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ خطاب لجلسائه وأهل دولته. ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ أي: تعرفون تأويلها، يقال: عبرتُ الرؤيا بتخفيف الباء، وأنكر بعضهم التشديد، وهو مسموع من العرب. وأدخلت اللام على المفعول به لما تقدَّم عن الفعل. ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من

стр. 1228

حديثُ نفسٍ ووسوسة شيطانٍ بحيث لا يُعْبَرُ. وأصل الأضغاث: ما جُمِع من أخْلاط النبات، واحده: ضِغْثٌ. فإن قيل: لم قال ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ بالجمع، وإنما كانت الرؤيا واحدةً؟ فالجواب: أن هذا كقولك: فلان يركب الخيل، وإن ركب فرسًا واحدًا. ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ إمَّا أن يريدوا: تأويل الأحلام الباطلة. أو تأويل الأحلام على الإطلاق، وهو الأظهر. ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ هو ساقي الملك. ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد حينٍ. ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ يُقَدَّر قبله محذوفٌ لا بد منه، وهو: فأرسلوه فقال: يا يوسف. وسمَّاه صديقًا؛ لأنه كان قد جرَّب صِدْقَه في تعبير الرؤيا وغيرها، والصِّدِّيق مبالغة في الصِّدق. ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ أي: فيمن رأى سبع بقرات، وكان الملك قد رأى سبع بقرات سمان أكلتهن سبع عجاف، فعجب كيف غلبتهنَّ؟ وكيف وسعت في بطونهنَّ؟، ورأى سبع سنبلات خضر، وقد التفتْ بها سبعٌ يابسات، حتى غطَّتْ خضرتها. ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ﴾ هذا تعبيرٌ للرؤيا، وذلك أنه عبَّر البقرات السّمان

стр. 1229

بسبع سنين مخصبةٍ، وعبّر البقرات العجاف بسبع سنين مجدبةٍ، وكذلك السنبلات الخضر واليابسة. ﴿دَأْبًا﴾ بسكون الهمزة وفتحها، مصدر دأب على العمل: إذا داوم عليه، وهو مصدر في موضع الحال. ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ هذا رأيٌ أرشدهم يوسف إليه، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين، فعلَّمهم حيلةً يبقى بها من السنين المخصبة إلى السنين المجدبة، وهي أن يتركوه في سنبله غير مدروس (١)، فإن الحبة إذا بقيت في غشائها انحفظت. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: لا تَدْرُسُوا منه إلَّا ما يُحتاج للأكل خاصة. ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ يعني: سبع سنين ذات شدَّةٍ وجوع. ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي: تأكلون فيهنَّ ما اختزنتم من الطعام في سنبله، وأسند الأكل إلى السنين مجازًا. ﴿مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ أي: تُحْرِزون (٢) وتُخَبِّئون. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ هذا زيادةٌ على ما تقتضيه الرؤيا، وهو الإخبار بالعام الثامن. ﴿يُغَاثُ النَّاسُ﴾ يحتمل أن يكون: من الغيث؛ أي: يُمطرون.

стр. 1230

أو من الغوث؛ أي: يفرِّجُ الله عنهم. ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي: يعصرون الزيتون والعنب والسمسم وغير ذلك مما يعصر.

стр. 1231

[﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾]. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ قَبْلَ هَذا محذوفٌ، وهو: فرجع الرسول إلى الملك فقصَّ عليه مقالة يوسف، فرأى علمه وعقله، فقال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾. ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ﴾ لما أمر الملك بإخراج يوسف من السجن وإتيانه إليه، أراد يوسف أن يبرِّئ نفسه مما نُسب إليه من مراودة امرأة العزيز عن نفسها، وأن يُعلم الملك وغيره أنه سُجن ظلمًا، فذكَر طرفًا من قصَّته لينظر الملك فيها فيتبيَّن له الأمر، وكان هذا الفعل من يوسف صبرًا وحلمًا، إذا لم يُجب إلى الخروج من السجن ساعةَ دُعِيَ إلى ذلك بعد طول المدَّة، ومع ذلك فإنه لم يذكر امرأة العزيز؛ رَعْيًا لِذِمَام زوجها وستْرًا لها، بل ذكر النسوة اللَّاتي قطَّعن أيديهنَّ. ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ﴾ الآيَةُ؛ جمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهنَّ، فسألهنَّ عن قصة يوسف، وأسند المراودة إلى جميعهن؛ لأنه لم يكن عنده علم بأنَّ امرأة العزيز هي التي راودته وحدها.

стр. 1232

﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تبرئةٌ ليوسف. أو تبرئةٌ لأنفسهن من مراودته، وتكون تبرئة يوسف بقولهن: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾. ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: تبَيَّن وظهر، ثم اعترفت على نفسها بالحق. ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قيل: إنه من كلام امرأة العزيز متصلًا بما قبله، والضمير في ﴿لِيَعْلَمَ﴾ و ﴿أَخُنْهُ﴾ على هذا ليوسف ﵇؛ أي: ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال غيبته، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى توبتها وإقرارها. وقيل: إنه من كلام يوسف ﵇، فالضمير للعزيز؛ أي: لم أخنه في زوجته في غيبته، بل تعفَّفتُ عنها، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى توقُّفه عن الخروج من السجن حتى تظهر براءته. ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ اختلف أيضًا هل هو من كلام امرأة العزيز، أو من كلام يوسف؟. فإن كان من كلامها: فهو اعترافٌ بعد الاعتراف. وإن كان من كلامه: فهو اعترافٌ بما همَّ به على وجه خُطُورِهِ على قلبه، لا على وجه العزم والقصد. أو قاله في عموم الأحوال على وجه التواضع. ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ النفس هنا للجنس، والنفوس ثلاثة أنواع:

стр. 1233

أمارة بالسوء، ولوَّامة؛ وهي التي تلوم صاحبها، ومطمئنة. ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ استثناءٌ من ﴿النَّفْسَ﴾؛ إذ هي بمعنى النُّفوس، أي: إلَّا النفس المرحومة وهي المطمئنة، فـ «ما» على هذا بمعنى الذي. ويحتمل أن تكون ظرفية؛ أي: إلَّا حين رحمة الله. ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي: أجعله خاصَّتي وخلاصتي، قال أولًا: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾، فلما تبين له حاله قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾. ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي: لما رأى حُسن كلامه وعرف وفور عقله وعلمه قال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾، والمكين: من التَّمكين، والأمين: من الأمانة. ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ لما فهم يوسف من الملك أنه يريد تصريفه والاستعانة به قال له ذلك، وإنما طلب منه الولاية رغبةً منه في العدل وإقامة الحق والإحسان، وكان هذا الملك كافرًا. ويُستدلُّ بذلك على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر إذا علم أنه يُصلح بعض الأحوال. وقيل: إن الملك أسلم. وأراد بقوله: ﴿خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾: أرض مصر؛ إذ لم يكن للملك غيرها، والخزائن: كل ما يختزن من طعام ومال وغير ذلك. ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ صفتان تعمُّ (١) وجوه المعرفة والضبط للخزائن.

стр. 1234

وقيل: حفيظٌ للحساب، عليمٌ بالألسن، واللفظ أعم من ذلك. ويُستدلُّ بذلك أنه يجوز للرجل أن يعرِّف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جُهل أمره، وإذا (١) كان في ذلك فائدة. ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ الإشارة بـ «ذلك» إلى ما تقدَّم من جميل صنع الله به. ورُوي أن الملك ولَّاه في موضع العزيز، وأسند إليه جميع الأمور حتى تغلَّب على أمره، وأن امرأة العزيز شاخت وافتقرت، فتزوجها يوسف ودعا الله، فردَّ عليها جمالها وشبابها، وأنه باع من أهل مصر في أعوام القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق لهم شيء منها، ثم بالحلي، ثم بالدواب، ثم بالضِّياع والعقار، ثم برقابهم حتى تملَّكهم جميعًا، ثم أعتقهم وردَّ عليهم أملاكهم. ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ الرحمة هنا: يراد بها الدنيا، وكذلك الأجر في قوله: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ بدليل قوله بعد ذلك: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾، فأخبر تعالى أن رحمته في الدنيا يصيب بها من يشاء من مؤمن وكافر ومطيع وعاص، وأن المحسن لا بدَّ له من أجره في الدنيا، فالأول: في المشيئة، والثاني: واقعٌ لا محالة، ثم أخبر أن أجر الآخرة خيرٌ من ذلك كلّه للذين آمنوا وكانوا يتقون. وفي الآية إشارةٌ إلى أن يوسف ﵇ جمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة.

стр. 1235

[﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾]. ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ كان سبب مجيئهم أنهم أصابتهم مجاعة في بلادهم فخرجوا إلى مصر ليشتروا بها من الطعام الذي ادّخره يوسف. ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ إنما أنكروه لبعد العهد به وتغير سنّه، أو لأنه كان متلثما. وروي أنهم دخلوا عليه وهو على (١) هيئة عظيمة من الملك، وأنه سألهم

стр. 1236

عن أحوالهم، وأخبروه أنهم تركوا أخًا لهم (عند أبيهم) (١)، فحينئذ قال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾، وهو بنيامين شقيق يوسف. ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ الْجهاز: ما يحتاج إليه المسافر من زاد وغيره، والمراد به هنا: الطعام الذي باع منهم. ﴿خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ أي: المضيفين. ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أي: نفعل ذلك لا محالة. ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ جمع فتًى، وهو الخادم سواء كان حرًا أو عبدًا. ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ أمر أن يجعلوا البضاعة التي اشتروا منه بها الطعام في أوعيتهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ أي: لعلهم يعرفون اليد والكرامة في ردِّ البضاعة إليهم، وليس الضمير للبضاعة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لعل معرفتهم بها تدعوهم إلى الرجوع، وقصد بردِّ البضاعة إليهم مع الطعام استئلافهم بالإحسان إليهم. ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾، فهو خوف من المنع في المستقبل. ﴿نَكْتَلْ﴾ وزنه نَفْتَعِل من الكيل. ﴿مَا نَبْغِي﴾ ﴿مَا﴾ استفهامية، و ﴿نَبْغِي﴾ بمعنى: نطلب، والمعنى: أيُّ شيء نطلبه بعد هذه الكرامة، وهي ردُّ البضاعة مع الطعام؟.

стр. 1237

ويحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ نافية، و ﴿نَبْغِي﴾ من البغي؛ أي: لا نتعدَّى على أخينا ولا نكذب على الملك. ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: نسوق لهم الطعام. ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يريدون بعير أخيهم؛ إذ كان يوسف لا يعطي إلا كيل بعير من الطعام لإنسان، فأعطاهم عشرة أبعرة، ومنعهم الحادي عشر؛ لغيبة صاحبه حتى يأتي، والبعير: الجمل. ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ إن كانت الإشارة إلى الأحمال فالمعنى: أنها قليلة لا تكفيهم حتى يضاف إليها كيل بعير. وإن كانت الإشارة إلى ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ فالمعنى: أنه يسيرٌ على يوسف؛ أي: قليل عنده أو سهلٌ عليه، فلا يمنعهم منه. ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أراد أن يحلفوا له، و ﴿لَتَأْتُنَّنِي﴾ جواب اليمين. ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلَّا أن تُغلبوا، فلا تطيقون الإتيان به. ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ خاف عليهم من العين إن دخلوا مجتمعين؛ إذ كانوا أهل جمالٍ وهيئة. ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ جواب ﴿وَلَمَّا﴾، والمعنى: أن ذلك لا يدفع ما قضى الله. ﴿إِلَّا حَاجَةً﴾ استثناءٌ منقطع، والحاجة هنا: هي شفقته عليهم ووصيته لهم.

стр. 1238

[﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾]. ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أي: ضمَّه. ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ أخبره بأنه أخوه، واستكتمه ذلك. ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ أي: لا تحزن؛ وهو من البؤس. ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الضمير لإخوة يوسف، ويعني: ما فعلوا بيوسف وأخيه. ويحتمل أن يكون لفتيانه؛ أي: لا تبالي بما تراه من تحيلي في أخذك. ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ السِّقاية هي الصواع، وهو إناءٌ يشرب به.

стр. 1239

الملك، ويكال به الطعام، وكان من فضة، وقيل: من ذهب. وقصَد بجعْلِه في رحل أخيه أن يحتال على إمساكه معه؛ إذ كان شَرْعُ يعقوب أنَّ مَنْ سرَق استعبَده المسروقُ له. ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي: نادى منادٍ. ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أي: أيتها الرفقة. ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ خطابٌ لأخوة يوسف، وإنما استحلَّ أن يرميَهم بالسرقة لما في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه. وقيل: إن حافظ السقاية نادى: إنكم لسارقون، بغير أمر يوسف، وهذا بعيدٌ؛ لتفتيش الأوعية. ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي: لمن وجده ورده حِمْلُ بعير من طعام على وجه الجُعْل. ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي: ضامنٌ لحمل البعير لمن ردَّ الصواع، وهذا من كلام المنادي. ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ استشهدوا بعلمهم؛ لما ظهر لهم من ديانتهم في دخولهم أرضهم، حتى كانوا يجعلون الأكِمَّةَ في أفواه إبلهم؛ لئلا تنال زروع الناس. ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي: قال فتيان يوسف: ما جزاء آخِذ الصواع إن كنتم كاذبين في قولكم: ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾، فالضمير في قوله: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ يعود على الآخِذ المفهوم من الكلام.

стр. 1240

﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ المعنى: أن إخوة يوسف أفتوا فيما سُئلوا عنه فقالوا: جزاء السارق أن يُستعبد، ويُؤخَذَ في السرقة. وأما الإعراب فيحتمل وجهين: الأول: أن يكون ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الأول مبتدأ، و ﴿مَنْ﴾ مبتدأ وهي شرطية أو موصولة، وخبرها ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾، والجملة خبر ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الأول. والوجه الثاني: أن يكون ﴿مَنْ﴾ خبر المبتدأ الأول على حذف مضاف، وتقديره: جزاؤه أخذُ مَنْ وُجد في رحله، وتمَّ الكلام، ثم قال: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾؛ أي: هذا الحكم جزاؤه. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ من كلام إخوة يوسف؛ أي: هذا حُكمنا في السارق. وقد كان هذا الحكم في أول الإسلام، ثم نسخ بقطع الأيدي. ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ هذا تمكين للحيلة، ورفع للتهمة. ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ ليصحَّ له بذلك إمساكه معه، وإنما أنَّث الصواع في هذا الموضع؛ لأنه سقاية، أو لأن الصواع يذكَّر ويؤنث. ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي: صنعنا له هذا الصُّنع. ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي: في شَرْعه أو عادته؛ لأنه إنما كان جزاء السارق عنده أن يُضرب ويُضعَّف عليه الغرم، ولكن حكم في هذه القضية بحكم آل يعقوب. ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ يعني: الرفعة بالعلم؛ بدليل ما بعده.

стр. 1241

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أي: فوق كل عالم مَنْ هو أعلم منه من البشر، أو الله . ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ الضمير في ﴿قَالُوا﴾ لإخوة يوسف، وأشاروا إلى يوسف، ومعنى كلامهم: إن يسرق بنيامين فقد سرق أخوه يوسف من قبل؛ فهذا الأمر إنما صدر من ابني راحيل (١)، لا مِنَّا، وقصدوا بذلك رفع المَعَرَّة عن أنفسهم، ورموا بها يوسف وشقيقه. واختلف في السرقة التي رموا بها يوسف على ثلاثة أقوال: الأول: أن عمّته ربَّتْه، فأراد والده أن يأخذه منها، وكانت تحبه ولا تصبر عنه، فجعلت عليه مِنْطَقَةً لها، ثم قالت: إنه أخذها، فاستعبدته بذلك، وبقي عندها إلى أن ماتت. والثاني: أنه أخذ صنما لجدِّه والدِ أمِّه فكسره. والثالث: أنه كان يأخذ الطعام من دار أبيه ويعطيه المساكين. ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ قال الزمخشري: الضمير للجملة التي بعد ذلك؛ وهي قوله: ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾، والمعنى: قال في نفسه: ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ (٢). وقال ابن عطية: الضمير للحزازة التي وجد في نفسه من قولهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، أسرّ كراهية مقالتهم، ثم جاهرهم بقوله: ﴿أَنتُمْ

стр. 1242

شَرٌّ مَكَانًا﴾؛ أي: لسوء أفعالكم (١). ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ إشارةٌ إلى كذبهم فيما وصفوه به من السرقة. ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ استعطافٌ، وكانوا قد أعلموه بشدَّة محبة أبيه فيه. ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ على وجه: الضمان، أو (٢) الاسترهان، أو الاستعباد، وهذا هو الأظهر؛ لقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: أحسنت إلينا فيما فعلت معنا قبلُ، أو على الإطلاق.

стр. 1243

[﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾]. ﴿اسْتَيْأَسُوا﴾ أي: يئسوا. ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي: انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضا. والنجي يكون: بمعنى المناجي، ومصدرًا.

стр. 1244

﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قيل: كبيرهم في السن؛ وهو روبيل. وقيل: كبيرهم في الرأي؛ وهو شمعون. وقيل: يهوذا. ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ تحتمل ﴿مَا﴾ وجوهًا: الأول: أن تكون زائدةً. والثاني: أن تكون مصدريةً، ومحلها الرفع بالابتداء، تقديره وقع من قبلُ (١) تفريطكم في يوسف. والثالث: أن تكون موصولةً، ومحلها أيضًا الرفع كذلك. والأول أظهر. ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ يريد: الموضع الذي وقعت فيه القصة. ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ من قول كبيرهم. وقيل: من قول يوسف، وهو بعيد. ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ قرأ الجمهور بفتح السين والراء. وروي عن الكسائي «سُرِّقَ» بضم السين وكسر وتشديد الراء؛ أي: نُسبتْ له السرقة. ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ أي: قولنا لك: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ إنما هي شهادة بما علمنا من ظاهر ما جرى.

стр. 1245

﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: لا نعلم الغيب هل ذلك حقٌّ في نفس الأمر، أم لا؛ إذ يمكن أن دُسَّ الصُّواع في رحله من غير علمه. وقال الزمخشري: المعنى: ما شهدنا إلَّا بما علمنا من سرقته وتيقَّنَّاه؛ لأن الصواع استُخرج من وعائه، ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق (١). وقراءة ﴿سَرَقَ﴾ بالفتح تعضد قول الزمخشري، والقراءة بالضم تعضد القول الأول. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ تقديره: واسأل أهل القرية، وكذلك: أهل العير؛ يعنون الرفقة، هذا قول الجمهور. وقيل: المراد سؤال القرية بنفسها والعير بنفسها، ولا يبعد أن تخبره الجمادات؛ لأنه نبيٌّ. والأول أظهر وأشهر على أنه مجاز. والقرية هنا: هي مصر. ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ قبله محذوفٌ تقديره: فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له هذا الكلام، فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ الآية. ﴿بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يعني: يوسف، وأخاه بنيامين، وأخاهم الكبير الذي قال: لن أبرح الأرض. ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ لما لم يصدِّقهم أعرض عنهم، ورجع إلى التأسُّف.

стр. 1246

﴿وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ تأسَّف على يوسف، دون أخيه الثاني والثالث الذهبين؛ لأن حُزْنَه عليه كان أشدَّ؛ لإفراط محبته، ولأن مصيبته كانت السابقة. ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي: من البكاء الذي هو ثمرة الحزن، فقيل: إنه عَمِيَ، وقيل: إنه كان يدرك إدراكًا ضعيفًا. وروي عن النبي ﷺ : أن يعقوب حَزِنَ حُزْنَ سبعين ثكلى، وأعطي أجر مئة شهيد، وما ساء ظنُّه بالله قطُّ (١). ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قيل: إنه فعيل بمعنى فاعل؛ أي: كاظِم لحزنه لا يظهره لأحد، ولا يشكو إلَّا إلى لله (٢). وقيل: بمعنى مفعول، كقوله: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]؛ أي: مملوءُ القلب بالحزن، أو بالغيظ على أولاده. وقيل: الكظيم: الشديدُ الحُزْنِ. ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ أي: لا تفتؤ، والمعنى: لا تزال، وحذف حرف النفي؛ لأنه لا يلتبسُ بالإثبات؛ لأنه لو كان إثباتًا لكان مؤكدًا باللام والنون. ﴿حَرَضًا﴾ أي: مشفيًا (٣) على الهلاك. ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ردَّ عليهم تفنيدهم له؛ أي: إنما

стр. 1247

أشكو إلى الله، لا إليكم ولا لغيركم. والبثُّ: أشدّ الحزن. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعلم من لطفه ورأفته ورحمته ما يوجب حسن ظنِّي به، وقوة رجائي فيه. ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ يعني: إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم. ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي: تعرَّفوا خبرَهما، والتحسُّسُ: طلب الشيء بالحواس؛ السمع والبصر. وإنما لم يذكر الولد الثالث؛ لأنه بقي هناك اختيارًا منه، ولأن يوسف وأخاه كانا أحبَّ إليه. ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أي: من رحمة الله. ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ إنما جعل اليأس من صفة الكافر؛ لأن سببه تكذيب الربوبية، أو جهل بصفات الله من قدرته وفضله ورحمته. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أي: على يوسف، وقَبْلَ هذا محذوف؛ تقديره: فرجعوا إلى مصر. ﴿الضُّرُّ﴾ يريدون به: المجاعة، أو الهمَّ على إخوتهم. ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ يعنون الدراهم التي جاؤوا بها لشراء الطعام، والمزجاة: القليلة، وقيل: الرديئة، وقيل: الناقصة. وقيل: إن بضاعتهم كانت عُروضًا؛ فلذلك قالوا هذا.

стр. 1248

﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ قيل: يعنون بما بين الدراهم الجياد ودراهمهم. وقيل: أوف لنا الكيل الذي هو حَقُّنَا، وزدنا على حَقُّنَا، وسموا الزيادة صدقة، ويقتضي هذا أن الصدقة كانت حلالًا للأنبياء قبل محمد ﷺ . وقيل: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ برَدِّ أخينا إلينا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ قال النقاش: هو من المعاريض؛ وذلك أنهم كانوا يعتقدون أنه كافر؛ لأنهم لم يعرفوه، فظنوا أنه على دين أهل مصر، فلو قالوا: إن الله يَجْزِيك بصدقتك كذبوا، فقالوا لفظًا يوهم أنهم أرادوه وهم لم يريدوه. ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ لما شكوا إليه رَقَّ لهم وعرَّفهم بنفسه. ورُوِي أنه كان يكلمهم وعلى وجهه لثام، ثم أزال اللثام ليعرفوه. وأراد بقوله: ﴿مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ التفريق بينهما في الصغر، ومضرَّتهم ليوسف، وإذاية أخيه من بعده؛ فإنهم كانوا يُذلُّونه ويشتمونه. ﴿إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ اعتذارٌ عنهم؛ فيحتمل أن يريد: الجهل بقبح ما فعلوه، أو جهل الشباب. ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرئ بالاستفهام، والخبر. فالخبر على أنهم عرفوه. والاستفهام على أنهم توهَّموا أنه هو ولم يحقِّقوه.

стр. 1249

﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ قيل: أراد مَنْ يتق في ترك المعصية، ويصبر على السجن. واللفظ أعمُّ من ذلك. ﴿آثَرَكَ اللَّهُ﴾ أي: فضَّلك. ﴿لَخَاطِئِينَ﴾ أي: عاصين، وفي كلامهم استعطاف واعتراف. ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ عفوٌ جميل، والتثريب: التعنيف، أو العقوبة. وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ راجعٌ إلى ما قبله فيوقف عليه، وهو يتعلَّق بالتثريب، أو بالمقدَّر في ﴿عَلَيْكُمُ﴾ من معنى الاستقرار. وقيل: إنه يتعلَّق بـ ﴿يَغْفِرُ﴾، وذلك بعيد؛ لأنه تحكُّمٌ على الله؛ وإنما ﴿يَغْفِرُ﴾ دعاءٌ، فكأنه أسقط حقَّ نفسه بقوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، ثم دعا الله (١) أن يغفر لهم حقَّه. ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ روي أن هذا القميص كان لإبراهيم، كساه الله له حين أُخرِج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم صار لإسحاق، ثم ليعقوب، ثم دفعه يعقوب ليوسف، وهذا يحتاج إلى سند يوثق به. والظاهر: أنه كان قميص يوسف الذي بمنزلة قميص كلِّ أحدٍ. ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ الظاهر: أنه عَلِمَ ذلك بوحي من الله.

стр. 1250

[﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾]. ﴿فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي: خرجت من مصر متوجهةً إلى يعقوب. ﴿قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ كان يعقوب ببيت المقدس، ووجد ريح القميص وبينهما مسافة بعيدة. ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي: تلومونني أو تردون عليَّ قولي. وقيل: معناه: تقولون: ذهب عقلك؛ لأن الفَنَد هو الخَرَفُ. ﴿لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي: ذهابك عن الصواب؛ بإفراط محبتك في يوسف قديمًا. ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ روي أن البشير يهوذا؛ لأنه كان جاء بقميص الدَّمِ،

стр. 1251

فقال لإخوته: إني ذهبت إليه بقميص التَّرْحة؛ فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة. ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ ووعدهم بالاستغفار لهم، فقيل: سوَّفهم إلى السَّحَر؛ لأن الدعاء يستجاب فيه، وقيل: إلى ليلة الجمعة. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ هنا محذوفاتٌ يدلُّ عليها الكلام؛ وهي: فرحَلَ يعقوب بأهله حتى بلغوا يوسف. ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أي: ضمَّهما، أراد (١) بالأبوين: أباه وأمه. وقيل: أباه وخالته؛ لأن أمه كانت قد ماتت، وسمَّى (٢) الخالةَ على هذا أمَّا. ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ راجعٌ إلى الأمن الذي في قوله: ﴿آمِنِينَ﴾. ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: على سرير الملك. ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ كان السجود عندهم تحيةً وكرامة، لا عبادة. ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: حين رأى الأحد عشر كوكبًا والشمس والقمر يسجدون له. وكان بَيْنَ رؤياه وبين ظهور تأويلها ثمانون عامًا، وقيل: أربعون. ﴿أَحْسَنَ بِي﴾ يقال: أحسن به وإليه.

стр. 1252

﴿أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ إنما لم يقل أخرجني من الجبّ لوجهين: أحدهما: أن في ذكر الجب خِزْيُ إخوته، وتعريفهم بما فعلوا؛ فترك ذكره؛ توقيرًا لهم. والآخر: أنه خرج من الجب إلى الرقّ، ومن السجن إلى الملك؛ فالنعمة به أكثر. ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي: من البادية، وكانوا أصحاب إبل وغنم، فعدَّ في النَّعَم مجيئهم للحاضرة. ﴿نَزَغَ الشَّيْطَانُ﴾ أي: أفسد وأغوى. ﴿لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي: لطيف التدبير لما يشاء من الأمور. ﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾ «من» للتبعيض؛ لأنه لم يعطه الله إلَّا بعض ملك الدنيا، بل بعض ملك مصر. ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ لما عدَّد النعم التي أنعم الله عليه اشتاق إلى لقاء ربه ولقاء الصالحين من سلفه وغيرهم، فدعا بالموت. وقيل: ليس ذلك دعاءً بالموت، وإنما دعا أن الله يتمُّ عليه النعم بالوفاة على الإسلام إذا حان أجله. ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ احتجاجٌ على صحة نبوة النبي ﷺ بإخباره بالغيوب. ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ؛ تأكيدًا لحجته، والضمير لإخوة يوسف. ﴿إِذْ أَجْمَعُوا﴾ أي: عزموا.

стр. 1253

﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ يعني: فِعْلَهم بيوسف. ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ عمومٌ؛ لأن الكفار أكثر من المؤمنين. وقيل: أراد أهل مكة. ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اعتراضٌ؛ أي: لا يؤمنون، ولو حَرَصْتَ على إيمانهم. ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: لست تسألهم أجرًا على الإيمان، فيثقل عليهم بسبب ذلك. وهكذا معناه حيث وقع.

стр. 1254

[﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾]. ﴿وَكَأَيِّن مِنْ آيَةٍ﴾ يعني: المخلوقات والحوادث الدالة على الله سبحانه. ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ نزلت في كفار العرب الذي يُقِرُّون بالله ويعبدون معه غيره. وقيل: في أهل الكتاب؛ لقولهم: عزير ابن الله، (والمسيح ابن الله) (١). ﴿غَاشِيَةٌ﴾ هي ما يغشى ويغمُّ. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ إشارةٌ إلى شريعة الإسلام. ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي: أدعو الناس إلى عبادة الله، وأنا على

стр. 1255

بصيرة من أمري وحجة واضحة. ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾: ﴿أَنَا﴾ تأكيدٌ للضمير في ﴿أَدْعُو﴾، و ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ معطوفٌ عليه، و ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ في موضع الحال. وقيل: ﴿أَنَا﴾ مبتدأٌ، و ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ خبره، فعلى هذا: يوقف على قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، وهذا ضعيف. ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تقديره: وأقول: سبحان الله. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ ردٌّ على من أنكر أن يكون النبي من البشر. وقيل: فيه إشارةٌ إلى أنه لم يبعث رسولًا من النساء. ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي: من أهل المدن، لا من أهل البوادي؛ فإن الله لم يبعث رسولًا من أهل البادية؛ لجفائهم (١). ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ متصلٌ في المعنى بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ إلى قوله: ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ويأْسُهم يحتمل أن يكون: من إيمان قومهم. أو من النصر. والأول أحسن.

стр. 1256

﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قرئ بتشديد الذال وتخفيفها. فأما التشديد: فالضمير في ﴿وَظَنُّوا﴾ و ﴿كُذِّبُوا﴾ للرسل. والظن يحتمل أن يكون: على بابه، أو بمعنى اليقين؛ أي: علم الرسل أن قومهم قد كذَّبوهم فيئسوا من إيمانهم. وأما التخفيف: فالضميران فيه للقوم المرسَل إليهم؛ أي: ظنُّوا أن الرسل قد كذبوهم فيما ادَّعَوْا من الرسالة، أو من النُّصرة عليهم. ﴿فِي قَصَصِهِمْ﴾ الضمير: للرسل على الإطلاق، أو ليوسف وإخوته. ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ يعني: القرآن. ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ تقدَّم معناه في «البقرة» (١).

стр. 1257

(سورة الرعد) [﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾]. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي: آيات هذه السورة. ويحتمل أن يريد: آيات الكتب على الإطلاق. ويحتمل أن يريد: القرآن، وهذا بعيد؛ لتكرار ذكر القرآن بعد ذلك. ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ﴾ يعني: القرآن، وإعرابه: مبتدأ، وخبره ﴿الْحَقُّ﴾.

стр. 1258

﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ أي: بغير شيء تقف عليه إلَّا قدرة الله. ﴿تَرَوْنَهَا﴾ قيل: الضمير للسموات، فـ ﴿تَرَوْنَهَا﴾ على هذا: في موضع الحال، أو استئناف. وقيل: الضمير للعَمَد؛ أي: ليس لها عمدٌ مرئيةٌ، فيقتضي المفهومُ: أن لها عَمَدًا لا تُرى. وقيل: إن عَمَدَها هو جبل قاف المحيط بالدنيا. وقال الجمهور: لا عمد لها ألبتة، فالمراد: نفيُ العمدِ ونفيُ رؤيتها. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ هنا لترتيب الإخبار، لا لترتيب وقوع الأمر؛ فإن العرش كان قبل خلق السموات. وتقدَّم الكلام على الاستواء في «الأعراف» (١). ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يعني: أمر الملكوت. ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ يعني آيات كتبه (٢). ﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ يقتضي أنها بَسيطةٌ لا كورةٌ، وهو ظاهر الشريعة. وقد يترتَّب لفظ البَسط والمدِّ مع التَّكوير؛ لأن كل قطعة من الأرض ممدودةٌ على حِدَتِها، وإنما التكوير لجملة الأرض. ﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني: الجبال الثابتة.

стр. 1259

﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يعني: صنفين من الثمر، كالأسود والأبيض، والحلو والحامض. فإن قيل: تقتضي الآية أنه تعالى خلق من كل ثمرة صنفين، وقد خلق من كثير من الثمرات أصنافًا كثيرةً!. فالجواب: أن ذلك زيادةٌ في الاعتبار، وأعظم في الدلالة على القدرة، فذكر الاثنين؛ لأن دلالة غيرهما (١) من باب أولى. وقيل: إن الكلام تمَّ في قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ثم ابتدأ بقوله: ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ﴾ يعني الذكر والأنثى. والأول أحسن. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي: يلبسه إياه، فيصير له كالغشاء، وذلك تشبيهٌ. ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ يعني: قرى (٢) متلاصقة، ومع تلاصقها فإن أرضها تتنوع إلى طيب ورديء، وصلبٍ ورخوٍ، وغير ذلك، وكلُّ ذلك دليل على الصانع المختار المريد القادر. ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ الصنوان: هي النخلات الكثيرة، ويكون أصلها واحدًا، وغير الصنوان: المفترق فردًا فردًا، وواحد الصنوان: صِنْوٌ. ﴿تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكْلِ﴾ حجةٌ وبرهان على أنه تعالى قدير مُريد؛ لأن اختلاف مذاقها وأشكالها وألوانها مع اتفاق الماء

стр. 1260

الذي تسقى به دليلٌ على القدرة والإرادة، وفي ذلك ردٌّ على القائلين بالطبيعة. ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ أي: إن تعجب يا محمد فإن إنكارهم للبعث حقيقٌ أن يُتَعجَّب منه؛ فإن الذي قدَّر على إنشاء ما ذكرنا من السموات والأرض والثمار قادرٌ على إنشاء الخلق بعد موتهم. ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا هو قول الكفار المنكرين للبعث. واختلف القراء في هذا الموضع وفي سائر المواضع التي فيها استفهامان، وهي أحدَ عشر موضعًا، أولها: هذا، وفي «الإسراء» موضعان، وفي «المؤمنين» موضع، وفي «النمل» موضع، وفي «العنكبوت» موضع، وفي ﴿المر (١)﴾ «السجدة» موضع، وفي «الصافات» موضعان، وفي «الواقعة» موضع، وفي «النازعات» موضع: فمنهم من قرأ بالاستفهام في الأول والثاني. ومنهم من قرأ بالاستفهام في الأول فقط، وهو نافع. ومنهم من قرأ بالاستفهام في الثاني فقط. وأصل الاستفهام في المعنى إنما هو عن الثاني في مثل هذا الموضع؛ فإن همزة الاستفهام معناها الإنكار، وإنما أنكروا أن يكونوا خلقًا جديدًا، ولم ينكروا أن يكونوا ترابًا. فمن قرأ بالاستفهام في الثاني فقط: فهو على الأصل. ومن قرأ بالاستفهام في الأول: فإنما القصد بالاستفهام الثاني.

стр. 1261

ومن قرأ بالاستفهام فيهما: فذلك للتأكيد. ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ يحتمل: أن يريد الأغلال في الآخرة، فيكون حقيقة. أو يريد أنهم ممنوعون من الإيمان، كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس: ٨]، فيكون مجازًا يجري مجرى الطبع والختم على القلوب. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بالنقمة قبل العافية، والمعنى: أنهم طلبوا العذاب على وجه الاستخفاف. ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ جمع مُثْلَةٍ على وزن «سَمُرَةٍ»، وهي العقوبة العظيمة التي تجعل الإنسان مَثَلًا، والمعنى: كيف يطلبون العذاب وقد أصابت العقوباتُ الأممَ الذين كانوا قبلهم؟ أفلا يخافون مثل ذلك؟. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ يريد: ستره وإمهاله في الدنيا للكفار والعصاة. وقيل: يريد مغفرته لمن تاب. والأول أظهر هنا. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية؛ اقترحوا نزول آية على النبي ﷺ ، من نزول مَلَك معه أو شبه ذلك، ولم يعتبروا بالقرآن ولا بغيره من الآيات العظام التي جاء بها، وذلك منهم معاندةٌ. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ أي: إنما عليك إنذارُهم، وليس عليك أن تأتيهم بآية، إنما ذلك إلى الله.

стр. 1262

﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن يراد بالهادي اللهُ تعالى، فالمعنى: إنما عليك الإنذار والله هو الهادي لمن يشاء إذا شاء. والوجه الثاني: أن يريد بالهادي النبي ﷺ ، فالمعنى: إنما أنت نبي منذر، ولكل قوم هادٍ من الأنبياء ينذرهم، فليس أمرك بِبِدْعٍ ولا مستنكر. الثالث: رُوي أنها لما نزلت قال رسول الله ﷺ : «أنا المنذر، وأنت يا عليُّ الهادي» (١).

стр. 1263

[﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾]. ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ كقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤]، وهي من الخمس التي لا يعلمها إلا الله، ويعني: يعلم هل هو ذكر أو أنثى، أو تام أو مُخْدَجٌ، أو حسن أو قبيح، أو غير ذلك.

стр. 1264

﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ معنى ﴿تَغِيضُ﴾: تنقص، ومعنى ﴿تَزْدَادُ﴾: من الزيادة. وقيل: إن الإشارة لدم الحيض (١)؛ فإنه يقلُّ ويكثر. وقيل: للولد، فالغيض: السَّقَط، أو الولادة لأقل من تسعة أشهر، والزيادة: إبقاؤه أكثر من تسعة أشهر. ويحتمل أن تكون «ما» في قوله: ﴿مَا تَحْمِلُ﴾، ﴿وَمَا تَغِيضُ﴾، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾: موصولةً. أو مصدريةً. ﴿سَوَاءٌ مِنكُم مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ المعنى: إن الله يسمع كل شيء، فالجهر والإسرار عنده سواء. وفي هذا وما بعده تقسيم، وهو من أدوات البيان؛ فإنه ذكر أربعة أقسام، وفيه أيضًا مطابقة. ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ المعنى: سواء عند الله المستخفي بالليل وهو في غاية الاختفاء، مع السَّارب بالنهار، وهو في غاية الظهور. ومعنى السارب: المتصرِّف في سَرْبِه -بالفتح-؛ أي: في طريقه ووجهه. والسارب والمستخفي اثنان، قصد التسوية بينهما في اطلاع الله عليهما، مع تباين حالهما.

стр. 1265

وقيل: إن المستخفي بالليل والسارب بالنهار صفتان لموصوف واحد، يستخفي بالليل، ويظهر بالنهار، ويعضد هذا كونهُ قال: ﴿وَسَارِبٌ﴾، فعطفه عطفَ الصفات، ولم يقل: «ومن هو سارب» بتكرار «مَنْ» كما قال: ﴿مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾. إلا أنَّ جَعْلهما اثنين أرجح؛ ليقابل ﴿مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾، فيكمل التقسيم إلى أربعة على هذا، ويكون قوله: ﴿وَسَارِبٌ﴾ عطفًا على الجملة وهي قوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾، لا على ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ وحده. ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ المعقبات هنا: جماعة الملائكة، وسميت معقبات؛ لأن بعضهم يعقب بعضًا، والضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود على «من» المتقدّمة، كأنه قال: لمن أسر ولمن جهر ولمن استخفى ولمن ظهر معقباتٌ. وقيل: يعود على الله، وهو قول ضعيف؛ لأن الضمائر التي بعده تعود على العبد باتفاق. ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ صفة للمعقبات، وهذا الحفظ يحتمل أن يراد به: حفظ أعماله. أو حفظه وحراسته من الآفات. ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ صفة للمعقبات؛ أي: معقباتٌ مِنْ أجل أمر الله؛ إذْ أمَرَهم بحفظه، وقرئ: «بأمر الله»، وهذه القراءة تعضد ذلك، ولا يتعلَّق ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ على هذا بـ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾. وقيل: يتعلَّق به؛ على أنهم يحفظونه مِنْ عقوبة الله إذا أذنب؛ بدعائهم له واستغفارهم.
следующие страницы →