← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ومذهب أهل السنة: أن الميزان يوم القيامة حقيقة، له كِفَّتانِ ولسانٌ وعمودٌ توزن فيه الأعمال، والخِفَّة والثِّقَل متعلقة بأجسام؛ إما صحف الأعمال، أو ما شاء الله. وقالت المعتزلة: إن الميزان عبارةٌ عن العدل في الجزاء. ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال ابن عطية: تقديره: لحساب يوم القيامة، أو لِحكمه فهو على حذف مضاف (١). وقال الزمخشري: هو كقولك: كتبت الكتاب لستٍّ خَلَوْنَ من الشهر (٢). ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي: وزنُها، والرفع على أنَّ «كان» تامة، والنصب على أنها ناقصة واسمها مضمر. ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هنا: التوراة. وقيل: التفرقة بين الحق والباطل بالنصر وإقامة الحجة. ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ﴾ يعني: القرآن. * * *

стр. 1577

[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾]. ﴿رُشْدَهُ﴾ يعني: إرشادَهُ إلى توحيد الله، وكسر الأصنام، وغير ذلك. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل موسى وهارون. وقيل: آتيناه رشده قبل النبوة.

стр. 1578

﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ أي: عَلِمنا (١) أنه يستحق ذلك. ﴿التَّمَاثِيلُ﴾ يعني: الأصنامَ، وكانت على صور بني آدم. ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ اعترافٌ بالتقليد من غير دليل. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: هل (٢) هذا الذي تقول جِدٌّ أو (٣) مزاحٌ؟!. وانظر كيف عَبَّروا (٤) عن الحق بالفعل، وعن اللَّعِبِ بالجملة الاسمية؛ لأنه أثبت عندهم. ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ أي: خلقهن، والضمير للسموات والأرض، والتماثيل (٥) وهذا (٦) أليق بالردّ عليهم. ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ يعني: خروجهم إلى عيدهم. ﴿جُذَاذًا﴾ أي: فُتَاتًا، ويجوز فيه الضم والكسر والفتح، وهو من الجدّ بمعنى القطع.

стр. 1579

﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ ترك الصنم الكبير لم يكسره، وعلَّق القدوم على يده (١). ﴿إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ الضمير للصنم الكبير؛ أي: يرجعون إليه فيسألونه فلا يجيبهم، فيظهر لهم أنه لا يقدر على شيء. وقيل: الضمير لإبراهيم ﵇، أي: يرجعون إليه فيبيّن لهم الحق. ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾ قبله محذوف تقديره: فرجعوا من عيدهم فرأوا الأصنام مكسورة، فـ ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾. ﴿فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بالذمّ، وبقوله: ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ قيل: إن إعراب ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ منادى. وقيل: خبر ابتداء مضمر. وقال الأعلم (٢): هو رفعٌ على الإهمال (٣). والصحيح أنه مفعول لم يسمَّ فاعله بـ ﴿يُقَالُ﴾؛ لأن المراد الاسمُ

стр. 1580

لا المسمَّى. وهذا اختيار ابن عطية (١) والزمخشري (٢). ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي: يشهدون عليه بما فعل، أو يحضرون عقوبتنا له. ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ قصد إبراهيم ﵇ بهذا القول تبكيتهم وإقامة الحجة عليهم، كأنه يقول: إن كان إلهًا فهو قادر على أن يفعل، وإن لم يقدر فليس بإله، ولم يقصد الإخبار المحض؛ لأنه كذبٌ. فإن قيل: فقد جاء في الحديث: «إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات، إحداها (٣) قوله: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾» (٤)؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولًا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر، ويدل على ذلك قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾؛ لأنه أراد به أيضًا تبكيتهم وبيان ضلالهم. ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ﴾ أي: رجعوا إليها بالفكرة والنظر، أو رجعوا إليها بالملامة. ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الظالمون لأنفسكم في عبادتكم ما لا ينطق ولا يقدر على شيء. أو الظالمون لإبراهيم في قولكم عنه: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وفي تعنيفه على أعين الناس.

стр. 1581

﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ استعارةٌ لانقلابهم برجوعهم عن الاعتراف بالحق إلى الباطل والمعاندة، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أي: فكيف تأمرنا بسؤالهم؟!، فهم قد اعترفوا بأنهم لا ينطقون، وهم مع ذلك يعبدونهم، فهذه غاية الضلال في فعلهم، وغاية المكابرة والمعاندة في جدالهم. ويحتمل أن يكون ﴿نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ بمعنى رجوعهم عن (١) المجادلة إلى الانقطاع؛ فإن قولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ اعترافٌ يلزم منه أنهم مغلوبون بالحجة. ويحتمل على هذا أن يكون ﴿نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ حقيقةً؛ أي: أطرقوا من الخجل لمَّا قامت عليهم الحجة. ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ تقدَّم الكلام على ﴿أُفٍّ﴾ في «الإسراء» (٢). ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾ لما غلبهم بالحجة رجعوا إلى التغلب عليه (٣) بالظلم. ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ أي: ذات برد وسلام، وجاءت العبارة هكذا للمبالغة. واختلف كيف بَرَدت النار؟ فقيل: أزال الله عنها ما فيها من الحرِّ والإحراق.

стр. 1582

وقيل: دفع عن جسم إبراهيم حرَّها وإحراقها، مع ترك ذلك فيها. وقيل: خَلق بينه وبينها حائلًا. ومعنى السلام هنا: السلامة، وقد روي أنه لو لم يقل: ﴿وَسَلَامًا﴾ لهلك إبراهيم بالبرد (١). وقد أضربنا عما ذكره الناس في قصة إبراهيم؛ لعدم صحته، ولأن ألفاظ القرآن لا تقتضيه. ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ هي الشام، خرج إليها من العراق. وبركتُها: بخصبها، وكثرة الأنبياء فيها (٢). ﴿نَافِلَةً﴾ أي: عطية، والتنفيل (٣): العطاء. وقيل: سماه نافلة؛ لأنه عطاءٌ بغير سؤال؛ فكأنه تبرُّع. وقيل: الهبة: إسحاق، والنافلة: يعقوب؛ لأنه سأل إسحاق بقوله: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]، فأُعطي يعقوب؛ زيادةً على ما سأل. واختار بعضهم على هذا الوقف على ﴿إِسْحَاقَ﴾؛ لبيان المعنى، وهذا ضعيف؛ لأنه معطوف على كلِّ قولٍ. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ أي: يرشدون الناس بإذننا.

стр. 1583

﴿وَلُوطًا﴾ قيل: إنه انتصب بفعل مضمر يفسّره ﴿آتَيْنَاهُ﴾. والأظهر أنه انتصب بالعطف على ﴿مُوسَى وَهَارُونَ﴾، أو (١) ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. وانتصب ﴿نُوحًا﴾ و ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ وما بعدهم بالعطف أيضًا. وقيل: بفعل مضمر تقديره: اذكر. ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ أي: حكمًا بين الناس، أو حكمةً. ﴿مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ هي سَدُوم (٢) من أرض الشام. ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ أي: في الجنة، أو في أهل رحمتنا (٣). * * *

стр. 1584

[﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾]. ﴿نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: دعا قبل إبراهيم ولوط. ﴿مِنَ الْكَرْبِ﴾ يعني: الغرق.

стр. 1585

﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ تعدَّى ﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾ بـ ﴿مِنَ﴾: لأنه مطاوع «انتصر» المتعدِّي بـ «مِنْ». أو تضمَّن (١) معنى: نجَّيناه، أو أجرناه. ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ كان داود نبيًا ملكًا، وكان ابنه سليمان حينئذٍ ابن (٢) أحد عشر عامًا. ﴿فِي الْحَرْثِ﴾ قيل: زرع، وقيل: كَرْم، والحرث يقال فيهما. ﴿إِذْ نَفَشَتْ﴾ رعَتْ فيه بالليل. ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ الضمير لداود وسليمان والمتخاصمين. وقيل: لداود وسليمان خاصةً؛ على أن يكون أقلُّ الجمع اثنين. ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ تخاصم إلى داود رجلان، دخلت غنمُ أحدهما على زرع الآخر بالليل فأفسدته، فقضى داودُ بأن يأخذ صاحب (٣) الزرع الغنمَ، ووجَّه هذا الحكم: أن قيمة (٤) الزرع (٥) مثل قيمة الغنم، فخرج الرجلان على سليمان وهو بالباب، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه فقال: يا نبيَّ الله لو حكمتَ بغير هذا كان (٦) أرفق للجميع!، قال: وما هو؟ قال:

стр. 1586

يأخذ صاحب الغنم الأرضَ؛ ليصلحها حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفعُ بألبانها وصوفها ونَسْلها، فإذا كمل الزرع رُدَّت الغنمُ إلى صاحبها، والأرضُ بزرعها إلى ربها، فقال له داود: وُفِّقتَ يا بنيَّ، وقضى بينهما بذلك، ووجه حكم سليمان: أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الزرع، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان. ويحتمل أن يكون ذلك إصلاحًا، لا حكمًا. واختلف الناس: هل كان حكمهما باجتهاد أو وحي؟ فمن قال: كان باجتهاد: أجاز الاجتهاد للأنبياء، وروي أن داود رجع عن حكمه لما تبين له أن الصواب خلافه. وقد اختلف في جواز الاجتهاد في حق الأنبياء. وعلى القول بالجواز اختلف: هل وقع أم لا؟. وظاهر قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أنه كان باجتهادٍ، خصَّ الله سليمان فيه بفهم القضية. ومن قال: كان بوحي: جعل حكم سليمان ناسخًا لحكم داود. وأما حكم إفساد المواشي للزرع (١) في شرعنا: فقال مالك والشافعي: يضمن أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون

стр. 1587

النهار؛ للحديث الوارد في ذلك (١)، وعلى هذا يدلُّ حكم داود وسليمان؛ لأن النَّفْش لا يكون إلَّا بالليل. وقال أبو حنيفة: لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار؛ لقوله ﷺ : «العجماء جرحها جُبَارٌ» (٢). ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ قيل: يعني في هذه النازلة، وأنَّ داود لم يخطئ فيها، ولكنه رجع إلى ما هو أرجح، ويدلُّ هذا القول على أنَّ كل مجتهد مصيبٌ. وقيل: بل يعني: حكمًا وعلمًا في غير هذه النازلة، وهذا على القول بأنه أخطأ فيها، وأن المصيب واحد من المجتهدين. ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ كان هذا التسبيح قول: «سبحان الله». وقيل: الصلاة معه إذا صلَّى. وقدَّم الجبال على الطير؛ لأن تسبيحها أغرب؛ إذ هي جمادٌ. ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: قادرين على أن نفعل هذا.

стр. 1588

وقال ابن عطية: معناه: كان ذلك في حقه؛ لأجل أن داود استوجب ذلك منا (١). ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ يعني: دُرُوعًا (٢) الحديد، وأول من صنعها داود ﵇، قال ابن عطية: اللَّبوس في اللغة: السلاح (٣). وقال الزمخشري: اللَّبوس: اللِّباس (٤). ﴿لِتُحْصِنَكُم مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ أي: لتقيكم في القتال. وقرئ بالياء والتاء والنون: فالنون: لله تعالى. والتاء: للصَّنعة. والياء: لداود، أو للبوس. ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شاكِرُونَ﴾ لفظه استفهام، ومعناه: استدعاءٌ إلى الشكر. ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ عطف ﴿الرِّيحَ﴾ على ﴿الْجِبَالَ﴾، والعاصفة: هي الشديدة. فإن قيل: كيف يقال ﴿عَاصِفَةً﴾ وقال في «ص»: ﴿رُخَاءً﴾ [ص: ٣٦] أي: ليِّنة؟

стр. 1589

فالجواب: أنها كانت في نفسها لينةً طيبةً، وكانت تسرع في جريها كالعاصف، فجَمعت الوصفين. وقيل: كانت رُخاءً في ذهابه، وعاصفةً في رجوعه إلى وطنه؛ لأن عادة المسافرين الإسراعُ في الرجوعِ. وقيل: كانت تشتدُّ إذا رفعت البساط، وتلين إذا حملته. ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (١) يعني: أرض الشام، وكانت مسكنه وموضع ملكه، فخصَّ في الآية الرجوع إليها؛ لأنه (٢) يدلُّ على الانتقال منها. ﴿يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي: يدخلون في الماء؛ ليستخرجوا له الجوهر من البحار. ﴿عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أقلَّ من الغوص، كالبنيان والخدمة. ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ أي: نحفظهم عن أن يزيغوا عن أمره، أو نحفظهم من إفساد ما صنعوه. وقيل: معناه عالمين بعددهم. ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ كان أيوب ﵇ نبيًّا من الروم، وقيل: من بني إسرائيل، وكان له أولاد ومال كثير، فأذهب الله ماله فصبر، ثم أهلك (٣) الأولاد فصبر، ثم سلَّط البلاءَ على جسمه فصبر إلى أن مرَّ به قوم فشمتوا

стр. 1590

به، فحينئذٍ دعا إلى الله (١) تعالى. على أن قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ليس تصريحًا بالدعاء ولكنه ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، ووصف ربه بغاية الرحمة؛ ليرحمه، فكان في ذلك من حسن التلطف ما ليس في التصريح بالطلب. ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ لما استجاب الله له أنبع (٢) له عينًا من ماء، فشرب منه واغتسل، فبرئ من المرض والبلاء. ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَعَهُمْ﴾ روي أنَّ الله أحيا أولاده الموتى (٣)، ورزقه مثلهم معهم في الدنيا. وقيل: في الآخرة. وقيل: وَلَدت امرأته مثل عدد أولاده الموتى، ومثلهم معهم. وأخلف الله عليه أكثر مما ذهب من ماله. ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: رحمةً لأيوب، وذكرى لغيره من العابدين؛ ليصبروا كما صبر. ويحتمل أن تكون الرحمة والذكرى معًا للعابدين. ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قيل: هو إلياس، وقيل: زكريا، وقيل: نبي بُعث إلى رجل

стр. 1591

واحد (١)، وقيل: رجل صالح غير نبي. وسُمّي ذا الكفل أي: ذا الحظّ من الله. وقيل: لأنه تكفّل لليسع بالقيام بالأمر (٢) مِنْ بعده. ﴿وَذَا النُّونِ﴾ هو يونس ﵇، والنون: هو الحوت، نُسب إليه؛ لأنه التقمه. ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ أي: مغاضبًا لقومه؛ إذ كان يدعوهم إلى الله فيكفرون، حتى أدركه ضجرٌ منهم فخرج عنهم، ولذلك قال الله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]. ولا يصحُّ قول من قال: مغاضبًا لربه. ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: ظن أن لن نضيّق عليه، فهو من معنى قوله: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]. وقيل: هو من القدر والقضاء؛ أي ظنَّ أن لن نقدّر عليه بعقوبة. ولا يصح قول من قال: إنه من القدرة. ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قبل هذا الكلام محذوفٌ؛ لبيانه في غير هذه الآية، وهو: أنه لما خرج ركب السفينة فرُمِي في البحر، فالتقمه الحوت، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾، وهي ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت.

стр. 1592

ويحتمل أنْ عبَّر بالظلمات عن بطن الحوت؛ لشدَّة ظلمته، كقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧]. ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مفسِّرة، أو مصدرية على تقدير: نادى بأن. والظلم الذي اعترف به: كونه لم يصبر على قومه وخرج عنهم. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ يعني: من بطن الحوت، وأخرجه إلى البرِّ. ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَحتمل: أن يكون مطلقًا. أو يكون لمن دعا بدعاء يونس، ولذلك (١) قال رسول الله ﷺ : «دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلاَّ استجيب له» (٢). ﴿لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أي: بلا ولد ولا وارث. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ أي: إن لم ترزقني وارثًا فأنت خير الوارثين، فهو استسلامٌ لله. ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ يعني: وَلَدت بعد أن كانت عقيمًا، واسم زوجته: أشياع، قاله السهيلي (٣). ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ الضمير للأنبياء المذكورين.

стр. 1593

﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ الرَّغَب: الرجاء، والرَّهَب: الخوف. وقيل: الرغب: أن ترفع إلى السماء بطون الأيدي، والرهب: أن ترفع ظهورها (١). ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ هي مريم بنت عمران، ومعنى ﴿أَحْصَنَتْ﴾: من العفة؛ أي: أعفته عن (٢) الحرام والحلال، كقولها: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]. ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ أي: أجرينا فيها روح عيسى لمَّا نفخ جبريل في جيب درعها، ونسب الله النفخ إلى نفسه؛ لأنه كان بأمره. والروح هنا: هو الذي في الجسد، وأضاف الله الروح إلى نفسه؛ للتشريف، أو للملك. ﴿آيَةً﴾ أي: دلالة، ولذلك لم يثنَّ. ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ أي: ملَّتكم ملة واحدة، وهو خطاب للناس كافة، أو للمعاصرين لمحمد ﷺ ؛ أي: إنما بُعث الأنبياء المذكورون بما أمرتم به من الدين؛ لأن جميع الرسل متفقون في أصول العقائد. ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم﴾ أي: اختلفوا فيه، وهو استعارةٌ مِنْ جَعْل الشيء قِطَعًا. والضمير للمخاطبين قبلُ، فالأصل: تقطَّعتم.

стр. 1594

[﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾]. ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي: لا إبطال لثواب عمله. ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ أي: نكتب عمله في صحيفته. ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ قرئ ﴿حِرْمٌ﴾ بكسر الحاء، وهو بمعنى حرام.

стр. 1595

واختُلف في معنى الآية: فقيل: حرام بمعنى: ممتنع: (أي: ممتنع) (١) على قرية (أراد الله إهلاكها أن يرجعوا إلى الله بالتوبة. أو ممتنعٌ على قرية) (٢) قد أهلكها الله أن يرجعوا إلى الدنيا. و ﴿لَا﴾ زائدة في الوجهين. وقيل: حرام بمعنى: حتْمٌ واقع لا محالة، ويُتصوَّر فيه الوجهان، وتكون ﴿لَا﴾ نافيةً فيهما: أي: حتْمٌ عدمُ رجوعهم إلى الله بالتوبة. أو حتم عدم رجوعهم إلى الدنيا. وقيل: المعنى: ممتنعٌ على قرية أهلكها الله أنهم لا يرجعون إليه في الآخرة، و ﴿لَا﴾ على هذا نافيةٌ أيضًا، ففيه ردٌّ على من أنكر البعث. ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا: حرف ابتداء. أو غايةٌ متعلّقة بـ ﴿يَرْجِعُونَ﴾. وجواب ﴿إِذَا﴾: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾. وقيل: الجواب: ﴿يَاوَيْلَنَا﴾؛ لأن تقديره: يقولون يا ويلنا.

стр. 1596

و ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي: فُتح سدُّهما، فحذف المضاف. ﴿وَهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ الحدب: المرتفع من الأرض، و ﴿يَنْسِلُونَ﴾: أي يسرعون. والضمير ليأجوج ومأجوج؛ أي: يخرجون من (١) كل طريق؛ لكثرتهم. وقيل: لجميع الناس. ﴿الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ يعني: (٢) القيامة. ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ «إذا» هنا للمفاجأة، والضمير: عند سيبويه: ضمير القِصَّة. وعند الفراء: للأبصار. و ﴿شَاخِصَةٌ﴾ من الشخوص، وهو إحداد النظر من الخوف. ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ هذا خطاب للمشركين. والحصب: ما توقد به النار، كالحطب، وقرأ عليُّ بن أبي طالب ﵁: «حطب جهنم». والمراد بـ ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾: الأصنام وغيرها، تُحرَق في النار؛ توبيخًا لمن عبدها.

стр. 1597

﴿وَارِدُونَ﴾ الورود هنا: دخول (١). ﴿زَفِيرٌ﴾ ذُكر في «هود» (٢). ﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾ قيل: يُجعلون في توابيت من نار، فلا يسمعون شيئًا. وقيل: يُصِمُّهم الله كما يُعميهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ ﴿سَبَقَتْ﴾ أي: قُضيت في الأزل، و ﴿الْحُسْنَى﴾: السعادة. ونزلت الآية لما اعترض ابن الزِّبَعْرى على قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، فقال: إن عيسى وعزيرَ والملائكة قد عُبدوا. فالمعنى: إخراج هؤلاء من ذلك الوعيد، واللفظ مع ذلك على عمومه في كل مَنْ سبقت له السعادة. ﴿حَسِيسَهَا﴾ أي: صوتها. ﴿الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ أهوال القيامة على الجملة. وقيل: ذَبْح الموت. وقيل: النفخة الأولى في الصور؛ لقوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧]. ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ﴾ السِّجِلُّ: الصحيفة، والكتاب: مصدر؛

стр. 1598

أي: كما يُطْوَى السجل ليكتب فيه، أو ليصان الكتاب الذي فيه. وقيل: السجل: رجل كاتب، وهذا ضعيف. وقيل: هو مَلَك في السماء الثانية، ترفع إليه الأعمال، وهذا أيضًا ضعيف. ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أي: كما قَدَرْنَا على البَدْأة نقدر على الإعادة، فهو كقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. وقيل: المعنى: نعيدهم على الصورة التي بدأناهم (١) كما جاء في الحديث: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرْلًا»، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٢). والكاف متعلقة بقوله: ﴿نُعِيدُهُ﴾. ﴿فَاعِلِينَ﴾ تأكيدٌ لوقوع البعث. ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ في الزبور هنا قولان: أحدهما: أنه كتاب داود، والذِّكْر هنا على هذا: التوراة التي أنزل الله على موسى، أو ما في الزبور من ذكر الله تعالى. والقول الثاني: أن الزبور جنس الكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء، والذكر على هذا: هو اللوح المحفوظ؛ أي: كتب الله هذا في

стр. 1599

الكتاب الذي أفرد له، بعد ما كتبه في اللوح المحفوظ حين قضى الأمور كلها. والأول أرجح؛ لأن إطلاق الزبور على كتاب داود أظهرُ وأكثر استعمالًا ولأن الزبور مفرد، فدلالته على الواحد أرجح من دلالته على الجمع، ولأن النصَّ قد ورد في زبور داود بأن الأرض يرثها (١) الصالحون. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ الأرض هنا على الإطلاق في مشارق الأرض ومغاربها. وقيل: الأرض المقدسة. وقيل: أرض الجنة. والأول أظهر. والعباد الصالحون: أمّة محمد ﷺ ، ففي الآية ثناء عليهم، وإخبارٌ بغيبٍ ظهر (٢) مصداقه في الوجود؛ إذ فتح الله لهذه الأمة مشارق الأرض ومغاربها. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ هذا خطاب لمحمد ﷺ ، وفيه تشريف عظيم. وانتصاب ﴿رَحْمَةً﴾ على أنه حال من ضمير المخاطب المفعول، والمعنى على هذا: أن النبي ﷺ هو الرحمة.

стр. 1600

ويحتمل: أن يكون مصدرًا في موضع الحال من ضمير الفاعل، تقديره: أرسلناك راحمين للعالمين. أو يكون مفعولًا من أجله. والمعنى على كل وجه: أن الله رحم العالمين بإرسال محمد ﷺ ؛ لأنه جاءهم بالسعادة الكبرى، والنجاة من الشقاوة العظمى، ونالوا على يديه الخيرات الكثيرة في الآخرة والأولى، وعلمهم بعد الجهالة، وهداهم بعد الضلالة. فإن قيل: ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ عمومٌ، والكفار لم يُرحموا به؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنهم كانوا معرَّضين للرحمة به لو آمنوا، فهم الذين تركوا الرحمة بعد تعريضها لهم. والآخر: أنهم رُحِموا به؛ لكونهم لم يعاقبوا بمثل ما عوقب به الكفار المتقدّمون من الطوفان والصيحة وشبه ذلك. ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمتكم بالحق على استواء في الإعلام، وتبليغ إلى جميعكم لم يختصَّ به واحد دون (١) آخر. ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ «إن» هنا وفي الموضع الآخر نافيةٌ، و ﴿أَدْرِي﴾ فعل عُلِّق عن معموله؛ لأنه من أفعال القلوب، وما بعده

стр. 1601

في موضع المعمول من طريق المعنى؛ فيجب وصلُه معه، والهمزة في قوله: ﴿أَقَرِيبٌ﴾ للتسوية، لا لمجرد الاستفهام. وقيل: يوقف على ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ في الموضعين، ويبتدأ بما بعده، وهذا خطأ؛ لأنه يطلب ما بعده. ﴿لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ﴾ الضمير لإمهالهم وتأخير عقوبتهم. ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى الموت، أو القيامة. ﴿الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: أستعين به على الصبر على ما تصفون من الكفر والتكذيب. * * *

стр. 1602

(سورة الحج) [﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾]. ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ تكلَّمنا على التقوى في أول «البقرة» (١).

стр. 1603

﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ أَي: شِدَّتَها وهَوْلها (١)، كقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]، أو تحريك الأرض حينئذ، كقوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١]. والجملة تعليلٌ للأمر بالتقوى. واختُلف هل الزلزلة والشدائد المذكورة بعد ذلك: في الدنيا بين يدي القيامة؟ أو بعد أن تقوم القيامة؟. والأرجح: أن ذلك قبل القيامة؛ لأن في ذلك الوقت يكون ذهول المرضعة ووضع الحامل، لا بعد القيامة. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ العامل في الظرف ﴿تَذْهَلُ﴾. والضمير للزلزلة. وقيل: للساعة، وذلك ضعيف؛ لما ذكرنا، إلَّا أن يريد ابتداء أمرها. ﴿تَذْهَلُ﴾ الذهول: هو الذهاب عن الشيء مع دهشة. ﴿مُرْضِعَةٍ﴾ إنما لم يقل «مرضع»؛ لأن المرضعة هي التي في حال الإرضاع مُلْقِمةٌ ثديها للصبي، والمرضع: التي شأنها أن تُرضع، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقال: ﴿مُرْضِعَةٍ﴾؛ ليكون ذلك أعظم في الذهول؛ إذ تنزع ثديها من فم الصبي حينئذ.

стр. 1604

﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ تشبيهٌ بالسُّكارى؛ لشدَّةِ الغمِّ. ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ نفيٌ لحقيقة السُّكر. وقرئ ﴿سَكْرَى﴾، والمعنى متَّفقٌ (١). ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ نزلت في النضر بن الحارث، وقيل: في أبي جهل. وهي تتناول كلَّ مَنْ اتصف بذلك. ﴿شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ أي: شديد الإغواء، ويحتمل أن يريد: شيطان الجن، أو الإنس. ﴿كُتِبَ﴾ تمثيلٌ لثبوت الأمر، كأنه مكتوب. ويحتمل أن يكون بمعنى: قُضي، كقوله: كَتَب الله. ﴿أَنَّهُ﴾ في موضع المفعول الذي لم يسَمَّ فاعله، و ﴿فَأَنَّهُ﴾ عطفٌ عليه، وقيل: تأكيد. ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ أي: تبعه، أو اتخذه وليًّا. والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾، وفي ﴿أَنَّهُ﴾ في الموضعين، وفي ﴿تَوَلَّاهُ﴾: للشيطان. وفي ﴿يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ﴾: للمتولِّي له. ويحتمل أن تكون تلك الضمائر أوَّلًا لـ ﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾.

стр. 1605

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ الآية؛ معناها: إن شككتم في البعث الأخراوي فزوال ذلك الشك أن تنظروا في ابتداء خلقتكم؛ فتعلموا أن الذي قدّر على خلقتكم أول مرة، قادرٌ على أن يعيدكم ثاني مرة، وأن الذي قدّر على إخراج النبات من الأرض بعد موتها، قادر على أن يخرجكم من قبوركم. ﴿خَلَقْنَاكُم مِنْ تُرَابٍ﴾ إشارةٌ إلى خلق آدم، وأسند ذلك إلى الناس؛ لأنهم من ذريته، وهو أصلهم. ﴿مِنْ عَلَقَةٍ﴾ العلقة: قطعةٌ من دمٍ جامدةٍ. ﴿مِنْ مُضْغَةٍ﴾ أي: قطعة من لحم. ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ التامة الخلقة، وغير المخلقة: غير التامة، كالسِّقْط. وقيل: المخلَّقة: المسوَّاة السالمة من النقصان. ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اللام تتعلَّق بمحذوف تقديره: ذكرنا ذلك لنبيّن لكم قدرتنا على البعث. ﴿وَنُقِرُّ﴾ فعلٌ مستأنف. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: وقت وضع الحمل، وهو مختلفٌ، أقلُّه ستة أشهر إلى ما فوق ذلك. ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أفرده: لأنه أراد الجنس، أو أراد: نخرج كل واحد منكم طفلًا.

стр. 1606

﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ هو كمال القوّة والعقل والتمييز، وقد اختُلف فيه من ثمان عشرة سنة إلى خمس وأربعين. ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ذُكر في «النحل» (١). ﴿هَامِدَةً﴾ يعني: لا نبات فيها. ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تحرّكت بالنبات، وتخلخلت أجزاؤها لمّا دخلها الماء. ﴿وَرَبَتْ﴾ انتفخت. ﴿زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: صنف عجيب. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: ذلك المذكور، مِنْ أمر الإنسان والنبات، حاصلٌ بأن (٢) الله هو الحق. هكذا قدّره الزمخشري (٣)، والباء على هذا سببية، وبهذا المعنى أيضًا فسَّرها ابن عطية (٤). ويلزم على هذا أن لا يكون قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ معطوفًا على ذلك؛ لأنه ليس بسبب لما ذُكر؛ فقال ابن عطية: قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ ليس بسبب لما ذكر؛ ولكن المعنى: أن الأمر مرتبط بعضه ببعض، أو على تقدير: والأمر أن الساعة (٥).

стр. 1607

وهذان الجوابان اللذان ذكر ابن عطية ضعيفان. أما قوله: «إن الأمر مرتبط بعضه ببعض»، فالارتباط هنا إنما يكون بالعطف، والعطف لا يصح. وأما قوله: «على تقدير: الأمر: أن الساعة»؛ فذلك استئناف، وقطعٌ للكلام الأول، ولا شكَّ أن المقصود من الكلام الأول هو إثبات الساعة؛ فكيف يجعل ذكرها مقطوعًا مما قبله؟!. والذي يظهر لي: أن الباء ليست بسببية، وإنما يُقدَّر لها فعلٌ تتعلق به ويقتضيه المعنى، وذلك أن يكون التقدير: ذلك الذي تقدَّم من خِلْقة الإنسان والنبات شاهدٌ (١) بأن الله هو الحق، وبأنه يحيي (٢) الموتى، وبأن الساعة آتية، فيصح عطف: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ على ما قبله بهذا التقدير، وتكون هذه الأشياء المذكورة بعد قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ مما استدلَّ عليها بخلقة الإنسان والنبات. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نزلت فيمن نزلت الأولى، وقيل: في الأخنس بن شَرِيق. ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ كنايةٌ عن المتكبّر المعرض. ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ إن كانت في النضر بن الحارث: فالخزي: أسره ثم قلته، وكذلك قتل أبي جهل.

стр. 1608

﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: يقال له: ذلك بما فعلتَ، وبعدل الله؛ لأنه لا يظلم العباد. * * *

стр. 1609

[﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨) هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾] ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ نزلت في قوم من الأعراب، كان أحدهم إذا أسلم فاتَّفق له ما يعجبه في ماله وولده قال: هذا دينٌ حسن، وإن اتَّفق له خلاف ذلك تشاءم به، وارتدَّ عن الإسلام. فالحرف هنا: كنايةٌ عن المقصد، وأصله: من الانحراف عن الشيء.

стр. 1610

أو من الحرف بمعنى الطرَف؛ أي: أنه في طرفٍ من الدين لا في وسطه. ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ خسارة الدنيا: بما جرى عليه فيها، وخسارة الآخرة: بارتداده، وسوء اعتقاده. ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ يعني: الأصنام، و ﴿يَدْعُو﴾ بمعنى: يعبد (في الموضعين) (١). ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ فيها إشكالان: الأول: في المعنى، وهو كونه وصَف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ثم وصفها بأنَّ ضرَّها أكثر من نفعها، فنفى الضرَّ ثم أثبته!. والجواب: أن الضر المنفي أولًا يراد به ما يكون مِنْ فِعْلها، وهي لا تفعل شيئًا، والضر الثاني يراد به: ما يكون بسببها من العذاب وغيره. والإشكال الثاني: دخول اللام على «مَنْ»، وهي في الظاهر مفعول، واللام لا تدخل على المفعول!. وأجاب الناس عن ذلك بثلاثة أوجه: أحدها: أن اللام مقدَّمة على موضعها، كأنَّ الأصل أن يقال: يدعو مَنْ لضرُّه أقرب من نفعه، فموضعها الدخول على المبتدإ. وثانيها: أنَّ ﴿يَدْعُو﴾ هنا كُرِّر تأكيدًا لـ ﴿يَدْعُو﴾ الأول، وتمَّ الكلام عنده، ثم ابتدأ قوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾، فـ «من» مبتدأ، وخبره ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾.

стр. 1611

وثالثها: أن معنى ﴿يَدْعُو﴾: يقول يوم القيامة هذا الكلام إذا رأى مضرةً الأصنام، فدخلت اللام على مبتدإ في أول الكلام. ﴿الْمَوْلَى﴾ هنا: بمعنى الولي. ﴿الْعَشِيرُ﴾ الصاحب؛ فهو من العِشْرة (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية؛ لما ذكر أن الأصنام لا تنفع من عبدها؛ قابل ذلك بأن الله ينفع من عبده بأعظم النفع، وهو دخول الجنة. ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ السبب هنا: الحبل، والسماء هنا: سقف البيت وشبهه من الأشياء التي تُعلَّق (٢) منها الحبال. والقطع هنا يراد به: الاختناق بالحبل، يقال: قطع الرجلُ: إذا اختنق. ويحتمل أن يراد به: قطعُ الرَّجل من الأرض بعد ربط الحبل في العنق، وربطه في السقف. والمراد بالاختناق هنا: ما يفعله من اشتدَّ غيظه وحسرته، أو طمع فيما لا يصل إليه، كقولك للحسود: مُتْ كمدًا، أو اختنق؛ فإنك لا تقدر على غير ذلك. وفي معنى الآية قولان: الأول: أن الضمير في ﴿يَنْصُرَهُ﴾ لمحمد ﷺ ، والمعنى على هذا: من كان من الكفار يظنُّ أن لن ينصر الله محمدًا فليختنق بحبل؛ فإن الله

стр. 1612

ناصره ولا بدَّ؛ على غيظ الكفار. فموجب الاختناق: هو الغيظ من نصرة محمد ﷺ . والقول الثاني: أن الضمير في ﴿يَنْصُرَهُ﴾ عائدٌ على ﴿مَنْ﴾، والمعنى على هذا: مَنْ ظنَّ بسبب ضيق صدره وكثرة غمّه أن لن ينصره الله فليختنق، وليمت بغيظه؛ فإنه لا يقدر على غير ذلك. فموجب الاختناق على هذا: القنوط، والتسخط من القضاء، وسوء الظنّ بالله حتى يئس (١) من نصره، ولذلك فسّر بعضهم ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ بمعنى: أن لن يرزقه. وهذا القول أرجح من الأول لوجهين: أحدهما: أن هذا القول مناسبٌ لمن يعبد الله على حرف؛ لأنه إذا أصابته فتنة انقلب وقنط، حتى ظنَّ أن الله لا ينصره (٢)، فيكون هذا الكلام متصلًا بما قبله، ويدلُّ عليه (٣) قوله قبل هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ أي: الأمور بيد الله؛ فلا ينبغي لأحد أن يتسخط من قضاء الله، ولا ينقلب إذا أصابته فتنة. والوجه الثاني: أن الضمير في ﴿يَنْصُرَهُ﴾ على هذا القول يعود على ما تقدَّم (٤)، وأما في القول الأول فلا يعود على مذكورٍ قبله؛ لأن النبي ﷺ لم

стр. 1613

يُذكر قبل ذلك بحيث يعود الضمير عليه، ولا يدلُّ سياق الكلام عليه دلالةً ظاهرة. ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ الكيد هنا يراد به: اختناقه، وسُمِّيَ كيدًا؛ لأنه وضعه موضع الكيد؛ إذ هو غاية حيلته. والمعنى: إذا خنق نفسه فلينظر هل يُذهب ذلك ما يغيظه من الأمر؟، أي: ليس يُذهبه. ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ﴾ الضمير للقرآن؛ أي: مثل هذا أنزلنا القرآن كلَّه آياتٍ بيّناتٍ. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ قال ابن عطية: «أنَّ» في موضع خبر الابتداء، والتقدير: الأمر أن الله (١)، وهذا ضعيف؛ لأن فيه تكلُّفَ إضمار، وقطعًا للكلام عن المعنى الذي قبله. وقال الزمخشري: التقدير: لأنَّ الله يهدي من يريد أنزلناه كذلك آيات بينات (٢)، فجعَل «أنَّ» تعليلًا للإنزال، وهذا ضعيف؛ للفصل بينهما بالواو. والصحيح عندي: أن قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوف على ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ لأنه مقدر بالمصدر، فالتقدير: أنزلناه آياتٍ بينات وهدىً لمن أراد الله أن يهديه. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ ذُكر في «البقرة» (٣)، وكذلك ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾.

стр. 1614

﴿وَالْمَجُوسَ﴾ هم الذين يعبدون النار، ويقولون: إن الخير من النور والشرَّ من الظلمة. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ هم الذين يعبدون الأصنام من العرب وغيرهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ هذه الجملة هي خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية، وكُرِّرت ﴿إِنَّ﴾ مع الخبر للتأكيد. وفَصْلُ الله بينهم: بأن يبين لهم أنَّ الإيمان هو الحق، وسائر الأديان باطلة، وبأن يدخل الذين آمنوا الجنة ويدخل غيرهم النار. ﴿يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ دخل في هذا: مَنْ في السموات من الملائكة، ومَن في الأرض من الملائكة والجنِّ، ولم يدخل الناس في ذلك؛ لأنه ذكرهم في آخر الآية، إلَّا أن يكون ذكرهم في آخرها على وجه التجريد. وليس المراد بالسجود هنا السجود المعروف؛ لأنه لا يصح في حق الشمس والقمر وما ذكر بعدهما، وإنما المراد به: الانقياد، ثم إن الانقياد يكون على وجهين: أحدهما: الانقياد لطاعة الله طوعًا. والآخر: الانقياد لما يُجري الله على المخلوقات من أفعاله وتدبيره، شاؤوا أو أبوا. ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ إن جعلنا السجود بمعنى الانقياد للطاعة؛ فيكون ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ معطوفًا على ما قبله من الأشياء التي تسجد، ويكون

стр. 1615

قوله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ مستأنفًا يراد به من لا ينقاد للطاعة، ويُوقَف على قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾، وهذا القول هو الصحيح. وإنْ جعلنا السجود بمعنى الانقياد لقضاء الله وتدبيره؛ فلا يصح تفصيل الناس على ذلك إلى من يسجد ومن لا يسجد؛ لأن جميعهم يسجد بذلك المعنى. فقيل (١): إن قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ معطوف على ما قبله، ثم عطف عليه ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾، فالجميع على هذا يسجد، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ يقتضي ظاهره: أنه إنما حق عليه العذاب بتركه للسجود. وتأوله الزمخشري على هذا المعنى: بأن أعرب ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ فاعلًا بفعل مضمر تقديره: يسجد سجود طاعة، أو مرفوعًا بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: مثاب (٢). وهذا تكلُّف بعيد. ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ الإشارة إلى المؤمنين والكفار على العموم، ويدلُّ على ذلك: ما ذكر قبلها من اختلاف الناس في أديانهم، وهو قول ابن عباس (٣).
следующие страницы →