← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

﴿فَنَسِيَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من كلام بني إسرائيل، والفاعل: موسى؛ أي: نسي موسى إلهه هنا، وذهب يطلبه في الطور، والنسيان على هذا بمعنى (١): الذهول. والوجه الثاني: أن يكون من كلام الله تعالى، والفاعل: السامريُّ؛ أي: نسي دينه وطريق الحق، والنسيان على هذا بمعنى: الترك. ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ معناه: لا يردُّ عليهم كلامًا إذا كلموه، وذلك ردٌّ عليهم في دعوى (٢) الربوبية له. وقرئ ﴿يَرْجِعُ﴾: بالرفع، و «أنْ» مخففة من الثقيلة. وبالنصب، وهي مصدرية. * * *

стр. 1542

[﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨) كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾]. ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ «لا» زائدة للتأكيد، والمعنى: ما منعك أن تتبعني في المشي إلى الطور؟. أو تتبعني في الغضب لله، وشدَّة الزجر لمن عبد العجل، وقتالهم بمن لم يعبده؟. ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ ذُكر في «الأعراف» (١). ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ كان موسى قد أخذ بشعر هارون ولحيته من

стр. 1543

شِدَّةَ غضبه، لمَّا وجد بني إسرائيل قد عبدوا العجل. ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: لو قاتلت (١) مَنْ عبد العجل منهم بمن لم يعبده لقلتَ: فرَّقتَ جماعتهم، وأدخلت العداوة بينهم، وهذا على أن يكون معنى قوله: ﴿تَتَّبِعَنِ﴾ في الزجر والقتال. أو: لو اتَّبعتك في المشي إلى الطور لا تَّبعني بعضهم دون بعض، فتفرَّقت جماعتهم، وهذا على أن يكون معنى ﴿تَتَّبِعَنِ﴾ في المشي إلى الطور. ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يعني: قوله (٢): ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥)﴾ أي: قال موسى ما شأنك؟، ولفظ الخَطْب يقتضي انتهارًا؛ لأنه مستعمل في المكاره. ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت ما لم يروه، يعني: جبريل ﵇ وفرسه. ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: قبضت قبضة من ترابٍ من أثرِ فرسِ الرسول وهو جبريل، وقرأ ابن مسعود: «من أثر فرس الرسول». وإنما سمَّى جبريلَ بالرسول؛ لأن الله أرسله إلى موسى. والقبضة: مصدر قبَضَ، وإطلاقها على المفعول من تسمية المفعول بالمصدر كـ «ضَرْب الأمير». ويقال: قبض بالضاد المعجمة: إذا أخذ بأصابعه وكفه، وبالصاد

стр. 1544

المهملة: إذا أخذ بأطراف الأصابع، وقد قرئ كذلك في الشاذ. ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي: ألقيتها على الحليّ، فصار عِجْلًا، أو على العجل فصار له خوار. ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ عاقب موسى ﵇ السامريَّ؛ بأن منع الناس من مخالطته ومجالسته ومؤاكلته ومكالمته، وجعل له مع ذلك أن يقول طول حياته: لا مساس؛ أي: لا مماسّة ولا إذاية. وروي أنه كان إذا مسَّه أحدٌ أصابت الحمى له وللذي مسه، فصار هو يَبعُد عن الناس وصار الناس يبعُدون عنه. ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ يعني: العذاب في الآخرة، وهذا تهديدٌ ووعيد. ﴿ظَلْتَ﴾ أصله ظَلِلْتَ، حذفت إحدى اللامين، والأصل في معنى ظل: أقام بالنهار، ثم استعمل في الدُّؤوب على الشيء (١) ليلًا ونهارًا. ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ من الإحراق بالنار. وقرئ بفتح النون وضم الراء، بمعنى: نَبْرُدُه بالمِبْرَدِ. وقد حمل بعضهم قراءة الجماعة على أنها من هذا المعنى؛ لأن الذهب لا يفنى بالإحراق بالنار، والصحيح: أن المقصود بإحراقه بالنار إذابته وإفساد صورته، فيصحُّ حمل قراءة الجماعة على ذلك. ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ أي: نُلقيه في البحر، والنسف: تفريق الغبار ونحوه.

стр. 1545

﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ الآية؛ من كلام موسى لبني إسرائيل. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ مخاطبةٌ من الله تعالى لمحمد، و ﴿أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾: أخبار المتقدِّمين. ﴿ذِكْرًا﴾ يعني: القرآن. ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ يعني: إعراض تكذيبٍ به. ﴿وِزْرًا﴾ الوزر في اللغة: الثِّقَل، ويعني هنا: العذاب؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾. أو الذنوب؛ لأنها سبب العذاب. ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ شبه الوزر بحمل؛ لثقله. قال الزمخشري: «ساء» تجري مجرى «بئس»، ففاعلها مضمر يفسّره: ﴿حِمْلًا﴾ (١). وقال غيره: فاعلها مضمر يعود على الوزر. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ أي: ينفخ المَلَك في القرن. وقرئ: ﴿نَنْفُخُ﴾ بالنون؛ أي: بأمرنا. ﴿زُرْقًا﴾ قيل: زرق الألوان كالسواد. وقيل: زرق العيون من العمى.

стр. 1546

﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾ أي: يقول بعضهم لبعض في السرِّ: إن لبثتم في الدنيا إلَّا عشر ليال، وذلك لاستقلالهم مدَّة الدنيا. وقيل: يعنون لبثهم (١) في القبور. ﴿يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ أي: يقول أعلمهم بالأمر - بالإضافة إليهم -: إن لبثتم إلَّا يومًا واحدًا، فاستقلَّ المدَّة أشدَّ (٢) مما استقلَّها غيرُه. * * *

стр. 1547

[﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾]. ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي﴾ أي: يجعلها كالغبار، ثم يفرّقها. ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦)﴾ الضمير في ﴿فَيَذَرُهَا﴾ للجبال، والمراد: مواضعها من الأرض، والقاع الصفصف: المستوي من الأرض الذي لا ارتفاع فيه. ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ المعروف في اللغة: أن العِوَج بالكسر: في المعاني، وبالفتح: في الأشخاص، والأرض شخص؛ فكان الأصل أن يقال فيها بالفتح، وإنما قاله بالكسر مبالغة في نفيه؛ فإن الذي في المعاني أدقُّ من الذي في الأشخاص، فنفاه؛ ليكون غايةً في نفي العِوَج من كل وجه. ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ الأمتُ: هو الارتفاع اليسير. ﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ يعني: الذي يدعو الخلق إلى الحشر. ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا يَعْوَجُّ أحدٌ عن اتباعه والمشي نحو صوته. أو لا عوج لدعوته؛ لأنها حقٌّ.

стр. 1548

﴿هَمْسًا﴾ هو الصوت الخفيُّ. ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ يحتمل أن يكون الاستثناء متصلًا، و ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَنْفَعُ﴾، وهي واقعة على المشفوع له، فالمعنى: لا تنفع الشفاعة أحدًا إلَّا من أذن له الرحمن في أن يُشفَع له. أو أن يكون الاستثناء منقطعًا، و ﴿مَنْ﴾ واقعة على الشافع، والمعنى: لكن من أذن له الرحمن يَشفع. ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ إن أريد بـ ﴿مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ المشفوع فيه، فاللام في ﴿لَهُ﴾ بمعنى: لأجله؛ أي: رضي قول الشافع لأجل المشفوع فيه. وإن أريد الشافع فالمعنى: رضي قوله في الشفاعة. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الضميران لجميع الخلق (١)، والمعنى ذُكِرَ في آية الكرسي (٢). ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ قيل: المعنى: لا يحيطون بمعلوماته، كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والصحيح عندي: أن المعنى لا يحيطون بمعرفة ذاته؛ إذ لا يعرف الله على الحقيقة إلَّا الله، ولو أراد المعنى الأوَّل لقال: ولا يحيطون بعلمه، ولذلك استثنى ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ هناك، ولم يستثن هنا. ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ أي: ذلَّت يوم القيامة.

стр. 1549

﴿وَلَا هَضْمًا﴾ أي: بخسًا ونقصًا لحسناته. ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ أي: تذكُّرًا. وقيل: شرفًا، وهو هنا بعيد. ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ أي: إذ أقرأك جبريل القرآن (١) فاستمع إليه، واصبر حتى يفرغ، وحينئذ تقرؤه أنت، فالآية كقوله: ﴿تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. وقيل: كان النبي ﷺ إذا أوحي إليه القرآن يأمر بكتبه في الحين، فأُمر أن يتأنى حتى تفسَّر له المعاني. والأول أشهر. * * *

стр. 1550

[﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)﴾]. ﴿عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ أي: وصيناه أن لا يأكل من الشجرة. ﴿فَنَسِيَ﴾ يحتمل: أن يريد النسيان الذي هو ضدُّ الذُّكْر، فيكون ذلك عذرًا لآدم. أو يريد الترك، وقال ابن عطية: لا يمكن غيره؛ لأن الناسي لا عقاب عليه (١). وقد تقدَّم الكلام على قصة آدم وإبليس في «البقرة» (٢).

стр. 1551

﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ أي: لا تطيعاه فيخرجكما من الجنة، فجعل المسبَّب موضع السبب. وخصَّ آدم بقوله: ﴿فَتَشْقَى﴾؛ لأنه كان المخاطب أولًا والمقصود بالكلام. وقيل: لأن الشقاء في معيشة الدنيا مختصٌّ بالرجال. ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ الظمأ: هو العطش، والضُّحِيُّ (١): هو البروز للشمس. ﴿يَخْصِفَانِ﴾ ذكر في «الأعراف» (٢)، وكذلك الشجرة وأكل آدم منها ذكر ذلك في «البقرة» (٣). ﴿اهْبِطَا﴾ خطاب لآدم وحواء. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي﴾ هي «إنْ» الشرطية دخلت عليها «ما» الزائدة، وجوابها ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ﴾. ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ أي: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. ﴿مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ أي: ضيِّقةً؛ فقيل: إن ذلك في الدنيا؛ فإن الكافر ضيق المعيشة؛ لشدَّة حرصه، وإن كان واسع الحال، وقد قال بعض الصوفية: لا يُعرِض أحد عن ذكر الله إلَّا أظلم عليه وقته وتكدر عليه عيشه.

стр. 1552

وقيل: ذلك في البرزخ. وقيل: في جهنم بأكل الزقوم، وهذا ضعيف؛ لأنه ذكر بعد هذا يوم القيامة وعذاب الآخرة. ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ يعني: أعمى البصر. ﴿فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ من الترك، لا من الذهول. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ أي: عذاب جهنم أشدُّ وأبقى من المعيشة الضنك، ومن الحشر أعمى. ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ معناه: ألم يتبين لهم، والضمير لقريش، والفاعل بـ ﴿يَهْدِ﴾ مقدَّر، تقديره: ألم يهد لهم الهُدَى، أو الأمر. وقال الزمخشري: الفاعل الجملة التي بعده (١). وقيل: الفاعل ضمير الله ، ويدل عليه قراءة: «أفلم نهد» بالنون. وقال الكوفيون: الفاعل ﴿كَمْ﴾. ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ يريد: أن قريشًا يمشون في مساكن عاد وثمود، ويعاينون آثار هلاكهم. ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ أي: ذوي العقول. * * *

стр. 1553

[﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢) وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾]. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا﴾ الكلمة هنا: القضاء السابق، والمعنى: لولا قضاء الله بتأخير العذاب عنهم لكان العذاب لزامًا؛ أي: واقعًا بهم. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ معطوف على ﴿كَلِمَةٌ﴾؛ أي: لولا الكلمة والأجل المسمى لكان العذاب لزامًا، وإنما أخَّره لتعتدل رؤوس الآي. والمراد بالأجل المسمى: يوم بدر، وبذلك ورد تفسيره في البخاري (١). وقيل: المراد به: أجل الموت. وقيل: القيامة. ﴿وَسَبِّحْ﴾ يحتمل أن يريد بالتسبيح: الصلاة.

стр. 1554

أو قولُ: «سبحان الله»، وهو ظاهر اللفظ. ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ في موضع الحال؛ أي: وأنت حامد لربك على أن وفّقك للتسبيح. ويحتمل أن يكون المعنى: سبّح تسبيحًا مقرونًا بحمد ربك، فيكون أمرًا بالجمع بين قول: «سبحان الله» وقول: «الحمد لله»، وقد قال رسول الله ﷺ : «وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض» (١). ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ إشارةٌ إلى الصلوات الخمس عند من قال: إن معنى ﴿وَسَبِّحْ﴾: الصلاة، فالتي قبل طلوع الشمس: الصبح، والتي قبل غروبها: الظهر والعصر، ومن آناء الليل: العشاء الآخرة (٢)، وأطراف النهار: المغرب والصبح. وكرَّر الصبح في ذلك؛ تأكيدًا للأمر بها. وسمَّى الطرفين أطرافًا لأحد وجهين: إما على نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. وإما أن يجعل النهار للجنس، فلكل يوم طرف. وآناء الليل: ساعاته، واحدها: أنيٌّ. ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ ذكر في «الحجر» (٣)، ومدُّ العينين: هو تطويل النظر،

стр. 1555

ففي ذلك دليل (١) أن النظر غير الطويل معفوٌّ عنه. ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ شبه نعيم الدنيا بالزهر وهو (٢) النَّوَّار؛ لأن الزهر له منظر حسن، ثم يذبل ويضمحل. وفي نصب ﴿زَهْرَةَ﴾ خمسة أوجه: [١ - ] أن ينتصب بفعل مضمر على الذم. [٢ - ] أو يضمَّن ﴿مَتَّعْنَا﴾ معنى: أعطينا، ويكون ﴿زَهْرَةَ﴾ مفعولًا ثانيًا له. [٣ - ] أو يكون بدلًا من موضع الجار والمجرور. [٤ - ] أو يكون بدلًا من ﴿أَزْوَاجًا﴾، على تقدير: ذوي زهرة. [٥ - ] أو ينتصب على الحال. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ أي: نختبرهم. ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ أي: لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك، فتفرَّغ أنت وأهلك للصلاة؛ فنحن (٣) نرزقك. وكان بعض السلف إذا أصاب أهله خصاصةٌ قال: «قوموا فصلوا؛ بهذا أمركم الله»، ويتلو هذه الآية (٤). ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ البينة هنا: البرهان، والصحف

стр. 1556

الأولى: هي التوراة والإنجيل وغيرهما (١) من كتب الله. والضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ وفي ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ﴾ لقريش، لما اقترحوا على وجه العناد والتعنت أجابهم الله بهذا الجواب، والمعنى: قد جاءكم برهانُ ما في التوراة والإنجيل من ذكر محمد ﷺ ، فلأيِّ شيء تطلبون آية أخرى؟. ويحتمل أن يكون المعنى: قد جاءكم القرآن، وفيه من العلوم والقصص ما في الصحف الأولى، فذلك بينة وبرهان على أنه من عند الله. ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ الآية؛ معناها: لو أهلكنا هؤلاء الكفار قبل بعث محمد ﷺ لاحتجوا على الله بأن يقولوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾، و «لولا» هنا: عَرْضٌ، فقامت عليهم الحجة ببعثه ﷺ . ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ أي: قل كل واحد منا ومنكم منتظرٌ لما يكون من هذا الأمر. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ تهديدٌ. ﴿الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ المستقيم. * * *

стр. 1557

سورة الأنبياء ﵈ - [﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾]. ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الناس: لفظ (١) عام. وقال ابن عباس: المراد به هنا: المشركون من قريش؛ بدليل ما بعد ذلك؛ فإنه من صفاتهم. وإنما أخبر عن الساعة بالقرب؛ لأن الذي مضى من الزمان قبلها أكثر مما بقي لها، ولأن كل آتٍ قريب.

стр. 1558

﴿مَا يَأْتِيهِم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ يعني بالذكر: القرآن، و ﴿مُحْدَثٍ﴾ أي: محدث النزول (١). ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ ضمير فاعل، يعود على ما قبله، و ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: بدل من الضمير. وقيل: إن الفاعل هو ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وجاء ذلك على لغة من قال: «أكلوني البراغيث»، وهي لغة بني الحارث بن كعب، وقال سيبويه: لم تأت هذه اللغة في القرآن. ويحتمل أن يكون ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: منصوبًا بفعل مضمر على الذّمِّ. أو خبر ابتداء مضمر. والأول أحسن. ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ هذا الكلام في موضع نصب؛ بدلًا من ﴿النَّجْوَى﴾؛ لأنه هو الكلام الذي تناجوا به، والبشر المذكور في الآية: هو محمد ﷺ .

стр. 1559

﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ﴾ إخبارٌ بأنه سمع ما تناجوا به على أنهم أسرُّوه. فإن قيل: هلَّا قال: «يعلم السر»؛ مناسبةً لقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾؟ فالجواب: أن القول يشمل السرَّ والجهر؛ فحصل به ذكر السرِّ وزيادة. ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أخلاط منامات، وحكى عنهم هذه الأقوال الكثيرة؛ ليظهر اضطراب أمرهم وبطلان أقوالهم. ﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي: كما جاء الرسل المتقدّمون بالآيات فليأتنا محمد بآية، فالتشبيه في الإتيان بالمعجزات. ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ لما قالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾ أخبرهم الله أن الذين من قبلهم طلبوا الآيات، فلما رأوها ولم يؤمنوا هلكوا، ثم قال: ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن حالهم في عدم الإيمان وفي الهلاك كحال مَنْ قبلهم. ويحتمل أن يكون المعنى: أن كل قرية هلكت لم تؤمن، فهؤلاء كذلك، ولا يكون -على هذا- جوابًا لقولهم: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾، بل يكون إخبارًا مستأنفًا على وجه التهديد. و ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ في موضع الصفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، والمراد: أهل القرية. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ ردٌّ على قولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾؛ والمعنى: أن الرسل المتقدمين رجالٌ من البشر؛ فكيف تنكرون أن يكون هذا الرجل رسولًا؟!. ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ يعني: أحبار أهل الكتاب.

стр. 1560

﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ أي: ما جعلنا الرسل أجسادًا غيرَ طاعمين، ووحد الجسد لإرادة الجنس، و ﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ صفة لـ ﴿جَسَدًا﴾. وفي الآية ردٌّ على قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]. ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾ يعني: المؤمنين. ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم. وقيل: تذكيركم. * * *

стр. 1561

[﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾]. ﴿قَصَمْنَا﴾ أي: أهلكنا، وأصله مِنْ: قَصْمِ الظهر أي: كسرُه. ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ يريد: أهل القرية. قال ابن عباس: هي قرية باليمن يقال لها: حَضُور، بعث الله إليهم نبيًّا فقتلوه، فسَلَّط الله عليهم بُخْتَ نَصَّرَ (١) ملك بابل، فأهلكهم الله بالقتل.

стр. 1562

وظاهر اللفظ أنه على العموم؛ لأن «كم» للتكثير، فلا يريد قرية معينة. ﴿يَرْكُضُونَ﴾ عبارةٌ عن فرارهم، فيحتمل: أن يكونوا ركبوا الدواب، وركضوها؛ لتسرع الجري. أو شُبِّهوا في سرعة جريهم على أرجلهم بمن يركض الدابة. ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ أي: قيل لهم: ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾، والقائل لذلك: هم الملائكة، قالوه تهكُّمًا بهم. أو رجال بخت نصَّر إن كانت القرية المعيَّنة، قالوا ذلك لهم خداعًا؛ ليرجعوا فيقتلوهم. ﴿مَا أُتْرِفْتُمْ﴾ أي: نُعّمتم. ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ تهكُّمٌ بهم وتوبيخ؛ أي: ارجعوا إلى نعيمكم (١) ومساكنكم؛ لعلكم تسألون عما جرى عليكم. ويحتمل أن يكون ﴿تُسْأَلُونَ﴾ بمعنى: يطلب لكم الناس معروفكم، وهذا أيضًا تهكُّمٌ. ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا﴾ الآية؛ اعتراف وندم حين لم ينفعهم. ﴿حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ شُبِّهوا في هلاكهم بالزرع المحصود، ومعنى ﴿خَامِدِينَ﴾: موتى، وهو تشبيهٌ بخمود النار. ﴿لَاعِبِينَ﴾ حال منفية؛ أي: ما خلقنا السموات والأرض لأجل اللعب،

стр. 1563

بل للاعتبار بها، والاستدلال على صانعها. ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ اللهو في لغة اليمن: الولد، وقيل: المرأة، و ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من (١) الملائكة، فالمعنى على هذا: لو أردنا أن نتخذ ولدًا لاتخذناه من الملائكة، لا من بني آدم، فهو ردٌّ على من قال: المسيح ابن الله وعزيز ابن الله. والظاهر أن اللهو بمعنى اللعب؛ لاتصاله بقوله: ﴿لَاعِبِينَ﴾. وقال الزمخشري: المعنى على هذا: لو أردنا أن نتخذ لهوًا لكان ذلك في قدرتنا، ولكن ذلك لا يليق بنا؛ لأنه مناقض للحكمة (٢). وفي كلا القولين نظرٌ. ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ يحتمل أن تكون ﴿إِنْ﴾: شرطيةٌ، وجوابها فيما قبلها. أو نافيةٌ. والأول أظهرُ. ﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ الحقُّ: عام في القرآن والرسالة والشرع وكل ما هو حقٌّ، والباطلُ: عام في أضداد ذلك. ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: يقمعهُ ويُبطلهُ، وأصله من إصابةِ الدماغِ.

стр. 1564

﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ يعني: الملائكة. ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: لا يَعْيَوْنَ (١)، ولا يَمَلُّونَ. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾ «أم» هنا: للإضراب عما قبلها، والاستفهام على وجه الإنكار لما بعدها. و ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يتعلَّق بـ ﴿يُنْشِرُونَ﴾. والمعنى: أن الآلهة التي اتخذها المشركون لا يقدرون أن يُنشروا الموتى من الأرض، فليست بآلهة في الحقيقة؛ لأن من صفة الإله القدرة على الإحياء والإماتة. ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ هذا برهان على وحدانية الله تعالى، والضمير في قوله: ﴿فِيهِمَا﴾ للسموات والأرض، و ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ صفة لـ ﴿آلِهَةٌ﴾، و ﴿إِلَّا﴾ بمعنى «غير». فاقتضى الكلام أمرين: أحدهما: نفي كثرة الآلهة، ووجوب أن يكون الإله واحدًا. والأمر الثاني: أن يكون ذلك الواحد هو الله دون غيره، ودلَّ على ذلك قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾. وأما الأول فكانت الآية تدلُّ عليه لو لم تذكر هذه الكلمة. وقال كثير من الناس في معنى الآية: إنها دليلُ التَّمانع الذي أورده

стр. 1565

الأصوليون، وذلك أنَّا لو فرضنا إلهين، فأراد أحدهما شيئًا وأراد الآخر نقيضه، فإما أن تَنْفُذَ إرادة كل واحد منهما، وذلك محال؛ لأن النقيضين لا يجتمعان، وإما أن لا تنفذ إرادة واحدٍ منهما، وذلك أيضًا محال؛ لأن النقيضين لا يرتفعان معًا، ولأن ذلك يؤدِّي إلى عجزهما وقصورهما، فلا يكونان إلهين، وإما أن تنفذ إرادة واحد منهما دون الآخر، فالذي تنفذ إرادته هو الإله، والذي لا تنفذ إرادته ليس بإله، فالإله واحد. وهذا الدليل إن سلَّمنا صحته فلفظ الآية لا يطابقه، بل الظاهر من اللفظ استدلال آخر أصح من دليل التمانع، وهو أنه لو كان فيهما آلهة إلَّا الله لفسدتا؛ لما يحدث بينهما من الاختلاف والتنازع في التدبير وقصد المغالبة، ألا ترى أنه لا يوجد ملكان اثنان بمدينة (١) واحدة، ولا واليان (٢) لخِطَّةٍ (٣) واحدة. ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لأنه مالك كل شيء، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء، ولأنه حكيم؛ فأفعاله كلها جاريةٌ على الحكمة. ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لِفَقْدِ العلتين. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ كرَّر هذا الإنكار؛ استعظامًا للشرك، ومبالغةً في تقبيحه؛ لأن قبله من صفات الله ما يوجب توحيده، وليناط به

стр. 1566

ما ذكر بعده من تعجيز (١) المشركين، وأنهم ليس لهم على الشرك برهان؛ لا من جهة العقل، ولا من جهة الشرائع. ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ تعجيز لهم. وقد تكلمنا على ﴿هَاتُوا﴾ في «البقرة» (٢). ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ ردٌّ على المشركين، والمعنى (٣): هذا الكتاب الذي معي، والكتب التي من قبلي ليس فيها ما يقتضي الإشراك بالله، بل كلها متفقة على التوحيد. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ الآية؛ ردٌّ على المشركين، والمعنى: أن كل رسول إنما أتى بـ «لا إله إلا الله». ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ يعني الملائكة، وهم الذي قال فيهم بعض الكفار: إنهم بنات الله، فوصفهم بالعبودية؛ لأنها تناقض البنوَّة، ووصفهم بالكرامة؛ لأن ذلك هو الذي غرَّ الكفار حتى قالوا فيهم ما قالوا. ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي: لا يتكلمون حتى يتكلم هو؛ تأدُّبًا معه. ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ أي: لمن ارتضى أن يُشفع له. ويحتمل أن تكون هذه الشفاعة: في الآخرة.

стр. 1567

أو في الدنيا، وهي استغفارهم لمن في الأرض. ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون. ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ الآية على فرض أن لو قالوا ذلك، ولكنهم لا يقولونه، وإنما مقصود (١) الآية الردُّ على المشركين. وقيل: إن الذي قال: «إني إله»: هو إبليس لعنه الله. * * *

стр. 1568

[﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١)﴾]. ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ الرَّتْقُ: مصدرٌ وُصِفَ به، ومعناه: الملتصق بعضه ببعض الذي لا صدع فيه ولا فتح، والفَتْق: الفتح: فقيل: كانت السماء مُلْصقةً (١) بالأرض ففتقهما (٢) الله بالهواء. وقيل: كانت السماوات (٣) ملصقةً ببعضها ببعض، والأرضون (٤) كذلك،

стр. 1569

ففتقهما (١) الله سبعًا سبعًا. والرؤية في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ على هذا: رؤية قلب. وقيل: فتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات، والرؤية على هذا: رؤية عين. ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: خلقنا من الماء كل حيوان، ويعني بالماء: المنيِّ. وقيل: الماء الذي يُشْرَب؛ لأنه سببٌ لحياة الحيوان، ويدخل في ذلك النبات باستعارة. ﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني: الجبال. ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ تقديره: كراهة أن تميد. ﴿فِجَاجًا﴾ يعني: الطرق الكبار. وإعرابه عند الزمخشري: حال من السُّبُل؛ لأنه صفةٌ تقدَّمت على النكرة (٢). ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعني: في طريقهم وتصرفاتهم. ﴿سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ أي: حُفظ من السُّقوط، ومن الشياطين. ﴿عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ يعني: الكواكب والأمطار والرعد والبرق وغير ذلك.

стр. 1570

﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوضٌ عن الإضافة؛ أي: كلهم في فلك يسبحون، يعني: الشمس والقمر، دون الليل والنهار؛ إذ لا يوصف الليل والنهار بالسَّبْح في الفلك، فالجملة: في موضع حال من ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾. أو مستأنفة (١). فإن قيل: لفظ ﴿كُلٌّ﴾ و ﴿يَسْبَحُونَ﴾ جمعٌ، فكيف يعني الشمس والقمر وهما اثنان؟ فالجواب: أنه أراد جنس مطالعهما (٢) كل يوم وليلة، وهي كثيرة. قاله الزمخشري (٣). وقال الغَزْنَوي: أراد الشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة. وعبَّر عنها بضمير الجماعة (٤) العقلاء في قوله: ﴿يَسْبَحُونَ﴾؛ لأنه وصفهم بفعل العقلاء، وهو السَّبْح. فإن قيل: كيف قال: ﴿فِي فَلَكٍ﴾ وهي أفلاك كثيرة؟ فالجواب: أنه أراد: كل واحد يَسْبَح في فلكه (٥)، وذلك كقولك (٦):

стр. 1571

«كساهم الأمير حُلَّةً»؛ أي: كسا كلَّ واحد منهم حلة. ومعنى الفلك: جسم مستدير. وقال بعض المفسرين: إنه من موج، وذلك بعيد. والحقُّ: أنه لا تُعلم صفته وكيفيته إلَّا بإخبارٍ صحيح عن الشارع، وذلك غير موجود. ومعنى ﴿يَسْبَحُونَ﴾: يَجْرُون، أو يدورون، وهو مستعارٌ من السَّبح بمعنى العوم في الماء. وقوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ من المقلوب الذي يقرأ من الطرفين. ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ سببها: أن الكفار طعنوا على النبي ﷺ بأنه بشر يموت. وقيل: إنهم تمنَّوا موته؛ ليشمَتوا به، وهذا أنسب لما بعده. ﴿أَفَإِن مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ موضع دخول الهمزة ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ وقُدِّمت (١)؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: كلُّ نفسٍ مخلوقةٍ لا بدَّ لها أن تذوق الموت. والذَّوق هنا استعارة. ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ أي: نختبركم بالفقر والغنى، والمرض والصحة وغير ذلك من أحوال الدنيا؛ ليظهر الصبر على الشر، والشكر على

стр. 1572

الخير، أو خلاف ذلك. ﴿فِتْنَةً﴾ مصدر من معنى ﴿وَنَبْلُوكُم﴾. ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ أي: يذكرهم بالذم، دلَّ على ذلك قرينة الحال؛ فإن الذكر قد يكون بذمّ أو مدح. والجملة تفسير للهزء؛ أي: يقولون: أهذا الذي .. ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ الجملة في موضع الحال؛ أي: كيف ينكرون ذمَّك لآلهتهم وهم يكفرون بالرحمن، فهم أحقُّ بالملامة. وقيل: معنى ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾: تسميته بهذا الاسم؛ لأنهم أنكروها. والأول أغرق في ضلالهم. ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: خلق شديد الاستعجال، وجاءت هذه العبارة للمبالغة، كقولك: خُلق حاتم من جُودٍ. والإنسان هنا: جنس. وسبب الآية: أن الكفار استعجلوا الآيات التي اقترحوها، والعذاب الذي طلبوه، فذكر الله هذا توطئةً لقوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾. وقيل: المراد هنا: آدم؛ لأنه لما وصل الروح إلى صدره أراد أن يقوم. وهذا ضعيف. وقيل: ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: من طين، وهذا أضعف.

стр. 1573

﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ وعيدٌ، وجوابٌ على ما (١) طلبوه من التعجيل. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ الآية؛ تفسيرٌ لاستعجالهم. ﴿الْوَعْدُ﴾ القيامة، أو نزول العذاب بهم. ﴿لَوْ يَعْلَمُ﴾ جواب «لو» محذوف. ﴿حِينَ﴾ مفعول به لـ ﴿يَعْلَمُ﴾ أي: لو يعلمون الوقت الذي يحيط بهم العذاب لآمنوا وما استعجلوا. ﴿بَلْ تَأْتِيهِم﴾ الضمير الفاعل: للنار، وقيل: للساعة. ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ أي: تفجؤهم. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا يؤخَّرون عن العذاب. ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ الآية؛ تسليةٌ بالتأسي. ﴿فَحَاقَ﴾ أي: أحاط. * * *

стр. 1574

[﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾]. ﴿مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ أي: من يحفظكم من أمر الله؟، و «مَنْ» استفهامية. والمعنى: تهديد، وإقامةُ حجة؛ لأنهم لو أجابوا على هذا السؤال لاعترفوا أنهم ليس لهم مانع ولا حافظ، ثم جاء قوله: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِم مُعْرِضُونَ﴾ بمعنى: أنهم إذا سئلوا ذلك السؤال لم يجيبوا عنه؛ لأنه تقوم عليهم الحجة إن أجابوا، ولكنهم يعرضون عن ذكر الله؛ أي: عن الجواب الذي فيه ذكر الله. وقال الزمخشري: معنى الإضراب هنا: أنهم معرضون عن ذكره، فضلًا عن أن يخافوا بأسه (١). ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِن دُونِنَا﴾ أي: تمنعهم من العذاب، و ﴿أَمْ﴾ هنا للاستفهام، والمعنى: الإنكار والنفي، وذلك أنه لما سألهم عمن يكلؤهم

стр. 1575

أخبر بعد ذلك أن آلهتهم لا تمنعهم ولا تحفظهم، ثم احتجَّ عن ذلك بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ﴾، فإن من لا ينصر نفسه أولى أن لا ينصر غيره. ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ الضمير للكفار؛ أي: لا يُصْحبون منا بنصر ولا حفظ. ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ أي: متعناهم بالنعم والعافية في الدنيا، فطغوا بذلك ونسوا عقاب الله. والإضراب بـ «بل» عن معنى الكلام المتقدّم؛ أي: لم يحملهم على الكفر والاستهزاء نصرٌ ولا حفظ، بل حملهم على ذلك أنا متَّعناهم وآباءهم. ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ ذُكر في «الرعد» (١). ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ إشارةٌ إلى الكفار، والصَّمم استعارة في إفراط إعراضهم. ﴿نَفْحَةٌ﴾ أي: خطرةٌ، وفيها تقليل العذاب. والمعنى: أنهم لو رأوا أقلَّ شيء من عذاب الله لأذعنوا واعترفوا بذنوبهم. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ أي: العَدْل، وإنما أفرد القسط، وهو صفة للجمع: لأنه مصدرٌ وُصِف به، كعَدْلٍ ورِضًا. أو على تقدير: ذوات القسط.

стр. 1576

ومذهب أهل السنة: أن الميزان يوم القيامة حقيقة، له كِفَّتانِ ولسانٌ وعمودٌ توزن فيه الأعمال، والخِفَّة والثِّقَل متعلقة بأجسام؛ إما صحف الأعمال، أو ما شاء الله. وقالت المعتزلة: إن الميزان عبارةٌ عن العدل في الجزاء. ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال ابن عطية: تقديره: لحساب يوم القيامة، أو لِحكمه فهو على حذف مضاف (١). وقال الزمخشري: هو كقولك: كتبت الكتاب لستٍّ خَلَوْنَ من الشهر (٢). ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي: وزنُها، والرفع على أنَّ «كان» تامة، والنصب على أنها ناقصة واسمها مضمر. ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هنا: التوراة. وقيل: التفرقة بين الحق والباطل بالنصر وإقامة الحجة. ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ﴾ يعني: القرآن. * * *

стр. 1577

[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾]. ﴿رُشْدَهُ﴾ يعني: إرشادَهُ إلى توحيد الله، وكسر الأصنام، وغير ذلك. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل موسى وهارون. وقيل: آتيناه رشده قبل النبوة.

стр. 1578

﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ أي: عَلِمنا (١) أنه يستحق ذلك. ﴿التَّمَاثِيلُ﴾ يعني: الأصنامَ، وكانت على صور بني آدم. ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ اعترافٌ بالتقليد من غير دليل. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: هل (٢) هذا الذي تقول جِدٌّ أو (٣) مزاحٌ؟!. وانظر كيف عَبَّروا (٤) عن الحق بالفعل، وعن اللَّعِبِ بالجملة الاسمية؛ لأنه أثبت عندهم. ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ أي: خلقهن، والضمير للسموات والأرض، والتماثيل (٥) وهذا (٦) أليق بالردّ عليهم. ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ يعني: خروجهم إلى عيدهم. ﴿جُذَاذًا﴾ أي: فُتَاتًا، ويجوز فيه الضم والكسر والفتح، وهو من الجدّ بمعنى القطع.

стр. 1579

﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ ترك الصنم الكبير لم يكسره، وعلَّق القدوم على يده (١). ﴿إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ الضمير للصنم الكبير؛ أي: يرجعون إليه فيسألونه فلا يجيبهم، فيظهر لهم أنه لا يقدر على شيء. وقيل: الضمير لإبراهيم ﵇، أي: يرجعون إليه فيبيّن لهم الحق. ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾ قبله محذوف تقديره: فرجعوا من عيدهم فرأوا الأصنام مكسورة، فـ ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾. ﴿فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بالذمّ، وبقوله: ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ قيل: إن إعراب ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ منادى. وقيل: خبر ابتداء مضمر. وقال الأعلم (٢): هو رفعٌ على الإهمال (٣). والصحيح أنه مفعول لم يسمَّ فاعله بـ ﴿يُقَالُ﴾؛ لأن المراد الاسمُ

стр. 1580

لا المسمَّى. وهذا اختيار ابن عطية (١) والزمخشري (٢). ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي: يشهدون عليه بما فعل، أو يحضرون عقوبتنا له. ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ قصد إبراهيم ﵇ بهذا القول تبكيتهم وإقامة الحجة عليهم، كأنه يقول: إن كان إلهًا فهو قادر على أن يفعل، وإن لم يقدر فليس بإله، ولم يقصد الإخبار المحض؛ لأنه كذبٌ. فإن قيل: فقد جاء في الحديث: «إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات، إحداها (٣) قوله: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾» (٤)؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولًا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر، ويدل على ذلك قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾؛ لأنه أراد به أيضًا تبكيتهم وبيان ضلالهم. ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ﴾ أي: رجعوا إليها بالفكرة والنظر، أو رجعوا إليها بالملامة. ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الظالمون لأنفسكم في عبادتكم ما لا ينطق ولا يقدر على شيء. أو الظالمون لإبراهيم في قولكم عنه: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وفي تعنيفه على أعين الناس.
следующие страницы →