← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

فلانًا على فلان: إذا منعته من مضرَّته وإهانته، فالمعنى: أن الله تعالى يُغيث من شاء ممن شاء، ولا يغيث أحدٌ منه أحدًا. ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: تُخدَعون عن الحق، والخادع لهم الشيطان، وذلك تشبيهٌ بالسحر في التَّخليط والوقوع في الباطل. ورتَّبت هذه التوبيخات الثلاثة بالتدريج، فقال أوَّلًا: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾، ثم قال ثانيًا: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾، وذلك أبلغُ؛ لأن فيه زيادة تخويف، ثم قال ثالثًا: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾، وفيه من التوبيخ ما ليس في غيره. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ يعني: فيما ينسبون لله من الشركاء والأولاد، ولذلك ردَّ عليهم بنفي ذلك. ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ هذا برهان على الوَحدانية، وبيانه أن يقال: لو كان مع الله إلهٌ آخرُ لانفرد كل واحد منهما بمخلوقاته عن مخلوقات الآخر، واستبدَّ كل واحد منهما بمُلكه، وطلب غلبَة الآخر والعلوَّ عليه، كما ترى (١) حال ملوك الدنيا، ولكن لما رأينا جميع المخلوقات مرتبطةً بعضُها ببعض حتى كأن العالم كلَّه كُرَةٌ واحدة: علمنا أن مالكه ومدبِّره واحد، لا إله غيره. وليس هذا البرهان بدليل التمانع كما فهم ابن عطية (٢) وغيره، بل هو دليل آخر.

стр. 1682

فإن قيل: «إذًا» لا تدخل إلَّا على كلام هو جزاءٌ وجواب، فكيف دخلت هنا ولم يتقدَّم قبلها شرطٌ ولا سؤال سائل؟ فالجواب: أن الشرط محذوفٌ تقديره: لو كان معه آلهة، وإنما حُذِف لدلالة قوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾، وهو جواب للكفار الذين وقع الرَّدُّ عليهم (١). ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ بالرفع: خبر ابتداء، وبالخفض: صفة لله.

стр. 1683

[﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾]. ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣)﴾ الآية؛ معناها: أنَّ اللهَ أمرَ نبيَّه ﷺ أنْ يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظالمين إن قُضي أن يرى ذلك، وفيها تهديدٌ للظالمين وهم الكفار.

стр. 1684

و «إن» شرطية، و «ما» زائدة، وجواب الشرط: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾، وكرَّر قوله: ﴿رَبِّ﴾ مبالغةً في الدعاء والتضرع. ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قيل: التي هي أحسن: لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك. والأظهر أنه أمرٌ بالصَّفح والاحتمال وحسن الخلق، فهو محْكَمٌ غير منسوخ، وإنما نُسِخَ ما يقتضيه من مسالمة الكفار. ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ يعني: نزغاته ووسواسه (١). وقيل: يعني الجنون. واللفظ أعمُّ من ذلك. ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ معناه: أن يكونوا معه. وقيل: يعني: حضورهم (٢) عند الموت. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ قال ابن عطية: ﴿حَتَّى﴾ هنا حرف ابتداء (٣)؛ أي ليست غايةً لما قبلها. وقال الزمخشري: ﴿حَتَّى﴾ تتعلق بـ ﴿يَصِفُونَ﴾؛ أي: لا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت (٤).

стр. 1685

﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ يعني: الرجوع إلى الدنيا، وخاطب ربه مخاطبة الجماعة للتعظيم، قال ذلك الزمخشري (١) وغيره، ومثله قول الشاعر: ألا فارحموني يا إله محمَّدٍ (٢) … . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: إنه نادى ربه ثم خاطب الملائكة. ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قيل: يعني فيما تركتُ من المال. وقيل: فيما تركتُ من الإيمان؛ فهو كقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، والمعنى: أن الكافر رغب أن يرجع إلى الدنيا؛ ليؤمن ويعمل صالحًا في الإيمان الذي تركه أول مرة. ﴿كَلَّا﴾ ردعٌ له عما طلب. ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يعني: قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ فسمى هذا الكلام كلمةً، وفي تأويل معناه ثلاثة أقوال: أحدها: أن يقول هذه الكلمة لا محالة؛ لإفراط ندمه وحسرته، فهو إخبار بقوله. والثاني: أن المعنى: أنها كلمة يقولها، ولا تنفعه ولا تغني عنه شيئًا. والثالث: أن يكون المعنى: أنه يقولها كاذبًا فيها، ولو رجع إلى الدنيا لم يعمل صالحًا.

стр. 1686

﴿وَمِنْ وَرَائِهِم﴾ أي فيما يستقبلون من الزمان. والضمير للجماعة المذكورين في قوله: ﴿جَاءَ أَحَدَهُمُ﴾. ﴿بَرْزَخٌ﴾ يعني: المدة التي بين (١) الموت والقيامة، وهي تَحُول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا. وأصل البرزخ: الحاجز بين شيئين. ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ المعنى: أنه ينقطع يومئذ التعاطف والشفقة التي بين القرابة؛ لاشتغال كل أحد بنفسه، كقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥)﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٥]، فتكون الأنساب كأنها معدومةٌ. ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: لا يسأل بعضهم بعضًا؛ لاشتغال كل أحد بنفسه. فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧، الطور: ٢٥]؟ فالجواب: أن ترك التساؤل عند النفخة الأولى، ثم يتساءلون بعد ذلك؛ فإن يوم القيامة يومٌ طويل فيه مواقف مختلفة (٢). ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ أي: تصيبهم بالإحراق. ﴿كَالِحُونَ﴾ الْكُلُوح: انكشاف الشفتين عن الأسنان، وكثيرًا ما يجري ذلك للكلاب، وقد يجري (٣) للكباش إذا شويت رؤوسها، وفي الحديث:

стр. 1687

«إن شَفّة الكافر ترتفع في النار (١) حتى تبلغ وسط رأسه» (٢)، وفي ذلك عذاب وتشوه. ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أي: ما قُدّر علينا (٣) من الشقاء. وقرئ: ﴿شَقَاوَتُنَا﴾، والمعنى واحد. ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾ كلمةٌ تستعمل في زجر الكلاب، ففيها إهانةٌ وإبعاد. ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ أي: لا تكلمونِ في رفع العذاب، فحينئذ ييأسون من ذلك، أعاذنا الله من ذلك برحمته. ﴿سُخْرِيًّا﴾ بضم السين من السُّخرة بمعنى التخديم. وبالكسر: من السِّخَر بمعنى الاستهزاء، وقد يقال هذا بالضم. وقرئ هنا بالوجهين؛ لاحتمال المعنيين، على أن معنى الاستهزاء هنا أليقُ؛ لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: في جوف الأرض أمواتًا. وقيل: أحياءً في الدنيا. فأجابوا بأنهم لبثوا يومًا أو بعض يوم؛ لاستقصار (٤) المدة، ولما هم فيه من العذاب بحيث لا يعدُّون شيئا.

стр. 1688

﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ أي: اسأل من يقدِر على أن يَعُدَّ، وهو: مَنْ عُوفي مما ابتلوا به. أو يعنون الملائكة. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ معناه: أنه قليلٌ بالنسبة إلى بقائهم في جهنم خالدين (١) أبدًا. ﴿عَبَثًا﴾ أي: باطلًا، والمعنى: إقامة حجة على الحشر للثواب والعقاب. ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ أي: لا حجة ولا دليل، والجملة صفةٌ لقوله: ﴿إِلَهًا آخَرَ﴾، وجواب الشرط: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ الضمير للأمر والشأن. وانظرْ كيف افتتح السورة بفلاح المؤمنين، وختمها بعدم فلاح الكافرين؛ ليبين البون (٢) بين الفريقين، والله أعلم.

стр. 1689

(سورة النور) [﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾] ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ السورة: خبر ابتداء مضمر. أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره: فيما أُنزل عليكم سورة. و ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ صفة للسورة. ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ أي: فَرَضْنا الأحكام التي فيها.

стр. 1690

وقرئ بالتشديد للمبالغة. ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يعني: ما فيها من المواعظ والأحكام والأمثال. وقيل: معنى ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ هنا: ليس فيها مُشكل. ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾: يراد بهما الجنس، وقدَّم الزانية؛ لأن الزنا كان حينئذ في النساء أكثر؛ فإنه كان منهنَّ إماء وبغايا يجاهرن (١) بذلك. وإعراب ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ كإعراب: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقد ذكر في «المائدة» (٢). وهذه الآية ناسخةٌ بإجماع لما في سورة «النساء» من الإمساك في البيوت في الآية الواحدة، ومن الأذى في الأخرى (٣). ثم إن لفظ هذه الآية عند مالك ليس على عمومه؛ فإنَّ جَلْد المئة إنما هو حدُّ الزانية والزاني إذا كانا مسلمينِ حُرَّينِ (٤) غيرَ محصنينِ. فيخرج منها الكفار؛ فيُرَدُّون إلى أهل دينهم. ويخرج منها العبد والأمة والمحصن والمحصنة. فأما العبد والأمة: فحدُّهما خمسون جلدةً، سواءً كان محصنين أو غير محصنين.

стр. 1691

وأما المحصنان الحرَّان فحدُّهما الرجم. هذا على مذهب مالك. وأما الكلام على الآية بالنظر إلى سائر المذاهب: فاعلم أن لفظ هذه الآية ظاهرهُ العموم في المسلمين والكافرين، وفي الأحرار والعبيد والإماء، وفي المحصن وغير المحصن، ثم إن العلماء خصَّصوا من هذا العموم أشياء؛ منها باتفاق، ومنها باختلاف. فأما الكفار: فرأى أبو حنيفة وأهل الظاهر أن حدَّهم جلدُ مئة؛ أُحصِنوا أو لم يُحصَنوا؛ أخذًا بعموم الآية. ورأى الشافعي أن حدَّهم كحدِّ المسلمين؛ الجلدُ إن لم يُحصَنوا، والرجم إن أُحصِنوا؛ أخذًا بالآية، وبرجم النبي ﷺ لليهودي واليهودية إذا زنيا. ورأى مالك أن يُردُّوا إلى أهل دينهم؛ لقوله في سورة «النساء»: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، فخصَّ نساء المسلمين؛ على أنها قد نسختها هذه، ولكن بقيت في محلها. وأما العبد والأمة: فرأى أهل الظاهر أن حدَّ الأمة خمسون جلدةً؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وأن حدَّ العبد الجلدُ مئةٌ؛ لعموم الآية.

стр. 1692

وقال غيرهم: يُجلَد العبد خمسين؛ بالقياس على الأمَة؛ إذ لا فرق بينهما. وأما المحصن: فقال الجمهور: حكمه الرجم، فهو مخصوص من هذه الآية، وبعضهم يسمي هذا التخصيص نسخًا، ثم اختلفوا في المخصص أو الناسخ: فقيل: الآيةُ التي ارتفع لفظها وبقي حكمها، وهي قوله: «الشيخ والشيخة إذ زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم» (١). وقيل: الناسخ لها السنة الثابتة في الرجم. وقال أهل الظاهر وعلي بن أبي طالب: يُجلد المحصن بالآية، ثم يُرجم بالسنة، فجمعوا عليه الحدَّين، ولم يجعلوا الآية منسوخةً بالرجم (٢)، ولا مخصَّصةً. وقال الخوارج: لا رجمَ أصلًا؛ فإن الرجم ليس في كتاب الله. ولا يُعتدُّ بقولهم. وظاهر الآية الجلد دون تغريب، وبذلك قال أبو حنيفة. وقال مالك بالجلد والتغريب سنةً؛ للحديث، وهو قوله ﷺ : «البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام» (٣).

стр. 1693

ولا تغريب على النساء ولا على العبيد عند مالك. وصفة الجلد: عند مالك: في الظهر، والمجلودُ جالسٌ. وقال الشافعي: يفرَّق على جميع الأعضاء، والمجلود قائم. وتُسْتَر المرأة بثوبٍ لا يقيها الضرب. ويجرَّد الرجل عند مالك. وقال قوم: يجلد على قميص. ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ قيل: يعني: في إسقاط الحدِّ؛ أي: أقيموه ولا بدَّ. وقيل: في تخفيف الضرب. وقيل: في الوجهين. فعلى القول الأول: يكون الضرب في الزنا كالضرب في القذف غير مبرِّح، وهو مذهب مالك والشافعي. وعلى القول الثاني والثالث: يكون الضرب في الزنا أشدَّ. واختلف: هل يجوز أن تُجمَع مئةُ سوط ويضرب بها مرة واحدة؟ فمنعه مالك. وأجازه أبو حنيفة؛ لما ورد في قصة أيوب ﵇. وأجازه الشافعي للمريض؛ لورود ذلك في الحديث.

стр. 1694

﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المراد بذلك: توبيخ الزُّناة، والغلظة عليهم. واختُلف في أقل ما يجزئ من الطائفة؟ فقيل: أربعة؛ اعتبارًا بشهادة الزنا (١)، وهو قول ابن أبي زيد. وقيل: عشرة. وقيل: اثنان (٢)، وهو مشهور مذهب مالك. وقيل: واحد. ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية؛ معناها: ذمُّ الزناة، وتشنيع الزنا، وأنه لا يقع فيه إلا زانٍ أو مشرك، ولا يوافقه عليه من النساء إلا زانية أو مشركة، و ﴿يَنْكِحُ﴾ على هذا بمعنى: يجامع. وقيل: معناها: لا يحلُّ لزانٍ أن يتزوج إلا زانيةً أو مشركة، ولا يحلُّ لزانية أن تتزوج إلا زانيًا أو مشركًا، ثم نُسخ هذا الحكم، وأبيح لهما التزوُّجُ ممن شاءا (٣). والأول هو الصحيح. ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الإشارةُ بـ ﴿ذَلِكَ﴾: إلى الزنا؛ أي: حُرِّم الزنا على المؤمنين.

стр. 1695

وقيل: الإشارة إلى تزوُّج المؤمن غير الزاني لزانية؛ فإن قومًا منعوا أن يتزوَّجها، وهذا على القول الثاني في الآية قبلها، وهو بعيد. وأجاز تزوُّجها مالك وغيره، وروي عنه كراهته. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ هذا حدُّ القذف، وهو الفِرْية التي عبّر الله عنها هنا بالرمي. و ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ هنا يراد به: العفائف من النساء، وخصَّهنَّ بالذِّكر؛ لأن قذفهنَّ أكثرُ وأشنع من قذف الرجال، ودخل الرجال في ذلك بالمعنى؛ إذ لا فرق بينهم، وأجمع العلماء على أن حكم الرجال والنساء هنا واحدٌ. وقيل: إن المعنى: يرمون الأنفس المحصنات؛ فيعمُّ اللفظ - على هذا - النساء والرجال. ويُحتاج هنا إلى الكلام في القذف، والقاذف، والمقذوف، والشهادة في ذلك: فأما القذف: فهو الرَّمي بالزنا؛ اتفاقًا. أو بفعل قوم لوط عند مالك والشافعي؛ لعموم لفظ الرمي في الآية، خلافًا لأبي حنيفة. أو النفي من النَّسب. ومذهب مالك أن التعريض بذلك كلِّه كالتصريح، خلافًا للشافعي وأبي حنيفة.

стр. 1696

وأما القاذف: فيُحدُّ؛ سواءٌ كان مسلمًا أو كافرًا؛ لعموم الآية، وسواءٌ كان حرًّا أو عبدًا. إلَّا أن العبد والأمة إنما يحدَّان (١) أربعين عند الجمهور، فنصَّفوا حدَّهما قياسًا على تنصيفه في الزنا، خلافًا للظاهرية. ولا يحدُّ الصبي ولا المجنون؛ لكونهما غيرَ مكلَّفَين. وأما المقذوف: فمذهب مالك: أنه يشترط فيه: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والبراءة عما رُمِي به، والتمكُّن من الوطء؛ تحرُّزًا من المجبوب وشبهه، فلا يحدُّ عنده مَنْ قذف صبيًّا أو كافرًا أو مجنونًا أو عبدًا أو مَنْ لا يمكنه الوطء. وقد قيل: يحدُّ مَنْ قذف واحدًا منهم؛ لعموم الآية. واتُّفِقَ على اشتراط البراءة مما رُمي به. وأما الشهادة التي تُسقط حدَّ القذف: فهي أن يشهد شاهدان عدلان بأن المقذوف عبدٌ أو كافرٌ (٢)، أو يشهد أربعة شهود ذكور عدول على المعاينة لما قُذِف به كالمِرْوَدِ في المُكْحلة، ويؤدُّون الشهادة مجتمعين. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ تقدَّم قبل هذا الاستثناء ثلاثةُ أحكام؛ وهي الحدُّ، وردُّ شهادة القاذف، وتفسيقُه.

стр. 1697

فاتُّفق على أن الاستثناء راجعٌ إلى التَّفسيق، وأن ذلك يزول عنه بالتوبة. واتُّفق على أنه لا يرجع إلى الحدِّ، وأنه لا يسقط عنه بالتوبة. واختلف هل يرجع إلى ردِّ الشهادة أم لا؟ فقال مالك: إذا تاب قُبِلت شهادته. خلافًا لأبي حنيفة. وتوبته: هو صلاح حاله في دينه. وقيل: إكذاب نفسه. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ هذه الآية في قذف الرجل لامرأته؛ فيجب اللِّعان بذلك. وسببها: أن رجلًا قال يا رسول الله: الرجل يجد مع امرأته رجلًا؛ أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟، فسكت عنه نبيُّ الله ﷺ ، ثم عاد فقال مثل ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «قد أُنزل فيك وفي صاحبتك، فائتني (١) بها» فتلاعنا، وفرَّق رسول الله ﷺ بينهما (٢). ومُوجِب اللعان عند مالك شيئان: أحدهما: أن يدَّعي الزوج أنه رأى امرأته تزني. والآخر: أن ينفي حملها ويدعي الاستبراء قبله.

стр. 1698

فإذا تلاعن الزوج تعلَّقت به ثلاثة أحكام: [١ - ] نفي حدّ القذف عنه. [٢ - ] وانتفاء سبب الولد منه. [٣ - ] ووجوب حدّ الزنا عليها إن لم تلاعن، فإن تلاعنت سقط الحدُّ عنها. ولفظ الآية عامٌّ في الزوجات؛ الحرائرِ والمماليكِ، والمسلماتِ والكافرات، والعدولِ وغيرهم، وبذلك أخذ مالك. واشترط مالك في الزوج: الإسلام. واشترط أبو حنيفة: أن يكونا مُسلِمَين حرَّين عدلين. ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: يقول الزوج أربعَ مرّات: «أشهد بالله لقد رأيت هذه المرأة تزني»، أو «أشهد بالله ما هذا الحمل مني، ولقد زنت، وإني في ذلك لمن الصادقين»، ثم يقول في الخامسة: «لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين». وزاد أشهب: أن يقول: «أشهد بالله الذي لا إله إلا هو». وانتصب: ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ على المصدرية، والعامل فيه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾. وقرئ بالرفع، وهو خبر ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾. وقوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ و ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ من صلة ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾،

стр. 1699

أو من صلة (١) ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾. ﴿وَالْخَامِسَةُ أَن لَعْنَتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ قرئ بنصب ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ هنا وفي الموضع الثاني، وانتصب: بفعل مضمر تقديره: ويشهد الشهادةَ (٢) الخامسة. أو بالعطف على ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ على قراءة النصب. وقرئ بالرفع: على الابتداء. أو عطف على ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ بقراءة الرفع. وقرئ ﴿أَنْ لَعْنَتُ﴾، و ﴿أَنْ غَضِبَ﴾: بتشديد ﴿أَنَّ﴾، ونصب اسمها. وتخفيفها، ورفع اللعنة والغضب على الابتداء. ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ العذابُ هنا: حدُّ الزنا؛ أي: يدفعه الْتِعان المرأة، وهو (٣) أن تقول أربع مرات: «أشهد بالله ما زنيت، وإنه في ذلك لمن الكاذبين»، ثم تقول في الخامسة: «غضب الله عليها إن كان من الصادقين».

стр. 1700

ويتعلق بالتّعانها ثلاثة أحكام: [١ - ] دفع الحدِّ عنها. [٢ - ] والتفريق بينها وبين زوجها. [٣ - ] وتأبيد التحريم. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ جواب «لولا» محذوف هنا وفي الموضع الآخر، تقديره: «لولا فضل الله عليكم لَوَاخذكم (١)»، أو نحو هذا.

стр. 1701

[﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ الإفك: أشدُّ الكذب. ونزلت هذه الآية وما بعدها إلى تمام ستّ عشرة آية في شأن عائشة ﵂ وبراءتها مما رماها به أهل الإفك، وذلك أن الله برَّأ أربعة بأربعة: [١ - ] برَّأ يوسف بشهادة الشاهد من أهلها. [٢ - ] وبرأ موسى من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه. [٣ - ] وبرأ مريم بكلام ولدها في حجرها. [٤ - ] وبرأ عائشة من الإفك بإنزال (١) القرآن في شأنها.

стр. 1702

ولقد تضمَّنت هذه الآيات الغايةَ العظمى في الاعتناء بها، والكرامة لها، والتشديد على من قذفها. وقد خرَّج حديث الإفك البخاري ومسلم وغيرهما (١)، واختصاره: أن عائشة خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فضاع لها عِقْدٌ، فتأخرت على التماسه حتى رحل الناس، فجاء رجل يقال له صفوان بن المعطَّل، فرآها فنزل عن ناقته وتنحَّى عنها حتى ركبت عائشة، وأخذ يقودها حتى بلغ الجيش، فقال أهل الإفك في ذلك ما قالوا، فبلغ النبي ﷺ ، فقال: «ما بال رجال رموا أهلي؟، والله ما علمت على أهلي إلَّا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلَّا خيرًا»، وسأل جارية عائشة، فقالت: «والله ما أعلم عليها إلَّا ما يعلمه الصَّائغ على تبر الذهب الأحمر». والعصبة: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ولم يُذكر في الحديث من أهل الإفك إلَّا أربعة، وهم: عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، وحمنة بنت جحش، ومِسْطَح بن أُثاثة، وحسان بن ثابت. وقيل: إن حسَّانَ لم يكن منهم. وارتفاع ﴿عُصْبَةٌ﴾ لأنه خبر ﴿إِنَّ﴾. واختار ابن عطية أن يكون ﴿عُصْبَةٌ﴾ بدلًا من الضمير في ﴿جَاءُوا﴾، ويكون الخبر: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾؛ على تقدير: إن حديث الذين جاؤوا بالإفك (٢).

стр. 1703

والأول أظهر. ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ خطاب للمسلمين، والخير في ذلك من خمسة أوجه: [١ - ] تبرئة أم المؤمنين. [٢ - ] وكرامة الله لها بإنزال الوحي في شأنها. [٣ - ] والأجر الجزيل لها في الفرية (١) عليها. [٤ - ] وموعظة المؤمنين. [٥ - ] والانتقام من المفترين. ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ هو عبد الله بن أبي بن سلول المنافقُ. وقيل: الذي بدأ بهذه الفرية، وهو غير معين. والعذاب العظيم هنا: يحتمل أن يراد به: الحدُّ. أو عذاب الآخرة. ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ ﴿لَوْلَا﴾ هنا: عَرَضٌ، والمعنى: أنه كان ينبغي للمؤمنين والمؤمنات أن يقيسوا ذلك الأمر على أنفسهم؛ فإن كان ذلك يبعد في حقّهم فهو في حق عائشة أبعدُ؛ لفضلها. وروي أن هذا النظر وقع لأبي أيوب الأنصاري، فقال لزوجته: أكنت أنت تفعلين ذلك؟، قالت: لا والله!، قال: فعائشة أفضل منك، قالت: نعم.

стр. 1704

فإن قيل: لم قال: ﴿سَمِعْتُمُوهُ﴾ بلفظ الخطاب، ثم عدل إلى لفظ الغيبة في قوله: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ولم يقل: «ظننتم»؟ فالجواب: أن ذلك التفافٌ، قُصِد به المبالغة، والتصريح بالإيمان الذي يوجب أن لا يصدّق المؤمن على المؤمن شرًّا (١). ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ هنا عَرْضٌ، والضمير في ﴿جَاءُوا﴾ لأهل الإفك، ثم حكم الله بكذبهم إذ لم يأتوا بالشهداء. ﴿أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ يقال: أفاض في الحديث وخاض فيه: إذا أكثر الكلام فيه. ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ العامل في ﴿إِذْ﴾: ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ أو ﴿أَفَضْتُمْ﴾. ومعنى ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾: يأخذه بعضكم من بعض. وفي هذا الكلام وفي الذي قبله وبعده عتابٌ لهم على خوضهم في حديث الإفك، وإن كانوا لم يصدقوه؛ فإن الواجب كان الإغضاء عن ذكره والتركُ له بالكلية، فعاتبهم على ثلاثة أشياء، وهي: تلقّيه بالألسنة؛ أي: السؤال عنه وأخذه من المسؤول. والثاني: قولهم ذلك. والثالث: أنهم حسبوه هيّنًا وهو عند الله عظيم. وفائدة قوله: ﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ و ﴿بِأَفْوَاهِكُم﴾: الإشارة إلى أن ذلك الحديث كان باللسان دون القلب؛ إذ كانوا لم يعلموا حقيقته بقلوبهم.

стр. 1705

﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أي: كان الواجب أن تبادروا إلى إنكار هذا الحديث أول سماعكم (١) له. و ﴿لَوْلَا﴾ أيضًا في هذه الآية عَرْضٌ، وكان حقُّها أن يليها الفعل من غير فاصل بينهما، ولكنه فصل بينهما بقوله: ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾؛ لأن الظروف يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، والقصد بتقديم هذا الظرف: الاعتناء به، وبيان أنه كان الواجب المبادرة إلى إنكار ذلك الكلام في أول وقتِ سمعوه (٢). ومعنى ﴿مَا يَكُونُ لَنَا﴾: ما ينبغي لنا ولا يحلُّ لنا أن نتكلم بهذا. ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهٌ لله عن أن تكون زوجة رسوله ﷺ على ما قال أهل الإفك. وقال الزمخشري: هو بمعنى التعجبُ من عِظَم الأمر، والاستبعاد له، والأصل في ذلك أن يسبَّح الله عند رؤية العجائب (٣). ﴿بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ البهتان: أن يقال في الإنسان ما ليس فيه، والغيبة: أن يقال ما فيه. ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ تقديره: يعظكم كراهةَ أن تعودوا، ثم عظَّم الأمر وأكَّده بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ الإشارة بذلك إلى المنافقين الذين

стр. 1706

أحبُّوا أن يشيع حديث الإفك، ثم هو عامٌّ في غيرهم ممن اتصف بصفتهم. والعذاب في الدنيا الحدُّ. وأما عذاب الآخرة؛ فقد ورد في الحديث أن من عوقب في الدنيا على ذنب لم يعذَّب (١) عليه في الآخرة (٢)، فأشكل اجتماع الحدِّ مع عذاب الآخرة في هذا الموضع، فيحتمل: أن يكون القاذف يعذَّب في الآخرة، ولا يُسقط الحدُّ عنه عذابَ الآخرة، بخلاف سائر الحدود. أو يكون هذا مختصًّا بمن قذف عائشة؛ فإنه روي عن ابن عباس أنه قال: من أذنب ذنبًا ثم تاب منه قُبلت توبته إلَّا من خاض في أمر عائشة (٣). أو يكون (٤) لمن مات مصرًّا غير تائب. أو يكون للمنافقين.

стр. 1707

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾]. ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ذُكر في «البقرة» (١). ﴿بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ذُكر في «النحل» (٢). ﴿زَكَى﴾ أي: تطهَّر من الذنوب، وصلَح دينه (٣). ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ معنى ﴿يَأْتَلِ﴾: يحلف؛ فهو من قولك: آلَيْتُ: إذا حلفتَ. وقيل: معناه: يُقَصِّر؛ فهو من قولك: أَلَوْتُ أي: قصَّرتُ؛ ومنه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨].

стр. 1708

و ﴿الْفَضْلِ﴾ هنا: يحتمل أن يريد به: الفضل في الدين. أو الفضل في المال؛ وهو أن يَفْضُل له عن مقدار ما يكفيه. و ﴿وَالسَّعَةِ﴾: هي اتساع المال. ونزلت الآية بسبب أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ حلف أن لا يُنفق على مِسْطح، لمَّا تكلم في حديث الإفك، وكان ينفق عليه لمسكنته، ولأنه قريبه، وكان ابن بنت خالته (١)، فلما نزلت الآية رَجَع إلى مسطح النفقة والإحسان، وكفَّر عن يمينه. قال بعضهم: هذه أرجى آية في القرآن؛ لأن الله أوصى بالإحسان إلى القاذف. ثم إن لفظ الآية على عمومه في أن لا يحلف أحدٌ على ترك عمل صالح. ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: كما تحبون أن يغفر الله لكم؛ كذلك اغفروا أنتم لمن أساء إليكم. ولما نزلت قال أبو بكر ﵁: «إني لأحبُّ أن يغفر الله لي»، ثم ردَّ النفقة إلى مسطح. ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ معنى ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ هنا: العفائف ذواتُ الصَّوْن. ومعنى ﴿الْغَافِلَاتِ﴾: السَّليمات الصدور؛ فهو من الغفلة عن الشرِّ.

стр. 1709

﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ هذا الوعيد للقاذفين لعائشة، ولذلك لم يذكر فيه توبةً، قال (١) ابن عباس: كلُّ مذنب تقبل توبته إذا تاب إلَّا من خاض في حديث عائشة. وقيل: الوعيد لكل قاذف، والعذاب العظيم يحتمل أن يراد به: الحدُّ أو عذاب الآخرة. ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾ العامل فيه: ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾، وكرَّر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ تأكيدًا. وقيل: العامل فيه ﴿عَذَابٌ﴾، أو فعل مضمر. ﴿دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي: جزاءهم الواجب لهم. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ هذه الآية تدلُّ على أن ما قبلها في المنافقين؛ لأن المؤمن قد علم في الدنيا أن الله هو الحق المبين. ومعنى ﴿الْمُبِينُ﴾: الظاهر الذي لا شك فيه. ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية؛ معناها: أن الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وأن الطيِّبات من النساء للطيِّبين من الرجال؛ ففي ذلك ردٌّ على أهل الإفك؛ لأن النبي ﷺ هو أطيب الطيِّبين؛ فزوجته (٢) أطيب الطيِّبات. وقيل: (٣) المعنى: أن ﴿الخبيثات﴾ (٤) من الأعمال للخبيثين من الناس،

стр. 1710

والطَّيِّبَات من الأعمال للطيِّبين من الناس؛ ففيه أيضًا ردٌّ على أهل الإفك؛ لأن عائشة لا يليق بها إلَّا الطيبات من الأعمال، بخلاف ما قاله أهل الإفك. وقيل: المعنى: أن الخبيثات من الأقوال للخبيثين من الناس، والإشارة بذلك إلى أهل الإفك؛ أي: أن أقوالهم الخبيثة لا يقولها إلَّا خبيث مثلهم. ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الطيبين والطيبات والضمير في ﴿يَقُولُونَ﴾ للخبيثات والخبيثين، والمراد: تبرئة عائشة ﵂ مما رميت به.

стр. 1711

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾]. ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ هذه الآية أمرٌ بالاستئذانِ في غيرِ بيتِ الداخلِ، فيعمُّ بذلك بيوت الأقارب وغيرهم، وقد جاء في الحديثِ الأمر بالاستئذان على الأمِّ؛ خيفةَ أن يراها عُريانةً.

стр. 1712

ومعنى ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾: تستأذنوا، وهو مأخوذ من قولك: آنستُ الشيءَ: إِذا عَلِمته؛ فالاستئناس: أن يستعلم هل يريد أهلُ الدار الدخول أم لا؟. وقيل: هو مأخوذ من الأُنْس ضد الوَحشة. وقرأ ابن عباس: «حتى تستأذنوا». والاستئذان واجب، وأما السلام فلا ينتهي إلى الوجوب. واختُلف أيّهما يقدَّم؟ فقيل: يقدّم السلام، ثم يستأذن؛ فيقول: «السلام عليكم»، ثم يقول: «أأدخل؟». وقيل: يقدّم الاستئذان؛ لتقديمه في الآية. وليس في الآية عدد الاستئذان، وجاء في الحديث أن يستأذن ثلاث مرات (١)، وهو تفسير للآية. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ سبب هذه الآية: أنه لما نزلت آية الاستئذان تعمَّق قومٌ؛ فكانوا يأتون المواضع غير المسكونة فيسلّمون ويستأذنون، فأباحت هذه الآية دخولها بغير استئذان. واختُلف في البيوت غير المسكونة المذكورة في هذه الآية؟ فقيل: هي الفنادق التي في الطرق، ولا يسكنها أحد، بل هي موقوفة ليأوي إليها كلُّ ابن سبيل.

стр. 1713

والمتاع على هذا: التمتع بالنزول فيها والمبيت وغير ذلك. وقيل: هي الخِرَب التي تُدخَل للبول والغائط. والمتاع على هذا: حاجة الإنسان. وقيل: هي حوانيت القَيْساريَّة (١). والمتاع على هذا: الثياب والبُسط وشبهُها. وهذا القول خطأ؛ لأن الاستئذان في الحوانيت واجب بإجماع. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ إعرابها كإعراب ﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] في "إبراهيم"، وقد ذُكر (٢). و ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ للتبعيض. والمراد: غضُّ البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل. وقيل: معنى التبعيض فيه: أن النظرة الأولى لا حرج فيها، ويُمنَع ما بعدها. وأجاز الأخفش أن تكون ﴿مِنْ﴾ زائدة. وقيل: هي لابتداء الغاية؛ لأن البصر مفتاح القلب. والغضُّ المأمور به: هو عن النظر إلى العورات، أو إلى ما لا يحلُّ من

стр. 1714

النساء، أو إلى كتاب الغير وشبه ذلك مما يُستر. وحفظ الفروج المأمور به: هو عن الزنا. وقيل: أراد ستر العورة. والأظهر أن الجميع مراد. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ تؤمر المرأة بغض بصرها عن عورة الرجل وعن عورة المرأة إجماعًا. واختلف هل يجب عليها غض بصرها عن سائر جسد الرجل الأجنبي أم لا؟ وعن سائر جسد المرأة أم لا؟ فعلى القول بذلك: تشتمل الآية عليه. والكلام في حفظ فروج النساء كحفظ فروج الرجال. ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ نهى عن إظهار الزينة بالجملة، ثم استثنى الظاهر منها، وهو ما لا بد من النظر إليه عند حركتها، أو إصلاح شأنها، وشبه ذلك. فقيل: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني: الثياب؛ فعلى هذا: يجب سَتْرُ جميع جسدها. (وقيل: الثياب والوجه) (١).

стр. 1715

وقيل: الثياب والوجه والكفَّان، وهو مذهب مالك؛ لأنه أباح كشف وجهها وكفيها في الصلاة. وزاد أبو حنيفة: القدمين. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ الجيوب: هي التي يقول لها العامة: أطواق. وسببها: أن النساء كنَّ في ذلك الزمان يلبسن ثيابًا واسعةً (١) الجيوب يظهر منها صدورهنَّ، وكنَّ إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة سدلنها من وراء الظهر، فيبقى الصدر والعنق والأذنان لا سِتر عليها، فأمرهنَّ الله بلَيِّ الأخمرة على الجيوب؛ ليستر جميع ذلك. ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية؛ المراد بالزينة هنا: الباطنة، فلما ذُكر في الآية قبلها ما أباح أن يراه غير ذي المحرم من الزينة الظاهرة؛ ذَكر في هذه ما أباح أن يراه الزوج وذو المحارم (٢) من الزينة الباطنة. وبدأ بالبعولة - وهم الأزواج -؛ لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا، ثم ثنَّى بذوي المحارم، وسوَّى بينهم في إبداء الزينة، ولكن مراتبهم تختلف بحسب القرب. والمراد بالآباء: كل من له ولادة من والدٍ وجدٍّ، وبالأبناء: كل من عليه ولادة من ولد وولد ولد.

стр. 1716

ولم يذكر في هذه الآية من ذوي المحارم: العمُّ والخال: ومذهب جمهور العلماء: جواز رؤيتهما للمرأة؛ لأنهما من ذوي المحارم. وكره ذلك قوم. وقال الشَّعبيُّ (١): إنما لم يذكر العمُّ والخال؛ لئلا يصفا زينة المرأة لأولادهما. ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (٢) يعني: جميع المؤمنات؛ فكأنه قال: أو صنفهن، ويخرج عن ذلك: نساء الكفار. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يدخل في ذلك: الإماء المسلمات والكتابيات. وأما العبيد: ففيهم ثلاثة أقوال: منع رؤيتهم لسيدتهم، وهو قول الشافعي. والجواز، وهو قول ابن عباس وعائشة. والجواز بشرط أن يكون العبد وغْدًا (٣)، وهو مذهب مالك، وإنما أخذ جوازه من قوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾.

стр. 1717

واختُلف هل يجوز أن يراها عبد زوجها وعبد الأجنبيّ أم لا؟ على قولين. ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ شَرط في رؤية غير ذوي المحارم شرطين: أحدهما: أن يكونوا (١) تابعين، ومعناه: أن يَتْبَع لشيءٍ يُعطاه كالوكيل والمتصرِّف، ولذلك قال بعضهم: هو الذي يتبعك وهِمَّتُه بطنُه. والآخر: أن لا يكون لهم إربةٌ في النساء، كالخَصِيِّ والمخنَّث والشيخ الهَرِم والأحمق. فلا يجوز رؤيتهم للنساء إلَّا باجتماع الشرطين. وقيل: بأحدهما. ومعنى ﴿الْإِرْبَةِ﴾: الحاجة إلى الوطء. ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أراد بـ ﴿الطِّفْلِ﴾: الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، ويقال: طفل: ما لم يراهق الحُلُم. و ﴿يَظْهَرُوا﴾ معناه: يَطَّلعون بالوطء على عورات النساء، فمعناه: الذين لم يطؤوا النساء. وقيل: الذي لا يدرون ما عوراتُ النساء. وهذا أحسن. ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ روي أن امرأةً كان لها خَلخالان، فكانت تضرب بهما؛ فيسمعُهما الرجال، فنهى الله عن ذلك.

стр. 1718

قال الزجاج: إسماع صوت الزينة أشدُّ تحريكًا للشهوة من إبدائها (١). ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ التوبة واجبة على كل مكلف؛ بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وفرائضها ثلاثة: [١ - ] الندم على الذنب؛ من حيث عُصِي به ذو الجلال (٢)، لا من حيث أضرَّ ببدن أو مال. [٢ - ] والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان، من غير تأخير ولا توانٍ. [٣ - ] والعزم أن لا يعود إليها أبدًا، ومهما قُضِي عليه بالعَوْد أحدث عزمًا مجددًا. وآدابها ثلاثة: [١ - ] الاعتراف بالذنب مقرونًا بالانكسار. [٢ - ] والإكثار من التضرع والاستغفار. [٣ - ] والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدَّم من السيئات. ومراتبها سبع: [١ - ] فتوبة الكفار: من الكفر.

стр. 1719

[٢ - ] وتوبة المخلِّطين (١): من الذنوب الكبائر (٢). [٣ - ] وتوبة العدول: من الصغائر. [٤ - ] وتوبة العابدين: من الفَتَرات. [٥ - ] وتوبة السالكين: من عِلل القلوب والآفات. [٦ - ] وتوبة أهل الورع: من الشبهات. [٧ - ] وتوبة أهل المشاهدة: من الغَفَلات. والبواعث على التوبة سبعة: [١ - ] خوف العقاب. [٢ - ] ورجاء الثواب. [٣ - ] والخجل من الحساب. [٤ - ] ومحبة الحبيب. [٥ - ] ومراقبة الرقيب القريب. [٦ - ] وتعظيم المقام. [٧ - ] وشكر الإنعام. ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الأيامى: جمع أيِّمٍ، ومعناه: الذين لا أزواج لهم رجالًا كانوا أو نساء، أبكارًا أو ثيِّباتٍ.

стр. 1720

والخطاب هنا: للأولياء والحكام؛ أمرهم الله بتزويج الأيامى، فاقتضى ذلك النهي عن عضلهنَّ من التزويج. وفي الآية دليلٌ على عدم استقلال النساء بالإنكاح، واشتراط الولاية فيه، وهو مذهب مالك والشافعي، خلافًا لأبي حنيفة. ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ يعني: الذين يصلحون للتزويج من ذكور العبيد وإناثهم. وقال الزمخشري: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ بمعنى: الصلاح في الدين، قال: وإنما خصهم الله بالذكر؛ ليحفظ عليهم صلاحهم (١). والمخاطبون هنا ساداتهم (٢). ومذهب الشافعي: أن السيد يُجبَر على تزويج عبيده؛ لهذه الآية، خلافًا لمالك. ومذهب مالك: أن السيد يُجبر عبده وأمته على النكاح، خلافًا للشافعي. ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وعد الله بالغنى للفقراء الذين يتزوَّجون لطلب رضا الله، ولذلك قال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح. ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أمرٌ بالاستعفاف، وهو الاجتهاد في طلب العفَّة من الحرام لمن لا يقدر على التزوُّج.
следующие страницы →