ولم يذكر في هذه الآية من ذوي المحارم: العمُّ والخال:
ومذهب جمهور العلماء: جواز رؤيتهما للمرأة؛ لأنهما من ذوي المحارم.
وكره ذلك قوم.
وقال الشَّعبيُّ (١): إنما لم يذكر العمُّ والخال؛ لئلا يصفا زينة المرأة لأولادهما.
﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (٢) يعني: جميع المؤمنات؛ فكأنه قال: أو صنفهن، ويخرج عن ذلك: نساء الكفار.
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يدخل في ذلك: الإماء المسلمات والكتابيات.
وأما العبيد: ففيهم ثلاثة أقوال:
منع رؤيتهم لسيدتهم، وهو قول الشافعي.
والجواز، وهو قول ابن عباس وعائشة.
والجواز بشرط أن يكون العبد وغْدًا (٣)، وهو مذهب مالك، وإنما أخذ جوازه من قوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾.
стр. 1717
واختُلف هل يجوز أن يراها عبد زوجها وعبد الأجنبيّ أم لا؟ على قولين.
﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ شَرط في رؤية غير ذوي المحارم شرطين:
أحدهما: أن يكونوا (١) تابعين، ومعناه: أن يَتْبَع لشيءٍ يُعطاه كالوكيل والمتصرِّف، ولذلك قال بعضهم: هو الذي يتبعك وهِمَّتُه بطنُه.
والآخر: أن لا يكون لهم إربةٌ في النساء، كالخَصِيِّ والمخنَّث والشيخ الهَرِم والأحمق.
فلا يجوز رؤيتهم للنساء إلَّا باجتماع الشرطين.
وقيل: بأحدهما.
ومعنى ﴿الْإِرْبَةِ﴾: الحاجة إلى الوطء.
﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أراد بـ ﴿الطِّفْلِ﴾: الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، ويقال: طفل: ما لم يراهق الحُلُم.
و ﴿يَظْهَرُوا﴾ معناه: يَطَّلعون بالوطء على عورات النساء، فمعناه: الذين لم يطؤوا النساء.
وقيل: الذي لا يدرون ما عوراتُ النساء. وهذا أحسن.
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ روي أن امرأةً كان لها خَلخالان، فكانت تضرب بهما؛ فيسمعُهما الرجال، فنهى الله عن ذلك.
стр. 1718
قال الزجاج: إسماع صوت الزينة أشدُّ تحريكًا للشهوة من إبدائها (١).
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ التوبة واجبة على كل مكلف؛ بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
وفرائضها ثلاثة:
[١ - ] الندم على الذنب؛ من حيث عُصِي به ذو الجلال (٢)، لا من حيث أضرَّ ببدن أو مال.
[٢ - ] والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان، من غير تأخير ولا توانٍ.
[٣ - ] والعزم أن لا يعود إليها أبدًا، ومهما قُضِي عليه بالعَوْد أحدث عزمًا مجددًا.
وآدابها ثلاثة:
[١ - ] الاعتراف بالذنب مقرونًا بالانكسار.
[٢ - ] والإكثار من التضرع والاستغفار.
[٣ - ] والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدَّم من السيئات.
ومراتبها سبع:
[١ - ] فتوبة الكفار: من الكفر.
стр. 1719
[٢ - ] وتوبة المخلِّطين (١): من الذنوب الكبائر (٢).
[٣ - ] وتوبة العدول: من الصغائر.
[٤ - ] وتوبة العابدين: من الفَتَرات.
[٥ - ] وتوبة السالكين: من عِلل القلوب والآفات.
[٦ - ] وتوبة أهل الورع: من الشبهات.
[٧ - ] وتوبة أهل المشاهدة: من الغَفَلات.
والبواعث على التوبة سبعة:
[١ - ] خوف العقاب.
[٢ - ] ورجاء الثواب.
[٣ - ] والخجل من الحساب.
[٤ - ] ومحبة الحبيب.
[٥ - ] ومراقبة الرقيب القريب.
[٦ - ] وتعظيم المقام.
[٧ - ] وشكر الإنعام.
﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الأيامى: جمع أيِّمٍ، ومعناه: الذين لا أزواج لهم رجالًا كانوا أو نساء، أبكارًا أو ثيِّباتٍ.
стр. 1720
والخطاب هنا: للأولياء والحكام؛ أمرهم الله بتزويج الأيامى، فاقتضى ذلك النهي عن عضلهنَّ من التزويج.
وفي الآية دليلٌ على عدم استقلال النساء بالإنكاح، واشتراط الولاية فيه، وهو مذهب مالك والشافعي، خلافًا لأبي حنيفة.
﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ يعني: الذين يصلحون للتزويج من ذكور العبيد وإناثهم.
وقال الزمخشري: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ بمعنى: الصلاح في الدين، قال: وإنما خصهم الله بالذكر؛ ليحفظ عليهم صلاحهم (١).
والمخاطبون هنا ساداتهم (٢).
ومذهب الشافعي: أن السيد يُجبَر على تزويج عبيده؛ لهذه الآية، خلافًا لمالك.
ومذهب مالك: أن السيد يُجبر عبده وأمته على النكاح، خلافًا للشافعي.
﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وعد الله بالغنى للفقراء الذين يتزوَّجون لطلب رضا الله، ولذلك قال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح.
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أمرٌ بالاستعفاف، وهو الاجتهاد في طلب العفَّة من الحرام لمن لا يقدر على التزوُّج.
стр. 1721
فقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ معناه:
لا يجدون استطاعة على التزوُّج بأيِّ وجهٍ تعذَّر التزوج.
وقيل: معناه: لا يجدون صَداقًا للنكاح.
والمعنى الأول أعم، والثاني أليق بقوله: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: مصدرٌ بمعنى الكتابة، وهي مقاطعة العبد على مال مُنَجَّم، فإذا أدَّاه خرج حرًّا، وإن عجَز بقي رقيقًا.
وقيل: إن الآية نزلت بسبب حويطب بن عبد العزى، سأل (١) مولاه أن يكاتبه فأبى عليه.
وحكمها مع ذلك عامٌّ؛ فأمر الله سادات العبيد أن يكاتبوهم إذا طلبوا الكتابة، وهذا الأمر على الندب عند مالك والجمهور.
وقال الظاهرية وغيرهم: هو على الوجوب، وذلك ظاهر قول عمر بن الخطاب ﵁ لأنس بن مالك حين سأله مملوكه سيرين الكتابة، فتلكأ أنس، فقال له عمر: لتكاتبنَّه أو لأوجعنك بالدِّرَّةِ (٢).
وإنما حمله مالك على الندب؛ لأن الكتابة كالبيع، فكما لا يجبر على البيع لا يجبر عليها.
стр. 1722
واختلف هل يُجبر السيدُ عبده على الكتابة أم لا؟ على قولين في المذهب.
﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ الخير هنا: القوة على أداء الكتابة بأيِّ وجهٍ كان.
وقيل: هو المال الذي يؤدِّي منه كتابته من غير أن يسأل أموال الناس.
وقيل: هو الصلاح في الدين.
﴿وَآتُوهُمْ مِن مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هذا أمرٌ بإعانة المكاتب على كتابته، واختلف فيمن المخاطب بذلك؟
فقيل: هو خطاب للناس أجمعين.
وقيل: للولاة.
والأمر على هذين القولين: للندب.
وقيل: هو خطاب لسادات المكاتبين، وهو على هذا القول:
ندب عند مالك.
ووجوب عند الشافعي.
فإن كان الأمر للناس: فالمعنى: أن يعطوهم صدقات (١) من أموالهم.
وإن كان للولاة: فيعطوهم من الزكوات (٢).
وإن كان للسَّادات (٣): فيحطُّوا عنهم من كتابتهم.
стр. 1723
وقيل: يعطوهم من أموالهم من غير الكتابة.
وعلى القول بالحظ من الكتابة؛ اختلف في مقدار ما يُحَطُّ؟
فقيل: الربع، وروي ذلك عن رسول الله ﷺ .
وقيل: الثلث.
وقال مالك والشافعي: لا حدَّ في ذلك، بل أقلُّ ما ينطلق عليه (١) شيء، إلَّا أن الشافعيَّ يُجبره على ذلك، ولا يُجبره مالك.
وزمان الحطِّ عنه: في آخر الكتابة عند مالك.
وقيل: في أول نَجْم.
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ معنى ﴿الْبِغَاءِ﴾: الزنا، نهى الله المسلمين أن يُجبروا مملوكاتهم على ذلك.
وسبب الآية: أن عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق كان له جاريتان، فكان يأمرهما بالزنا للكسب منه وللولادة، ويضربهما على ذلك، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ فنزلت الآية فيه وفيمن فعل مثل فعله.
﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ هذا الشرط راجعٌ إلى إكراه الفتيات على الزنا؛ إذ لا يتصوَّر إكراهُهن إلَّا إذا أردن التحصُّن، وهو التعفُّف.
وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى﴾. وذلك بعيد.
﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: ما تكسبه الأمةُ بفرجها، وما تلده من الزنا.
стр. 1724
ويتعلق ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ بقوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا﴾.
﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ المعنى: غفورٌ لهنَّ رحيم بهن، لا يؤاخذهنَّ بالزنا؛ لأنهن أُكرهن عليه.
ويحتمل أن يكون المعنى: غفور رحيم للسيد الذي يُكرههن إذا تاب من ذلك.
﴿آيَاتٍ مُبَيَّنَاتٍ﴾ بفتح الياء: أي بيَّنها الله.
وبالكسر: مبينات للأحكام والحلال والحرام.
﴿وَمَثَلًا﴾ يعني: ضرب لكم الأمثال بمن كان قبلكم في تحريم الزنا؛ لأنه كان حرامًا في كل ملة.
أو في براءة عائشة، كما برَّأ يوسف ومريم.
стр. 1725
[﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾].
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ النور يطلق حقيقةً: على الضوء الذي يدرك بالأبصار، ومجازًا: على المعاني التي تدرك بالقلوب، والله ليس كمثله شيء؛ فتأويل الآية: الله ذو نور السموات والأرض.
أو وصف نفسه بأنه نور، كما تقول: زيد كَرَمٌ: إذا أردت المبالغة في أنه كريم.
فإن أراد بالنور المدرك بالأبصار: فمعنى ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أنه خلق النور الذي فيهما من الشمس والقمر والنجوم.
أو أنه خلقهما وأخرجهما من العدم إلى الوجود، فإنما ظهرت به، كما تظهر الأشياء بالضوء.
стр. 1726
ومن هذا المعنى قرأ علي بن أبي طالب: «الله نَوَّرَ السماواتِ والأرضَ» بفتح النون والواو والراء وتشديد الواو؛ أي: جعل فيهما النور.
وإن أراد بالنور المدرك بالقلوب: فمعنى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: جاعل النور في قلوب أهل السموات والأرض، ولهذا قال ابن عباس: معناه: هادي أهل السموات والأرض (١).
стр. 1727
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ المشكاة: هي الكُوَّة غير النافذة تكون في الحائط، ويكون المصباح فيها شديد الإضاءة.
وقيل: المشكاة: العمود الذي يكون المصباح على رأسه.
والأول أصح وأشهر.
والمعنى: صفة نور الله في وضوحه كصفة مشكاة فيها مصباح، على أعظم ما يتصوَّره البشر من الإضاءة والإنارة.
وإنما شبهه بالمشكاة وإن كان نور الله أعظم؛ لأن ذلك غاية ما يدركه الناس من الأنوار، فضرب المثل لهم بما يصلون إلى إدراكه.
وقيل: الضمير في ﴿نُورِهِ﴾ عائد على محمد ﷺ .
وقيل: على القرآن.
وقيل: على المؤمن.
وهذه الأقوال ضعيفة؛ لأنه لم يتقدَّم ما يعود عليه الضمير.
فإن قيل: كيف يصح أن يقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فأخبر أنه هو النور، ثم أضاف النور إليه في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، والمضاف غير المضاف إليه؟
فالجواب: أن ذلك يصح مع التأويل الذي قدَّمناه؛ أي: الله ذو نور السموات والأرض.
أو كما تقول: زيدٌ كَرَمٌ، ثم تقول: يَنْعَش الناس بكرمه (١).
стр. 1728
﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ المصباح: هو الفَتِيل بناره، والمعنى: أنه في قنديل من زجاج؛ لأن الضوء فيه أزهر، لأنه جسم شفاف.
﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ شبه الزجاجة في إنارتها بكوكب دريّ، وذلك يحتمل معنيين:
إما أن يريد أنها تضيء بالمصباح الذي فيها.
وإما أن يريد أنها في نفسها شديدة الضوء؛ لصفائها ورقة جوهرها، وهذا أبلغ؛ لاجتماع نورها مع نور المصباح.
والمراد بالكوكب الدريّ: أحد الدراري المضيئة؛ كالمشتري، والزهرة وسهيل، ونحوها.
وقيل: أراد الزهرة.
ولا دليل على هذا التخصيص.
وقرأ نافع ﴿دُرِيٌّ﴾ بضم الدال وبشدّ الياء من غير همز، ولهذه القراءة وجهان:
إما أن ينسب الكوكب إلى الدُّرِّ لبياضه وصفائه.
أو يكون مسهّلًا من الهمز.
وقرئ بالهمز وكسر الدال، وبالهمز وضم الدال، وهو مشتقٌّ من الدَّرء بمعنى الدفع.
﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ من قرأ ﴿يُوقَدُ﴾ بالياء، أو ﴿تَوَقَّدَ﴾ بالفعل الماضي: فالفعل مسند إلى المصباح.
стр. 1729
ومن قرأ ﴿تُوقَدُ﴾ بالتاء والفعل المضارع فهو مسند إلى الزجاجة.
والمعنى: يوقد من زيت شجرة مباركة، ووصفها بالبركة: لكثرة منافعها.
أو لأنها تنبت في الأرض المباركة، وهي الشام.
﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قيل: يعني: أنها بالشام، فليست من شرق الأرض ولا من غربها، وأجود الزيتون زيتون الشام.
وقيل: هي منكشفة تصيبها الشمس طول النهار، فليست خالصةً للشرق فتسمى شرقية، ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي غربية شرقية؛ لأن الشمس تستدير عليها من الشرق والغرب.
وقيل: إنها في وسط دَوْحة، فهي لا في جهة الشرق من الدوحة ولا في جهة الغرب.
وقيل: إنها من شجر الجنة، ولو كانت في الدنيا لكانت شرقيةً أو غربية.
﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ مبالغةٌ في وصف صفائه وحسنه.
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني: اجتماعَ نورِ المصباح وحسنِ الزجاجة وطيبِ الزيت، والمراد بذلك: كمال النور الممثَّل به.
﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يوفق الله من يشاء لإصابة الحق.
﴿فِي بُيُوتٍ﴾ يعني: المساجدَ.
وقيل: بيوت أهل الإيمان من مساجد أو مساكن.
стр. 1730
والأول أصح.
والجارُّ يتعلَّق بما قبله؛ أي: كمشكاة في بيوت، أو تُوقَد في بيوت.
وقيل: بما بعده، وهو ﴿يُسَبِّحُ﴾، وكرر الجارَّ بعد ذلك تأكيدًا.
وقيل: بمحذوف؛ أي: سبِّحوا في بيوت.
﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ المراد بالإذن: الأمرُ.
ورفعها: بناؤها.
وقيل: تعظيمها.
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ أي: غُدْوَةً وعشيَّةً (١).
وقيل: أراد الصبح والعصر.
وقيل: صلاة الضحى والعصر.
﴿رِجَالٌ﴾ فاعل ﴿يُسَبِّحُ﴾ على القراءة بكسر الباء.
وأما على القراءة بالفتح: فهو مرفوع بفعل مضمر يدلُّ عليه الأول.
﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: لا تشغلهم.
ونزلت الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كلَّ شغل وبادروا إليها.
والبيع من التجارة، ولكنه خصَّه بالذِّكْر تجريدًا؛ كقوله: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨].
стр. 1731
أو أراد بالتجارة الشراء.
﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ أي: تضطرب من شدة الهول والخوف.
وقيل: تفقهُ القلوب وتُبصِر الأبصار بعد العمى؛ لأن الحقائق تنكشف حينئذ.
والأول أصح؛ كقوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠].
وفي قوله: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ تجنيس.
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ متعلق: بما قبله، أو بفعل من معنى ما قبله.
﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ تقديره: جزاء أحسنِ ما عملوا.
﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: زيادةً على ثواب أعمالهم.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ذُكر في «البقرة» (١).
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ لما ذكر الله حال المؤمنين؛ أعقب ذلك بمثالين لأعمال الكفَّار:
الأول: يقتضي حال أعمالهم في الآخرة، وأنها لا تنفعهم، بل يضمحلُّ ثوابها كما يضمحل السراب.
والثاني: يقتضي حال أعمالهم في الدنيا، وأنها في غاية الفساد والضلال كالظلمات التي بعضها فوق بعض.
стр. 1732
والسراب: هو ما يرى في الفلَوات من ضوء الشمس في الهَجيرة حتى يظهر كأنه ماءٌ يجري على وجه الأرض.
والقيعة: جمع قاعٍ، وهو المنبسط من الأرض.
وقيل: القيعة بمعنى القاع، وليس بجمع.
﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ الظَّمْآن: العطشان؛ أي: يظن العطشان أن السراب ماء، فيأتيه ليشربه، فإذا جاء خاب ما أمَّل، وبطَل ما ظنَّ، وكذلك الكافر يظن أن أعماله تنفعه، فإذا كان يوم القيامة لم تنفعه فهي كالسراب.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ ضمير الفاعل: للظمآن، وضمير المفعول: للسراب، أو لموضع السراب.
أو يكون ضمير الفاعل: للكافر، وضمير المفعول: لعمله.
﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ أي: شيئًا يُنتفع به، أو شيئًا موجودًا على العموم؛ لأنه معدوم.
ويحتمل أن يكون:
ضمير الفاعل: للظمآن، وضمير المفعول للسراب.
أو ضمير الفاعل: للكافر، وضمير المفعول: لعمله.
﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ ضمير الفاعل في ﴿وَجَدَ﴾ للكافر، والضمير في ﴿عِندَهُ﴾ لعمله.
стр. 1733
والمعنى: وجد الله عنده بالجزاء، أو وجد زبانية الله (١)(٢).
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ هذا هو المثل الثاني، وهو عطف على قوله: ﴿كَسَرَابٍ﴾.
والمشبَّه بالظلمات: أعمال الكفَّار؛ أي: هم من الضلال والحيرة في مثل الظلمات المجتمعة من ظلمة البحر تحت الموج تحت السحاب.
﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ منسوب إلى اللُّجِّ، وهو معظم الماء.
وذهب بعضهم إلى أن أجزاء هذا المثال (٣) قوبلت به أجزاء الممثَّل به؛ فالظلمات: أعمال الكافر، والبحر اللجي: صدره، والموج: جهله، والسحاب: الغطاء الذي على قلبه.
وذهب بعضهم إلى أنه تمثيل بالجملة من غير مقابلة.
وفي وصف هذه الظلمات بهذه الأوصاف مبالغةٌ، كما أن في وصف النور المذكور قبلها مبالغة.
﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ المعنى: مبالغة في وصف الظلمة، والضمير في ﴿أَخْرَجَ﴾ وما بعده للرجل الذي وقع في الظلمات الموصوفة.
стр. 1734
واختُلف في تأويل الكلام:
فقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يقارب رؤيتها، فنفى الرؤية ومقاربتها.
وقيل: بل رآها بعد عسر وشدة؛ لأنَّ كاد إذا نُفيت تقتضي الإيجاب، وإذا أُوجبت تقتضي النفي.
وقال ابن عطية: إنما ذلك إذا دخل حرف النفي على الفعل الذي بعدها، فأما إذا دخل حرف النفي على «كاد» كقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ﴾ فإنه يحتمل النفي والإيجاب (١).
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ أي: من لم يهده الله لم يهتد، فالنور كنايةٌ عن الهدى والإيمانِ في الدنيا.
وقيل: أراد: في الآخرة؛ أي: من لم يرحمه الله فلا رحمة له.
والأول أليق بما قبله.
стр. 1735
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾].
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الرؤية هنا بمعنى: العلم.
والتسبيح: التنزيه والتعظيم، وهو من العقلاء بالنطق، وأما تسبيح الطير وغيرها مما لا يعقل:
فقال الجمهور: إنه حقيقي، ولا يبعد أن يلهمها الله التسبيح، كما يلهمها الأمور الدقيقة التي لا يهتدي إليها العقلاء.
وقيل: تسبيحه ظهور الحكمة فيه.
﴿صَافَّاتٍ﴾ يَصْفُفْنَ أجنحتهنَّ في الهواء.
﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ الضمير في ﴿عَلِمَ﴾: لله، أو لـ ﴿كُلٌّ﴾.
والضمير في ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾: لـ ﴿كُلٌّ﴾.
стр. 1736
﴿يُزْجِي﴾ معناه: يسوق، والإزجاء إنما يستعمل في سَوْق كل ثقيل، كالسحاب.
﴿رُكَامًا﴾ متكاثفًا، بعضه فوق بعض.
﴿الْوَدْقَ﴾ المطر.
﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ أي: من بينه، وهو جمع خَلَلٍ، كجبل وجبال.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ قيل: إن الجبال هنا حقيقةٌ، وإن الله جعل في السماء جبالًا من بَرَدٍ.
وقيل: إنه مجاز، كقولك: عند فلان جبالٌ من مالٍ أو علم؛ أي: هي في الكثرة مثل الجبال.
و ﴿مِنْ﴾:
في قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: لابتداء الغاية.
وفي قوله: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ كذلك، وهي بدلٌ من الأولى، أو تكون للتبعيض فتكون مفعول ﴿يُنَزِّلُ﴾.
و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾: لبيان الجنس، أو للتبعيض؛ فتكون مفعول ﴿وَيُنَزِّلُ﴾.
وقال الأخفش: هي زائدة. وذلك ضعيف.
وقوله: ﴿فِيهَا﴾ صفة للجبال، والضمير يعود على السماء.
﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ السَّنَا بالقصر: الضوء، وبالمدّ: المجد والشرف.
стр. 1737
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: يأتي بهذا بعد هذا.
﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ يعني: بني آدم والبهائم والطيور؛ لأن ذلك كله يَدِبُّ. ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ يعني: المنيَّ.
وقيل: الماء الذي في الطين الذي خُلِق منه آدم وغيره.
﴿عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيَّات والحوت.
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا﴾ الآية؛ نزلت في المنافقين، وسببها: أن رجلًا من المنافقين كانت بينه وبين يهودي خصومة، فدعاه اليهودي إلى رسول الله ﷺ فأعرض عنه، ودعاه إلى كعب بن الأشرف.
﴿مُذْعِنِينَ﴾ أي: منقادين طائعين؛ لقصد الوصول إلى حقوقهم.
﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ توقيفٌ يراد به التوبيخ، وكذلك ما بعده.
﴿أَنْ يَحِيفَ﴾ معناه: أن يجور، والحَيْف: الميل، وأسنده إلى الله؛ لأن الرسول إنما يحكم بأمر (١) الله وشرعه.
стр. 1738
[﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾].
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية؛ معناها: إنما الواجب أن يقول المؤمنون: «سمعنا وأطعنا» إذا دعوا إلى الله ورسوله.
وجَعَل الدعاء إلى الله؛ من حيث هو إلى شرعه.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية؛ قال ابن عباس: معناها: ﴿وَمَنْ﴾ ﴿يُطِعِ اللَّهَ﴾: في فرائضه، ﴿وَرَسُولَهُ﴾: في سننه (١)، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾: فيما مضى من ذنوبه، ﴿وَيَتَّقْهِ﴾: فيما يُستقبل.
وسأل بعض الملوك عن آية كافية جامعة، فذُكِرت له هذه الآية.
وسمعها بعض بطارقة الروم فأسلم، وقال: إنها جمعت كلَّ ما في التوراة والإنجيل.
стр. 1739
﴿وَأَقْسَمُوا﴾ أي: حلفوا، والضمير للمنافقين.
﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: بالغوا في اليمين وأكدُوها.
﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ يعني: إلى الغزو.
﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ نهى عن اليمين الكاذبة؛ لأنه قد عرف أنهم يحلفون على الباطل.
﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: طاعة معروفة أمثل وأولى بكم.
أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: المطلوب منكم طاعة معروفة لا يُشَكُّ فيها.
﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ يعني: تبليغ الرسالة.
﴿وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُمْ﴾ يعني: السمع والطاعة واتباع الشريعة.
﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وعدٌ ظهر صدقه بفتح مشارق الأرض ومغاربها لهذه الأمة.
وقيل: إن المراد بالآية: خلافةُ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃؛ لقول رسول الله ﷺ : «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» (١)، وانتهت الثلاثون إلى آخر خلافة علي.
فإن قيل: أين القَسَم الذي جاء قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جوابًا له؟
فالجواب: أنه محذوف، تقديره: وعدهم الله وأقسم.
أو جعل الوعد بمنزلة القَسَم؛ لتحقُّقِه.
﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ نصب على الظرفية لأنهم أُمِروا (١) بالاستئذان في ثلاثة مواطن.
فمعنى الآية: أن الله أمر المماليك والأطفال بالاستئذان في ثلاثة أوقات وهي: قبل الصبح، وحين القائلة وسط النهار، وبعد صلاة العشاء الآخرة؛ لأن هذه الأوقات يكون الناس فيها متجرِّدين للنوم في غالب أمرهم.
وهذه الآية محكمة.
وقال ابن عباس: ترك الناس العمل بها.
وحملها بعضهم على الندب.
﴿تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ﴾ يعني: تتجرَّدون.
﴿الظَّهِيرَةِ﴾ وسط النهار.
﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ جمع عورة؛ من الانكشاف، كقوله: ﴿بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣].
ومَن رفع ﴿ثَلَاثُ﴾ فهو خبر ابتداء مضمر، تقديره: هذه الأوقات ثلاث عورات لكم؛ أي: تنكشفون فيها.
ومَن نصبه فهو بدلٌ من ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ هذا الضمير المؤنث يعود على الأوقات المتقدِّمة؛ أي: ليس عليكم ولا على المماليك والأطفال جناح في ترك الاستئذان في غير المواطن الثلاثة.
стр. 1742
﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ تقديره: المماليك والأطفال طوافون عليكم؛ فلأجل ذلك لم يؤمروا بالاستئذان (١) في كل وقت.
﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بدلٌ من ﴿طَوَّافُونَ﴾؛ أي: بعضكم يطوف على بعض.
وقال الزمخشري: هو مبتدأ؛ أي: بعضكم طائفٌ (٢) على بعض، أو فاعل بفعل مضمر (٣).
﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ لما أمر الأطفال في الآية المتقدمة بالاستئذان في ثلاثة أوقات، وأباح لهم الدخول بغير إذن في غيرها؛ أمرهم هنا بالاستئذان في جميع الأوقات إذا بلغوا ولحقوا بالرجال.
﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ جمع قاعد، وهي العجوز:
فقيل: هي التي قعدت عن الولد.
وقيل: التي قعدت عن التصرُّف.
وقيل: التي إذا رأيتها استقذرتها.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ أباح الله لهذا الصنف من العجائز ما لم يُبَح لغيرهنّ من وضع الثياب.
стр. 1743
قال ابن مسعود: إنما أبيح لهنَّ وضع الجلباب الذي فوق الخمار والرداء. وقال بعضهم: إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها.
﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ إنما أباح الله لهنَّ وضع الثياب، بشرط أن لا يقصدْن إظهار زينة، والتبرُّج: هو الظهور.
﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ المعنى: أن استعفافهنَّ عن وضع الثياب المذكورة خيرٌ لهنَّ من وضعها، والأولى لهنَّ أن يلتزمن ما يلتزم شباب النساء من السِّتْر.
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية؛ اختلف في المعنى الذي رفع الله فيه الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في هذه الآية:
فقيل: هو في الغزو؛ أي: لا حرج عليهم في تأخُّرهم (١) عنه، وقوله: ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ مقطوعٌ من الذي قبله على هذا القول؛ كأنه قال: ليس على هؤلاء الثلاثة حرجٌ في ترك الغزو، ولا عليكم حرج في الأكل.
وقيل: الآية كلُّها في معنى الأكل، واختلف الذاهبون إلى ذلك:
فقيل: إن أهل هذه الأعذار كانوا يتجنَّبون الأكل مع الناس؛ لئلا يتقذَّرهم (٢) الناس، فنزلت الآية مبيحةً لهم الأكل مع الناس.
وقيل: إن الناس كانوا إذا نهضوا إلى الغزو، وخلفوا أهل هذه الأعذار
стр. 1744
في بيوتهم؛ كانوا (١) يتجنَّبون أكل مال الغائب، فنزلت الآية في ذلك.
وقيل: إن الناس كانوا يتجنَّبون الأكل معهم تقذُّرًا، فنزلت الآية، وهذا ضعيف؛ لأن رفع الحرج عن أهل الأعذار لا عن غيرهم.
وقيل: إنَّ رَفْع الحرج عن هؤلاء الثلاثة في كل ما تمنعهم (٢) منه أعذارهم من الجهاد وغيره.
﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أباح الله تعالى الإنسان الأكل من هذه البيوت المذكورة في الآية، فبدأ ببيت الرجل نفسه، ثم ذكر القرابة على ترتيبهم.
ولم يذكر فيهم الابن؛ لأنه دخل في قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾؛ لأن بيت ابن الرجل بيته؛ لقوله ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» (٣).
واختلف العلماء فيما ذُكر في هذه الآية من الأكل من بيوت القرابة:
فذهب قوم إلى أنه منسوخ، وأنه لا يجوز الأكل من بيت أحد إلَّا بإذنه، والناسخ قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلَّا عن طيب نفس منه» (٤).
وقيل: الآية محكمة، ومعناها: إباحة الأكل من بيوت القرابة إذا أذنوا في ذلك.
стр. 1745
وقيل: بإذن وبغير إذن.
﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَهُ﴾ يعني: الوكلاء والأجراء والعبيد الذين يمسكون مفاتح مخازن أموال ساداتهم، فأُبيح (١) لهم الأكل منها.
وقيل: المراد: ما ملك الإنسان من مفاتح نفسه. وهذا ضعيف.
﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ الصديق يقع على الواحد والجماعة، كالعدوّ، والمراد به هنا: جمعٌ ليناسب ما ذكر قبله من الجموع في قوله: ﴿آبَائِكُمْ﴾ و ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ وغير ذلك.
وقرن الله الصديق بالقرابة؛ لقرب مودّته، وقال ابن عباس: الصديق أوكد من القرابة.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ إباحةٌ للأكل في حال الاجتماع والانفراد؛ لأنَّ بعض العرب كان لا يأكل وحده أصلًا؛ خيفةً من البخل، فأباح لهم الله ذلك.
﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ أي: إذا دخلتم بيوتًا مسكونةً فسلموا على مَنْ فيها من الناس، وإنما قال: ﴿عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ بمعنى: صنفكم؛ كقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١].
وقيل: المعنى: إذا دخلتم بيوتًا خاليةً فسلموا على أنفسكم؛ بأن يقول الرجل: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين».
стр. 1746
وقيل: يعني بالبيوت: المساجد، فأمر (١) بالسلام على من فيها، فإن لم يكن فيها أحدٌ فليسلمْ على النبي ﷺ وعلى الملائكة وعلى عباد الله الصالحين.
стр. 1747
[﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾].
﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ الآية؛ الأمر الجامع: هو الذي يجمع له الناس؛ للمشورة فيه، أو للتعاون عليه.
ونزلت هذه الآية في وقت حفر الخندق بالمدينة؛ فإن بعض المؤمنين كانوا يستأذنون في الانصراف لضرورة، وكان المنافقون يذهبون من غير استئذان.
﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أي: لبعض حوائجهم.
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ في معناها ثلاثة أقوال:
الأول: أن الدعاء هنا يراد به: دعاء النبي ﷺ إياهم؛ ليجتمعوا إليه في أمرٍ جامع، أو في قتال وشبه ذلك؛ فالمعنى: أن إجابتكم له إذا دعاكم (١) واجبةٌ عليكم، بخلاف إذا دعا بعضكم بعضًا، فهو كقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
стр. 1748
ويقوي هذا القولَ: مناسبتُه لما قبله من الاستئذان والأمرِ الجامعِ.
والقول الثاني: أن المعنى: لا تدعوا الرسول ﵇ باسمه، كما يدعو بعضُكم بعضًا باسمه؛ بل قولوا له: «يا رسول الله» أو «يا نبي الله»؛ تعظيمًا له ودعاءً بأشرف أسمائه.
وقيل: المعنى: لا تحسبوا دعاءَ الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض؛ أي: دعاؤه عليكم مجابٌ فاحذروه.
ولفظ الآية بعيدٌ من هذا المعنى على أن المعنى صحيح.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ يعني: الذي ينصرفون عن حفر الخندق.
واللُّواذ: الرَّوَغان والمخالفة.
وقيل: الانصراف في خُفية.
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الضمير لله أو (١) لرسوله ﷺ .
واختلف في ﴿عَنْ﴾ هنا:
فقيل: إنها زائدةٌ، وذلك ضعيف.
وقال ابن عطية: معناه: يقع خلافهم بعد أمره، كما تقول: كان المطر عن ريح (٢).
стр. 1749
وقال الزمخشري: يقال: خالفه إلى الأمر: إذا ذهب إليه دونه، وخالفه عن الأمر: إذا صدَّ الناس عنه؛ فمعنى ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾: يصدُّون الناس عنه؛ فحذف المفعول؛ لأن الغرض ذكر المخالف (١).
﴿فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الفتنة: في الدنيا؛ بالرزايا، أو بالفضيحة، أو القتل.
والعذاب: في الآخرة.
﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ دخلت ﴿قَدْ﴾ للتأكيد، وفي الكلام معنى الوعيد.
وقيل: معناها: التقليل على وجه التهكُّم.
والخطاب: لجميع الخلق، أو للمنافقين خاصة.
﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يعني: المنافقين.
والعامل في الظرف: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾.
أو للفرقان.
والأول أظهر.
وقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ عمومٌ يشمل الإنس والجن ممن كان في عصره، وممن يأتي بعده إلى يوم القيامة.
وتضمنَّ صدرُ هذه الآية إثباتَ النبوة والتوحيد، والردَّ على من خالف في ذلك.
﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿خَلَقَ﴾: عبارةٌ عن الإيجاد بعد العدم، والتقدير: عبارةٌ عن إتقان الصنعة، وتخصيص كل مخلوق بمقداره وصفته وزمانه ومكانه ومصلحته وأجله، وغير ذلك.
﴿وَاتَّخَذُوا﴾ الضمير لقريش وغيرهم ممن أشرك بالله تعالى.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يعنون: قومًا من العبيد، منهم: عدَّاس ويسارٌ وأبو فُكيهة الرُّوميُّ.
﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أي: ظلموا النبي ﷺ فيما نسبوا إليه، وكذَّبوا في ذلك عليه.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم، وكان الذي يقول هذه المقالة النضر بن الحارث.
﴿اكْتَتَبَهَا﴾ أي كتبها له كاتبٌ، ثم صارت تملى عليه ليحفظها، وهذا حكاية كلام الكفار.
وقال الحسن: إنه من قول الله على وجه الردّ عليهم.
стр. 1752
ولو كان ذلك لقال: «أَكْتَتَبها» بفتح الهمزة لمعنى (١) الإنكار، وقد يجوز حذف الهمزة في مثل هذا.
وينبغي على قول الحسن أن يوقف على ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ردٌّ على الكفار في قولهم، ويعني (٢) بالسرّ: ما أسرَّه الكفار من أقوالهم.
أو يكون ذلك على معنى التنصُّل والبراءة مما نسبه الكفار إليه من الافتراء؛ أي: أن الله يعلم سرِّي؛ فهو العالم بأني ما افتريتُ عليه، بل هو أنزله عليَّ.
فإن قيل: ما مناسبة قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لما قبله؟
فالجواب: أنه لما ذكر أقوال الكفار: أعقبها بذلك؛ ليبين أنه غفور رحيم في كونه لم يَعْجَلْ عليهم بالعقوبة بل أمهلهم، وإن أسلموا تاب عليهم وغفر لهم.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الآية، قال هذا الكلام قريشٌ؛ طعنًا على النبي ﷺ ، وقد ردَّ (٣) الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠].
وقولهم: ﴿هَذَا الرَّسُولِ﴾:
على وجه التهكُّم، كقوله فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الشعراء: ٢٧].
стр. 1753
أو يعنون: الرسول بزعمه.
ثم ذكر ما اقترحوا من الأمور في قولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ وما بعده، ثم وصفهم بالظلم.
وقد ذكرنا معنى ﴿مَسْحُورًا﴾ في «سبحان» (١).
﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي: قالوا فيك تلك الأقوال.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي: لا يقدرون على الوصول إلى الحق؛ لبعدهم عنه، وإفراط جهلهم.
والزفير: صوتٌ ممدودٌ كصوت الحمار.
﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ تُضَيَّقُ عليهم زيادةً في عذابهم.
﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أي مربوطٌ بعضهم إلى بعض، ورُوي أن ذلك بسلاسلَ من نار.
﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ الثبور: الويل، وقيل: الهلاك.
ومعنى دعائهم ثبورًا: أنهم يقولون: يا ثبوراه!، كقول القائل: واحسرتي! واأسفي!.
﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ تقديره: يقال لهم ذلك.
أو يكون حالهم يقتضي ذلك، وإن لم يكن ثَمَّ قولٌ.
وإنما دعوا ثبورًا كثيرًا؛ لأن عذابهم دائمٌ، فالثبور يتجدَّد عليهم في كل حين.
﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ إنما جاز هنا التفضيل بين الجنة والنار؛ لأن الكلام توقيفٌ وتوبيخٌ، وإنما يُمنَع التفضيل بين شيئين ليس بينهما اشتراك في المعنى إذا كان الكلام خبرًا.
﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي سأله المؤمنون، أو الملائكة في قولهم: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.
وقيل: معناه: وعدًا واجب الوقوع؛ لأنه قد حتَّمه.
﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ القائل لذلك هو الله .