مئتي مرة كل يوم غفرت له ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين» (١).
[﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾].
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الضمير هنا عند البصريين: ضمير الأمر والشأن الذي يراد به التعظيم والتفخيم.
وإعرابه: مبتدأ، وخبره الجملة التي بعده، وهي المفسرة له، و ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره.
وقيل: ﴿اللَّهُ﴾ هو الخبر، و ﴿أَحَدٌ﴾ بدل منه.
وقيل: ﴿اللَّهُ﴾ بدل، و ﴿أَحَدٌ﴾ هو الخبر.
و ﴿أَحَدٌ﴾ له معنيان:
أحدهما: أن يكون من أسماء النفي التي لا تقع إلا في غير الواجب، كقولك: «ما جاءني أحد»، وليس هذا موضع هذا المعنى، وإنما موضعه قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
والآخر: أن يكون بمعنى واحد، وأصله: «وَحَد» بواو، ثم أبدل من الواو همزة، وهذا هو المراد هنا.
واعلم أن وصف الله تعالى بالواحد (٢) له ثلاثة معان كلها صحيحة
стр. 3012
في حق الله تعالى:
الأول: أنه واحد لا ثاني معه، فهو نفي للعدد.
والآخر: أنه واحد لا نظير ولا شريك، كما تقول: «فلان واحد عصره»؛ أي: لا نظير له.
والثالث: أنه واحد لا ينقسم ولا يتبَعَّض (١).
والأظهر: أن المراد في السورة نفي الشريك؛ لقصد الرد على المشركين ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣].
قال الزمخشري: ﴿أَحَدٌ﴾ وصفٌ بالوحدانية ونفي الشركاء (٢).
قلت: وقد أقام الله في القرآن براهين قاطعة على وحدانيته، وذلك في القرآن كثير جدًّا، وأوضحها أربعة براهين (٣):
الأول: قوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]؛ لأنه إذا ثبت أن الله تعالى خالق جميع الموجودات لم يمكن أن يكون واحدٌ منها شريكًا له.
والآخر: قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
والثالث: قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢].
стр. 3013
والرابع: قوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١].
وقد فسرنا هذه الآيات في مواضعها.
وتكلمنا على حقيقة التوحيد في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] (١).
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ في معنى الصمد ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الصمد الذي يُصمَد إليه في الأمور؛ أي: يُلجأ إليه.
والآخر: أنه الذي لا يأكل ولا يشرب، فهو كقوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].
والثالث: أنه الذي لا جوف له.
والأول هو المراد هنا على الأظهر.
ورجحه ابن عطية: بأن الله هو مُوجِد الموجودات وبه قِوامها، فهي مفتقرة إليه؛ أي: تصمد إليه؛ إذ لا تقوم بأنفسها (٢).
ورجَّحه شيخنا الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير بورود معناه في القرآن حيثما ورد نفي الولد عن الله تعالى كقوله في «مريم»: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨] ثم أعقبه بقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]، وقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
стр. 3014
وَالْأَرْضُ﴾ [البقرة: ١١٦]، وكذلك هنا ذكره مع قوله ﴿لَمْ يَلِدْ﴾؛ ليكون برهانًا على نفي الولد.
قال الزمخشري: صَمَدٌ: فَعَلٌ بمعنى مفعول؛ لأنه مصمود إليه في الحوائج (١).
﴿لَمْ يَلِدْ﴾ هذا ردٌّ على كل من جعل لله ولدًا، فمنهم النصارى في قولهم: عيسى ابن الله، واليهود في قولهم: عزير ابن الله، والعرب في قولهم: الملائكة بنات الله.
وقد أقام اللهُ البراهين في القرآن على نفي الولد، وأوضحها أربعة:
الأول: أن الولد لا بد أن يكون من جنس والده، والله تعالى ليس له جنس، فلا يمكن أن يكون له ولد، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] فوصفهما بصفة الحدوث؛ لينفي عنهما صفة (٢) القِدَم فتبطل مقالة الكفار.
والثاني: أن الولد إنما يُتخذ للحاجة إليه، والله لا يفتقر إلى شيء، فلا يتخذ ولدًا، وإلى هذا أشار بقوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨].
الثالث: أن جميع الخلق عباد الله، والعبودية تنافي البنوّة، وإلى هذا
стр. 3015
أشار بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
الرابع: أنه لا يكون ولد إلا لمن له زوجة، والله تعالى لم يتخذ زوجة فلا يكون له ولد، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ هذا ردٌّ على الذين قالوا: «انسُبْ لنا ربك»، وذلك أن كل مولود محدث، والله تعالى هو الأول الذي لا افتتاح لوجوده، القديم، الذي كان ولم يكن معه شيء غيره، فلا يمكن أن يكون مولودًا تعالى عن ذلك.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ الكفؤ: هو النظير والمماثل.
قال الزمخشري: يجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، فيكون نفيًا للصاحبة (١)، وهذا بعيد.
والأول هو الصحيح، ومعناه: أن الله ليس له نظير ولا شبيه ولا مثيل.
ويجوز في ﴿كُفُوًا﴾:
ضم الفاء، وإسكانها مع ضم الكاف، وقد قرئ بالوجهين.
ويجوز أيضًا كسر الكاف وإسكان الفاء.
ويجوز كسر الكاف وفتح الفاء والمدُّ.
ويجوز فيه: الهمز والتسهيل.
стр. 3016
وانتصب ﴿كُفُوًا﴾ على أنه خبر «كان»، و ﴿أَحَدٌ﴾ اسمها.
قال ابن عطية: يجوز أن يكون ﴿كُفُوًا﴾ حالًا؛ لكونه كان صفة للنكرة فقُدّم عليها (١).
فإن قيل: لم قدَّم المجرور وهو ﴿لَهُ﴾، على اسم كان وخبرها، وشأن الظرف إذا وقع غير خبر أن يؤخَّر؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه قُدّم للاعتناء به والتعظيم؛ لأنه ضمير الله تعالى، وشأن العرب تقديم ما هو أهم وأولى.
والآخر: أن هذا المجرور به يتم معنى الخبر وتكمل فائدته، فإنه ليس المقصود نفي الكفؤ مطلقًا، إنما المقصود نفي الكفؤ عن الله تعالى، فلذلك اعتنى بهذا المجرور الذي يَحوز (٢) هذا المعنى، فقدَّمه.
فإن قيل: إن قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يقتضي نفي الولد والكفؤ؛ فلم نصَّ على ذلك بعده؟
فالجواب: أن هذا من التجريد، وهو تخصيص الشيء بالذكر بعد دخوله في عموم مُتقدّم، كقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ويُفعل ذلك لوجهين يصح كل واحد منهما هنا:
أحدهما: الاعتناء، ولا شك أن نفي الولد والكفؤ عن الله ينبغي
стр. 3017
الاعتناء به؛ للرد على من قال خلاف ذلك من الكفار.
والآخر: الإيضاح والبيان؛ فإن دخول الشيء في ضمن العموم ليس كالنص عليه، فنص على هذا بيانًا، وإيضاحًا للمعنى، ومبالغةً في الرد على الكفار، وتأكيدًا لإقامة الحجة عليهم.
стр. 3018
(سورة الفلق)
[﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾].
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ تقدم معنى ﴿أَعُوذُ﴾ في التعوذ (١)، ومعنى ﴿رَبِّ﴾ في «اللغات» (٢) و «الفاتحة» (٣).
وفي الفلق ثلاثة أقوال:
الأول: أنه الصبح، ومنه ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦].
قال الزمخشري: هو فَعْلٌ بمعنى مفعول (٤).
الثاني: أنه كل ما يفلقه الله، كفَلْق الأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك.
الثالث: أنه جُبٌّ في جهنم. وقد روي هذا عن رسول الله ﷺ (٥).
стр. 3019
﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ هذا عمومٌ في جميعِ المخلوقاتِ، وشرُّهم: أنواعٌ كثيرةٌ، أعاذنا الله منها.
و ﴿مَا﴾ هنا:
موصولة.
أو موصوفة.
أو مصدرية.
﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ فيه ثمانية أقوال:
الأول: أنه الليل إذا أظلم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وهذا قول الأكثرين، وذلك لأن ظلمة الليل ينتشر عندها أهل الشر من الأنس والجن، ولذلك قيل في المثل: «الليل أخفى للويل» (١).
الثاني: أنه القمر، خرج النسائي: أن رسول الله ﷺ رأى القمر فقال: «يا عائشة! استعيذي بالله من شر هذا؛ فإنه الغاسق إذا وقب» (٢)، ووقوبه على هذا: كسوفه؛ لأن «وَقَبَ» في كلام العرب يكون بمعنى الظلمة والسواد وبمعنى الدخول، فالمعنى: إذا دخل في الكسوف، أو إذا أظلم به.
الثالث: أنه الشمس إذا غربت، والوقوب على هذا المعنى: الظلمة، أو الدخول.
стр. 3020
الرابع: أن الغاسق النهار إذا دخل في الليل، وهذا قريب من الذي قبله.
الخامس: أن الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطاعون تهيج عنده، وروي أن رسول الله ﷺ قال: «النجم هو الغاسق» (١) فيحتمل أن يريد الثريا.
السادس: أنه الذَّكَر إذا قام، حكى النقاش هذا القول عن ابن عباس.
السابع: قال الزمخشري: يجوز أن يراد بالغاسق: الأسود من الحيات، ووَقْبُه: ضَرْبُه (٢).
الثامن: أنه إبليس، حكى ذلك السهيلي (٣).
﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ النَّفْث: شبه النفخ دون تفل وريق. قاله ابن عطية (٤).
وقال الزمخشري: هو النفخ مع ريق (٥).
وهذا النفث ضربٌ من السحر، وهو أن ينفث على عُقَدٍ تُعقد في خيط أو نحوه على اسم مسحور فيضره ذلك.
وحكى ابن عطية أنه حدَّثه ثقة أنه رأى عند بعض الناس بصحراء المغرب خيطًا أحمر قد عُقدت فيه عقد على فضلان - وهي أولاد الإبل -، فمُنعت
стр. 3021
بذلك من رضاع أمهاتها، فكان إذا حلَّ عقدةً جرى ذلك الفصيل إلى أمه فرَضعَ في الحين (١).
قال الزمخشري: إن في الاستعاذة من النفاثات ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يستعاذ من مثل عملهن وهو السحر، ومن إثمهنَّ في ذلك.
والآخر: أن يستعاذ من خداعهن للناس وفتنتهن.
والثالث: أن يستعاذ مما يصيب من الشر عند نفثهن (٢).
و ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ بناء مبالغة، والموصوف محذوف تقديره: النساء النفاثات.
أو الجماعات النفاثات.
أو النفوس النفاثات.
والأول أرجح؛ لأنه روي أنه إشارة إلى بنات لبيد بن الأعصم اليهودي، وكنَّ ساحرات سحرْنَ هُنَّ وأبوهن رسول الله ﷺ وعَقَدْنَ له إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله المعوِّذتين إحدى عشرة آية بعدد العقد، وشفى الله رسوله ﷺ .
فإن قيل: لم عرَّف ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ بالألف واللام، ونكَّر ما قبله وهو ﴿غَاسِقٍ﴾ وما بعده وهو ﴿حَاسِدٍ﴾؛ مع أن الجميع مستعاذ منه؟
стр. 3022
فالجواب: أنه عرَّف النفاثات؛ ليفيد العموم؛ لأن كل نفاثة شريرة، بخلاف الغاسق والحاسد؛ فإن شرَّهما في بعض دون بعض.
﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ الحسد خُلق مذموم طبعًا وشرعًا، قال رسول الله ﷺ : «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» (١).
وقال بعض العلماء: الحسد أول معصية عُصِيَ الله بها في السماء والأرض، أما في السماء: فحسد إبليس لآدم، وأما في الأرض: فقتل قابيل لأخيه هابيل بسبب الحسد.
ثم إن الحسد على درجات:
الأولى: أن يحب الإنسان زوال النعمة عن أخيه المسلم وإن كانت لا تنتقل إليه، بل يكره إنعام الله على غيره ويتألم به.
الثانية: أن يحب زوال تلك النعمة؛ لرغبته فيها ورجاء انتقالها إليه.
الثالثة: أن يتمنى لنفسه مثل تلك النعمة من غير أن يحب زوالها عن غيره، وهذا جائز وليس بحسد، وإنما هو غِبْطة.
والحاسد يضرُّ نفسه ثلاث مضرات:
أحدها: اكتساب الذنوب؛ لأن الحسد حرام.
الثانية: سوء الأدب مع الله تعالى، فإن حقيقة الحسد كراهةُ إنعام الله على عبده، واعتراضٌ على الله في فعله.
الثالثة: تألم قلبه، وكثرة همه وغمه.
стр. 3023
فنرغب إلى الله أن يجعلنا محسودين لا حاسدين، فإن المحسود ذو نعمة والحاسد في كرب ونقمة، ولله در القائل:
إني لأرحم حاسديَّ لفرْط ما … ضمَّت صدورهمُ من الأوغارِ
نظروا صنيع الله بي فعيُونهم … في جنةٍ وقلوبُهم في نارِ (١)
وقال آخر:
إن يحسدوني فإني غيرُ لائمهم … قبلي من الناسِ أهلُ الفضل قد حُسِدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم … ومات أكثرُنا غيظًا بما يَجِدُ (٢)
ثم إن الحسود لا تزول عداوته، ولا تنفع مداراته، وهو ظالم يتشكَّى كأنه
مظلوم، ولقد صدق القائل:
كل العداوة قد تُرجى إزالتها … إلا عداوة من عاداك من حسدِ (٣)
وقال حكيم الشعراء:
وأظلم خلق الله من بات حاسدًا … لمن بات في نعمائه يتقلَّبُ (٤)
قال ابن عطية: قال بعض الحذاق: هذه السورة خمس آيات، وهي مراد
стр. 3024
الناس بقولهم للحاسد الذي يخاف منه العين: الخمسة على عينيك (١).
فإن قيل: لم قال ﴿إِذَا وَقَبَ﴾، و ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ فقيد بـ «إذا» التي تقتضي تخصيص بعض الأوقات؟
فالجواب: أن شرَّ الحاسد ومضرَّتَه إنما تقع إذا أمضى حسده، فحينئذٍ يضر بقوله أو بفعله أو بإصابته بالعين، فإن عين الحسود قاتلة، وأما إذا لم يُمضِ حسده ولم يتصرف بمقتضاه فشره ضعيف، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «ثلاث لا ينجو منهن أحد: الحسد، والظن، والطيرة» (٢). فمخرجه من الحسد أن لا يبغي، ومخرجه من الظن أن لا يُحقِّق، ومخرجه من الطيرة أن لا يرجع، فلهذا خصه بقوله: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾.
وكذلك الشر المخوف في الليل إنما هو إذا أظلم، فلذلك خصه بقوله: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾.
فإن قيل: إن قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ عمومٌ يدخل تحته كل ما ذكر بعده؛ فلأي شيء ذُكر ما بعده؟
فالجواب: أن هذا من التجريد؛ للاعتناء بالمذكور بعد العموم، ولقد تأكد ما ذكر في هذه السورة بعد العموم بسبب السحر الذي سحر اليهود رسول الله ﷺ ، وشدة حسدهم له.
стр. 3025
(سورة الناس)
[﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾].
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ إن قيل: لم أضاف الرب إلى الناس خاصة وهو رب كل شيء؟
فالجواب: أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوسِ في صدور الناس، فخصهم بالذكر لأنهم المعوَّذون بهذا التعويذ، والمقصودون هنا دون غيرهم.
﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ هذا عطف بيان.
فإن قيل: لم قدم وصفه تعالى بـ ﴿رَبِّ﴾ ثم بـ ﴿مَلِكِ﴾ ثم بـ ﴿إِلَهِ﴾؟
فالجواب: أن هذا على الترتيب في الارتقاء إلى الأعلى، وذلك أن الرب قد يُطلق على كثير من الناس، فيقال: فلان رب الدار، وشبه ذلك، فبدأ به؛ لاشتراك معناه، وأما المَلِك فلا يوصف به إلا آحاد من الناس وهم الملوك، ولا شك أنهم أعلى من سائر الناس، فلذلك جاء به بعد الرب، وأما الإله فهو أعلى من الملك، ولذلك لا يَدَّعي الملوكُ أنهم آلهة، وإنما الإله واحد لا شريك له ولا نظير؛ فلذلك خُتم به.
стр. 3026
فإن قيل: لم أظهر المضاف إليه وهو ﴿النَّاسِ﴾ في المرة الثانية والثالثة؛ فهلاَّ أضمره في المرتين لتقدم ذكره في قوله: ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾؟ أو هلاَّ اكتفى بإظهاره في المرة الثانية؟
فالجواب: أنه لما كان عطف بيان حسن فيه البيان وهو الإظهار دون الإضمار، وقصد أيضًا الاعتناء بالمكرر ذكره، كقول الشاعر:
لا أرى الموتَ يَسبق الموتَ شيءٌ … نغَّص الموتُ ذا الغنى والفقيرَا (١)
﴿الْوَسْوَاسِ﴾ وهو مشتق من الوسوسة، وهي الكلام الخفي.
فيحتمل أن يكون ﴿الْوَسْوَاسِ﴾:
[أـ] بمعنى الموسوس فكأنه اسم فاعل، وهذا يظهر في قول ابن عطية: الوسواس من أسماء الشيطان (٢).
[بـ] ويحتمل أن يكون مصدرًا وصف به الموسوس:
على وجه المبالغة، كالوصف بعَدْلٍ وصَوْمٍ.
أو على حذف مضاف تقديره: ذي الوسواس.
وقال الزمخشري: إنما المصدر وِسواس بالكسر (٣).
﴿الْخَنَّاسِ﴾ معناه: الراجع على عقبه المستتر أحيانًا، وذلك متمكِّن في الشيطان؛ فإنه يوسوس، فإذا ذُكر العبدُ الله وتعوذ به منه تباعد عنه، ثم رجع
стр. 3027
إليه عند الغفلة عن الذكر، فهو يَخنَسُ في تباعده، ثم في رجوعه بعد ذلك. ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ وسوسة الشيطان في صدر الإنسان بأنواع كثيرة؛ منها:
إفساد الإيمان والتشكيك في العقائد.
فإن لم يقدر على ذلك أمره بالمعاصي.
فإن لم يقدر على ذلك ثبَّطه عن الطاعات.
فإن لم يقدر على ذلك أدخل عليه الرياء في الطاعات؛ ليُحبطها.
فإن سلم من ذلك أدخل عليه العُجْب بنفسه واستكثار عمله.
ومن ذلك: أنه يوقد في القلب نار الحسد، والحقد، والغضب؛ حتى
يقود الإنسان إلى شر الأعمال وأقبح الأحوال.
وعلاج وسوسته بثلاثة أشياء؛ وهي:
[١ - ] الإكثار من ذكر الله.
[٢ - ] والإكثار من الاستعاذة بالله منه، ومن أنفع شيء في ذلك قراءة هذه السورة.
والثالث: مخالفته والعزم على عصيانه.
فإن قيل: لم قال: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ ولم يقل: «في قلوب الناس»؟
فالجواب: أن ذلك إشارة إلى عدم تمكن الوسوسة، وأنها غير حالَّة في القلب، بل هي محوِّمة في الصدر حول القلب.
стр. 3028
﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ هذا بيان لجنس الوسواس، وأنه يكون من الجن، ومن الإنس.
ثم إن الموسوس من الإنس يحتمل أن يريد:
من يوسوس بخِدَعه، وأقواله الخبيثة؛ فإنه شيطان كما قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].
أو يريد به: نفس الإنسان إذ تأمره بالسوء؛ فإنها أمَّارة بالسوء. والأول أظهر.
وقيل: إن ﴿النَّاسِ﴾ معطوف على ﴿الْوَسْوَاسِ﴾؛ كأنه قال: أعوذ من شر الوسواس من الجنة، ومن شر الناس، وليس الناس على هذا ممن يوسوس. والأول أظهر وأشهر.
فإن قيل: لم ختم القرآن بالمعوذتين، وما الحكمة في ذلك؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: قال شيخنا الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير: لما كان القرآن من أعظم النعم على عباده، والنعم مَظِنة الحسد؛ فختم (١) بما يطفئ الحسد؛ من الاستعاذة بالله.
الثاني: يظهر لي: أن المعوذتين ختم بهما؛ لأن رسول الله ﷺ قال فيهما: «أنزلت عليّ آيات لم ير مثلهن قط» (٢)، كما قال في فاتحة
стр. 3029
الكتاب: «لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها» (١)، فافتتح القرآن بسورة لم ينزل مثلها، واختتم بسورتين لم يُرَ مثلهما؛ ليجمع حسن الافتتاح والاختتام، ألا ترى أن الخطب والرسائل والقصائد وغير ذلك من أنواع الكلام إنما ينظر فيها إلى حُسن افتتاحها واختتامها.
الوجه الثالث: يظهر لي أيضًا: أنه لما أمر القارئ أن يفتتح قراءته بالتعوذ من الشيطان الرجيم، ختم القرآن بالمعوذتين؛ ليحصل الاستعاذة بالله عند أول القراءة وعند آخر ما يقرأ من القرآن، فتكون الاستعاذة قد اشتملت على طرفي الابتداء والانتهاء؛ ليكون القارئ محفوظًا بحفظ الله الذي استعاذ به من أول أمره (٢) إلى آخره.
стр. 3030
كمل كتاب «التسهيل لعلوم التنزيل» بعون الله وتوفيقه، فله الحمد كما هو أهله، فالخير بيده كله، وليس للعبد إلا إحسانه وطوله ورحمته وفضله، وأنا أرغب إلى الله كما أعانني بفضله على هذا الكتاب أن يجعله موجبًا لدخولي الجنة من غير حساب ولا عذاب، بحرمة القرآن العظيم، وشفاعة محمد رسوله المصطفى الكريم (١)، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وكان تمام تقييده في يوم الاثنين الحادي عشر من شهر ربيع الثاني عام تسعة وثلاثين وسبع مئة، والحمد لله رب العالمين.