وهو لِلفِعلة والخصلة التي يراد بها العذاب على القول الثاني والثالث.
والمقصود: تعظيمها، ثم فسرها بقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾.
стр. 2977
(سورة التكاثر (١))
[﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾]
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ هذا خبر يراد به الوعظ والتوبيخ.
ومعنى ﴿أَلْهَاكُمُ﴾: شغَلكم.
و ﴿التَّكَاثُرُ﴾: المباهاة بكثرة المال والأولاد، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر، ويقول هؤلاء: نحن أكثر.
ولما قرأها النبي ﷺ قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي!، وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لَبِست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» (٢).
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن معناه: حتى مُتُّم، فأراد بزيارة المقابر: الدفن فيها.
الثاني: أن معناه: حتى ذكرتم الموتى الذين في المقابر، فعبّر بزيارتها عن التفاخر بمن فيها؛ لأن بعض العرب تفاخر بآبائه الموتى.
стр. 2978
فالمعنى: ألهاكم التكاثر حتى بلغتم فيه إلى ذكر الموتى.
الثالث: أن معناه: زيارة المقابر حقيقةً؛ لتعظيم أهلها والتفاخر بهم، فيقول: هذا قبر فلان؛ ليُشهَر ذِكرهُ (١) ويعظم قدره.
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ زجر وتهديد، ثم كرره؛ للتأكيد، وعطفه بـ ﴿ثُمَّ﴾ إشارة إلى أن الثاني أعظم من الأول.
وقيل: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: في القبور، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: يوم القيامة.
وقيل: الأول: تهديد للكفار، والثاني: تهديد للمؤمنين.
وحذف مفعول (٢) ﴿تَعْلَمُونَ﴾، وتقديره:
تعلمون ما يَحُلُّ بكم.
أو تعلمون أن القرآن حق.
أو تعلمون أنكم كنتم على خطإٍ في اشتغالكم بالدنيا.
وإنما حذفه؛ لقصد التهويل، فيقدّر السامعُ أعظمَ ما يخطر بباله.
﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، تقديره: لو تعلمون لازدجرتم واستعددتم للآخرة، فينبغي الوقف على ﴿الْيَقِينِ﴾.
ومفعول ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ محذوف أيضًا.
стр. 2979
و ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ مصدر، ومعنى علم اليقين: العلم الذي لا يُشك فيه. قال بعضهم: هو من إضافة الشيء إلى نفسه، كقولك: دارُ الآخرةِ. وقال الزمخشري: معناه: علم الأمور التي تتيقَّنونها بالمشاهدة (١).
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ هذا جواب قسم محذوف، وهو تفسير لمفعول ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ تقديره: لو تعلمون عاقبة أمركم، ثم فسرها بأنها رؤية الجحيم، والتفسير بعد الإبهام يدل على التهويل والتعظيم.
والخطاب: لجميع الناس، فهو كقوله: ﴿وَإِنْ مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. وقيل: للكفار خاصة، فالرؤية على هذا: يراد بها الدخول فيها.
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ هذا تأكيد للرؤية المتقدمة، وعطفه بـ ﴿ثُمَّ﴾؛ للتهويل والتفخيم.
والعين هنا: من قولك: عين الشيء: نفسه وذاته؛ أي: لترونها الرؤية التي هي نفس اليقين.
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ هذا إخبار بالسؤال في الآخرة عن نعيم الدنيا:
فقيل: النعيم: الأمن والصحة.
وقيل: الطعام والشراب.
وهذه أمثلة، والصواب: العموم في كل ما يُتلذذ به، قال رسول الله ﷺ : «بيت يُكِنُّك، وخرقةٌ تواريك، وكِسْرة تشدُّ قلبك، وما سوى ذلك فهو
стр. 2980
نعيم» (١)، وقال ﷺ : «كل نعيم فمسؤول عنه إلا نعيم في سبيل الله» (٢)، وأكل يومًا ﷺ مع بعض أصحابه رطبًا وشربوا عليه ماء، فقال لهم: «هذا من النعيم الذي تُسألون عنه» (٣).
стр. 2981
(سورة العصر)
[﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾]
﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾ فيه ثلاثة أقوال:
الأول: أنه صلاة العصر، أقسم الله بها؛ لفضلها، قال رسول الله ﷺ : «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتر أهله وماله» (١).
الثاني: أنه العشي، أقسم به كما أقسم بالضحى، ويؤيد هذا: قول أبي بن كعب: سألت رسول الله ﷺ عن العصر فقال: «أقسم ربكم بآخر النهار» (٢).
الثالث: أنه الزمان.
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ﴿الْإِنسَانَ﴾: جنس، ولذلك استثنى منه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهو استثناء متصل.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي: وصَّى بعضهم بعضًا بالحق وبالصبر.
стр. 2982
فالحق هو الإسلام وما يتضمنه، وفيه إشارة إلى كذب الكفار.
وفي الصبر إشارة إلى صبر المؤمنين على إذاية الكفار لهم بمكة.
стр. 2983
(سورة الهمزة)
[﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾]
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ هو على الجملة: الذي يعيب الناس ويأكل أعراضهم.
واشتقاقه: من الهمز واللمز، وصيغة «فُعَلَة» للمبالغة.
واختلف في الفرق بين الكلمتين:
فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة.
وقيل بالعكس.
وقيل: الهمز باليد والعين، واللمز باللسان.
وقيل: هما سواء.
ونزلت السورة في الأخنس بن شَرِيق؛ لأنه كان كثير الوقيعة في الناس.
وقيل: في أمية بن خلف.
وقيل: في الوليد بن المغيرة.
стр. 2984
ولفظها مع ذلك على العموم في كل من اتصف بهذه الصفات.
﴿وَعَدَّدَهُ﴾ أي: أحصاه وحافظ على عدده أن لا ينقص، فمنعه من الخيرات.
وقيل: معناه: استعدَّه وذَخره (١) عُدَّةً لحوادث الدهر.
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ أي: يظن بفرط جهله واغتراره أن ماله يُخَلِّده في الدنيا.
وقيل: يظن أن ماله يوصله إلى دار الخلد.
﴿كَلَّا﴾ ردٌّ عليه فيما ظنه.
﴿لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ هذا جواب قسم محذوف.
و ﴿الْحُطَمَةُ﴾ هي جهنم، وإنما سميت حُطَمَةً؛ لأنها تَحْطِم ما يلقى فيها وتلتهبه، وقد عظَّمها بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ (٥)﴾، ثم فسَّرها بأنها ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦)﴾.
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ أي: تبلغ القلوب بإحراقها.
قال ابن عطية: يحتمل أن يكون المعنى: أنها تطلع على ما في القلوب من العقائد والنِّيَّات بإطلاع الله إياها (٢).
﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مغلقة.
стр. 2985
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ العَمَد: جمع عمود، وهو عند سيبويه اسم جمع.
وقرئ ﴿عُمُدٍ﴾ بضمتين.
والعمود: هو المستطيل من حديد أو خشب، والممددة: الطويلة.
وفي المعنى قولان:
أحدهما: أن أبواب جهنم أغلقت عليهم، ثم مُدَّت على أبوابها عَمَدٌ؛ تشديدًا في الإغلاق والثَّقَاف، كما تُثَقَّف أبواب البيوت بالعمد، وهو على هذا متعلق بـ ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾.
والآخر: أنهم موثوقون مغلولون في العَمَد، فالمجرور على هذا: في موضع خبر مبتدإٍ مضمر تقديره: هم موثوقون في عمد.
стр. 2986
(سورة الفيل)
نزلت هذه السورةُ منبهةً على العبرة في قصة الفيل التي وقعت عام مولد رسول الله ﷺ ، فإنها تدل على كرامة الله للكعبة، وإنعامه على قريش بدفع العدو عنهم، فكان يجب عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به، وفيها مع ذلك عجائبُ من (١) قدرة الله وشدة عقابه.
وقد ذُكرت القصة في كتاب السِّير وغيره، واختصارها: أن أبرهة ملك الحبشة بنى بيتًا باليمن، وأراد أن يحج الناس إليه كما يحجون إلى الكعبة، فذهب عَرَبيٌّ وأحدث في البيت، فغضب أبرهة وحلف أن يهدم الكعبة، فاحتفل في جموعه، وركب الفيل وقصد مكة، فلما وصل قريبًا منها فرَّ أهلها إلى الجبال وأسلموا له الكعبة، وأخذ لعبد المطلب مئتي بعير فكلَّمه فيها، فقال له: كيف تكلمني في الإبل ولا تكلمني في الكعبة، وقد جئت لهدمها وهي شرفك وشرف قومك؟ فقال له: أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه، فبرَك الفيل (٢) بذي الغَميس، ولم يتوجه إلى مكة، فكانوا إذا وجهوه إلى غيرها هَرْول، وإذا وجهوه إليها توقف ولو بضَعُوه (٣) بالحديد، فبينما هم كذلك أرسل الله عليهم طيورًا سودًا، وقيل: خضرًا، عند كل طائر ثلاثة
стр. 2987
أحجار في منقاره ورجليه، فرمتهم الطيور بالحجارة، فكان الحجر يقتل من وقع عليه، وروي: أنه كان يدخل في رأسه ويخرج من دبره، ووقع في سائرهم الجُدَري والأسقام، وانصرفوا فماتوا في الطريق متفرقين في المراحل، وتقطع أبرهة أنملة أنملة.
[﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾].
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ معناه: ألم تعلم، و ﴿كَيْفَ﴾ في موضع نصب بـ ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾، لا بـ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾.
والجملة معمول ﴿أَلَمْ تَرَ﴾.
﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ أي: إبطال وتخسير.
﴿أَبَابِيلَ﴾ معناه: جماعات شيئًا بعد شيء.
قال الزمخشري: واحدها إِبَّالَةٌ (١).
وقال جمهور الناس: هو جمعٌ لا واحد له من لفظه.
﴿بِحِجَارَةٍ﴾ روي: أن كل حجر منها كان فوق العدسة ودون الحِمَّصة.
قال ابن عباس: إنه أدرك عند أم هانئ نحو قفيز من هذه الحجارة، وإنها كانت مخططة بحُمْرة.
стр. 2988
وروي: أنه كان على كل حجر اسمُ مَنْ يقع عليه مكتوبًا.
﴿سِجِّيلٍ﴾ قد ذُكر (١).
﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ العصف: ورق الزرع وتبنه، والمراد: أنهم صاروا رميمًا.
وفي تشبيههم به ثلاثة أوجه:
الأول: أنه شبههم بالتبن إذا أكلته الدواب ثم راثته، فجمع التلف والخسة ولكن الله كنَّى عن هذا على حسَب أدب القرآن.
الثاني: أنه أراد ورق الزرع إذا أكلته الدود.
الثالث: أنه أراد كعصفٍ مأكولٍ زرعُه، وبقي هو لا شيء.
стр. 2989
(سورة قريش)
[﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾].
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾ قريش: هم حيٌّ من عرب الحجاز الذين من ذرية معد بن عدنان، إلا أنه لا يقال قريشٌ إلا لمن كان من ذرية النضر بن كنانة، وهم ينقسمون إلى أفخاذ وبيوت؛ نحو بني هاشم، وبني أمية، وبني مخزوم، وغيرهم.
وإنما سميت القبيلة قريشًا؛ لتقرشهم، والتقرُّش: التكسب، وكانوا تجارًا. وعن معاوية أنه سأل ابن عباس: بم سمّيت قريش؟ قال: بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تُعلى.
وكانوا ساكنين بمكة، وكان لهم رحلتان في كل عام للتجارة، رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام.
وقيل: كانت الرحلتان جميعًا إلى الشام.
وقيل: كانوا يرحلون في الصيف إلى الطائف حيث الماء والظل، فيقيمون بها، ويرحلون في الشتاء إلى مكة؛ لسكناهم بها.
والإيلاف: مصدر من قولك: آلفتُ المكان: إذا أَلِفْتَه.
وقيل: هو منقول منه بالهمزة، يقال أَلِفَ الرجل الشيءَ، وآلفه إياه غيرُه.
стр. 2990
فالمعنى:
على القول الأول: أن قريشًا ألفوا رحلة الشتاء والصيف.
وعلى الثاني: أن الله آلفهم الرحلتين.
واختلف في تعلق قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه متعلق بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾، والمعنى: فليعبدوا الله من أجل إيلافهم الرحلتين؛ فإن ذلك نعمة من الله عليهم.
الثاني: أنه يتعلق بمحذوف تقديره: اعجبوا لإيلاف قريش.
الثالث: أنه يتعلق بسورة الفيل، والمعنى: أن الله أهلك أصحاب الفيل لإيلاف قريش، فهو يتعلق بقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ أو بما قبله من الأفعال.
ويؤيد هذا: أن السورتين في مصحف أبيّ بن كعب سورةٌ واحدة لا فصل بينهما، وقد قرأهما عمرُ في ركعة واحدة من المغرب.
وذكر الله الإيلاف أولًا مطلقًا، ثم أبدل منه الإيلاف المقيّد بالرحلتين؛ تعظيمًا للأمر.
ونصبُ ﴿رِحْلَةَ﴾؛ لأنه مفعول بـ ﴿إِيلَافِهِمْ﴾.
وقال: ﴿رِحْلَةَ﴾ وأراد: «رحلتين»، فهو كقول الشاعر:
كلوا في بعض بطْنكم تعِفُّوا (١)
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ هذا إقامة حجة عليهم، واستدعاء لهم
стр. 2991
بملاطفة، وتذكير بالنعم.
والبيت: هو المسجد الحرام.
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِنْ جُوعٍ﴾ يحتمل أن يريد:
إطعامهم بسبب الرحلتين، فقد روي أنهم كانوا قبل ذلك في شدة وضيق حال حتى أكلوا الجيف.
ويحتمل أن يريد إطعامهم على الإطلاق، فقد كان أهل مكة ساكنين بوادٍ غير ذي زرع، ولكن الله أطعمهم مما يجلب إليهم من البلاد، بدعوة أبيهم إبراهيم ﷺ ، وهو قوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦].
﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ يحتمل أن يريد:
آمنهم من خوف أصحاب الفيل.
ويحتمل أن يريد: آمنهم في بلدهم بدعوة إبراهيم في قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦].
وقد فسرناه في موضعه (١).
أو يعني: آمنهم في أسفارهم؛ لأنهم كانوا في رحلتهم آمنين، لا يتعرض لهم أحد بسوء، وكان غيرهم من الناس تؤخذ أموالهم وأنفسهم.
وقيل: آمنهم من الجُذَام، فلا ترى بمكة مجذومًا.
قال الزمخشري: التنكير في ﴿جُوعٍ﴾ و ﴿خَوْفٍ﴾؛ لشدتهما (٢).
стр. 2992
(سورة أرأيت)
[﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾].
﴿أَرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١)﴾ قيل: إن هذا نزل في أبي جهل أو (١) أبي سفيان بن حرب.
وقيل: هو مطلق.
والدين هنا: الملة، أو الجزاء.
﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾ أي: يدفعه بعنف، وهذا الدفع يحتمل أن يكون:
عن إطعامه والإحسان إليه.
أو عن ماله وحقوقه، وهذا أشدُّ.
والذي لا يحضُّ على طعام المسكين لا يُطعمه من باب أولى.
وهذه الجملة هي جواب ﴿أَرَأَيْتَ﴾؛ لأن معناها: «أخبرني»، فكأنه سؤال وجواب.
стр. 2993
والمعنى: انظر (١) الذي كذب بالدين؛ تجد فيه هذه الأخلاق القبيحة والأعمال السيئة.
وإنما ذلك؛ لأن الدين يحمل صاحبه على فعل الحسنات وترك السيئات. فمقصود الكلام: ذمُّ الكفار وأحوالهم.
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ قيل: إن هذا نزل في عبد الله بن أبيّ ابن سلول المنافق، والسورة على هذا نصفها مكي ونصفها مدني، قاله أبو زيد السهيلي (٢).
وذلك أن ذِكْر أبي جهل وغيره من الكفار أكثر ما جاء في السور المكية، وذكر السهو عن الصلاة والرياء فيها، إنما هي من صفات الذين كانوا بالمدينة، لاسيما على قول من قال: إنها في عبد الله بن أبيّ.
وقيل: إنها مكية كلها، وهو الأشهر، ونزل آخرها - على هذا - في رجل أسلم بمكة ولم يكن صحيح الإيمان.
وقيل: مدنية.
والسهو عن الصلاة: هو تركها، أو تأخيرها تهاونًا بها.
وقد سئل رسول الله ﷺ عن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال: «الذين يؤخرونها عن وقتها» (٣).
стр. 2994
وقال عطاء بن يسار: الحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ولم يقل: «في صلاتهم».
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ هو من الرياء؛ أي: صلاتهم رياء للناس، لا لله.
﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ فيه وصف لهم بالبخل وقلة المنفعة للناس.
وفي ﴿الْمَاعُونَ﴾ أربعة أقوال:
الأول: أنه الزكاة.
الثاني: أنه المال بلغة قريش.
الثالث: أنه الماء.
الرابع: أنه ما يتعاطاه الناس بينهم، كالآنية، والفأس، والدلو، والمِقصّ.
وسئل رسول الله ﷺ : ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ فقال: «الماء، والنار، والملح» (١) وزاد في بعض الطرق: «الإبرة، والخمير» (٢).
стр. 2995
(سورة الكوثر)
[﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾].
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ، والكوثر: بناء مبالغة من الكثرة.
وفي تفسيره سبعة أقوال:
الأول: حوض النبي ﷺ .
الثاني: أنه الخير الكثير الذي أعطاه الله في الدنيا والآخرة، قاله ابن عباس، وتتمَّه سعيد بن جبير بأن قال: إن النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله، فالمعنى: أنه على العموم.
الثالث: أن الكوثر القرآن.
الرابع: أنه كثرة الأصحاب والأتباع.
الخامس: أنه التوحيد.
السادس: أنه الشفاعة.
السابع: أنه نور وضعه الله في قلبه.
стр. 2996
ولا شك أن الله أعطاه هذه الأشياء (١) كلها، ولكن الصحيح أن المراد بالكوثر الحوض، لما ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما الكوثر؟ هو نهر أعطانيه الله، وهو الحوض، آنيته عدد نجوم السماء» (٢).
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ فيه خمسة أقوال:
الأول: أنه أمره بالصلاة على الإطلاق، وبنحر الهدي والضحايا.
الثاني: أنه ﷺ كان يضحي قبل صلاة العيد، فأمره أن يصلي ثم ينحر، فالمقصود على هذا: تأخير نحر الأضاحي عن الصلاة.
الثالث: أن الكفار كانوا يصلون مكاءً وتصدية، وينحرون للأصنام، فقال الله لنبيه ﷺ : صل لربك وحده وانحر له؛ أي: لوجهه لا لغيره، فهو على هذا أمر بالتوحيد والإخلاص.
الرابع: أن معنى ﴿وَانْحَرْ﴾: ضع يدك اليمنى على اليسرى عند صدرك في الصلاة، فهو على هذا من النَّحْر، وهو الصدر.
الخامس: أن معناه: ارفع يدك عند نحرك في افتتاح الصلاة.
﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ الشانئ: هو المبغض، وهو من الشَّنَآن بمعنى العداوة.
ونزلت هذه الآية في العاصي بن وائل - وقيل: في أبي جهل - على وجه
стр. 2997
الرد عليه؛ إذ قال: إن محمدًا أبترُ؛ أي: لا ولد له ذكَرٌ، فإذا مات استرحنا منه وانقطع أمره بموته، فأخبر الله أن هذا الكافر هو الأبتر وإن كان له أولاد؛ لأنه مبتور من رحمة الله؛ أي: مقطوع عنها، ولأنه لا يُذكر إذا ذُكر إلا باللعنة، بخلاف النبي ﷺ فإن ذكره خالد إلى آخر الدهر، مرفوع على المنابر والصوامع، مقرونٌ بذكر الله، والمؤمنون من زمانه إلى يوم القيامة أتباعه، فهو كالوالد لهم (١).
стр. 2998
(سورة الكافرين)
سبب هذه السورة: أن قومًا من قريش، منهم الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاصي بن وائل وأبو جهل ونظراؤهم؛ قالوا: يا محمد! اتبع ديننا ونتبع دينك، اعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فقال: «معاذ الله أن أشرك بالله شيئًا» (١)، ونزلت السورة في معنى البراءة من آلهتهم، ولذلك قال ﷺ : «من قرأها فقد برئ من الشرك» (٢).
[﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾].
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ هذا إخبار أنه لا يعبد أصنامهم.
فإن قيل: لم كرر هذا المعنى بقوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: - قاله الزمخشري -: وهو أن قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يريد في الزمان المستقبل، وقوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾ يريد به فيما
стр. 2999
مضى؛ أي: ما كنت قطُّ عابدًا ما عبدتم فيما سلف؛ فكيف تطلبون ذلك مني الآن؟ (١)
الثاني: - قاله ابن عطية -: وهو أن قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ لما كان يحتمل أن يراد به زمان الحال خاصة قال: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾؛ أي: أبدًا ما عشتُ (٢).
وهذا مُعتَرض؛ لأن «لا» النافية إذا دخلت على الفعل المضارع خلّصته للاستقبال، فقوله: ﴿لَا أَعْبُدُ﴾ لا يحتمل أن يراد به الحال.
ويحتمل عندي: أن يكون قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يريد به: في المستقبل، على حسب ما تقتضيه «لا» من الاستقبال، ويكون قوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يريد به: في الحال، فيحصل من المجموع نفي عبادته الأصنام في الحال والاستقبال، ومعنى الحال في قوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ أظهر من معنى المضيّ الذي قاله الزمخشري، ومن معنى الاستقبال؛ فإن قولك: «ما زيد قائم» بنفي الجملة الاسمية يقتضي الحال.
﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ هذا إخبارٌ أن هؤلاء الكفار لا يعبدون الله، كما قيل لنوح: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، إلا أن هذا في حق قوم مخصوصين ماتوا على الكفر، وقد روي أن هؤلاء الجماعة المذكورين هم: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف، وأبي بن خلف، وابنا
стр. 3000
الحجاج (١)، وكلهم ماتوا كفارًا.
فإن قيل: لم قال ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ بـ «ما» دون «مَنْ» التي هي موضوعة لمن يَعقِل؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ذلك لمناسبة قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾؛ فإن هذا واقع على الأصنام التي لا تعقل ثم جعل ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ على طريقته؛ لتناسب اللفظ.
الثاني: أنه أراد الصفة، كأنه قال: لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق، قاله الزمخشري (٢).
الثالث: أن «ما» مصدرية، والتقدير: لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي، وهذا ضعيف.
فإن قيل: لم كرَّر هذا المعنى واللفظ؛ فقال بعد ذلك: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ مرة أخرى؟
فالجواب: من وجهين:
أحدهما: - قول الزمخشري -: وهو أن الأوّل في المستقبل والثاني فيما مضى (٣).
стр. 3001
والآخر: - قاله ابن عطية -: وهو أن الأول في الحال والثاني في الاستقبال، فهو حتمٌ عليهم أن لا يؤمنوا أبدًا (١).
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ أي: لكم شرككم، ولي توحيدي، وهذه براءة منهم.
وفيها مسالمة منسوخة بالسيف.
стр. 3002
(سورة النصر)
سأل عمر بن الخطاب جماعةً من الصحابة ﵃ عن معنى هذه السورة، فقالوا: إن الله أمر رسول الله ﷺ بالتسبيح والاستغفار عند النصر والفتح، وذلك على ظاهر لفظها، فقال لابن عباس بمحضرهم: يا عبد الله ما تقول أنت؟ قال: هو أجلُ رسول الله ﷺ ، أَعْلَمَهُ الله بقربه إذا رأى النصر والفتح، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما علمتَ.
وقد قال بهذا المعنى ابن مسعود وغيره، ويؤيده قول عائشة: إن رسول الله ﷺ لما فتح مكة وأسلم العرب جعل يكثر أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك اللهم إني أستغفرك» يتأول القرآن (١)؛ أي هذه السورة، وقال لها مرة: «ما أراه إلا حضور أجلي» (٢).
وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى أيام التشريق في حجة الوداع، وعاش رسول الله ﷺ بعدها ثمانين يومًا أو نحوها.
وقال ابن مسعود: هذه السورة تسمى «سورة التوديع».
[﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾].
стр. 3003
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ يعني بالفتح: فتح مكة والطائف وغيرهما من البلاد التي فتحها رسول الله ﷺ .
وقال ابن عباس: (١) النصر: صلح الحديبية، والفتح: فتح مكة. وقيل: النصر: إسلام أهل اليمن.
والإخبار بذلك كله قبل وقوعه إخبارٌ بغيب، فهو من أعلام النبوَّة.
﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ أي: جماعاتٍ، وذلك أنه أسلم بعد فتح مكة بشرٌ كثير، فقد روي أن رسول الله ﷺ كان معه في فتح مكة عشرة آلاف، وكان معه في غزوة تبوك سبعون ألفًا.
وقال أبو عمر ابن عبد البر: لم يمت رسول الله ﷺ وفي العرب رجل كافر (٢).
وقد قيل: إن عدد المسلمين عند موته: مئة ألف وأربعة عشر ألفًا.
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ قد ذُكر التسبيح والاستغفار ومعنى ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فيما تقدم (٣).
فإن قيل: لم أمره الله بالتسبيح والحمد والاستغفار عند رؤية النصر والفتح، وعند اقتراب أجله؟
فالجواب: أنه أمره بالتسبيح والحمد؛ ليكون شكرًا على النصر والفتح
стр. 3004
وظهور الإسلام، وأمره بذلك وبالاستغفار عند اقتراب أَجَلِهِ؛ ليكون ذلك زادًا للآخرة وعُدةً للقاء الله (١).
стр. 3005
(سورة أبي لهب) (١)
سببها: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد رسول الله ﷺ على الصفا، فنادى بأعلى صوته: «يا صَباحاه (٢)!»، فاجتمعت إليه قريش فقال لهم: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» ثم أنذرهم عمومًا وخصوصًا، فقال له أبو لهب: تبًا لك! ألهذا جمعتنا؟ فنزلت السورة (٣).
[﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾].
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ معنى ﴿تَبَّتْ﴾: خسرت، والتباب: هو الخسران.
وأبو لهب: هو عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم، وهو عمُّ رسول الله ﷺ ، وكان من أشد الناس عداوةً له.
فإن قيل: لم ذكره الله بكنيته (٤) دون اسمه؟
стр. 3006
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن كنيته كانت أغلب عليه من اسمه كأبي بكر وغيره، ويقال: إنه كُنِّيَ أبا لهب لتلهُّب وجهه جمالًا.
الثاني: أنه لما كان اسمه عبد العزى عدل عنه إلى الكنية.
الثالث: أنه لما كان من أهل النار واللهب، كَنَّاه أبا لهب، وليناسب ذلك قوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾.
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ يحتمل أن تكون ﴿مَا﴾: نافيةً، أو استفهامية يراد بها النفي.
و ﴿مَالُهُ﴾: هو رأس ماله، و ﴿وَمَا كَسَبَ﴾: الربح.
أو ﴿مَالُهُ﴾: ما ورث، و ﴿وَمَا كَسَبَ﴾: هو ما اكتسبه لنفسه.
وقيل: ﴿مَالُهُ﴾: جميع ماله، و ﴿وَمَا كَسَبَ﴾: أولاده.
﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ هذا حتمٌ عليه بدخول النار، ومات بعد ذلك كافرًا.
﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ (٤)﴾ اسم امرأته: أم جميل بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان وعمة معاوية.
وفي وصفها بحمالة الحطب أربعة أقوال:
أحدها: أنها تحمل حطبًا وشوكًا فتلقيه في طريق النبي ﷺ لتؤذيه (١).
стр. 3007
الثاني: أن ذلك عبارة عن مشيها بالنميمة، يقال: فلان يحمل الحطب بين الناس: أي: يوقد بينهم نار العداوة بالنمائم.
الثالث: أنه عبارة عن سعيها بالمضرة على المسلمين، يقال: فلان يحطب على فلان: إذا قصد الإضرار به.
الرابع: أنه عبارة عن ذنوبها وسوء أعمالها.
﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِن مَسَدٍ (٥)﴾ الجيد: العنق.
والمسد: الليف.
وقيل: الحبل المفتول.
وفي المراد به ثلاثة أقوال:
الأول: أنه إخبار عن حملها الحطب في الدنيا على القول الأول، وفي ذلك تحقيرٌ لها، وإظهار لخساسة حالها.
والآخر: أن حالها في جهنم يكون كذلك؛ أي: يكون في عنقها حبل.
الثالث: أنها كانت قلادة فاخرة، فقالت: لأنفقنَّها على عداوة محمد، فأخبر عن قلادتها بحبل المسد على جهة التفاؤل والذم لها بتبرُّجها.
ويحتمل قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ وما بعده وجوها من الإعراب يختلف الوقف باختلافها، وهي:
أن يكون ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ مبتدأ، و ﴿حَمَّالَةُ الْحَطَبِ﴾ خبره.
أو يكون ﴿حَمَّالَةُ الْحَطَبِ﴾ نعتٌ، والخبر: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِن مَسَدٍ (٥)﴾.
стр. 3008
أو يكون ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ معطوفًا على الضمير في ﴿يَصْلَى﴾، و ﴿حَمَّالَةُ الْحَطَبِ﴾: نعت، أو خبر مبتدأ مضمر.
стр. 3009
(سورة الإخلاص)
سبب نزول هذه السورة: أن اليهود دخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد! صف لنا ربك وانسبه؟ فإنه وصف نفسه في التوراة ونَسَبها!، فارتعد رسول الله ﷺ حتى خرَّ مغشيًّا عليه، ونزل عليه جبريل ﵇ بهذه السورة.
وقيل: إن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : انسب لنا ربك؟ فنزلت.
وعلى الرواية الأولى: تكون السورة مدنية؛ (لأن سؤال اليهود بالمدينة) (١).
وعلى الرواية الثانية: تكون مكية.
واختلف في معنى قوله ﷺ : " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِل ثلث القرآن" (٢):
فقيل: إن ذلك في الثواب؛ أي: لمن قرأها من الأجر مثل أجر من قرأ ثلث القرآن.
وقيل: إن ذلك فيما تضمنته من المعاني والعلوم؛ وذلك أن علوم القرآن ثلاثة: توحيد، وأحكام، وقَصص، وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد،
стр. 3010
فهي ثلثُ القرآنِ بهذا الاعتبار، وهذا أظهرُ، وعليهِ حملَ ابنُ عطيةَ الحديثُ (١).
ويؤيدُهُ: أنَّ في بعضِ رواياتِ الحديثِ: «إنَّ اللهَ جزَّأَ القرآنَ ثلاثةَ أجزاءٍ، فجعلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ جزءًا من أجزاء القرآنِ» (٢).
وخرجَ النسائيُّ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سمعَ رجلًا يقرؤُها فقالَ: «أما هذا فقد غفرَ لهُ» (٣)، وفي روايةٍ أنهُ قالَ: «وجبت له الجنةُ» (٤).
وخرجَ مسلمٌ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بعثَ رجلًا على سريةٍ، فكان يقرأُ لأصحابهِ في الصلاةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلكَ لرسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: «سلوهُ بأَيِّ شيءٍ يصنعُ ذلكَ؟» فسألوهُ فقالَ: لأنها صفةُ الرحمنِ؛ فأنا أحبُّ أن أقرأَها، فقال رسول الله ﷺ : «أخبروهُ أنَّ اللهَ يحبُّهُ» (٥).
وفي روايةٍ خرجَها الترمذيُّ: أنهُ ﷺ قالَ للرجلِ: «حبُّكَ إياها أدخلَكَ الجنةَ» (٦).
وخرجَ الترمذيُّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «من قرأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾
стр. 3011
مئتي مرة كل يوم غفرت له ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين» (١).
[﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾].
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الضمير هنا عند البصريين: ضمير الأمر والشأن الذي يراد به التعظيم والتفخيم.
وإعرابه: مبتدأ، وخبره الجملة التي بعده، وهي المفسرة له، و ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره.
وقيل: ﴿اللَّهُ﴾ هو الخبر، و ﴿أَحَدٌ﴾ بدل منه.
وقيل: ﴿اللَّهُ﴾ بدل، و ﴿أَحَدٌ﴾ هو الخبر.
و ﴿أَحَدٌ﴾ له معنيان:
أحدهما: أن يكون من أسماء النفي التي لا تقع إلا في غير الواجب، كقولك: «ما جاءني أحد»، وليس هذا موضع هذا المعنى، وإنما موضعه قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
والآخر: أن يكون بمعنى واحد، وأصله: «وَحَد» بواو، ثم أبدل من الواو همزة، وهذا هو المراد هنا.
واعلم أن وصف الله تعالى بالواحد (٢) له ثلاثة معان كلها صحيحة
стр. 3012
في حق الله تعالى:
الأول: أنه واحد لا ثاني معه، فهو نفي للعدد.
والآخر: أنه واحد لا نظير ولا شريك، كما تقول: «فلان واحد عصره»؛ أي: لا نظير له.
والثالث: أنه واحد لا ينقسم ولا يتبَعَّض (١).
والأظهر: أن المراد في السورة نفي الشريك؛ لقصد الرد على المشركين ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣].
قال الزمخشري: ﴿أَحَدٌ﴾ وصفٌ بالوحدانية ونفي الشركاء (٢).
قلت: وقد أقام الله في القرآن براهين قاطعة على وحدانيته، وذلك في القرآن كثير جدًّا، وأوضحها أربعة براهين (٣):
الأول: قوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]؛ لأنه إذا ثبت أن الله تعالى خالق جميع الموجودات لم يمكن أن يكون واحدٌ منها شريكًا له.
والآخر: قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
والثالث: قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢].
стр. 3013
والرابع: قوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١].
وقد فسرنا هذه الآيات في مواضعها.
وتكلمنا على حقيقة التوحيد في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] (١).
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ في معنى الصمد ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الصمد الذي يُصمَد إليه في الأمور؛ أي: يُلجأ إليه.
والآخر: أنه الذي لا يأكل ولا يشرب، فهو كقوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].
والثالث: أنه الذي لا جوف له.
والأول هو المراد هنا على الأظهر.
ورجحه ابن عطية: بأن الله هو مُوجِد الموجودات وبه قِوامها، فهي مفتقرة إليه؛ أي: تصمد إليه؛ إذ لا تقوم بأنفسها (٢).
ورجَّحه شيخنا الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير بورود معناه في القرآن حيثما ورد نفي الولد عن الله تعالى كقوله في «مريم»: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨] ثم أعقبه بقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]، وقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
стр. 3014
وَالْأَرْضُ﴾ [البقرة: ١١٦]، وكذلك هنا ذكره مع قوله ﴿لَمْ يَلِدْ﴾؛ ليكون برهانًا على نفي الولد.
قال الزمخشري: صَمَدٌ: فَعَلٌ بمعنى مفعول؛ لأنه مصمود إليه في الحوائج (١).
﴿لَمْ يَلِدْ﴾ هذا ردٌّ على كل من جعل لله ولدًا، فمنهم النصارى في قولهم: عيسى ابن الله، واليهود في قولهم: عزير ابن الله، والعرب في قولهم: الملائكة بنات الله.
وقد أقام اللهُ البراهين في القرآن على نفي الولد، وأوضحها أربعة:
الأول: أن الولد لا بد أن يكون من جنس والده، والله تعالى ليس له جنس، فلا يمكن أن يكون له ولد، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] فوصفهما بصفة الحدوث؛ لينفي عنهما صفة (٢) القِدَم فتبطل مقالة الكفار.
والثاني: أن الولد إنما يُتخذ للحاجة إليه، والله لا يفتقر إلى شيء، فلا يتخذ ولدًا، وإلى هذا أشار بقوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨].
الثالث: أن جميع الخلق عباد الله، والعبودية تنافي البنوّة، وإلى هذا
стр. 3015
أشار بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
الرابع: أنه لا يكون ولد إلا لمن له زوجة، والله تعالى لم يتخذ زوجة فلا يكون له ولد، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ هذا ردٌّ على الذين قالوا: «انسُبْ لنا ربك»، وذلك أن كل مولود محدث، والله تعالى هو الأول الذي لا افتتاح لوجوده، القديم، الذي كان ولم يكن معه شيء غيره، فلا يمكن أن يكون مولودًا تعالى عن ذلك.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ الكفؤ: هو النظير والمماثل.
قال الزمخشري: يجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، فيكون نفيًا للصاحبة (١)، وهذا بعيد.
والأول هو الصحيح، ومعناه: أن الله ليس له نظير ولا شبيه ولا مثيل.
ويجوز في ﴿كُفُوًا﴾:
ضم الفاء، وإسكانها مع ضم الكاف، وقد قرئ بالوجهين.
ويجوز أيضًا كسر الكاف وإسكان الفاء.
ويجوز كسر الكاف وفتح الفاء والمدُّ.
ويجوز فيه: الهمز والتسهيل.