Полный текст (3 030 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمَة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على مَنْ بعثه الله رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن أشرف العلوم قدرًا، وأجلّها ذكرًا، وأرفعها شأنًا، وأولاها عرفانًا؛ علم تفسير كتاب الله تعالى، وتفهم معانيه، وهو أولى العلوم بالتحصيل، وخير ما صُرفت فيه الأعمار، وأُنفقت فيه الأوقات، وكُدَّت فيه القرائح والفهوم؛ إذ هو متعلِّقٌ بأشرفِ كلام، وهو كلام رب العالمين، فنال هذا العلمُ قصب السَّبْق بهذه المزية، وأعظم بها من مزيّة، ومن رُتبةٍ عليّة، وحريٌّ بعلمٍ هذه خُلَّته وخَصلته أن يكون سيّد العلوم وكبيرها، وأن تكون سائرُ العلوم له جندًا وتبَعًا، وقَمِنٌ به أن يكون في ذِرْوة المعارف والعلوم التي يقصدها وُرَّادُها، ويرومها قُصَّادُها، ويطلبها شُداتها؛ ليرتعوا في رياضه، ويكرعوا من حياضه، ويقتبسوا من أنواره، ويتأرَّجوا من نفحاته، وما أجملَ ما دبّجته يراعة الإمام المطلبي، محمد بن إدريس الشافعي ﵀ حيث يقول مستحثًّا طلبة العلم على العناية بكتاب الله، ومُذْكِيًا هِمَمهم في الانكباب
стр. 2
على تحصيل علمه-: «فكلُّ ما أُنزل في كتابه - جل ثناؤه - رحمةٌ وحجة، عَلِمَه مَنْ علمه، وجهله من جهله، لا يعلم مَنْ جهله، ولا يجهل من علمه، والناس في العلم طبقاتٌ، موقعُهم من العلم بقَدْر درجاتهم في العلم به، فحقٌّ على طلبة العلم بلوغُ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبرُ على كل عارضٍ دون طَلَبِه، وإخلاصُ النية لله في استدراك علمه: نصًّا واستنباطًا، والرغبةُ إلى الله في العون عليه؛ فإنه لا يُدرك خيرٌ إلَّا بعونه، فإن مَنْ أدرك علم أحكام الله في كتابه نصًّا واستدلالًا، ووفَّقه الله للقول والعمل بما عَلِم منه: فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرَّيْب، ونوَّرت في قلبه الحكمةُ، واستوجب في الدين موضع الإمامة، فنسأل الله المبتدئ لنا بنِعَمِه قبل استحقاقها، المْدِيمَها علينا، مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجب به من شكره بها، الجاعِلَنَا في خير أمة أخرجت للناس: أن يرزقنا فهمًا في كتابه، ثم سنة نبيه، وقولًا وعملًا يؤدِّي به عنَّا حقَّه، ويوجب لنا نافلةً مَزِيده» (١).
وإن من أنفع الكتب المؤلفة في علم تفسير كتاب الله تعالى: كتاب «التسهيل لعلوم التنزيل» للشيخ الشهيد أبي القاسم محمدِ بن أحمد ابن جُزَيٍّ الكلبي الغرناطي ﵀، فقد امتاز هذا الكتاب بعدة مميزات، تجعله من أولى كتب التفسير التي يجدر بطالب العلم أن يُقبل على تحصيلها،
ومن تلك المميزات:
١ - سهولة أسلوب ابن جزيٍّ ووضوح عبارته وجودتها، وحسن ترتيبه
_________
(١) الرسالة (ص: ١٩ - ٢٠).
стр. 3
وعرضه للمسائل، وهذه الميزة يجدها الطالب بجلاء عند مطالعته لسائر كتب ابن جزي، فعبارته يمكن أن توصف بأنها من السهل الممتنع، حيث يجد القارئ سلاسةً عند قراءتها، لكن يصعب على الشخص أن يحاكيَها.
٢ - صِغَر حجم الكتاب نسبيًّا؛ مما يسهِّل تحصيله، ويقرِّبه إلى الراغبين، مع غزارة مادته العلمية، فابن جزيّ اختصر العبارة، مع غاية الدقَّة في انتقاء العبارة، فالمطالع لتفسيره يجد العبارة المختصرة المركَّزة، لكن لو فتَّش فيما تحتها من المعنى لوجده معنىً غزيرًا، وقد نبه ﵀ على ذلك فقال: «ثم إني عزمتُ على إيجاز العبارة وإفراط الاختصار، وترك التطويل والتكرار».
٣ - نقاوة هذا التفسير وخلوصه وصفاؤه من الأقوال الباطلة والساقطة، كما نبَّه على ذلك في المقدمة فقال: «وإذا كان القول في غاية السقوط والبطلان لم أذكره؛ تنزيهًا للكتاب عنه، وربَّما ذكرته تحذيرًا منه»، إضافةً إلى تحقيقه لأقوال المفسرين والتفرقة بين السقيم منها والصحيح، وتمييزه بين الراجح والمرجوح، فهو بحقٌّ عسلٌ مصفًّى، ولبنٌ خالصٌ سائغ للشاربين.
٤ - أنه يُعدُّ كتابًا تطبيقيًّا لمن درس علوم الآلة -كعلوم اللغة من نحو وتصريف وبلاغة وعلم الأصول- ويروم أن ينمِّي ملكته في تطبيق هذه العلوم على فهم كتاب الله، فابن جزيّ يبيِّن بوضوح الأوجه الإعرابية في الآية والمعنى المبنيِّ على كل وجه، وما فيها من النكات البلاغية، ويبين تصاريف الكلمات وأبنيتها.
٥ - قدَّم له ابن جزيّ بمقدِّمتين، إحداهما في أبواب من علوم القرآن
стр. 4
وأصول التفسير، وهي بمثابة كتاب مستقلٌّ في علم علوم القرآن وأصول التفسير، والأخرى في اللغات التي يكثر ورودها في القرآن، وهي بمثابة كتاب مستقل في علم غريب القرآن، وهذا الصَّنيع قلَّ أن يوجد مثله في كتب التفسير.
٦ - جودة المصادر التي استمدَّ منها ابن جزيّ تفسيره - وسيأتي الحديث عنها بإذن الله -، وأهم تلك المصادر: تفسير ابن عطية، وتفسير الزمخشري، وهذان التفسيران من أجلِّ كتب التفسير العُمَد الكبار، فالدارس لتفسير ابن جزي كأنه قرأ لُباب هذين التفسيرين وصفوتهما.
وقد نوَّه أهل العلم بمزيَّة تفسير ابن جزي، وأشادوا بمنزلته، وأوصوا به طلاب العلم، فهذا الشيخ أبو حامد محمد العربي بن يوسف الفاسي (ت ١٠٥٢ هـ) من عيون علماء المغاربة في القرن الحادي عشر يوصي أولاده حين قدموا فاس لطلب العلم بها ويقول في ضمن وصيَّته: «ومن أحسن التفاسير التي أحبُّ لكم مطالعتها وتفهُّمَها: تفسير ابن جزيّ، ولا أقبلُ قولَ من يخالف في ذلك» (١).
ويقول فضيلة الشيخ الدكتور خالد السبت -نفع الله به-: «فهذا كتاب في غاية الأهمية، لا يستغني عنه طالب العلم، وهو مع إيجازه، فالمؤلف يحرص فيه على الوفاء بالمعنى، يختصر جدًّا مع ذكر الأقوال، وهو كتاب ملخَّص، لكنه عميق ودقيق قلَّ أن يوجد مثله»، ويقول أيضًا: «ويصلح أن
_________
(١) نقل نصَّ هذه الوصية د. محمد عوامة في كتابه: معالم إرشادية لصناعة طالب العلم (ص ٤٣٤).
стр. 5
يكون هذا الكتاب أصلًا يُعتمد عليه، بحيث يكون عند طالب العلم، يضبطه، ويضيف عليه ويُعلَّق عليه، ويرجع إليه حينًا بعد حين، ويراجعه ويكرره» (١).
ومع جلالة هذا الكتاب وقيمته العلمية ومزاياه العَلِيَّة؛ إلا أنه لم تخرج له طبعةٌ صحيحة سليمة من الأخطاء تليق بمكانته، فجميع الطبعات التي خرجتْ له بخسته وهضمته حقَّه بكثرة ما فيها من الأخطاء الشنيعة والتحريفات والسقط الكثير الذي يصل أحيانًا إلى عدَّة أسطر!؛ مما يجعل استفادة الدارس من هذا الكتاب صعبةً ومحدودة، ومعاناته شديدةً في القراءة فيه، فحداني ذلك إلى أن أستعين الله تعالى في تحقيق هذا الكتاب تحقيقًا علميًّا يليق بمكانته ويخلّصه من التحريفات والأخطاء، ويُعيد إلى حوزته ما نقص منه وما سقط من عباراته، معتمدًا في ذلك على أصول خطيَّة لهذا الكتاب انتخبتها مما جمعته جهد استطاعتي.
هذا؛ وقد حلَّى جيدَ هذا الكتاب، ووشَّى حُلَله، تعليقاتٌ نفسية، وتقريراتٌ فريدة، لفضيلة الشيخ العلامة: عبد الرحمن بن ناصر البراك -أمتع الله به-، وفيها استدراكاتٌ على مواضع من الكتاب جانبَ المؤلف فيها الصوابَ في العقيدة والسلوك وغير ذلك، وقد كنتُ في أثناء عملي في التسهيل تَعْرِض لي مواضع يقرّر فيها ابن جزيٍّ تقريرًا مشكلًا على منهج أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة، فعرضتُ هذا الأمر على شيخنا
_________
(١) راجع: المادة الصوتية رقم (١) من شرح فضيلته لتفسير ابن جزي، على الموقع الرسمي لفضيلته في الشبكة العنكبوتية، من الدقيقة (٢٥) وما بعدها.
стр. 6
الأستاذ الدكتور: عبد المحسن العسكر - نفع الله به -، فاقترح عليَّ - جزاه الله خيرًا - أن أُرسل له هذه المواضع المشكلة ويقوم هو بعرضها على شيخه الشيخ عبد الرحمن البراك، وهكذا عُهد شيخنا - جزاه الله خيرًا - باذلًا للخير مبادرًا نفّاعًا.
وكلُّ امرئٍ يُولي الجميلَ محبَّبٌ … وكل مكانٍ يُنبِتُ العِزَّ طيِّبُ
وعَرَض شيخُنا هذا الأمر على فضيلة الشيخ عبد الرحمن البراك فأجاب إلى ذلك كرمًا منه وتفضُّلًا -جزاه الله خيرًا- على عادته في الجود بالعلم وبذل الخير والنصح، والشيء من معدنه لا يُستغرب، وكأنَّ زهيرًا عناه حين قال في هَرِم بن سِنان:
قد جعل المبتغونَ الخيرَ في هرمٍ … والسائلون إلى أبوابِه طُرُقًا
وأملى هذه التعليقات على الشيخ عبد المحسن العسكر، وهي بحقٌّ -كما يقول شيخنا عبد المحسن- «تعليقاتٌ تشدُّ إليها الرحال، وتضرب بها الأمثال، وترخص في تحصيلها كرائم الأموال؛ فإنها معقد الآمال، ومتنافس كرام الرجال، وإنها لحلية في جيد (التسهيل) تستوجب الثناء الجزيل والذكر الجميل».
فأسأل الله أن يجزي الشيخ العلامة: عبد الرحمن بن ناصر البراك خير ما يجزي به العلماء الناصحين والأئمة الصادقين، وأن يبارك في مسعاه ويبلغه من الخير منتهاه.
стр. 7
وأسأله سبحانه أن يجزي شيخنا المبارك المفضال الذي كثرت لديَّ فضائله وفواضله الشيخ الأستاذ الدكتور: عبد المحسن العسكر خير الجزاء على جهده في عرض هذه القضايا المشكلة على فضيلة الشيخ: عبد الرحمن البراك وتقييده لها ومتابعته للعمل في ذلك، ولا يفوتني أن أشكر كل من أعان في هذا العمل بمراجعة أو نقد أو إفادة، جزاهم الله تعالى على إحسانهم خير الجزاء.
وبعد؛ فهذا كتاب «التسهيل لعلوم التنزيل» أقدّمه للقارئ الكريم وقد بذلتُ الجهد في تحقيقه وتنقيحه واستفرغت الوسع، وحرصت على حسن الإخراج والتنسيق، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده فله الحمد والشكر، وما كان فيه من خطأ وزلل - وقلَّما ينجو امرؤٌ من الزَّلل - فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم وزلفى لديه في جنات النعيم المقيم، وأن يبارك فيه وينفع به، وأسأله سبحانه أن يجزي الشيخ ابن جزيٍّ خير الجزاء على هذا السِّفْر العظيم، وأن يتغمده برحمته وأن يتقبَّله في الشهداء، إنه سميع مجيب، وأسأله سبحانه أن يجزي والديَّ ومشايخي وكلَّ من له فضلٌ عليَّ خير الجزاء، وأن يعلي درجاتهم في عليين، إنه خير من سئل وأجود من أعطى والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
علي بن حمد الصالحي مكة المكرمة
ali.h.s.32@gmail.com
стр. 8
المطلب الأول التعريف بالمفسّر ابن جزي (١) ﵀ (٢)
* اسمه ونسبه:
هو محمّدُ بنُ أحمدِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ يحيى بنِ الأميرِ
_________
(١) يقول الحضرمي -تلميذ المترجم له- في ضبط هذا الاسم في «فهرسته»: «ابن جزيء بضمّ الجيم وفتح الزاي بعدها ياء ساكنة بعدها همزة» نقله التنبكتي في نيل الابتهاج (ص: ٣٩٨)، إلّا أنه جرى على الألسنة «جزيّ» بطرح الهمزة، على مذهب أهل الحجاز من تخفيف الهمزة المتطرفة الساكنة ما قبلها، كما ذكر ذلك الحسن بن عبد العزيز القادري التلمساني في تحقيقه لمقدمة الغريب في اللغات لابن جزي، والتي أخرجها في كتاب مستقل باسم «القاموس الوجيز للقرآن العزيز» وطبع في فاس سنة ١٣٤٨ هـ.
(٢) انظر في ترجمته: الإحاطة في أخبار غرناطة، لتلميذه لسان الدين ابن الخطيب (٣/ ٢٠) والكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة، لابن الخطيب أيضا (٤٦)، والديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لابن فرحون المالكي (٢/ ٢٧٤)، وأعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن لابن الأحمر (ص: ١٦٥)، وغاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (٢/ ٨٣)، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العسقلاني (٥/ ٨٨)، وطبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٨٥)، ودرة الحجال في أسماء الرجال، لأبي العباس المكناسي الشهير بابن القاضي (٢/ ١١٧)، ونيل الابتهاج بتطريز الديباج، لأحمد بابا التنبكتي (ص: ٣٩٨) ونفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، لشهاب الدين المقري التلمساني (٥/ ٥١٤)، وأزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، للمقري أيضا (٣/ ١٨٤)، وفهرس الفهارس للكتاني (١/ ٣٠٦)، وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمخلوف (١/ ٣٦٠).
стр. 9
أبي بكر عبد الرحمن بن يوسف، ابنُ جُزَيِّ الكلبيُّ الأندلسي الغرناطي، أبو القاسم، ينتسب إلى قبيلة كَلْبِ القُضاعية اليمانية، والكلبيون منهم من دخل الأندلس واليًا عليها كعنبسة بن سحيم الكلبي الذي دخلها عام ١٠٣ هـ، ومنهم من دخلها مجاهدًا فاتحًا، ومن هؤلاء سلف ابن جزيٍّ ﵀، كما قال ابن الخطيب: «أصل سلفه من ولبة من حصون البراجلة، نزل بها أولهم عند الفتح صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي» وكان أبو الخطار قد دخل الأندلس سنة ١٢٥ هـ.
وكانت لجده السلطان الأمير أبي بكر عبد الرحمن ابن جزي بجيان رئاسةٌ وانفراد بالتدبير، حيث بويع له فيها سنة (٥٣٩ هـ).
* مولده ونشأته:
ولد ابن جزيٍّ يوم الخميس تاسع ربيع الثاني عام (٦٩٣ هـ).
وقد نشأ في بيت علم وفضل وجلالة وديانة ونباهة، وأسرة ابن جزيٍّ من الأسر الرفيعة في غرناطة ومنها تخرَّج أعلام في الفقه والقضاء والخطابة، وكانت نشأة ابن جزيٍّ في طلب العلم منذ وقتٍ مبكر.
* مكانته العلمية وأخلاقه:
يقول عند تلميذه ابن الخطيب: «كان ﵀ على طريقة مُثلى من العكوف على العلم، والاقتصاد على الاقتيات من حُرِّ النَّشَب، والاشتغال بالنَّظر والتَّقييد والتَّدوين، فقيها، حافظًا، قائمًا على التدريس، مشاركا في فنون من العربية، والفقه، والأصول، والقراءات، والحديث، والأدب، حافظًا للتفسير، مستوعبًا للأقوال، جمَّاعة للكتب، مُلوكيَّ الخزانة، حسن
стр. 10
المجلس، ممتع المحاضرة، قريب الغَوْر، صحيح الباطن، تقدَّم خطيبًا بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنّه، فاتُّفق على فضله، وجرى على سنن أصالته».
ويقول عنه ابن الأحمر: «كان خطيب الجامع الأعظم بغرناطة، وكان فقيها إمامًا عالمًا بجميع العلوم، محصلًا، قارب درجة الاجتهاد، ودوَّن وصنف في كل فن، وكان أحد أهل الفتيا بغرناطة».
ويقول تلميذه الحضرمي: «كان رجلًا ذا مروءة كاملة، حافظًا متفننا، ذا أخلاق فاضلة، وديانة وعفة وطهارة، وشهرته دينًا وعلمًا أغنت عن التعريف به».
* شيوخه:
أخذ العلم عن عدد من علماء عصره وفضلاء بلده، من أشهرهم:
١) الأستاذ أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي (ت ٧٠٨ هـ)، وأخذ عنه العربية والفقه والحديث والقرآن.
٢) الأستاذ النظَّار المتفنّن أبو القاسم قاسم بن عبد الله بن الشَّاط الأنصاري السبتي (ت ٧٢٣ هـ)، صاحب كتاب «أنوار البروق في تعقُّب مسائل القواعد والفروق» للقرافي.
٣) الأستاذ المقرئ الرَّاوية المكثر أبو عبد الله محمد بن أحمد اللخمي، المعروف بابن الكمّاد (ت ٧١٢ هـ).
٤) الخطيب أبو عبد الله محمد بن عمروٍ الفهري السبتي، المعروف بابن رُشَيد (ت ٧٢١ هـ).
стр. 11
٥) عبد الله بن يوسف بن رضوان بن يوسف بن رضوان النجاري المالقي الفاسي، قرأ عليه ابن جزي كثيرًا من كتب القراءات وأبعاضًا من الموطأ ومسلم والترمذي والنسائي وأبي داود والشمائل والشفاء، وسراج ابن العربي وتلقين عبد الوهاب وكثيرًا من تأليفه وغيرها.
وأخذ أيضًا عن عدد من علماء عصره وروى عنهم، منهم: الشيخ الوزير أبو محمد عبد الله بن أحمد ابن المؤذن، والراوية المسنُّ أبو الوليد الحضرمي، والشيخ الراوية أبو زكريا البرشاني، والراوية الخطيب أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي الأنصاري، والقاضي أبو المجد بن أبي علي بن أبي الأحوص، والقاضي أبو عبد الله بن برطال، والشيخ الوزير ابن أبي عامر بن ربيع، والخطيب الولي أبو عبد الله الطنجالي.
* تلاميذه:
من تلاميذه أبناؤه الثلاثة:
١) أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم محمد بن أحمد ابن جزي، الأديب الحافظ.
٢) أبو بكر أحمد بن أبي القاسم ابن جزي، الفقيه المتفنن، تولى الكتابة السلطانية، والقضاء بغرناطة، والخطابة بجامعها (ت ٧٨٥ هـ).
٣) أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم ابن جزي (ت ٧٥٧ هـ)، كان بارعًا في النظم والنثر، وهو الذي جمع رحلة أبي عبد الله محمد بن عبد الله الطنجي المعروف بابن بطوطة.
стр. 12
ومن أبرز تلاميذه أيضًا:
٤) لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله السلماني الغرناطي، المعروف بابن الخطيب (ت ٧٧٦ هـ).
٥) أبو محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي، صاحب «الفهرسة» (ت ٧٤٩ هـ).
٦) أبو القاسم محمد بن محمد بن يوسف الأنصاري، المعروف بابن الخشاب (ت ٧٧٤ هـ).
٧) أبو عبد الله محمد بن قاسم الأنصاري، المعروف بالشُّدَّيِّد (٧٧٦ هـ).
* مصنفاته:
خلَّف المفسِّر ابن جزيٍّ ﵀ ثروة من الكتب في شتى الفنون، منها ما هو مطبوع، ومنها ما هو في عداد المفقود، ومن أبرز تلك المؤلفات:
١) التسهيل لعلوم التنزيل، وهو هذا الذي الذي بين يدي القارئ الكريم.
٢) وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم.
٣) الأنوار السَّنية في الكلمات السُّنِّية.
٤) الدَّعوات والأذكار المخرجة من صحيح الأخبار.
٥) القوانين الفقهية، في تلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية.
٦) تقريب الوصول إلى علم الأصول.
стр. 13
٧) النُّور المبين في قواعد عقائد الدين.
٨) المختصر البارع في قراءة نافع.
٩) أصول القُرَّاء الستة غير نافع.
١٠) الفوائد العامة في لحن العامة.
١١) فهرسة كبيرة اشتملت على جملة من أهل المشرق والمغرب.
* شعره:
لابن جزيٍّ أشعار رائقة مستحسنة، تدلُّ على ذائقة أدبية رائعة، منها قوله:
لكلِّ بني الدنيا مراد ومقصد … وإنّ مرادي صحّة وفراغ
لأبلغ في علم الشّريعة مبلغا … يكون به لي للجنان بلاغ
وفي مثل هذا فلينافس أولو النهى … وحسبي من الدنيا الغرور بلاغ
فما الفوز إلّا في نعيم مؤبّد … به العيش رغْد والشراب يساغ
وقوله في مدح النبي ﷺ :
أروم امتداح المصطفى ويردّني … قصوري عن إدراك تلك المناقب
ومن لي بحصر البحر والبحر زاخر؟ … ومن لي بإحصاء الحصى والكواكب
ولو أنّ أعضائي غدت ألسنا إذَن … لما بلغت في المدح بعض مآربي
ولو أنّ كلّ العالمين تألّفوا … على مدحه لم يبلغوا بعض واجب
стр. 14
فَأمسكتُ عنه هيبة وتأدُّبا … وخوفا وإعظاما لأرفع جانب
وربَّ سكوت كان فيه بلاغة … وربَّ كلام فيه عتب لعاتب
وقوله - مشفقًا من ذنبه -:
يا ربِّ إنَّ ذنوبي اليوم قد كثرت … فما أطيق لها حصرًا ولا عددا
وليس لي بعذاب النّار من قِبَلِ … ولا أطيق لها صبرا ولا جلدا
فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكنتي … ولا تذيقنَّني حرَّ الجحيم غدا
وقوله:
وكم من صفحةٍ كالشمس تبدو … فيُسلي حُسْنها قلبَ الحزين
غضضتُ الطَّرف عن نظري إليها … محافظةً على عرضي وديني
وقوله:
وقائلةٍ لِمَ هجرتَ التصابي … وسنُّكَ في عنفوان الشبابِ
يمر زمان الصبا ضائعًا … ولم تَلُهْ فيه ببيض الكعاب
ولم تدر لذة طيب الهوى … ولم تَرْوُ من سلسبيل الرُّضاب
فقلت: أبى العلمُ إلا التقى … وهجر المعاصي ووصلَ المتاب
ومن لم يفده طلاب العلوم … رجاء الثواب وخوف العقاب
فخيرٌ له الجهل من علمه … وأنجى له من أليم العذاب
стр. 15
وقوله:
أيا من كففتُ النفس عنه تعفُّفًا … وفي النفس من شوقي إليه لهيب
ألا إنما صبري كصبرِ، وإنما … على النفس من تقوى الإله رقيب
* وفاته:
توفي ﵀ في معركة طريف، وهي واقعة شهيرة وقعت بين المسلمين والنصارى، استشهد فيها عدد من علماء المسلمين، وكانت هذه الوقعة في يوم الاثنين السابع من جمادى الأولى سنة (٧٤١ هـ)، وفُقد فيها ابن جزيّ وهو يشحذ الناس ويحرِّضهم، ويثبّت بصائرهم، وقد نقل صاحب نيل الابتهاج عن الحضرمي في فهرسته نصًّا تاريخيًّا يتعلّق باللحظات الأخيرة من حياة ابن جزي فيقول: «قال الفقيه المحدث الوزير أبو بكر ابن ذي الوزارتين ابن الحكيم: أنشدني [يعني: ابن جزي] يوم الوقيعة من آخر شعره قوله:
قصدي المؤمل في جهري وإسراري … ومطلبي من إلهي الواحد الباري
شهادةٌ في سبيلِ اللَّه خالصةً … تمحو ذنوبي وتنجيني من النَّار
إن المعاصي رجسٌ لا يطهرها … إلا الصوارمُ من أيمانِ كُفَّار
ثم قال: في اليوم أرجو أن يعطيني الله ما سألته في هذه الأبيات، قال الوزير: فقلت له: وجعلت للكفار يمينًا؟! فلو كان غيرُ هذا اللفظ موضعه!، فقال لي: والحُطمة في الناس من أيدي الكفار، قال: فكان آخر عهدي به ﵀» (١).
_________
(١) نيل الابتهاج: (٣٩٨ - ٣٩٩).
стр. 16
فرحم الله ابن جزي وتقبله في الشهداء، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في جنات النعيم، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
* * *
стр. 17
المطلب الثاني التعريف بكتاب التسهيل لعلوم التنزيل (١)
* اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه:
اسم هذا الكتاب «التسهيل لعلوم التنزيل»، هكذا صرَّح المؤلف ﵀ باسمه في مقدمته، فقال: «وسمَّيتُ هذا الكتاب: كتاب التَّسهيل لعلوم التنزيل».
وأما نسبته إلى مؤلفه فهي ثابتة لا شك فيها، فقد ذكر لسان الدين ابن الخطيب تلميذ ابن جزي أنه شيخه صنَّف في التفسير (٢)، ولم يذكر ابن الخطيب اسم كتابه الذي صنفه في التفسير، لكننا نجد محمد بن عبد الملك القيسي الغرناطي (ت ٨٣٤ هـ) تلميذ ابني ابن جزي -أحمد وعبد الله- صرَّح باسم الكتاب وبنسبته إلى مؤلفه، ويعتبر هو أول من صرَّح بنسبة الكتاب إلى مؤلفه فيما وقفت عليه، حيث يقول في مقدمة كتابه: «منهاج العلماء الأخيار
_________
(١) ينظر في ذلك: كتاب ابن جزي ومنهجه في التفسير، للباحث: علي محمد الزبيري، فهذا الكتاب دراسة مسهبة عن ابن جزي وتفسيره، وهي دراسة عميقة وقوية ورصينة لهذا الكتاب، وتعد من أجود الدراسات التي تكلمت عن ابن جزي ومنهجه -وعن منهج مفسر عمومًا-، وهي رسالة علمية تقدم بها الباحث لنيل درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة، عام ١٣٩٨ هـ.
(٢) الإحاطة في أخبار غرناطة، لتلميذه لسان الدين ابن الخطيب (٣/ ٢٠).
стр. 18
في تفسير أحاديث كتاب الأنوار» -وهو شرح لكتاب ابن جزي «الأنوار السَّنيّة في الألفاظ السُّنيّة» -: «من شيوخنا جماعة منهم الشيخ الإمام العلامة بحر البيان وأوحد الزمان، أبو محمد عبد الله بن الإمام المحدث الحافظ أبي القاسم محمد بن أحمد بن محمد بن جزيّ الكلبي ﵀ .. وشرعتُ عليه في قراءة التفسير المسمى بكتاب التسهيل لعلوم التنزيل، من تأليف السيد والده المذكور» (١).
ويعتبر هذا النص كافيًا في نسبة الكتاب إلى مؤلفه، فهو نصٌّ قريب العهد من المؤلف، وإسناده عالٍ؛ إذ هو تلميذ ابني المؤلف.
* منهج ابن جزي في تفسيره:
ذكر ابن جزي ﵀ في مقدمة تفسيره شيئًا من منهجه وطريقته في كتابه، حيث يقول: «وصنَّفتُ هذا الكتاب في تفسير القرآن العظيم، وسائر ما يتعلَّق به من العلوم، وسلكتُ به مسلكًا نافعًا، إذ جعلتُه وجيزًا جامعًا، قصدتُ به أربعَ مقاصدَ، تتضمَّن أربعَ فوائدَ:
الفائدةُ الأولى: جمعُ كثيرٍ من العلم في كتاب صغير الحجم؛ تسهيلًا على الطَّالبين، وتقريبًا على الرَّاغبين، فلقد احتوى هذا الكتاب على ما تضمَّنته الدواوينُ الطويلة من العلم، ولكن بعد تلخيصها وتمحيصها، وتنقيح فصولها، وحذف حَشْوها وفُضولها، ولقد أودعتُه مِنْ كلِّ فنٍّ من فنون علوم القرآن اللبابَ المرغوبَ فيه، دون القشرِ المرغوبِ عنه، من غير
_________
(١) انظر منهاج العلماء الأخيار (مخطوط) (ل: ٣).
стр. 19
إفراطٍ ولا تفريط، ثم إني عزمت على إيجاز العبارة، وإفراط الاختصار، وترك التطويل والتكرار.
الفائدة الثانية: ذِكْرُ نُكَتٍ عجيبةٍ، وفوائدَ غريبةٍ، قلَّما توجد في كتاب؛ لأنها من بنات صدري، ونتائج فِكْري، أو مما أخذته عن شيوخي ﵃، أو مما التقطتُه من مُستظرفات النوادر، الواقعة في غرائب الدفاتر.
الفائدة الثالثة: إيضاحُ المشكلات، إمَّا بحلِّ العُقَدِ المقفلات، وإما بحسنِ العبارة، ورفعُ الاحتمالات، وبيانُ المجملات.
الفائدة الرابعة: تحقيقُ أقوال المفسرين، والتفرقةُ بين السقيم منها والصحيح، وتمييزُ الرَّاجح من المرجوح.
وذلك أنَّ أقوال الناس على مراتب:
فمنها: الصحيح الذي يُعوَّلُ عليه.
ومنها: الباطل الذي لا يُلتفتُ إليه.
ومنها: ما يَحتمل الصحة والفساد، ثم إنَّ هذا الاحتمال قد يكون: متساويًا، أو متفاوتًا، والتفاوتُ قد يكون: قليلًا أو كثيرًا.
وإني جعلتُ لهذه الأقسام عباراتٍ مختلفةٍ، يُعرَفُ بها مرتبةُ كلِّ قولٍ:
فأدناها: ما أصرِّحُ بأنه «خطأٌ»، أو «باطلٌ».
ثم: ما أقول فيه: إنه «ضعيفٌ»، أو «بعيدٌ».
ثم: ما أقول: «إن غيرَه أرجحُ منه»، أو «أقوى»، أو «أظهرُ»، أو «أشهرُ».
стр. 20
ثم: ما أقدِّمُ غيرَه عليه؛ إشعارًا بترجيح المتقدّم، أو ما أقولُ فيه: «قيل: كذا»؛ قصدًا للخروج عن عُهدته.
وأمَّا إذا صرَّحتُ باسم قائل القول فإني أفعل ذلك لأحد أمرين:
إما للخروج عن عهدته.
وإما لنُصرته، إذا كان قائله ممن يُقتدَى به.
على أني لا أنسبُ الأقوالَ إلى أصحابها إلاَّ قليلًا، وذلك لقلةِ صحةِ إسنادها إليهم، أو لاختلافِ الناقلين في نسبتها إليهم.
وأمَّا إذا ذكرتُ شيئًا دون حكايةِ قوله عن أحدٍ: فذلك إشارة إلى أني أتقلَّدُه وأرتضيه، سواءٌ كان من تلقاء نفسي، أو مما أختاره من كلام غيري.
وإذا كان القول في غاية السقوط والبطلان لم أذكره؛ تنزيهًا للكتاب، وربما ذكرتُه تحذيرًا منه».
ومن خلال تأمل هذا النص والاطلاع على تفسيره وطريقته فيها، يمكن ذكر أهم معالم منهج ابن جزي في النقاط التالية:
١ - ابتدأ ابن جزي تفسيره بذكر مقدِّمتين في غاية النفاسة، جعل المقدمة الأولى في ذكر مسائل تتعلق بعلوم القرآن وأصول التفسير والعلوم التي يحتاج إليها المفسر، والكلام عن المفسرين وكتب التفسير، ومواقف القرآن والقراءات وغير ذلك، وجعلها في اثني عشر بابًا، وجعل المقدمة الثانية في غريب القرآن، وذكر فيها الكلمات الغريبة التي ترد في موضعين
стр. 21
فأكثر من القرآن، فجَمَعها في موضع واحد، ورتبها على حروف المعجم؛ ليسهل على الدارس مراجعتها وحفظها واستذكارها، وهاتان المقدمتان لا بد للدارس لهذا الكتاب أن يدمن النظر فيها وأن يراجعها مرة بعد أخرى؛ فكثيرًا ما يحيل إليها ابن جزي في تفسيره، أو يستغني بما ذكره فيها من المسائل عن تكرار ذكره في ثنايا كتابه.
٢ - سلك ابن جزي ﵀ في تفسيره مسلك الاختصار والإيجاز مع الشمول والاستيعاب كما قال: «إذ جعلته وجيزًا جامعًا»، وهذا المقصد جعل ابن جزي يأتي بالعبارة المفرطة في الاختصار، ولكنها عميقة في معناها إذا تأملها القارئ كما قال: «ثم إني عزمت على إيجاز العبارة، وإفراط الاختصار، وترك التطويل والتكرار».
٣ - طريقته في تفسير الآية: أنه يذكر رأس الآية، أو الجملة التي تحتاج إلى بيان في الآية ثم يذكر سبب نزولها إن كان، ويشرح غريبها، وتصاريف الكلمات التي فيها إن اقتضت الحاجة ذكرها، ويبين إعرابها إن كان إعرابها مشكلًا، أو كان فيها أوجه إعرابية، ويذكر المعنى على كل وجه إعرابي، ويذكر المعنى الإجمالي للآية، ومقصدها، وهو لا يسير في ذلك على ترتيب واحد في تفسيره للآيات، فأحيانًا يبدأ بشرح الغريب، ثم ذكر الإعراب، ثم ذكر المعنى الإجمالي، ثم ذكر المقصد، وأحيانًا يذكر المعنى الإجمالي ثم الإعراب، ثم يشرح الغريب، وأحيانًا يبدأ بذكر سبب النزول وأحيانًا يؤخره، وهكذا.
стр. 22
٤ - عملًا بمنهج الاختصار الذي أخذه ابن جزي على نفسه؛ فإن كانت الكلمة الغريبة الواردة في الآية سبق أن شرحها في المقدمة أو في موضع متقدم من التفسير فإنه يكتفي بذلك عن إعادة بيانها، وربما أحال إلى موضعها، بأن يقول: «قد تقدَّم اللغات»، أو «قد ذكر في سورة كذا»، أو «قد ذُكر» أو نحو ذلك؛ حرصًا منه على الاختصار وعدم التكرار، وهكذا يصنع إن كان سبق أن بيَّن تفسير الآية ومعناها في موضع متقدم، وأيضًا؛ إذا كان إعراب الآية واضحًا لم يتعرض له؛ طلبًا للاختصار، كما قال في المقدمة: «وقد ذكرنا في هذا الكتاب من إعراب القرآن ما يحتاج إليه؛ من المشكل، أو المختلف فيه، أو ما يفيد فهم المعنى، أو يختلف المعنى باختلافه، ولم نتعرَّض لما سوى ذلك من الإعراب السهل الذي لا يحتاج إليه إلا المبتدئ؛ فإن ذلك تطويلٌ بغير كبيرِ فائدةٍ»، ومن هنا يلحظ القارئ لتفسيره أنه قد يتجاوز الآية والآيتين دون أن يتكلم عن تفسيرها، إما لأن واضحة الإعراب والمعنى وليس فيها غريب يحتاج إلى شرح، وإما لأنه سبق أن تكلم عن الغريب الذي فيها في المقدمة، أو في موضع متقدم من التفسير، وهذا يستدعي الدارس لتفسيره إلى أن يعتني بمقدمة ابن جزي في غريب القرآن وأن يعيد مطالعتها وقراءتها بشكل مستمر؛ فابن جزي يعتمد عليها ويحيل عليها كثيرًا في ثنايا تفسيره، وبناءً على منهج الاختصار أيضًا؛ ففي كثير من الأحيان إذا كان تفسير الآية المعيَّنة له نظائر فيما يأتي من الآيات، فإنه يبين المعنى في أول موضع ويقول: «وهكذا تفسيره حيث وقع» أو نحو هذه العبارة؛ أي: هكذا تفسير هذه الكلمة أو الجملة حيث وقعت في كتاب الله.
стр. 23
٥ - في ذكر أقوال المفسرين والاختلاف في تفسير الآية، يُعدُّ تفسير ابن جزيٍّ من أنقى التفاسير وأكثرها خلوًا من الأقوال الباطلة والساقطة التي تذكر في كثير من كتب التفسير، وقد ذكر في مقدمة كتابه أن من مقاصده في هذا التفسير: تحقيق أقوال المفسرين والتمييز بين الصحيح منها والسقيم، وذكر منهجه في ذكر الأقوال في هذا الكتاب، وذكر أن القول إذا كان في غاية السقوط والبطلان؛ فإنه نزَّه الكتاب عن ذكره فيه، وقد يذكره أحيانًا؛ لأن الحاجة تدعو إلى التنبيه على بطلانه، وقد بين طريقته في ذكر مراتب الأقوال، وطرق الترجيح بينها، ومن المهم لدراسة الكتاب أن يستحضر منهجيته في ذكر الأقوال؛ حتى يعرف مغزى ابن جزي في سردها وترتيبها، وفي نسبة الأقوال من عدمها، وعبارته في الترجيح بينها، وما القول الذي يختاره ويرتضيه.
٦ - آيات الأحكام يقف عندها ابن جزيّ؛ ليذكر الأحكام الفقهية التي لها تعلق بالآية، ويذكر خلاف المذاهب فيها، وفي الغالب أنه يذكر مذهب المالكية ومذهبي الحنفية والشافعية، ولم يذكر مذهب الحنابلة إلا نادرًا، وهي أربعة مواضع تقريبًا، وكذلك مذهب الظاهرية يندر أن يذكره.
٧ - بنى ابن جزي تفسيره للآيات على قراءة نافع، برواية راويه ورش تحديدًا؛ وهي الرواية المشتهرة في بلاد المغرب والأندلس، ومع ذلك فإنه لم يقتصر على هذه القراءة، بل إنه يذكر اختلاف القراءات؛ إذا كان في ذكرها فائدة في تفسير الآية، كما قال في المقدمة: «وذكرنا من سائر القراءات ما فيه فائدة في المعنى والإعراب أو غير ذلك، دون ما لا فائدة فيه زائدة، واستغنينا عن استيفاء القراءات؛ لكونها مذكورةً في الكتب
стр. 24
المؤلَّفة فيها، وقد صنَّفْنا فيها كتبًا نفع الله بها، وأيضًا؛ فإنا لما عزمنا في هذا الكتاب على الاختصار حذفْنا منه ما لا تدعو إليه ضرورةٌ».
٨ - في جانب قصص القرآن، حرَص ابن جزيٍّ أن يكون تفسيره نقيًّا من القصص الباطل وغير الثابت، فاقتصر على ذكر ما صحَّ ثبوته واحتيج إليه في تفسير الآية، كما قال في المقدمة: «وقد أكثر بعض المفسرين من حكاية القصص الصحيح وغير الصحيح، حتى إنهم ذكروا منه ما لا يجوز ذكره مما فيه تقصيرٌ بمنصب الأنبياء ﵈، أو حكايةٌ ما يجب تنزيههم عنه، وأما نحن فاقتصرنا في هذا الكتاب من القَصص على ما يتوقف التفسير عليه، وعلى ما ورد منه في الحديث الصحيح».
٩ - تعرَّض ابن جزي في تفسيره إلى مقامات السلوك والسير إلى الله تعالى والدار الآخرة، وله في ذلك كلام جيد حرص أن يخلِّصه من إشكالات المتصوفة كما قال: «وقد ذكرنا في هذا الكتاب ما يُستحسن من الإشارات الصوفية، دون ما يُعترض أو يُقدَح فيه»، وإن كان قد وقع في إشكالات المتصوفة في بعض المواضع، وعلَّق عليها الشيخ عبد الرحمن البراك -أمتع الله به-، وقد تكلم ابن جزي على اثني عشر مقامًا؛ بحسب المناسبة التي تعرض له، فإذا كانت الآية في شأن الذكر تكلم عن مقام الذكر، وإذا كانت في شأن الشكر تكلم عن مقام الشكر وهكذا.
١٠ - يعتني ابن جزي في تفسيره بعلم البلاغة والبيان، وقد أفرد في المقدمة الأولى بابًا مستقلًّا في أدوات البيان التي وردت في القرآن وهي اثنان وعشرون نوعًا بحسب تتبعه لها في القرآن، وعرَّف بها ابن جزيٍّ في المقدمة،
стр. 25
وفي ثنايا التفسير يشير لها، فيقول مثلًا: «وفي الآية من أدوات البيان: التجنيس»، أو «المقابلة»، أو «التقسيم»، أو «الترديد» ونحو ذلك، فيحتاج الدارس إلى أن يرجع للمقدمة؛ ليعرف معنى هذه الأداة.
١١ - يلحظ الدارس لتفسير ابن جزي أن المصنف ﵀ أجاد في توظيف مختلف فنون العلوم في تفسيره، من لغة ونحو وتصريف وبلاغة وأصول فقه وغيرها، فيعدُّ هذا الكتاب بمثابة كتاب تطبيقي يطبّق فيه الدارس هذه العلوم، وهذا يستدعي من الطالب أن يكون ذا إلمام جيّد بهذه العلوم؛ حتى يحصّل فائدةً أكبر من هذا التفسير المبارك.
١٢ - يستعمل ابن جزي في تفسيره طريقة السؤال والجواب، ويعرض الإشكالات المتعلقة بالآية في طريقة سؤال، فيقول: «فإن قيل:» ويذكر الإشكال، ثم يذكر جواب الإشكال، وهذه الطريقة تأثر فيها ابن جزي بالزمخشري في تفسيره، فكثيرًا ما يستعمل الزمخشري هذه الطريقة في عرض الإشكالات، وهي طريقة مفيدة في إيضاح الإشكال في الآية، وفي ترسيخ الجواب في ذهن الدارس، فإن المعلومة إذا عُرضت بطريقة سؤال تشوّف المرء إلى معرفة جوابها أكثر مما لو ذكرت عرَضًا في ثنايا الكلام.
* مصادر ابن جزي في تفسيره:
استمدَّ ابن جزيّ تفسيره من عدد من المصادر من كتب التفسير وغيره، وأبرز المصادر التي ظهر لي اعتماد ابن جزيّ عليها في تفسيره ما يلي:
١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ).
стр. 26
٢) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي (ت ٥٣٨ هـ).
ويعدُّ هذان التفسيران أهم مرجعين لابن جزيّ في تفسيره، فقد استمدَّ منهما جُلَّ مادته في تفسيره، ووضع في كتابه زبدة ما في هذين الكتابين، وتأثر بهما تأثرًا كبيرًا في ترجيح الأقوال وتوجيه الإعراب ونحو ذلك، فكأنَّ هذين التفسيرين كانا ملازمين لابن جزيّ لا يفارقانه أثناء كتابته لتفسيره، ومن المهم لدارس هذا الكتاب أن يكون هذان التفسيران بجانبه؛ يراجعهما كلما أشكل عليه شيء من عبارات ابن جزيّ.
٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ).
٤) الكشف والبيان عن تفسير القرآن، لأحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي (ت ٤٣٧ هـ)، نقل عنه ابن جزي في بعض المواضع، ويظهر لي أنه نقل عنه بواسطة المحرر الوجيز، ولم تكن لديه نسخة منه.
٥) التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل، لأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي (ت بعد ٤٣٠ هـ).
٦) تفسير النكت والعيون، للقاضي أبي الحسن علي بن محمد الماوردي (ت ٤٥٠ هـ).
٧) عين المعاني في تفسير السبع المثاني، لأبي عبد الله أو أبي الفضل محمد بن أبي يزيد طيفور السَّجاوندي الغزنوي (ت ٥٦٠ هـ).
стр. 27
٨) أحكام القرآن، لأبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم الأندلسي الغرناطي، المعروف بابن الفرس (ت ٥٩٧ هـ). وهذا الكتاب يعتبر المصدر الأساسي لابن جزي في كلامه عن آيات الأحكام، ويعتمد عليه كثيرًا في عزو الأقوال إلى أصحابها.
٩) أحكام القرآن، للقاضي أبي بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ).
١٠) ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل، لشيخ المصنف أبي جعفر ابن الزبير الغرناطي (ت ٧٠٨ هـ)، ويعتمد عليه ابن جزي كثيرًا في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن.
١١) درة التنزيل وغرة التأويل، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني المعروف بالخطيب الإسكافي (ت ٤٢٠ هـ)، وهو كتاب في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن.
١٢) التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام، لأبي القاسم أو أبي زيد، عبد الرحمن السهيلي (ت ٥٨١ هـ)، وهذا الكتاب يرجع إليه ابن جزي كثيرًا في تسمية الأعلام الواردة في القرآن.
١٣) الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ﷺ والثلاثة الخلفاء، لأبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الحميري (ت ٦٣٤ هـ)، يعتمد عليه ابن جزي في ذكر أخبار مغازي النبي ﷺ .
١٤) المقدمات الممهدات في الفقه، لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، ابن رشد الجد (ت ٥٢٠ هـ).
стр. 28
١٥) الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام، للسهيلي.
١٦) شرح تنقيح الفصول في علم الأصول، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المالكي (ت ٦٨٤ هـ).
١٧) مشكل إعراب القرآن، لمكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ).
١٨) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية، لمكي بن أبي طالب.
ويظهر لي أنه كان ينقل من هذين الكتابين بواسطة المحرر الوجيز لابن عطية.
١٩) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، لأبي المعالي الجويني (٤٧٨ هـ)، ويظهر لي أنه كان ينقل منه بواسطة المحرر الوجيز.
ومن مصادر ابن جزي في تفسيره: كتابٌ للقاضي منذر بن سعيد البلوطي (ت ٣٥٥ هـ)، فقد أورد ابنُ جزيٍّ آراءَ القاضي منذر في غير موضع من تفسيره، وقد ذكر في المقدمة أن منذر بن سعيد صنَّف كتابًا في غريب القرآن وتفسيره، وذكر الحميدي (ت ٤٨٨) في «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» أثناء ترجمته للقاضي منذر بن سعيد أن له كتابًا اسمه «الإنباه على استنباط الأحكام من كتاب الله» (١)، ولا أدري إن كان هذا هو الكتاب الذي أشار إليه ابن جزي أم غيره؟ وقد بحثت عن هذا الكتاب كثيرًا في فهارس المخطوطات فلم أقف على ذكر له، فيبدو أن في عداد المفقود من تراث الأمة!.
_________
(١) جذوة المقتبس (ص: ٣٤٨).
стр. 29
* طبعات الكتاب السابقة:
- أول طبعة لكتاب التسهيل خرج بها من عالم المخطوطات إلى عالم المطبوعات: طُبعت في مصر عام ١٣٥٥ هـ في أربعة مجلدات، وكُتب على غلافها: «عُني بمقابلتها على عدَّة نسخ مخطوطة بالمكتبة الملكية وصحَّحها نخبةٌ من العلماء».
وهذه الطبعة مشحونة جدًّا بالتحريفات والتصحيفات، وفيها من السقط الشيء الكثير والكثير، ويظهر لي أن السبب في ذلك هو المخطوطات التي اعتمدوها، فلديَّ بعض المخطوطات من دار الكتب المصرية ومن المكتبة الأزهرية كُتبَتْ بالخط المشرقي المعتاد، وقد قارنتُ بين هذه المخطوطات وبين هذه الطبعة فوجدت توافقًا كبيرًا بينهما في السقط والتحريف؛ فلعلَّ هذا هو مبدأ الخلل، فكتاب التسهيل هو من كتب الأندلسيين، ولا ريب أنه كُتب في مخطوطاته العتيقة على وفق قواعد الخط المغربي والأندلسي، وهذا الخط يصعب على المشارقة قراءته، وتلتبس حروفه كثيرًا، فمن طريقة المغاربة مثلًا أنهم يكتبون حرف الفاء بوضع نقطة في أسفل الحرف، وحرف القاف بوضع نقطة في أعلى الحرف، فيحصل من جرَّاء ذلك التباس كبير عند المشارقة، وهكذا الالتباس بين حرفي الدال والراء والهاء في آخر الكلمة، وبين السين والشين والثاء .. إلخ، فلعلَّ ناسخ المخطوطة عندما رام كتابتها بقواعد الخط المشرقي اعتمد على مخطوطات الكتاب المغربية فالتبس عليه كثيرٌ من حروفها؛ بسبب اختلاف هذه القواعد، وأيضًا حصل له سقط كبير فيها، ثم جاء المعتنون بهذه الطبعة، وعوَّلوا على هذه المخطوطات المشرقية، فحصل فيها هذا السقط والتحريف الكثير.
стр. 30
ثم توالت طبعات التسهيل بعد ذلك، فطُبِع عدة طبعات، والحقيقة أن هذه الطبعات في غاية الرداءة، ويظهر أنها إعادة لصفِّ طبعة ١٣٥٥ هـ ليس إلا، فتجد فيها عين السقط والتحريف الذي كان في هذه الطبعة، إن لم يكن أكثر، ولا أرى حاجة للوقوف عندها.
ثم طبع التسهيل في السنوات القريبة، ثلاث طبعات أتحدَّث عنها فيما يلي:
١ - طبعة دار الضياء- عام ١٤٣٠ هـ:
هذه الطبعة بتحقيق: أ. د: محمد بن سيدي محمد مولاي، وتقع هذه الطبعة في ثلاثة مجلدات، الأول إلى نهاية الأنفال، والثاني إلى نهاية الصافات، والثالث إلى آخر القرآن، وبالمقارنة بين هذه الطبعة والطبعات السابقة للكتاب؛ فقد تجاوزت هذه الطبعة مواضع من السقط والتحريف التي كانت في الطبعات السابقة، إلَّا أنه بقي من السقط والتحريف الشيء الكثير والكثير؛ حيث يصعب على الدارس للكتاب اعتماد هذه الطبعة؛ لما يستغلق عليه بعض مواضعها، وقد قابلت هذه الطبعة على النسخ الخطية التي لديَّ كلمة كلمة، فلا تكاد تخلو صفحة من صفحاتها من سقط أو تحريف!، وقد يصل السقط فيها إلى سطرين وأكثر، فمثلًا: جاء في هذه الطبعة (١/ ٢٠٠): هذا النصُّ:
«﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾: أي: أذهبه وهذه الجملة جواب لما محذوف تقديره طفيت النار ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ جملة مستأنفة».
стр. 31
فهذا النص فيه شيء من الغموض، وهو غير مفهوم، فرجعت إلى المخطوطات فوجدت النص هكذا:
«﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾: أي: أذهبه وهذه الجملة جواب لما، [فالضمير في (بنورهم) عائد على (الذي)، وهو على هذا بمعنى: الذين، وحذف النون منه لغة. وقيل: جواب لما] محذوف تقديره: طفيت النار، [و] ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ جملة مستأنفة». فما بين المعقوفتين ساقط من هذه الطبعة!.
وأيضًا عند تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾، جاء في هذه الطبعة هذا النص (١/ ٣٤١): «﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾: تقديره: كمثل صاحب حبة أو يقدر ولا مثل نفقة الذي ينفقون»!.
فهذا كلام غامض وغير مفهوم، فرجعت إلى المخطوطات فوجدت العبارة هكذا:
«﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾: تقديره: كمثل صاحب جنة، أو يقدر أوَّلًا: مثل نفقة الذين ينفقون».
ومثل هذا كثير في هذه الطبعة.
٢ - طبعة دار الضياء - عام ١٤٣٤ هـ:
أُعيد طبع هذا الكتاب في هذه الدار عام ١٤٣٤ هـ في أربعة مجلدات، الأول إلى نهاية سورة الأنعام، والثاني إلى نهاية سورة الأنبياء، والثالث إلى نهاية سورة محمد، والرابع إلى آخر القرآن، وقد استعرضت هذه الطبعة وقارنت بينها وبين طبعة الدار عام ١٤٣٠ وبين التصويبات التي صوبتها من
стр. 32
المخطوطات، فأما المجلد الأول من هذه الطبعة والذي ينتهي إلى آخر سورة الأنعام، فقد أعادوا مراجعته، وتجاوزوا الكثير من السقط والتحريف الذي كان في الطبعة الأولى، ومع ذلك فقد بقي أيضًا الكثير من السقط والتحريف لم يُصلح!، فعلى سبيل المثال: نموذج السقط - وهو النموذج الأول الذي أوردته في الطبعة الأولى - تكرر في هذه الطبعة ولم يُصلح!، والنموذج الثاني للتحريف أصلح إصلاحًا جزئيًا.
وأما المجلدات الثلاثة المتبقية من هذه الطبعة فلم يصلحوا شيئًا مما فيها من الأخطاء والسقط، بل السقط والتحريف الذي كان موجودًا في الطبعة الأولى موجود كما هو في هذه الطبعة!.
وأكتفي بهذا في الكلام عن هاتين الطبعتين.
٣ - طبعة المنتدى الإسلامي بالشارقة- ١٤٣٣ هـ:
وهذه الطبعة بعناية: أبي بكر بن عبد الله سعداوي، وتقع في مجلد ضخم يقع في (١٠٢٣) صفحة، وقد اعتمد فيها على خمس نسخ خطية، وبعض هذه النسخ موجود لديَّ، وهذه الطبعة يظهر فيها جهد المعتني بها وأنه قابل على المخطوطات مقابلة حقيقية، وقد تجاوز الكثير من الأخطاء التي كانت في النسخ قبله، فلا تكاد تجد فيها السقط الذي كان يوجد في الطبعات السابقة، وأما التحريفات والتصحيحات فقد قلَّت في هذه الطبعة، وإن كان قد بقي فيها شيء من التصحيف فمن خلال مقارنتي بين هذه الطبعة وبين الطبعات السابقة والمخطوطات وقفت على عدد من التصحيحات لبعض الكلمات، ولكنها قليلة مقارنة بالطبعات السابقة، بل بينها وبين الطبعات
стр. 33
السابقة مفاوز!، وأيضًا؛ يَعيب هذه الطبعة -إضافة إلى وجود التصحيفات- بعض الأمور الفنية والشكلية، مثل عدم الاعتناء بالتعليق على ما يحتاج إلى تعليق، من بيان غريب أو إيضاح مشكل، وعدم شَكْل ما يُشْكَلُ من الكلمات وضبطه بالحركات، وكذلك أهمل الإحالات، وأيضًا؛ من ناحية الإخراج فإن الكلام فيها مرصوص بطريقة تتعب القارئ؛ إضافة إلى دقة الخط.
* وصف النسخ الخطية المعتمدة:
تيسر لي الحصول -بتوفيق الله تعالى- على خمس عشرة نسخة خطية لكتاب التسهيل، تتفاوت في الجودة، وفي النقص والتمام، انتخبت منها خمس نسخٍ خطية، هي أجود ما وقفت عليه من نسخ هذا الكتاب، وبعضها قريب العهد من زمن المصنف، فاعتمدتها في التحقيق، واستأنست بنسختين أُخريين، وجميع هذه النسخ السبع كُتبت بالخط المغربي الأندلسي، وهي أسلم من التحريف وأبعد من السقط؛ مقارنة بالنسخ التي كتبت بالخط المشرقي المعتاد، وفيما يلي وصف هذه النسخ السبع:
النسخة الأولى: نسخة مكتبة تشستر بيتي:
وتوجد مصورتها في قسم المخطوطات في المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
رقمها: (٤٠٥٩)، وتقع في (٢٤٧) ورقة، وفي كل صفحة (٣١) سطرًا.
وكتبت بالخط المغربي، وهو واضح ومقروء، وهي نسخة تامة، سوى أنه سقط من المصورة ورقة أو ورقتان، كما سيأتي بيانه في موضعه، وعلى
стр. 34
هوامش بعض صفحاتها تصويبات وذكر فروقات نسخ أخرى (رمز لها بالحرف «خ») واستدراك سقط، وتوجد بها تعليقات يسيرة، ولم تخلُ من سقط كلماتٍ في بعض المواضع، ويندر أنه يوجد فيها تصحيف.
وفُرغ من كتابة هذه النسخة في شهر ذي الحجة من عام (٩٥٦ هـ) على يد كاتبها سالم بن أحمد بن منصور .. (١)، وهي أقرب النسخ -التي وقفت عليها- إلى عصر المؤلف.
وعلى الصفحة الأولى منها قيد تملك باسم عبد ربه محمد في (٢٧) رمضان ١٣٣٩ هـ.
وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «أ».
النسخة الثانية: نسخة مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: وهي محفوظة بقسم المخطوطات بجامعة الإمام برقم (٧٥١٣)، وتقع في (٢٠٥) ورقة، وفي كل صفحة (٣٥) سطرًا.
وهذه النسخة بالخط المغربي، وهو واضح ومقروء، وهي نسخة تامة، وعليها نقولات وتعليقات وحواشٍ كثيرة، لا تكاد تخلو منها ورقة من أوراقها، وأغلب هذه التعليقات مأخوذ من تفسير «البحر المديد في تفسير القرآن المجيد» لأبي العباس ابن عجيبة المغربي الصوفي (ت ١٢٢٤ هـ)، ويوجد بها أيضًا مقابلات على أصول خطية أخرى واستدراك سقط في بعض المواطن من النسخة دون بعضها، بيد أنه لم تسلم بعض الكلمات من
_________
(١) لم يتضح لي اللقب.
стр. 35
التصحيف، ولم تخلُ من سقط كلمة أو كلمات أو أسطر في بعض المواضع.
وأما تاريخ النسخة: فهو سنة (٩٧٦ هـ)، وقد جاء في آخرها ما نصه: «وكان الفراغ من هذه النسخة في ظهر يوم الخميس الرابع والعشرين من صفر سنة ستّ وسبعين وتسع مئة على يد العبد المذنب الراجي عفو ربه ورحماه أحمد بن عبد الله بن أحمد القبيسي .. ».
وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «ب».
النسخة الثالثة: نسخة مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية:
وهي محفوظة بقسم المخطوطات بجامعة الإمام برقم (١١٤٨٠)، وتقع في (٢٤٣) ورقة، في كل صفحة (٣٤) سطرًا.
وكتبت بالخط المغربي، وخطها واضح ومقروء، وهي تامة غير أنه سقط منها ورقات يسيرة يأتي التنبيه لها في مواضعها بإذن الله، ولست أدري هل السقط من التصوير أم من أصل النسخة؟، وهذه النسخة بها مقابلات على أصول خطية أخري واستدراك سقط في بعض مواطنها، ويوجد بها تصحيف قليل، وسقط يصل إلى عدة أسطر.
وأما تاريخ النسخة فهو سنة (٩٨٠ هـ)، وقد جاء في آخرها ما نصه: «وكان الفراغ منه عند زوال يوم الأحد خامس المحرَّم الحرام، فاتح ثمانين وتسع مئة، على يد العبد الراجي عفو مولاه أبو محمد عبد الله بن مسعود بن عبد الرحمن بن علي الملقب بـ[ .. ] (١) غفر الله له ولوالديه ولجميع
_________
(١) لم أتمكن من قراءته.
стр. 36
المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على من لا نبي بعده، وهذه النسخة التاسعة مما نسخنا بأيدينا، والحمد لله على كل حال، آمين آمين آمين يا رب العالمين».
وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «ج».
النسخة الرابعة: نسخة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلاميه:
وهي محفوظة في المركز برقم (١٠٧٧١)، وتقع في (١٨٢) ورقة، في كل صفحة (٤٠) سطرًا.
وهي بالخط المغربي، وخطها واضح ومقروء، وتمتاز بأنها مشكولة بالكامل، وهي نسخة تامة، ويوجد بها تصويبات كثيرة واستدراك للسقط على حواشيها، ويقلُّ السقط في هذه النسخة مقارنة بالنسخ الأخرى، إلا أنه يوجد بها تصحيف وتحريف لبعض الكلمات.
وأما تاريخ النسخة فهو سنة (١٢٤١ هـ)، وقد جاء في آخرها ما نصه: «كمل بعون الله وحمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، والرضا عن آله وأصحابه، وأنصاره وأحزابه، على يد كاتبه لنفسه، ثم لمن شاء الله من بعده، العبد الراجي عفو مولاه، المستغني به عن كل ما سواه، وهو محمد بن عمر [ .. ] (١) لطف الله به آمين، بعد صلاة العصر يوم الأربعاء العاشر من شهر الله صفر الخير عام ١٢٤١ غفر الله له ولوالديه ولأشياخه وأحبابه
_________
(١) كلمة لم أتمكن من قراءتها.
стр. 37
ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، آمين يا رب العالمين».
وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «د».
النسخة الخامسة: نسخة جامعة الملك سعود بالرياض:
وهي محفوظة في قسم المخطوطات برقم (٥٣٤٧)، وتقع في (١٧٩) ورقة، في كل صفحة (٤٠) سطرًا.
كتبت بالخط المغربي، وخطها واضح، وهي نسخة تامة، وبها تصويبات واستدراك للسقط على حواشيها، وخاتمة النسخة بها طمس، ويظهر أنه من آثار الترميم، فلم تتبين سوى كلمتي: «كمل كتاب .. ».
وأما تاريخ النسخة واسم ناسخها، فليس مبينًا عليها، ولعله طُمس عليه أيضًا في آخر النسخة من آثار الترميم، إلا أن مفهرس المكتبة ذكر في بيانات المخطوطة أنها كتبت في القرن الثاني عشر الهجري تقديرًا.
وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «هـ».
وأما النسختان اللتان استأنست بهما في المقابلة وترجيح الفروق بين النسخ، فوصفهما فيما يلي:
النسخة الأولى: نسخة خزانة جامع القرويين بمدينة فاس بالمغرب:
وهي محفوظة في الخزانة برقم (٢٤)، وتقع في (٤٠٦) ورقة في مجلدين، في كل صفحة (٣١) سطرًا.
стр. 38
وهي نسخة مكتوبة بالخط المغربي المقروء الواضح، ويقل فيها التحريف والسقط.
وأما تاريخ النسخة فهو سنة (١٠٨٩ هـ)، وقد جاء في آخرها ما نصُّه: «كمل كتاب التسهيل لعلوم التنزيل بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه الجميل، وبمنه وكرمه وبفضله وإحسانه على يد العبد الفقير إلى رحمة ربه الضعيف الحقير الذليل المنكسر خاطره عبيد الله تعالى وأصغر عبيد المحتاج إليه عبد القادر بن عبد المولى بن علي بن سعيد بن إبراهيم المطيري ثم التموجري، غفر الله له ولوالديه ولأجداده ولمن علّمه ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والميتين .. وقد كتبه للفقيه الأجل العالم الأفضل المدرس البركة السيد أحمد بن عبد الله [ .. ] (١)، أحمد الله رأيه وأدام عزّه عليه ونفعه بهذا الكتاب .. وكان الفراغ منه يوم الأربعاء، وهو يوم عيد الفطر عام تسعة وثمانين وألف، وسلام على جميع الأنبياء والمرسلين والحمد لله رب العالمين».
النسخة الثانية: نسخة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات بالرياض:
وهي محفوظة في المركز برقم (١٢٨٠٢)، وتقع في (٢٥٣) ورقة، في كل صفحة (٣٧) سطرًا.
وهي مكتوبة بالخط المغربي، وخطها واضح ومقروء، وعلى هامشها تصويبات في بعض الصفحات، وهي قليلة السقط والتحريف، وفي بعض
_________
(١) لم يتضح لي الاسم.
стр. 39
صفحاتها حواشٍ وتعليقات ولكن ليست بالكثيرة.
وأما تاريخ النسخة فهو سنة (١٠٨٤ هـ)، وقد جاء في آخرها ما نصُّه: «[ .. ] (١) التفسير المبارك المسمى التسهيل لعلوم التنزيل بن جزي ﵀ بحمد الله تعالى وحسن عونه وتأييده على يد العبد المذنب الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن أحمد بن سعيد الوسكري غفر الله له ولأسلافه، وكان الفراغ من نسخه [ .. ] (٢) في سنة أربع وثمانين ومئة وألف، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا».
* عملي في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل:
١) قابلت بين النسخ الخطية الخمس التي اعتمدتها كلمةً كلمةً، ولم أعتمد نسخةً منها أصلًا، وإنما رجَّحت من فروقات النسخ ما رأيته أرجح، وأثبتُّ باقي الفروقات في الهامش، وقد استأنست في ترجيح الفروقات بالنسختين الخطيتين الأخريين، إضافة إلى المصادر التي يستمد منها ابن جزي تفسيره، وبالأخص المحرر الوجيز والكشاف، وكذلك ما يقتضيه السياق وقواعد اللغة، وكان جُلُّ همِّي أن أُخرج نص التسهيل سليمًا -حسب الاستطاعة- من التصحيف والتحريف، فهذا هو غاية التحقيق الحقيقية، كما يقول الأستاذ عبد السلام هارون: «مع أن العناية بأداء النصِّ أقرب ما يكون إلى السلامة هي المهمة الأولى لمحققي الكتب وناشريها، أما التعليق والتفسير أمرٌ نافلة زائدٌ على طبيعة التحقيق وأمانة الأداء» (٣).
_________
(١) كلمة لم أتمكن من قراءتها.
(٢) كلمات لم أتمكن من قراءتها؛ بسبب المداد التي جاء عليها.
(٣) مجلة معهد المخطوطات (٢/ ١٨٨).
стр. 40
٢) جعلت رسم الآيات التي يفسرها ابن جزيّ وفق قراءة ورش عن نافع.
٣) طريقة ابن جزيّ أنه يذكر رأس الآية أو الكلمة التي تحتاج إلى تفسير في الآية ويفسرها، ولا يذكر مقاطع الآيات التي يروم تفسيرها، ولم يكتب جميع آيات القرآن في تفسيره، فأضفتُ مقاطع الآيات بين معقوفتين هكذا []، وقد اعتمدت في تقسيم مقاطع الآيات -غالبا- على وقوف الركوعات المعلَّمة بعلامة (ع) في المصحف الأوردو الذي طبعه مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والمصحف الكويتي، فهذه الركوعات تراعي المعنى في الغالب، وكل موقف منها بمثابة مقطع مناسب للركوع عنده، والغرض من إضافة هذه المقاطع التسهيل على الطالب إذا أراد قراءة الآيات كاملة قبل قراءة تفسيرها، وأيضا؛ فإنها تفيد الدارس للكتاب الذي يريد أن يجعل له ورْدًا معيَّنًا من الكتاب ليدرسه؛ فكل مقطع يعتبر بمثابة ورد مستقل للدراسة.
٤) أدرجت تقريرات فضيلة الشيخ العلامة: عبد الرحمن بن ناصر البراك -أمتع الله-، على المواضع المشكلة في العقيدة والسلوك، وإذا تكرر الإشكال في الكتاب أحلت إلى الموضع السابق للتعليق، وصنعت لهذه التعليقات فهرسًا في آخر الكتاب؛ ليسهل على مريدها الوصول إليها.
٥) خرَّجت الأحاديث التي أوردها المؤلف في كتابه تخريجًا مختصرا.
٦) أحلت على المصادر التي ينقل منها ابن جزي؛ فيما أمكن الرجوع إليه.
٧) علقت على ما أرى أنه يحتاج إلى تعليق، من شرح غريب، أو حلّ مستغلق، أو إيضاح مشكل.
следующие страницы →