← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على من لا نبي بعده، وهذه النسخة التاسعة مما نسخنا بأيدينا، والحمد لله على كل حال، آمين آمين آمين يا رب العالمين». وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «ج». النسخة الرابعة: نسخة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلاميه: وهي محفوظة في المركز برقم (١٠٧٧١)، وتقع في (١٨٢) ورقة، في كل صفحة (٤٠) سطرًا. وهي بالخط المغربي، وخطها واضح ومقروء، وتمتاز بأنها مشكولة بالكامل، وهي نسخة تامة، ويوجد بها تصويبات كثيرة واستدراك للسقط على حواشيها، ويقلُّ السقط في هذه النسخة مقارنة بالنسخ الأخرى، إلا أنه يوجد بها تصحيف وتحريف لبعض الكلمات. وأما تاريخ النسخة فهو سنة (١٢٤١ هـ)، وقد جاء في آخرها ما نصه: «كمل بعون الله وحمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، والرضا عن آله وأصحابه، وأنصاره وأحزابه، على يد كاتبه لنفسه، ثم لمن شاء الله من بعده، العبد الراجي عفو مولاه، المستغني به عن كل ما سواه، وهو محمد بن عمر [ .. ] (١) لطف الله به آمين، بعد صلاة العصر يوم الأربعاء العاشر من شهر الله صفر الخير عام ١٢٤١ غفر الله له ولوالديه ولأشياخه وأحبابه _________ (١) كلمة لم أتمكن من قراءتها.

стр. 37

ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، آمين يا رب العالمين». وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «د». النسخة الخامسة: نسخة جامعة الملك سعود بالرياض: وهي محفوظة في قسم المخطوطات برقم (٥٣٤٧)، وتقع في (١٧٩) ورقة، في كل صفحة (٤٠) سطرًا. كتبت بالخط المغربي، وخطها واضح، وهي نسخة تامة، وبها تصويبات واستدراك للسقط على حواشيها، وخاتمة النسخة بها طمس، ويظهر أنه من آثار الترميم، فلم تتبين سوى كلمتي: «كمل كتاب .. ». وأما تاريخ النسخة واسم ناسخها، فليس مبينًا عليها، ولعله طُمس عليه أيضًا في آخر النسخة من آثار الترميم، إلا أن مفهرس المكتبة ذكر في بيانات المخطوطة أنها كتبت في القرن الثاني عشر الهجري تقديرًا. وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «هـ». وأما النسختان اللتان استأنست بهما في المقابلة وترجيح الفروق بين النسخ، فوصفهما فيما يلي: النسخة الأولى: نسخة خزانة جامع القرويين بمدينة فاس بالمغرب: وهي محفوظة في الخزانة برقم (٢٤)، وتقع في (٤٠٦) ورقة في مجلدين، في كل صفحة (٣١) سطرًا.

стр. 38

وهي نسخة مكتوبة بالخط المغربي المقروء الواضح، ويقل فيها التحريف والسقط. وأما تاريخ النسخة فهو سنة (١٠٨٩ هـ)، وقد جاء في آخرها ما نصُّه: «كمل كتاب التسهيل لعلوم التنزيل بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه الجميل، وبمنه وكرمه وبفضله وإحسانه على يد العبد الفقير إلى رحمة ربه الضعيف الحقير الذليل المنكسر خاطره عبيد الله تعالى وأصغر عبيد المحتاج إليه عبد القادر بن عبد المولى بن علي بن سعيد بن إبراهيم المطيري ثم التموجري، غفر الله له ولوالديه ولأجداده ولمن علّمه ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والميتين .. وقد كتبه للفقيه الأجل العالم الأفضل المدرس البركة السيد أحمد بن عبد الله [ .. ] (١)، أحمد الله رأيه وأدام عزّه عليه ونفعه بهذا الكتاب .. وكان الفراغ منه يوم الأربعاء، وهو يوم عيد الفطر عام تسعة وثمانين وألف، وسلام على جميع الأنبياء والمرسلين والحمد لله رب العالمين». النسخة الثانية: نسخة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات بالرياض: وهي محفوظة في المركز برقم (١٢٨٠٢)، وتقع في (٢٥٣) ورقة، في كل صفحة (٣٧) سطرًا. وهي مكتوبة بالخط المغربي، وخطها واضح ومقروء، وعلى هامشها تصويبات في بعض الصفحات، وهي قليلة السقط والتحريف، وفي بعض _________ (١) لم يتضح لي الاسم.

стр. 39

صفحاتها حواشٍ وتعليقات ولكن ليست بالكثيرة. وأما تاريخ النسخة فهو سنة (١٠٨٤ هـ)، وقد جاء في آخرها ما نصُّه: «[ .. ] (١) التفسير المبارك المسمى التسهيل لعلوم التنزيل بن جزي ﵀ بحمد الله تعالى وحسن عونه وتأييده على يد العبد المذنب الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن أحمد بن سعيد الوسكري غفر الله له ولأسلافه، وكان الفراغ من نسخه [ .. ] (٢) في سنة أربع وثمانين ومئة وألف، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا». * عملي في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل: ١) قابلت بين النسخ الخطية الخمس التي اعتمدتها كلمةً كلمةً، ولم أعتمد نسخةً منها أصلًا، وإنما رجَّحت من فروقات النسخ ما رأيته أرجح، وأثبتُّ باقي الفروقات في الهامش، وقد استأنست في ترجيح الفروقات بالنسختين الخطيتين الأخريين، إضافة إلى المصادر التي يستمد منها ابن جزي تفسيره، وبالأخص المحرر الوجيز والكشاف، وكذلك ما يقتضيه السياق وقواعد اللغة، وكان جُلُّ همِّي أن أُخرج نص التسهيل سليمًا -حسب الاستطاعة- من التصحيف والتحريف، فهذا هو غاية التحقيق الحقيقية، كما يقول الأستاذ عبد السلام هارون: «مع أن العناية بأداء النصِّ أقرب ما يكون إلى السلامة هي المهمة الأولى لمحققي الكتب وناشريها، أما التعليق والتفسير أمرٌ نافلة زائدٌ على طبيعة التحقيق وأمانة الأداء» (٣). _________ (١) كلمة لم أتمكن من قراءتها. (٢) كلمات لم أتمكن من قراءتها؛ بسبب المداد التي جاء عليها. (٣) مجلة معهد المخطوطات (٢/ ١٨٨).

стр. 40

٢) جعلت رسم الآيات التي يفسرها ابن جزيّ وفق قراءة ورش عن نافع. ٣) طريقة ابن جزيّ أنه يذكر رأس الآية أو الكلمة التي تحتاج إلى تفسير في الآية ويفسرها، ولا يذكر مقاطع الآيات التي يروم تفسيرها، ولم يكتب جميع آيات القرآن في تفسيره، فأضفتُ مقاطع الآيات بين معقوفتين هكذا []، وقد اعتمدت في تقسيم مقاطع الآيات -غالبا- على وقوف الركوعات المعلَّمة بعلامة (ع) في المصحف الأوردو الذي طبعه مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والمصحف الكويتي، فهذه الركوعات تراعي المعنى في الغالب، وكل موقف منها بمثابة مقطع مناسب للركوع عنده، والغرض من إضافة هذه المقاطع التسهيل على الطالب إذا أراد قراءة الآيات كاملة قبل قراءة تفسيرها، وأيضا؛ فإنها تفيد الدارس للكتاب الذي يريد أن يجعل له ورْدًا معيَّنًا من الكتاب ليدرسه؛ فكل مقطع يعتبر بمثابة ورد مستقل للدراسة. ٤) أدرجت تقريرات فضيلة الشيخ العلامة: عبد الرحمن بن ناصر البراك -أمتع الله-، على المواضع المشكلة في العقيدة والسلوك، وإذا تكرر الإشكال في الكتاب أحلت إلى الموضع السابق للتعليق، وصنعت لهذه التعليقات فهرسًا في آخر الكتاب؛ ليسهل على مريدها الوصول إليها. ٥) خرَّجت الأحاديث التي أوردها المؤلف في كتابه تخريجًا مختصرا. ٦) أحلت على المصادر التي ينقل منها ابن جزي؛ فيما أمكن الرجوع إليه. ٧) علقت على ما أرى أنه يحتاج إلى تعليق، من شرح غريب، أو حلّ مستغلق، أو إيضاح مشكل.

стр. 41

٨) في المقدمة الثانية التي وضعها ابن جزيّ ﵀ في غريب القرآن، رقَّمت مواد الغريب التي شرحها ابن جزيّ ترقيمًا متسلسلًا، وقد بلغت (٦٠٢) مادة، والغرض من ذلك سهولة الإحالة عليها إذا أحال ابن جزيّ في أثناء تفسيره إليها، فقد يذكر ابن جزي الكلمة في أثناء تفسيره ويقول: تقدَّم بيانها في اللغات، فأُحيل إليها في الحاشية بذكر رقم المادة، وأيضًا؛ ففيها تسهيل للطالب الذي يرغب في حفظ غريب ابن جزيّ بحيث يجعل له وردًا من المواد كل يوم ونحو ذلك. * * *

стр. 42

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال عُبيد الله تعالى، وخَدِيمُ القرآن العظيم، محمّدُ المدعو أبا القاسم بنِ أحمدَ بنِ محمدٍ بن جُزَيٍّ عفا الله عنه، وغفر له بمنّه وفضله: الحمد لله العزيز الوهاب، مالك الملوك وربّ الأرباب، هو الذي أنزل على عبده الكتاب، هدًى وذكرى لأولي الألباب. وأودعه من العلوم النافعة، والبراهين القاطعة، والأنوار الساطعة: غايةَ الحكمة وفصلَ الخطاب. وخصَّه (١) من الخصائص العلية، واللطائف الخفية، والدلائل الجلية، والأسرار الربانية العجاب: بكل عَجَبٍ عُجابٍ. وجعله في الطبقة العُليا من البيان، حتى أعجز الإنس (٢) والجانّ، واعترف زعماءُ أرباب اللسان بما تضمنه من الفصاحة والبراعة والبلاغة والإعراب والإغراب.

стр. 43

ويسَّر حفظه في الصدور، وضَمِن حفظه من التبديل والتغيير، فلم يتغيرْ، ولا يتغيرُ على طول الدُّهور وتوالي الأحقاب. وجعله قولًا فصلًا، وحكَمًا عدلًا، وآيةً باديةً، ومعجزةً باقيةً، يُشاهدها مَنْ شَهِد (١) الوحيَ ومن غاب، وتقوم بها الحجةُ للمؤمن الأوَّاب، والحجةُ على الكافر المرتاب. وهدى الخلقَ بما شَرَع فيه من الأحكام، وبيَّن مِنْ الحلال والحرام، وعلَّم من شرائع (٢) الإسلام، وصرَّف من النواهي والأوامر والمواعظ والزواجر والبشارة بالثواب، والنذارة بالعقاب. وجعل أهل القرآن أهل الله وخاصَّته، واصطفاهم من عباده، وأورثهم الجنة وحسن المآب. فسبحان المولى الكريم الذي خصَّنا بكتابه، وشرَّفنا بخطابه، فيا لها (٣) نعمةٌ (٤) سابغةٌ، وحجةٌ بالغةٌ، أوزعنا الله القيام بواجب شكرها، وتوفية حقَّها، ومعرفة قدرها، وما توفيقي إلا بالله، هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب. وصلواتُ الله وسلامه وتحيَّاته وبركاته وإكرامه على مَنْ دلَّنا على الله، وبلَّغنا رسالة الله، وجاءنا بالقرآن العظيم، وبالآيات والذكر الحكيم،

стр. 44

وجاهدَ في الله حقَّ الجهاد، وبذل جُهده في الحرص على نجاة العباد، وعلَّم ونصَح، وبين وأوضح، حتى قامت الحجةُ، ولاحَتِ المحجَّةُ، وتبيَّن الرشدُ من الغيِّ، وظهر طريقُ الحقِّ والصواب، وانقشعت ظلمات الشكِّ (١) والارتياب، ذلك سيّدُنا ومولانا محمدٌ النبيُّ الأميُّ القرشيُّ الهاشميُّ المختارُ مِنْ لباب اللباب، والمصطفى من أطهر الأنساب وأشرف الأحساب، الذي أيّده الله بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، والجنود القاهرة، والسيوف الباترة العضاب، وجمع له بين شرف الدنيا والآخرة، وجعله قائدَ الغُرِّ المحجَّلين والوجوه الناضرة، فهو أوَّلُ مَنْ يشفع يوم الحساب، وأول مَنْ يدخل الجنة ويقرع الباب. فصلَّى الله عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الأكرمين (٢)، خيرِ أهل وأكرم أصحاب، صلاةً زاكية ناميةً (٣) لا يَحصرُ مقدارَها العدُّ والحساب، ولا يَبلغ إلى أدنى وصفِها ألسنةُ البلغاء، ولا أقلامُ الكُتَّاب. أمَّا بعدُ: فإنَّ علم القرآن العظيم هو أرفعُ العلوم قدرا، وأجلُّها خطرًا، وأعظمها أجرًا، وأشرفها ذكرًا، وإنَّ الله أنعم عليَّ بأن شغلني بخدمة القرآن وتعلُّمه وتعليمه، وشغفني بتفهُّم معانيه وتحصيل علومه، فاطلعتُ على ما صنفه العلماء ﵃ في تفسير القرآن من التصانيف المختلفة الأوصاف، المتباينة الأصناف: فمنهم مَنْ آثر الاختصار.

стр. 45

ومنهم مَنْ طولَ حتى كثر (١) الأسفار. ومنهم من تكلم في بعض فنون العلم دون بعض. ومنهم من اعتمد على نقل أقوال الناس. ومنهم من عوّل على النظر والتحقيق والتدقيق. وكلُّ واحدٍ سلك طريقًا نحاه، وذهب مذهبا ارتضاه، وكلا وعد الله الحسنى، فرغبتُ في سلوك طريقهم، والانخراط في سلك فريقهم، وصنفتُ هذا الكتاب في تفسير القرآن العظيم، وسائر ما يتعلق به من العلوم، وسلكتُ به مسلكًا نافعًا، إذ جعلته وجيزًا جامعًا، قصدتُ به أربع مقاصد، تتضمنُ أربع فوائد: الفائدةُ الأولى: جمعُ كثيرٍ من العلم في كتاب صغير الحجم (٢)؛ تسهيلًا على الطالبين، وتقريبًا على الراغبين، فلقد احتوى هذا الكتاب على ما تضمنته الدواوينُ الطويلة من العلم، ولكن بعد تلخيصها وتمحيصها، وتنقيح فصولها، وحذف حشوها وفضولها، ولقد أودعته من كلّ فنٍّ من فنون علوم (٣) القرآن اللباب المرغوب فيه، دون القشر المرغوب عنه، من غير إفراط ولا تفريط، ثم إني عزمت على إيجاز العبارة، وإفراط الاختصار، وترك التطويل والتكرار. الفائدة الثانية: ذكرُ نُكَتٍ عجيبة، وفوائدَ غريبةٍ، قلَّما توجد في كتاب؛

стр. 46

لأنها من بنات صدري، ونتائج فكري، أو مما أخذته عن شيوخي ﵃، أو مما التقطته من مُستظرفات النوادر، الواقعة في غرائب الدفاتر. الفائدة الثالثة: إيضاحُ المشكلات، إمّا بحلِّ العُقَدِ المقفلات، وإما بحسنِ العبارة، ورفعُ الاحتمالات، وبيانُ المجملات. الفائدة الرابعة: تحقيقُ أقوال المفسرين، والتفرقةُ بين السقيم منها والصحيح، وتمييزُ الرّاجح من المرجوح. وذلك أنَّ أقوال الناس على مراتب: فمنها: الصحيح الذي يُعوَّلُ عليه. ومنها: الباطل الذي لا يُلتفتُ إليه. ومنها: ما يَحتمل الصحة والفساد، ثم إنَّ هذا الاحتمال قد يكون: متساويًا، أو متفاوتًا، والتفاوتُ قد يكون: قليلًا أو كثيرًا. وإني جعلتُ لهذه الأقسام عباراتٍ مختلفة، يُعرَفُ بها مرتبةُ كلِّ قولٍ: فأدناها: ما أصَرِّحُ بأنه «خطأً»، أو «باطلٌ». ثم: ما أقول فيه: إنه «ضعيفٌ»، أو «بعيدٌ». ثم: ما أقول: «إن غيرَه أرجحُ منه»، أو «أقوى»، أو «أظهرُ»، أو «أشهرُ». ثم: ما أقدّمُ غيرَه عليه؛ إشعارًا بترجيح المتقدّم، أو ما أقولُ فيه: «قيل: كذا»؛ قصدًا للخروج عن عُهدته.

стр. 47

وأمَّا إذا صرَّحتُ (١) باسم قائل القول فإني أفعل ذلك لأحد أمرين: إما للخروج عن عهدته. وإما لنُصرته، إذا كان قائله ممن يُقتدَى به. على أني لا أنسبُ (٢) الأقوالَ إلى أصحابها إلَّا قليلًا، وذلك لقلَّةِ صحةِ إسنادها إليهم، أو لاختلافِ الناقلين في نسبتِها إليهم. وأمَّا إذا ذكرتُ شيئًا دون حكايةِ قوله عن أحدٍ: فذلك إشارة إلى أني أتَقَلَّدُه وأرتضيه، سواءٌ كان من تلقاء نفسي، أو مما أختاره من كلام غيري. وإذا كان القول في غاية السقوط والبطلان لم أذكره؛ تنزيهًا للكتاب، وربما ذكرتُه تحذيرًا منه. وهذا الذي ارتكبتُه (٣) من الترجيح والتصحيح مبنيٌّ على القواعد العلمية، أو على ما تقتضيه اللغة العربية. وسنذكر بعد هذا بابًا في موجبات الترجيح بين الأقوال إن شاء الله تعالى. وسمَّيتُ هذا الكتاب: «كتاب التَّسهيل لعلوم التَّنزيل» وقدَّمتُ في أوَّله مقدمتين: إحداهما: في أبوابٍ نافعة، وقواعدَ كليةٍ جامعة.

стр. 48

والأخرى: فيما كثر دوره من اللغات الواقعة في القرآن. وأنا أرغبُ إلى الله العظيم الكريم أن يجعلَ تصنيف هذا الكتاب عملًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، ووسيلةً توصلني إلى جنات النعيم، وتنقذني من عذاب الجحيم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 49

(المقدمةُ الأولى) فيها اثنا عشر بابًا: (البابُ الأول) في نزول القرآن، وجمعه في المصحف، ونقطه، وتحزيبه، وتعشيره، وذكر أسمائه (١) نزل القرآن على رسول الله ﷺ من أوَّل ما بعثه الله بمكة وهو ابنُ أربعين سنة إلى أن هاجر إلى المدينة، ثم نزل عليه بالمدينة إلى أن توفاه الله. فكانت مدةُ نزوله عليه: عشرين سنةً. وقيل: كانت ثلاثًا وعشرين سنةً. على حسب الاختلاف في سنّه ﷺ يوم تُوفِّي هل كان ابنَ ستين سنةً؟ أو (٢) ثلاثٍ وستين (٣)؟

стр. 50

وكان ربما تنزلُ (١) عليه سورةٌ كاملة، وربما تنزل (٢) عليه آيات متفرقات (٣) فيضمُّ ﵇ بعضَها إلى بعض حتى تكمل السورة. وأولُ ما نزل من القرآن: صدرُ سورة العلق، ثم المدثر و (٤) المزمل. وقيل: أول ما نزل: المدثر. وقيل: فاتحة الكتاب. والأول هو الصحيح؛ لما ورد في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ في حديثها الطويل في ابتداء الوحي قالت فيه: «جاءه الملك وهو بغار حراء، قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]. فرجع بها رسول الله ﷺ ترجُف بوادِرُه (٥)،

стр. 51

فقال: زمِّلوني، زملوني، فزمَّلوه حتى ذهب عنه ما يجد من الرَّوع» (١). وفي رواية من طريق جابر بن عبد الله: «فقال رسول الله ﷺ : زملوني، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]» (٢). وأما آخِرُ ما نزل من القرآن: فسورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾. وقيل: آية الربا التي في البقرة. وقيل: الآية التي قبلها. وكان القرآن على عهد رسول الله ﷺ مفرّقًا في الصحف وفي صدور الرجال، فلما توفي رسول الله ﷺ قعد علي بن أبي طالب ﵁ في بيته فجمعه على ترتيب نزوله، ولو وجد مصحفه لكان فيه علمٌ كبير، ولكنه لم يوجد (٣).

стр. 52

فلما قُتِل جماعةٌ من الصحابة يوم اليمامة في قتال مُسَيلمة الكذاب أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق ﵄ بجمع القرآن؛ مخافةَ أن يذهب بموت القرَّاء، فجمعه في صحف غير مرتب السورِ، وبقيت تلك الصحف عند أبي بكر الصديق، ثم عند عمر بعده، ثم عند بنته حفصة أم المؤمنين. وانتشرت في خلال ذلك صحفٌ كُتبت في الآفاق عن الصحابة، وكان بينها اختلافٌ، فأشار حذيفة بن اليمان على عثمان بن عفان ﵄ بجمع الناس على مصحف واحد؛ خِيفةً من اختلافهم، فانتدب لذلك عثمانُ، وأمر زيدَ بن ثابت بجمعه وجعل معه ثلاثةً من قريش؛ عبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسعيد بن العاص بن أمية، وقال لهم: إذا اختلفتم في شيء فاجعلوه بلغة قريش، وجعلوا المصحف الذي كان عند حفصة إمامًا في هذا الجمع الأخير، وكان عثمان ﵁ يتعهَّدهم ويشاركهم في ذلك، فلما كمل المصحف نسخ عثمان ﵁ منه نُسَخًا، ووجهها إلى الأمصار، وأمر بما سواها من المصاحف أن تحرق، أو تخرق -يروى بالحاء المهملة، والخاء المنقوطة-. فترتيب السور على ما هو الآن عليه: هو من فعل عثمان وزيد بن ثابت والذين كتبوا معه المصحف. وقد قيل: إنه من فعل رسول الله ﷺ ، وذلك ضعيفٌ، ترده الآثار الواردة في ذلك. * وأما نقط القرآن وشَكْلُه: فأوَّل من فعل ذلك: الحجاج بن يوسف، بأمر عبد الملك بن مروان، وزاد الحجاج تحزيبه.

стр. 53

وقيل: أول من نقطه يحيى بن يَعْمَرَ. وقيل: أبو الأسود الدُّؤُليُّ. * وأما وضعُ الأعشار فيه: فقيل: إن الحجاج فعل ذلك. وقيل: بل أمر به المأمون العباسيُّ. * وأما أسماؤه: فهي أربعة: القرآن، والفرقان، والكتاب، والذِّكر. وسائر ما يُسمَّى به صفاتٌ لا أسماء، كوصفه بالعظيم، والكريم، والمبين، والعزيز، والمجيد، وغير ذلك. فأما القرآن: فأصله مصدر: قرأ، ثم أُطلق على المقروء. وأما الفرقان: فمصدرٌ -أيضًا-، معناه: التفرقة بين الحق والباطل. وأما الكتاب: فمصدرٌ، ثم أطلق على المكتوب. وأما الذكر: فسُمِّي القرآن به؛ لما فيه من ذكر الله، أو (١) من التذكير والمواعظ. ويجوز في «السُّورة» من القرآن: الهمزُ. وتركُ الهمز لغةُ قريشٍ. وأما الآية: فأصلها: العلامة، ثم سُمِّيت الجملةُ من القرآن آيةً (٢)؛ لأنها علامةٌ على صدق النبيِّ ﷺ .

стр. 54

(الباب الثاني) في السور المكية والمدنية * اعلمْ: أنَّ السُّورَ المكية: هي التي نزلت بمكة، ويُعدُّ منها: كلُّ ما نزل قبل الهجرة وإن نزل بغير مكة. كما أن المدنية: هي السور التي نزلت بالمدينة، ويُعدُّ منها: كلُّ ما نزل بعد الهجرة وإن نزل بغير المدينة. * وتنقسم السور ثلاثة أقسامٍ: [١ - ] قسمٌ مدنية باتفاقٍ، وهي اثنتان وعشرون سورةً. وهي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والنور، والأحزاب، والقتال، والفتح، والحجرات، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، والتحريم، و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾. [٢ - ] وقسم فيها خلافٌ؛ هل هي مكية أو مدنية؟ وهي ثلاث عشرةَ سورةً.

стр. 55

أُم القرآن، والرعد، والنحل، والحج، والإنسان، والمطففين (١)، والقدر، و ﴿لَمْ يَكُنْ﴾، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، و ﴿أَرَأَيْتَ﴾، والإخلاص، والمعوذتان. [٣ - ] وقسمٌ مكية باتفاق، وهي سائرُ السور. وقد وقعت آيات مدنية في سور مكية، كما وقعت آيات مكية في سور مدنية، وذلك قليلٌ، مختلَفٌ في أكثره. * واعلمْ: أنَّ السور المكية نزل أكثرُها في: إثبات العقائد، والردِّ على المشركين، وفي قَصص الأنبياء. وأن السور المدنية نزل أكثرُها في: الأحكام الشرعية، وفي الرد على اليهود والنصارى، وذكر المنافقين، والفتوى في مسائل، وذكرِ غَزَوات النبي ﷺ . وحيثما ورد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدنيّ. وأما ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فقد وقع في المكيّ والمدنيّ.

стр. 56

(الباب الثالث) في المعاني والعلوم التي تضمَّنها القرآن ولنتكلم في ذلك على الجملة والتفصيل. * أما على الجملة: فاعلم أن المقصود بالقرآن: دعوةُ الخلق إلى عبادة الله، وإلى الدخول في دين الله، ثم إن هذا المقصدَ يقتضى أمرين لا بد منهما، وإليهما ترجع معاني القرآن كله: أحدهما: بيان العبادة التي دُعِي الخلق إليها. والآخر: ذكر بواعثَ تبعثهم على الدخول فيها، وتقودهم إليها. فأما العبادة: فتنقسم إلى نوعين وهما: أصول العقائد، وأحكام الأعمال. وأما البواعث عليها: فأمران؛ وهما: الترغيب، والترهيب. * وأما على التفصيل: فاعلم أن معانيَ القرآن سبعةٌ؛ وهي: علمُ الربوبية، والنبوَّةُ، والمعاد، والأحكام، والوعد، والوعيد، والقَصص. * [١ - ] فأما علم الربوبية: فمنه: إثباتُ وجود الباري ﷻ ، والاستدلالُ عليه بمخلوقاته، فكلُّ ما جاء في القرآن من التنبيه على المخلوقات، والاعتبار في خِلْقة

стр. 57

الأرض والسموات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار وغير ذلك من الموجودات؛ فهو دليلٌ على خالقه. ومنه: إثبات الوحدانية، والردُّ على المشركين، والتعريفُ بصفات الله من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك من أسمائه وصفاته، وتنزيهه عما لا يليق به. * [٢ - ] وأما النبوَّة: فإثبات نبوة الأنبياء ﵈ على العموم، ونبوة محمد ﷺ على الخصوص، وإثبات الكتب التي أنزلها الله عليهم، ووجود الملائكة الذين كان منهم وسائط بين الله وبينهم، والردُّ على من كفر بشيء من ذلك. وينخرط في سِلْك هذا: ما ورد في القرآن من تأنيس النبي ﷺ وكرامته (١)، والثناء عليه وعلى سائر الأنبياء صلى الله عليه وعليهم أجمعين. * [٣ - ] وأما المعاد: فإثبات الحشر، وإقامة البراهين عليه، والردُّ على من خالف فيه، وذكر ما في الدار الآخرة من الجنة والنار والحساب والميزان وصحائف الأعمال وكثرة الأهوال وغير ذلك. * [٤ - ] وأما الأحكام: فهي الأوامر والنواهي، وتنقسم خمسة أنواع: واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح. ومنها: ما يتعلق بالأبدان، كالصلاة والصيام.

стр. 58

وما يتعلق بالأموال كالزكاة. وما يتعلق بالقلوب، كالإخلاص والخوف والرجاء وغير ذلك. * [٥ - ] وأما الوعد: فمنه وعدٌ بخيرِ الدنيا، من النصر والظهور وغير ذلك. ومنه بخيرِ الآخرةِ، وهو الأكثرُ، كأوصاف الجنة ونعيمها. * [٦ - ] وأما الوعيد: فمنه تخويفٌ بالعقاب في الدنيا. ومنه تخويفٌ بالعقاب في الآخرةِ، وهو الأكثرُ، كأوصاف جهنم وعذابها، وأوصاف القيامة وأهوالها. وتأملِ القرآنَ؛ تجدِ الوعدَ مقرونًا بالوعيدِ، قد (١) ذُكِرَ أحدهما على إثر ذكر الآخرِ؛ ليجمع بين الترغيبِ والترهيبِ، وليتبين أحدهما بالآخرِ، كما قيل: .......................... … فَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأشياءُ (٢) * [٧ - ] وأما القَصَصُ: فهو ذكر أخبار الأنبياءِ المتقدمينَ وغيرِهِم؛ كقصةِ أصحاب الكهفِ، وذي القرنينِ. فإن قيلَ: ما الحكمةُ في تكرارِ قَصصِ الأنبياءِ في القرآنِ؟

стр. 59

فالجواب: من ثلاثة أوجه: الأول: أنه ربما ذُكِر في سورةٍ من أخبار الأنبياء ما لم يُذْكَرْ في سورة أخرى، ففي كلّ واحدة منهما فائدة زائدة على الأخرى. الوجه الثاني: أنه ذُكِرَتْ أخبار الأنبياء في مواضع على طريقة الإطناب، وفي مواضع على طريقة الإيجاز؛ لتظهر فصاحة القرآن في الطريقتين. الوجه الثالث: أن أخبار الأنبياء قُصِد بذكرها مقاصد كثيرة (١) فَتَعَدَّدَ ذكرُها بتعدد تلك المقاصد. فمن المقاصد بها: إثبات نبوة الأنبياء المتقدمين؛ بذكر ما جرى على أيديهم من المعجزات، وذكرِ إهلاك من كذبهم بأنواع من الهلاك (٢). ومنها: إثبات نبوة محمد ﷺ ؛ لإخباره بتلك الأخبار من غير تعلُّم من أحد، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩]. ومنها: إثبات الوحدانية، ألَا ترى أنه لما ذكر إهلاك الأمم الكافرة قال: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]. ومنها: الاعتبار في قدرة الله تعالى، وشدَّةِ عقابه لمن كفر به. ومنها: تسليةُ النبي ﷺ عن تكذيب قومه له؛ بالتأسي بمن تقدم من

стр. 60

الأنبياء؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: ٣٤]. ومنها: تأنيسُهُ (١) ﵇، ووعدُه بالنصر كما نُصِر الأنبياء الذين من قبله. ومنها: تخويف الكفار بأن يعاقبوا كما عوقب الكفار الذين من قبلهم. إلى غير ذلك مما احتوت عليه أخبار الأنبياء من العجائب والمواعظ واحتجاج الأنبياء وردِّهم على الكفار، وغير ذلك، فلما كانت أخبار الأنبياء تفيد فوائد كثيرةً ذُكِرت في مواضع كثيرة، ولكلٍّ مقامٍ مقالٌ.

стр. 61

(الباب الرابع) في فنون العلوم التي تتعلَّقُ بالقرآن اعلمْ: أنَّ الكلامَ على القرآن يستدعي الكلام في اثني عَشَرَ فنًا من العلوم، وهي: التفسيرُ، والقراءات، والأحكام، والنسخ، والحديث، والقصص، والتصوف، وأصول الدين، وأصول الفقه، واللغة، والنحو، والبيان. * [١ - ] فأما التفسير: فهو المقصود لنفسه، وسائرُ هذه الفنون أدواتٌ تعين عليه، أو تتعلق به، أو تتفرَّع منه. ومعنى التفسير: شرح القرآن وبيان معناه، والإفصاح بما يقتضيه بنصه أو إشارته أو فحواه. واعلم: أن التفسير منه متفق عليه، ومختلف فيه، ثم إن المختلف فيه على ثلاثة أنواع: أحدها: اختلافٌ في العبارة مع اتفاقٍ في المعنى، فهذا عدَّه كثير من المؤلفين في التفسير خلافًا، وليس في الحقيقة بخلاف؛ لاتفاق معناه. وجعلناه نحن قولًا واحدًا، وعبَّرنا عنه بأحد (١) عبارات المتقدمين، أو بما يقرب منها، أو بما يجمع معانيَها.

стр. 62

النوع الثاني: اختلاف في التمثيل؛ لكثرة الأمثلة الداخلة تحت معنى واحدٍ، وليس مثالٌ منها على خصوصه هو المراد، وإنما المراد المعنى العام الذي (١) تندرج تلك الأمثلة تحت عمومه، فهذا عدَّه أيضًا كثيرٌ من المؤلفين خلافًا، وليس في الحقيقة بخلاف؛ لأن كلَّ قولٍ (٢) منها مثالٌ للمراد، وليس بكل المراد. ولم نعُدَّه نحن خلافًا، بل عبَّرنا عنه بعبارة عامة تدخل تلك الأقوال تحتها، وربما ذكرنا بعض تلك الأقوال على وجه التمثيل مع التنبيه على العموم المقصود. النوع الثالث: اختلاف في المعنى، فهذا هو الذي عدَدْناه خلافًا، ورجَّحنا فيه بين أقوال الناس حسبما ذكرناه في خطبة الكتاب. فإن قيل: ما الفرق بين التفسير والتأويل؟ فالجواب: أن في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: أنهما بمعنى واحدٍ. الثاني: أن التفسير: للفظ، والتأويل: للمعنى. الثالث -وهو الصواب-: أن التفسير هو الشرح، وأن التأويل هو حمل الكلام على معنىً غيرِ المعنى الذي يقتضيه ظاهر اللفظ؛ لموجب اقتضى أن يُحمَل على ذلك ويخرج عن ظاهره.

стр. 63

[٢ - ] وأما القراءات: فإنها في القرآن بمنزلة الرواية في الحديث، فلا بد من ضبطها كما يضبط الحديث بروايته. ثم إن القراءات على قسمين: مشهورة، وشاذَّةٌ. فالمشهورةُ: هي القراءات السبع وما جرى مجراها؛ كقراءة يعقوب (١) وابنِ محيصنٍ (٢). والشاذة: ما سوى ذلك. وإنما (٣) بنينا هذا الكتاب على قراءة نافع المدني (٤)؛ لوجهين: أحدهما: أنها القراءة المستعملة في بلادنا بالأندلس وسائر المغرب. والآخر: الاقتداء بالمدينة شرفها الله تعالى؛ لأنها قراءة أهل المدينة، وقال مالك بن أنس: قراءة نافع سنةٌ. وذكرنا من سائر القراءات ما فيه فائدةٌ في المعنى والإعراب أو غير ذلك، دون ما لا فائدة فيه زائدة، واستغنينا عن استيفاء القراءات؛ لكونها مذكورةً في الكتب المؤلفة فيها، وقد صنَّفنا فيها كتبًا نفع الله بها، وأيضًا؛ فإنا لما

стр. 64

عزمنا في هذا الكتاب على الاختصار حذفنا منه ما لا تدعو إليه ضرورةٌ، وقد ذكرنا في هذه المقدمات بابًا في قواعد أصول القراءات. [٣ - ] وأما أحكام القرآن: فهي تفسير ما ورد فيه من الأوامر والنواهي والمسائل الفقهية. وقال بعض العلماء: إن آيات الأحكام خمسُ مئةِ آيةٍ، وقد تنتهي إلى أكثرَ من ذلك إذا استُقُصيَ تتبعها في مواضعها. وقد صنَّف الناس في أحكام القرآن تصانيفَ كثيرةٍ. ومن أحسن تصانيف المشارقة فيها: تأليف إسماعيل القاضي (١)، وأبي الحسن كِيَّاه (٢). ومن أحسن تصانيف أهل الأندلس (٣): تأليف القاضي الإمام أبي بكر

стр. 65

ابن العربي (١)، والقاضي الحافظ أبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم المعروف بابن الفَرَس (٢). * [٤ - ] وأما النسخ: فهو يتعلق (٣) بالأحكام؛ لأنها محلُّ النسخ؛ إذ لا تُنسَخُ الأخبار. ولا بد من معرفة ما وقع في القرآن من الناسخ والمنسوخ، والمحكم؛ وهو ما لم يُنسَخ. وقد صنف الناس في ناسخ القرآن ومنسوخه تصانيف كثيرة، أحسنها: تأليف القاضي أبي بكر بن العربي. وقد ذكرنا في هذه المقدمات بابًا في قواعد النسخ، وذِكْرِ ما تكرَّر (٤) في القرآن من المنسوخ، وذكرنا سائره في مواضعه. * [٥ - ] وأما الحديث: فيحتاج المفسِّرُ إلى روايته وحفظه؛ لوجهين: الأول: أنّ كثيرًا من آيات القرآن نزلت في قوم مخصوصين، ونزلت بأسباب قضايا وقعت في زمان النبي ﷺ من الغزوات والنوازل والسؤالات، فلا بد من معرفة ذلك؛ ليُعلَمَ فيمن نزلت الآية، وفيما نزلت، ومتى نزلت؛

стр. 66

فإن النسخ مبنيٌّ على معرفة تاريخ النزول؛ لأن المتأخر ناسخٌ للمتقدم. والوجه الآخر: أنه ورد عن النبي ﷺ كثير من تفسير القرآن، فتجب معرفته؛ لأن قوله ﵇ مقدم على أقوال الناس. [٦ - ] وأما القصص: فهو من جملة العلوم التي تضمنها القرآن، فلا بد من تفسيره، إلَّا أن الضروريَّ منه: ما يتوقف التفسير عليه، وما سوى ذلك زيادةٌ مستغنى عنها. وقد أكثر بعض المفسرين من حكاية القصص الصحيح وغير الصحيح، حتى إنهم ذكروا منه ما لا يجوز ذكره مما فيه تقصيرٌ بمنصب الأنبياء ﵈، أو حكايةٌ ما يجب تنزيههم عنه. وأما نحن فاقتصرنا في هذا الكتاب من القصص على ما يتوقف التفسير عليه، وعلى ما ورد منه في الحديث الصحيح. [٧ - ] وأما التصوفُ: فله تعلقٌ بالقرآن؛ لما ورد في القرآن من المعارف الإلهية ورياضة النفوس وتنوير القلوب وتطهيرها باكتساب الأخلاق الحميدة واجتناب الأخلاق الذميمة. وقد تكلمت المتصوِّفة (١) في تفسير القرآن، فمنهم من أحسن وأجاد، ووصل بنور بصيرته إلى دقائق المعاني ووقف على حقيقة المراد، ومنهم من توغَّل في الباطنية، وحمل القرآن على ما لا تقتضيه اللغة العربية.

стр. 67

وقد جمع أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ (١) كلامهم في التفسير في كتاب سماه «الحقائق»، وقال بعض العلماء: بل هو (٢) البواطل، وإذا أنصفنا قلنا: فيه حقائق وبواطلُ. وقد ذكرنا في هذا الكتاب ما يُستحسن من الإشارات الصوفية، دون ما يُعترض أو يُقدح فيه، وتكلَّمنا أيضًا على اثني عشر مقامًا من مقامات التصوف في مواضعها من القرآن. [١ - ] فتكلمنا على الشكر في «أم القرآن»؛ لما بين الحمد والشكر من الاشتراك في المعنى. [٢ - ] وتكلمنا على التقوى في قوله تعالى في «البقرة»: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. [٣ - ] وعلى الذِّكر في قوله فيها: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. [٤ - ] وعلى الصَّبر في قوله تعالى فيها: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. [٥ - ] وعلى التوحيد في قوله فيها: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. [٦ - ] وعلى محبة الله (٣) في قوله فيها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. [٧ - ] وعلى التوكُّل في قوله في «آل عمران»: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.

стр. 68

[-٨] وعلى المراقبة في قوله في «النساء»: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. [٩، ١٠ - ] وعلى الخوف والرَّجاء في قوله في «الأعراف»: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. [-١١] وعلى التوبة في قوله في «النور»: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾. [-١٢] وعلى الإخلاص في قوله في «لم يكن»: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. * [٩ - ] وأما أصول الدين: فتتعلق بالقرآن من طريقين: أحدهما: ما ورد في القرآن من إثبات العقائد، وإقامة البراهين عليها، والرد على أصناف الكفار. والآخر: أن الطوائف المختلفة من المسلمين تعلقوا بالقرآن، وكل طائفة منهم تحتج لمذهبها بالقرآن، وترد على من خالفها، وتزعم أنه خالف القرآن، ولا شك أن منهم المحق والمبطل. فمعرفة تفسير القرآن توصل في ذلك إلى التحقيق، مع التسديد والتأييد من الله والتوفيق. * [١٠ - ] وأما أصول الفقه: فإنها من أدوات تفسير القرآن، على أنَّ كثيرًا من المفسرين لم يشتغلوا بها. وإنها لنعم العونُ على فهم المعاني وترجيح الأقوال، وما أحوج المفسرَ إلى معرفة النص، والظاهر، والمجمل، والمبين، والعام، والخاص، والمطلق، والمقيد، وفحوى الخطاب، ولحن الخطاب، ودليل الخطاب،

стр. 69

وشروط النسخ، ووجوه التعارض، وأسباب الخلاف، وغير ذلك من علم الأصول. * [١١ - ] وأما اللغة: فلا بد للمفسر من حفظ ما ورد في القرآن منها، وهي غريب القرآن، وهي فنٌّ من فنون التفسير. وقد صنف الناس في غريب القرآن تصانيف كثيرة، وقد ذكرنا - بعد هذه المقدمة - مقدمةً في اللغات الكثيرة الدوران في القرآن؛ لئلا نحتاج أن نذكرها حيثما وقعت، فيطولَ الكتاب بكثرة تكرارها. * [١٢ - ] وأما النحو: فلا بد للمفسر من معرفته؛ فإن القرآن نزل بلسان العرب فيحتاج إلى علم اللسان (١). والنحو ينقسم قسمين: أحدهما: عوامل الإعراب، وهي أحكام الكلام المركَّب. والآخر: التصريف، وهو أحكام الكلمات قبل تركيبها. وقد ذكرنا في هذا الكتاب من إعراب القرآن ما يحتاج إليه؛ من المشكل، أو المختلف فيه، أو ما يفيد فهم المعنى، أو يختلف المعنى باختلافه، ولم نتعرَّضْ لما سوى ذلك من الإعراب السهل الذي لا يحتاج إليه إلا المبتدئ؛ فإن ذلك تطويلٌ (٢) بغير كبير فائدةٍ.

стр. 70

* [١٣ - ] وأما علم البيان: فهو علم شريف، تظهر به فصاحة القرآن، وقد ذكرنا منه في هذا الكتاب فوائدَ فائقةً، ونكتًا مستحسنة رائقة، وجعلنا في المقدمات بابًا في أدوات البيان؛ ليفهم به ما يرد منها مفرقًا في مواضع (١) من القرآن.

стр. 71

(الباب الخامس) في أسباب الخلاف بين المفسرين والوجوه التي نُرَجِّحُ (١) بها بين أقوالهم * فأمَّا أسبابُ الخلاف فهي اثنا عشرَ: الأول: اختلاف القراءات. الثاني: اختلاف وجوه الإعراب؛ وإن اتفقت القراءة. الثالث: اختلاف اللُّغويين في معنى الكلمة. الرابع: اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر. الخامس: احتمال العموم أو الخصوص. السادس: احتمال الإطلاق أو التقييد. السابع: احتمال الحقيقة أو المجاز. الثامن: احتمال الإضمار أو الاستقلال. التاسع: احتمال كون الكلمة زائدةً أو غيرَ زائدةٍ. العاشر: احتمال حمل الكلام على الترتيب، أو على التقديم والتأخير.

стр. 72

الحادي عشر: احتمال أن يكون الحكم منسوخًا أو محكمًا. الثاني عشر: اختلاف الرواية في التفسير عن النبي ﷺ ، وعن السلف ﵃. * وأما وجوه الترجيح فهي اثنا عشر: الأول: تفسير بعض القرآن ببعض؛ فإذا دلَّ موضع من القرآن على المراد بموضعٍ آخر (١) حملناه عليه، ورجَّحنا القول بذلك على غيره من الأقوال. الثاني: حديث النبي ﷺ ؛ فإذا ورد عنه ﵇ تفسير شيءٍ من القرآن عوَّلنا عليه، لا سيما إن ورد في الحديث الصحيح. الثالث: أن يكون القول قولَ الجمهور وأكثر المفسرين، فإن كثرة القائلين بالقول تقتضي ترجيحَه. الرابع: أن يكون القول قولَ من يُقتدَى به من الصحابة، كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن عباس؛ لقول رسول الله ﷺ : «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٢). الخامس: أن يدل على صحة القول كلامُ العرب؛ من اللغة، أو الإعراب أو التصريف، أو الاشتقاق. السادس: أن يشهد لصحة القول سياقُ (٣) الكلام، ويدلَّ عليه ما قبله أو ما بعده.

стр. 73

السابع: أن يكون ذلك المعنى هو المتبادر إلى الذهن، فإن ذلك دليل على ظهوره ورجحانه. الثامن: تقديم الحقيقة على المجاز، فإن الحقيقة أولى أن يُحمل عليها اللفظ عند الأصوليين. وقد يترجَّح المجاز إذا كثر استعماله حتى يصير أغلب استعمالًا من الحقيقة، ويسمى مجازًا راجحًا، والحقيقةُ مرجوحةً، وقد اختلف العلماء أيهما يقدَّم؟ فمذهب أبي حنيفة: تقديم الحقيقة؛ لأنها الأصل. ومذهب أبي يوسف: تقديم المجاز الراجح؛ لرجحانه. وقد يكون المجاز أفصح وأبرعَ، فيكون أرجحَ. التاسع: تقديم العموم على الخصوص، فإن العموم أولى؛ لأنه الأصل، إلَّا أن يدلَّ دليل على التخصيص. العاشر: تقديم الإطلاق على التقييد، إلَّا أن يدل دليل على التقييد. الحادي عشر: تقديم الاستقلال على الإضمار، إلَّا أن يدل دليل على الإضمار. الثاني عشر: حمل الكلام على ترتيبه، إلَّا أن يدلَّ دليل على التقديم والتأخير.

стр. 74

(الباب السادس) في ذكر المفسِّرين (١) * اعلم أن السلف الصالح انقسموا على فرقتين: فمنهم من فسَّر القرآن، وتكلَّم في معانيه، وهم الأكثرون. ومنهم من توقَّف عن الكلام فيه؛ احتياطًا؛ لما ورد من التشديد في ذلك؛ فقد قالت عائشة ﵂: «ما كان رسول الله ﷺ يفسر من القرآن إلا آياتٍ بِعَدَدٍ، علمه إياهن جبريل» (٢)، وقال ﷺ : «من قال في القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ» (٣). وتأوَّل المفسرون حديث عائشة ﵂ بأنه في مُغَيَّبات القرآن التي لا تعلم إلا بتوقيفٍ من الله تعالى. وتأولوا الحديث الآخر بأنه فيمن تكلَّم في القرآن بغير علم ولا أدوات، لا فيمن تكلم بما (٤) تقتضيه أدوات العلوم، ونظرَ في أقوال العلماء المتقدمين، فإن هذا لم يقل في القرآن برأيه.

стр. 75

* واعلمْ أنَّ المفسرين على طبقاتٍ: فالطبقةُ الأولى: الصحابةُ ﵃: وأكثرهم كلامًا في التفسير: ابن عباس، وكان علي بن أبي طالب ﵁ يثني على تفسير ابن عباس ويقول: «كأنما ينظر إلى الغيب من سترٍ رقيقٍ» (١)، وقال ابن عباس: «ما عندي من تفسير القرآن فهو عن علي ابن أبي طالب ﵁» (٢). ويتلوهما: عبد الله بن مسعود، وأبيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت. ثم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص. وكلُّ ما جاء عن الصحابة من التفسير فهو حسنٌ مقبول. والطبقة الثانية: التابعون: وأحسنهم كلامًا في التفسير: الحسن بن أبي الحسن البصريُّ، وسعيد بن جبير، ومجاهدٌ مولى ابن عباس، وعلقمةُ صاحبُ عبد الله بن مسعود. ويتلوهم: عكرمة، وقتادة، والسُّدِّيُّ، والضحاك بن مزاحم، وأبو صالح، وأبو العالية. ثم حمل تفسيرَ القرآن عُدولُ كلِّ خلَفٍ، وألَّف الناس فيه، كالمفضَّل (٣)،
следующие страницы →