← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30188

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط عالم الكتب

ابن فضل الله العمري

Полный текст (715 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

نسي ودخل على بعض الحيوانات القواتل وكره فيهلك، وإذا أرادت الأنثى أن تبيض حفرت لبيتها أدحيا مثل إدحي النعام، ثم ترمي فيه ثمانين بيضة، وبيضها كبيض الحمام تدفنه في التراب أربعين يوما، ثم تأتي بعد الأربعين يوما فإذا الحسول يتعادون، فتأكل منها ما قدرت. قال الجاحظ: (١) إذا أراد الضبّ أكل حسوله وقف لها في أضيق موضع من جحره؛ وسد جميع المنافذ بيده، فإذا أحكم ذلك شرع في الأكل، فيأكل منها حتى يمتلئ جوفه؛ ولا يترك منها شيئا حتى يشبع. قال الشاعر: (٢) أكلت بنيك أكل الضبّ حتّى … تركت بنيك ليس لهم عديد وإذا لذعته يأكل حشيشا يدعى أذان الفار (٣) يزول وجع اللذعة عنه، وإذا جاع يتعرض للنسيم ويعيش به، قال بعضهم: إذا خرج الضبّ من بين رجلي الإنسان لا يقدر ذلك الإنسان على مباشرة النساء، وقال بعضهم: ينتفخ ذلك الإنسان. قال في كتاب العجائب: (٤) من أكل من قلبه ذهب عنه الحزن والخفقان، ومن أكل طحاله أمن وجع الطحال أبدا، ودمه يتخذ ضمادا مع دقيق الحمّص يزيل البهق، ويطلى الكلف به مع البورق يزيله ويصفي لون الوجه، ولحمه ينفع من الأمراض المزمنة مقليّا، وأيضا يصلح لمن به تشنج أو ضربة أو سقطة أو جراحة، ويزيد في ضوء البصر، ويقوي البدن، ويعين على الباه، ومن أكله لا يعطش زمانا طويلا، وعظم صلبه، ومن استصحبه معه ازدادت شهوة وقاعه، ومن استصحب خصيتيه أحبه الخدم حبّا شديدا، وإذا علق كعبه على وجه الفرس لم يسبقه شيء من الخيل، وإذا جعل

стр. 107

جلده على نصاب السيف تشجع، وإذا كان جلده ظرفا للعسل فمن لطع منه هاجته شهوة الوقاع وازداد إنعاظه، وإذا طلي ببعره البرص والكلف والحزاز أزاله، وإذا اكتحل به نفع من بياض العين ومن نزول الماء. ١٢٨ - ظربان: دويبة كالهرة منتنة الريح، قالوا: ليس في الدنيا شيء أشدّ من نتنها، إذا شمّت الإبل رائحتها شردت وتفرقت في النواحي بحيث يصعب جمعها، وإذا فست في ثوب لا تزول رائحتها من ذلك الثوب ولو غسل خمسين مرّة، وإذا وقع بين اثنين شرّ يقال: فسا بينهما الظربان، وهو عدوّ الضبّ، يعرف حاله؛ فيتوغل في جحره لشدّة طلب الضربان إياه. قال الجاحظ: (١) إذا أراد الضربان أن يأكل الضبّ أو أكل حسوله؛ اقتحم جحر الضبّ مستديرا، ثم التمس أضيق موضع فيه، فإذا وجده سدّ النفس والهواء من جهته، ثم يفسو على الضبّ وعلى حسوله، فيغشى عليهم، ولا يجاوز ثلاث فسوات حتى يأكله وحسوله كيف شاء. واللّه أعلم. ١٢٩ - عظاية: دويبة شديدة الشبه بالحرباء، ويقال لها أيضا: أم حبين، وهي خفيفة الحركة كثيرة الالتفات، ومنها صنف كالياقوت الأحمر الصافي، ينظر بعينين كأنّ السحر ركّب فيهما، ومن خاصيتها أنها متى صادفت سمّا في طعام أو إناء دمعت عينها، وتحمل إلى الملوك من جملة الهدايا (٢). واللّه أعلم. ١٣٠ - عقرب: أخبث الحشرات، تلدغ كلّ شيء تلقاه، ولها ثمانية أرجل، وعينها على بطنها، وولدها يخرج من ظهرها، وإذا خرج الولد ماتت الأمّ، وإذا لذعت هربت إلى الجبال، وإذا خرجت من بيتها أول الليل تلدغ كلّ شيء تلقاه من حيوان أو جماد. قال الجاحظ: (٣) حكى لي خاقان بن صبيح أنه سمع بنقرة (٤) وقعت على قمقم، فنهض نحو الصوت، فإذا بعقرب شائلة الذنب، فقتلها، ثم صبّ الماء في القمقم، فإذا

стр. 108

الماء يسيل من موضع نالته إبرة العقرب. والعقرب إذا رأت الحيّة لذعتها، والحية تسعى في طلبها، فإن وجدتها أكلتها فبرأت، فإن لم تجدها تموت. وسمع بعض الأطباء رجلا يقول: فلان كالعقرب يضرّ ولا ينفع، فقال له: ما أقلّ علمك بها، تنفع إذا شقت وتركت على مكان اللذعة، وإذا جعلت العقرب في فخارة مسدودة الرأس، وجعلت في التنّور المسجر حتّى تصير رمادا، ويسقى من ذلك الرماد نصف دانق لمن به حصى المثانة فتّتها، وإذا لذعت صاحب الحمّى العتيقة أقلعت عنه، وإذا لذعت المفلوج ذهب عنه الفالج، وإذا أحرقت عقرب ودخّن بها البيت؛ لم يبق في البيت عقرب إلاّ هلكت أو هربت، وإذا أخذت عقربا كبيرا وجفّفتها وسحقتها وعجنتها بالخل وطليت به البرص أزاله، ورماد العقرب يداف بالخلّ ويطلى به الموضع ينبت به الشعر. قال ابن البيطار: (١) إذا دقّت وسحقت ووضعت على لسعتها أبرأها، وقد تشوى وتؤكل فتفعل ذلك أيضا، وإذا اكتحل برمادها نفع من ضعف البصر، وإذا أحرق وسحق وخلط بمثل نصف وزنه خرء فار واكتحل به أحدّ البصر ونفع من جرب العين، وإن سحق عقرب كبير أسود بعد تجفيفه مع خلّ وطلي به البرص نفع منه وأبرأه، وإذا أحرق في زيت ودهنت به القروح الخبيثة العسرة الاندمال؛ وذرّ عليها سحيق العقرب المحترقة نفعها وأبرأ منها، وإذا أحرق عقرب ووزن بعد حرقه كان وزنه ثمان عشرة حبّة لا تزيد حبّة، وإن أخذت عقرب وقد بقي في الشهر ثلاثة أيام أو أربعة؛ وجعلت في إناء؛ وصبّ عليها زيت؛ وسدّ رأس الإناء وترك حتى يأخذ الزيت قوتها، ثم يدهن به من وجع الظهر والفخذين، فإنه يبرؤه، وإن طلي من هذا الدهن على البواسير الظاهرة جفّفها وأسقطها، وإن جعلت عقرب ميتة في خرقة، وعلقت على المرأة التي تسقط أولادها؛ لم يسقط الجنين وينبغي أن تحرق العقارب ومعها قليل كرنب، ورماد العقارب المحرقة يفتت الحصى، وكذا المعجون المتخذ منه، وإذا قليت عقرب في زيت حتى تحترق؛ وطلي بذلك الزيت موضع داء الثعلب أنبت فيه الشعر مجرب. ١٣١ - عنكبوت: أصناف كثيرة، لكلّ صنف فعل عجيب، فمنها الطويل الأرجل، فإنها لما عجزت عن الصيد اتخذت مصايد وحبائل من الخيوط التي تصنعها، فإذا أرادت نصب الشبكة عمدت إلى موضعين متقاربين بينهما فرجة مقدار ذراع فما دونه ليمكنها اتصال الخيط بين الطرفين، ثم تشرع فتلقي اللعاب الذي هو خيطها على جانب لتلصق به، ثم

стр. 109

تعود إلى الجانب الآخر ثانيا وثالثا، وتجعل بينهما تناسبا هندسيا، حتى إذا حكمت معاقد الخيط ورتبت السّدى أضافت اللّحمة إليها، وتحكم العقد، وتراعي في جميع ذلك التناسب الهندسي، فلا تجعل طاقة أطول مما ينبغي؛ ولا أقصر ليلتئم النسج، ثم يقعد في زاوية ويرقب وقوع الصيد فيها، فإذا وقع شيء من الذباب والبق بادر إلى أخذه. ومنها صنف قصار الأرجل تسمّى الفهد، فإذا أراد الصيد طلب زاوية من حائط، ووصل بين طرفي الزاوية بالنسج، فإنّ الذباب في آخر النهار لا يرى شيئا فيأوي إلى الزوايا فيقع في الشبكة، وربما يرسل خيطا من سقف وينزل على الخيط فيعلق نفسه، فإذا رأى ذبابة طارت بقربه رمى نفسه إليها فأخذها ولفّ خيطه عليها وأحكم وثاقها ثم جذبها إلى بيته. ومنها صنف يسمّى الليث، وله ست عيون، فإذا رأى الذباب لطي بالأرض وسكن أطرافه، ثم وثب ولا يخطئ، وهو آفة الذباب. ومنها صنف تسمى الرتيلا، وهي أردأ أصنافه، إذا مشى على إنسان يموت الإنسان من وجع يصيبه من لعابه لا من لسعه، وقد ذكرناه (١)، ويسمى عقرب الثعابين لأنه يقتلها. ومنها صنف رديء التدبير ينسج على وجه الأرض والصخور، فإن وقع فيها شيء صاده، ومنها صنف دقيق الصنعة يركب مصيدته ويمشي، فإذا وقع فيها ذبابة تضطرب فيها فيتركها على حالها حتى يثق بوهنها وضعفها، فإن كان جائعا يمصّ رطوبتها، وإلاّ حملها إلى خزانته، وأكثر ما يقع الذباب في شبكة العناكب عند غروب الشمس. وزعم قوم أنّ العناكب الإناث هن العوامل؛ والذكر أخرق لا يعرف النسج، وقال آخرون: إنّ الأنثى تأتي السّدى والذكر يأتي اللحمة، لأن اللحمة أقوى من السّدى، وهما شريكان في النسج، أو كالأستاذ مع التلميذ. قال في كتاب العجائب: (٢) إذا شددت عنكبوتا في خرقة سوداء؛ وعلّقت على صاحب الحمّى تزول عنه، وقال بلنياس الحكيم: يسحق العنكبوت ويسقى في شيء من الأشربة لصاحب الحمّى البلغمية تزول من ساعتها، وزعم أنّه مجرّب، ونسجه يجعله على الموضع الذي يسيل منه الدم يقطعه، وإذا بخّر به طرد البق، مجرب. قال ابن البيطار: (٣) ذكر أنّ نسج العنكبوت، إذا وضع على الجراحات الحادثة

стр. 110

في البدن حفظها بلا ورم، وإذا خلط بالمراهم ولطخ على خرقة وصيّر على الجبهة أو على الصدغين أبرأ من حمّى الغب، وإذا وضع نسج العنكبوت وحده على الموضع الذي يسيل منه الدم قطعه، وإذا وضع على القروح (١) التي لا عمق لها منع منها الورم، ومن العنكبوت صنف نسجه أبيض كثيف إذا شدّ في جلد وعلّق على العضد منع من حمّى الرّبع، وإذا طبخ بدهن ورد قطر في الأذن وطليت به نفع من وجعها، وإذا أخذ نسجه وقطر عليه خلّ ووضع على الدمل أول ظهوره وترك عليه إلى أن يجفّ نفعه ومنعه أن يتزايد وجفّفه، وإذا دلكت الفضة المتغيّرة بنسجه جلاها، وإذا أخذ الليث وربط في خرقة وعلّق على الصدغ الأيسر من صاحب حمّى الرّبع أبرأه، مجرب. ١٣٢ - فأر: حيوان كثير الحيل، شديد الفساد، من الفواسق الخمس التي تقتل في الحلّ والحرم، وإنما أمر النبي ﷺ بقتلها لكثرة فسادها، فربما تجذب فتيلة السراج فتحرق الدور بما فيها من الأموال والحيوان، وتقرض دفاتر العلم وصكاك الحسابات، فيفوت على الناس حقوقهم، وتقرض الثياب النفيسة فتتلفها، وتأكل من المائعات، وترمي فيها بعرها لتفسدها عليهم، وربما وقعت في البئر والوعاء فماتت؛ فيتلف ما ماتت فيه، أو تخرج إلى مشقة في نزح البئر ونحوه؛ وإذا خدش الإنسان بمرّ أو عضه كلب كلب؛ فيحرص على أن يبول عليه، وإذا بال مات ذلك المعضوض أو المخدوش، وذهب بعض الناس إلى أنّ الفار عدم القوّة الحافظة؛ لأنها تخرج من جحرها فترى السنّور فترجع إلى مكانها، ثم تخرج عقيب ذلك. وقال بعضهم: كيف يقال لا حافظة لها مع لطائف حيلها وشدّة اهتمامها بأمر المعيشة؛ وادّخارها القوت ليوم عجزها عن الكسب، ولها لطائف موقوفة على مقدّمات، منها أن الدهن إذا كان في قارورة إلى نصفها، فإنها ترمي في القارورة ترابا وحصى، فإما تكسرها فتلحسه أو يعلو فتصل إليه أو تدخل ذنبها فيها حتى تبله بالدهن ثم تدور فتلحسه إلى أن يستوفي جميع ما فيها، لا سيّما إن كانت ضيّقة الرأس، ومنها إذا أرادت أخذ البيضة تأخذها في حضنها وتمسكها بأربعتها وتأتي فارة أخرى تجرّها بذنبها إلى البيت، فإذا أرادت كسرها فإنّها ترفعها إلى جانب الحائط بيديها ورجليها حتى تعلو وترسلها فتنكسر فتأكلها، ومنها أنها إن أرادت أخذ الجوزة تأتي فارة تحملها على ظهر فارة أخرى فتلف المحمول عليها ذنبها على الجوزة وتحفظها وتمشي بها إلى جحرها. والفأرة تعادي العقرب، فإذا جعلت فأرة وعقرب في قارورة فإنه يجري بينهما

стр. 111

قتال عجيب، لأنّ العقرب تلذع الفأرة، والفأرة تحتال على أن تقبض إبرتها، والعقرب لا تمكّنها من ذلك وتضربها، فإن قبضت الفأرة على إبرتها غلبتها وإن ضربتها العقرب كثيرا أهلكتها، ومن شدّ ذنبا جرذيين في خيط، أحدهما يأخذ طرف الخيط والآخر بالطرف الآخر فإنه يجري بينهما قتال لا يكون مثله بين بهيمتين ولا سبعين من العضّ والخدش ما داما مشدودين في الخيط، فإن انحلّ الرباط هرب كلّ واحد من صاحبه. ومن أصنافها صنف يحبّ الدراهم والدنانير، يسرقها ويلعب بها، وكثيرا ما يخرجها من بيته ويلعب بها ويرقص عليها، ثم يردها إلى البيت واحدا واحدا، قال بعضهم: كان في بيتي فأرة فنصبت لها مصيدة فوقعت فيها، فأنظرت سنّورا يأكلها، وأبطأت عن زوجها، فخرج فرآها في المصيدة، فطاف حولها زمانا ثم رجع إلى جحره وأتى بدينار وتركه عند المصيدة ثم بآخر وآخر، وكلّما أتى بدينار لبث ساعة يطمع أني آخذ الدنانير فداء وأطلقها له، فإذا رآني لم أطلقها يأتي بدينار زيادة، حتى جاءني في آخر الأمر بخرزة، فعلمت أنه أخرج جميع ما عنده، فأخذت الدنانير وأطلقتها (١). ومنها صنف يقال له: الخلد، خلقه اللّه تعالى أعمى، لا يكون إلاّ في البراري المقفرة، وحاسة سمعه شديدة، يحسّ بالحركة من بعد فيرجع إلى جحره، ويأكل أصول الحشائش، وذكروا أنّ الأنثى إذا ولدت يموت ذكرها، ومن أراد صيد الخلد يجعل في جحره شيئا من البصل فإنه يخرج لرائحته فيصاد. ومنها صنف يقال لها فأرة المسك، توجد بأرض التبت (٢)، ويوجد في سرّة هذه الفأرة المسك كما للغزال، فالصياد إذا صادها يشدّ صرتها حتى يجتمع فيها الدم، وهو خير من مسك الغزال لطيب رائحته وحدته. ومنها صنف يقال لها: ذات النطاق، وهي قارة مشهورة، منطقة ببياض أعلاها أسود، شبهوها بالمرأة ذات النطاق، وهي التي تلبس قميصين ملونين، وتشدّ وسطها، ثم ترسل الأعلى على الأسفل. ومنها صنف يسمى فأرة البيش، قال بعضهم: إنها دويبة تشبه الفأرة، وليست بفارة، تسكن منابت البيش وتأكل منه، وتغتذي به، والبيش سمّ قاتل، يقتل منه اليسير، وهو حشيش بأرض الهند. ومنها صنف يقال له: اليربوع، وهو الفأر البري صاحب القاصعاء والنافقاء (٣) يحفر جحرا فيه عطفات كثيرة، ويحفرها إلى أسفل مستقيمة، ثم يذهب

стр. 112

يمينا وشمالا وصعودا ونزولا يخفي مكانه فيها بسبب كثرة اعوجاجها وعطفاتها، فإذا قصده شيء من أعدائه كابن عرس أو ضبّ أو ظربان لا يظفر به لأنه متى أحسّ بالشرّ من جهة ذهب إلى خلاف تلك الجهة، وله أبواب. ولليرابيع رئيس إذا أرادت الخروج من أجحرتها خرج الرئيس أولا ونظر، فإن لم ير عدوّا رفع صوته ليخرج رعيته، وإن رأى عدوّا رجع ومنعهن من الخروج، وإذا خرج يصعد موضعا عاليا كالديدان، واليرابيع تسعى يمينا وشمالا لتطلب القوت، فما يقع بأيديهما من قوت وغيره تأتي منه بنصيب الرئيس، وإذا رأى الرئيس عدوّا رفع صوته؛ فرجع كلّ واحد إلى جحره، فإن غفل الرئيس عن العدوّ حتى أتاها بغتة واصطاد منها شيئا؛ هربت البقيّة إلى أماكنها، ثم اجتمعت على عزل ذلك الرئيس وإهلاكه، ونصب رئيس غيره. ومنها صنف يقال له: سمندل، قيل: إنّه حيوان على هيئة الفار، وليس بفأر، وقيل: إنّه طائر يعشش في جبل النار، يدخل النار ولا يحترق، ثم يخرج وقد ذهب وسخه وزاد بريق لونه وصفاؤه، والملوك يتخذون من جلوده مناديل ومناشف؛ لأنها في غاية النعومة، يمسحون بها أيديهم، فإذا توسخت يرمون بها في النار فتخرج نظيفة وقد ذهب وسخها. وقد ذكر أنه من أخذ جرذا فأخصاه وأطلقه فإنّه يأكل الجرذان والفأر أكلا ذريعا لا يغلبه منها شيء حتّى الهرّة وابن عرس، ويحدث فيها شجاعة وجرأة وإقدام، وقد يفعل ذلك أصحاب البيادر فينتفعون به في إهلاك فأر الزرع. قال ابن البيطار (١): اتفقوا على أنه إذا شقّ ووضع على لسعة العقرب نفع منها نفعا بليغا، وإذا شوي وأكله الصبيان الكثير واللعاب جفّف اللعاب السائل من أفواههم، وقيل: إنه يشفي الخنازير، ويقلع الثآليل إذا شقّ ووضع عليها بحرارته، وإذا طبخ بماء وقعد فيه من به عسر البول نفعه، وأكل لحمه يولّد النسيان المفرط ويغثي ويفسد المعدة، وإن شقّ ووضع على النصول والشوك استخرجها، وزبل الفأر ينفع في داء الثعلب، وكان طبيب يهيّ ء منه شيافا يحمل بها من أسفل لإسهال الطبيعة، وخرء الفأر إذا خلط بالخلّ ولطلخ به داء الثعلب أبرأه، وإذا شرب بالكندر أو ثومالي (٢) فتت

стр. 113

الحصى وبولها، ورؤوس الفئران إذا جفّفت وأحرقت ودقّت ناعما وخلط رمادها بالعسل نفع من داء الثعلب لطوخا، وأنبت فيه الشعر. واللّه أعلم. ١٣٣ - فراش: هو الحيوان الذي يتهافت على السراج ويحترق، زعموا أنها دعموص في أول أمرها، فإذا نبتت جناحاها صارت فراشا، والدعموص العلق الصغير، وقال آخرون: إنّها دودة حمراء توجد في البقل يقال لها: اليسروع (١) تنسلخ وتصير فراشا، وسبب وقوعها في النار ما ذكره بعضهم أنّ بصرها ضعيف، فإذا رأت (٢) السراج بالليل تظنّ أنها في بيت مظلم وأنّ السراج كوّة من البيت المظلم إلى الموضع المضيء فلا تزال تطلب الضوء وترمي نفسها إلى الكوّة، فإذا جاوزتها ورأت الظلام ظنّت أنها لم تصب الكوّة فتعود إليها مرّة أخرى، فتفعل ذلك إلى أن تحترق. حدّث خفيف السمرقندي صاحب المعتضد باللّه أمير المؤمنين أنه كثر الفراش على الشمع بين يدي الخليفة في بعض الليالي، فجمعناه، فكان مكوكا، ثم ميزناه فكان اثنين وسبعين لونا، واللّه أعلم. ١٣٤ - فسافس: قال الشيخ الرئيس: هو حيوان كالقراد (٣) يكون في الأسرّة والأبواب، شديد النتن جدّا، يشبه أن يكون المعروف عندنا بالأنجل، قال ابن البيطار (٤): هو البق الموجود في [الحيطان و] الأسرّة، إذا أخذت منه سبعة عددا، وجعلت في ثقب باقلاّء وابتلعت قبل أخذ الحمّى؛ نفعت من حمّى الرّبع، وإذا ابتلعت بغير باقلاّء نفعت من لسعة الحيّة، وإذا اشتمت رائحتها نفعت النساء اللواتي لهنّ اختناق في الرحم، وإذا شربت بالخلّ أو بشراب أخرجت العلق، وإذا سحقت ووضعت في ثقب الإحليل أبرأت من عسر البول.

стр. 114

١٣٥ - قمل: يتولد من العرق والوسخ في بدن الإنسان، قال ابن البيطار (١): إذا أخذت رأس قملة ووضعت في ثقب فولة وابتلعها صاحب حمّى الرّبع ذهبت عنه، مجرب. قال صاحب العجائب (٢): إنّ العرق يتعفن في دفاء الثوب أو الشعر فيتولد منه القمل، ويبيض وبيضه يسمّى الصئبان، ويلصق بالموضع إلصاقا لا يمكن إزالته إلاّ بشدّة الظفر، ويتولد في الشعر الأسود قمل أسود، وفي الشعر الأبيض قمل أبيض، وفي الشعر الأحمر قمل أحمر، وفي الشعر الأشمط شيء أسود وشيء أبيض، وإذا تولد في شعر الإنسان يصفر لونه. قالوا: من أراد أن يعلم أنّ ما في بطن الحامل غلام أو جارية تحلب شيئا من لبنها على الكفّ، وتلقي فيه قملة، فإن قدرت على الخروج ففي بطنها جارية، وإن لم تقدر على الخروج ففي بطنها غلام، لأنّ لبن الغلام غليظ، ولبن الجارية رقيق لا يمنع القملة من الخروج. ١٦٩ - قنفذ: حيوان سلاحه على ظهره، وهو الشوك الذي عليه، ويتجمع بحيث لا يبين من أطرافه شيء، ويستطيب الهواء، ويتخذ مسكنه ببابين أحدهما مستقبل الشمال، والآخر مستقبل الجنوب، ويعادي الحيّة، فإن ظفر بقفاها أكلها بأسهل طريق، وإن ظفر بذنبها عضّ ذنبها وتجمع وأعطى الحيّة ظهره، فتضرب الحيّة في ظهره على الشوك، ويتمرغ حتى تهلك: لا تستطيع الهروب حتى يتلفها، ويصعد الكروم ويرمي العناقيد إلى الأرض، ويتمرغ على الحيّات بشوكه ويحملها إلى وكره ليطعمها أولاده. ومنها صنف يسمى الدّلول (٣)، وهو أكبر جسما من القنفذ وأطول بدنا، قالوا: إذا أراد أن يرمي بشوكه حيوانا أو عدوّا رماه، فيخرج شوكه كالنشّاب فلا يخطئ أبدا (٤). قال ابن البيطار (٥): حيوان بريّ بحريّ، إذا أحرق بدن كلّ واحد منهما جملة؛ صار منه رماد يجلو ويحلل ويفني اللحم الزائد، وقد استعمله قوم في مداواة الجراح الموسّخة والجراحات التي ينبت فيها لحم زائد، ولحم القنفذ البرّي إذا جفّف وشرب نفع المجذوم ومن به سوء مزاج، وينفع من الفسخ وعلل الكليتين ومن به استسقاء

стр. 115

والقنفذ البحري يطيب بالأدوية التي تصلح لغسل الرأس الذي فيه القروح لجذب المادة، وينقّي القروح الوسخة وينقص اللحم الزائد، وقنفذ البر إذا أحرق جلده وخلط بزفت رطب ولطخ به داء الثعلب وافقه، ولحمه إذا عمل بمكسود (١) أو جفّف وشرب بماء وسكنجبين نفع وجع الكلى ومن الحبن اللحمي، والفالج، وداء الفيل، وابتداء الحبن جملة، ويقطع سيلان المواد إلى الأحشاء، وكبد القنفذ البري إذا جفف على خرقة في الشمس الحارة وافق الحبن اللحمي وسائر ما يوافقه، ومرارة القنفذ تنفع من انتشار القروح في البدن وينفع المجذومين، وإن سقيت امرأة في بطنها ولد ميّت مرارة القنفذ معجونة بشمع خرج الولد الميّت وإن اكتحل بمرارته أبرأ بياض العين، ولحم القنفذ البرّي نافع من الخنازير والعقد الصلبة، وينفع من أمراض العصب كلّها والسلّ، ولمن يبول في الفراش من الصبيان، حتى إنّ إدمان أكلها ربّما عسّر البول، وهو نافع من الحمّيات المزمنة ونهش الهوام، وإذا أدمن أكله أفسد مزاج المعدة والكبد. ١٣٧ - نبر (٢): دويبة إذا دبّت على البعير تورّم جلده وانتفخ، وربّما يكون ذلك سبب هلاكه، ولمّا أراد الشاعر ذكر سمن إبله قال (٣): حمر تحقّنت النّجيل كأنّما … بجلودهنّ مدارج الأنبار ١٣٨ - نحل: حيوان ذو هيئة ظريفة، وخلقة لطيفة، ومهجة نحيفة، وسط بطنه مربع مكعب، ومؤخره مخروط، ورأسه مدوّر مبسوط، وفي وسط بدنه أربعة أيد وأرجل، متناسب المقادير كأضلاع الشكل المسدّس في الدائرة، وقد جعل اللّه في هذا النوع الملك المطاع، يقال له: اليعسوب، يتوارث الملك عن آبائه وأجداده، لأنّ اليعاسيب لا تلد اليعاسيب. ومن العجب أن اليعسوب لا يخرج، لأنه إن خرج خرج معه النحل فيقف

стр. 116

العمل، فإن هلك اليعسوب وقف النحل لا يبني ولا يعسل ويهلك، واليعسوب أكبر جثّة، يكون بقدر نحلتين، وهو يأمرهم بالعمل، ويرتب على كلّ واحد ما يليق به، فيأمر بعضها ببناء البيت، وبعضها بعمل العسل، ومن لا يحسن العمل يخرجه من الكور، ولا يتركه مع النحل فيبطلهم، وينصّب بوّابا على باب البيت ليمنع دخول ما وقع منها على شيء من القاذورات. ومن أعجب الأشياء اتخاذها البيوت مسدّسة لكونها متساوية الأضلاع لخاصيّة يقصر فهم المهندس عن إدراكها، فلا توجد تلك الخاصيّة في المربع ولا في المخمّس ولا في المستدير، لأنّ أوسع الأشكال وأجودها المستدير، وما يقرب منه من خارج خطه زوايا ضائعة، وشكل النحل مستطيل مستدير، فترك المربع حتى لا تضيع الزوايا فتبقى فارغة، ولو بناها مستديرة لبقي خارج البيوت فرج ضائعة، فإنّ الأشكال المستديرة إذا جمعت لا تجتمع متراصّة، ولا شكل من الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير، ثم يتراصّ الجملة منه بحيث لا تبقى بعد اجتماعها فرجة إلاّ المسدس، فانظر كيف ألهمها اللّه ذلك، بحيث اتخذت هذه الأشكال المتساوية الأضلاع بحيث لا يزيد ضلع عن ضلع ولا ينقص، بحيث يعجز عنه المهندس الحاذق بالبركار والمسطرة (١). وأكثر عمله بالربيع والخريف، فيأخذ بالأيدي والأرجل من ورق الأشجار وزهر الثمار والرطوبات الدهنيّة ويبتني به بيوتها، ولها مشفران حادّان تجمع بهما من ثمر الأشجار رطوبات لطيفة عجزت عقول الأكثرين عن معرفتها، وقد خلق اللّه في أجوافها قوّة طابخة تصيّر تلك الرطوبات عسلا حلوا لذيذا غذاء لها ولأولادها، وما فضل من غذائها تجعله مخزونا في بعض البيوت، وتغطي رأسها بغطاء رقيق من الشمع حتى يكون الشمع محيطا بها من جميع جوانبها كأنها رأس البرنية مسدودة بالقراطيس، وتدّخر ذلك لوقت الشتاء، وتبيض في بعض البيوت وتحضن، وتأوي إلى بعض بيوتها وتنام فيها أيام الصيف والشتاء ويوم المطر والريح والبرد، وتتقوّت من ذلك العسل المخزون هي وأولادها يوما يوما لا إسراف ولا تقتير إلى أن تنقضي أيام الشتاء وتأتي أيام الربيع ويطيب الزمان ويخرج النّور والزهر؛ فترعى منها، وتفعل كما فعلت عام أوّل، فلا تزال أبدا هكذا بإلهام من اللّه ، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ اَلْجِبالِ بُيُوتاً﴾ (٢) الآيات، فسبحان من جعل من فضل غذائها شفاء للأبدان، ومن وسخ جناها ضياء في ظلمات الأحيان.

стр. 117

ومن العجب أنه إذا أحست بدخول الدخان عليها لأخذ العسل فإنها تبادر إلى أكل العسل، فتأكله أكلا ذريعا، حتّى لو أمكنها استنفاذه لفعلت، وقيل: إنّ العسل الأبيض عمل شبابها، والأصفر عمل كهولها، وهو كما قال اللّه تعالى: ﴿شِفاءٌ﴾ (١)، فالمحرور يتخذه مع غيره لدفع الحرارة كالسكنجبين، والمبرود يستعمله وحده لدفع البرد. ومن خواصّه أنّ العسل إذا وضع فيه ما يسرع إليه الفساد حفظه وأبقاه على حاله، ولا يعفن، ولا ينتن، ولا يتغيّر، ومن العسل صنف حريف، وهو سمّ قاتل، سمّه يذهب العقل، فكيف أكله؟!، وأما الشمع فهو جدران يموّت نحله الذي يبيض ويفرخ فيه، ويكون خزانة للعسل، وأمّا الموم فهو وسخ كوائر النحل، تجذب الشوك والنصول، ومن استصحبه أورثه الغم، ومنعه الاحتلام. ١٣٩ - نمل: حيوان حريص على جمع الغذاء، ولغاية حرصه يحمل ما يكون أثقل منه، وتعاون بعضها بعضا على الجذب، ويجمع من الغذاء ما يكفيه سنين، ولو عاش لا يكون عمره أكثر من سنة. قال النسّابة البكري (٢): للنمل جدّان، فازر وعقفان، ففازر جدّ السود، وعقفان جدّ الحمر، ومن عجائبه، اتخاذ القرية (٣) تحت الأرض، وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات ومنعطفات تملأها حبوبا وذخائر للشتاء، وتجعل بعض بيوتها منخفضا لينصب إليه الماء وبعضها مرتفعا للحبّ. روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا تقتلوا النملة فإنّ سليمان ﵇ خرج ذات يوم يستسقي، فإذا هو بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها تقول: اللّهمّ إنّا خلق من خلقك، لا غنى لنا عن فضلك، اللّهمّ لا تؤاخذنا بذنوب عبادك المخطئين، واسقنا مطرا تنبت به لنا شجرا، وتطعمنا به ثمرا، فقال سليمان ﵇: ارجعوا فقد سقيتم بغيركم» (٤). ومن عجائبه أنه مع لطافة شخصه وخفّة وزنه؛ له شمّ ليس لشيء من الحيوان

стр. 118

مثله ولا قريب منه، فربّما يقع شيء من يدي الإنسان في موضع لا يرى فيه نملا، فلا يلبث إلاّ والنمل قد أقبل كالخيط الأسود الممدود إلى ذلك الشيء، وأيضا يشم رائحة الشيء الذي لا تظهر له رائحة لو وضعته على أنفك، كرجل جرادة يابسة منبوذة، يجد ريحها في جوف وكرها فيخرج إليها، وإن وجدت شيئا لا تقدر على حمله أخذت منه بقدر ما تستطيع حمله؛ وتأتي منذرة إلى الباقين، وكلّما استقبلتها واحدة شمّت من فيها لتستدلّ به على ذلك الشيء ثم يجتمعون عليه ويجرّونه بجهد وعناء، ولو اطّلعوا على أنّ واحدة منهنّ توانت في العمل أو تكاسلت عن التعاون اجتمعوا على قتلها، وإذا جمعت القوت من الحبّ في وكرها وخافت أن ينبت من الندى ويفسد قطعت كلّ حبّة قطعتين، فإنها لا تنبت، إلاّ ما كان من الكزبرة، فإنها تقطعها أربعا لأنها تنبت من أقلّ من أربعة، وإن كان شعيرا أو عدسا أو باقلاء فإنّهنّ يقشرنه، فإنه بقشره يمتنع نباته، ثم إذا خافت عليه العفن والفساد في الشتاء، فإذا طلعت الشمس عليه أخرجته على وجه الأرض ونشرته في الشمس، ثم تعيده إلى أماكنه من آخر النهار، وإذا أحست في وسط النهار بالغيم ردّت به إلى أماكنها خوفا من المطر، فإن دهمها المطر أو أقبل أخرجته في يوم الشمس فيّبسته. ومن عجائبها أنها لا تقرب شيئا من الحشرات ما دام جسده صحيحا، فإن أصابها عقر من قطع يد أو رجل وثبت عليها وهي حيّة، فلا تفارقها حتى تقتلها، وإن أصاب الحيّة جراحة أو خدش وثبت عليها حتى تقتلها، وإذا نبت للنمل جناح وطار فيكون قد قرب هلاكه، وصار خصبا للعصافير، قال أبو العتاهية: (١) فإذا استوت للنّمل أجنحة … حتّى يطير فقد دنا عطبه قال ابن البيطار (٢): إذا سحق نمل المقابر الكبير بخلّ ولطخ به البرص أزاله وحيا، وإن أخذ النمل الكبير الأسود مئة عددا، وغرق في نصف أوقية دهن الرزاقي وترك ثلاثة أسابيع؛ ثم دهن به الإحليل فإنه يسرع الانعاظ ويوتر القضيب ويصلب عصبه، وإذا سحقه بالماء وطلي به الآباط بعد نتفها أبطأ نبات الشعر فيها. ١٤٠ - ورل (٣): وهو العظيم من أشكال الوزغ وسام أبرص الطويل الذنب الصغير الرأس، وهو قوي سريع السير خفيف الحركة، عدوّ الضبّ والحيّة، يدخل جحر الضبّ ويأكله،

стр. 119

ويأخذ الحيّة يرمي رأسها ويأكل بدنها، وليس شيء من الحيوانات أقوى على قتل الحيّات من الورل، ولا يحتفر لنفسه بيتا، بل يغتصب بيت كلّ شيء من الأجناس لأنّ أيّ بيت دخل فساكنه ينجو بنفسه بالهرب، والورل يسكنه، ويغتصب بيت الحيّة، كما أن الحيّة تغتصب بيت سائر الأجناس. قال ابن البيطار (١): هو غير الضبّ، لحمه حار، ويسمن بقوّة شحمه ولحمه، وخصوصا النساء، وفيه قوّة جذب الشوك والنصول. وزبله مجرب لبياض العين، وينبت الشعر في داء الثعلب، والورل البريّ قوّته حارّة، يجلو الكلف والوضح والقوباء، وإذا ذبح وألقي في قدر كما هو بدمه في دهن حتى يتهرّأ، وعولجت به الفرطسة في رؤوس الصبيان نفعتهم نفعا لا يعدله آخر، وشحم الورل إذا دلك به الورك فإنه يعظم ويكون دلكه شديدا. أما حشرات الشرق فمنها: ١٤١ - الصنّاجة: وهي حيوان لا يقدر وصف كبر يديه من لم يره (٢)، قالوا: ليش شيء من الحيوان أكبر من الصنّاجة، توجد بأرض التبت، تتخذ لنفسها بيتا مقدار فرسخ، وكل حيوان يقع نظره عليه يموت في الحال، وإذا وقع نظر الصنّاجة على شيء من الحيوان تموت هي أيضا، والحيوانات في تلك البلاد تعرف ذلك، فتتعرض للصناجة مغمضة أعينها ليقع نظر الصناجة عليها فتموت، فتبقى طعمة الحيوانات زمانا طويلا. واللّه أعلم (٣).

стр. 120

حيوان الماء حيوانات الماء لا يعلم أصنافها إلاّ اللّه، لكنّا نذكر هنا بعض ما كان مشهورا بين الناس، وذلك غير ما قدّمنا ذكره عند ذكرنا جزائر البحار، وإنها على قسمين، منها ما ليس له رئة كأنواع السمك، فلا يعيش إلاّ بالماء، ومنها ما له رئة فيجمع بين الهواء والماء كالضفدع. أما السمك فلا حاجة له إلى ترويح قلبه بالهواء، لأن ذلك حاصل ببرودة الماء، ولذلك تراها خرساء لفقد الحاجة إلى الرئة، لأن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون لكل حيوان من الأعضاء ما له إليه حاجة، فكلّ حيوان هو أكمل صورة وأتمّ بنية فهو أحوج إلى الأعضاء الكثيرة، وكلّ حيوان هو أنقص فأقلّ حاجة، ثم اقتضت الحكمة أن يكون لكلّ حيوان أعضاء متشاكلة لبدنه ومفاصله العارضة مناسبة لحركاته، وجلود صالحة لوقايته، فجعل أبدان حيوان الماء إمّا صدفية أو فلوسيّة وقاية للآفات (١) والعاهات العارضة، وجعل لها أجنحة وأذانا تسبح بها في الماء، كما جعل للطير جناحا يطير به في الهواء، وجعل بعضها آكلا وبعضها مأكولا، وجعل عدد المأكول أكثر لبقاء أشخاصه، فسبحان الذي لا يطّلع على غوامض حكمته إلاّ هو، فما أعظم شأنه وأوضح برهانه، ولنذكر بعض حيوان الماء وعجائبها وخواصها على ترتيب حروف المعجم. ١٤٢ - أرنب الماء: حيوان رأسه قريب الشبه من رأس الأرنب، وبدنه بدن السمك، قال الشيخ الرئيس: هو حيوان صدفي إلى الحمرة، بين أجزائه أشياء شبيهة بورق الأشنان، ينقّي الكلف والبهق، ورأسه محرقا ينبت الشعر في داء الثعلب؛ سيّما مع شحم الدب، وفي داء الحيّة أيضا، وإذا تضمّد به كما هو حلق الشعر، ويجلو البصر ضمادا وكحلا. وإذا شنّن به يجلو الأسنان. قال ابن البيطار: (٢) حيوان صدفي صغير في رأسه جحر، والماء الذي يطبخ [به]

стр. 121

يستعمل في حلق الشعر، وإذا تضمّد به وحده أو مع قريص (١) حلق الشعر، ورماده يجلو البصر، وهو من السموم، إذا شرب منه شيء قتل بتقريح الرئة، وينبغي لمن شربه أن يدمن شرب ألبان الأتن والسلافة والماء الذي طبخ فيه الخبازي بورقه وأصول نحوره، يدقّ ويشرب منه رطل وخربق (٢) أسود، وأبوا السقمونيا بماء العسل وطلاؤها، ولا إذا صاروا أن يبغضوا أصناف السمك فإنهم يميلون إلى أكل السرطانات وينتفعون بها، والعلامة قبولهم لأكل السمك، وفي الابتداء لا يبرأون بأكله. واللّه أعلم. ١٤٣ - آليس: هو نوع من السمك عظيم جدّا، والحيوانات كلها تصطاد إلاّ هذا، فإنّ غذاءه عظام الحيوان، ومن خواصّه أنه إذا أطعم [منه] إنسان مشويا وأكل معه إنسان آخر وبينهما خصومة شديدة تتبدّل بالألفة والمحبّة. ١٤٤ - إنسان الماء: يشبه الإنسان إلاّ أنّ له ذنبا، وقد ذكر أنه من بحر الشام، في بعض الأوقات يطلع بقرب الساحل صورة إنسان من الماء ويبرز إلى خاصرته ويبقى أياما، يسمّونه شيخ البحر، فإذا رآه الناس يستبشرون بالخصب، وسمعت أنه أهدي إلى بعض الملوك إنسان مائيّ حيّا، فأراد الملك أن يعلم شيئا من حاله ولا يفهم أحد منهم كلامه، فزوّج منه امرأة، فولد منها ولد يفهم كلام الأبوين، فقالوا للولد: ما يقول أبوك؟ فقال: يقول: أذناب الحيوانات كلها على أسافلها، فما بال هؤلاء أذنابهم على وجوههم؟ ١٤٥ - بقر الماء: زعموا أنه حيوان يطلع من البحر فيروث العنبر، فيوجد على ساحل البحر روثه، واللّه أعلم بصحة هذا القول، فإنّ أكثر الناس ذهبوا إلى أنه ينبت في قعر البحر، وعند اضطراب البحر يقذفه إلى الساحل، ومنهم من قال: إنه ينبع من عين كالقار والنفط (٣)

стр. 122

ونحوهما، فعلى تقدير أن يكون روثا فنقول: إن روث هذا الحيوان ينفع الدماغ والحواس، ويقوي تقوية عجيبة، وشرب دانق منه يزيد في جوهر الروح، وإن كان ليس بروث فسيأتي في المفردات عند ذكرها. واللّه أعلم. ١٤٦ - بال: صنف من السمك معروف، طوله خمسون ذراعا، تتضرر المراكب منه، يبلع كل شيء يجده، يأكل العنبر، ويموت من أكله، فيطفو فيوجد العنبر في بطنه، ويسمّى مبلوعا فلا يكون جيّد الرائحة، وقد توجد هذه السمكة بقرب البصرة، تأتيها عند المدّ، لا يمكنه الرجوع لضيق المسلك فيجذبونها إلى الساحل بالكلاليب، وتقطع بالفؤوس، ويؤخذ من دماغها دهن كثير يستعمل في البرج وتمرين السفن البحرية (١). ١٤٧ - تمساح: حيوان على صورة الضبّ، من أعجب حيوان الماء، له فم واسع، وله ستون نابا في فكه الأعلى، وأربعون في الأسفل، وبين كلّ نابين سنّ قصير مربع، يدخل بعضها في بعض عند الانطباق، ولسان طويل، وظهر كظهر السّلحفاة لا يعمل الحديد فيه، وله أربعة أرجل وذنب طويل قدر ستة أذرع، وطول رأسه ذراعان، وغاية طول بدنه ثمانية أذرع، ويتحرك فكّه الأعلى عند المضغ بخلاف سائر الحيوانات، ولا يقدر أن يلتوي ولا أن ينقبض لأنه ليس في ظهره خرزة، وهو كريه المنظر، كثير العدوان، يلتقم الإنسان والشاة، ويقتل الخيل والجمال، ولا يوجد إلاّ في النيل ونهر السند، إذا رأى إنسانا على طرف الماء يمشي تحت الماء إلى أن يقرب منه؛ ثم يثب عليه ويأخذه ويمضي كالطير، ويشمّ من بيضه رائحة المسك، وزبله يخرج من فيه؛ لأنه لا منفذ له، وإذا أكل شيئا يبقى بين خلل أسنانه؛ فيتولد منه الدود، فيخرج من الماء ويفتح فاه ويستقبل الشمس، فيأتيه طائر مثل الطيطوى ويسقط على حنكه ويلقط بمنقاره ما بين خلل أسنانه حتّى ينقّي ما فيها، فإن رأى صيّادا رفرف وصاح وحذّره حتى يلقي نفسه في الماء خشية على الصيّاد منه، فإذا أحسّ التمساح أنه قد نقّي خلل أسنانه ولم يبق فيها شيء أطبق فمه على ذلك الطائر ليأكله، لكنه قد خلق اللّه تعالى على رأس ذلك الطائر عظما حادّا طويلا كالإبرة، فيضرب حنك التمساح بها فيرفع حنكه فيطير ناجيا بنفسه، ولهذا يقال: مكافأة التمساح، وإذا انقلب لم يقدر أن يتحرك، وإذا أراد السفاد مع الأنثى أخرجها من النيل وألقاها على ظهرها وأتاها، فإذا قضى منها وطره قلبها،

стр. 123

فإن تركها صيدت لأنها لا تقدر أن تنقلب. قال ابن البيطار: (١) هو الورل (٢) النيلي، إذا أخذ شحمه وعجن بالشمع وعمل منه فتيلة وأسرج في نهر أو أجمة لم تصح ضفادعها ما دامت تقد، وإن طيف بجلد التمساح حول قرية، ثم علّق على سطح دهليزها لم يقع البرد في تلك القرية، وإذا عضّ التمساح إنسانا يوضع على موضعها شحم تمساح يبرأ من ساعته، وإن مسح بشحمه جبهة كبش نطّاح نفر كلّ كبش يناطحه وهرب منه، ومرارته تنفع لبياض العين كحلا، وكبده يبخر بها المجنون يبرأ، وزبله يزيل البياض القديم والحديث كحلا، وإن قلعت عيناه وهو حيّ وعلقت على من بدأ به الجذام أوقفه ولم يزد عليه، وإن علّق شيء من أسنانه التي من الجانب الأيمن على إنسان زاد في جماعه، وإن علقت عينه اليمنى لم تشتك اليمنى، واليسرى كذلك، وشحمه إذا ديف بدهن ورد نفع من وجع الصلب والكليتين وزاد في الباه، وإذا أخذ دمه وخلط مع بليلج وأملج (٣) وطلي به الوضح غيّر لونه، وإذا طلي به على الجبهة والصدغين أزال وجع الشقيقة، وإذا أكل لحمه اسفيدباجا سمّن أبدان النحفاء، وشحمه إذا قطر في الأذن الوجعة نفعها، وإن أدمن ذلك نفع من الصمم، وإن دهن به صاحب حمّى الربع سكنت، ولحمه غليظ رديء الكيموس. ١٤٨ - تنّين: حيوان عظيم الخلقة، هائل المنظر، طويل الجثة، عريضها، كبير الرأس، نافر العينين، واسع الفم والجوف، كثير الأسنان، يبلع من الحيوان ما لا يحصى، تخافه جميع الحيوانات لشدّة قوّته، وإذا تحرّك تموّج البحر من سباحته، وإن امتلأ جوفه من الحيوان انحنى وتقوّس ورفع وسطه من الماء مثل قوس قزح ليستمرئ ما في بطنه بحرارة الشمس، وذكر بعضهم أنه رأى تنينا سقط؛ فوجد طوله نحو الفرسخين، ولونه مثل لون النمر، مفلّسا كفلوس السمك، وجناحين عظيمين على هيئة أجنحة السّمك ورأسا مثل رأس الفيل العظيم (٤) وأذنين مفرطي الطول، وعينين كبيرتين مدوّرتين جدّا، ويتشعب من عنقه ستة أعناق، طول كلّ واحد نحو عشرين ذراعا، على كلّ عنق رأس كرأس حيّة.

стр. 124

روى شدّاد بن أفلح قال: كنت في مجلس عمرو الميكالي؛ فجرى ذكر التنين فقال: أتدرون كيف يتكوّن التنين؟ قلنا: لا، قال: يكون حيّة في البرّ متمردة، فتأكل من دواب البرّ حتى تعظم، فإذا أكثر فسادها ضجّت دواب الأرض منها، فيرسل اللّه إليها ملكا فيحتملها فيلقيها في البحر، فتفعل بدواب البحر كفعلها بدواب البرّ فيعظم جسمها، فتضج دواب البحر أيضا منها، فيبعث اللّه تعالى ملكا ليخرج رأسها من البحر؛ فيتدلّى إليها سحاب فيحملها ويلقيها إلى يأجوج ومأجوج، ولقد احتملته السحاب من بحر أنطاكيّة فضرب بذنبه سور المدينة فرمى بضعة عشر برجا من أبراجها، ويقال إنّ السحاب الموكل بها يختطفها حيثما رآها كما يجذب المغناطيس الحديد، فهي لا ترفع رأسها من السحاب، ولا تخرج إلاّ في القيظ إذا صحت الدنيا. قال ابن البيطار: (١) إذا شقّ من لحمه ووضع سخنا على لسعة أبرأها، وإذا وضع على الجرح ألحمه وأزال ألمه. وقال في العجائب: إن لحمه يورث الشجاعة، وإذا وضع على العصب قوّاه ونفعه نفعا بيّنا. ١٤٩ - جرّي: حيوان يتولد من الحيّة والسمك، قال الجاحظ: (٢) إنّ الجري يأكل الجرذان، وهو أشدّ أكلا لها من السنانير، وذلك أنّ أصحاب السفن الذين يبيتون فيها أخبرونا أن جرذان الأنابير (٣) تخرج بالليل إلى شارع البصرة أرسالا إلى الماء كأنها بنات عرس، والجري قد كمن لها فاتحا فاه واضعا خرطومه على الشريعة، فإذا دنا الجرذ إلى الماء وغبّ فيه التقمه. قال ابن البيطار: (٤) هو حوت يكون بنيل مصر وغيره، طويل أملس، ليس له فصوص ولا ريش، سمين رطب، في لحمه رخاوة ولزوجة، واليهود لا تأكله، إذا أكل طريّا كان مغذيا، يليّن البطن، وإذا ملّح وعتّق كان قليل الغذاء، وينقي قصبة الرئة ويجوّد الصوت، وإذا تضمّد باللحم المالح العتيق منه أخرج السّلى من عمق البدن، وأمّا طبيخ الجري المملّح فإذا جلس من كانت به قرحة في الأمعاء في ابتداء العلّة وافقها بجذبه المواد إلى ظاهر البدن، وإذا احتقن به أبرأ من عرق النّسا، وإذا قدّد لحم الجري، ودقّ ووضع من خارج أخرج النصول والزجاج من الأبدان، وله جذب شديد،

стр. 125

وهو المسمّى بالسلّور، ودمه يسقى مع وزنه من الخلّ الحاذق لمن به قذف الدم، وأكله يولد البلغم الغليظ اللزج، وأكله طريّا يغذي غذاء فاسدا مذموما، ويورث المدمنين عليه البرص لكثرة رطوبته ولزوجته ونفور الطباع منه، إلاّ أنه إذا أكل مالحا بالخلّ نقّى قصبة الرئة وصفّى الصوت. ١٥٠ - جرادة البحر: قال ابن البيطار: (١) حارّ يابس، يؤكل مشويا ومطبوخا، ومن أراد طبخها سلقها بالماء الحارّ، فإنه يكثر لحمها، وتطبخ بعد ذلك كروشا، وأجود ما تؤكل مشوية في الفرن، ومن خاصته لحمها النفع من الجذام، وإذا أحرقت بجملتها في قدر في الفرن وسحقت وشرب من سحيقها سبعة أيام متوالية في كلّ يوم درخمي بماء حمّص فتت الحصى الذي يكون في الكلى والمثانة. ١٥١ - حلكا: صنف يشبه الجري، يكوت تحت الرمل، يخرج بكرة وعشيا لطلب الغذاء، وهذا السمك عظمه رخو يؤكل مع لحمه، ولحمه يسمن النساء، وهو نعم العلاج لهنّ. واللّه أعلم. ١٥٢ - دلفين: حيوان مبارك، إذا رآه أصحاب المركب استبشروا وتبركوا به، وإذا رأى غريقا في البحر يسوقه نحو الساحل، وربما يدخل تحته ويحمله على ظهره، وربّما يجعل ذنبه في كفّه ويمشي إلى الساحل، ومن خاصيته كما ذكر إنقاذ الغريق، وذكر أنّ له جناحين طويلين، فإذا رأى المراكب تسير بقلوعها تشبّه بها؛ فرفع جناحيه كهيئة القلوع، ويباري السفن في السير، فإذا أعيا ردّ جناحيه إلى قرارها، ومتى رأى الغريق تعرض له وأنقذه، فسبحان من ألهمه. قال ابن البيطار: (٢) هو حوت كبير أسود، وفمه في حلقه، وله أسنان، ويسمّى خنزير البحر (٣)، ولا يمشي إلاّ في جماعة؛ يتلو الواحد الآخر، ولحمه كثير الشحم،

стр. 126

وإذا أذيب شحمه في حنظلة فارغة من شحمها وغلي فيها وقطر في الأذن نفع من الصمم القديم والحديث، ولحمه بارد بطيء الهضم إذا أكله الأكارون وأصحاب المهنة قوّى أعضاءهم، وإذا علّقت أسنانه على الصبيان لم يفزعوا، وأكل شحمه ينفع وجع المفاصل، ولحمه يشاكل لحم كلب الماء في الغلظ وبطء الهضم وتوليد السوداء ورداءة الكيموس. ١٥٣ - زامور: سمكة مباركة يحبها البحريون، ويتفاءلون بها الخير والرشد، والصيادون إذا رأوها في الشبكة سيّبوها لحبهم إياها والتفاؤل برؤيتها، وزعموا أن هذه السمكة أيضا تحبّ الإنسان، فإذا رأت سفينة في البحر لا تزال تمشي قدّامها كالدليل، وإذا قصد السفينة شيء من الحيتان الكبار فالزامور يدخل أذنها ويشغلها بتحركه في دماغها حتى تطلب السمكة العظيمة حجرا وتضرب رأسها عليه إلى أن تموت، فإذا ماتت خرجت من أذنها؛ وقد كفت أهل السفينة شرّها. ١٥٤ - سبيناس: سمكة توجد بناحية بيت المقدس، وهي معروفة، قال الشيخ الرئيس: جلد هذه السمكة يحرق ويذر في أعين المواشي فيذهب بالبياض منها. ١٥٥ - سرطان: حيوان لا رأس له، وعيناه على كتفيه، وفمه على (١) وله ثمانية أرجل يمشي على أحد جانبيه، وفي كلّ سنة يسقط جلده سبع مرات، ولوكره بابان أحدهما في الماء والآخر في اليبس، فإذا انسلخ جلده يسدّ الباب الذي في الماء حتى لا يدخل عليه عدوّ في حال ضعفه، ويترك الباب الذي من ناحية اليبس مفتوحا ليهب الهواء منه عليه لكي يصلب جلده ويعود إلى حاله، فحينئذ يفتح الباب الذي من ناحية الماء ويخرج منه لمعاشه. قال ابن البيطار: (٢) أمّا السرطانات النهرية فإنّ رمادها يجفّف، وفي خصوصية جملة جوهرها أنها تنفع نفعا عجيبا من نهشة الكلب الكلب إذا استعمل وحده، وإذا استعمل مع الجنطيانا (٣) خمسة [أجزاء] ومن رماد السرطانات عشرة أجزاء، وتستعمل

стр. 127

هذه السرطانات محرقة، وكان إسخريون المجرب يحرق السرطانات بأن يتّخذ قدرا من نحاس أحمر، فيضع فيه هذه السرطانات أحياء ويحرقها حتى تصير رمادا فيسهل بذلك سحقها، وكان يحرق السرطانات في الصيف بعد طلوع الشعرى العبور إذا كانت الشمس في الأسد والقمر قد مضت له ثمان عشرة ليلة، وكان يسقي هذا الدواء من نهشه كلب كلب، حتى يمضي له أربعون يوما، والشربة منه مقدار ملعقة كبيرة، يذرها على الماء ويسقيها المنهوش، فإن لم يتهيّأ له أن يتولى أمره من أول ما نهشه لكن بعد أيام، كان ينثر له من الدواء على الماء مقدار ملعقتين، ويسقيه، وكان يضع على موضع النهشة من خارج المرهم المتخذ بالزفت، وهو الذي يقع فيه الجاوشير (١) والخلّ، ومقدار ما يقع فيه من الزيت رطل، ومن الخلّ قسط (٢) بالقسط المنسوب إلى أنطاليا، ويجعل الخلّ ثقيفا جدّا؛ ومن الجاوشير ثلاث أواقي. قال: وإنما ذكرت هذا الدواء لعلمي أنه لم يمت من نهشة الكلب أحد استعمل هذا الدواء على هذه الصفة. وقال آخر: إذا أحرقت النهرية وأخذ من رمادها ثلاثة مثاقيل مع مثقال ونصف جنطيانا، وشرب بشراب ثلاثة أيام نفع منفعة بيّنة من عضة الكلب الكلب، وإذا خلط بعسل مطبوخ نفع من شقاق الرجلين والمقعدة، والشقاق العارض من البرد، وإذا دقت السرطانات نيّة وسحقت وشربت بلبن الأتن نفعت من نهش الهوام والرتيلا والعقرب، وإذا طبخت وأكلت بمرقها نفعت من به قرحة في رئته ولمن شرب الأرنب البحري (٣)، وإذا دقت مع الباذروج (٤) وسحقت وقربت من العقرب ماتت، والسرطانات البحرية تفعل مثل ذلك، إلا أنها أضعف، وإن شرب منه شيء بشراب أبيض نفع من أسر البول وفتت الحصاة وأخرجها، وإذا طبخت مع رازيانج وكرفس وصفّي الماء وشرب منه مقدار ثلاث أواقي أدرّ البول والطمث، وإن سحق نيئا وغسل بماء ثم صفّي وتغرغر منه بمقدار سكرجة نفع من الخوانيق ووجع اللوزتين وسكن الوجه مكانه وحيا، وإن علّقت عين السرطان على من به حمّى غبّ شفاه ذلك.

стр. 128

ولحم السرطانات النهرية ومرقها ينفع المسلولين ويزيد في الباه، وخاصة إذا فتق بطنه وغسل برماد وملح، وطبخ مع الشعير، وإذا وضع على موضع نهش الحيات والأفاعي نفع، ويحلل الأورام الجاسية، ورماده نافع في أدوية البهق والكلف، وإذا بلّ بالخلّ ووضع على عضّة الكلب الكلب نفع، وإذا شرب بلبن الأتن نفع من نفث المرة الصفراء من الصدر، وإذا سحقت وطليت على لدغ العقرب نفعت، وإذا طبخت بحشيش الشعير نفعت من ابتداء السلّ المتولد عن يبس الصدر والرئة، وهو عسر الهضم كثير الغذاء، ويصلحه الطبخ بالماش، ويخرج الأزجة والشوك ضمادا، ويؤخذ من رماده مع الطين المختوم والصمغ الكثير أو ربّ السوس فينفع المسلولين، مجرب، وإن طبخ بالشبت وتغرغر به الملسوع أبرأه، وإن علقت أرجل السرطانات على شجرة مثمرة سقط ثمرها من غير علة، وإن أحرق وطلي به ثدي من بها سرطان أبرأها. ١٥٦ - سرطان بحري: حيوان شكله شكل عجيب، كأنه خمس حيّات برأس واحد، قال ابن البيطار: (١) ليس كل سرطان من البحر، بل ضرب منها مخصوص حجري الأعضاء، كلها يجلو آثار القروح من العين، ويحدّ البصر، ويجلو الأسنان إذا سحق واستنّ به، ويدخل في الأكحال محرقا وغير محرق، والمحرق أفضل وأقوى لفعله، وفيه قبض وجلاء، وينشف الرطوبات المنصبّة إلى طبقات العين، وتقويته لطبقاتها وعضلاتها، ويقوي أعضاءها، ويزيد في جلائها، وإذا أحرق ازداد لطافة وتقوية، ويستعمل في الكحل العزيزي مع التوتياء الهندي. ١٥٧ - سلحفاة بحريّة: حيوان برّي، وقد ذكر، أمّا البحري، فيكون عظيما جدّا، حتى يظن أصحاب المراكب أنها جزيرة، حكى بعض التجار قال: ركبنا البحر فوجدنا في وسط البحر جزيرة مرتفعة عن الماء فيها نبات أخضر، فخرجنا إليها وحفرنا حفرا لنطبخ فيه، فبينما نحن مشتغلون بالطبخ إذ تحركت الجزيرة، فقال الملاحون: هلمّوا إلى مكانكم فإنها سلحفاة أصابتها حرارة النار، بادروا قبل أن ينزل بكم إلى الماء، قالوا: إنها تخرج من الماء وترعى، فإذا باضت صرفت همّتها إلى بيضها محاذية لها، ولا تزال كذلك حتى يخلق اللّه الولد فيها، وتحضن البيض حتى يدرك، فإنّ أسفلها صلب لا حرارة فيه.

стр. 129

قالوا: وإذا أراد الذكر السفاد فالأنثى لا تطارحه، فيأتي بحشيشة في فمه، فتنقاد له الأنثى. وتسمّى مهركياه. قال ابن البيطار: (١) دم السلحفاة البحرية إذا شرب وإنفحة أرنب وكمون وافق نهش الهوام ومن شرب الضفدع الآجامي، ودم السلحفاة البحرية إذا شرب وافق من به صرع، ومرارة السلحفاة تصلح للحباق لطوخا إلى آخره، وقد ذكرناه في السلحفاة البرية (٢). واللّه أعلم. ١٥٨ - سمك: أصناف السمك كثيرة جدا، ولكل صنف اسم خاص، والتفاوت بين أصناف هذا النوع أكثر من التفاوت بين سائر أصناف الحيوانات، فإنّ من السمك من لا يدرك الطرف أوله وآخره، حكى بعض التجار قال: مرت علينا سمكة فانتظرنا انقطاعها أربعة أيام حتى انتهى ذنبها ومن السمك من لا يدركه الطرف لصغره، فكل ما يكون في الماء العذب فلحمه أطيب وألطف، وقالوا: إنّ الذكر من السمك إذا سبح إلى جانب الأنثى عقف الذكر ذنبه والأنثى ذنبها، فالتقى الميالان، فيكون ذلك لقاحا، وإذا كان أوان البيض تأتي إلى الماء الضحضاح وتحفر ثم تبيض في تلك الحفرة وتغطيه بالطين؛ فإنها تفرخ في تلك الحفرة. قال بلنياس الحكيم في كتاب خواص الحيوان: إنّ السكران الثمل إذا شمّ رائحة السمك الطري زال سكره؛ ورجع إليه عقله. قال ابن البيطار: (٣) سماريس صنف من السمك، رأس المملوح [منه] إذا أحرق قلع اللحم الزائد في القروح، ومنع القروح الخبيثة أن تسعى في البدن، ويقطع الثآليل التي تسمّى اليوث، ولحمه موافق من لسعة العقرب؛ وعضة الكلب الكلب كالذي يفعله كل سمك مالح، وفرميون، وهو سمك بحري إذا صيّر في بطن خنزير وخيط البطن وطبخ بثمانية عشر رطلا ماء إلى أن يصير ثلاثة أرطال ماء، وصفّي وبرّد؛ وسقي منه أسهل إسهالا كثيرا برفق، وإذا ضمّد به من عضّة أو نهشة شيء من الهوام انتفع به. وجميع السمك رديء عسر الانهضام لما يتولد منه من الدم، وإذا تولّد كان مملوء لزجات يتولد منها بلاغم غليظة رديئة وأمراض خبيثة، وأعظم ضرره على من لم يعتده وألجئ إلى إدمانه، وهو يختلف بحسب أجناسه، وعظم جثته، وجودة مائه

стр. 130

ومكانه الذي يتكون عنه، وبحسب ما يصنع منه من شيءّ أو قلي أو مقر وتمليح، والعظيمة الجثة أكثر غذاء وأكثر فضولا، والكثير الزهوكة المنتن الرائحة القليل اللذة ردي الخلط جدّا لا ينبغي أن يؤكل، وأجود السمك ألذه وأقلّه سهوكة صغيرا وكبيرا، وقلّ ما يكون السمك الجيّد في النقائع والآجام والمياه القائمة الرديئة، وقد تكون في الأودية (١) العظام والقني العذبة. وفي مواضع من البحر سمك جيد حسن اللون طيب الرائحة قليل الزهوكة، وما اصفرّ واسودّ من السمك فرديء في أكثر الأمر، وقد يصلح السمك إذا اتخذ بالخلّ للمحمومين والمحرورين، وينفع أصحاب اليرقان والأكباد الحارة، وأضرّ ما يكون السمك لأصحاب المزاج البارد والمعد البلغمية، فيولد في هؤلاء عند إدامته أمراض في العصب والدماغ، ولذلك ينبغي لمن اضطر منهم إلى إدمانه أن يقليه أو يشويه بدهن الجوز والزيت، وإن يأكله بالفلفل السحيق، ويأخذ عليه الزنجبيل المربّى، ويشرب عليه الشراب الصرف القويّ، ويصابر العطش ما أمكن، فإنّ السمك طري ومالح يعطش، وإن يشرب عليه من الماء ما يمدد المعدة ويشتاق إلى القيء بادر إلى القيء، على أنّ الأجود أن لا يؤكل السمك إلاّ يوم يعزم فيه على القيء، ومن أكل منه ولم يتّفق له القيء فليشرب بعده دواء مسهلا ليخرج من البدن ما يولده من البلغم اللزج والزجاجي الذي يكون سببا للقولنج الصعب والفالج والسكتة، والعسل أيضا مما يصلحه إذا أخذ عليه، ويجلو بلاغمه، ويغير مزاجه لا سيّما إن كان مع شيء من الأفاويه، إلاّ أنه من قبل أن يزيد في العطش ويسرع إليه، والمكبب من السمك على الجمر أخفّ على المعدة من المقلوّ في الدهن، ولا سيّما الهاري والصغار منه، وأما [إذا] لوّث بالدقيق وقلي بالدهن فوحم جدا كثير الإعطاش بطيء النزول، والمالح منه لا يخلو من توليد البلاغم الزجاجية، لكن أسرع ما يتولد عنه البلاغم المالحة التي تكون سبب الجرب المقشر والقوابي البيض، ويفسد المزاج، ويؤدي إلى الاستسقاء، لأنه لا يدرّ البول، بل يسدّ مجاريه ومجاري الكبد، ويدعو إلى كثرة شرب الماء، إلاّ أنّه أقلّ توليدا للنفخ، فمن لم يعتده ويكثر منه لحقه ذلك، وأمّا من اعتاده فربّما جفّف البطن تجفيفا شديدا، ويصلح السمك المالح مرّة بالخل إذا أكل معه أو مقر به، فيقلّ توليده للعطش، ويلطف البلغم المتولد منه، ومرّة بأن يلقي بالدهن ويؤكل بعده العسل أو الفانيذ (٢)،

стр. 131

فيغير الدهن مزاجه القشف الذي اكتسبه بالملح، ويقلّ إعطاشه، وجودة السمك تكون من قبل غذائه مما يغتذي من حشيش وأصول نبات؛ فلحمه أجود، وما يغتذي من حماه وأصول رديئه فهو أحسن، وما يغتذي من أقذار المدن وأوساخها فيكون أردأ من جميع السمك، حتى إنه إن مكث بعد إخراجه من الماء ساعة أنتن، وما كان من السمك فيه رطوبة ولزوجة مخاطية، فإنه إذا ملّح أذهب الملح عنه ذلك، والقريب العهد بالملح أفضل، والدم المتولد من جميع السمك أرقّ وألطف من المتولد عن المواشي، وغذاؤه أسرع تحليلا، والسمك الصخري سريع الانضهام في غاية الجودة والموافقة وحفظ الصحة، لأنه يولد دما متوسط القوام، ويتلوه في الفضل السمك اللّجي، والمارماهي يزيد في الباه، وجميع ما يتخذ من السمك عسر الهضم، يولد السدد في الأحشاء وغيرها، ويصلحه العسل الكثير، ولا ينبغي أن يؤخذ على السمك المالح الجوارشات الحارة كي لا يلتهب البدن منه من ساعته، ويثور الحمو (١)، بل يكفي في ذلك العسل والفانيذ، وليس يجوز أن يأخذ ذلك عليه من كان محرورا، ولكن ينبغي أن يشرب عليه السكنجبين بالخل الحاذق، ويتجرع عليه الخل، ويؤكل ممقورا. وشرّ السمك أوحمه وأبطأه نزولا إذا جمع مع البيض، ولا يكاد يسلم آكله من الهيضة ولذلك [ينبغي] أن يشرب عليه من ساعته شرابا صرفا يسيرا، حتى إذا نزل قليلا عن فم المعدة شرب عليه شرابا كثيرا ممزوجا؛ ليليّن عليه البطن سريعا ويخرج، ثم يؤخذ الغذاء بعد خروجه بشيء من الجلنجبين (٢) العسلي أو العتيق من السكري على حسب مزاج البدن، ويشرب عليه من به غثي من ربّ السفرجل، ومن ليس به غثي شربه من ماء حارّ يغلى غليانا. ١٥٩ - سميكة صيدا: قال ابن البيطار: (٣) تصاد في أيام الربيع لا غير عند هيجانها، والمنتفع منه الذكور خاصة، وإذا صيدت ملّحت بقليل ملح وجفّفت، فإذا احتيج إليها أخذ منها وزن نصف درهم مسحوقا في خمر أبيض في أثر الطعام وينام عليها، فإنها تحرك شهوة الجماع، وتسرع في الإنعاظ، ومستعملها قليل، وهي تصاد بعد منتصف شهر شباط،

стр. 132

والذكر منها يهيج الباه للرجال، وعلامة الذكورية رقطة تحت حنكه الأسفل وتراكب رجليه، والأنثى تهيج باه النساء، والمستعمل منها نحو الخروبة، يلقى على بيضه ويقلى ويؤكل. ١٦٠ - ضفدع: حيوان بريّ بحريّ، عيناه بارزتان غاية البروز، وحاسة سمعه وبصره حادة جدّا، روي عن عبد اللّه بن عمر: لا تقتلوا الضفادع فإنّ نقيقهنّ تسبيح، وأول نشوء الضفادع أن يظهر في شبه الوعاء (١) الدقيق، فيرى في الماء نحو شهر، ويرى فيه حبّ أسود كالوخن، فإذا امتلأ ذلك الوعاء من ذلك الحبّ خرج منه مثل الدعموص، ثم بعد أيام ينبت له اليدان والرجلان. قال الجاحظ: (٢) الضفادع من الخلق التي لا عظام لها، ويحدث منها عدد لا يحصى في غبّ المطر إذا كان المطر ديمة، ولا يحدث إلاّ في الضحضاح، حتى زعم قوم أنها في السحاب. قال ابن سينا: إذا كثرت الضفادع على خلاف العادة كان الوباء عقيبها. وقيل: إنّ الضفادع تنقّ بالليل، فإذا رأت النار تركت النقيق، وقيل: إنه إذا ألقي في النبيذ ذهبت حركته وبقي كالميت، فإذا أخرج منه ووضع في ماء عاش وتحرك. قال الجاحظ: (٣) إنّ الضفدع لا يحصل له نقيق إلاّ إذا كان حنكه الأسفل في الماء، ولأجل هذا إذا كان الضفدع خارج الماء لا يسمع له نقيق. قال ابن البيطار (٤): النهرية منها تطبخ بملح وزيت فتكون بادزهر للهوام كلها، ومرقها إذا عمل على هذه الصفة وخلط مع موم ودهن ورد وافق الأمراض المزمنة والقروح ذات المدّة (٥)، وإذا أحرقت الضفادع وذرّ رمادها على الموضع الذي يسيل منه الدم قطع سيلانه، وكذلك الرعاف، وإذا خلط بزفت رطب ولطخ على داء الثعلب أبرأه، وإذا طبخت بماء وخلّ وتمضمض بطبيخها نفع من وجع الأسنان، وأدمغة الضفادع المحرقة يقال: إنها تقطع انفجار الدم إذا نثر عليها، وإذا عولج به داء الثعلب مع الزفت الرطب شفاه، وأصاب رجلا سهم فنشب في عظم وجهه وبقي مدّة، وعولج

стр. 133

فلم ينفع حتى وضع عليه ضفدع قد سلخ جلده ورمي رأسه وأطرافه يوما وليلة، فخرج الزجّ وبرز من ذاته، حتى سال اللحم الذي كان في ممرّ الجراحة، ولهذه القوّة الجذب لأنه يقلع الأسنان، والضفدع البري (١) إذا تناوله الدواب في الرعي سقطت أسنانها، وقد استعمل مشحمه لقلع الأسنان، وحراقته جيدة لداء الثعلب، ولحم الضفدع ينفع من لسع الهوام. فائدة: حكى بعض الفضلاء أنه كان بالموصل، وكان بدر الدين صاحب الموصل قد اتخذ جوسقا على بستان، وبقربه بركة كبيرة قد تولّد فيها ضفادع كثيرة، فكان صياحها في الليل يؤذي من يبيت في ذلك الوسق فقال: دبّروا لنا ما يدفع عنّا هذا الذي قد شوّش علينا، ففعلوا أشياء فما أفادت حتى جاء رجل وقال: اجعلوا طشتا مكبوبا على وجه ماء البركة، ففعلوا ذلك فلم يسمع للضفادع نقيق بعد ذلك. ١٦١ - علق: حيوان أسود اللون كبيره أصغر من إصبع، يوجد في المياه، ويستعمل في المعالجات، فإن الأطباء إذا أرادوا إخراج الدم من موضع مخصوص، جعلوا هذا الحيوان في وسط طين؛ وقرّبوه من العضو، فإنه يتشبث به ويمصّ دمه، فإذا أرادوا سقوطه وضعوا عليه ماء الملح فيسقط في الحال، وربّما يكون شيء من صغاره في الماء المشروف فيعلق بالحال، فلا يسقط إلاّ بدخان وبر الثعلب، وإذا أصاب دكان الزجاج صانع الكور دخان العلق فجميع ما على ظهر الكور يتكسر، وكذلك تنور الخباز يسقط الخبز جميعه في النار، وإذا نزل العلق في قارورة حتى يموت ثم يسحق ويطلى به الموضع الذي ينتف الشعر منه كالإبط وغيره فإنه لا ينبت بعده البتّة. هذا ما غلب الظنّ في كونه مشتركا، لأنّ حيوان الماء غالب ما ذكر منه بحري، وهي مشتركة بين ناحية الشرق والغرب، وأما ما وقع النقل في اختصاصه وإن احتمل إشراكه فمنه: ١٦٢ - عظا: صنف من الدواب الصدفية، يوجد في المياه القائمة ببلاد الهند، ويوجد بأرض بابل، وهو من أعجب الحيوانات، له بيت صدفي يخرج منه، وجلده أرقّ شيء، وله رأس وأذنان وعينان وفم، فإذا دخل بيته يحسبه الإنسان صدفة، وإذا خرج من بيته ينساب ويجر بيته معه، ورائحته عطرة لأنه يرعى الناردين (٢)، وإذا بخر بشيء منه

стр. 134

المصروع نفعه، وإذا أحرق يجلو رماده الأسنان، وإذا ذرّ رماده على حرق النار نفعه نفعا بيّنا. ١٦٣ - قنفذ الماء: حيوان يوجد في نواحي كرمان، تأكله المجوس هناك، مقدمه يشبه القنفذ البري، ومؤخره يشبه السمك، ولحمه طيب جدّا، زعموا أنه يخرج من الماء في حجم البقرة وأكبر، لونه أسود، ويتخذ من جلده طبل، ويكون كاسه أسفيدروه (١)، فإنه إذا دقّ هربت السباع من صوته، وأمّا الهوام فتموت كلها. ١٦٤ - قوي: صنف من السمك عجيب جدّا، على رأسه شوكة قويّة يضرب بها، حكى الملاحون أنّ هذه السمكة إذا جاعت رمت نفسها إلى الحيوانات لتبتلعها، ثم تضرب بشوكتها أحشاء الحيوان وتهلكه، وربما تجرح من شقّ بطنه وتتغذّى منه، وإذا قصدها قاصد في الماء تضربه بالشوكة فتهلكه، وربما ضربت السفينة بالشوكة فتثقبها ويهلك أهلها وتأكل منها، والملاحون يعرفون ذلك فيلبسون السفينة جلد هذه السمكة من خارج فإن شوكتها لا تنفذ فيه. قال ابن البيطار (٢): عقرب بحريّ، حوت في رأسه شوكة يضرب بها فيؤلم ألما شديدا كألم العقرب أو أشد، مرارته توافق الماء الذي في العين والغشاوة والقرح المسمّى لوقوما العارض في العين. وأما الغربي روبيان، يسميه أهل مصر: الفرندس (٣)، صنف معروف من السمك، يوضع لحمه على العضو الذي فيه النصل أو الشوك فيجذبهما بإذن اللّه، ويطبخ بالحمص الأسود ينقّي البطن من حبّ القرع ويهيج الباه، وينفع من استرخاء الآلة. قال ابن البيطار (٤): هو سمك بحري يحلل الأورام الصلبة، ويجتذب الأزجة، ويستفرغ حبّ القرع، ويشرب لذلك بسكنجبين، وإذا دقّ مع الحمّص الأسود وضمدت به السرّة أخرج حبّ القرع، وإذا جفف وسحق مع فلفل واكتحل به نفع صاحب الغشا، وهو يزيد في المني، ويليّن البطن، وقيل إنّه يزيد في المني قبل أن يملّح، ويغذو غذاء

стр. 135

صالحا، فإذا ملّح أو عتّق يولد سوداء وحكة رديئة، وهو عسر الهضم، رديء للمعدة ينبغي أن يصلح بالخلّ والمري والكراويا (١)، ويؤخذ بعده أقراص العود وجوارش السفرجل المسهل، ومن كان محرورا جدّا يشرب عليه ربّ الرمان المنعنع، وهو يزيد في الباه ويسخن الكلى والأرحام، ويعين على الحبل، لكنه في هذه الأحوال لا ينبغي أن يتخذ بالخلّ، بل يسلق سلقا بليغا، ويتخذ منه عجة بدهن الجوز وصفرة البيض، ويجعل معه شيء من البصل والكراث. ١٦٥ - رعادة: سمكة صغيرة مخدّرة جدّا، من خاصيتها أنها إذا وقعت في الشبكة والصياد ماسك الحبل يرتعد حتى لا يقدر على إمساك الحبل، وإن كان الحبل طويلا فإن لم يتركه الصيّاد أفضى إلى إطفاء حرارته من برودة السمكة، والصيادون يعرفون ذلك، فإذا أحسّوا بها شدّوا حبل الشبكة في حجر أو شجر أو وتد حتى تموت السمكة، فإذا ماتت زالت خاصيتها، وأطباء الهند يستعملونها في الأمراض الشديدة الحرارة، أما استعمالها في الأقاليم الستة فغير ممكن. قال الشيخ الرئيس: إذا قرّبت من رأس المصروع أبطلت حسّه بالتخدير، وإذا علقت المرأة شيئا منها على نفسها لم يقدر زوجها على مفارقتها شبرا، وكذلك لو علقه الرجل على نفسه. قال ابن البيطار (٢): هو الحيوان البحري الذي يحدث الخدر، وإن أدني من رأس من يشكو الصداع سكن صداعه، وإذا أدني من مقعدة من انقلبت أصلحها، وجرب فوجد ينفع ما دام حيّا، وإذا احتمل سدّ المقعدة التي تبرز إلى خارج، والزيت الذي تطبخ فيه يسكن أوجاع المفاصل الحريفة إذا ذهبت به. قال ابن البيطار (٣): رأيت بمالقة في بلاد الأندلس سمكة عريضة مفرطحة الشكل يسمونها العرونة لون ظاهرها لون رعاد مصر، وفعلها في تخدير يد ماسكها كفعل رعاد مصر، لا تؤكل البتّة، وأصاب قوما جهد، ولم يعلموا أمرها فشووها وأكلوا منها فماتوا في ساعة واحدة.

стр. 136

١٦٦ - سقنقور: قال الشيخ الرئيس: هو ورل (١) مائي يصطاد في نيل مصر، يقولون: إنه من نسل التمساح، وأجوده ما يصطاد في الربيع، فإذا خرج من البيض فما قصد الماء صار تمساحا، وما قصد الرمل صار سقنقورا. قال ابن البيطار (٢): هو جنس من الحراذين يجفف في الخريف، إذا شرب منه وزن درهم، حمي من الموضع الذي يلي كلاه بشراب أنهض شهوة الجماع، ويقع في أخلاط الأودية المعجونة، وهو شديد الشبه بالورل، يوجد في الرمال التي تلي نيل مصر في نواحي صعيدها، وهو مما يسعى في البرّ ويدخل في الماء، يعني النيل، ولهذا قيل له: الورل المائي لشبهه به، ولدخوله في الماء، وهو يتولد من ذكر وأنثى، يوجد للذكر بالتشريح خصيتان كخصيتي الديوك في خلقتهما وموضعهما، وإناثة تبيض فوق العشرين بيضة، وتدفنها في الرمل فيكمل كونه بحرارته، وقيل إنّ للذكر من السقنقور إحليلين، وللأنثى فرجين، ويحتاج ذلك إلى بحث مستقصى من جهة التشريح، وسمع من بعض أهل الصعيد أنّ السقنقور يعضّ الإنسان ويطلب الماء، فإن وجده دخل فيه، وإن لم يجده بال وتمرغ في بوله، وإذا فعل ذلك مات المعضوض لوقته، وسلم السقنقور، فإن اتفق أن يسبق المعضوض إلى الماء فدخله قبل دخول السقنقور الماء وتمرغ في بوله مات السقنقور لوقته، وسلم المعضوض، وهذا من الخواص العجيبة، والأفضل من هذا الحيوان الذكر، والأبلغ في المنافع المنسوبة إلى الباه قياسا وتجربة، بل هو المخصوص بذلك دون الأنثى، والمختار من أعضائه ما يلي متنه وأصل ذنبه ومحاذي سرّته ولحمه وكبسه (٣)، والوقت الذي ينبغي أن يصاد فيه وقت الربيع، فإنه في هذا الوقت يهيج للسفاد، ويكون أبلغ نفعا، وكيفية إعداده لذلك أن يذكّى في يوم صيده، فإنه إذا ترك بعد صيده حيّا ذاب شحمه وهزل لحمه وضعف فعله، ثم يقطع رأسه وأطرافه وذنبه، ولا يستأصل الذنب، بل يترك مما يلي أصله شيء، ويشقّ جوفه طولا، ويخرج جوفه ما خلا كبسته وكلاه، وينظف ويحشى ملحا، ويخاط الشقّ، ويعلق منكّسا في الظلّ في موضع معتدل الهواء إلى أن يستحكم جفافه ويؤمن فساده، ويرفع في إناء يمنع الهواء من الوصول إليه وترويحه كالسلال المظفورة من قضبان شجر الصفصاف والطرفاء أو خوص النخل، ويصان من الفأر

стр. 137

وغيره إلى وقت الحاجة إليه. ولحم هذا الحيوان طريا حار الطبع رطبه، ومملوحه المجفّف أشدّ حرارة وأقل رطوبة، ولا سيّما ما مضى عليه بعد تعليقه مدّة طويلة، ولذلك لا يوافق استعماله لذوي الأمزجة الحارة اليابسة، كما يوافق ذوي الأمزجة الباردة الرطبة، بل ربّما يضرّهم إن لم يركب معه ما يصلحه، وخاصة لحمه وشحمه [في] انهاض شهوة الباه وتهيج الشبق وتقوية الإنعاظ والنفع من أمراض العصب البارد والزيادة لهذه الأسباب في الجماع، وخاصة مما يلي منه متنه وأصل ذنبه ومحاذي سرته وكلاه وكبسته، سيّما المملوح المجفف كما وصفنا هو ينفع بمفرده؛ أو إذا ألقي في أخلاط الأدوية المركبة لهذا الغرض لكنه إذا استعمل بمفرده كان أبلغ وأقوى، وذلك بأن يؤخذ من مجفّفه مثقال إلى ثلاثة مثاقيل بحسب مزاج المستعمل له وسنّه وبلده، والوقت الحاضر من أوقات السنة، فيسحق ويلقى على خمر عتيق مراوح، ويسقى لمن يستخير التداوي بالخمر أو على ماء العسل غير المطبوخ، أو نقيع الزبيب الحلو، أو يذر على صفرة بيض الدجاج الطري النيمرشت ويحتسّى، وكذلك يفعل ملحه إذا ألقي في أخلاط الأدوية والأطعمة الباهية، وأخذ منه وزن درهم إلى درهمين؛ وذرّ على صفرة البيض المذكور، أو مع مثله من بزر الجرجير المسحوق. قال ابن البيطار (١): ولا يوجد السقنقور في عصرنا بالديار المصرية إلاّ في بلد الفيّوم خاصة، وأكثر صيده في أيام الشتاء في الأربعينية إذا اشتد عليه برد الماء وخرج منه إلى البر، فحينئذ يصاد. ١٦٧ - فرس الماء: قالوا: إنه كفرس البر، وأكبر عرفا وذنبا، وأحسن لونا، وحافره مشقوق كحافر البقر، وجثته أكبر من الحمار بقليل. قال الجاحظ (٢): هو في نيل مصر، يأكل التمساح أكلا ذريعا، ويقوى عليه بقوّة ظاهرة، قالوا: ربّما يخرج هذا الفرس من الماء وينزو على فرس في البرّ، فيتولد من بينهما فرس في غاية الحسن. حكي أنّ شيخا من مشايخ خراسان نزل على طرف النيل. وكان معه حجرة (٣) فخرج من الماء فرس أدهم عليه نقط بيض كالدراهم، فنزا على الحجرة، فحملت منه؛ فولدت مهرا شبيها بالفحل عجيب الصورة، ثم إنه طمع

стр. 138

في مهر آخر فجاء ومعه المهر الحجرة إلى ذلك الموضع، فخرج الفرس من الماء وشمّ رائحة مهره ساعة، ثم وثب في الماء وتبعه المهر، ثم كان الشيخ يعاود ذلك المكان كثيرا فلم يعد الفرس، قال عمرو بن سعيد: وهو يؤذن بطلوع النيل بأثر وطئه، فإنهم حيث وجدوا أثر حافره عرفوا أن ماء النيل ينتهي إلى هناك. ١٦٨ - قندر: حيوان بحري برّي يكون في الأنهار العظام في بلاد أيسو (١)، ويتخذ من البر بيوتا إلى جانب، ويتخذ لنفسه مكانا كالصفة عاليا، ولزوجته دون التي له، وعن شماله لأولاده، وفي أسفل منهم لعبيده، ولمسكنه باب إلى النهر، والماء في أسفل ذلك البيت، وباب إلى البرّ عال، فإن جاء العدوّ من جهة الماء أو طغى الماء، خرج من جانب البر، وإن جاء من جهة البرّ خرج من الماء، وهو يأكل لحم السمك، ويطعمه خدمه، والخدم تجرّ خشب الخلنج لعمارة بيوته، والتجار في تلك البلاد يعرفون جلود العبيد، وذلك لأنّ الخادم يقطع خشب الخلنج بشدّة، ويجرّه بفمه، فيحك الخشب جوانب فمه، فتسقط طاقات شعره يمينا وشمالا، والتجار إذا رأوا جلدا بهذه الصفة قالوا: هذا جلد الخادم، والمخدوم لا يكون بهذه الصفة لأن شغله صيد السمك، وخصية هذا الحيوان تسمى جندبيدستر، تنفع من ريح الصبيان والصرع إذا سقي منه قدر حبّة في جلاّب، مجرب، وينفع أيضا من الفالج واللقوة والنسيان والرياح الغليظة، كلّها. قال الشيخ الرئيس: إنه ينفع من القروح القتّالة، ومن الرعشة والتشنج، والكزاز، والخدر، والفالج، والنسيان، ويخرج المشيمة والجنين، وهو نافع من لذع الهوام. ١٦٩ - كلب الماء: حيوان مشهور، يداه قصيرتان، ورجلاه أطول منهما، ذكروا أنه يلطخ يديه بالطين ليحسبه التمساح قطعة طين، ثم يدخل جوفه، ويقطع أحشاءه، ويأكل من بطنه ثم يمرق ويخرج من بطنه، وذكر أنّ من كان معه شحم كلب الماء؛ يأمن غائلة التمساح، وذكر بعضهم أن الجندبيدستر خصية كلب الماء، وإذا وقع واحد منها في الشبكة يجتمع عليه البقية ويتأسفون عليه، فإذا صيدت الأنثى فالذكر لا يجتمع بغيرها وعكسه، وذكر أنّ الذكر من هذا الحيوان، إذا علم أنّ الصياد قد حكم عليه، وأنه لا مهرب له، فإنه يسلّ

стр. 139

خصيته بأنيابه ويرمي بها إلى الصيّاد، والأنثى تصاد لجلدها، وأمّا الذكر فلا يصاد إلاّ لخصيته، فالصيادون إذا ظفروا به سلّوا خصيته وأطلقوه، فإن وقع في الشبكة مرّة أخرى، فإذا جاء الصياد يستلقي ويرفع يديه ليريه أن خصيتيه قد نزعتا ليخلصه الصياد من الشبكة. وغذاء كلب الماء السمك والسراطين، وذكر أن دماغه ينفع من ظلمة العين اكتحالا، قال الشيخ الرئيس: من سقي من مرارته قدر عدسة قتله بعد أسبوع، وإذا اتّخذ من جلده جورب فمن لبسه آمن النقرس، وقد ذكرنا منافع خصيته فيما تقدم.

стр. 140

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه الثقة النبات النبات متوسط بين المعادن والحيوان، بمعنى أنه خارج عن نقصان الجمادية الصرفة التي للمعادن، وغير واصل إلى كمال الحسّ والحركة اللتين اختصّ بها الحيوان، لكنّه يشارك الحيوان في بعض الأمور، لأنّ الباري تعالى يخلق لكلّ شيء من الآلات ما يحتاج إليه في بقاء ذاته، فإذا زاد على ذلك يكون كلأ وبقلا، فلا يخلفه. ولا حاجة للنبات إلى الحسّ والحركة بخلاف الحيوان، ومن عجيب صنع الباري تعالى؛ أنّ الحبّ والنوى إذا حصلا في تربة نديّة، وأصابهما حرّ الشمس انشقّا، وجذبا بقوّة خلقها اللّه تعالى فيهما الأجزاء من الأرض، والمائية من الماء، ثم إنّ تلك الأجزاء يتراكم بعضها على بعض بواسطة قوّى خلقها اللّه تعالى فيها، حتى يصير الحبّ نجما (١) بالغا ذا عروق وقضبان وأوراق وأزهار وحبّ، والنوى يصير شجرا عظيما ذا عروق وساق وأغصان وأوراق وثمرة. وهذه القّوى (٢) خلقها اللّه تعالى نوعين؛ خادمة ومخدومة، أما الخادمة فأربع، أوّلها الجاذبة، وهي القوّة التي تجذب الماء من أسفل الشجر؛ فإنّ الماء ليس من طبعه الصعود؛ ولكن هذه القوة تجذبه، والثانية الماسكة، وهي القوة التي تمسك هذه النداوة حتى يعمل فيها غيرها، ووجود هذه القوّة في الحيوان أظهر، فإنّ الإنسان إذا شرب الماء ثمّ نكسته لا يخرج الماء من جوفه، فإنّ الماسكة تمسكه بخلاف الماء في الجرّة، فإنك إذا نكستها يخرج الماء منها؛ إذ لا ماسكة للجرة، والثالثة الهاضمة، وهي التي تجعل تلك صالحة لأن تصير جزء النجم أو الشجر، والرابعة الدافعة، وهي التي تدفع من تلك الرطوبة ما لا يصلح أن يصير جزء منه، وهذه القوة في الحيوان (٣) أظهر؛ لخروج البول والروث من الحيوان.

стр. 141

وأمّا المخدومة، فأربع أيضا، فأولها الغاذية، وهي قوة تقوم بدل ما ينحلّ من النبات وتلصقه به وتجعله شبيها بجوهر النبات، والثانية النامية، وهي قوة تزيد في أقطار النبات بإيصال الغذاء إليها، وهذه القوّة في الحيوان أظهر، فإنها تبعث إلى اليد اليمنى من الغذاء نظير ما إلى اليسرى حتى يتشابها، وكذلك إلى سائر أعضاء النشوء؛ لا سيما في الأعضاء الرئيسة الباطنة، والثالثة المولّدة، وهي القوة التي تولّد مادة تصلح أن تكون ثمرة وبذرا في النبات، وإنها هي خلاصة تلك الرطوبة، كالمني في الحيوان، والرابعة المصوّرة، وهي القوة التي يصدر عنها التخطيط والتشكيل، ولهذه القوّة تصرّف عجيب من إظهار أشكال الأوراق والأزهار والأنوار؛ وأشكال النّماء، وكذلك للغاذية أيضا، فربما تصرف جميع الغذاء إلى اللبّ، ولا تترك للشحم شيئا؛ كما ترى في الجوز واللوز والبندق والفستق، ويتخذ له صندوقا حصينا ليبقى فيه زمانا طويلا لا يلحقه فساد ليصلح للادّخار، وربما تصرّف جميع الغذاء إلى الشحم، ولا يترك للبّ إلاّ يسيرا، ليحصل منه البذر، كما ترى في التفّاح والكمثري والسّفرجل، لئلاّ يتعب آكله بالكسر والتّنقية، بل تجده معدّا للأكل، وربّما توزع الغذاء على الشحم واللبّ؛ كما ترى [في] المشمش والدّراقن (١) اللوزيّين ونحوهما. فهذه القوى آلات جعلها تعالى سببا لبقاء ذوات النبات وأنواعه بإخراج النجم والشجر من الحبّ والنوى، ﴿يُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ اَلْمَيِّتِ مِنَ اَلْحَيِّ ذلِكُمُ اَللّهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٢) ثم النبات ينقسم إلى قسمين، شجر ونجم، وسنتكلم عليهما كشرطنا في الحيوان، واللّه الموفق. الشجر: والشجر كلّ ما له ساق، والأشجار العظام بمنزلة الحيوانات العظام، والنجوم بمنزلة الحيوانات الصغار، والأشجار العظام غالبها لا ثمرة له كما ترى الساج والدّلب والعرعر، لأن المادة كلها صرفت في نفس الشجرة، ولا كذلك الأشجار المثمرة، فإن مادتها صرفت إلى الشجرة والثمرة. ويشتبه حالها في ذلك بحال الذكور والإناث من الحيوان، فإنّ الغالب أنّ الذكور أعظم أبدانا من الإناث، لأنّ المادة في الإناث يصرف بعضها إلى الأجنّة. ومما تشاركت فيه الحيوان والنبات؛ أمر التغذية، فإنّ الغذاء كما يسري في بدن الحيوان حتى لا تبقى شعرة واحدة إلا أخذت قسطها، فكذلك الماء الذي تسقى به

стр. 142

الشجرة والنبات، فإنه يعلو إلى الأغصان في داخل تجاويف الأشجار شيئا فشيئا؛ حتى ينتشر في جميع أوراق الشجر وأطرافها حتى يتغذى كل جزء من كلّ ورقة، ويجري في تجاويف عروق شعرية صغار ترى في أصل الورق، حتى كأنّ العرق الكبير نهر، وما يتشعب عنه جداول في جميع الأوراق، فيصل الماء إلى سائر أجزاء الورقة، وكذلك إلى سائر أجزاء الفواكه. ومن عجيب صنع الباري تعالى؛ خلق الأوراق لباسا للأشجار، وزينة لها، كالشعر والريش للحيوان، ووقاية للثمار من الشمس والهواء، ثم إنه من لطيف حكمته خلقها مرتفعة عن الثمار، متفرقة بعض التفرّق، ولا تتكاثف عليها، ولا تبعد عنها، لتأخذ الثمار من النسيم تارة؛ ومن الشمس أخرى فلو تكاثفت عليها منعتها النسيم وشعاع الشمس، فبقيت صلبة الجلد، قليلة المائية، وإذا سقط بعض الورق أصاب الثمرة حرّ الشمس فأحرقتها؛ كما ترى من الرّمانة التي احترق بعض جوانبها، ثم إذا أدركت الثمرة تناثرت الأوراق؛ لئلاّ تجذب مائية الشجرة فتضعف قوتها. ومن أعجب الأشياء ما نصّ اللّه عليه: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي اَلْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٤) (١)، ولنذكر ما يتعلق بكل واحد من الأشجار على شرطنا المتقدّم مرتبا وباللّه التوفيق. ١ - آس communis L . (٢¬) : شجرة معروفة، قال صاحب كتاب الفلاحة: إذا أردت غرس الآس؛ فاجعل في حفرتها شيئا من الرمل، وازرع حولها من الشعير، فإنّ الشعير يقوّي الآس. قال الشيخ الرئيس (٣): ورق الآس إذا سحقته واستعملته؛ يعمل عمل التوتياء (٤) في تطييب رائحة البدن، وكذلك رماده إذا أحرقته يعمل عمل التوتياء ويجلو البهق والكلف (٥)

стр. 143

وينفع من عضة الرّتيلا (١). وقال ابن البيطار: يؤكل ثمره رطبا ويابسا لنفث الدم، ولحرقة المثانة، وعصارة ثمرته وهو رطب يفعل فعل الثمرة، وهي جيدة للمعدة، مدرّة للبول، موافقة إذا خلطت بشراب لمن لسعته العقرب والرتيلا، وطبيخ ثمره يصبغ الشعر، وإذا طبخ بشراب وتضمّد به أبرأ القروح التي في الكعبين والقدمين، وإذا تضمّد به بالسويق سكّن الأورام الحارة العارضة في العين، وقد يتضمد به للغرب (٢). والأفشرج الذي يعمل من حبّ الآس بأن يعصر حبّ الآس؛ ويطبخ عصيره طبخا يسيرا، وإن لم يفعل ذلك به حمّص، ومتى شرب قبل النبيذ منع الخمار، وهذا الأفرشج يصلح لكل ما يصلح له الثمر، وإذا صيّر في المياه التي يجلس فيها، وافق خروج الدم والمقعدة، والنساء اللاتي يسيل من أرحامهن رطوبات مزمنة، ويجلو نخالة الرأس وقروحه الرطبة وبثوره، ويمسك الشعر المتساقط، ويقع في أخلاط المراهم المليّنة مثلما يقع في الدهن الذي يعمل من ورق الآس، وطبيخ الورق يصلح لأن يجلس فيه، ويوافق المفاصل المسترخية، وإذا صبّ على كسر العظام التي لم تلتحم نفعها، ويجلو البهق، ويقطر في الأذن التي يسيل منها قيح، ويسوّد الشعر، وعصارة الورق تفعل ذلك. وورق الآس اليابس أكثر تجفيفا من الورق الرطب؛ لأنّ الرطب يخالط شيئا من الرطوبة، وربّ الآس ولا يعصر من ورقه فقط؛ ولكن من حبه أيضا. وجميع هذه قوّتها قوّة حابسة مانعة، إذا وضعت من خارج على البدن؛ وإذا وردته من داخل، لأنه ليس يخالطها شيء من القوّة المسهلة ولا الغسالة (٣)، والورق إذا سحق وصبّ عليه ماء وشيء يسير من زيت أنفاق (٤)، أو دهن ورد وخمر وتضمد به، وافق القروح الرطبة، والمواضع التي تسيل إليها الفضول والإسهال المزمن، والنملة (٥)،

стр. 144

والحمرة، والأورام الحادة العارضة للأنثيين، والشّرى والبواسير، وإذا دقّ يابسا وذرّ على الداحس (١) نفع منه، ويجعل في الآباط والأرنبة المتغيرة الرائحة، ويقطع عرق من به خفقان ويقويه، وإن أحرق أو لم يحرق واستعمل بموم وزيت عذب أبرأ حرق النار والداحس. والآس نافع من الحرارة والرطوبة، قاطع للإسهال المتولد من الصفراء، نافع للبخار الحار الرطب إذا شمّ وأكل حبّه، وحبّه صالح للسعال؛ وليس بضار للصدر؛ ولا للرئة، وإذا سحق ورقه يابسا، وذرّ على القروح ذوات الرطوبة والبلّ (٢) نفعها، ونفع من انسلاخ الأعضاء، وإذا ذرّ عليها وهو غضّ؛ وضرب بالخلّ؛ ووضع على الراس قطع الرعاف، وحبّه قاطع للعطش، ذاهب بالقيء، وإذا تدخّنت المرأة بدخان حبّ الآس؛ نفع من نزف الأرحام، وكذلك يفعل بخاره الحار إذا طبخ بالماء، وإذا طبخ بماء السلق نقّى الأبرية التي في الرأس، وإذا دقّ وسحق بماء الباقليّ نقّى الكلف من الوجه، وحبّه دابغ للثّة والفم، قليل الغذاء رديئه، وهو مقوّ للمعدة والأمعاء والمثانة أكلا. والآس عظيم المنفعة في إنبات الشعر، وليس في الأشربة ما يعقل وينفع من أوجاع الرئة والسعال غير شرابه، وورقه يصلح لسحج الخف ذرورا (٣) وضمادا، وورقه المطبوخ بالشراب يضمد به فيسكن الصداع الشديد، وربّه يمنع سيلان الفضول إلى المعدة، وينفع حرقة البول، وهو جيد في منع درور الحيض، وماء ورقه إذا شرب مع دهن الخل عصر البلغم وأسلهه، ويسكن الجحوظ، ورماده يدخل في أدوية الظفرة (٤)، وإذا اتخذت من قصبة الآس الطريّ حلقة مثل الخاتم، وأدخل في خنصر من في أرنبته ورم سكّنه، وسائر أجزائه ينفع التضميد بها من الوثى (٥) الحديث، ويمنع انصباب المواد، والحبّ النضيج في الوثى أشدّ تسكينا، وأقوى ما فيه لإمساك الشعر المتساقط حبه الفج. وشراب الآس صفته أن يؤخذ أطراف الآس الأسود وورقه مع حبّه، يدق ويؤخذ

стр. 145

منه عشرة أمناء (١)، ويلقى عليه ثلاث قواديس (٢) من عصير العنب، ويطبخ إلى أن يذهب الثلث ويبقى الثلثان، ويصفّى ويرفع، ينفع من القروح الرطبة العارضة في الرأس؛ والنخالة؛ والبثور؛ واسترخاء اللثة؛ وورم النغانغ والأذان التي تسيل قيحا، ويقطع العرق. وشراب حبّ الآس صفته [أن] يؤخذ الأسود النضيج منه، فيدقّ وتخرج عصارته بلولب؛ وتصير العصارة في إناء وترفع، ومنهم من يأخذ حبّ الآس فيشمسه ويرفعه حتى يجفّ ويدقّه، ويخلط بالكيل منه الذي يسمّى سويقس (٣) ثلاث قوطوليّات (٤) شراب عتيق (٥)، ويعصره ويرفع عصارته، وهو شراب شديد القبض؛ جيّد للمعدة، يقطع سيلان الرطوبة إلى المعدة والأمعاء. وهو طلاء للقروح العارضة باطن البدن، وسيلان رطوبة الرحم سيلانا دائما، ويصبغ شعر الرأس. ٢ - أبنوس Ebenus L . (٦¬) : شجرة كقطعة حجر على رأسها نبت أخضر، وخشبه صلب جدا، الغالب عليه الأرضية لا يكاد يطفو على وجه الماء، وهو أشبه خشب بالحجر. قال ابن البيطار: (٧) قوته جالية لقوّة البصر، ويصلح لسيلان الرطوبات إلى العين سيلانا مزمنا، ولقرحه العين، وإن عمل منه مسنّ وحكّ عليه الشيّافات (٨) قوي فعله. ومن أراد المعالجة به أخذ من برادته ونشارته؛ وأنفعها في خمر يوما وليلة؛ وسحقها في مائع، وعملها شيافات، ومنهم من يستعمل الماء بدل الخمر، وقد يحرق في قدر من طين حتى يصير فحما؛ ويغسل كما يغسل الرصاص المحرق، ويوافق الرمد اليابس؛ وحكة العين.
следующие страницы →