للجراحات لأنه يضمر ويلزق (١)، وإن دقّ وطبخ مع اللحم جمع اللحم.
وأمّا القنطوريون الصغير (٢) فقال ديسقوريدوس في الثالثة: ينبت عند المياه، ويشبه الفوذنج الجبلي، وله ساق أطول من شبر مزوّاة، وزهر فرفيري؛ وورق صغار كورق السّذّاب، وثمر كالحنطة صغير، وطعمه مرّ جدّا.
قال ابن البيطار (٣): طعمه مرّ وأصله لا ينتفع به، وقضبانه وورقه وزهره ينفع نفعا كثيرا، يدمل الجراحات الكبار إذا وضع عليها كالضماد طرّيا، ويختم الجراحات العتيقة العسرة الالتحام إذا استعمل كما وصفت، وإذا استعمل كما وصفت، وإذا يبس خلط في المراهم الداملة المجففة التي يمكن فيها أن يدمل النواصير والقروح الغائرة، وأن يليّن الأورام الصلبة العتيقة، وأن يشفي الجراحات المؤذية الخبيثة، وقد يخلط مع الأضمدة التي تشفي من العلل الحادثة عن المواد المنصبّة إلى الأعضاء، وقوم يطبخون القنطوريون ويأخذون ماءه يحقنون به من أصابه عرق النّسا فيخرجون خلطا مراريّا لأنّه دواء يسهل ويخرج من البدن أمثال هذه الأخلاط، وإذا سهل أيضا حتى يخرج دمويّا كان أكثر لنفعه.
وعصارة هذا القنطوريون يفعل جميع ما وصفت، ويكحل العين بها مع العسل، وإذا احتملت أحدرت الأجنة مع الطمث، وقوم يسقون منه من به علة في عصبه من طريق أنه يجفف وينقص الأخلاط تجفيفا ونقصانا لا أذى معه، وهو من أفضل الأدوية لسدد الكبد نافع من صلابة الطحال، إذا وضع عليه من خارج، وكذلك يفعل إن أحبّ إنسان أن يشربه، وإذا دقّ وهو رطب (٤) وتضمد به ألرق الجراحات ونقى القروح المزمنة وأدملها، وإذا طبخ وشرب طبيخه أسهل [مرة] صفراء وكيموسا غليظا، وقد يهيّأ منه حقنة لعرق النّسا تسهل دما وتخفف الوجع. وعصارته إذا خلطت بالعسل جلت ظلمة العين، وإذا شربت وافقت أوجاع العصب، وينفع من القولنج إذا شرب طبيخه وإذا احتقن به، والشربة منه وزن مثقالين، وإذا طبخ للحقنة فوزن خمسة دراهم، ويحتقن بماء طبيخه مع شيرج، وينفع من الكزاز وينفع من الصرع نفعا عجيبا، وإذا
стр. 457
طبخ بالماء نقّى الأبرية من الرأس، وإذا كمدت به الأوجاع سكّنها، وإذا احتقن به نفع من أوجاع المأيدة (١) والظهر، وإذا شرب زهره نفع من لسعة العقرب والأفعى، وكذلك إذا تضمد به، وعصارته تنفع من جميع ما ذكرناه.
ودهنه يسخن العصب ويقوّيه وينفع أوجاعه، ويجب أن يكرر زهره عل الزيت مرارا، وإذا حقنت البواصير بمائه معصورا مطبوخا نقّاها وأدملها، ويدرّ الطمث، وينفع وجع الرحم، ويفتح سدد [الكبد] والطحال؛ وينفع أوجاعه، وكذلك إذا ضمد به.
وعصارة القنطوريون الدقيق تنفع وجع الرأس الكائن من حرارة الشمس أو من شرب الشراب الصرف بأن يذاب بالخلّ ويضمد بها الصّدغان [والجبهة] والجبين، ويبرئ قروح الرأس بعد أن يحلق الرأس بالنورة وينعم غسله، وتداف هذه العصارة بالخلّ ويطلى عليه، وقد يحرّك العرق ويبعثه إذا خلط بالشراب ولطخ بالرأس من غير أن يحلق، وينقّي الرأس أيضا من الإبريّة إذا أديفت بالخلّ، وطليت عليه في الحمّام، وإن ديفت بماء وخلطت بيسير عسل وجعلت في الشعر قتلت القمل والصئبان، وإن حكّت هذه العصارة بالماء على مسنّ أخضر ولطخت على الجبين قطعت الدمعة عن العين التي تدمع، وإن ديفت بلبن أمّ جارية وطليت على أجفان العين نفعت أورامها ووجعها، وقد يحلّ الغلظ الكائن في أجفان العين وفي مآقيها إذا جربت العينان بها محلولة في ماء الكاكنج، وينفع من البياض في الطبقة القرنية من آثار القروح ويجلوه وينفع من كلّ وجع عتيق يعرض للعين إذا ديفت بماء المطر واكتحل بها، وينفع من الورم الحادث في العين المسمّى شعيرة إذا حكت على المسنّ بماء المطر وطليت عليه، فإن حكّت هذه العصارة بماء الرّمان الحامض وقلبت أجفان العين الجربة ولطخت به وترك الجفن مقلوبا ساعة زمانية وغسلت عنه قلع الجرب من الأجفان، وينفع من استرخاء الجفن وغلظه وريح السبل إذا حلّت بماء المرزنجوش الرطب وكحلت العين به، وينفع من ضربان الأذن ووجعها إذا ديف بدهن مسيري (٢) أو دهن سوسن مفتّر مقطر في الأذن، فإن كان الوجع من حرارة فليدف بدهن ورد فارسي ويقطّر فيها، وينفع القروح الكائنة في الأذن، فإن كان في الأذن دود متولد في قروحها فليحله بماء ورق الخوخ الأخضر ويقطر فيها، وإذا قطرت في الأذن لعلّة من هذه العلل أزالت الدوي والطنين منها، وإن ديفت بعصارة الفجل أو بدهن بزره وقطرات في الأذن الثقيلة السمع فتحت السمع.
ومن شأنها أن تحلّ الورم الكائن في عصبة السمع إذا ديف بدهن السوسن أو
стр. 458
بدهن النرجس أو بدهن الخردل أو بخلّ خمر ولطخت به فتيلة وأدخلت في الأذن إلى أن يصل إلى الصماخ وترك بعضها خارجا فيجتذب عند إخراجها به فإنّها تحلّ الورم من عصبة الصماخ وتزيل الصمم وتنفع من قروح الأنف وتبرئها وتحبس الرعاف، وإذا ديفت بخلّ وقد يسحق فيه شيء من الزاج ومن القلقطار (١) في المنخر الذي يجري منه الرعاف، وإن اعتصر ماء البلح الأخضر وحلّت فيه وسعط المرعوف بها قطعت رعافه وخاصة إن سحق في ماء البلح نصف حبّة كافور رياحي، وينفع من تغير رائحة الفم إذا حلّت بماء ورد فارسي وتمضمض بها وأمسكت في الفم طويلا، وتنفع القروح الكائنة في الفم المنتنة الرائحة التي يسيل القيح منها إذا حلّت بالشراب العتيق القابض وتمضمض بها، ومن شقاق الشفتين إذا حكّت بمسنّ بالماء وطلي عليها، وقد يرفع اللهاة الساقطة وورم اللوزتين والخوانيق إذا حلّت بماء قد طبخ فيه ورق العوسج أو بماء لسان الحمل أو بماء عنب الثعلب وتغرغر بها، وقد يشدّ الأسنان المحركة إذا حلّت بماء طبخ فيه ورق السّرو أو جوزه أو العذبة (٢) وتمضمض به وأديم إمساكه في الفم، وإن حلّت في ماء طبيخ الحلبة مع العسل ودهن اللوز وشربت نفعت أصحاب السمنة (٣) وعلة الانتصاب، وينفع من لسع الزنابير والنحلة إذا حكّت على مسنّ بشراب ولطخ بها موضع اللّسعة، وإن حكّت ببول كلب وطليت على الثآليل وطلي منها على خرقة وضمدت عليها قلعتها، وينفع عرق النّسا ووجع الوركين إذا حلّت في طبيخ الأصول وسقيت، ومقدار ما يحلّ منها في الشربة وزن درهم في ثلاث أواقي من ماء طبيخ الأصول المحكم الصنعة، وينفع من نهش الأفاعي والهوام ولسعها إذا حلّ منه وزن درهم بماء أغلي فيه أوقيتان من الباذاورد (٤) اليابس ويشرب.
٢٠٠ - قنّب (٥): Sativa L.var.Indica.
قال ديسقوريدوس: هو نبات ينتفع به وله ورق منتن الرائحة وقضبان طوال
стр. 459
فارغة، ويبزر بزرا مستديرا ويؤكل، وهو معروف.
قال ابن البيطار (١): هو نبات يعمل منه حبال قويّة، وبزره يطرد الرياح ويجفف وهو مستدير يؤكل؛ وإن أكثر منه قطع المني، وإذا كان البزر طريّا وأخرج ماؤه وقطر في الأذن وافقها، وبزره رديء الخلط قليل الغذاء يصدع ويعقل البطن ويدر البول، والمقلوّ من حبّة أقلّ ضررا، ويدفع ضرره أن يشرب بعده السكنجبين السكّري، وورقه إذا دقّ وغسل بمائه الرأس نقّى الإبرية من أصول الشعر، وهو يظلم البصر؛ ويمنع ذلك شرب الماء البارد وقضم الثلج عليه وأكل الفواكه الحامضة.
والقنّب البرّي (٢) إذا طبخت أصوله وتضمد بها الأورام سكّن الأورام وحلل الكيموسات المتحجرة، ومن القنّب نوع ثالث هندي، قال: ولم أره بغير مصر ويسمّى الحشيشة وهي تسكر فيما أذا تناول الإنسان منها قدر درهم أو درهمين، ومتى أكثر منه أخرج إلى حدّ الرعونة وأدّت الحال إلى الجنون، وربّما قتلت، وإذا خيف من الإكثار منها فليبادر بالقيء بسمن وماء سخن حتىّ ينقّي [المعدة]، وشراب الحماض لهم غاية في النفع.
٢٠١ - قيصوم (٣): abrotanum L.
قال ديسقوريدوس: منه أنثى (٤)، وهو من التمنّش إلاّ أنّ فيه طول إلى البياض ملأى ورقا على الأغصان متشققا دقيق التشقيق، وعلى أطرافها زهر إلى الاستدارة يكون ذهبي اللون في الصيف، وهو طيب الرائحة مع ثقل قليل.
والصنف الآخر يسمّى ذكرا وله أغصان دقاق صغير الثمر، قال ابن البيطار (٥):
طعمه مرّ إن جردت أطرافه مع زهره فإنّ سائر عوده خشب لا ينتفع به، وإذا سحقتها وأنقعتها في الزيت وصببت الزيت على الرأس أو المعدة أسخن إسخانا بيّنا، وكذلك إن
стр. 460
دلكت به بدن أصحاب النافض الكائنة بأدوار ودهنتها به قبل الوقت الذي تبتدئ فيه النافض خفّفت النافض حتى العطاس، وينفع من وجع الأسنان، وكذلك إذا علّق في الرقبة خفّف من وجع الأسنان (١).
٢٠٢ - كرفس (٢): graveolens L.
معروف، قال ابن البيطار (٣): منه بستاني وآجامي وجبلي وصخري وغير ذلك، البستاني معروف، يسخن ويدرّ البول والطمث ويحلل الرياح والنفخ وخاصة بزره، والبستاني أنفع للمعدة من سائر أنواع الكرفس لأنه ألذّ وأكثر اعتيادا، وهذا النبات يوافق كلّ ما توافقه الكزبرة، وإذا تضمد به مع الخبز أو السويق سكن أورام العين الحادّة والتهاب المعدة، ويسكن ورم الثدي الحاد، وإذا أكل نيئا أو مطبوخا أدرّ البول، وإذا شرب طبيخه مع أصوله نفع من الأدوية القتالة ويحرك القيء ويعقل البطن.
والكرفس يفتق شهوة الباه من الرجال والنساء وتمنع المرضعة منه لأنّه يهيج الباه ويقلل اللبن، والكرفس يطيب النكهة، والكرفس يملأ الأرحام رطوبة حريفة ويفتح سدد الكبد والطحال، وينفع ورقه الرطب المعدة والكبد الباردتين ويذيب الحصاة، وينفع عصير ورقه من الحمّى النافض البلغميّة إذا شرب وحده أو مع عصير ورق الرازيانج الرطب.
وحبّه أقوى من ورقه، وينبغي أن يجتنب أكله إذا خيف من لسع العقارب، وإن أكثرت المرضعة منه أورث المرضع صرعا وكان الجنين أحمق قليل العقل.
والبريّ (٤) منه صالح للمعدة مسكن للغثي ونفخه لطيف ينحلّ سريعا ولا يحتاج أصحاب الأمزجة الباردة إلى إصلاحه إلاّ أن يكثروا منه جدّا فيحتاجون حينئذ إلى ما يحلّ النفخ، ويصطنع المحرورون منه بالخلّ، وإن أكثرت الحامل أكله تولد في بدن الجنين بعد خروجه من الرحم بثور رديئة وقروح عفنة، وإذا أكل مع الخسّ أكسبه ذلك اعتدالا ولذاذة، وصيّره قريبا من الكرفس (٥) المربّى لما في الخسّ من البرودة.
стр. 461
والكرفس بخاصيّة فيه إذا دقّ وخلط بعسل وأكل نفع من الورشكين نفعا لا يعدله في ذلك غيره، وأنفع من ذلك إذا أكل رعيا، وإذا دقّ بزره بمثله سكّر ولتّ بسمن بقري وشرب ثلاثة أيام فإنه يزيد في الجماع أمرا كثيرا، وليكن الطعام عليه لحوم الديوك، وإذا خلط عصيره مع دهن ورد وحلّ وتدلّك به في الحمّام سبعة أيام (١) نفع من الحكة والجرب، وينفع من ابتداء الحصبة وإذا أخذ من ماء عصيره [أوقية و] نصف أوقية سكّر ومثله ماء الرمان الحلو وشرب منه أياما متوالية [فإنه بالغ في] التسكين.
وعروق الكرفس تليّن البطن أكثر من ورقه، وفعل أصله أقوى من فعل الورق والبزر، وإذا شربت عصارة الكرفس بعد التغلية والتصفية مضافا إليه السكر نفع من العطش المتولد عن بلغم مالح في المعدة، ونفعت من الجفوف والالتهاب المتولد عنه، ومنه نوع جبلي ثمره مستطيل يشبه الكمون أصله وثمره إذا شربا بشراب أدرّا البول والطمث.
٢٠٣ - كرنب (٢): oleracea L.
قال الإسرائيلي: الكرنب النبطي هو الكرنب على الحقيقة، وهو شبيه بالسلق صغير القلوب، وقال علي بن محمّد: الكرنب النبطي هو الكرنب الأندلسي، وهو صنفان جعد وسبط وكلاهما يؤكل ساقه وورقه، والجعد أطيب طعما وأصدق حلاوة وأشدّ رخوصة من السّبط بكثير، وقال في الفلاحة: الكرنب صنفان منه النبطي وهو الكرنب المعروف، ومنه خوزي وهو غليظ الورق جدّا شديد الخشونة.
قال ابن البيطار (٣): قوّته قوّة تجفف إذا أكل أو وضع من خارج، ولكنه ليس بظاهر الحدّة والحرافة بل تبلغ قوّته إلى إدمال الجراحات وإشفاء القروح الخبيثة والأورام التي صلبت وصارت في حدّ ما يعسر انحلاله والحمرة، ويشفي الشّرى والنملة، وفيه جلاء به يشفي العلة التي يتقشّر معها الجلد.
وبزر الكرنب يقتل (٤) الدود إذا شرب وخاصة بزر الكرنب المصري؛ فينفع من النمش والكلف في الوجه، وقضبان الكرنب إذا أحرقت حتّى تصير رمادا جفّفت تجفيفا
стр. 462
شديدا حتى إنّ قوّته تكون محرقة ولذلك يخلطون معه شحما عتيقا ويستعملونه في مداواة وجع الجنبين (١) إذا عتق، وإذا سلق سلقة خفيفة وأكل أسهل البطن، وإن سلق سلقتين مرة بعد مرة بماء بعد ماء أمسك البطن.
والكرنب الذي ينبت في الصيف رديء للمعدة، والكرنب الذي ينبت بمصر لا يؤكل لمرارته وإذا أكل الكرنب نفع من ضعف البصر والارتعاش، وإذا أكله المخمور سكّن خماره.
وقلب الكرنب أجود وأدرّ للبول من سائره، وإن عمل بالملح والماء صار رديئا للمعدة مليّنا للبطن، وعصارة الكرنب إذا خلط به أصل السوسن ونطرون أسهل، وإذا خلط بالشراب وشرب نفع من لسعة الأفعى، وإذا خلط بدقيق الحلبة (٢) والخلّ وتضمد به نفع من النقرس ووجع المفاصل والقروح الخبيثة (٣) الوسخة، وإذا استعط بعصارته نقّى الرأس، وإذا احتملته المرأة مع دقيق الشيلم أدرّ الطمث.
وورق الكرنب إذا دقّ وتضمد به وحده أو مع سويق نفع من كلّ ورم، ويبرئ الشّرى والجرب المتقرح، وإذا خلط بالملح قلع النار الفارسي، ويمنع الشعر المتساقط، وإذا أكل الورق نيئا مع الخلّ نفع المطحولين، وإذا مضغ ومصّ ماؤه أصلح الصوت المنقطع (٤).
وطبيخ الكرنب إذا شرب أسهل البطن وأدرّ الطمث، وزهره إذا عمل فزرجة واحتملته الحامل قتل ما في بطنها، وبزر الكرنب يقع في أخلاط الترياقات، وينقّي الوجه والبثور اللبنية، وقضبان الكرنب الطرية تحرق مع الأصول ويخلط رمادها بشحم خنزير يسكن أوجاع الجنب المزمنة، والكرنب ينفع للسعال القديم والنقرس إذا صبّ طبيخه على المفاصل، وإن أطعم الصبيان [ونشأوا سريعا، وعصيره إن شرب] بالنبيذ أيّاما ذهب بوجع الطحال، ورماده يبرئ حرق النار، وإن خلط بالزاج والخلّ وطلي به البرص
стр. 463
والجرب نفع، وينوّم إذا أكل، وينفع من عضّة الكلب الكلب، ويضمد به الطحال.
ومرق الكرنب ينفع من السعال ووجع الظهر العتيق والركبة، وأكل الكرنب يحسّن اللون، وإن سلق الكرنب مرتين ثم طيّب بكمّون وزيت وملح وفلفل وأغلي عليه نفع أصحاب العقر في الأمعاء، والماء الذي يغسل الكرنب به أو يطبخ فيه ينقّي البدن ويخفف الصداع وينقي العينين التي يجد فيهما صاحبهما ظلّة من رطوبة أو بخار غليظ، وينفع الحجاب والأحشاء لا سيّما الطحال الغليظ؛ والذين غلبت عليهم السوداء لأنه ينقي القروح.
وهو يولد السوداء والدم العكر، وإن طبخ باللحم السمين أمنت غائلته، والكرنب يحدث في البصر من الظلمة ما يحدث العدس، ويجب أن يتجنبه المستعدون لأمراض السوداء والذين قد بدا بهم أشياء كالمالنخوليا والسرطان وداء الفيل والدوالي والبواسير، وليس موافقا للمحرورين، فإن أكلوه فليشربوا عليه شرابا كثير المزاج، وأمّا المبرودون فليأكلوه بالخردل والثوم ويتحسّوا عليه مرقته فإن ذلك يسرع إخراج جرمه من البطن.
والكرنب المدعو بالقنبيط (١) أغلظ وأقوى وأبطأ في المعدة من الكرنب، وورقه الناشيء حواليه أقلّ ضررا وأصلح من جمادته الناشئة في وسطه، واجتنابه كله أحمد، والإكثار منه يضعف البصر ويولد خلاطا وأحلاما رديئة وسددا وسوداء، وأصلح ما يؤكل مطبوخا باللحم أو بدهن اللوز مع زيت الأنفاق، وبيضه الذي يسمّى جمّادة ويهيّج القراقر والنفخ ويزيد في المني ويعين على المباضعة، وإذا طبخ طبيخ بيضه وصبّ ماؤه وأكل بالخلّ والزيت والمري زاد في المني وخاصة بزر القنبيط إفساد (٢) المني إذا احتملته المرأة بعد الطهر من الطمث، وإذا أحرق ورق الكرنب كما هو في قدر فخار جديدة وأضيف إلى بعض الشحوم أبرأ الأورام الصلبة التي في العنق ومنها الخنازير.
وحراقة عساليجه يستاك بها لحفر الأسنان، وعيونه إذا طبخت بدجاجة سمينة كانت غذاء نافعا للنزلات في الصدر والسعال، وطبيخ ورقه إذا عجنت به أدوية الاستسقاء وطلي بها الجوف قويت منفعتها، وذكر حكاية مضمونها أنّ عروق الكرنب البري إذا سقي منها (٣) بشراب خلّص من نهشة الأفعى، مجرب، وذكر أنه ينبت بأرض [حماة و] حمص في مقاني العجوز وفي بعض بساتين دمشق منها شيء كثير.
стр. 464
٢٠٤ - كرّاث (١): Porrum L.
معروف، قال ابن البيطار (٢): الكراث الشامي (٣) يؤكل أصله دون فرعه، وهو رديء الكيموس، يعرض منه أحلام رديئة، ويدرّ البول، ويليّن البطن ويلطف (٤) ويحدث غشاوة في العين، ويدرّ الطمث، ويضرّ بالمثانة المتقرّحة والكلى، وإذا طبخ بماء الشعير أخرج الفضول التي في الصدر، وورقه إذا طبخ بماء البحر والخلّ وجلس فيه النّساء نفع من انضمام فم الرحم وصلابته.
ومنه صنف يقال له: القفلوط أصغر من الشامي رديء للمعدة مضرّ بالبصر، وإدمان أكله يحدث الغشى في العين، والكراث الشامي ينفخ ويسخن ويهيّج الباه والأنعاظ، ويصلح منه الخلّ والمري إذا اتخذ به، وخاصة أصله النفع من القولنج، وإذا أكل الكراث أو شرب طبيخه، نفع من البواسير الباردة.
وورق الكراث الشامي خاصّيته النفع للرحم التي فيها رطوبة تزلق الولد، والكراث يسكن الجشأ الحامض، وينبغي أن يؤكل آخر الطعام، والكراث النبطي هو كراث المائدة، ويخرج من تحت الأرض ورقا ثلاثا ذو (٥) أعناق، فيه قبض إذا خلط ماؤه ودقاق الكندر قطع الدم، وخاصة الرعاف، ويحرك شهوة الجماع، وإذا خلط بالعسل ولعق كان صالحا لكلّ وجع يعرض في الصدر وقرحة الرئة، وإذا أكل نقّى قصبة الرئة، وإدمان أكله يظلم البصر، وهو رديء للمعدة، وماؤه إذا خلط بالخلّ والكندر واللبن أو دهن الورد وقطر في الأذن نفع وجعها والدويّ العارض لها، وإذا تضمد به مع السمّاق قطع الثآليل، ويبرئ الشرى، وإذا تضمد به مع الملح قلع خبث القروح، وإذا شرب من بزره درخمي (٦) مع مثله حبّ الآس قطع نفث الدم من الصدر، وإن سلق الكراث النبطي وطحن وخمّدت به البواسير العارضة من الرطوبة نفع منها ومن السدد العارضة في الكبد
стр. 465
البلغمية، ويفتق شهوة الطعام، ويعين على الإكثار من الباه.
ولا يصلح للمحرورين ومن يسرع إليه الرمد والامتلاء إلى رأسه، وخاصيته إفساد اللثة والأسنان، فينفع سدد الكبد والطحال، وإذا وجد في الأمعاء بلغما أساله، وإذا وجد فيها قوّة عقلها، وهو على سبيل الغذاء يحدث ظلمة في البصر وأحلاما رديئة مفزعة، ومن كان محرورا وبه هوس [وكان] في رأسه شدّة فليحذره، وإذا دقّ وعمل منه ضماد على موضع لسعة الأفعى نفع منها، وإذا دخنت المقعدة ببزر الكراث أذهب البواسير، وإذا سحق بزر الكراث وعجن بقطران وبخرت به الأضراس التي فيها ديدان نثرها وأخرجها وسكن وجعها، وإن قلي مع الحرف نفع من البواسير وعقل الطبيعة وحلل الرياح التي في الأمعاء.
وبزر الكراث إذا شرب منه ملعقة أحدث انتشارا صحيحا، ومن أحبّ أن يجامع ولا يؤذيه فليشرب بزر الكراث مع شراب، ويخلط مع الأدوية النافعة من علل الكلى والمثانة، وإن ألقي بزر الكراث في الخلّ أذهب حموضته.
ومنه صنف يقال له: السلابس، قيل إنه يشفي العنّين، ويردّه إلى الحال الطبيعية، وطبيخ أصول الكراث النبطي أسفيداجه بدهن لوز وشيرج نافع من القولنج، وعصارة يابسة تسهل الدم.
٢٠٥ - كرسنة (١):
معروفة، قال ابن البيطار (٢): تجلو وتفتح السدد، وإن أكثر من أخذه بوّل الدم، وإن أكلت صدّعت وأطلقت البطن، ودقيق الكرسنة سهل مدرّ للبول محسّن اللون، وإذا أكثر من أكله أو شربه أسهل الدم بمغص وبوّل الدم، وإذا خلط بالعسل نقّى القروح والبثور والكلف والآثار الظاهرة في الجلد من الكيموسات، وينقّي البشرة و [يمنع] القروح الخبيثة من أن تسعى في البدن، وتليّن الأورام الخبيثة والأورام الصلبة في الثدي وغيرها، وتقلع النار الفارسية؛ والقروح التي يقال لها الشهريّة، وإذا عجن بشراب وتضمد به أبرأ عضّة الكلب ونهشة الأفعى وعضّة الإنسان، وإذا استعمل بالخلّ نفع من عسر البول والزحير والمغص، وإذا قليت الكرسنة ودقت ناعما وخلطت بعسل وأخذ منه مقدار [جوزة وافقت بهازيل]، وطبيخ الكرسنة إذا صبّ على الشقاق العارض
стр. 466
من [البرد والحكة العارضين] للبدن أبرأ منها.
والكرسنة نافعة للسعال [وإذا اعتلفتها الدجاج] نفع لحمها المخدورين وأصحاب الأمزجة الباردة، وإذا عجنت بالخلّ مع الأفسنتين وضمّد بها لسعة العقرب نفعت منه، وتنبت اللحم في الجراحات الغائرة مفردة ومعجونة بالعسل ومع الزراوند المدحرج ينبت لحم اللثة المتآكلة، وقد استعملت مخلوطة بالعسل لتنشيف الرطوبات الغليظة في الصدر والرئة.
٢٠٦ - كراويا (١): Carum carvi L.
معروفة، قال ابن البيطار (٢): تطرد الرياح وتدرّ البول وتهضم الطعام، وهو جيّد يقوّي المعدة، وهو أغلظ من الكمّون يخرج [حب] القرع من البطن ويعقل البطن؛ وينفع من الريح التي تهيج إلى الأمعاء إذا عمل في الطعام أو خلط في الدواء، وإذا وقع مع الخلّ قلّ إسخانه وعقل، وإن وقع معه المري لم يعقل، وهي مجشّئة مذهبة للتخم، وتنفع المعدة الرطبة، وإذا أكل منها كلّ يوم على الريق مقدار درهمين كما هي حبّا أمسكت في الفم حتى تلين ومضغت وبلعت نفعت من ضيق النفس منفعة قويّة وحللت نفخ المعدة [ونفعت من أوجاعها] والتمادي عليها تذيب البلغم وتنفع الخفقان المتولد عن أخلاط لزجة في المعدة، ومن البهر المتولد عن ضعف [فم] المعدة كما يفعل الأنيسون، وإذا عجنت بالعسل، وإن طبخت بمطبوخ رقيق عتيق كانت أقوى فعلا في هذه الوجوه جميعها، وإذا تمودي عليها معجونة بالعسل مع بزر الكرفس نفع من التنمّل الذي يجده المبرودون بعد سكون وجع لسعة العقرب.
آخر السفر الحادي والعشرين من أجزاء الأصل من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، ويتلوه السفر الثاني والعشرون، كزبرة معروفة.
وكان الفراغ من نسخه نهار الأربعاء في العشر الأخير من شهر جمادى الأول من شهور سنة تسع بعد الألف، والحمد للّه وحده وصلواته على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلم.
стр. 467
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله
فاتحة كل خير
وتمام كل نعمة
стр. 468
إهداء
إلى الحبيب المصطفى محمد ﷺ
الذي نهلنا من فيض حبه ومحبته
ما يزيدنا استقامة على الطريق
إليك يا حبيبي يا رسول الله
أهدي هذا العمل خالصًا لوجه الله الكريم
стр. 469
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله الصادق الوعد الأمين، وبعد ..
غمرتني الفرحة والسعادة التي لم أشعر بها قبل ذلك في أي يوم من أيام حياتي بهذا القدر، عندما وصلت إلى مدينة رسول الله ﷺ هذه المرة لها طعم خاص، ومذاق مختلف تمامًا، كنت أزورها قبل ذلك أيامًا حاجًا أو معتمرًا، وأذهب عنها، وأنا أزداد شوقًا إلى العودة إليها، وما كان يدور بخلدي أن الله تعالى سيمن عليّ - بعد ذلك - بسنوات من الإقامة والعمل أعيشها في مدينة رسول الله ﷺ ألقن العلم في الجامعة لأبناء هذه المدينة المقدسة.
كنت أسير في المدينة المقدسة، وأنا لا أصدق أنني أعيش هنا في هذه الرحاب الطاهرة، التي عاش فيها قبل ذلك حبيبي المصطفى رسول الله ﷺ أشعر في كل لحظة، بحبي له يغمرني حتى إنه لا يكاد يترك ذرة في جسمي إلا واختلجها، إنه عبق النبوة الحاني على أمة الإسلام، عبر التاريخ الإسلامي الذي سطّره الرسول الأعظم محمد بن عبد الله ﷺ . أتذكر وأنا أمشي في طرقات المدينة المنورة الإمام مالك ﵀ وهو يسير في نفس الطرقات في المدينة الحبيبة حافي القدمين، كأنما أراد أن تعانق أقدامه الأرض التي سار عليها أحب
стр. 470
خلق الله إلى الله. اللهم صلِّ وسلم وبارك وأنعم عليك يا سيدي يا حبيبي يا رسول الله.
وخلال مقامي وعملي بكلية التربية للبنات بقباء والتابعة للرئاسة العامة لتعليم البنات، كانت نفسي تتوق إلى إنجاز عملين علميين عن سيرة رسول الله ﷺ وهذان العملان كانا ضمن الأهداف العلمية التي أريد أن أوفق - إن شاء الله تعالى - إلى إنجازها في حياتي، وهو أمل قديم كان يراودني منذ قمت بتدريس السيرة النبوية في الجامعات المصرية والعربية طيلة ثماني عشرة سنة، وأول هذين العملين كان تحقيق إحدى مخطوطات السيرة النبوية التي توفرت لدي بمعاونة زميلي وصديقي الدكتور محمد كمال الدين عز الدين علي الذي تفضل - عندما علم باهتمامي بمخطوطات السيرة النبوية، وأهداني بعض القطع المخطوطة للسيرة النبوية من بينها هذه القطعة من مسالك الأبصار، مصورة عن نسخته الخاصة. أما الأمل الثاني الذي يراودني فهو كتابة تاريخ السيرة النبوية، إن شاء الله تعالى.
والحمد لله تعالى هأنذا أنجز بفضله وعونه وبركته الأمنية الأولى بهذه النشرة للسيرة النبوية في «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» للعلامة شهاب الدين أحمد بن فضل الله العُمري، وهو أحد أحفاد الدوحة العمرية، التي تنتمي إلى عمر بن الخطاب ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وحبيبه.
والحقيقة أن العالم الإسلامي يزخر بالكثير من المخطوطات التي أُلفت عن السيرة النبوية، حيث كان جُلُّ المؤرخين المسلمين يرون أن من بين رسالاتهم العلمية والدينية أن يكتبوا في عصرهم عن رسول الله ﷺ وعن سيرته العاطرة بطرق مختلفة، ما بين سيرة تفصيلية، أو مختصرات للسيرة، أو تهذيب لها، أو موضوعات من السيرة، تخدم الأهداف التعليمية في عصرهم، ومن ناحية أخرى رغبتهم في أن تسجل عنهم ذاكرة التاريخ أنهم قاموا في عصرهم بعمل من أعمال خدمة الإسلام بالكتابة عن السيرة النبوية، وعن رسول الله ﷺ في عصره.
стр. 471
وختامًا: أحمد الله الذي وفقني وأعانني على إنجاز هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم وأدعوه تعالى أن يسامحنا وأن يغفر لنا زلّاتنا، وأن يختم لنا وللمسلمين بخاتمة السعادة في الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب.
د. محمد عيسى الحريري
القاهرة - المهندسين في: ٢٣ من صفر ١٤١٧ هـ
٩ يوليو ١٩٩٦ م
стр. 472
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
تعتبر مخطوطة مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لشهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العُمري (٧٠٠ هـ - ٧٤٩ هـ) من أهم ما أنتجته القرائح العربية الإسلامية في النصف الأول من القرن الثامن الهجري. وعلى الرغم من الانتشار الواسع لهذا الكتاب الذي يقع في سبعة وعشرين جزءًا، وما ألقاه من ظلال ومؤثرات علمية على جميع المؤلفات التي ظهرت في عصره، وفي العصور التالية لعصره - حيث عمدت هذه المؤلفات إلى الاستفادة من معلوماته على نطاق واسع - فقد بدا الكتاب متناثرًا في مكتبات العالم، بحيث يتعذر الحصول على نسخة واحدة مكتملة له، حتى تلك النسخة التي عثر عليها في مكتبة أيا صوفيا باستامبول - وتقع في أربعة وعشرين جزءًا، والتي تحمل الأرقام ٣٤١٥ إلى ٣٤٣٩ - ملفقة من نسختين وينقصها الجزء الأول.
وفي سنة (١٩١٠ م) عثر أحمد زكي باشا ﵀ مصادفة على نسخة من الكتاب في مكتبة أحمد الثالث طوب قبوسراي في استامبول، وتحمل رقم ٢٧٩٧، وهي نسخة خزائنية، كتبت برسم خزانة السلطان الملك المؤيد شيخ المحمودي. وقد أهدى أحمد زكي باشا صورته عن هذه النسخة لدار الكتب المصرية وما تزال هذه النسخة هي النسخة الوحيدة الكاملة لهذا الكتاب. وهي محفوظة بدار الكتب برقم ٥٥٩ معارف عامة.
стр. 473
أمّا ما نُشر من الكتاب باللغة العربية - حتى الآن - فيكاد يكون محدودًا للغاية:
١ - فقد نشر أحمد زكي باشا ﵀ الجزء الأول من نسخة أحمد الثالث في القاهرة سنة ١٩٢٤ م.
٢ - ونشر الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب في سنة ١٩٢٥ في مجلة «البدر» لمؤسسي الجامعة الزيتونية بتونس - قطعة من مسالك الأبصار بعنوان: «وصف إفريقية والأندلس أواسط القرن الثامن للهجرة» (١).
٣ - ثم نشر الدكتور صلاح الدين المنجد، قطعة بعنوان «وصف دمشق في مسالك الأبصار» في مجلة معهد المخطوطات في سنة ١٩٥٨، ونشرها ثانية في بيروت سنة ١٩٦٧ في كتيب له عن «مدينة دمشق عند الجغرافيين والرحالين المسلمين» (٢).
٤ - ونشر الدكتور أيمن فؤاد سيد من هذا الكتاب (٣):
أ - قسمًا خاصًا باليمن في سنة ١٩٧٤ م.
ب - وقسمًا عن «ممالك مصر والشام والحجاز واليمن» نشرة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة ١٩٨٥.
٥ - وفي عام ١٩٨٥ نشرت «دوريتيا كرافولسكي» قطعة من المسالك بعنوان: «قبائل العرب في القرنين السادس والسابع الهجريين» (٤).
_________
(١) ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار، ت: د. أيمن فؤاد سيد، قطعة منه بعنوان: ممالك مصر والشام والحجاز واليمن، نشر المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة ١٩٨٥، المقدمة ص ٤١ - ٤٢.
(٢) المصدر السابق، نفس الصفحات.
(٣) المصدر السابق، نفس المقدمة والصفحات.
(٤) ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار، جمع: فؤاد سزكين، نشرة معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بفرانكفورت ١٤٠٨ هـ، المقدمة ص ٦ - ٨.
стр. 474
- ونشرت نفس المحققة في بيروت سنة ١٩٨٦ نفس القطعة التي نشرها الدكتور أيمن فؤاد سيد عن «مصر والشام والحجاز واليمن». نشرتها تحت عنوان «دولة المماليك» (١).
٦ - ونشر الدكتور محمد سالم بن شديد العوفي قطعة عن مملكة الهند والسند.
عدا هذا الذي نشر بالعربية من المخطوطة، هناك منتخبات، وترجمات، ودراسات عن الكتاب، نشرت بلغات أجنبية لكثير من المؤرخين والباحثين من أمثال «كاترمير»، «Quatremére، M.»، وميخائيل أماري «Amari، M.» و «تيزنهوزن» «Tiesenhausen» و «شيفير» «Schefer، ch.» و «دي مومبين» «Gaudefray - Demombynes» و «تيشنر» «Taeschner، f» و «ليش» «Lech، k.» (٢)
أما بقية القطع التي عثر عليها في مكتبات العالم فقد سجلها فؤاد سزكين في المقدمة التي قدم بها للنسخة الملفقة التي نشرها بالتصوير - عن مخطوطات هذا الكتاب - بمعهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، التابع لجامعة فرانكفورت، وسجل معظمها أيضًا الدكتور أيمن فؤاد سيد من مقدمة القطعة التي نشرها من هذا الكتاب خاصة بممالك مصر والشام والحجاز واليمن. فلا داعي لتكرار الحديث عنها، ويمكن الرجوع إليها من مظانها (٣).
ولا شك أن هذا الاهتمام العربي والأوربي والشرقي بهذه المخطوطة الهامة في السنوات الأخيرة، يشكل دعوة صريحة إلى تكوين مجموعة عمل من جانب الهيئات العلمية أو دور النشر - المهتمة بالتراث الإسلامي والعربي - لتحقيق هذا الكتاب كاملًا حتى تعم به الفائدة، وفي نفس الوقت تحمي ما تبقى منه من الفقد والتلف والضياع.
_________
(١) المصدر السابق، نفس المقدمة والصفحات.
(٢) المصدر السابق، ت: د. أيمن فؤاد سيد، ص ٤١ - ٤٤.
(٣) المصدر السابق، نفس الصفحات.
стр. 475
ابن فضل الله العُمري:
صَدَّر ابن فضل الله العُمري موسوعته الضخمة بما يفيد انتسابه إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فيقول عن ذلك: «يقول العبد الفقير إلى الله تعالى الراجي عفوه أحمد بن يحيى بن فضل الله بن المجلى بن دعجان بن خَلَف أبي الفضل نصر بن منصور بن عبيد الله بن عديّ بن محمد بن أبي بكر عبد الله بن عبيد الله بن أبي بكر بن عبيد الله الصالح بن أبي سلمة عبد الله - وقيل أسلمة بن عبيد الله - بن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب» (١).
ويكاد المؤرخون يجمعون على أن مولده كان في الثالث من شوال سنة سبعمائة (٧٠٠ هـ) (٢) عدا ما ذكر الذهبي - الذي كان أستاذًا له - من أن مولده كان في سنة سبع وتسعين وستمائة (٦٩٧ هـ) (٣). وذكر الصفدي في مقدمة الترجمة لابن فضل الله العُمري أنه ولد سنة (٧٠٠ هـ)، ثم عاد في نهاية الترجمة وقال: «والظاهر أن مولده سنة إحدى وسبعمائة (٧٠١ هـ) أو سنة سبعمائة (٧٠٠ هـ) وهو على ذلك متردد بين التاريخين» (٤).
نشأ شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري في بيت له صلة
_________
(١) مسالك الأبصار، المخطوطة، ورقة ٢.
(٢) الصفدي: الوافي بالوفيات، ج ٣، ص ٢٥٤، ٢٦٩، ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، ج ١، ص ١٥٩، ترجمة: ٦٠، الحسيني: من ذيول العبر، ص ٢٧٥، المقريزي: السلوك، ج ٢، ص ٧٩٢، ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ج ٣، ترجمة ٥٨٦، ص ١٨، ابن حجر: الدرر الكامنة، جـ ١، ص ٣٩٣، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، جـ ١٠، ص ٣٣٤٥، السيوطي: حسن المحاضرة، جـ ١، ص ٥٧١، ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، جـ ٦، ص ١٦٠.
(٣) الذهبي: المعجم المختص [بالمحدثين]، ص ٤٥، ٤٦، ترجمة ٤٩٠، ابن ناصر: الرد الوافر، ص ١٣٩، وانظر ابن تغري بردي: المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، جـ ٢، ص ٢٦٢، ترجمة: ٣٣٨.
(٤) الصفدي: المصدر السابق، جـ ٣، ص ٢٦٩.
стр. 476
كبيرة بوظائف العمل في الدواوين في بلاد الشام ومصر، وفي دمشق بصفة خاصة، حيث كان والده يعمل في كتابة السر، وهي إحدى الوظائف المهمة في ديوان الإنشاء، وفي نفس الوقت كان ابنه شهاب الدين - بتأثير من مركز والده - يعمل كاتبًا في ديوان الإنشاء هو الآخر. وما أن انتقل والده إلى مصر ليتولى وظيفة كاتب السر هناك، حتى صار ولده شهاب الدين هو الآخر يقرأ البريد على الملك الناصر محمد بن قلاوون، وينفذ بعض المهمات التي يعهد إليه بها السلطان (١).
وظلت الأحوال على حالها بمؤرخنا من طيب العيش ولذة الحياة في مصر، حتى إذا كانت سنة (٧٣٨ هـ) عَيَّن السلطان الناصر محمد بن قلاوون علم الدين بن القطب في وظيفة كاتب السر، فاعترض ابن فضل الله على ذلك وقال للناصر إنه قبطي، فلم يلتفت الناصر إلى ذلك، وأمر ابن فضل الله أن يكتب لعلمِ الدين بن القطب زيادة في راتبه، فامتنع عن ذلك وقال: أما يكفي أن يكون كاتبًا للسر حتى يزاد في معلومه (أي راتبه) وقام مغاضبًا للسلطان وهو يقول له: «خدمتك عليَّ حرام» (٢). وعلى الرغم من تدخل والده بالاعتذار لدى السلطان، وطلب العفو منه، إلا أن السلطان أصر على عزل شهاب الدين من وظيفته، وإحلال أخيه علاء الدين مكانه. كذلك أمر السلطان أن تحدد إقامة شهاب الدين ابن فضل الله العُمري في بيته (٣).
توفي والد شهاب الدين بعد ذلك، فرفع بنفسه طلبًا إلى السلطان الناصر يسأله فيه أن يسمح له بالسفر إلى الشام، فحرك هذا الطلب ما كان ساكنًا في نفس السلطان من الغضب عليه، فأمر السلطان باعتقاله وسجنه، ومصادرة أمواله، وكان ذلك في شعبان سنة (٧٣٩ هـ) (٤). ولم يقف الأمر عند هذا الحد،
_________
(١) ابن تغري بردي: المنهل الصافي، ج ٢، ص ٢٦٤.
(٢) المصدر السابق، نفس الصفحة، النجوم الزاهرة جـ ١٠، ص ٧٤٩، ابن حجر: الدرر الكامنة، ج ١، ص ٢٩٣، ٢٩٤.
(٣) المصدر السابق، ج ١، ص ٢٩٤.
(٤) المصدر السابق، نفس الصفحة.
стр. 477
فما هي أن دس أحد الكتاب إلى السلطان أن شهاب الدين ابن فضل الله كان قد زور توقيعًا. فأمر الناصر بقطع يده، فقطعت وسجن، ولم يفرج عنه إلا في ربيع الآخر سنة (٧٤٠ هـ) (١).
تحسنت الأحوال بينه وبين السلطان - بعد ذلك - فولاه كتابة السر في دمشق بدلًا من الشهاب يحيى بن القيسراني، فظلّ في ذلك المنصب حتى عزل منه في الثالث من صفر سنة (٧٤٣ هـ) بعد أن كثرت الشكايات منه، وظل مؤرخنا المعزول دون منصب أو عمل حتى وفاته (٢). ويروي ابن كثير أن ابن فضل الله ابتنى بيتًا فخمًا هائلًا بسفح جبل قاسيون بالقرب من الركنية شرقيها ليس له مثيل بالسفح» (٣).
قضى شهاب الدين ابن فضل الله بقية حياته مقيمًا في منزله العامر، حتى إذا كانت سنة (٧٤٩ هـ) انتشر الطاعون بمدينة دمشق، وأصاب مؤرخنا القلق والفزع وفي ذلك يقول الصفدي: «ولما وقع الطاعون بدمشق سنة تسع وأربعين وسبعمائة قلق (شهاب الدين) وهمع وزمع وتطاير كثيرًا وراعى القواعد الطبية، وانجمع عن الناس وانعزل» (٤).
فكر شهاب الدين في الحج، فاشترى الجمال لهذا الغرض، وجهز بعض الآلات اللازمة للسفر، ولكنه عدل عن ذلك، وتوجه بولديه وزوجته، وهي ابنة عمه إلى القدس الشريف، وصاموا هناك رمضان، ولكن ما لبثت زوجته أن توفيت فدفنها بالقدس (٥). وعاد إلى دمشق، وهو في حالة نفسية سيئة جدًا، فقد كان «طائر العقل» كما يقول الصفدي (٦). ويبدو أن حالته النفسية هذه أثرت على
_________
(١) نفسه.
(٢) نفسه، ص ٣٩٥.
(٣) ابن كثير: البداية والنهاية، جـ ١٤، ص ٢٢٩.
(٤) الصفدي: الوافي بالوفيات، جـ ٣، ص ٢٦٨.
(٥) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(٦) نفسه.
стр. 478
قدرته على التحمل ففي يوم وصوله إلى دمشق برد وحصل له حمى ربع وأضعفته إلى أن بَخَرنثَ بصَرَع وتوفي ﵀» (١) شهيدًا بالطاعون (٢). وكان ذلك سنة تسع وأربعين وسبعمائة (٧٤٩ هـ) عن تسع وأربعين سنة، وصلي عليه بالجامع الأموي، ودفن بجانب والده وأخيه بدر الدين محمد بالصالحية، بالقرب من اليغمورية في سفح جبل قاسيون (٣).
كان مؤرخنا ﵀ جميل الأخلاق يحب العلماء والفقراء (٤). وصفه معاصره صلاح الدين الصفدي - الذي كان صديقًا له - بأنه كان لطيف الأخلاق، واسع الصدر بَشر المحيا (٥). وقال عنه ابن حجر «كان ذا صورة جميلة حسن الخلق بشر المحيا واسع الصدر» (٦).
كان ﵀ يكتب من رأس القلم ما يعجز عنه غيره (٧). قال عنه الصفدي أيضًا: «رزقه الله أربعة أشياء لم أرها اجتمعت في غيره: وهي الحافظة قلما طالع شيئًا إلا وكان مستحضرًا لأكثره، والذاكرة التي إذا أراد ذكرى شيء من زمن متقدم كان ذلك حاضرًا كأنه إنما مر به بالأمس، والذكاء الذي تسلط به على ما أراد، وحسن القريحة في النظم والنثر … وأضاف الله تعالى له إلى ذلك كله حسن الذوق الذي هو العمدة في كل فن» (٨).
وكان يجمع إلى جانب العلم الواسع خصوصية علمية فيما يتعلق بعلم
_________
(١) نفسه.
(٢) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، جـ ٦، ص ١٦٠.
(٣) الصفدي: المصدر السابق، جـ ٣، ص ٢٦٨، ابن كثير: البداية والنهاية، جـ ١٤،
ص ٢٢٩.
(٤) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، جـ ٦، ص ١٦٠.
(٥) الصفدي: الوافي بالوفيات، جـ ٣، ص ٢٥٣.
(٦) ابن حجر: الدرر الكامنة، جـ ١، ص ٣٩٣.
(٧) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(٨) الصفدي: المصدر السابق، جـ ٣، ص ٢٥٣، ٢٥٤.
стр. 479
التاريخ والجغرافيا، استفاد منها مؤرخنا على نطاق كبير عند تأليفه لمسالك الأبصار، وقد أشار الصفدي إلى هذه الخصوصية العلمية لديه بقوله: «ولم أر من يعرف تواريخ ملوك المُغُل من لدن جنكيز خان وهلم جرّا معرفته، وكذلك ملوك الهند الأتراك، أما معرفة الممالك والمسالك، وخطوط الأقاليم، ومواقع البلدان، وخواصها، فإنه فيها إمام وقته، وكذلك معرفة الاسطرلاب وحل التقويم وصور الكواكب» (١).
وتدل الروافد العلمية التي نهل منها ابن فضل الله على تمكنه وقوته ورسوخ مكانته العلمية في عصره، فهو تتلمذ على جمهرة من أشهر علماء عصره، «فقرأ العربية على الشيخ كمال الدين بن قاضي شهبة، ثم على قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم، والفقه على قاضي القضاة شهاب الدين بن المجد عبد الله وعلى الشيخ برهان الدين «ابن الفركاح» قليلًا. وقرأ الأحكام الصغرى على الشيخ تقي الدين ابن تيمية، والعروض والأدب على الشيخ شمس الدين الصايغ «الكبير» وعلاء الدين الوادعي. وقرأ جملة من المعاني والبيان على العلامة شهاب الدين محمود، وقرأ عليه جملة من الدواوين، وكتب الأدب، وقرأ بعض شيء من العروض على الشيخ كمال الدين بن الزملكاني. والأصول على الشيخ شمس الدين الأصفهاني، وأخذ اللغة عن الشيخ أثير الدين: سمع عليه «الفصيح» و «الأشعار الستة» و «الدريدية»، وأكثر ديوان أبي تمام، وغير ذلك، وسمع بدمشق من الحجّار، وست الوزراء «بنت الشيرازي» وأبي الفتح (٢). كما سمع الحديث من الحافظ الذهبي، وكلاهما سمعاه أيضًا من ست القضاة بنت الشيرازي» (٣).
_________
(١) المصدر السابق، جـ ٣، ص ٢٥٤.
(٢) الصفدي: الوافي بالوفيات، جـ ٣، ص ٢٥٤، ٢٥٥، ابن شاكر الكتبي، فوات الوفيات،
جـ ١، ص ١٥٩، ١٦٠، مع خلاف في اللفظ، وراجع ابن حجر: الدرر الكامنة، جـ ١،
ص ٣٩٣، وابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ١٣٩، ترجمة: ٤٠
(٣) الذهبي: المعجم المختص [بالمحدثين]، ص ٤٦.
стр. 480
وكانت له رحلة إلى الحجاز ومصر والاسكندرية، ففي القاهرة سمع من يحيى بن يوسف بن المصري. وأجاز له جماعة من العلماء (١).
وكانت له ﵀ علاقات طيبة بمعاصريه من المؤرخين والعلماء، نذكر منهم على سبيل المثال علاقته بالمؤرخ صلاح الدين الصفدي الذي ترجم لصاحبه ابن فضل الله العمري، ترجمة تعد أوفى التراجم عن حياته، ويحدثنا الصفدي عن العلاقة القوية التي كانت تربطه به، واقترابه الدائم منه، فيقول: «وسمعت من لفظه غالب ما أنشأه، وكتب قُدَّامي كثيرًا من التواقيع الحَفِلة من رأس القلم، وترسل كثيرًا، وأنا أراه من رأس القلم عن الدولة وعن نفسه، إلى إخوانه فيأتي بما يبهر العقول، لم أر لأحد قدرته على ذلك» (٢).
كذلك كانت له علاقة قوية بالمؤرخ ابن الوردي صاحب تتمة المختصر في أخبار البشر، فقد أنشأ ابن الوردي مدرسة في معرة النعمان، وذهب ابن فضل الله لزيارة صاحبه في مدرسته الجديدة، فلما نزل بها أنشد فيها بيتين من شعره يقول فيها (٣):
وفي بلدة المعرَّة دار عِلمِ … بني الوردي منها كل مجد
هي الوردية الحلواء حسنًا … ومساء البئر منها ماء ورد
مؤلفاته:
تفرغ ابن فضل الله العُمري بعد عزله من وظيفته للتأليف والتصنيف كما
يذكر ذلك صديقه المؤرخ ابن الوردي (٤). وكانت هذه الفترة (٧٤٠ هـ -
_________
(١) ابن رافع: الوفيات، جـ ١، ص ١١٣.
(٢) الصفدي: الوافي بالوفيات، جـ ٣، ص ٢٥٥.
(٣) ابن الوردي: تتمة المختصر في أخبار البشر، جـ ٢، ص ٥٠٣.
(٤) المصدر السابق، نفس الصفحة.
стр. 481
٧٤٩ هـ) هي أخصب فترات عمره، وهي عشر سنوات ألف فيها معظم كتبه ومصنفاته وهي:
١ - «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار».
ذكر عدد من المؤرخين أنه كان في عشرين جزءًا، وبعضهم قال إنه كان في عشرة أجزاء، وقال آخرون إنه كان في سبعة وعشرين جزءًا. وتفسير ذلك من وجهة نظرنا، أن بعض هؤلاء المؤرخين رأى هذا الكتاب قبل أن يكتمل، أو رآه، وهو عشرة أجزاء فقط، ثم استمر ابن فضل الله في إضافة أجزاء جديدة للكتاب، فكلُّ ذكر عدد أجزاء الكتاب حيثما رآه أو سمع عنه، فالصفدي - وهو صديق ابن فضل الله - يروي أن كتاب مسالك الأبصار كان في عشرة أجزاء (١). بينما يذكر ابن شاكر الكتبي - وهو معاصر أيضًا - أنه كان في عشرين جزءًا (٢). أما ابن قاضي شهبة - وهو أستاذ ابن فضل الله ومعاصره - فيبدو أنه رأى الكتاب عند اكتماله، وفي حجمه الحقيقي فذكر أنه في سبعة وعشرين مجلدًا (٣). ونقل عنه ذلك ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب (٤).
٢ - وله كتاب «التعريف بالمصطلح الشريف» (٥): وهو خاص بالكتابة، وأعمال الإنشاء في الدواوين، وأصبح لهذا الكتاب شهرة كبيرة عند أرباب الدواوين، حتى إن القلقشندي أطلق عليه اسم «الدستور» (٦). يلتزم به وبقواعده كل من يعمل في ديوان الإنشاء، كما أسس ابن ناظر الجيش عليه كتابه المعروف
_________
(١) الصفدي: الوافي بالوفيات، ج ٣، ص ٢٥٥.
(٢) ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، ج ١، ص ١٦٠، وينقل عنه ذلك ابن تغري بردي في: المنهل الصافي، ج ٢، ص ٢٦٥، وفي النجوم الزاهرة، جـ ١٠، ص ٢٣٥، وابن حجر: الدرر الكامنة، جـ ١، ص ٣٩٥.
(٣) ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية، ج ٣، ص ١٩.
(٤) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، جـ ٦، ص ١٦٠.
(٥) ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية، ج ٣، ص ١٩.
(٦) القلقشندي: صبح الأعشى، جـ ١، ص ٧.
стр. 482
بكتاب «تثقيف التعريف بالمصطلح الشريف» (١).
٣ - «فواضل السحر في فضائل آل عمر» (٢): في أربع مجلدات، وقد دفعه إلى تأليف هذا الكتاب انتسابه إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -.
٤ - «صَبَابَةُ المشتاق» (٣): في مجلد واحد، وهو ديوان كامل من المدائح النبوية.
٥ - «سفرة السفرة» (٤).
٦ - «دمعة الباكي» (٥).
٧ - «يقظة الساهر» (٦).
٨ - «نفحة الروض» (٧).
وأثبت له الدكتور أيمن فؤاد سيد أربع مؤلفات أخرى هي (٨):
٩ - «النزهة الكافية في معرفة الكتابة والقافية».
١٠ - «ذهبية العصر».
١١ - «الشتويات».
_________
(١) راجع نشرة المعهد الفرنسي للكتاب بتحقيق: رودلف قسلي ١٩٨٧.
(٢) ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية، جـ ٣، ص ١٩، ابن حجر: الدرر الكامنة، جـ ١، ص ٣٩٥.
(٣) ابن قاضي شهبة: المصدر السابق، نفس الصفحة، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، جـ ١٠، ص ٢٣٥، المنهل الصافي، جـ ٢، ص ٢٦٥، ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، جـ ٦، ص ١٦٠.
(٤) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(٥) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(٦) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(٧) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(٨) ابن فضل الله: مسالك الأبصار، تحقيق: أيمن فؤاد سيد، ص ٣٥، ٣٦.
стр. 483
١٢ - «مختصر قلائد العقيان لابن خاقان».
يضاف إلى ذلك ما نظم من القصائد، والأراجيز، والمقطعات، والدوبيت، والموشح، والبلِّيْق. علاوة على كثير من التقاليد، والمناشير، والتواقيع، ومكاتبات الملوك وغير ذلك (١).
عصر المخطوطة
ظهرت هذه المخطوطة الضخمة لابن فضل الله العُمري في العصر المملوكي، وهو العصر الذي عاش فيه المؤلف قرابة النصف قرن من الزمان، هي كل عمره (٧٠٠ هـ - ٧٤٩ هـ)، وهذا العصر هو عصر الموسوعات لاشتهاره بمجموعة من الموسوعات التي صارت وما زالت لها شهرة عظيمة حتى الآن، وهي موسوعات تقدم للفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي عطاءات علمية كثيرة إذ هي روافد لا ينقطع معينها وزادها الفكري للباحثين والدارسين حتى وقتنا هذا.
وأغلب الظن أن ظروف العصر هي التي أملت على هؤلاء المؤلفين أن يسلكوا هذا المسلك العلمي في التأليف الموسوعي فمن بين هذه الأسباب:
رد الفعل العظيم الذي أحدثه غزو التتار للعالم الإسلامي، وما صحبه من تدمير وتخريب وحرق وإغراق للكتب والمؤلفات العربية والإسلامية، ورغبة مؤلفي الموسوعات في جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات وعناصر العلم الإسلامي في موسوعاتهم لمواجهة ما قد حدث، وما لعله يحدث للمؤلفات الإسلامية من خصوم الإسلام وأعدائه.
أما السبب الثاني فهو سبب يتعلق بطبيعة الوظائف التي تقلدها مؤلفوا هذه
_________
(١) الصفدي: الوافي بالوفيات، ج ٣، ص ٢٥٥، ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، جـ ١،
ص ١٦٠.
стр. 484
الموسوعات، وهي وظائف كانت في ديوان الإنشاء، وهذا الديوان كان يحتاج في غالب الأمر إلى الكثير من المعلومات التي لا يجيد جمعها إلا رجال من طراز هؤلاء الرجال أصحاب الخبرة بما يحتاجه ديوان الإنشاء من معلومات جغرافية وتاريخية عن المسالك والممالك في عالم الإسلام. ومن ثم وجدنا أصحاب هذه الموسوعات الكبرى من العصر المملوكي من بين موظفي ديوان الإنشاء. فالنويري (٦٧٧ هـ - ٧٣٣ هـ). صاحب الموسوعة الكبرى المعروفة بنهاية الأرب، ذكر في مقدمتها أنه اشتغل بصناعة الكتابة وأعمال الحكومة وجرائد الحساب، والمقايسات. وكان صاحبنا «ابن فضل الله العُمري» كاتبًا للإنشاء بمصر ودمشق، كما كان قارئًا للبريد على السلطان كما ذكرنا. وكان القلقشندي (٧٥٦ هـ - ٨٢١ هـ)، صاحب موسوعة صبح الأعشى في صناعة الإنشاء هو الآخر قد حصر نفسه في صناعة الإنشاء وديوان الإنشاء منذ سنة (٧٩١ هـ) تطوعًا (١).
وإن كان الوطواط صاحب موسوعة «مباهج الفكر ومناهج العبر»، وهي أول الموسوعات التي نصادفها من العصر المملوكي، لم يكن من كتاب ديوان الإنشاء. فقد كان محمد بن إبراهيم بن يحيى الكتبي الوراق، جمال الدين الذي اشتهر بالوطواط المتوفى سنة (٧١٨ هـ) هو صاحب هذه الموسوعة في العلوم الطبيعية والجغرافيا، وكانت له الريادة في نمط التأليف الموسوعي، حيث تأثر به كثيرًا النويري في طريقة تبويب موسوعته نهاية الأرب على الرغم من أنه كان وراقًا مهتمًا بالكتب ونسخها والتجارة فيها (٢).
وإذا كانت هذه هي الدواعي والبواعث لتأليف الموسوعات فإن عصر ابن فضل الله صاحب هذه الموسوعة موضوع التحقيق، يكاد ينحصر على وجه التحديد في النصف الأول من القرن الثامن الهجري، وخلال هذه الفترة تعاقب
_________
(١) المقريزي: درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة، ج ٢، ص ٣٦٢.
(٢) الصفدي: الوافي بالوفيات، طبعة ١٩٨١، ج ٢، ص ١٦ - ١٨.
стр. 485
على حكم دولة المماليك في مصر كل من السلطان محمد بن قلاوون في فترة سلطنته الثانية التي استمرت من سنه (٦٩٨ هـ) وحتى سنة (٧٠٨ هـ) (١) والسلطان المظفر بيبرس الجاشنكير الذي تولى السلطنة في مصر سنة (٧٠٨ هـ)، إلى سنة (٧٠٩ هـ) (٢)، حيث بدأت فترة سلطنة الناصر محمد بن قلاوون الثالثة من سنة (٧٠٩ هـ)، حتى سنة (٧٤١ هـ) (٣). وحتى انتصاف ذلك القرن كان الحكم في دولة المماليك في يد أبناء الناصر محمد بن قلاوون أيضًا (٤).
وهكذا نرى أن مؤرخنا عاش في عصر كان أغلبه في سلطنة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وفي عهد هذا السلطان المملوكي، وخصوصًا سلطنته الثالثة (٧٠٩ هـ - ٧٤١ هـ) التي دامت إحدى وثلاثين سنة تزامنت مع أخصب فترة في حياة ابن فضل الله العُمري الذي لم يمتد به العمر أكثر من تسع وأربعين سنة.
ويمثل هذا العصر بالذات أعظم فترة في حلقات تاريخ عصر المماليك ازدهارًا وأكثرها رقيًا واستقرارًا في مصر ومع هذا الازدهار والاستقرار والرقي تألق مؤرخنا فقد كان عهد الناصر هو عهد الرخاء والعمران، فأقام الناصر المنشآت الكثيرة، وامتد نفوذه من المغرب غربًا حتى الشام والحجاز شرقًا، ومن النوبة جنوبًا حتى آسيا الصغرى شمالًا (٥). وقضى الناصر فترة حكمه هذه في الإصلاح والإنشاء والتعمير، فأقام كثيرًا من المنشآت الدينية والعمرانية مثل المساجد والمدارس والجسور والقناطر والخانقاة، وجدد بعض المؤسسات القديمة مثل البيمارستان المنصوري الذي شيده والده سنة (٦٨٨ هـ). وبلغ ما
_________
(١) د. سعيد عاشور: الأيوبيون والمماليك، ص ٢٤١.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٤٤.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٤٨.
(٤) المرجع السابق، ص ٢٥١.
(٥) المرجع السابق، ص ٢٤٩، ٢٥٠.
стр. 486
كان يصرف على العمارة في عصره كل يوم كما ذكر المقريزي سبعة آلاف درهم من الفضة (١).
وصاحب هذا الازدهار المادي ازدهار في جانب آخر من جوانب الحياة العلمية والفكرية وكان مؤرخنا هو أحد معالم هذا الازدهار في جانب الحياة الفكرية في هذا العصر بالإضافة إلى العديد من العلماء الذين اشتهروا في هذا العصر - أيضًا - مثل: النووي، وابن خلكان، وابن شداد، وابن العبري وابن واصل، واليونيني، والصقاعي وأبي الفدا والقطب الحلبي والجزري والذهبي، وابن الوردي في الشام، والمنذري والمكين ابن العميد، والمفضل ابن أبي الفضائل، وابن ميسر، وابن عبد الظاهر، وبيبرس الدوادار في مصر.
وهذا يعني أن مصر المملوكية في عصر ابن فضل الله العُمري كانت زعيمة للعالم الإسلامي دون منازع، وقد كلفتها هذه الزعامة القيام بواجبات كثيرة، من أهمها المحافظة على التراث الثقافي والعلمي للأمة الإسلامية بعد أن تعرض للفناء والدمار على أيدي التتار، حتى لقد خيل إلى بعض الباحثين أن الثقافة العربية والعلوم الإسلامية كلها قد نسيت يومئذ من جميع الأذهان نسيانًا تامًا، وأنها ستكتب من جديد، ويتبع في كتابتها نظام جديد أيضًا، وتلك كانت الفكرة الأساسية عند أصحاب الموسوعات، وتعني هذه الفكرة الإحاطة والإلمام بالثقافة الإسلامية من جميع جوانبها ولم يختلف في ذلك عالم عن آخر من حيث الإطار والمنهج، الذي تجمع فيه مواد هذه الثقافة. فجاء نتاج هذه المرحلة في إطار أدبي بعض الشيء كما في نهاية الأرب للنويري، وفي إطار جغرافي تاريخي كما في مسالك الأبصار للعُمري، وفي إطار لغوي كما في المعاجم العامة. وفي إطار رسمي ديواني - إن صح هذا التعبير - كما في صبح الأعشى للقلقشندي (٢).
_________
(١) المرجع السابق، ص ٢٥٠، المقريزي: المواعظ والاعتبار، جـ ٢، ص ٣٠٦.
(٢) د. عبد اللطيف حمزة: الحركة الفكرية في مصر في العصرين الأيوبي والمملوكي الأول، ص ٣٧١.
стр. 487
حدث هذا كله في وقت تأكدت فيه لمصر الإسلامية المملوكية الزعامتين الدينية والسياسية، وفي وقت أيضًا كانت فيه بغداد عاجزة تمامًا عن القيام بدورها في حماية وصيانة وتجديد الفكر العربي والإسلامي (١).
وصف المخطوطة
تقع مخطوطة المسالك - كما يُظن أن مؤلفها قد تركها عليه من حيث التقسيم - في سبعة وعشرين جزءًا، ولذا حاول فؤاد سزكين في نشرته لها أن يحافظ على هذا التقسيم، بالتلفيق بين عدة مخطوطات، اختار أجود أجزائها ليقدم إلينا نسخة مكتملة منها، فكانت هذه النسخة التي اعتمدنا على تحقيق موضوع السيرة النبوية منها وهي - كما ذكرنا آنفًا - نشرة معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية التابع لجامعة فرانكفورت، والصادرة سنة (١٩٨٩ م)، والمصورة عن مخطوطة أحمد الثالث باسطنبول، وهي مجهولة الناسخ، وكان يظن أنها بخط مؤلفها، وإن لم يُر في النسخة بأكملها ما يشير إلى ذلك. ونحن نظن أن ابن فضل الله لم يتيسر له كتابة أي من أجزاء الكتاب بيده لأن تأليفه له كان لاحقًا لحادث قطع يده.
وإن كنت أرى مع ذلك أن هذه النسخة تكتسب أهمية خاصة لكونها التي اطلع عليها التقي المقريزي، ونقل عنها في عدة مؤلفات من مؤلفاته، انتقاء على النحو المثبت على غلاف المخطوطة بخط يده، والذي قال فيه: «انتقاه داعيًا لمعيره أحمد بن علي المقريزي» وهو ما يستفاد منه أنها نسخة نفيسة، وإلا لما نقل عنها داعيًا للمعير الذي حبسها عن أن تخرج لغيره.
ويقع القسم الذي قمنا بتحقيقه في الجزء الثالث والعشرين فيما بين صفحتي ٢٤٨ - ٣٦٩، وهي ذات قطع طويل تحتوي كل صفحة منها على ثلاثة
_________
(١) المرجع السابق، ص ٣٧٢.
стр. 488
وعشرين سطرًا، متوسط عدد الكلمات في السطر الواحد نحو من إحدى عشرة كلمة، كتبت بخط نسخي حسن خال في أكثره من الضبط أو الشكل، ومع وضوح الخط وحسنه، فإن هذه النسخة - على الرغم من كونها فيما نعلم نسخة وحيدة - مليئة بالتصحيف، والتحريف، والسقط، مما يجعلها غير صالحة للاطلاع عليها بحالتها الراهنة للاستفادة منها بطريقة علمية، مما دفعني إلى تحقيقها، وتصويب متنها خدمة للسيرة النبوية، والمكتبة الإسلامية والعربية.
وعلى الرغم من أن السيرة النبوية تدخل في مجال التاريخ إلا أن ابن فضل الله العُمري قد وضع هذا القسم عن السيرة - موضوع التحقيق - في قسم سكان الأرض في موسوعته - مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ليعيد بعضًا مما ورد فيها من أحداث السيرة منثورًا بطريقة مختصرة ضمن حوليات القسم التاريخي.
والمتصفح لهذا الجزء من موسوعة مسالك الأبصار، يجد أن موضوع السيرة سُبق بموضوع يعتبر مقدمة طبيعية للسيرة، وهو عن الديانات، والفرق الإسلامية، وتاريخ الأنبياء، والذي كان طبيعيًا أن يختتم بهذه السيرة الموسعة عن حياة الحبيب المصطفى خاتم الأنبياء وسيد المرسلين سيدنا محمد ﷺ .
وبعد انتهاء ابن فضل الله من عرض أحداث السيرة اتبعها بسير موجزة لنسله ﷺ من ولدي فاطمة الزهراء ﵂ الحسن والحسين، وتجاربهما، ومن أتى من نسلهما في ظل دولة الخلافة الإسلامية ليشغل هذا بقية هذا الجزء والجزء التالي له.
محتويات المخطوطة
نستطيع بسهولة أن نظفر بالخطة العلمية البالغة الدقة، التي وضعها ابن فضل الله العُمري لهذا الكتاب الموسوعي الضخم وذلك من خلال المقدمة التي قدم بها لهذا العمل العلمي الرائع فعنه يقول: «وجملته قسمان: القسم الأول: في الأرض. والقسم الثاني: في سكان الأرض.
стр. 489
أما القسم الأول من الكتاب، فقد ذكر فيه الأرض وما اشتملت عليه بَرًّا وبحرًا، مقسِّمًا إياه إلى نوعين: النوع الأول: فهو في المسالك: ويشتمل على باب في مقدار الأرض وحالها، وثان: في ذكر الأقاليم السبعة، وثالث: في البحار وما يتعلق بها، ورابع: في القبلة والأدلة عليها، وخامس: في ذكر الطرق، سواء حيث التعاريج أو استواء الطريق.
أما النوع الثاني: فهو في الممالك: وجعله في خمسة عشر بابًا:
١ - مملكة الهند والسند.
٢ - مملكة بيت جنكيز خان.
٣ - مملكة الجبل.
٤ - مملكة الجبال.
٥ - مملكة الأتراك والروم.
٦ - مملكة مصر والشام والحجاز.
٧ - مملكة اليمن.
٨ - ممالك المسلمين بالحبشة.
٩ - ممالك مسلمي السودان على ضفة النيل.
١٠ - مملكة مالي.
١١ - مملكة جبال البربر.
١٢ - مملكة إفريقية.
١٣ - مملكة بر العدوة.
١٤ - مملكة الأندلس.
١٥ - ذكر العرب الموجودين في زمن المؤلف، وأماكنهم، ومضارب أخبيتهم ومساكنهم.
стр. 490
أما القسم الثاني من الكتاب ففي سكان الأرض من طوائف الأمم وهو أربعة أنواع:
النوع الأول: في الإنصاف بين المشرق والمغرب.
النوع الثاني: في الكلام على الديانات، وحصرها في ست نحل، وأربع ملل.
النوع الثالث: في الكلام على طوائف المتدينين.
النوع الرابع: في ذكر التاريخ، وقد اشتمل على ذكر الدول التي كانت قبل الإسلام، والدول الكائنة في الإسلام حتى وقته، مختتمًا به الكتاب (١).
***
منهج ابن فضل الله العمري في كتابة السيرة
أولًا - خصوصية موضوع السيرة في مسالك الأبصار:
ترجم ابن فضل الله العُمري للرسول ﷺ باعتباره خاتم النبيين الذين تحدث عنهم في قسم سكان الأرض، ولذلك لم يقم بالترجمة له ترجمة منفصلة عمن سبقه من الأنبياء الذين انفردوا بتسميتهم باسم أنبياء العرب، ولم يجعل ترجمته متوسطة في الطول أو قصيرة كترجمات من سبقه من الأنبياء، وإنما أراد أن يشبع الموضوع بترجمة طويلة شغلت اثنتين وعشرين ومائة صفحة من مجموع صفحات المجلد الثالث والعشرين البالغة ثمانين وأربعمائة صفحة، وذلك باعتبار أن السيرة فن تأليفي مستقل بذاته.
وهذه خصوصية روعيت بدقة شديدة لدى ابن فضل الله العُمري، لم تكن في حسبان أو اهتمام من أتى بعده من المؤرخين كعبد الباسط الحنفي الذي أوجز سيرة الرسول ﷺ في نذر يسير متقارب مع سيرة الأنبياء السابقين على
_________
(١) ابن فضل الله: مسالك الأبصار، المخطوطة، جـ ١، ورقة ٧ - ١٢.
стр. 491
رسول الله ﷺ من مؤلفه «تاريخ الأنبياء الأكابر وأولي العزم منهم». وقد كان من الممكن أن يفعل ابن فضل الله نفس الشيء باعتبار أن القسم الذي تناول السيرة غير داخل في مجال القسم التاريخي، وإنما في قسم سكان الأرض، ولكنه لم يفعل ذلك، وجاءت السيرة عنده مكتملة على نحو فريد.
ثانيًا - مصادره:
ألمَّ ابن فضل الله بكافة جوانب السيرة معتمدًا فيما كتبه على ابن هشام في تهذيبه لسيرة ابن إسحاق اعتمادًا أساسيًا، وإنه اضطر إلى معالجة كثير من الجوانب التي تحتاج إلى تفسير أو تعليل على مؤلفات أخرى استكمالًا لمادة الكتاب الأول الذي اعتمد عليه «سيرة ابن هشام». ونلحظ ذلك عنده فيما يلي:
أ - تسمية أبرهة قائلًا في صفحة ٢٥٣: « … قلت ورأيت بخط من يوثق به أن أبرهة يسمى يكسوم».
ب - التبشير في الكتب السماوية السابقة للقرآن بمحمد ﷺ وقد نقله عن ابن الجوزي من كتابه الوفا، وذكر صراحة اسم المؤلف دون أن يذكر اسم كتابه، ففي المخطوطة من صفحة ٢٦٢، ٢٦٣، قال: قال ابن الجوزي: « … فصاحب الحمار عندنا وعند النصارى المسيح، فلم لا يكون محمد ﷺ صاحب الجمل، أو ليس سقوط بابل، والأصنام المنجرة به وعلى يديه، لا بالمسيح، ولم يزل في إقليم بابل ملوك يعبدون الأوثان من لدن إبراهيم ﵇ أو ليس هو بركوب الجمل أشهر من المسيح بركوب الحمار».
جـ - أعلام النبوة، وقد نقل ابن فضل الله عن ابن الجوزي، مادة تاريخية استكمل بها ما ورد عند ابن هشام، فيما يتعلق بانشقاق القمر، وقصة الضب، ففي صفحة ٢٩١، ٢٩٢ من المخطوطة قال: «قال ابن عباس اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ فقالوا إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين، فقال: إن فعلت تؤمنون، قالوا نعم، فسأل رسول الله ﷺ ربه فشق القمر فرقتين،
стр. 492
ورسول الله ﷺ (ينادي) يا فلان، يا فلان، اشهدوا، وذلك بمكة من وراء الجبل … فأسلم وحسن إسلامه».
ثالثًا - النقد والمقابلة بين النصوص:
عمد ابن فضل الله إلى النقد والمقابلة بين النصوص، وتفضيل الأرجح منها. من ذلك ما نقله عن ابن الأثير في الكامل، وقد صرح باسمه دون ذكر لاسم كتابه في حادث قتل مَرْحب صاحب الحصن ص ٣٤٠ قائلًا: « … ثم خرج أخو مَرحَب فقتله الزبير بن العوام ﵁ (فيما نقله عن ابن هشام ج ٢، ص ٣٣٤) قال ابن الأثير الجزري، وقيل إن الذي قتل مرحبًا، وأخذ الحصن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهو الأشهر والأصح … ».
ولم يكتف (ابن فضل الله) بمقابلة معلومته أو مادته التي نقلها عن ابن هشام، بما يعارضها عند ابن الأثير، وإنما صحح هذه المادة بالميل إلى مقولة ابن الأثير قائلًا: وهو الأشهر والأرجح. على الرغم مما يضعف هذه المقولة التي سبقت بصيغة ضعيفة وهي «وقيل».
رابعًا - التقديم والتأخير:
لجأ (ابن فضل الله) أحيانًا إلى التقديم والتأخير في عناصر السيرة، حرصًا منه على ربط جزئيات الحدث الواحد، وإن تبعثرت أجزاؤه لدى مصدره (ابن هشام) بهدف الشمول الموضوعي والمكاني، ومن ذلك قوله منبهًا في ص ٣٦٢، « … وما سقنا هذا هنا إلا ليرتبط حديث هوازن بعضه ببعض».
خامسًا - تعمد الاختصار:
تعمد ابن فضل الله الاختصار في بعض مواضع من عناصر السيرة كما يتضح ذلك لديه في حديث الإفك، لكونه حديثًا مفترى، لا يشكل جانبًا هامًا من جوانب السيرة، ولعل مجال الخوض المسهب فيه جاء عنده في مجالات أخرى، كالفقه، وأسباب النزول وغيرها.
стр. 493
سادسًا - الاختصار (الموجه) لتضييق المساحة:
ومن أوجه الاختصار الموجه، وغير المخل ما جاء في ص ٢٧٧، في حادث إسلام حمزة ﵁ الذي اختصره ابن فضل الله في أحد عشر سطرًا، بينما يقابله نحو الثماني صفحات في مطبوعة ابن هشام، حيث حذف ما تخلل نص ابن هشام فيما بين إسلام حمزة وعز الإسلام به مما أغاظ كفار قريش، وسؤال أبي جهل رؤساء قريش في أن يكفوا عنه آل هاشم، إذا ما قَدَرَ على اغتيال الرسول ﷺ وذلك بأن يلقي عليه حجرًا يفضخ به رأسه، مشيرًا إلى ذلك بقوله: « … ثم كان بين رسول الله ﷺ أمور وهي أمور غير ذات شأن كبير في مسار الدعوة والداعي». تمثلت في مساومة عتبة بن ربيعة له ﷺ في الكف عن دعواه، وفشله وعودته إلى رؤساء قريش بوجه غير الذي فارقهم به. ثم مقابلة هؤلاء الرؤساء للرسول ﷺ وإلزامه بتأييد دعوته بالمعجزات التي تثبت صدقه، أو تعويضه عنها بتطبيبه إن كان مريضًا، أو إغنائه من إملاق، أو تسويده عليهم، وتتويجه، ولعل استبعاده لكل هذا راجع بالدرجة الأولى إلى أن تلك المساومات ما هي إلا محاولات للصد عن الدعوة، واغتيالها.
ويكفي أن يشار كرد فعل لإسلام حمزة، محاولة أبي جهل اغتيال الرسول ﷺ قتلا للدعوة في مهدها.
سابعًا - النقل عن المصادر:
وغالبًا ما نجد ابن فضل الله في نقله عن المصادر، ينقل مادته تلخيصًا بلغة المصدر مع حذف ما يستبعده من جمل أو عبارات متخللة لما يلخصه عنها، محافظًا على النسق الترتيبي لما ينقله عن المصدر، وهو ما يمكن أن أسميه (النقل بالتتابع). ولكنه أحيانًا ربما يعمد إلى التصرف في هذا النسق الترتيبي، تحقيقًا للشمولية الموضوعية، بالتقديم والتأخير في عبارات مصدره، على النحو الذي جاء فيما كتبه عن أحداث الهجرة إلى الحبشة كرد فعل لإيذاء كفار مكة للمسلمين الأوائل. إذ رد العنصر الأول: «أذية المشركين للمسلمين»، في الجزء
стр. 494
الأول من سيرة ابن هشام، صفحة (٣١٨ - ٣٢١) بينما أتى الشطر الثاني «المهاجرة إلى الحبشة» في الجزء الثاني منه، صفحة (٢٧٦ - ٢٧٨)، دامجًا بينهما في موضع واحد. والعلة في ذلك عنده، أن الهجرة كنتيجة لهذه الأذية، وأن الأذية لم تتوقف بالهجرة، حيث أرسلت قريش عمرو بن العاص، وعمرو بن أمية الضُمَري إلى النجاشي لإعادة المهاجرين إلى الحبشة حتى يفتنوهم عن دينهم.
ثامنًا - الخطأ في النقل والإسناد:
ومع ذلك فقد كانت له مواضع يسيرة وقع فيها في خطأ النقل عن مصدره، ومن ذلك ما جاء في صفحة (٢٧٧)، عند قوله في معرض الحديث عن إسلام حمزة: « … مر (الرسول ﷺ - يومًا بأبي جهل عند الصفا». ويقابله في المصدر السيرة لابن هشام، الجزء الأول، صفحة (٢٩١)،: « … أن أبا جهل مر برسول الله ﷺ عند الصفا».
كذلك الخطأ في إسناده بعض الروايات إلى غير قائلها، ومن ذلك قوله في صفحة (٣٤١): « … قال سلمة بن الأكوع: فلقد رأيتني في نفر معي سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه». وهي رواية منسوبة في ابن هشام، والنقل في هذا الموضع لدى ابن فضل الله عنه إلى أبي رافع مولى رسول الله ﷺ الجزء الثاني صفحة (٣٣٥).
تاسعًا - الخطأ في المادة العلمية:
كذلك هناك أخطاء علمية وردت عنده منها إثباته رؤية الباري في حادث المعراج: (راجع ص ١٣٧).
عاشرًا - انسجام موضع السيرة في موسوعة المسالك:
والسيرة في موضعها من هذا الجزء من الموسوعة لم تأت قلقة - كما ذكرنا قبل ذلك - وإنما أتت منسجمة مع ما يسبقها، وما يلحقها من عناصر الكتاب إذ
стр. 495
هي تتميم لسابق (أنبياء العرب)، كما أنها مذيلة بتاريخ سردي شامل لسير آل البيت من الطالبين.
***
منهجنا من التحقيق
قمنا بنسخ موضوع السيرة النبوية من الجزء الثالث والعشرين من صفحة ٢٤٨ إلى صفحة ٣٦٩ من كتاب المسالك، كما قمت بتصحيح ما نسخته على المصادر التي نقل «ابن فضل الله» عنها نقلًا مباشرًا أو لخص عنها، وهذه المصادر هي: السيرة لابن هشام، والروض الأنف للسهيلي، والوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي، والكامل في التاريخ لابن الأثير، وراعيت تصويب أكثر مادة الكتاب لغة ونحوًا سواء من تلك المصادر أو غيرها من أمهات الكتب في السيرة والمغازي، وتاريخ الرجال، مع الإشارة إلى ذلك - دائمًا - في الحواشي.
فإذا ما أضفنا حرفًا، أو كلمة، أو جملة، أو فقرة، أو شطرًا من الشعر، أو بيتًا فأكثر مدعاة لاستقامة النص نبهنا إلى ذلك في الهامش.
كذلك خرّجنا الآيات القرآنية، وأوزان الشواهد الشعرية في المتن مباشرة مع وضعها بين أقواس إشارة إلى أنها ليست من أصل الكتاب.
كما عرّفنا بالأعلام والأماكن والبلدان والوقائع التاريخية وغريب لغة الكتاب.
وكذلك قسمنا مادة السيرة إلى فصول ذات عناوين تشير إلى محتواها وضعت بين معكوفتين إشارة إلى أنها ليست من أصل الكتاب.
كما نسبنا مادة الكتاب إلى مصادرها التي نقل عنها «ابن فضل الله» ولما كانت موضوعات السيرة في مثل هذه المؤلفات المختصرة غالبًا ما تعتمد اعتمادًا رئيسيًا على ابن هشام فإننا لم نشأ أن نسهب في تخريج عناصر هذا الكتاب على