← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30188

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط عالم الكتب

ابن فضل الله العمري

Полный текст (715 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

رسول الله ﷺ من مؤلفه «تاريخ الأنبياء الأكابر وأولي العزم منهم». وقد كان من الممكن أن يفعل ابن فضل الله نفس الشيء باعتبار أن القسم الذي تناول السيرة غير داخل في مجال القسم التاريخي، وإنما في قسم سكان الأرض، ولكنه لم يفعل ذلك، وجاءت السيرة عنده مكتملة على نحو فريد. ثانيًا - مصادره: ألمَّ ابن فضل الله بكافة جوانب السيرة معتمدًا فيما كتبه على ابن هشام في تهذيبه لسيرة ابن إسحاق اعتمادًا أساسيًا، وإنه اضطر إلى معالجة كثير من الجوانب التي تحتاج إلى تفسير أو تعليل على مؤلفات أخرى استكمالًا لمادة الكتاب الأول الذي اعتمد عليه «سيرة ابن هشام». ونلحظ ذلك عنده فيما يلي: أ - تسمية أبرهة قائلًا في صفحة ٢٥٣: « … قلت ورأيت بخط من يوثق به أن أبرهة يسمى يكسوم». ب - التبشير في الكتب السماوية السابقة للقرآن بمحمد ﷺ وقد نقله عن ابن الجوزي من كتابه الوفا، وذكر صراحة اسم المؤلف دون أن يذكر اسم كتابه، ففي المخطوطة من صفحة ٢٦٢، ٢٦٣، قال: قال ابن الجوزي: « … فصاحب الحمار عندنا وعند النصارى المسيح، فلم لا يكون محمد ﷺ صاحب الجمل، أو ليس سقوط بابل، والأصنام المنجرة به وعلى يديه، لا بالمسيح، ولم يزل في إقليم بابل ملوك يعبدون الأوثان من لدن إبراهيم ﵇ أو ليس هو بركوب الجمل أشهر من المسيح بركوب الحمار». جـ - أعلام النبوة، وقد نقل ابن فضل الله عن ابن الجوزي، مادة تاريخية استكمل بها ما ورد عند ابن هشام، فيما يتعلق بانشقاق القمر، وقصة الضب، ففي صفحة ٢٩١، ٢٩٢ من المخطوطة قال: «قال ابن عباس اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ فقالوا إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين، فقال: إن فعلت تؤمنون، قالوا نعم، فسأل رسول الله ﷺ ربه فشق القمر فرقتين،

стр. 492

ورسول الله ﷺ (ينادي) يا فلان، يا فلان، اشهدوا، وذلك بمكة من وراء الجبل … فأسلم وحسن إسلامه». ثالثًا - النقد والمقابلة بين النصوص: عمد ابن فضل الله إلى النقد والمقابلة بين النصوص، وتفضيل الأرجح منها. من ذلك ما نقله عن ابن الأثير في الكامل، وقد صرح باسمه دون ذكر لاسم كتابه في حادث قتل مَرْحب صاحب الحصن ص ٣٤٠ قائلًا: « … ثم خرج أخو مَرحَب فقتله الزبير بن العوام ﵁ (فيما نقله عن ابن هشام ج ٢، ص ٣٣٤) قال ابن الأثير الجزري، وقيل إن الذي قتل مرحبًا، وأخذ الحصن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهو الأشهر والأصح … ». ولم يكتف (ابن فضل الله) بمقابلة معلومته أو مادته التي نقلها عن ابن هشام، بما يعارضها عند ابن الأثير، وإنما صحح هذه المادة بالميل إلى مقولة ابن الأثير قائلًا: وهو الأشهر والأرجح. على الرغم مما يضعف هذه المقولة التي سبقت بصيغة ضعيفة وهي «وقيل». رابعًا - التقديم والتأخير: لجأ (ابن فضل الله) أحيانًا إلى التقديم والتأخير في عناصر السيرة، حرصًا منه على ربط جزئيات الحدث الواحد، وإن تبعثرت أجزاؤه لدى مصدره (ابن هشام) بهدف الشمول الموضوعي والمكاني، ومن ذلك قوله منبهًا في ص ٣٦٢، « … وما سقنا هذا هنا إلا ليرتبط حديث هوازن بعضه ببعض». خامسًا - تعمد الاختصار: تعمد ابن فضل الله الاختصار في بعض مواضع من عناصر السيرة كما يتضح ذلك لديه في حديث الإفك، لكونه حديثًا مفترى، لا يشكل جانبًا هامًا من جوانب السيرة، ولعل مجال الخوض المسهب فيه جاء عنده في مجالات أخرى، كالفقه، وأسباب النزول وغيرها.

стр. 493

سادسًا - الاختصار (الموجه) لتضييق المساحة: ومن أوجه الاختصار الموجه، وغير المخل ما جاء في ص ٢٧٧، في حادث إسلام حمزة ﵁ الذي اختصره ابن فضل الله في أحد عشر سطرًا، بينما يقابله نحو الثماني صفحات في مطبوعة ابن هشام، حيث حذف ما تخلل نص ابن هشام فيما بين إسلام حمزة وعز الإسلام به مما أغاظ كفار قريش، وسؤال أبي جهل رؤساء قريش في أن يكفوا عنه آل هاشم، إذا ما قَدَرَ على اغتيال الرسول ﷺ وذلك بأن يلقي عليه حجرًا يفضخ به رأسه، مشيرًا إلى ذلك بقوله: « … ثم كان بين رسول الله ﷺ أمور وهي أمور غير ذات شأن كبير في مسار الدعوة والداعي». تمثلت في مساومة عتبة بن ربيعة له ﷺ في الكف عن دعواه، وفشله وعودته إلى رؤساء قريش بوجه غير الذي فارقهم به. ثم مقابلة هؤلاء الرؤساء للرسول ﷺ وإلزامه بتأييد دعوته بالمعجزات التي تثبت صدقه، أو تعويضه عنها بتطبيبه إن كان مريضًا، أو إغنائه من إملاق، أو تسويده عليهم، وتتويجه، ولعل استبعاده لكل هذا راجع بالدرجة الأولى إلى أن تلك المساومات ما هي إلا محاولات للصد عن الدعوة، واغتيالها. ويكفي أن يشار كرد فعل لإسلام حمزة، محاولة أبي جهل اغتيال الرسول ﷺ قتلا للدعوة في مهدها. سابعًا - النقل عن المصادر: وغالبًا ما نجد ابن فضل الله في نقله عن المصادر، ينقل مادته تلخيصًا بلغة المصدر مع حذف ما يستبعده من جمل أو عبارات متخللة لما يلخصه عنها، محافظًا على النسق الترتيبي لما ينقله عن المصدر، وهو ما يمكن أن أسميه (النقل بالتتابع). ولكنه أحيانًا ربما يعمد إلى التصرف في هذا النسق الترتيبي، تحقيقًا للشمولية الموضوعية، بالتقديم والتأخير في عبارات مصدره، على النحو الذي جاء فيما كتبه عن أحداث الهجرة إلى الحبشة كرد فعل لإيذاء كفار مكة للمسلمين الأوائل. إذ رد العنصر الأول: «أذية المشركين للمسلمين»، في الجزء

стр. 494

الأول من سيرة ابن هشام، صفحة (٣١٨ - ٣٢١) بينما أتى الشطر الثاني «المهاجرة إلى الحبشة» في الجزء الثاني منه، صفحة (٢٧٦ - ٢٧٨)، دامجًا بينهما في موضع واحد. والعلة في ذلك عنده، أن الهجرة كنتيجة لهذه الأذية، وأن الأذية لم تتوقف بالهجرة، حيث أرسلت قريش عمرو بن العاص، وعمرو بن أمية الضُمَري إلى النجاشي لإعادة المهاجرين إلى الحبشة حتى يفتنوهم عن دينهم. ثامنًا - الخطأ في النقل والإسناد: ومع ذلك فقد كانت له مواضع يسيرة وقع فيها في خطأ النقل عن مصدره، ومن ذلك ما جاء في صفحة (٢٧٧)، عند قوله في معرض الحديث عن إسلام حمزة: « … مر (الرسول ﷺ - يومًا بأبي جهل عند الصفا». ويقابله في المصدر السيرة لابن هشام، الجزء الأول، صفحة (٢٩١)،: « … أن أبا جهل مر برسول الله ﷺ عند الصفا». كذلك الخطأ في إسناده بعض الروايات إلى غير قائلها، ومن ذلك قوله في صفحة (٣٤١): « … قال سلمة بن الأكوع: فلقد رأيتني في نفر معي سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه». وهي رواية منسوبة في ابن هشام، والنقل في هذا الموضع لدى ابن فضل الله عنه إلى أبي رافع مولى رسول الله ﷺ الجزء الثاني صفحة (٣٣٥). تاسعًا - الخطأ في المادة العلمية: كذلك هناك أخطاء علمية وردت عنده منها إثباته رؤية الباري في حادث المعراج: (راجع ص ١٣٧). عاشرًا - انسجام موضع السيرة في موسوعة المسالك: والسيرة في موضعها من هذا الجزء من الموسوعة لم تأت قلقة - كما ذكرنا قبل ذلك - وإنما أتت منسجمة مع ما يسبقها، وما يلحقها من عناصر الكتاب إذ

стр. 495

هي تتميم لسابق (أنبياء العرب)، كما أنها مذيلة بتاريخ سردي شامل لسير آل البيت من الطالبين. *** منهجنا من التحقيق قمنا بنسخ موضوع السيرة النبوية من الجزء الثالث والعشرين من صفحة ٢٤٨ إلى صفحة ٣٦٩ من كتاب المسالك، كما قمت بتصحيح ما نسخته على المصادر التي نقل «ابن فضل الله» عنها نقلًا مباشرًا أو لخص عنها، وهذه المصادر هي: السيرة لابن هشام، والروض الأنف للسهيلي، والوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي، والكامل في التاريخ لابن الأثير، وراعيت تصويب أكثر مادة الكتاب لغة ونحوًا سواء من تلك المصادر أو غيرها من أمهات الكتب في السيرة والمغازي، وتاريخ الرجال، مع الإشارة إلى ذلك - دائمًا - في الحواشي. فإذا ما أضفنا حرفًا، أو كلمة، أو جملة، أو فقرة، أو شطرًا من الشعر، أو بيتًا فأكثر مدعاة لاستقامة النص نبهنا إلى ذلك في الهامش. كذلك خرّجنا الآيات القرآنية، وأوزان الشواهد الشعرية في المتن مباشرة مع وضعها بين أقواس إشارة إلى أنها ليست من أصل الكتاب. كما عرّفنا بالأعلام والأماكن والبلدان والوقائع التاريخية وغريب لغة الكتاب. وكذلك قسمنا مادة السيرة إلى فصول ذات عناوين تشير إلى محتواها وضعت بين معكوفتين إشارة إلى أنها ليست من أصل الكتاب. كما نسبنا مادة الكتاب إلى مصادرها التي نقل عنها «ابن فضل الله» ولما كانت موضوعات السيرة في مثل هذه المؤلفات المختصرة غالبًا ما تعتمد اعتمادًا رئيسيًا على ابن هشام فإننا لم نشأ أن نسهب في تخريج عناصر هذا الكتاب على

стр. 496

باقي تلك المصادر مدعاة للاختصار والتزامًا بمنهج علمي يرى أن المصدر الرئيسي أولى بالإسناد إليه ما دام التابع ينقل عنه. كما اجتهدنا في إصلاح ما اختل من الشواهد الشعرية بإضافة كلمة أو حرف مدعاة لاستقامة الوزن مع التنبيه إلى ذلك في الهامش، خاصة في الشواهد الشعرية المنسوبة إلى ابن فضل الله، إذ رأينا أن ذلك مع المشقة أصلح من التنبيه على اختلال الوزن أو وضع نقط أو ترك بياضات لما سقط من كلمات في هذه الشواهد الشعرية أدت إلى فساد أوزانها. وطبيعي أن نوفي الكتاب حقه بفهارس علمية تكشف عن عناصر السيرة وموضوعاتها، والأعلام، والبلدان، والشواهد الشعرية والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وغريب اللغة. كما قدمت لهذا الكتاب بمقدمة عن عصر المخطوطة، ومحتواها ووصفها، وسيرة مؤلفها ومنهجه في كتابة السيرة، ومنهجنا في تحقيق الكتاب.

стр. 497

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [الفصل الأول] [الرسول ﷺ قبل البعثة] (١) وإذا قد فرغنا من ذكر أنبياء العرب - صلوات الله عليهم - ممن كان قبل سيدنا محمد ﷺ خاتم الأنبياء، ولنذكر أولًا شيئًا من أحوال النبي ﷺ لنضيء هذا الكتاب بمشكاته، ونضيف ما تضمنه إلى بركاته (٢).

стр. 498

ولد سيدنا محمد رسول الله ﷺ في يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خَلَتْ من ربيع الأول، المبارك، عام الفيل. هذا هو الصحيح عند (١) الأكثر. ولي من قصيدة ذكرت فيها المولد الشريف: هل للمتيم في ربيع الأول … إلا صابة عاشق لا تنجلي شهر عظيم في الشهور لأنه … كشف الضلال فبان كل مضلل لم لا نهيم به لمولد من به … يسرى لنا في كل عام مقبل ولد النبي به فأخصب ممحل (٢) … وألفيت لا يبقى بقايا ممحل وافي رسول الله به وافى به … صوب الحيا (٣) يمشي بكل مسيل لم لا يشوق به الدجى أسفا وقد … طلع الصباح لوجهه المتهلل في شهره الموفى بكل مسرة … وافي كبدر التم أشرف مرسل في بكرة الاثنين ثاني عشرة … من عام فيل في ربيع الأول فأتى ربيع في ربيع بالندى … يسعى بأنواء السحاب المهطل

стр. 499

لله آمنة الحصان (١) فإنها … ولدت كريم الجد أفضل مفضل لله ما زهرية حملت به … من هاشمي في الفخار مفضل ولدت خيار الخلق يعرف نسبه … في كل ذي نسب معم مخول حملت به ليست تحس بحمله … من خفة فكأنها لم تحمل وضعت نبي الله يرفع طرفه … نحو السماء إلى المقام الأفضل (الكامل) ثم خرجت إلى أنواع من المدح، على أن المطيل هنا ولو أنفذ العبارة مقصر، والمتقدم ولو بلغ الغاية متأخر. (حديث الفيل) (٢) وكان من حديث الفيل (٣) أن أبرهة كان قد غلب على أرياط على ملك اليمن، وكانا من نواب النجاشي (٤) - ملك الحبشة - وغضب عليه النجاشي لذلك، ثم رضى عنه، وبنى أبرهة بصنعاء كنيسة تعرف «بالقليس (٥)» وكتب إلى

стр. 500

النجاشي: «إني (قد (١)) بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب»، فغضب رجل من النسأة الذين كانوا ينسئون الشهور المنزل فيهم: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله﴾ [التوبة: ٣٧]، وفي ذلك يقول عمير بن قيس (٢)، «جذل الطعان»، وهو أحد بني فراس بن غنم بن ثعلبة (٣) بن مالك بن كنانة يفخر به: لقد علمت معد أن قومي … كرام الناس أن لهم كراما فأي الناس فأتونا بوتر … وأي الناس لم نعلك لجاما ألسنا الناسئين على معد … شهور الحمل نجعلها حراما؟ (الوافر) فخرج (٤) الكناني فأحدث في القليس، ثم لحق بأرضه، فقيل لأبرهة، فقال (٥): ممن هو؟ فقيل له: من أهل هذا البيت الذي يحجه العرب بمكة (٦). لما

стр. 501

سمع قولك: «أصرف إليها حج العرب»، فغضب، ثم خرج بالفيل، وغضب العرب. وخرج من أشراف اليمن رجل اسمه «ذونفر» فقاتل أبرهة فانهزم ذو نفر وأسر وحمل إلى أبرهة فأراد قتله، فقال له: يا أيها الملك لا تقتلني فعسى أن يكون بقائي معك خيرا (١) لك، فحبسه في وثاق عنده. ومضى أبرهة على وجهه حتى أتى أرض خثعم (٢)، فخرج إليه نفيل بن حبيب بن فهم (٣) وقاتله، فانهزم نفيل وأسر، وحمله أبرهة وأراد قتله، فقال: أيها الملك (لا) (٤) تقتلني فإني دليلك (٥) بأرض العرب، فخلى سبيله، وخرج معه يدله حتى أتى الطائف (٦)، فخرج مسعود بن معتب (٧) في ثقيف وبذلوا له الطاعة وصرفوه

стр. 502

عن بيت اللات، وكان بالطائف، وكانت ثقيف تعظمه نحو تعظيم الكعبة. وسار أبرهة حتى نزل المُغَمَّس (١) وبعث رجلًا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود (٢) على خيل حتى انتهى إلى مكة وساق له أموال أهل تهامة (٣)، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم (٤)، وهو - يومئذ - سيد قريش. ثم بعث أبرهة «حناطة الحميري» (٥) إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا

стр. 503

البلد، ثم قل (١) له: إن الملك يقول: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، وإن لم تعرضوا دونه لحرب فلا حاجة لي بدمائكم. فدل حناطة على عبد المطلب فجاءه وقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا منه بذلك طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمته، وإن يخل بينه وبينه، والله ما عندنا دفع عنه. وخرج حناطة معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتيا العسكر، فأتى عبد المطلب «ذا نفر» وكان صديقا له، فقال له: هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: وما غناء أسير بيد ملك يريد أن يقتله غدوا أو عشيا، ما عندي غناء إلا أن سائس الفيل هو صديق لي وسأوصيه بك يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. فقال: حسبي، وبعثه إليه فاستأذن له على أبرهة، وقال: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عير (٢) مكة، وهو يطعم الناس في السهل، والوحوش في رءوس الجبال، فأذن له. وكان عبد المطلب وسيما جميلا، فلما رآه أبرهة أجله عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة وجلس معه على البساط، ثم قال بترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال: حاجتي أن يرد عليّ الملك ما أصابه من أبلي، فقال أبرهة للترجمان: (قل له: (٣)) لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعر، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه! فقال له عبد المطلب: قل له: إني رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. فقال أبرهة: ما كان ليمتنع مني. فقال له: أنت وذاك، فرد عليه الإبل.

стр. 504

ثم عاد عبد المطلب وأخبر قريشا الخبر، وأمرهم بالخروج إلى شعف (١) الجبال خوفا عليهم من معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب ومعه نفر من قريش فأخذ بحلقة باب الكعبة ودعوا الله، وبقي عبد المطلب يقول وهو ماسك بحلقة الباب: يا رب ما أرجو لهم سواكا … يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا … امنعهم أن يخربوا قراكا (السريع) ثم قال: لا هم ان المرء يمنع رحله وحلاله … فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم … غدوا محالك (٢) جروا جموع بلادهم بكيدهم … بغيا وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وكعبتنا … فأمر ما بدا لك (الكامل) وانصرف عبد المطلب بولده والناس معه إلى شعف (٣) الجبال ينظرون ما يصنع أبرهة. فلما أصبح أبرهة تهيأ للدخول إلى مكة، وعبى جيوشه، وهيأ فيله - واسمه محمود - وأجمع على أنه يهدم الكعبة ثم ينصرف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل إلى مكة قام نفيل بين حبيب إلى جانب الفيل وأخذ بأذنه وقال: ابرك (٤) محمود، أو

стр. 505

أرجع راشدًا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه وترك الفيل وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل. وضرب السواس الفيل ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا فقام يهرول، ووجهوه إلى مكة فبرك، وفي مبرك الفيل يقول أمية بن أبي الصلت: إن آيات ربنا بينات … لا يماري بهن إلا الكفور حبس الفيل بالمغمس (١) حتى … ظل يحبو كأنه معقور (الخفيف) وأرسل الله عليهم طيرا من البحر كالخطاطيف (٢) والبلسان (٣) مع كل طائر ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره وحجران في رجليه، كالحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، فأصابت بعضهم، وتبادر بعضهم الهرب، وبقيت الحبشة تقول: أين نفيل؟ ليدلهم على الطريق؛ فقال نفيل: ردينة لو رأيت - ولا تريه … لدى جنب المحصب ما رأينا إذا لعذرتني وحمدت أمري … ولم تأسى على ما فات بينا حمدت الله إذ أبصرت طيرا … وخفت حجارة تلقى علينا فكل القوم يسأل عن نفيل … كأن علي للحبشان دينا (الوافر) وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به يسقط أنملة أنملة حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، ولم يمت حتى انصدع صدره عن قلبه. وكان مما يعد الله - تعالى - على قريش من نعمه - بنبيه ﷺ رد الفيل، قال الله تعالى:

стр. 506

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١ - ٥]. وكذلك قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١ - ٤]. ولما رد الله الحبشة عن مكة وأصابهم بما أصابهم به عظمت العرب قريشا، وقالوا: أهل بيت الله، قاتل الله عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم، وقالوا في ذلك أشعارا، ومما قاله طالب بن أبي طالب (١): ألم تعلموا ما كان في حرب داحس … وجيش أبي يكسوم إذ ملأوا الشعبا فلولا دفاع الله لا شيء غيره … لأصبحتم لا تمنعون لكم (٢) سربا (الطويل) وأبو يكسوم: أبرهة، كناية له. قلت: ورأيت بخط من يوثق به أن أبرهة يسمى يكسوم. وإذ قد فرغنا من قصة الفيل، فنقول: إن عبد الله بن عبد المطلب (٣) مر بكهنة

стр. 507

اسمها فاطمة بنت مر الخثعمية (١)، من أهل تباله (٢)، قد قرأت الكتب، فرأت في وجهه نورا، فقالت لعبد الله: يا فتى، هل لك أن تقع عليّ وأعطيك مائة من الإبل؟ فأنشأ يقول (٣): أما الحرم فالممات دونه … والحل لا حل فأستبينه فكيف بالأمر الذي تبغينه … (يحمى الكريم عرضه ودينه (٤)) (السريع) ثم مضى إلى امرأته آمنة فكان معها، ثم ذكر الخثعمية وجمالها، وما عرضت عليه، فأقبل إليها وقال: هل لك (فيما قلت لي؟ (٥))، فقالت: «قد كان ذلك مرة، واليوم لا»، فذهبت مثلا، وأنشأت تقول:

стр. 508

إني رأيت مخيلة لمعت … فتلألأت بحناتم القطر فلمائها نور (١) يضيء له … ما حوله كإضاءة الفجر (الكامل) وكانت آمنة (٢) تحدث حين حملت به (أنها (٣)) قيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد (٤)، ثم سميه محمدًا.

стр. 509

ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى، من أرض الشام. ثم مات عبد الله أبوه وأمه حامل به.

стр. 510

ولما ولد هتفت الجن على أبي قبيس (١) والحجون (٢)، فقال الذي على أبي قبيس: يا ساكني البطحاء لا تغلطوا … وميزوا الأمر بفعل مضى إن بني زهرة من سركم … في غابر الأمر وعند البدى واحدة منكم فهاتوا لنا … فيمن مضى في الناس أو من بقى واحدة من غيرهم مثلها … جنينها مثل النبي التقى (٣) (السريع) وقال الذي على الحجون: فأقسم ما أنثى من الناس أنجبت … ولا ولدت أنثى من الناس واحده كما ولدت زهرية ذات مفخر … نجية (٤) من لؤم القبائل ماجده وقد ولدت خير البرية أحمدا … فأكرم مولود وأكرم والده (الطويل) فلما ولد حمله عبد المطلب ودخل به الكعبة، وقام يدعو الله ويشكره، ثم رده إلى أمه. واسترضع له حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية (٥)، وظهر عليها آثار

стр. 511

بركاته، فدر ثديها، وسمنت عجاف شياهها، وكثرت ألبانها، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا (١)، ثم أتت به أمه وأرتها إياه، وقالت لها: لولا تركتيه عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، ولم تزل حتى ردته معها. قالت حليمة: فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه، فهما يسوطانه، قالت: فخرجنا نحوه فوجدناه قائما منتقعا وجهه، فالتزمناه وقلنا له: ما لك يا بني، فقال نحو قول أخيه، فرجعنا به إلى خبائنا، فقال زوج حليمة لها: لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله. قالت: فاحتملناه وقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به وقد كنت حريصة عليه؟ ولم تدعني حتى أخبرتها. قالت: أفتخافين الشيطان عليه؟ قالت: فقلت: نعم، فقالت: كلا والله، ما للشيطان عليه من سبيل، إن لابني هذا شأنًا، أفلا أخبرك خبره، إني رأيت (٢) حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصري من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حمل - قط - كان أخف ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض، رافعا رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة. فكان مع أمه (٣) آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب في كلاءة الله وحفظه،

стр. 512

فلما بلغ ست سنين توفيت أمه وهي بالأبواء (١) - بين مكة والمدينة - وكانت قد قدمت به على أخواله (٢) من بني عدي بن النجار تزيره إياهم. وبقي عند جده، وكان يوضع لجده عبد المطلب فراش في ظل الكعبة ويجلس بنوه حول فراشه حتى يخرج إليه ولا يجلس أحد منهم معه، وكان يأتي رسول الله ﷺ وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول: دعوا بني، فوالله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه عليه ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع. فلما بلغ ثماني سنين هلك عبد المطلب، ويروى أن عبد المطلب جمع بناته قبل موته وأمرهن أن يبكينه، فقالت كل واحدة شعرا فيه، ورثى بأشعار من أحسنها قول حذيفة بن غانم (٣) من بني عدي بن كعب: أعيني جودا بالدموع على الصدر … ولا تسأما أسقيتما سبل القطر على الماجد البهلول (٤) ذي الباع والندى (٥) … ربيع لؤي في القحوط وفي العسر على شيبة الحمد الذي كان وجهه … يضيء سواد الليل كالقمر البدر

стр. 513

طوى زمزما عند المقام فأصبحت … سقايته فخرا على كل ذي فخر بنوه سراة كهلهم وشبابهم … تفلق عنهم بيضة الطائر الصقر فإن تك غالته المنايا وصرفها … فقد عاش ميمون النقيبة والذكر (الطويل) وكذلك قول مطرود بن كعب الخزاعي (١): يا أيها الرجل المحول رحله … هلا نزلت بآل عبد مناف ثكلتك أمك لو حللت بدارهم … ضمنوك (٢) من جرم ومن إقراف المنعمين إذا النجوم تغيرت … والظاعنين لرحلة الأضياف والمطعمين إذا الرياح تناوحت … حتى تغيب الشمس في الرجاف (٣) إما ملكت (٤) أبا الفعال فما جرى … من فوق مثلك (٥) عقد ذات نطاف (٦) (الكامل) فلما مات عبد المطلب صار إلى كفالة عمه أبي طالب (٧)، لأن أبا طالب

стр. 514

وعبد الله أخوان لأب وأم، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم. ويقال: إن عبد المطلب كان يوصي (به (١)) عمه أبا (٢) طالب. وبقي ﷺ مع عمه أبي طالب، وإليه (كانت كفالته (٣))، وسافر به عمه أبو طالب إلى الشام، فلما نزل الركب بصري، وكان بها راهب اسمه بحيرى (٤) في صومعة طالما نزلوا به فلم يكلمهم، وكان إليه علم النصرانية، يتوارثونه كابر عن كابر، فلما نزلوا به تلك السنة صنع لهم طعاما كثيرا وبعث يقول لهم: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ لحداثة سنه في رحالهم تحت شجرة هناك. وكان - فيما يقال - أنه قد أشرف عليهم فرأى الغمامة تظل رسول الله ﷺ من بين القوم، ثم رأى الغمامة قد أظلت الشجرة لما نزل في ظلها، وقد تهصرت

стр. 515

أغصانها عليه، فنظر فيهم فلم ير الصفة (التي يعرف ويجد عنه (١))، فقال: معشر قريش، لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي. قالوا: يا بحيري، ما تخلف عنك أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا. فقال: (لا (٢)) تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقام رجل منهم واحتضنه وأجلسه مع القوم. فلما رآه بحيري جعل يلحظه وينظر إلى أشياء من جسده كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيري وقال: يا غلام، أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه - وإنما أقسم بهما عليه لأنه سمع قريشا يقسمون بهما (٣) - فقال له رسول الله ﷺ : «لا تسألني باللات العزى شيئًا، فوالله ما أبغضت شيئًا - قط - بغضهما». قال له بحيري: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك. قال: «سلني عما بدا لك». فجعل يسأله عن أشياء من حاله، من نومه وهيئته وأموره، ورسول الله ﷺ يخبره، فيوافق ما عند بحيري من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم (٤) النبوة بين كتفيه على موضعه، وكان مثل أثر المحجم (٥). فلما فرغ قال لأبي طالب: ما هذا الغلام منك. قال: ابني. فقال له بحيري: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًا. قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرًا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم (٦).

стр. 516

فخرج به عمه أبو طالب سريعًا حتى أقدمه مكة، فلما بلغ ما كان رجلًا كان أفضل قومه وأجمعهم لمحامد الأوصاف، وأبعدهم من كل ما يدنس الرجال، حتى ما كان اسمه في قومه إلا الأمين. فلما هاجت حرب الفجار (١) كان قد بلغ نحو خمس (٢) عشرة سنة، وشهد مع قريش بعض أيامهم فيها. وسميت حرب الفجار لاستحلال الحرم، لأن البراض بن قيس (٣) - أحد بني

стр. 517

ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة - قتل عروة الرحال (١) بن (بن عتبة بن جعفر (٢)) ابن كلاب في الشهر الحرام، لأنه كان قد أجاز لطيمة (٣) للنعمان بن المنذر (٤) على قريش وبني كنانة (٥)، فأتى آت قريشًا فقال: «إن البراض قتل عروة في الشهر الحرام» بعكاظ (٦) فارتحلوا وهوازن (٧) لا تشعر بهم، ثم شعرت هوازن فأدركوهم قبل دخول الحرم، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم كانت بينهم أيام. وقال رسول الله ﷺ : «كنت أنبل عن أعمامي»، أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها. فلما قارب رسول الله ﷺ خمسا وعشرين سنة بعثته خديجة بنت خويلد (٨)

стр. 518

بتجارة لها إلى الشام ومعه غلامها ميسرة (١)، فنزل في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب، فاطلع الراهب إلى ميسرة وقال له: من هذا الرجل؟ فقال له: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة - قط - إلا نبي. ثم باعا البضاعة وتعوضا عنها، وكان ميسرة - فيما يقال - إذا اشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره، فلما عاد إلى مكة أربحت خديجة ربحا كثيرًا، وحدثها ميسرة بما رأى وما قاله له الراهب، وكانت

стр. 519

﵂ امرأة شريفة حازمة لبيبة، فقالت ذلك لورقة بن نوفل (١) - وكان ابن عمها - وكان نصرانيا قد قرأ الكتب وعلم علم الناس، فقال: لئن كان هذا حقا، إن محمدا لنبي هذه الأمة، فبعثت إليه (فقالت له (٢)): يا ابن عم، إني قد رغبت فيك، وكانت خديجة - يومئذ - أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، وكل قومها كان حريصا على تزويجها لو يقدر عليه. فذكر رسول الله ﷺ قول خديجة لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة (٣) حتى دخل على خويلد فخطبها إليه فتزوجها، وأصدقها عشرين بكرة. وولده كلهم منها إلا إبراهيم (٤)، وأولاده منها:

стр. 520

القاسم (١) - وبه كان يكنى، والطاهر، والطيب (٢)، وزينب (٣)،

стр. 521

ورقية (١)،

стр. 522

وأم كلثوم (٢)، وسيدة نساء العالمين (٣) فاطمة الزهراء، صلوات

стр. 523

الله وسلامه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين. قال ابن إسحاق: فأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا في الجاهلية، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه ﷺ . فلما بلغ خمسًا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبناء الكعبة، فقال لهم أبو وهب بن عمرو بن عائذ المخزومي (١): يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. والناس ينحلون (٢) هذا الكلام للوليد بن المغيرة، والصحيح أن أبا وهب قائله، وهو الممدوح بقول شاعر من العرب: (و (٣)) لو بأبي وهب أنخت مطيتي … غدت من نداه رحلها غير خائب بأبيض من فرعي لؤي بن غالب … إذا حصلت أنسابها في الذوائب أبي لأخذ الضيم يرتاح للندى … توسط جداه فروع الأطايب عظيم رماد القدر يملأ جفانه … من الخبز يعلوهن مثل السبائب (الطويل) وفي أول البيت الأول حرم، وهو ذهاب حرف متحرك. وتجزأت قريش بناء الكعبة، فكان شق لبني عبد مناف (٤) وزهرة (٥)، وما بين

стр. 524

الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم (١) وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح (٢) وسهم (٣)، وكان شق الحجر لبني عبد (٤) الدار وبني أسد (٥) وبني عدي (٦)، وهو الحطيم. ووجدوا في الركن كتابا بالسريانية لم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود، وإذا هو: «أنا الله ذوبكة، خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض، وصورت الشمس (والقمر (٧))، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا تزول حتى يزول أخشباها، مبارك لأهلها في الماء واللبن». ووجدوا في المقام كتابا فيه: «مكة (بيت (٨)) الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، لا يحلها أول (٩) من أهلها». وزعم ليث بن أبي سليم أنهم وجدوا حجرًا في الكعبة قبل مبعث النبي ﷺ بأربعين سنة، مكتوبًا فيه: «من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرًا يحصد

стр. 525

ندامة، تعملون السيئات وتجزون الحسنات، أجل، كما (لا (١)) يجتني من الشوك العنب» (٢). وشرعوا في البنيان، فلما بلغ موضع الركن اختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه، حتى تحالفوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة (٣) مملوءة دماء ثم تعاقدوا هم وبنو (٤) عدي ومن معهم على (الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك (٥)) الدم، وذلك حين تحالفت بنو عبد مناف ومن معهم، وقيل: كان التحالف قبل ذلك. ومكثت قريش على ذلك أربع ليال أو (٦) خمسا، ثم تشاوروا وتناصفوا على أن يقضي بينهم أول من يدخل من باب المسجد، فكان أول داخل رسول الله ﷺ ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، فلما انتهى إليهم أخبروه فقال ﷺ : «(هلم (٧)) إليَّ ثوبا»، فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة ناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا، ففعلوا، حتى إذا أتوا موضعه وضعه هو بيده ﷺ ، ثم بنى عليه. قال (٨) ابن هشام: وكانت الكعبة على عهد رسول الله ﷺ ثماني (٩) عشرة ذراعا، وكانت تكسي القباطي (١٠)، ثم كسيت

стр. 526

البرود (١)، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف (٢). وكانت قريش قد قالت: لا نعظم شيئا من الحل كالحرم حتى لا تستخف العرب بحرمنا، فتركوا الوقوف بعرفات والإفاضة منها (٣)، مع إقرارهم بأنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر العرب الوقوف عليها إلا هم، لأنهم قالوا: نحن أهل (٤) الحرم، فما ينبغي لنا أن نخرج منه، إلا رسول الله ﷺ ؛ قال جبير بن مطعم (٥): لقد رأيت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها، توفيقا من الله له. وكانت الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى تحدث بأمره قبل مبعثه، لما تجد من ذلك في كتبها وعهدت به أنبياؤها.

стр. 527

قال ابن إسحاق (١): حدثني عاصم بن عمر بن قتادة (٢) عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلامِ، مع رحمة الله وهداه، لما كنا نسمع من رجال يهودَ، وكنا أهل شركٍ، أصحابَ أوثانٍ، وكانوا أهلَ كتابٍ، عندهم علمٌ ليسَ لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنهُ قد تقاربَ زمانُ نبيٍّ يُبعثُ - الآنَ - نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم. فلما بعث الله رسوله ﷺ أجبناهُ حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، وآمنا به، وكفروا به، فأنزل الله - تعالى - هذه الآيةُ فينا وفيهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]. قلت (٣): وقد جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾، والمراد: تجدونه بعينهِ، ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهو مكارم الأخلاقِ وصلة الأرحامِ، ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وهو الشركُ، ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾، وهو ما كانت العرب تستطيبُهُ، ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، وهو ما كانت العرب تأكلُهُ من الميتة والدم ولحم الخنزيرِ، ﴿وَيَضَعُ

стр. 528

عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾، هي (الأثقال التي كانت عليهم من (١)) تحريم السبت، والشحوم، ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) [الأعراف: ١٥٧]، وأن لا تقبل دية (في القتل (٣))، وأن يقرضوا ما (أصابهم من أموال (٤)). قاله (٥) الزجاج. ومن أعلامه في التوراة، في السفر الخامس: «إني أقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك، أجعل كلامي على فمه» (٦). وهذا أوضح الأعلام، لأنه (ما (٧)) أنشأ أخوة بني إسرائيل إلا بني إسماعيل، كما تقول: فلان أخو بني بكر. فإن قالوا: هذا الموعود به من بني إسرائيل - أيضًا - لأنهم أخوة، أكذبهم النقل والعقل، فأما النقل فلأنه لم يقم فيهم مثل موسى، وأما البرهان فلأنه لو كان المراد من بني إسرائيل، لقال: أقيم لهم من أنفسهم، ولم يقل: من إخوتهم (٨).

стр. 529

وفي الإنجيل: «أنا أذهب، وسيأتيكم البرقليط، روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه. إنما هو كما يقال له، وهو يشهد عليّ وأنتم تشهدون لأنكم معي من قبل الناس، وكل شيء أعده لكم يخبركم به». وفي كتاب شعيا: «إنه ستملى البادية والمدن قصور آل قيدار». وبنو قيدار هم العرب. وفي ذكر شعيا يريد مكة:

стр. 530

«سيرى (واهتزي (١)) أيتها العاقر التي لم تلد، وانطقي بالتسبيح وافرحي إذ لم تحبلي، فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي». يعني بأهله (أهل (٢)) بيت المقدس، لأنه بيت الأنبياء. وفي ذكر شعيا: «قيل لي: قم نظارا فانظر ما ترى تخبر به، قلت: أرى راكبين مقبلين، أحدهما على حمار والآخر على جمل، يقول أحدهما (للآخر (٣)): سقطت بابل وأصنامها المنجرة». قال ابن الجوزي: فصاحب الحمار عندنا وعند النصارى «المسيح»، فلم لا يكون محمد ﷺ صاحب الجمل!؟ أوليس سقوط بابل والأصنام المنجرة به على يديه لا المسيح؟ ولم يزل في إقليم بابل ملوك يعبدون الأوثان من لدن إبراهيم ﵇، أوليس هو بركوب الجمل أشهر من المسيح بركوب الحمار؟ وكذلك كانت الكهان تخبر بما يأتيها به جنها، فلما تقارب بعثه حجبت الشياطين ومنعت من المقاعد لاستراق السمع، ورمتهم النجوم. وأول من فزع من العرب في النجوم «ثقيف» (٤)، وجاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية - أحد بني علاج - وكان أدهى العرب وأذكاها رأيا، فقالوا له: يا عمرو، أرأيت ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟ قال: بلى، فانظروا، فإن كانت معالم النجوم التي يهتدي بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف
следующие страницы →