ونقلت من خط أبي سعيد الحسن بن أحمد بن علي في كتاب «ورطة الأجلاء من هفوة الأطباء». قال: كان الوزير علي بن بلبل ببغداد، وكان له ابن أخت فلحقته سكتة دموية، وخفي حاله على جميع الأطباء، وكان بينهم صاعد بن بشر حاضرًا، فسكت حتى أقر جميع الأطباء بموته، ووقع اليأس من حياته، وتقدم الوزير في تجهيزه، واجتمع الخلق في العزاء، والنساء في اللطم والنياح، ولم يبرح صاعد بن بشر من مجلس الوزير. فعند ذلك قال الوزير لصاعد بن بشر الطبيب: هل لك حاجة؟ فقال له: نعم يا مولانا، إن رسمت وأذنت لي، ذكرت ذلك. فقال له: تقدم وقل ما يلج في صدرك؟ فقال صاعد: هذه سكتة دموية، ولا مضرة في إرسال مبضع واحد وننظر، فإن نجح كان المراد، وإن تكن الأخرى فلا مضرة فيه ففرح الوزير، وتقدم بإبعاد النساء، وأحضر ما وجب من التمريخ والنطول والبخور والنشوق، واستعمل ما يجب من شد عضد المريض، وأقعده في حضن بعض الحاضرين، وأرسل المبضع بعد التعليق على الواجب من حاله، فخرج الدم ووقعت البشائر في الدار. ولم يزل يخرج الدم حتى استتم ثلثمائة درهم من الدم، فانفتحت العين ولم ينطق، فشد اليد الأخرى ونشقه ما وجب تنشيقه. ثم فصده ثانيًا وأخرج مثلها من الدم وأكثر فتكلم، ثم أسقي وأطعم ما وجب، فبرئ من ذلك، وصح جسمه وركب في الرابع إلى الجامع، ومنه إلى ديوان الخليفة، فدعا له ونثر عليه من الدراهم والدنانير الكثيرة. وحصل لصاعد بن بشر الطبيب مال عظيم، وحشمه الخليفة والوزير وقدمه وزكاه؛ وتقدم على جميع من كان في زمانه.
ووجدت صاعد بن بشر قد ذكر في مقالته في مرض المراقيا ما عاينه في ذلك الزمان من إهن وجدها، ومخاوف شاهدها، ما هذا نصه. «وانه عرض لنا من تضايق الزمان علينا، والتشاغل بالتماس الأمر الضروري، ولما قد شملنا من الخوف والحذر والفزع، واختلاف السلاطين؛ وما قد بلينا به، مع ذلك، من التنقل في المواضع غربيها وشرقيها؛ ولما قد أظلنا من الأمور المخوفة التي لا نرجو في كشفها إلا الله تقدس اسمه».
هذا ما ذكر. وما كان في أيامه إلا اختلاف ملوك الإسلام بعضهم مع بعض، وكان الناس سالمين في أنفسهم آمنين من القتل والسبي، فكيف لو شاهد ما شاهدنا ونظر ما نظرنا في زماننا من التتر الذين أهلكوا العباد، وخربوا البلاد، وكونهم إذا أتوا إلى مدينة فما لهم إلا قتل جميع من فيها من الرجال، وسبي الأولاد والنساء، ونهب الأموال، وتخريب القلاع والمدن لكان استصغر ما ذكره، واستقل ما عاينه وحقره. ولكن ما طامة إلا فوقها طامة أعظم منها؛ ولا حادثة إلا وغيرها تكبر عنها؛ ولله الحمد على الإسلام والعافية (١).
ومنهم:
стр. 2872
[٤٠] ديلم (١)
وكان من الأطباء المهرة، والألباء أهل المخبرة، تقدم في جيله، وقدم لتبجيله، وحُبي بحب لم يمح من الضمائر، ولم يلح عليه أمر، ليد لم يقصر به باعها، ولم تمد لجس نبض إلا وأيدي الأطباء أتباعها.
ذكره ابن أبي أصيبعة (٢) وقال: كان من الأطباء المذكورين ببغداد، المتقدمين في صناعة الطب، وكان يتردد إلى الحسن بن مخلد وزير المعتمد ويخدمه.
ووجدت في بعض التواريخ أن المعتمد على الله وهو أحمد بن المتوكل أراد أن يفتصد، فقال للحسن بن مخلد: اكتب لي جميع من في خدمتنا من الأطباء حتى نتقدم بأن نفصل لكل واحد منهم على قدره. فكتب الأسماء وأدخل فيها اسم ديلم المتطبب.
وكان ديلم يخدم الحسن بن مخلد، فوقع تحت الأسماء بالصلات. فقال ديلم: إني جالس في منزلي وقد وافى رسول بيت المال ومعه كيس فيه ألف دينار، فسلمه إلي وانصرف، فلم أدر ما السبب فيه، فبادرت بالركوب إلى الحسن بن مخلد، وهو حينئذ الوزير، فعرفته ذلك. فقال لي: اقتصد أمير المؤمنين، وأمر أن أكتب أسماء الأطباء ليتقدم بصلاتهم، فأدخلت اسمك معهم، فخرج لك ألف دينار.
ومنهم:
[٤١] فنون، طبيب بختيار (٣)
لبيب عرف بحسن الاختيار، أتقن الحكمة علمًا وعملًا، وعزمًا وأملًا، وحاز الفضائل معرفة ما ونت، ومعالجة ما دعت صحة إلا دنت.
قال ابن جبريل: ومن أخباره مع بختيار أنه رمدت عين بختيار في بعض الأوقات، فقال له: يا أبا نصر، ليس والله تبرح من عندي أو تبرئ عيني. وأريدها تبرأ
стр. 2873
إلى يوم واحد وأبرمه. قال: فسمعت أبا نصر يتحدث أنه قال له: إن أنت أردت أن تبرأ، فتقدم إلى الغلمان والفراشين أن يأتمرونني دونك في هذا اليوم، وما منهم من يخالفني في أمري إلا قتلته، ففعل بختيار ذلك. فأمر أبو نصر أن يحضر أجانة مملوءة عسل طبرزد. فلما حضر غمس يدي بختيار فيه، ثم بدأ يداوي عينيه بالاشياف الأبيض، وما يصلح الرمد. وجعل بختيار يصيح بالغلمان، فلا يجيبه أحد. ولم يزل كذلك يكحله إلى آخر النهار فبرئ. وكان هو السفير بين بختيار والخليفة. وإذا خرجت الخلع فعلى يديه تخرج، وله منها النصيب الأوفر.
ومنهم:
[٤٢] نظيف القس الرومي (١)
كان كريم العلاج إلا أن يتلاءم، مبارك اليد إلا من رآه يتشاءم، لو رأى إبليس طلعة وجهه قال فديت من لا يفلح، أو أرسطاطليس لأفسد كلما كان يصلح، طار عليه طائر هذه السمعة القبيحة، والشنعة التي لبس منها ثوب الفضيحة، وكان فاضلًا لا يعوز، ويتضاءل لديه البحر الذي يعجز.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان خبيرًا باللغات والنقل، فاضلًا في الطب، وكان عضد الدولة يتطير منه، وكان يولعون به إذا دخل إلى مريض حتى حكي في بعض الأوقات أن عضد الدولة أنفذه إلى بعض القواد في مرض كان عرض له، فلما خرج من عند القائد استدعى ثقته، وأنفذه إلى حاجب عضد الدولة يستعلم منه نية الملك فيه؛ ويقول: إن كان ثم تغير نية، فليأخذ له الإذن في الانصراف والبعد، فقد قلق لما جرى، فسأل الحاجب عن ذلك وسببه. فقال الغلام: ما أعرف أكثر من أنه جاءه نظيف الطبيب وقال له: يا مولانا، الملك أنفذني لعيادتك. فمضى الحاجب؛ وأعاد بحضرة الملك عضد الدولة هذا الحديث فضحك، وأمره أن يمضي إليه ويعلمه بحسن نيته فيه؛ وأن ذلك لشغل قلبه به فأنفذه إليه ليعوده. وحملت إليه خلع سنية فسكنت بها نفسه، وزال
стр. 2874
عنه ما كان أضمره من شغل القلب، وكان دائما يولع به بسببها.
ومنهم:
[٤٣] ابن بطلان، وهو أبو الحسن، المختار بن الحسن بن عبدون بن سعدون بن بطلان النصراني (١)
طبيب مكمل، وأريب مؤمل، وأديب يدل عليه شعره من يتأمل، رشق الكلام شرق الضياء في الظلام، شرق عدوه بمائه، وصفق وما أفاق إلا بأسمائه، وكان علي إصراره على نصرانيته التي انتصر بخذلانها، وهصر غصون الإخاء لخلانها، معروفًا بمروءة طال به جلبابها، واتسع لكل طالب علم وندى بابها.
قال ابن أبي أصيبعة (٢) فيه: كان قد اشتغل على ابن الطبيب وقرأ عليه كثيرًا من كتب الحكمة وغيرها، ولازم ابن زهرون واشتغل عليه، وكان معاصرًا لابن رضوان الطبيب، وكانت بينهما مراسلات عجيبة وكتب غريبة، ولم يؤلف واحد منهما كتابًا ولا ابتدع رأيًا إلا ردَّ الآخر عليه وسفه رأيه فيه.
وسافر ابن بطلان يريد مصر ليرى ابن رضوان فمر في طريقه بحلب فأكرمه صاحبها معز الدولة ثمال بن صالح ثم أتى دولة مصر في دولة المستنصر وجرت بين ابن بطلان وابن رضوان وقائع كثيرة ونوادر ظريفة، قال: وألف كل منهما كتابًا في
стр. 2875
الرد على الآخر وكلام ابن بطلان أعذب ألفاظًا وأكثر ظرفًا وأميز بالأدب ومما يدل على ذلك تسميته له بتمساح الجن، وكان ابن رضوان أسود قبيح الصورة، وفيه يقول: [من الطويل]
ولما تبدى للقوابل وجهه … نكصن على أعقابهنَّ مِنَ النَّدَمْ
وقلن وأخفين الكلام تسترًا … أَلا ليتنا كنا تركناه في الرَّحِمْ
ثم سافر ابن بطلان من مصر إلى القسطنطينية، وعرضت في زمانه أوباء كثيرة، وله في هذا رسالة معروفة، وله أشعار كثيرة جدًا.
ومنهم:
[٤٤] أحمد بن أبي الأشعث (١)
طبيب يلم الشعث، ويضم السقام من تفاريق الأعضاء إذا انبعث، لا يغالب طبه النافع، ولا يغالط دواؤه بمدافع، تخال هيأة اسقلنينوس صفته، وتخطئ معالجة جالينوس ولا تخطئ وصفته.
ذكره ابن أبي أصيبعة (٢)، وقال: كان وافر العقل، كثير السكينة والوقار، متفقهًا في الدين، وعُمر عمرًا طويلًا، وكان لا يفعل إلا جميلًا، وكان فاضلًا في الأمور الحكمية، وله تصانيف كثيرة مفضلة تدل على العلم وعلو المنزلة، ومصنفًا في الطب لا نظير له في
стр. 2876
الجودة، وكان أصله من، فارس، وكان متصرفًا، ثم صودر فخرج من بلده هاربًا، ودخل الموصل بحال سيئة ووافق أن كان لصاحبها ناصر الدولة ولد عليل بقيام الدم لا يزداد بمعالجة الأطباء إلا مرضًا، فقال لأمه: أنا أعالجه وأراها غلط الأطباء في التدبير، فسكنت إليه، فعالجه فبرئ، فأجزل عطاؤه وأحسن إليه وأقام بالموصل إلى آخر عمره.
ومنهم:
[٤٥] أبو سهل النيلي، وهو سعيد بن عبد العزيز (١)
طبيب حاذق في العلاج، صادق الحدس في معرفة المزاج، لم يزر مريضًا إلا أخذ بيده من الفراش واستوقف السقم وقد جرى في المشاش، وطرد عنه وسواس حمى تتهافت به في النهار تهافت الفراش.
قال ابن أبي أصيبعة فيه (٢): مشهور بالفضل، عالم بالطب، جيد التصنيف، مفنن في الأدب، بارع في الشعر، ومنه قوله: [من الخفيف]
سَقَني الراحُ تَشفِ لوعةَ قلب … باتَ مُذْ بتُ للهموم سَميرا
هي في الكأس خمرةٌ فإذا ما … أُفرغت في الحَشَا استحالتْ سُرُورا
ومنهم:
[٤٦] ابن الواسطي (٣)
طبيب المستظهر، كان مقبول الكلمة، مأمول الشفاعة عند الظلمة، مع نفس متسعة، وفضل ينفق منه من سعة، وكرم يكر على امواله ليشتتها، وعلى آماله ليثبتها،
стр. 2877
وكانت له من المستظهر كرامة لا يهان قدرها، ولا يهاب إلا إذا ضاق في مرماها الفسيح قفرها.
وقال ابن أبي أصيبعة (١): كان رفيع المنزلة، وكان ابن المعوج صاحب الديوان قد استقرت عليه قرية بثلاث آلاف دينار قام منها بألفين، وسأل إنظاره بالألف المتأخرة إلى أوان الغلة، فلم يتحصل، فأشار عليه حاجبه ابن الدواتي أن يأتي ابن الواسطي ليستمهل له المستظهر، فأتاه فأكبر مجيئه، وأخلى له المجلس فعرفه الصورة، وأنه قد رهن كتب داره على خمسمائة دينار، فلما كان من الغد بعث حاجبه يتقاضاه فأعطاه خط الخليفة بالخمسمائة دينار، وكتب ملكه، واستقبل له من ماله، وألبس الحاجب خلعة، وبعث معه إلى ابن المعوج دست ثياب فاخر وخمسين دينارًا للنفقة، فقبل ذلك منه وشكره.
ومنهم:
[٤٧] أبو طاهر البرخشي، وهو أحمد بن محمد بن العباس (٢)
من أهل واسط، وطبيب فيما أهل له من العلم قاسط، قاس على ما صح من قديم التجريب، وعميم النظر الذي يحقق رأي الأديب، بملاطفة كأنما يعاني بها مقبولةً ما برحت أو يعاين مفتولة بين المجانس سنحت.
ذكره ابن أبي أصيبعة (٣) وقال: فاضل في الطب، كامل في الأدب، كان في أيام المسترشد. قال: وكان يعالج بواسط مريضًا به أحد أنواع الاستسقاء، ولم ينجع فيه علاج، وتجاوز حد الحمية، فسهل له في أكل ما أراد، فاجتاز به رجل يبيع الجراد مصلوقًا فاشترى منه وأكل، فعرض له منه إسهال مفرط، ثم انقطع الإسهال، وأخذ مزاجه في الصلاح إلى أن عوفي، فلما علم أبو طاهر بعافيته وكان قد يئس منه، أتاه وسأله بم وجد الراحة، فقص عليه خبر الجراد فأفكر وقال: ليس هذا من فعل الجراد ولا خاصيته، فتقصى عن بائعه حتى عرفه فقال له: أتعرف الموضع الذي صدت منه الجراد الذي أكله هذا، قال: نعم، قال: فامض بنا إليه، فلما أتاه رأى حشيشة هناك يرعاها الجراد، فكان يداوي بها من الاستسقاء وأبرأ بها جماعة من هذا المرض.
стр. 2878
قال ابن أبي أصيبعة (١): وهذه حكاية قديمة، وقد جرى ذكرها، وإن تلك الحشيشة هي المازريون، وقد ذكرها التنوخي في كتاب «الفرج بعد الشدة».
وأنشد له قوله في غلام ناول خلالًا: [من الطويل]
وناولني مِنْ كفّه مثل خَصْرِهِ … ومثلَ مُحب ذابَ مِنْ طُولِ هَجرِهِ
وقال خلالي؟ قلتُ كلُّ حميدة … سوى قتل صب حار فيك بأسره (٢)
ومنهم:
[٤٨] أبو غالب ابن صفية النصراني (٣)
أسقطته ديانته، وأرهقته خيانته، وأترع بيده كأس الموت لنفسه، وهيأ لمصرعه وحفرة رمسه، وأتى عليه من حيث ظن أنه ينتفع، وسقط من يديه من حيث توهم أنه يرتفع. ومن حاول قتل الأسد الضرغامة، وختل الصل الهامة، ودرأ بكفه منن الهندواني، وفل بإصبعه باب اليماني، لا يعجب له من إسراع التلف، ولا من إسراف ما ينفق من عمره الذاهب بلا خلف.
حكي أنه كان يشي بأسرار المستنجد إلى قايماز مقدم الأمراء إذ ذاك، وكان المستنجد يريد قبض قايماز، فاعتل المستنجد فدسوه عليه حتى وصف له الحمام، وكان لا يصلح له، وعرف المستنجد أن قوته لا تقوى على الحمام، فدخل عليه قايماز والأمراء حوله وألزموه بدخوله، وكانوا قد سجروه ثلاثة أيام بلياليهن فلما دخل إليه ردوا عليه بابه ساعةً فمات وبايعوا ابنه المستضيء بعد أيمان حلفوه عليها، فأقام مدةً وفي نفسه من فعلتهم بأبيه، فشرع في العمل عليهم، وابن صفية على ما هو عليه من نقل خبره، فطلبة المستضيء ليلًا وطلب منه ترتيب دواء قتال ليقتل به عدوًا فعمله واجتهد فيه فلما أحضره قال له: استف منه حتى نجرب فعله فتلوى من ذلك، وقال: الله، الله في، فقال له: الطبيب متى تجاوز حده، فليس له إلا هذا أو السيف، فاستف ذلك الدواء، ففر من الهلاك إلى الهلاك ثم خرج من الدار وكتب إلى قايماز بما كان وقال له: والانتقال مني إليكم، ثم هلك وعزم قايماز على الإيقاع بالخليفة، فرده الله وهرب
стр. 2879
من بغداد فارًا إلى الملك الناصر صلاح الدين، فلم يقبله فعاد على البرية إلى الموصل، فمرض في الطريق، ثم دخل الموصل فمات بها (١).
ومنهم:
[٤٩] أمين الدولة ابن التلميذ (٢)
كان فرد قرانه، وند أقرانه، وبلغ بعلمه مبالغ الأشراف، ووصل في فهمه إلى حد الأشراف، وكان يتكلم في مجالس الخلفاء متبسطًا، ويتقدم في مجال السؤال للضعفاء متوسطًا، لسابقة خدمه، وباسقة صنعه في بيت الإمامة دون باقي خدمه، ولما تحلت
стр. 2880
به شيمه من مآثر، وحلت باديه مما لا يقدر عليه مكاثر، حتى كان يناظر جلة الفقهاء وجملة أهل العلم سوى السفهاء، ويفترس الأدباء، ويفترش لمواطيه الأطباء، ويضرب بقلمه عصا ابن البواب، ويطرف طرف طرسه مقلة ابن مقلة بفاضل الجلباب، وهو على دينه المخالف، وقعود ملته في الخوالف تكره الصدور وتحبره حبرة البدور.
قال ابن أبي أصيبعة (١): هو الأجل موفق الملك أمين الدولة أبو الحسن هبة الله بن أبي العلاء صاعد بن إبراهيم بن التلميذ أوحد زمانه في صناعة الطب، ومباشرة أعمالها. وكان في أول أمره قد سافر إلى بلاد العجم، وبقي بها سنين كثيرة في الخدم وكان جيد الخط يكتب المنسوب في نهاية الحسن والصحة. وكان عارفًا بالسرياني والفارسي متبحرًا في العربية. وله شعر مستظرف، وهو من بيت كتابة، وكان هو وأوحد الزمان يخدمان المستضيء، وكان أوحد الزمان أبصر بالحكمة وابن التلميذ أبصر بالطب، وكان بينهما شنآن إلا أن ابن التلميذ كان أعقلهما وخيرهما فعلًا، وسعى أوحد الزمان عليه حتى كاد يرديه ثم ردَّ عليه كيده فوهب ماله ودمه لابن التلميذ فعفا عنه، وإنما قال فيه [الطويل].
لنا صديقٌ يهودي حماقتُهُ … إذا تكلم تبدو فيهِ مِنْ فِيهِ
يتيه والكلب أعلى منه منزلةٌ … كأنهُ بَعْدُ لم يخرج مِنَ التَّيْهِ
وقد قيل فيهما: [الوافر]
أبو الحسن الطبيب ومقتفيه … أبو البركات في طرف نقيض
فهذا بالتواضع في الثَّرَيَّا … وهذا بالتكبر في الحضيض
قال عبد اللطيف البغدادي: كان أمين الدولة حسن العشرة، كريم الأخلاق، وعنده سخاء ومروءة، وأعمال في الطب مشهورة، وحدوس صائبة. منها أنه أحضرت إليه امرأة محمولة لا يعرف أهلها في الحياة هي أم في الممات، وكان الزمان شتاء، فأمر بتجريدها وصب الماء المبرد عليها صبًا متتابعًا كثيرًا، ثم بنقلها إلى مجلس دفي قد بخر بالعود والند، ودثرت بأصناف الفراء ساعة، فعطست وتحركت وقعدت وخرجت ماشية مع أهلها إلى منزلها.
قال: ودخل إليه رجل مترف يعرق دمًا في زمن الصيف، فسأل تلاميذه وكانوا خمسين نفسًا، فلم يعرفوا المرض، فأمره أن يأكل خبر شعير مع باذنجان مشوي، ففعل ذلك ثلاثة أيام فبرئ. فسأله أصحابه عن العلة، فقال: إن دمه قد رق ومسامه قد
стр. 2881
تفتحت، وهذا الدواء من شأنه تغليظ الدم، وتكثيف المسام.
قال: ومن مروءته أن ظهر داره كان يلي النظامية، فإذا مرض فقيه نقله إليه، وقام في مرضه عليه، فإذا برئ وهب له دينارين وصرفه.
ومما حكاه أيضًا عن أمين الدولة وكأنه قد تجاوز في هذه الحكاية قال: وكان أمين الدولة لا يقبل عطية إلا من خليفة أو سلطان، فعرض لبعض الملوك النائية داره مرض مزمن فقيل له: ليس لك إلا ابن التلميذ، وهو لا يقصد أحدًا فقال: أنا أتوجه إليه. فلما وصل أفرد له ولغلمانه دورًا وأفاض عليه من الجرايات قدر الكفاية، ولبث مدة فبرئ الملك وتوجه إلى بلاده وأرسل إليه مع بعض التجار أربعة آلاف دينار وأربعة تخوت عتابي وأربعة مماليك، وأربعة أفراس، فامتنع من قبولها وقال: إن علي يمينًا، لا أقبل من أحد شيئًا، فقال التاجر: هذا مقدار كثير، قال: لما حلفت ما استثنيت. وأقام شهرًا يراوده ولا يزداد إلا إباء. فقال له عند الوداع: ها أنا أسافر ولا أرجع إلى صاحبي، وأتمتع بالمال فتتقلد منته، وتفوتك منفعته، ولا يعلم أحد بأنك رددته. فقال: ألست أعلم في نفسي إني لم أقبله، فنفسي تشرف بذلك، علم الناس أو جهلوا.
وحدثنا الحكيم مهذب الدين عبد الرحيم بن علي، قال: حدثني الشيخ موفق الدين أسعد بن الياس بن المطران، قال: حدثني توما وأبو الفرج المسيحي، قالا: كان الأجل أمين الدولة ابن التلميذ جالسًا ونحن بين يديه اسأذنت عليه امرأة ومعها صبي صغير، فأدخلت عليه، فحين رآها بدرها، فقال: إن صبيك هذا به حرقة البول، وهو يبول الرمل، فقالت: نعم. قال: فيستعمل كذا وكذا وانصرفت. قالا: فسألناه عن العلامة الدالة على أن به ذلك، وأنه لو أن الآفة في الكبد أو الطحال لكان اللون من الاستدلال مطابقًا. فقال: حين دخل رأيته يولع بإحليله ويحكه، ووجدت أنامل يديه مشققة قاحلة، فعلمت أن الحكة من الرمل، وأن تلك المادة الحادة الموجبة للحكة والحرقة ربما لامست أنامله عند ولوعه بالقضيب فتقحل وتشقق، فحكمت بذلك وكان موافقًا.
ومن نوادر أمين الدولة وحسن إشارته: أنه كان يومًا عند المستضيء بالله، وقد أسن أمين الدولة. فلما نهض للقيام توكأ على ركبتيه، فقال له الخليفة: كبرت يا أمين الدولة. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، وتكسرت قواريري، ففكر الخليفة في قول أمين الدولة وعلم أنه لم يقله إلا لمعنى قد قصده، وسأل عن ذلك، فقيل له: إن الإمام المستنجد بالله كان وقد وهبه ضيعة تسمى قوارير، وبقيت في يده زمانًا، ثم من مدة ثلاث سنين حط الوزير يده عليها. فتعجب الخليفة من حسن أدب أمين الدولة، وأنه لم ينه أمرها إليه، ولا عرض بطلبها. ثم أمر الخليفة بإعادة الضيعة إلى أمين الدولة، وأن لا
стр. 2882
يعارض في شيء من ملكه.
ومن شعره قوله في ولده وكان غايةً في الدين: [من المنسرح]
أشكو إلى الله صاحبًا شَكِسًا … تسعفُهُ النفس وهوَ يَعْسِفُها
فنحن كالشمس والهلالِ معًا … تَكْسِبُهُ النُّورَوهوَ يَكِسفُها
وقوله: [من المتقارب]
إذا وجد الشيخ في نَفْسِهِ … نشاطًا فَذلكَ مَوتُ خَفِي
ألستَ تَرَى [أَنَّ] ضَوءَ السِّراجِ … لَهُ لَهَبُ قَبْلَ أَنْ يَنَطفي
وقوله: [المتقارب]
قال الأنام وقدْ رأَوهُ … مَعَ الحداثةِ قَدْ تَصَدَّرْ
من ذا المُجاوِزُ قَدْرَهُ؟ … قلتُ: المُقَدَّمُ بِالمُؤخَّرْ
وقوله: [المتقارب]
قد قلت للشيخ الجليـ … ـل الأريحي أبي المُظر
ذكر فلان الدين بي … قال: المُؤنَّثُ لا يُذَكِّرْ
وقوله: [الوافر]
العِلْمُ للرجل اللبيب زيادة … ونقيضُه للأحمق الطياش
مثل النهار يَزيدُ أبصارَ الوَرَى … نُورًا، ويُعشِي أَعيُنَ الخُفَّاشِ
وقوله: [من الوافر]
أجدك إِنَّ مِنْ شِيم الليالي … العنيفة أنْ تَجُور على اللَّهيف
كمثل اللحظ أغلب ما تَرَاهُ … يصبُّ أذاه في العضو الضعيف
وقوله: [من البسيط]
لا تحسبن سواد الخال عَنْ خَلَلٍ … مِنَ الطبيعة أو احداثه غلطا
وإنما قلم التصوير حين جرى … بنونِ حاجبِهِ في خَدِّهِ نَقَطا
وقوله: [من الطويل]
براني الهوى بَريَ المُدَى فأذابني … صُدُودُكَ، حتى صِرْتُ أَنحلَ مِنْ أَمْسِ
ولستُ أرى حتى أراكَ، وإِنَّما … يَبِينُ هَباء الذر في أَلقِ الشمس
وقوله مما يكتب على حصير: [من الكامل]
أفرشتُ خَدِّي للضُّيوفِ ولَمْ يَزَلْ … خُلُقي التواضع للبيب الأكيس
فتواضعي أعلى مكاني عندَهُمْ … طَورًا فصرتُ أَحِلُّ صَدْرَ المَجْلِسِ
стр. 2883
وقوله: [من مجزوء الكامل]
أكثرتَ حَسْوَ البَيْضِ كيما … يَستقيم قيام أيرك
مالا يقوم ببيضَتَيكَ … فلا يقوم ببيضِ غَيرِك
وقوله: [من المتقارب]
وحقك إني مُذْ بِنْتُ عَنْكَ … قلبي حزين ودمعي هَتُونُ
فللهِ أَيامنا الخالياتُ … لوَرَدَّ سالفَ دَهْرِ حَنينُ
وإني لأرعى عهود الصفاء … ويكلؤُها لَكَ وُد دفين
ولم لا يكون ونحن اليدا … نِ وأَنْتَ بفضلك منها اليَمِينُ (١)
ومنهم:
[٥٠] معتمد الملك بن صاعد، وهو أبو الفرج، يحيى بن صاعد بن يحيى بن التلميذ (٢)
بحر حكمة تطفو لآليه، وتغفو مقل النجوم في كرى لياليه، مع ملاطفة في العلاج ملأ طيفها الجفون، وشأي في المزاج ما عدا السكون، إلى دأب بلل الطل طررها، وأثل الفضل سررها.
قال ابن أبي أصيبعة (٣): كان متعينًا في العلوم الحكمية، متفننًا في صناعة الطب، متحليًا بالأدب، بالغًا فيه أعلى الرتب، وله شعر منه ملغزًا في الإبرة قوله: [من الوافر]
وفاغِرَةٍ فَما بالرجل منها … ولكن لا تسيعُ بِهِ طَعَاما
ومخطفة الحشا في الرأس منها … لسان لا تُطيقُ بِهِ الكَلاما
تصولُ بشَوكَةٍ تبدو وسُمٌ … وما مَنْ ذاقَهُ يَرِدُ الحماما
تَجُرُّ وراءها رَسَنًا طويلًا … كما قادتْ يد الحادي الزماما
مَنِيعًا ذا قُوّى لكنْ تَرَاهُ … بقبضتها ذليلًا مستضاما
стр. 2884
فَتُلقيه بمحبسها مُقيمًا … طَوَالَ الدهر لا يأبى المقاما
أَيا عَجَبًا لها سوداءَ خَلْقٍ … تُريك خلائقًا بيضًا وساما
غَدَتْ عُريانَةٌ مِنْ كلِّ لُبْس … وفاضلُ ذَيلِها يكسوا الأناما
وقوله في دار جديدة وقعت فيها نار يوم فراغها: [من الكامل]
يابانيًا دار العلا ملينها … لتَزِيدَها شَرَفًا على كَيْوَانِ
علمت بأنك إنما شيَّدتها … للمَجدِ والإفضال والإحسان
فَقَفَتْ عَوائدكَ الكِرَامُ وسابقَتْ … تَستقبل الأضياف بالنيران
وقوله: [من الكامل]
عَلِقَ الفُؤَادُ على خلو حبها … علقَ الذُّبالة في حشى المصباح
لا يستطاع الدهر فُرقة بينِهِمْ … إلا لحين تَفَرُّقِ الأشباح
وقوله: [من المتقارب]
فراقك عندي فراق الحياةِ … فلا تَجْهَزَنَّ على مُدْنَفِ
عَلِقْتُكُ كالنار في شَمعِها … فما إن تُفارِقُ أَوْ تَنطفي
وقوله: [من السريع]
بَدًا إلينا أَرَجُ القادِمِ … فَأَبْرَأَ الغُلَّةَ للحائم
روحَ مِنَ قلبي على نَايِهِ … وقَدْ يَلَذُّ الطَّيْفُ للحالم (١)
ومنهم:
[٥١] أوحد الزمان، وهو أبو البركات، هبة الله بن علي بن ملكا البلدي ثم البغدادي (٢)
طبيب لو رام إطلاق الصخر الجلمد لتفجر، أو إمساك الماء السائل لتحجر، بمداومة نظر لو صابرت الزمان لتضجر، أو فرعت حصى الدهناء لتشجر، بعلم أوسع
стр. 2885
امتدادًا من المشرقين، وأجمع مدى مما بين الخافقين، كان يصون وديعة العلم ويحفظها، ويغيظ بكتمانها صدور رجال ويحفظها، ونسيمه تهب خافقته، وشميمه تفتت عنبر الغمام بارقته.
قال ابن أصيبعة (١): كان يهوديًا وأسلم، وخدم المستنجد وتصانيفه في النهاية، وكان له اهتمام بالغ في العلوم، ونظره فائق بدأ بالطب على أبي الحسين سعيد بن هبة الله، وكان لا يقرئ يهوديًا، ولا نصرانيًا، فثقل عليه أبو البركات بالناس ليقريه في الدهليز، فيسمع جميع ما يقرأ عليه، وما يجري معه من البحث، وهو كلما فهم شيئًا وتعقله علقه، فلما مضت سنة أو نحوها، جرت مسألة عند الشيخ بحثوا فيها فلم يتجه لهم عنها جواب، فدخل أبو البركات وخدم، وقال للشيخ: عن أمر مولانا أتكلم في هذه المسألة، فقال: قل، فأجاب عنها بشيء من كلام جالينوس ثم قال: وهذا كان بحثكم في اليوم الفلاني في ميعاد فلان، فعجب الشيخ منه ومن حرصه، فقال: من
стр. 2886
يكون هكذا ما يستحل أن نمنعه فصار من أجل تلامذته.
ومن نوادره أن مريضًا عرض له المالنخوليا، وكان يعتقد أن على رأسه دنًا وأنه لا يفارقه أبدًا، وكان كلما مشى يتحايد المواضع التي سقوفها قصيرة، ويمشي برفق، ولا يترك أحدًا يدنو منه حتى لا يميل الدن أو يقع على رأسه وبقي هذا المرض مدة طويلة وهو في شدة منه، وعالجته جماعة من الأطباء، ولم يحصل بمعالجتهم تأثير ينتفع به، وأنهى أمره إلى أوحد الزمان ففكر أنه ما بقي شيء يمكنه أن يبرأ منه إلا بالأمور الوهمية، فقال لأهله: إذا كنت في الدار فأتوني به، ثم إن أوحد الزمان أمر أحد غلمانه بأن ذلك المريض إذا دخل عليه وشرع في الكلام، وأشار إلى الغلام بعلامة بينهما أنه يسارع بخشبة كبيرة فيضرب بها فوق رأس المريض على بعد منه كأنه يريد كسر الدن الذي يزعم أنه على رأسه، وأوصى غلامًا آخر وكان قد أعد معه دنًا في أعلى السطح أنه متى رأى ذلك الغلام قد ضرب فوق رأس صاحب المالنخوليا أن يرمي الدن الذي معه بسرعة إلى الأرض. ولما كان أوحد الزمان في داره، وأتاه من غير علم المريض فأقبل عليه وقال: لا بد أن أكسر هذا الدن وأريحك منه، ثم أدار تلك الخشبة التي معه وضرب بها فوق رأسه بنحو ذراع وعند ذلك رمى الغلام الدن من أعلى السطح، فكانت له وجبة عظيمة وكسر قطعًا كبيرة، فلما عاين المريض ما فعل به ورأى الدنَّ المتكسر تأوه لكسرهم إياه، ولم يشك أنه هو الذي كان على رأسه بزعمه وأثر فيه الوهم أثرًا برئ به من علته تلك. وهذا باب عظيم في المداواة وقد جرى أمثال ذلك لجماعة من المتقدمين مثل جالينوس وغيرهم في مداواتهم بالأمور الوهمية.
وحكى أبو الفضل تلميذ أبي البركات المعروف بأوحد الزمان قال: كنا في خدمة أوحد الزمان في عسكر السلطان ففي بعض الأيام جاءه رجل ذا داحس إلا أن الورم كان ناقصًا وكان يسيل منه صديد قال: فحين رأى ذلك أوحد الزمان بادر إلى سلامية إصبعه فقطعها، قال: فقلنا له: يا سيدي لقد أجحفت في المداواة، وكان يغنيك أن تداويه بما يداوى به غيرك، وتبقي عليه أصبعه ولمناه، وهو لا ينطق بحرف، قال: ومضى ذلك اليوم وجاءه في اليوم الثاني رجل آخر مثل ذلك سواء، فأومأ إلينا بمداواته وقال: افعلوا في هذا ما ترونه صوابًا، قال: فداويناه بما يداوى به الداحس فاتسع المكان وذهب الظفر، وتعدى الأمر إلى ذهاب السلامية الأولى من سلاميات الأصابع وما تركنا دواء إلا داويناه به ولا علاجًا إلا عالجناه ولا لطوخًا إلا لطخناه به ولا مسهلًا إلا وسقيناه، وهو مع ذلك يزيد ويأكل الأصبع أسرع أكل، وآل أمره إلى القطع فعلمنا أن فوق كل ذي علم عليم.
стр. 2887
قال: فشاع هذا المرض في تلك السنة، وغفل جماعة منهم عن القطع فتأدى أمر بعضهم إلى هلاك اليد وبعضهم إلى هلاك أنفسهم.
ونقلت من خط الشيخ موفق الدين بن عبد اللطيف البغدادي فيما ذكره عن ابن الدهان المنجم قال: كان الشيخ أبو البركات قد عمي في آخر عمره وكان يُملي على جمال الدين بن فضلان وعلى ابن الدهان المنجم وعلى يوسف والد الشيخ موفق الدين عبد اللطيف وعلى المهذب ابن النقاش كتاب المعتبري.
وقيل: إن أوحد الزمان كان سبب إسلامه أنه دخل يومًا إلى الخليفة فقام جميع من حضره إلا القاضي؛ فإنه كان حاضرًا ولم يرَ أنه يقوم مع الجماعة لذمي فقال أوحد الزمان: يا أمير المؤمنين كأنّ قاضي القضاة لم يقم مع الجماعة لكونه يرى أني على غير ملته، فأنا أسلم بين يدي، مولانا، ولا أتركه ينقصني بهذا، وأسلم.
قال: وكان لأوحد الزمان ثلاث بنات ولم يخلف ولدًا ذكرًا، وعاش نحو ثمانين سنة.
قال: وكان بين أوحد الزمان وأمين الدولة بن التلميذ معاداة، وكان أوحد الزمان لما أسلم يتنصل كثيرًا من اليهود، ويلعنهم ويسبهم، فلما كان في بعض الأيام في مجلس بعض الأعيان وعنده جماعة وفيهم أمين الدولة ابن التلميذ وجرى ذكر اليهود فقال أوحد الزمان: لعن الله اليهود فقال أمين الدولة: نعم وأبناء اليهود. فوجم لها أوحد الزمان وعرف أنه أشارة إليه، وعبارة عنه، ولم يتكلم (١).
ومنهم:
[٥٢] أبو القاسم، هبة الله بن الفضل البغدادي (٢)
علم طب وبيان، وإمام فضل ملء سماع وعيان، فأتى بما غلا، وفات مديحًا وغزلًا، وجاء بضريب الضرب، وغريب الحكمة التي لأدمغة اليونان وألسنة العرب،
стр. 2888
وكان الطب عليه أغلب والسبب إليه أجلب فكان به ارتفاقه، ومنه إنفاقه، وكان له هجو يُجرع المهجو سم الأساود، وسقمًا كلما برأ منه يعاود، هذا إلى ملح أظرف من غرائب البحار وألطف من النسيم إذا عبث بأعطاف الأشجار.
قال ابن أبي أصيبعة (١): كان يعاني صناعة الطب ويباشر أعمالها، ويعد من الموصوفين فيها إلا أن الشعر غلب عليه، وكان كثير النوادر، وبينه وبين الحيص بيص شنآن و تهاتر، وكانا قد يصطلحان وقتًا، ثم يعودان إلى ما كانا عليه وهو الذي ألصق بالحيص بيص هذا اللقب، وذلك لأن السلطان السلجوقي لما قصد بغداد في أيام المقتفي وهم عسكرها بالخروج إليه، وكان الناس من ذلك في حديث كثير وحركة زائدة، فقال: مالي أرى الناس في حيص وبيص، فكلفت كلمة أبا القسم هذا، فألصق به هذا اللقب.
قلت: كان الحيص بيص على ما هو منه معروف، فخرج يتمشى ليلًا حيث لا يقدم إلا الأبطال، ولا يمشي إلا من قصر عنده باع الخوف وطال، فمر بكلبة مجرية رآها فما خافها، وهي تسطو بأنياب وأظفار، وتهول مثل الليل بلا إسفار، فنبحت عليه نباحًا ظن به أن الجبال عليه قد أطبقت أو الجيوش به قد أحدقت، فامتشق سيفه وخطا إليها، وقدم قدمه، وأقدم عليها ثم دهش للخوف من بأسها، فأضلها وإنما أصاب بالسيف جروًا لها، فقال أبو القاسم: [البسيط]
يا معشر الناس، إن الحيص بيص أتى … بفعلة أورثته الخِزْيَ في البَلَدِ
هو الجبان الذي أبدى شَجاعتَهُ … على جُرَي ضعيف البطش والجَلَدِ
فأنشدت أُمه، مِنْ بعدما احتسبت … دمَ الأُبَيلِق عند الواحد الصَّمَدِ
أقول للنفس: تأساءً وتعزيةً … إحدى يدي أصابتني ولم تُرِدِ
стр. 2889
كلاهما خَلَفٌ من فَقْدِ صاحبِهِ … هذا أخي حين أدعوه وذا وَلَدِي
وكان المقتفي حين بويع شيخًا قد علت سنّه واحدودب غُصْبُهُ ووزيره ابن هبيرة مَنْ عُلِمَ زهادةً، ومداومة درس وعبادة، وكان أبو القاسم يستطيل مدتهما ويكره بأسهما الذي لا يلين وشدتهما، فجلس يومًا المقتفي، وابن هبيرة واقف أمامه، ومصرف زمانه هذا، وقد استثقل أبو القاسم طول أيامهما، وامتداد دوامهما، فقال: [من السريع]
يا معشر الناس النفير النفير … قد جلس الهودب فوق الثوير
وصار فينا أمرًا ناهيًا … وكنتُ أرجو أَنَّهُ لا يَصِيرُ
فتحت عيني فإذا الدولة الـ … دولة والشيخ الوزير الوزير
وقال يهجو البديع الأسطرلابي، وكان قد حج: [من مجزوء الكامل]
لا غرو أنْ دُهِيَ الحجيـ … ج وَأَنْ رُمُوا منه بنكبه
حج البديعُ َوعِرْسُهُ … وفتاه فانظر أيُّ عُصْبَه
فثلاثة من منزلٍ … عِلْقٌ وقَوَّادٌ وقَحْبَه
وقال: [من السريع]
يا خائف الهَجْوِ على نفسِهِ … كُنْ في أَمانِ اللهِ مِنْ مَسهِ
أَنْتَ بهذا العِرْضِ بينَ الوَرَى … مِثْلُ الخِرَا يَمْنَعُ مِنْ نفسِهِ
وقال: [من السريع]
أمدحه طورًا وأهجُو … ولا أَطمعُ طُولَ العُمرِ في رِفْدِهِ
مثل إمام بينَ أهَلِ القُرَى … صلَّى بهم والزيتُ مِنْ عنده (١)
وأورد له ابن سعيد، ومن ذا الذي يسمع الحسن ولا يستعيد، وذلك قوله: [من الكامل]
خَطَرَتْ فكادَ الوُرقُ يسجعُ فوقَها … إِنَّ الحَمامَ لمُغرم بالبان
مِنْ معشر نشروا على هامِ الرُّبَى … للطارقين ذوائب النيران
ومنهم:
стр. 2890
[٥٣] فخر الدين المارديني، الإمام أبو عبد الله، محمد بن عبد السلام بن عبد الرحمن بن عبد الساتر الأنصاري (١)
رجل من أسرة الأنصار، ومن سرة أهل المدينة إذا عدت بيوت الأمصار، في مزايا ذوي الهبات في المنن، وبقايا ذوي الهيئات من يمن، وكان من علماء الحكماء، ونبلاء الفضلاء وأحبار الأيام وأخيار من لا يرى مثله إلا في المنام.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان علامة وقته في الحكمة، قوي الذكاء، فاضل النفس، محبًا للخير، متقنًا للغة والنحو، وأجداده من أهل القدس، قرأ الطب على ابن التلميذ، وقرأ ابن التلميذ عليه المنطق، وقدم دمشق، وأقرأ بها الطب. وكان له مجلس عام للتدريس، وممن قرأ عليه المهذب عبد الرحيم بن علي، وطلب منه الملك الظاهر أن يقيم عنده بحلب، وأنعم عليه بمال طائل، فأقام عنده سنتين، ثم عاد إلى ماردين، ووقف كتبه في المدرسة بها، وآخر ما قاله عند موته: اللهم إني آمنت بك وبرسولك الصادق محمد ﷺ ، [القائل:] إن الله يستحي من عذاب الشيخ.
ومنهم:
[٥٤] أبو نصر المسيحي، وهو سعيد بن أبي الحسن بن عيسى (٣)
طبيب عرَّف به علمه، وفرع كل علاج لم يحظ فيه حكمه، طالما أبرأت العلل هذه المسيحية بمسحها، وأبدلت بياض ثوب العافية سواد مسحها، واحتاج إليه كل
стр. 2891
متطبب، وكان طبه الباعث للصحة أو المسبب.
قال ابن أبي أصيبعة (١): من المتميزين في صناعة الطب، والأفاضل من أهلها، والأعيان من أربابها. ومرض الناصر لدين الله بالرمل، وعرضت له في المثانة حصاة كبيرة مفرطة في الكبر واشتد به الألم وطال المرض وضجر من العلاج. فأشير عليه بأن يشق المثانة لإخراج الحصاة، فسأل عن جرائحي حاذق، فقيل له ابن عكاشة، فأحضر وشاهد العضو العليل وأمر ببطه. فقال: أحتاج أن أشاور مشايخ الأطباء في هذا. فقال له: فمن تعرف من صالحيهم؟ فقال: أبو نصر المسيحي فإنه ليس في البلاد بأسرها من يماثله. فطلبه فلما حضر قال له: اجلس، فجلس ساعة ولم يكلم ثم قال له الناصر: يا أبا نصر، مثل نفسك أنك قد دخلت إلى البيمارستان وأنت تباشر به مريضًا قد ورد من بعض الضياع، وأريد أن تباشر مداواتي وتعالجني من هذا المرض كما تفعل بمن هذه صفته. فقال: السمع والطاعة ولكني أريد أن أعرف من هذا الطبيب المتقدم مبادئ المرض وأحواله وتغيراته، وما عالج به منذ أول المرض وإلى الآن.
فأحضر الشيخ أبو الخير وأخذ يذكر له ابتداءات المرض وتغير أحواله وما عالج به من أول المرض وإلى آخر وقت. فقال: التدبير صالح، والعلاج مستقيم. فقال الخليفة: هذا الشيخ أخطأ ولا بد لي من صلبه. فقام أبو نصر المسيحي وقبل الأرض، وقال: يا مولانا، بحق الله عليك وبمن مضى من أسلافك الطاهرين لا تسن على الأطباء هذه السنة؛ وأما الرجل فلم يخطئ في التدبير، ولكن لسوء حظه لم ينته المرض. فقال: قد عفوت عنه، ولكن لا يعود يدخل علي فانصرف، ثم أخذ أبو نصر في مداواته، فسقاه ودهن العضو بالأدهان الملينات، وقال له: إن أمكن أنا نلاطف الأمر بحيث نخرج هذه الحصاة من غير بط فهو المراد، وإن لم تخرج فذلك لا يفوتنا. فلم يزل كذلك يومين، وفي ليلة اليوم الثالث رمى الحصاة، فقيل: إنه كان وزنها سبعة مثاقيل، وقيل خمسة، وقيل إنها كانت على مقدار أكبر نواة من نوى الزيتون. وتتابع الشفاء، ودخل الحمام، فأمر أن يدخل أبو نصر إلى دار الضرب، ويحمل من الذهب ما يقدر عليه، ففعل به ذلك. ثم أتته الخلع والدنانير من أم الخليفة ومن ولديه الأميرين محمد وعلي، والوزير نصير الدين بن مهدي العلوي الرازي، ومن سائر كبار الأمراء بالدولة. فأما أم الخليفة وأولاده والوزير والشرابي نجاح، وكان واحد من الدنانير ألف دينار، وكذلك من أكابر الأمراء، والباقين على قدر أحوالهم. فأخبرت أنه حصل من
стр. 2892
العين عشرين ألف دينار، ومن الثياب والخلع جملة وافرة، وألزم الخدمة، وأفرطوا له الجامكية السنية، والراتب والإقامة. ولم يزل مستمرًا في الخدمة إلى أن مات الناصر لدين الله.
قال: وحدثني بعض الأطباء أن ابن عكاشة الجرائحي كان قد نذر عليه أنه يتصدق في بيعة سوق الثلاثاء بالربع مما يحصل له، وأنه حمل إلى البيعة مائتين وخمسين دينارًا، وأصرف أبو الخير المسيحي من الخدمة، وقد كانت منزلته قبل هذا جليلة عنده، ومحله مرتفعًا، ووصله هبات وصلات عظيمة. فمن جملتها أنه أعطاه خزانة كتب الأجل أمين الدولة بن التلميذ. وكان مرض الناصر مرارًا وبريء على يديه، فحصل له فيها جملة وافرة. ثم توفي الشيخ أبو الخير في أيام الناصر، فقيل له: إنه قد توفي، وترك ولدًا متخلفًا وعنده جملة عظيمة من المال. فقال: لا يعترض ولده فيما ورثه من أبيه، فما خرج عنا لا يعود إلينا (١).
ومنهم:
[٥٥] أبو الفرج ابن توما، وهو صاعد بن هبة الله بن توما النصراني البغدادي (٢)
توصل بنجاح فنجح، ومن بصلاح عمله فبجح وعُدل بالاباء فرجح، وملك رياسة الأطباء فتبجح، وورث ببلاد العراق بختيشوعها، وحاز ما جر جرجس إليه من مدد ينبوعها، وأبقى له يعقوب بن إسحاق أخو كندة ما كان أبقاه ليوسفه، وخلى له أحمد بن الطيب ما خصّ نصيبه من طيب مخلفه.
قال ابن أبي أصيبعة (٣): كان من أكابر الأطباء، وخدم نجاح الشرابي، ثم صار وزيره وكاتبه، ثم دخل إلى الناصر، وكان يشارك أطباءه في معالجته، ثم حظي عنده
стр. 2893
الحظوة التامة، وسلم إليه عدة جهات يخدم بها، وكان فيها عدة دواوين وكتاب، وقتله بعض الجند المرتزقين تحت يده، وقيل الخليفة، فنكبه وأبقى أملاكه وعروضه لولده، وحمل ما خلفه من المال العين إلى الخزانة، وكان ثمانمائة ألف وثلاثة عشر ألف دينار.
قال ابن القفطي، وقد ذكره وأثنى عليه: إنه كان قد تقدم أيام الناصر إلى أن كان بمنزلة الوزراء والأمراء، واستوثقه على حفظ أمواله وأموال خواصه، وكان يودعها عنده، وكان يظهر له في كل وقت، ويرسله في أمور خفية إلى وزرائه، وكان جميل المحضر، حسن التوسّط، قضيت على يده حوائج، وكفيت شرور، ولم ير له غير شاكر ناشر.
* * *
стр. 2894
مشاهير الأطباء ببلاد العجم
ومنهُم:
[٥٦] قيانوس (١)
إمام الحكماء في دولة الفرس، والماضي فيهم زمانه المضيء كأنه ليلة العرس. وكان على كونه ذمةً فيهم، ومواليًا أمةً تنافيهم. تكرمه ملوك آل ساسان، وتطعمه من جني جنايتهم ثمر الإحسان، وكان يتقرب إليهم بما يلاءم، ويقرب لديهم كل منَّى كان لا يَطمع بها منهم نائم.
قال ابن أبي أُصيبعة (٢): كان نصرانيًا، وله معرفة جيدة بصناعة الطب، وبنى له سابور ذو الأكتاف البيع في [بلده]، ويقال إن الذي بنى له البيع بهرام (٣) جور.
وكان عالمًا بالصناعة موسومًا بها، متميزًا في زمانه، فاضلًا في علوم الفرس والهند وهو الذي جلب كتاب كليلة ودمنة من الهند إلى أنوشروان وترجمه له.
ومنهم:
[٥٧] ربن الطبري (٤)
لائم الفرس طبه، وقاوم حبَّ أنفسهم حُبَّه، وكانوا يرونه زين مجالسهم، وعين مجانسهم، هذا وما هو من أهل معتقدهم، ولا ممن يحلُّ مثله في معهدهم، ولم يحاول عملًا إلا كان به بصيرًا، ولا علمًا إلا وانقلب الطرف إليه لا خاسئًا ولا حسيرًا.
стр. 2895
قال ابن أبي أصيبعة (١): كان يهوديًا طبيبًا منجمًا من أهل طبرستان، وكان متميزًا في الطب، عالمًا بالهندسة وأنواع الرياضة وحل كتبًا حكمية من لغة إلى لغة أخرى. وكان له تقدم في علم اليهود - واربن والراب أسماء لمقدمي اليهود.
ومنهم:
[٥٨] علي بن سهل بن ربن الطبري، أبو الحسين (٢)
قوي المشاركة، قويم الجدد في الطرق السالكة، يجلي نوره الظلم، ويطفيء تدبيره الضرم ويقوم الأبدان، ويقوم طبه مقام الشمس في برء البلدان، ولم يعدم ومضة أدب بدت له تضيء لمعانها، ويجيء بمسود اللمم ريعانها، ويدنو مداها، ويبعد مكانها.
قال ابن النديم: علي بن ربل باللام، كان يكتب للمازيار بن قارن، فلما أسلم على يد المعتصم قربه، وظهر فضله، وأدخله المتوكل في ندمائه، وكان بموضع من الأدب، وهو الذي علم العين زربى صناعة الطب، وكان مولده ومنشؤه بطبرستان.
ومن كلامه: الطبيب الجاهل مستحث الموت.
ومنهم:
[٥٨] أحمد بن محمد الطبري، أبو الحسن (٣)
تقدم بتقدم المعرفة، وتقدم إلى الداء فصرفه مع إتقان لتشريح الأعضاء، وإتقان
стр. 2896
لغير صريح الارتضاء، بفهم يحسن الاستنباط، وعلم يحسب في معرفة ما بين القصب والرباط، هذا إلى استقصاء الأعراض والدلائل والأمراض بسبب من خارج أو داخل لم يعد الصواب حدسه، ولا عُدَّ في ذوي الخطأ حسه حتى قيل: إنه لو أراد لأطال شعر الأجفان، وأقام الأموات من الأكفان بتلطف بكاد يمسك به رمق النهار، ويرم في الصباح صبغة الليل الشائب.
قال ابن أبي أصيبعة (١): فاضل، عالم بصناعة الطب، وكان طبيب الأمير ركن الدولة وله الكناش المعروف بالمعالجات البقراطية، وهو من أجل الكتب وأنفعها، يحتوي على مقالات كثيرة، وقد استقصى فيه ذكر الأمراض ومداواتها على أتم ما يكون.
ومنهم:
[٥٩] أبو منصور، الحسن بن نوح القُمْرِي (٢)
قمر سماء، ورقم عذار ظل في وجنة ماء، ونوء حكمة ما تقشع سحابها، ولا توشع بغير مطرف الفضائل سحابها. أتى مجلس الرئيس ابن سيناء وحضره، وشاهد سيما سمته ونظره، وكان يعده فيمن أدركه، ويعد من العلم له ما تركه، ويطوي في حفظه من علمه البارع ما نشره، ويأخذ منه إلا أنه أخذ شره، ولم يكن مثله في تعديل قوى ممتزجة، وملاطفة بعلاج موافق لا تنفر منه الأمزجة.
قال ابن أبي أصيبعة (٣): كان سيد وقته وأوحد زمانه مشهورًا بالجودة في صناعة
стр. 2897
الطب، محمود الطريقة في أعمالها، فاضلًا فيها حسن المعالجة، جيد المداواة؛ متميزًا عند الملوك.
وحكى عن الخسروشاهي: أن ابن سيناء لحق أبا منصور وهو شيخ كبير، وكان يحضر مجلسه، ويلازم دروسه، وانتفع به في علم الطب.
ومنهم:
[٦٠] أبو سهل، عيسى بن يحيى المسيحي الجرجاني (١)
مسيحي له في الطب يد بيضاء كليمية، وفي إطفاء نار الحمى آية غراء إبراهيمية، مسحت بطبه الأدواء، وصلحت اللأواء، وصحت الأجسام وصحت الأسقام، وسحت السحب بمطر الإنعاش، وتهللت وجوه البرق الوسام. وحسبه أن ابن سيناء من حملة علمه إذا زخر، ومن حمدة عزمه إذا فخر، وكان بعض فضلاء المتأخرين المتبحرين يفضله على ابن سيناء، ويجعل له عليه السناء ويثني عليهما، وإنما يوفر له الثناء.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): هو طبيب فاضل بارع في صناعة الطب علمها وعملها، فصيح العبارة جيد التصنيف. وكان صحيح الكتابة متقنًا للعربية. قال: وقد رأيت بخطه كتابه في إظهار حكمة الله تعالى في خلق الإنسان وهو في نهاية الصحة والإتقان، والإعراب والضبط. وهو يدل على فضل باهر، وعلم غزير.
стр. 2898
قال: وقيل: إن المسيحي هو معلم ابن سيناء صناعة الطب.
وقال عبيد الله بن جبريل: إن المسيحي كان بخراسان، وكان متقدمًا عند سلطانها، وإنه مات عن أربعين سنة.
ومن كلامه:
نومة بالنهار بعد أكلة خير من شربة دواء نافع.
ومنهم:
[٦١] السيد أبو عبد الله، محمد بن الإيلاقي (١)
رجع بنسبه إلى والد شريف، وبحسبه إلى تالد وطريف، فقيل في ظل علم متكاثف الشحر، متراكم السحب، هطال المطر؛ سرت النوافح بأعطافه، وسُرَّت بألطافه، وصيرت ثمره في أوان قطافه.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): هو شريف النسب، فاضل في نفسه، خبير بصناعة الطب والعلوم الحكمية. وهو ممن أخذ عن الرئيس ابن سيناء، واختصر القانون، وأجاد في تأليفه، وله كتاب الأسباب والعلامات.
ومنهم:
[٦٢] أبو الريحان، محمد بن أحمد البيروني (٣)
ذكي يفوح عبق ريحانه، ويكرم أرج عنبره بامتحانه، تكلم على الكواكب
стр. 2899
ورسومها وحدودها، والنجوم ونحوسها وسعودها، وناظر الفحول، وناضل النصول، وله حكمة تلمع مشارق أنوارها، وتصدع حصباء الفجر سابق نوارها.
قال ابن أبي أصيبعة (١): هو منسوب إلى بيرون، من مدن السند، وكان مشتغلًا بالعلوم الحكمية فاضلًا في الهيأة والنجوم. وكان معاصرًا للرئيس ابن سيناء وبينهما بحوث ومراسلات. وقد ذكر الرئيس أجوبة مسائل سأله البيروني عنها مفيدة في الحكمة.
ومنهم:
[٦٣] أحمد بن عبد الرحمن بن مندويه الأصبهاني، أبو علي (٢)
من دار ملك لا يقعد به بلده، وابن أب لا يستحي به ولده، تحلل بالمناقب التي
стр. 2900
ما ضاقت به ملابسها، ولا دنت لغيره ملامسها، وفاضت به ينابيع الحكم، وسهلت له صعابها التي كم رامها غيره وكم.
قال ابن أبي أصيبعة (١): هو من الأطباء المذكورين في بلاد العجم، وخدم جماعة من ملوكها ورؤسائها. وكانت له أعمال مشهورة في صناعة الطب، وكان من ذوي البيوتات الأجلاء بأصفهان. وكان أبوه فاضلًا في علم الأدب، وافر الدين. وله أشعار منها: [من الوافر]
ويُمسي المَرءُ ذا أَجَلٍ قَرِيبٍ … وفي الدُّنيا له أمل طويل
ويَعْجَلُ بالرحيل وليسَ يَدْري … إلى ماذا يَقَرُّبِهِ الرَّحِيلُ
ولأبي علي ولده هذا كتب كثيرة ذكرها ابن أبي أصيبعة في كتابه «بغية الألباء في تاريخ الأطباء».
ومنهم:
[٦٤] ابن أبي صادق، وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن علي بن أحمد بن أبي صادق النيسابوري (٢)
وكان صادق الطلب، صادع الليل، سرى بحسن المتطلب، منقبًا عن الحكمة يستثيرها من أماكنها، ويستديرها سُرجًا من مساكنها، ويستميرها أقواتًا، ويستميلها قصيًا تميل إليه انعطافًا، وظباء تحسن إليه التفاتًا.
قال ابن أبي أصيبعة (٣): هو طبيب فاضل بارع في العلوم الحكمية، كثير الدراية في الصناعة الطبية، له حرص بالغ في التطلع إلى كتب جالينوس، وما أودعه فيه من غوامض الطب وأسرار العلم، شديد الفحص عنها، وكان فصيحًا بليغ الكلام. وما فسره من كتب جالينوس في نهاية الجودة والإتقان، كما فعل في كتاب منافع الأعضاء لجالينوس، فإنه أجهد نفسه فيه، وأجاد في تلخيص معانيه، وقد قال في أوله: وأما نحن فقد حررنا معاني هذا الكتاب شرحًا للعويص، وحذفًا للزائد، ونظمًا للشتيت
стр. 2901
وإضافة إليه.
قال صاحب بغية الألباء (١): وحدثني بعض الأطباء أن ابن أبي صادق اجتمع بابن سيناء، وقرأ عليه وكان ممن يتتلمذ له قال: وهذا لا أستبعده بل هو أقرب إلى الصحة؛ لأن [ابن] أبي صادق لحق زمانه وكان ببلاد العجم. ولاشك أنه سمع بسمعة ابن سينا وكانت عظيمة، وكان أكبر من ابن أبي صادق قدرًا. ثم ذكر تأليفاته.
ومنهم:
[٦٥] السموأل بن يحيى بن عباس، المغربي الأصل، البغدادي الدار (٢)
العادي حيث السحاب الهطال دار، الماديد البدار، الماديد الاقتدار، ذو الذكاء الذي يضيء للمقتدح، ويضع في مهامه مهام الطلب منه المقترح. طلاع كل نية، وطلاب كل حنية خرق العادة في ذكائه الفرط، ووفائه بالعلم الذي لا يقبل الغلط، على أنه لم يحل بإبداع فن، ولا أبدعه حفظه علم يعرف بحقيقة أو ظن.
قال ابن أبي أصيبعة (٣): كان فاضلًا في العلوم الرياضية، عالمًا بصناعة الطب، وأصله من بلاد المغرب، وسكن بغداد مدة، ثم انتقل إلى بلاد العجم، ولم يزل بها إلى آخر عمره. قال عبد اللطيف البغدادي: هذا السموأل شاب بغدادي كان يهوديًا وأسلم، ومات شابًا بمراغة، وبلغ في العدديات مبلغًا لم يصله أحد في زمانه. وكان حاد الذهن جدان بلغ في الصناعة الجبرية الغاية القصوى. وأقام بديار بكر وأذربيجان، وله رسائل في الجبر والمقابلة رد فيها على ابن الخشاب النحوي، وكان معاصره، وكانت له في هذا العلم يد.
стр. 2902
ومنهم:
[٦٦] الشريف شرف الدين اسماعيل (١)
كمل شرف قديمه بحديثه، ووصل وأبى سراه بخبيثه، وعرف بأكمل أدوات العلوم، ومداواة العموم، وتحلى بمفاخر الطلب لعلم يبقيه، وجسم بصالح الطب يقيه، وصل من الدولة الخوارزمية العظيمة الشأن ما عُدَّ مثله لها من عظمتها، وامتد ثري ماله من نعمتها، وجرى في طلق آماله إلى غاية همتها.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان طبيبًا عالي القدر وافر العلم، وجيهًا في الدولة. وكان في خدمة السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه. وله منه الإنعام الوافر والمرتبة المكينة. وكان له مقرر على السلطان مبلغه ألف دينار في كل شهر، وكانت له معالجات بديعة وآثار حسنة في صناعة الطب.
وتوفي في أيام خوارزمشاه بعد أن عمّر. وله عدة مصنفات كلها بالفارسي.
* * *
أطباء الهند
منهم:
[٦٧] شاناق الهندي (٣)
هو ذو الحكم اللوامع، والكلم الجوامع، والتنبيهات الموقظة، والتمويهات المخفضة، والتشبيهات التي أخذت بأطراف الموعظة، نطق بها عن خاطر صفا فلم يكدر، ووفى فلم يغدر، فجاءت سوانح، وجادت موانح، وحلت من القلوب محلًا منذ دخلته سكنت به وأخلته.
قال ابن أبي أصيبعة (٤): كانت له معالجات وتجارب كثيرة في الطب، وتفنن في العلوم الحكمية. ومما قاله في كتابه الذي سماه «منتحل الجواهر»:
стр. 2903
أيها الوالي اتق عثرات الزمان، واخش تسلط الأيام ولوعة الدهر. واعلم أن للأعمال جزاءً، فاتق العواقب؛ فإن لها غدرات، فكن منها على حذر؛ والأقدار مغيبات فاستعد لها، والزمان منقلب فاحذر دولته لئيم الكرة فخف سطوته، سريع الغرة فلا تأمن دولته. واعلم أن من لم يداو نفسه من سقام الآثام في أيام حياته فما أبعده من الشفاء في دار لا دوام لها، ومن أذل حواسه واستعبدها فيما تقدم من خير، بان فضله وظهر نبله، ومن لم يضبط نفسه وهي واحدة، لم يضبط حواسه وهي خمس. فإذا لم يضبط حواسه مع قتلها ونفسه مع ذلتها، صعب عليه ضبط الأعوان مع كثرتهم وخشونة جانبهم، وكان عامة الرعية في أقاصي البلاد وأطراف المملكة أبعد من الضبط.
ومنهم:
[٦٨] منكة الهندي (١)
طبيب توقى به الأجسام، وتوفى بسببه خير الأقسام، لو عاد الهرم، لأعاد عليه ثوب شبابه، وبَدَّل كفن المشيب، بجلبابه، فأقر الأرواح في أجسادها، وعاد بالصلاح على فسادها، فقرت استقرارًا، وأزالت ضرارًا، وصالحت الأبدان فلم تعد إلى منافرتها، ولم تبعد من مضافرتها فأماطت عقابيل السَّقَم، وجذبت بأعقاب الداء العياء وقد التقم، فوجدت به الصحة وقد عزَّ لقياها، وطالت المدة وقد يئس من بقياها.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان عالمًا بصناعة الطب، حسن المعالجة، لطيف التدبير، فيلسوفًا، من المشار إليهم في العلم، متقنًا للغة الهند ولغة الفرس، وهو الذي نقل كتاب «شاناق» في السموم إلى الفارسية، وكان في زمان الرشيد، وأتى العراق في أيامه، ثم عرف العربية، فكان ينقل إليها.
ومن أخبار الخلفاء:
ان الرشيد قد اعتل علة صعبة، فلم يجد فيها طب الأطباء. فقال له أبو عمر الأعجمي: يا أمير المؤمنين بالهند طبيب يقال له منكة، وهو أوحد عبادهم وفلاسفتهم، فلو بعثت إليه لعل الله يهبك الشفاء على يده فجهز من وصله بصلة تعينه على سفره وحمله، فعالجه فبرئ. فأجرى عليه رزقًا واسعًا وأموالًا كافية. ثم بينما منكه هو مار في الخلد إذا هو برجل قد بسط كساءه وألقى عليه عقاقير كثيرة، وقام يصف دواء معجونًا،
стр. 2904
فقال: هذا دواء لكذا وكذا، وعدد أسقامًا كثيرة، وأدواء مختلفة حتى لم يدع عارضًا إلا ذكر أن ذلك الدواء شفاؤها. فتبسم منكه وقال: على كل حال ملك العرب جاهل؛ لأنه إن كان الأمر على ما يقول هذا، فما الذي حمله على أن حملني من بلادي إليه وأبعدني عن أهلي وتكلف الكثير من مؤونتي، وهو يجد هذا نصب عينه وإزاء ناظره؟ وإن كان على غير ما يقول هذا فلم لا يقتله؟ لأن الشريعة قد أباحت دم هذا ومن أشبهه؛ لأنه إن قتل إنما هي نفس يحيا بموتها أنفس، وإن تُرك - وهذا الجهل - قتل كل يوم أنفسًا. وهذا فساد في الدين، ووهن في الملك.
ومنهم:
[٦٩] صالح بن بهلة الهندي (١)
طبيب بين الانحراف والاعتدال والصحة والاعتلال. حدس ما حدث، وبر وما حنث. اطلع على كل سبب من الأسباب، وجمع بين طرفي الإيجاز والإسهاب، ورتب لكل ذي سن ما يليق به من المداواة، وما لا يطيق معرفته سواه، وشفع هذا بفضائل أخرى اجتال بها فخرًا، فحوى محاسن لا تعد كثرة، ولا يزول لها أثره، وطالما حكيت عن طبه العجائب ومحاسن ما فيها قول لعائب.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان من علماء الهند، خبيرًا بالمعالجات التي لهم، وله قوة وإنذارات في تقدم المعرفة. وكان بالعراق على عهد الرشيد. قال يوسف الحاسب المعروف بابن الداية: عن مولى سلام الأبرش، إن مولاه حدثه، أن الموائد قدمت بين يدي الرشيد في بعض الأيام وابن بختيشوع غائب، فطلبه في كل مكان فلم يجده، فطفق يلعنه، وإذا به قد دخل والرشيد يلعنه فقال: لو اشتغل أمير المؤمنين بالبكاء على ابن عمه إبراهيم بن صالح كان أشبه به من تناولي، فقال له: وما خبره؟ فأعلمه أنه خلفه ومعه رمق ينقضي آخره وقت صلاة العتمة، فاشتد جزع الرشيد عليه، وأمر برفع الموائد فقال جعفر بن يحيى: إن طب ابن بختيشوع رومي وطب ابن بهلة هندي فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإحضاره ليعرف ما عنده. فأمر بمصيره إليه، فجس عرقه ثم قال: لا
стр. 2905
أخبر الخبر إلا أمير المؤمنين فأخبر الرشيد، فأدخل عليه ابن بهلة، فلما مثل بين يديه قال: يا أمير المؤمنين أنت الإمام وعاقد ألوية القضاء للحكام، ومهما حكمت به لم يجز لحاكم فسخه، ولا لمعقب بعدك نسخه، وأنا أشهدك علي وأشهد من حضر أن إبراهيم بن صالح إن مات في هذه الليلة بل في هذه العلة يكون كل مملوك لصالح بن بهلة حرًا لوجه الله، وكل دابة له تكون حبسًا في سبيل الله، ويكون كل مال يملكه صدقة على الفقراء، وتكون كل امرأة له طالقًا ثلاثًا بتاتًا، فقال له الرشيد: حلفت ويلك يا صالح على غيب، فقال صالح: كلا يا أمير المؤمنين إنما الغيب ما لا علم لأحد به ولا دليل عليه، ولم أقل ما قلت إلا بدليل واضح وعلامات بينة. قال: فسر الرشيد بقوله وأحضر الطعام فأكل وشرب، فلما كان وقت صلاة العتمة، أتى الخبر بوفاة إبراهيم بن صالح، فاستقبل الرشيد ورجع بلعن ابن بهلة وطب الهند، ثم بكر إلى دار إبراهيم فأتى ابن بهلة فوقف بين يديه فلم يناطقه إلى أن سطعت روائح المجامر وقد غسل إبراهيم وكفن، فصاح ابن بهلة عند ذلك: يا أمير المؤمنين، الله الله أن تحكم علي بطلاق زوجتي، وخروجي من نعمتي، وتدفن ابن عمك حيًا، فوالله ما مات. فأطلق له الدخول عليه والنظر إليه ثم خرج وهو يكبر، ثم قال: قم يا أمير المؤمنين حتى أريك عجبًا، فقام معه، ثم أخرج ابن بهلة إبرة كانت معه، فأدخلها بين ظفر إبهام يد إبراهيم اليسرى ولحمه، فجذب إبراهيم يده، فقال ابن بهلة: يا أمير المؤمنين هل يحس الميت بالوجع؟ فقال له: لا، فقال ابن بهلة: لو شئت أن أدعه يكلم أمير المؤمنين الساعة، لفعلت ولكن أخاف إن عالجته وأفاق وهو في كفن فيه رائحة الحنوط أن ينصدع قلبه، فيموت موتًا حقيقيًا، ولكن يأمر أمير المؤمنين بتجريده من الكفن ورده إلى المغتسل وإعادة الغسل عليه حتى تزول رائحة الحنوط عنه، ثم يلبس مثل ثيابه التي كانت عليه، ويحول إلى فراش من فرشه التي كان يجلس عليها حتى أعالجه، فيكلمه من ساعته. ففعل فأمر بذلك، ثم دعا صالح بن بهلة بكندس ومنفخة، ونفخ الكندس في أنفه فمكث مقدار سدس ساعة، ثم اضطرب جسده وعطس وجلس قدام الرشيد، وقبل يده فسأله الرشيد عن حاله، فذكر أنه كان نائمًا نومًا لا يذكر أنه نام مثله قط طيبًا إلا أنه رأى في منامه كلبًا عض إبهام يده اليسرى عضة يجد وجعها، وأراه إبهامه الذي أدخل فيه الإبرة. وعاش بعد ذلك دهرًا طويلًا، ثم تزوج بالعباسة بنت المهدي، وولي مصر وفلسطين. وتوفي بمصر وقبره بها (١).
стр. 2906
أطباء الشام
منهم:
[٧٠] اليبرودي، وهو أبو الفرج، جرجس بن توما بن سهل بن إبراهيم من النصارى اليعاقبة (١).
رجل اهتم لسعادته، وتكلم فأصاب، وما خرج عن عادته، شكر بين الأطباء، وذكر ذكر الألباء. انتقل إلى الحاضرة، واشتغل بالمعالجة الحاضرة، وكان إذا دعي لتطبيب العلل طببها بما يقل لبثها، ويقلل بثها، ويعجل للأجسام بإعادتها صحتها، ويرخص لها ما يُسام من عادة منحتها، فينهض من جدها العاثر، ويؤثر فيها ما يشاء الآثر، ولم يتعود طول العبادة، ولا غرابة الدواء خلاف العادة.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان فاضلًا في صناعة الطب عالمًا بأصولها وفروعها معدودًا من جملة الأكابر من أهلها والمتميزين في أربابها، دائم الاشتغال، محبًا للعلم، مؤثرًا للفضيلة.
حدثني شرف الدين بن عنين ﵀ أن اليبرودي كان لا يمل من الاشتغال ولا يسأم منه. قال: وكان أبدًا في سائر أوقاته لا يوجد إلا معه كتاب ينظر فيه.
وحدثني بعض النصارى بدمشق، وهو السني البعلبكي الطبيب قال: كان مولد اليبرودي ومنشؤه بيبرود، وهي ضيعة كبيرة قريبة من صيدنايا وبها نصارى كثيرون وكان اليبرودي بها كسائر أهلها النصارى من معاناتهم الفلاحة وما يصنعه الفلاحون. وكان أيضًا يجمع الشيح من نواحي دمشق القريبة من جهته، ويحمله على دابة ويأتي به إلى داخل دمشق يبيعه للذين يقدونه بالأفران وغيرها. وأنه لما كان في بعض المرات، وقد عبر من باب توما ومعه حمل شيح، رأى شيخًا من المتطببين، وهو يفصد إنسانًا وقد حصل له رعاف شديد من الناحية المسامتة للموضع الذي ينبعث منه الدم فوقف ينظر إليه، وقال له: لم تفصد هذا ودمه يجري بأكثر مما يحتاج إليه فعرفه أنه إنما يفعله لينقطع عنه الدم الذي ينبعث من أنفه، لكونه يجذبه إلى مسامتة الجهة التي ينبعث منها. فقال له:
стр. 2907
إذا كان الأمر هكذا فإننا، في مواضعنا قد اعتدنا أنه متى كان نهر جار وأردنا أن نقطع الماء عنه فأنا نجعل له مسيلًا إلى ناحية أخرى غير مسامتة، فينقطع من ذلك الموضع ويعود إلى الموضع الآخر، فأنت لم لا تفعل هكذا أيضًا وتفصده من الناحية الأخرى؟ ففعل ذلك وانقطع الرعاف عن الرجل. وقال ذلك الطبيب لليبرودي: لو أنك تشتغل بصناعة الطب جاء منك طبيب حاذق. فما اليبرودي إلى قوله، وتاقت نفسه إلى العلم، وبقي مترددًا إلى الشيخ في أوقات، وهو يعرفه ويريه أشياء من المداواة. ثم إنه ترك يبرود وما كان يعانيه، وأقام بدمشق يتعلم أشياء من المداواة وصناعة الطب. فلما تبصر من أشياء منها، وصارت له معرفة بالقوانين العلمية، وحاول مداواة المرضى، ورأى اختلاف الأمراض وأسبابها وعلاماتها، وتيقن علاجاتها، سأل عمن هو إمام في وقته بمعرفة صناعة الطب جيدًا. فذكروا له أن ببغداد أبا الفرج بن الطيب كاتب الجاثليق، وأنه فيلسوف متفنن، وله خبرة وفضل في صناعة الطب وفي غيرها من الصنائه الحكمية، فتأهب للسفر وأخذ سوارًا كان لامه لينفقه، وتوجه إلى بغداد، وصار ينفق عليه ما يقوم بأوده، ويشتغل على ابن الطيب إلى أن مهر في صناعته وصارت له مباحثات جيدة، ودربة فاضلة في هذه الصناعة. واشتغل أيضًا بشيء من المنطق والعلوم الحكمية. ثم عاد إلى دمشق وأقام بها.
ونقلت هذه الحكاية المتقدمة أو قريبًا منها، وإن كانت الرواية بينهما مختلفة، عن شيخنا الحكيم مهذب الدين [حدثني] أسعد بن إلياس بن المطران قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو الفرج بن الحديد قال: كان بدمشق فاصد يقال له أبو الخير، ولم يكن من المهرة، وكان من أمره أن فصد شابًا، فوقعت الفصدة في الشريان فتحير وتبلد، وطلب قطع الدم، فلم يقدر على ذلك، فاجتمع الناس عليه. ففي أثناء ذلك اطلع صبي عليه وقال: يا عماه افصده في اليد الأخرى، فقال: شد الفصد الأول. فشده ووضع عليه لازوقًا كان عنده وشده فوقف جري الدم. ثم مسك الفصدة الأخرى فوقف الدم وانقطع الجميع. ووجد الصبي بالسوق معه دابة عليها حمل شيح فتشبث به وقال: من أين لك ما أعلمتني به؟ قال: إن أبي في وقت سقي الكرم، إذا انفتح شق من النهر، وخرج الماء منه بحدة لا يقدر على إمساكه دون أن يفتح فتحًا آخر، ينقص منه الماء الأول الواصل إلى ذلك الشق، ثم يسده بعد ذلك. قال: فمنعه الجرائحي من بيع الشيح واقتطاعه، وعلمه الطب، وكان منه اليبرودي وهو من مشاهير الأطباء الفضلاء.
وكان لليبرودي مراسلات إلى ابن رضوان بمصر وإلى غيره من الأطباء المصريين، وله إليهم مسائل عدة طبية ومباحث دقيقة. وكتب بخطه شيئًا كثيرًا من الطب، ولا سيما من كتب جالينوس وشروحها وجوامعها.
стр. 2908
وحدثني السني البعلبكي: أن اليبرودي عبر يومًا في سوق جيرون بدمشق، فرأى إنسانًا وقد بايع على أن يأكل أرطالًا من لحم الفرس مصلوقة مما يباع في الأسواق، فلما رآه وقد أمعن في أكله بأكثر مما تحمله قوته، ثم شرب بعده فقاعًا كثيرًا أو ماء بثلج، واضطربت أحواله فتفرس فيه أنه لا بد أن يغمى عليه، وأن يكون في حالة أقرب إلى الموت إن لم يتلاحق، فتبعه إلى المنزل الذي له، واستشرف إلى ماذا يؤول أمره. فلم يكن إلا أيسر وقت، وأهله يصيحون ويضجون بالبكاء ويزعمون أنه قد مات فأتى إليهم وقال: أنا أبرئه وما عليه بأس. ثم إنه أخذه إلى حمام قريب من ذلك الموضع وفتح فكيه كرهًا، ثم سكب في حلقه ماء حارًا وقد أضاف إليه أدوية مقوية للقيء وقيأه برفق. ثم عالجه وتلطف في مداواته حتى أفاق وعاد إلى صحته. فتعجب الناس منه في ذلك الفعل وحسن تأتيه إلى مداواة ذلك الرجل، واشتهرت عنه هذه القضية، وتميز بعدها.
وهذه الحكاية التي قصد اليبرودي على تتبع أحوال الرجل فيها ويشاهد ما يكون من أمره أن يكون عنده معرفة بالأعراض التي تحدث له، وأن ينقذه أيضًا مما وقع فيه إن أمكنه معالجته.
ومثل ذلك أيضًا ما حكاه أبو جعفر أحمد بن محمد بن الأشعث في كتاب «الغاذي والمغتذي»، وذلك أنه قال: إن إنسانًا رأيته يومًا وقد بايع أن يأكل جزرًا قدره بحد ما، فحضرت أكله لأرى ما يكون من حاله، لا رغبة مني لمجالسة من هذه حالته، ولا لي بذلك عادة ولله الحمد؛ بل لأرى إيراد الغذاء على المعدة قسرًا إلى ماذا يكون هذا الفعل، فرأيته يأكل من حائط ليرى من حوله ويضاحكهم، حتى إذا مر على الكثير مما كان بين يديه فرأيت الجزر ممضوغًا قد خرج من حلقه ملتفًا مستحيلًا متعجنًا بريقه؛ وقد جحظت عيناه، وانقطع نفسه، واحمر لونه، ودرت أوداجه، وعروق رأسه، وأزبد وكمد وجهه، وعرض له من التهوع أكثر مما عرض له من القذف حتى رمى من ذلك الذي أكله شيئًا كثيرًا. فزكنت أن انقطاع نفسه لدفع المعدة حجابه إلى نحو الفم، ومنعها إياه من الرجوع إلى الانبساط إلى النفس. وأما ما عرض إلى لونه من الاحمرار ودرور وداجيه وعروقه فزكنت أنه لإقبال الطبيعة نحو رأسه، كما يعرض لمن شدّت يده للفصد أن تقبل الطبيعة نحو الجهة التي استنهضت نحوها. فأما ما عرض لوجهه من الاربداد والكهوبة فرأيت أيضًا أنه لسوء مزاج قلبه، وأنه لو لم يخرج ما خرج، ودافعت المعدة حجابه هذه المدافعة التي قد عاقته آلته عن التنفس، عرض له الموت بالاختناق، كما قد رأينا ذلك في عدد كثير ماتوا بعقب القذف. فزكنت من ذلك أن التهوع لشدة اضطراب في ذلك الفصل وحسن تأتيه ونقي المعدة.
قال ابن أبي الأشعث بعد ذلك: إن الغذاء إذا حصل في المعدة وهو كثير الكمية، تمددت تمددًا ينبسط سائر غصونها، كما رأيت ذلك في سَبع شرحته حيًا بحضرة الأمير
стр. 2909
الغضنفر، وقد استصغر بعض الحاضرين معدته، فتقدمت بصب الماء في فيه، فما زلنا نصب في حلقه دورقًا بعد أخرى حتى عددنا من الدواريق عددًا كان مقدار ما حوت معدته نحو أربعين رطلًا ماء، فنظرت إذ ذاك إلى الطبقة الداخلية، وقد امتدت حتى صار له سطحًا مستويًا ليس بدون استواء الخارج، ثم شققتها فعندما اجتمعت عند خروج الماء منها عاد غضون الداخلة وألتوت يشهد الله في جميع ذلك الا ترسل نفسه.
وحدثني الشيخ مهذب الدين عبد الرحيم بن علي قال: حدثني موفق الدين أسعد بن الياس بن المطران قال: حدثني أبي، عن خالي أبي الفرج بن حيان قال: حدثني أبو الكرم الطبيب قال: كنت يومًا أساير الشيخ أبا الفرج اليبرودي إذ اعترضه رجل، فقال: يا سيدي كنت في صناعتي هذه في الحمام وحلقت رأسي وأوجد الآن في وجهي كله انتفاخًا وحرارة عظيمة. قال: فنظرنا إلى وجهه يربو وينتفخ وتزيد حمرته بغير توقف ولا تدريج. قال: فأمره أن يكشف رأسه ويتلقى من الجارية من قناة كانت بين يديه، وكان الزمان إذ ذاك صميم الشتاء وغاية البرد، ثم لم يزل واقفًا حتى بلغ ما أراد مما أمر به. ثم أمر الرجل بالانصراف وأشار إليه بالأوفق له، وهو تلطيف التدبير واستعمال النقوع الحامض مبردًا، وقطع الزفر. قال: فامتنع أن يحدث.
وقال الطرطوشي في كتاب «سراج الملوك»: حدثني بعض الشاميين أن رجلًا خبازًا بينما هو يخبز في تنوره بمدينة دمشق إذ عبر عليه رجل يبيع المشمش فاشترى منه، وجعل يأكله بالخبز الحار فلما فرغ سقط مغشيًا عليه. فنظروا فإذا هو ميت، فجعلوا يتربصون به ويحملون له الأطباء فيلتمسون دلائله، ومواضع الحياة منه. فلم يجدوا، فقضوا بموته. فغسل وكفن وصلي عليه، وخرجوا به إلى الجبانة. فبينما هم في الطريق على باب البلد إذ استقبلهم رجل طبيب يقال له اليبرودي، وكان طبيبًا ماهرًا حاذقًا فاضلًا عارفًا بالطب، فسمع الناس يلهجون بقضيته، فقال: حطوه حتى أراه. فوضعوه، فجعل يقلبه، وينظر في إمارات الحياة التي يعرفها. ثم فتح فمه وسقاه شيئًا، أو قال حقنه فاندفع هناك، فإذا الرجل قد فتح عينيه وتكلم وعاد إلى حانوته كما كان.
وحدثني الشيخ مهذب الدين عبد الرحيم بن علي عن موفق الدين أسعد بن الياس بن المطران قال: حدثني أبي، قال: حدثني عبد الله بن رجاء بن يعقوب. قال: بلغني أن أبا الفرج جرجس بن يوحنا اليبرودي لما توفي ظهر في تركته ثلثمائة مقطع رومي وخمسمائة قطعة فضة ألطفها ثلثمائة درهم. قال موفق الدين بن المطران: وليس ذلك يكثر لأن الشخص متى تحققت أعماله وصفت نيته، وطلب الحق، وعامل الصحيح واجتهد في معرفة صناعته، كان حقًا على الله أن يرزقه ومتى كان بالضد، عاش فقيرًا، ومات يائسًا (١).
стр. 2910
ومنهم:
[٧١] ظافر بن جابر السكري، أبو حكيم (١)
حظي كان معانده يتلظى، وحاسده يتشظى، نهض للطلب أول ما قام على ساق، وتم لهلاله اتساق، ولم يمل سعيًا، ولا أخل وعيًا، ولا خلى زمانه سقيًا له ورعيًا، حتى شدا من كل علم يتعلمه منه طرفا، وخلف من كان يتقدمه وراء القفا، فصفت مناهله، وصَمَتَ مُباهله، ولم يستتم غصنه الورق، ولا اشتد مجلسه بالطلبة، وانتطق حتى عد من العلامات، وتأكدت الأسباب له بالعلامات.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان مسلمًا فاضلًا في الصناعة الطبية، متقنًا للعلوم الحكمية، متحليًا بالفضائل وعلم الأدب، محبًا في الاشتغال والتضلع في العلوم. وكان قد لقي أبا الفرج ابن الطيب ببغداد، واجتمع به، واشتغل عليه ومعه. وكان ظافر بن جابر موجودًا في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة وهو موصلي، وإنما انتقل من الموصل إلى مدينة حلب، وأقام بها إلى آخر عمره.
ومن شعره: [من الكامل]
ما زلتُ أعلم أولًا في أول … حتى علمت بأنني لا علم لي
ومن العجائب أن كوني جاهلًا … مِنْ حيثُ كَوني أنني لمْ أَجْهَلِ
ومنهم:
[٧٢] أبو الحكم، عبيد الله بن المظفر بن عبد الله الباهلي (٣)
أبو الحكم وأخو الحكم، علم الفضلاء، وعصم أهل الولاء، إلا أنه كان للأعداء سمامًا، وللإعداء همامًا، وكان كثيرًا ما يهيج للمباهلة، ويهاجي ولا يخاف، ونسبه من باهله. أتى دمشق فرتع في جنانها، وغاص في غياض أفنانها، وبات قرى