إلى أن وصل جبريل بغداد، وما معه إلا النزر اليسير، فقصد طبيبًا يعرف بتزمره، وقرأ عليه، وكان من أطباء المقتدر وخواصه، وقرأ على يوسف الواسطي، ولازم المارستان ثم اتصل برسول صاحب فارس فطار ذكره إلى فارس وكرمان، وكان سبب خروجه إلى شيراز، واتصل بعضد الدولة وأهدى إليه رسالة في عصب العين، تكلم فيها بكلام حسن فحسن موقعه عنده، فقرر له جاريًا عليه، ثم تعرض لزوج خالة عضد الدولة مرض، فأنفذ إليه فشفي على يده، فأجزل عطاءه ورده مكرمًا ثم صحبه إلى بغداد وأجرى عليه رزقين في البيمارستان غير الجراية ثم عرض لابن عباد مرض صعب في معدته، فجهز له عضد الدولة بما يحتاج إليه، ثم بعث به إليه فلما أتى الري أحسن ابن عباد ملتقاه، وأكرم نزله، ثم امتحنه فظهر له فضله، فخلع عليه خلعًا سنية ثم أمره بعمل كناش يذكر فيه الأمراض التي تعرض من الرأس إلى القدم فعمل كناشه الصغير فحسن موقعه عنده، ثم وصله بما قيمته ألف دينار، ورفع أمره إلى عضد الدولة فزاد موضعه عنده فلما عاد من الري دخل بغداد بزي جميل وأمر مطاع وغلمان وحشم وخدم، وصادف من عضد الدولة ما يسره.
واستدعاه حسام الدولة إلى الموصل، وكانت له امرأة عليلة بمرض حاد، فأخذ في علاجها وأشار بحفظ القارورة، فاتفق أن كان عنده وإذا بجارية قد جاءت بالقارورة فنظر إلى الماء وقال لحسام الدولة: هذه المرأة تموت، فانزعج لذلك وصرخت الجارية، فقال لها: جرى في أمر هذه الإمرأة شيء لا أعلمه، فحلفت الجارية أنها لم تجاوز التدبير فقال: لعلكم خضبتموها بالحناء قالت: قد كان ذلك فحرد وقال لحسام الدولة: ابشر بعد ثلاثة أيام تبرأ فكان كما قال (١).
ومنهم:
[١٧] خصيب النصراني (٢)
خصيب لا يرتعي بكنفه المهزول، وطبيب لا يتوقى طبه إلا من هو عن الحياة معزول، عرف باختيان النفوس، وبيع عوالي المهج برخاص الفلوس، كم اجتثت شجرة … لو تركت لطالت سمراتها، وطابت ثمراتها، لا جرم أن جرمه أوبقه، وجره إلى محبسه،
стр. 2837
ثم ما فتح إلى غير قرارة القبر مطبقة.
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال فيه (١): من أهل البصرة ومقامه بها، وكان فاضلًا في صناعة الطب جيد المعالجة.
قال محمد بن سلام الجمحي: مرض الحكم بن محمد المازني، فأتوه بخصيب الطبيب يعالجه، فقال فيه: [من مجزوء الرمل]
ولقد قلت لأهلي … إذ أتوني بخصيب
لِيسَ واللهِ خَصيب … للذي بي من طبيب
إنما يعرف دائي … من به مثل الذي بي
وقال ابن سلام: كان خصيب الطبيب نصرانيًا نبيلًا، فسقى محمد بن السفاح شربة دواء، وهو على البصرة، فمرض منها، وحمل إلى بغداد فمات بها، فاتهم خصيب، فحبس حتى مات. فنظر في علته إلى مائه وكان عالمًا، فقال قال جالينوس: إن صاحب هذه العلة إذا صار ماؤه هكذا لا يعيش، فقيل له إن جالينوس ربما أخطأ، فقال: ما كنت إلى خطئه قط أحوج إليه مني الآن، ومات من علته (٢).
ومنهم:
[١٨] عيسى المعروف بأبي قريش (٣)
عارف لا يعادل في طبه، ولا يعادى معه السقم لخطبه، ولا يؤخر في جدول، ولا يؤرخ زمان به عدل، وكان يرجع إليه فيما التبس، ويكاد يستطلق بتطبيبه السحاب إذا احتبس هذا بالدربة في معرفة قوى العقاقير، ولما سبق له به سعد المقادير.
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال (٤): قال إسحاق بن علي الرهاوي فيما نقله في أن أبا قريش كان صيدلانيًا يجلس على موضع بباب قصر الخليفة، وكان دينًا صالحًا وأن الخيزران وجهت بمائها مع جارية لها إلى الطبيب، فلما خرجت رأت أبا قريش فأرته الماء، فقال لها: هذا ماء امرأة حبلى بغلام فرجعت بالبشارة فقالت لها الخيزران:
стр. 2838
ارجعي إليه واستقصي المسألة. فرجعت فقال لها: ما قلت إلا الحق. فلما كان بعد أربعين يومًا أحست الخيزران بالحمل، فوجهت إليه ببدره دراهم، وكتمت الخبر عن المهدي. فلما مضت الأيام ولدت موسى الهادي. فأعلمت المهدي وقاله له: إن طبيبًا على الباب أخبر بهذا منذ تسعة أشهر. وبعثت إليه بتحف كثيرة، وبلغ هذا جرجس، فأكذبه ثم حبلت بأخيه هرون الرشيد. فقال جرجس للمهدي: جرب أنت هذا الطبيب! فوجه إليه بالماء فلما رآه قال: هذا ماء ابنتي أم موسى، وهي حبلى بغلام آخر. فأثبت المهدي ذلك عنده فلما مضت الأيام، ولدت هارون، فلم يزل يطرح عليه الخلع وبدر الدراهم والدنانير حتى علت رأسه وصير موسى وهارون في حجره، وكناه أبا قريش لعينهما. وقال لجرجس: هذا شيء أنا بنفسي جربته. ثم صار نظير جرجس في الرتبة، وخلف اثنين وعشرين ألف دينار مع نعمة سنية.
وكثر تخم عيسى بن جعفر المنصور حتى كان يأتي على نفسه، فغم لذلك الرشيد، وقال لأبي قريش، فقال له: يا أمير المؤمنين إنه رزق معدة صحيحة، وبدنًا قابلًا، ودهرًا مسالمًا، والأبدان ما لم تختلط على أصحابها في أحوالهم لا يؤمن عليهم منها التلف، وإن لم تنظر له في موجدة تجدها عليه أو أحد عزيز عليه من حرمه، لم تأمن عليه، فقال: لا حيلة عندي في الموجدة عليه، ولكن احتل أنت، فذهب إليه، ثم جس عرقه وأعلمه أنه يضطر إلى محنته ثلاثة أيام قبل العلاج، فأمره بذلك، فلما فرغ منه في اليوم الثالث، قال له: إن الوصية مباركة، وهي غير مقدمة لأجل ولا مؤخرة له، فإن رأى الأمير أن يعهد، فإن لم يحدث حادث قبل أربعين يومًا عالجته في ذلك بعلاج لا يمضي عليه ثلاثة أيام حتى يبرأ، ونهض وقد امتلأ قلب الرجل فانحط كثير من لحمه، واستتر أبو قريش خوفًا من إفشاء الخبر، فلما كان يوم الأربعين صار إلى الرشيد، وقال: لا شك في نقصان بدن عيسى، فركب إليه الرشيد ودخل عليه ومعه أبو قريش، فوجدوا لحمه قد نقص نقصًا كثيرًا، فقال له عيسى بن جعفر: أطلق لي يا أمير المؤمنين قتل هذا الكافر، فقد قتلني بما أدخل علي من الروع، فقال له: يا أخي متعت بك بأبي قريش ردت إليك الحياة بعد الموت فاشكر الله، فنعم الحيلة احتال لك، وقد أمرت له بعشرة آلاف دينار، فأوصل أنت إليه مثلها، ففعل وانصرف أبو قريش إلى منزله بالمال، ولم يرجع إلى عيسى بن جعفر الشحم إلى أن فارق الدنيا (١).
ومنهم:
стр. 2839
[١٩] ابن اللجلاج (١)
عارف بالأسباب والعلامات، عالم إذا نعى العلى مات كأنما حدس كهانة، وظنه البعيد تمثل له عيانه، درب العلاج حتى عُرف بغلبة الظن إلى أن تتناهى الأعمار، وتتمادى مدد البقاء في هذه الدار، وزاد في التقريب، وكان كل شيء من عنده بمقدار.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): قال اسماعيل بن أبي سهل الطبيب عن أبيه قال: ترافقت أنا وابن اللجلاج أيام المنصور في حجته التي حج فيها، فكان إذا نام المنصور تنادمنا، فسألني ابن اللجلاج وقد عمل في النبيذ عما بقي من عمر المنصور، فأعظم أبي ذلك، وقطع النبيذ وجعل على نفسه ألا ينادمه ثم اصطلحا، فلما جلسا على نبيذهما، قال ابن اللجلاج لأبي سهل: سألتك عن علمك ببعض الأمور فبخلت به وهجرتني، ولست أبخل عليك فاسمعه ثم قال: إن المنصور رجل محرور وتزداد يبوسة بدنه كلما أسن، وقد حلق رأسه، وجعل مكان الشعر غالية وهو في هذا الحجاز يداوم الغالية، وما يقبل قولي في تركها، ولا أحسبه يبلغ إلى فيد حتى يحدث في دماغه اليبس ما لا يكون عندي، ولا عند أحد من المتطببين حيلة في ترطيبه. فليس يبلغ فيد، إن بلغها، إلا مريضًا؛ ولا يبلغ مكة، إن بلغها، وبه حياة. قال اسماعيل بن أبي سهل، قال لي أبي: فوالله ما بلغ المنصور فيد إلا وهو عليل؛ وما وافي مكة إلا وهو ميت، فدفن ببئر ميمون.
ومنهم:
[٢٠] عبد الله الطيفوري (٣)
هبت له رياح ثم سكنت، وتنبهت له عيون رباح ثم وسنت، وانتعش جده الخامل، ثم غلب عليه الخمول، ورنح غصنه المائل، ثم عاجله الذبول، وظن أن بارقته ممطرة، وقد رأى ركامها، وأمل زهامها فما سقته إلا رشاشا، ولا أقامته إلا وسقط يتغاشي.
стр. 2840
قال ابن أبي أصيبعة (١): كان حسن العقل، طيب الحديث على لكنة سوداء به، كانت في لسانه شديدة. وكان مولده في بعض قرى كسكر وكان من أحظى خلق الله عند الهادي.
قيل: كان مولى الخيزران، والأصح أنه كان مطببًا لأخيها طيفور فنسب إليه، لما وجه المنصور المهدي إلى الري لمحاربة من بها، حمل معه الخيزران وهي حامل بموسى، وخرج معها طيفور، والطيفوري معه، ولم تكن الخيزران شعرت بالحمل، فبعثت قارورة لها تريها الأطباء فأتت الجارية بها أبا قريش الصيدلاني، فقال: هذه قارورة حامل بغلام فأدت قوله إلى الخيزران، فسرت وعتقت عدة رقاب، وأعلمت المهدي فأحضره وسأله، فقال ذلك، فسر أكثر من سرورها ووصله كل منهما بمال جزيل، وأمره بلزوم الخدمة وترك خيمته وما كان فيها من متاع الصيادلة.
قال: فأراد طيفور أن ينفعني فبعث بي إلى الخيزران، وقال: هذا طبيبي ماهر بالطب فابعثي إليه بالماء ليراه، ففعلت ذلك، فقال لي: قل لها كما قال أبو قريش، فقلت: ذلك ما لا أقوله لأنني لا أكتسب بالمخرقة، ولكن هذه قارورة حامل، فأمرت لي بألف درهم، فلما وافت الري ولدت الهادي، فضممت إليه ودعيت بطبيبه وهو رضيع وفطيم، ثم ولدت أخاه الرشيد فكان مولده شؤمًا على الهادي؛ لأنه فاز بالخطوة دونه فأضرني ذلك في جاهي، فلما أدرك الهادي الخلافة رفع من شأني (٢).
ومنهم:
[٢١] إسرائيل بن زكريا الطيفوري، طبيب الفتح بن خاقان (٣)
كان يدل بتقدمه في فنه، ويدل على هذا غضبه على ملكه، وقد احتجم بغير إذنه لاشتداد معرفته بقوى الأمزجة، وقدر فاقة الأبدان الملية والمحوجة، وكان حسن الامتزاج يكاد يصلح بين نافر الاعتدال والمزاج.
ذكره ابن أبي أصيبعة (٤) وقال فيه: كان مقدمًا في صناعة الطب، جليل القدر عند
стр. 2841
الخلفاء والملوك، وكان مختصًا بابن خاقان، وله منه الإنعام الوافر، وكان المتوكل يعتمد عليه، وصار عنده إلى منزلة بختيشوع، وكان متى ركب إلى دار المتوكل ركب في مثل مواكب الأمراء الأجلاء القواد، وأمر المتوكل صقلاب وابن الحيري بالركوب معه ثم أقطعه قطيعة بسر من رأى فاختارها لنفسه خمسين ألف ذراع، وأعطاه ثلاثمائة ألف درهم لينفقها عليه، فحازها وضرب المنار عليها.
وحكى الرهاوي: أن إسرائيل ابن الطيفوري وجد على المتوكل إذ احتجتم بغير إذنه، فاقتدى غضبه بثلاثة آلاف دينار وضيعة تغل في السنة خمسين ألف درهم وهبها له وسجل له عليها.
وحكى ابن ماسويه قال: رأيت المتوكل وقد عاد إسرائيل وهو مريض قد غشي عليه، فجعل يده تحت رأسه مخدة له، ثم قال للوزير حياتي معلقة بحياته إن عدمته لا أعيش، ثم كان يبعث سعيد بن صالح صاحبه وموسى بن عبد الملك كاتبه يعودانه عنه.
ومنهم:
[٢٢] يزيد بن يوحنا بن أبي خالد (١)
وكان لا يخطئ له صواب، ولا يبطئ به جواب، وكان في طبه جد المأمون؛ خدم به المتصاوان ابن المهدي والمأمون، لأنه كان لا يتهم، ولا تسري وتدلج إليه التهم، لعلم يقين منه عقد عليه الأنامل، واقعد لديه كل آمل.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان جيد العلم، حسن المعالج، موصوفًا بالفضل. خدم المأمون، وابن المهدي، وكان له منه العناية الظاهرة، وله عليه الجامكية الوافرة.
قال ابن المهدي: إن أبا عثمان ثمامة العبسي صاحب الحيار اعتل علة تطاولت به، وكان شيخًا كبيرًا، قال ابن المهدي فسألني الرشيد عن علته وأين بلغت به، فأعلمته أني لا أعلم له خبرًا، فأظهر انكارًا لقولي، ثم قال: رجل غريب من أهل الشرق قد رغب في مصاهرة أهله عبد الملك بن مروان، وقد ولدت أخته خليفتين الوليد وسليمان
стр. 2842
ابني عبد الملك، وقد رغب أبوك في مصاهرته. فتزوج أخته ورغبت أنا وأخوك في مثل ذلك منه فتزوجت ابنته، وهو مع ذلك صحابي لجدك وأبيك، ولأخيك وأخيك، فلا توجب على نفسك عيادته؟ ثم أمرني بالمصير إليه لعيادته، فنهضت وأخذت معي متطببي يزيد وصرت إليه. فدخلت على رجل توهمت أنه في آخر حشاشة بقيت من نفسه، ولم أر فيه للمسألة موضعًا. فأمر يزيد متطببي بإحضار متطببه فحضر، فسأله عن حاله فأخبر أنه يقوم في اليوم والليلة مائة مجلس. وأقبل يزيد يسأل المتطبب عن باب باب من الأدوية التي تشرب والسفوفات والحقن، فلم يذكر لذلك المتطبب شيئًا إلا أعلمه أنه قد عالجه به فلم ينجح فيه. فوجم عند ذلك يزيد مقدار ساعة، وقال: قد بقي شيء واحد أن أعمل به رجوت أن ينتفع به، وإن لم ينجع فلا علاج له.
قال أبو إسحاق: فرأيت ثمامة قد قويت نفسه عندما سمع من يزيد ما سمع ثم قال: وما ذلك الشيء الذي بقي، متعت بك؟ قال له: شربة اصطمخيفون. فقال ثمامة: أحب أرى هذه الشربة حتى أشم رائحتها. فأخرج يزيد من كمه منديلًا فيه أدوية، وفيه شربة اصطمخيفون. فأمر بها ثمامة فحلت، ثم أتى بها فرمى بها في فيه وابتلعها. فوالله ما وصلت إلى جوفه حتى سمعت منه أصواتًا لم أشك في أني لم أبلغ باب داره إلا وقد مات. فنهضت ومتطببي معي، وما أعقل غمًا. وأمر خادمًا لي يكون يحمل معي الاسطرلاب إذا ركبت بالمقام في داره، وتعرف خبر ما يكون منه. فتخلف، فوافاني كتاب الخادم بعد الزوال يعلمني أنه قام من بعد طلوع الشمس إلى زوالها خمسين مرة فقلت: تلفت والله نفس ثمامة. ثم وافى كتاب الخادم بعد غروب الشمس أنه قام منذ زوال الشمس إلى غروبها عشرين مجلسًا. ثم صار إليَّ الغلام مع طلوع الشمس، فذكر أنه لم يكن منه منذ غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا ثلاثة مجالس، ولم يكن منه إلى وقت طلوع الفجر شيء. فركبت إليه بعد أن صليت الغداة فوجدته نائمًا، وكان لا ينام، فانتبه إلي وسألته عن خبره، فأخبرني أنه لم يزل في وجع من جوفه مانع له النوم والقرار منذ أكثر من أربعين ليلة حتى أخذ تلك الشربة. فلما انقطع فعل الشربة انقطع عنه ذلك الوجع، وأنه لم يشته طعامًا منذ ذلك الوقت وأنه ما يصبر في وقته من غلبة الجوع عليه. وسأل الإذن في الأكل، فأذن له يزيد في أكل اسفيذاج قد طبخ في فروج كسكري سمين، ثم اتباعها زيرياجة، ففعل ذلك. وصرت إلى الرشيد فأخبرته بما كان من أمر ثمامة. فأحضر المتطبب وقال له: ويحك كيف أقدمت على إسقائه حب الأصطمخيفون؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا رجل كان في جوفه دواء ولا غذاء إلا أفسده الكيموس. وكان كلما فسد من تلك الأدوية والأغذية صار مادة لذلك الفساد،
стр. 2843
فكانت العلة لهذا السبب تزداد. فعلمت أنه لا علاج له إلا بدواء قوي يقوى على فعل ذلك الكيموس. وكان أقوى الأشياء التي يمكن أن يسقاه الأصطمخيفون، فقلت له فيه الذي قلت. ولم أقدم أيضًا على القول أنه يبرئه لا محالة، وإنما قلت بقي شيء وحد فإن هو لم ينفعه، فلا علاج له. وإنما قلت ذلك؛ لأني رأيت الرجل عليلًا قد أضعفته العلة، وأذهبت أكثر قواه. فلم آمن عليه التلف إن شربه، وكنت أرجو له العافية بشربه إياه، وكنت أعلم أنه إن لم يشربه أيضًا تلف. فاستحسن الرشيد ما كان من قوله ووصله بعشرة آلاف درهم. ثم عاد الرشيد ثمامة وقال: لقد أقدمت من شرب ذلك الدواء على أمر عظيم، وخاصة إذا كان المتطبب لم يصرح لك بأن في شربه العافية. فقال ثمامة: يا أمير المؤمنين، كنت قد يئست من نفسي وسمعت المتطبب يقول إن شرب هذا الدواء رجوت أن ينفعه، فاخترت المقام على الرجاء ولو لحظة على اليأس من الحياة، فشربته وفي ذلك خيرة من الله عظيمة (١).
ومنهم:
[٢٣] عبدوس بن زيد (٢)
وكان طبيبًا حاذقًا، ومصيبًا لا يزال برأيه موافقًا، وله فضل من السحاب لو جر ذلا ذله، ونبل يتمنى لو كان فيه نقص يشغل عواذله.
قال أبو علي القباني عن أبيه: إن القاسم بن عبيد الله مرض في حياة أبيه مرضًا حادًا في تموز وحصل به القولنج الصعب، فانفرد بعلاجه عبدوس بن زيد وسقاه ماء أصول قد طبخ، وطرح فيه أصول الكرفس، والرازيانج، ودهن الخروع وجعل فيه شيئًا من أيارج فيقرا، فحين شربه سكن وجعه وأجاب طبعه مجلسين، فأفاق، ثم أعطاه من غد ذلك اليوم ماء شعير فاستظرف هذا منه.
قال أبو علي القباني أيضًا: إن أخاه إسحاق بن علي مرض وغلبت الحرارة على مزاجه، والنحول على بدنه، حتى أداه إلى الضعف وردّ ما يأكله. فسقاه عبدوس بن زيد هذه الأصول ودهن الخروع في حزيران أربعة عشر يومًا، فعوفي وصلحت معدته.
стр. 2844
وقال: في مثل هذه الأيام تحم حمى حادة، فإن كنت حيًا خلصتك بإذن الله، وإن كنت ميتًا فعلامة عافيتك له دائرة سنة أن تنطلق طبيعتك في اليوم السابع؛ فإن انطلقت عوفيت ومع هذا فقد تقوت معدتك بقوّى لو طرحت فيها الحجارة لطحنتها. فلما انقضت السنة مرض عبدوس، وحم أخي كما قال، وكان مرضهما في يوم واحد. فما زال عبدوس يراعي أخي ويسأل عن خبره إلى أن قيل له انطلقت طبيعته، فقال: قد تخلص.
ومات عبدوس في الغد من ذلك اليوم.
ولعبدوس بن زيد من الكتب: كتاب «التذكير في الطب».
ومنهم:
[٢٤] ماسَرجُوَيه (١)
طبيب البصرة، هو أول من ترجم، وعرب ما أعجم، وكان صلب العود صعب الجلمود، لا ينقل إلا ما حرره، وفصل كلمه على قدر المعنى وقدره، لا يتجوز في كلمة يعبر بها عن معنى ما لم تكن دالة عليها بالمطابقة، مقابلة في اللغة الأخرى لما نظرت به موافقة، وهو على هذا ظريف العبارة، لطيف الحديث إذا سمعت أخباره.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): هو الذي نقل كناش أهرن من السرياني إلى العربي. وكان سريانيًا يهودي الدين، وهو الذي يعنيه الرازي بقوله: قال اليهودي.
قال ابن جلجل: كان ما سرجويه أيام بني أمية. وعرب كناش أهرن لهم كان في خزائنهم فلما ولي عمر بن عبد العزيز، أخرجه فوضعه في مصلاه، واستخار الله فيه أربعين يومًا ثم أخرجه إلى المسلمين للانتفاع به.
قال الكسروي: كان أبو نواس يعشق جارية لامرأة من ثقيف تسكن موضعًا يعرف بحكمان من أرض البصرة يقال لها جنان، وكان أبو عثمان، وأبو أمية الثقفيان من أقارب مولاتها. فكان أبو نواس يخرج كل يوم من البصرة يتلقى من يرد من ناحية حكمان فيسائلهم عن أخبار جنان. قال: فخرج يومًا وخرجت معه، فكان أول قادم عليه ماسرجويه، فقال له أبو نواس كيف خلفت أبا عثمان وأبا أمية … فقال ماسرجويه: جنان
стр. 2845
صالحة الحال كما تحب. فقال: [من الخفيف]
أسألُ القادمين من حكمان … كيف خلفتم أبا عُثمان
وأبا أمية المُهَذَّبَ والمأ … مُول والمرتجى لريب الزمان
فيقولون لي: جنان كما سـ … ـرَّكَ في حالِها فَسَلْ عَنْ جَنانِ
وقال: كنت جالسًا عند ما سرجويه، إذ أتاه رجل فقال: إني بليت بداء عظيم، أصبح وبصري علي مظلم، وأنا أجد مثل لحس الكلاب على معدتي، فلا تزال هذه حالتي حتى آكل، فإذا أكلت، سكن عني ما أجد إلى وقت الظهر، ثم يعاودني ما كنت فيه، فإذا عاودت الأكل، سكن ما بي إلى وقت العشاء، ثم يعاودني ما كنت فيه حتى آكل فقال ما سرجويه: على هذا المرض غضب الله، فإنه أساء لنفسه الاختيار إذ لم يكن إلا لسفلة مثلك. فقال له: ما أفهم ما تقول؟ فقال ماسرجويه: هذه صحة لا تستحقها، أسأل الله تعالى نقلها عنك إلى أحق بها منك.
وقال: شكوت إلى ما سرجويه تعذر الطبيعة، فقال لي: أي الأنبذة تشرب، فقلت الدوشاب البستاني الكثير الداذي. فأمرني أن آكل في كل يوم من أيام الصيف على الريق قثاءة صغيرة فأكل منه الخمس والست والسبع، فكثر علي الإسهال، فشكوت إليه فلم يكلمني حتى حقنني بحقنة كثيرة الشحوم والصموغ والخطمي والأرز الفارسي، ثم قال لي: كدت تقتل نفسك بإكثارك من القثاء على الريق؛ لأنه كان يحدر من الصفراء ما يزيل عن الأمعاء من الرطوبات اللاصقة بها ما يمنع الصفراء من سحجها وإحداث الدوسنطاريا فيها (١).
ومنهم:
[٢٥] سلمويه بن بيان (٢)
جل في العيان، وحل في الأعيان، وكان له شأن لا تغص به المآقي، ولا يغض الأيام على لياليه البواقي، وسعد به أخوه وصعد رتب النظراء، ولم يؤاخوه.
ذكره ابن أبي أصيبعة (٣) وقال فيه: لما استخلف المعتصم، اختاره لنفسه، وقربه.
стр. 2846
حتى كانت التواقيع في السجلات وغيرها تصدر عن المعتصم بخطه، وولى أخاه بيوت الأموال وسلمه خاتمه، وكان سلمويه نصرانيًا محمود السيرة وافر العقل.
قال إسحاق بن حنين عن أبيه: أنه كان أعلم أهل زمانه بصناعة الطب، ولما اعتل، عاده المعتصم، وبكى عنده واستشاره فيمن يكون بعده، وكان المعتصم قد أ رصده لعرض حوائج إبراهيم بن المهدي أوقات خلوته.
ومنهم:
[٢٦] إبراهيم بن فزارون (١)
كان موقرًا لا تحل له حبوة، ولا تحط له ربوة، ولا تبارى به الثريا إذا لاحت، ولا الحميا إذا فاحت، وكان مقدمًا لتطبيب الأرواح، وتطييب الأوقات بالأفراح. لا يزال ينشر ألوية المدام، ويؤثر أندية الندام، ويسيرها كؤوسًا تجول أشعتها حول أوانيها، وتجول أقاصي البلاد أدانيها.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان شيخ بني فزارون الكتاب. قال يوسف بن إبراهيم: كان إبراهيم بن فزراون قد خرج مع غسان بن عباد إلى السند فحدثني أن غسان بن عباد مكث بأرض السند من يوم النيروز إلى يوم المهرجان يشتهي أن يأكل قطعة لحم باردة، فما قدر على ذلك. فسألته عن السبب فقال: نطبخه فلا يبرد حتى يروح فيرمي به.
قال يوسف: وأخبرني إبراهيم بن فزارون أنه ما أكل بأرض السند لحمًا استطابه إلا لحوم الطواويس وأنه لم يأكل لحمًا قط أطيب من لحم الطواويس ببلاد السند.
قال يوسف: وحدثني إبراهيم بن فرزان أنه رفع إلي غسان بن عباد أن في النهر المعروف بمهران بأرض السند سمكة تشبه الجدي، وأنها تصاد ثم يطين رأسها وجميع بدنها إلى موضع مخرج الثفل منها، ثم يجعل ما لم يطين منها على الجمر، ويمسكها ممسك بيده حتى يستوي منها ما كان موضوعًا على الجمر، وينضج ثم يؤكل ما نضج أو يرمى به؛ وتلقى السمكة في الماء ما لم ينكسر العظم الذي لصلب السمكة فتعيش السمكة وينبت على عظمها اللحم. وأن غسان أمر بحفر بركة في داره وملأها ماء وأمر
стр. 2847
بامتحان ما بلغه.
قال ابراهيم فكنا نؤتى كل يوم بعدة من هذا السمك فنشويه، على الحكاية التي ذكرت لنا، ونكسر من بعضه عظم الصلب ونترك بعضه لا نكسره، فكان ما يكسر عظمه يموت، وما لم يكسر عظمه يسلم وينبت عليه اللحم ويستوي الجلد. إلا أن جلدة تلك السمكة تشبه جلدة الجدي الأسود، وما قشرناه من لحوم السمك التي شويناها ورددناها إلى الماء يكون على غير لون الجلدة الأولى؛ لأنه يضرب إلى البياض.
قال يوسف: وسألت إبراهيم بن فرازون عن قول من يزعم أن مهران وهو يصب في النهر الملح إلا أن علماء الهند والسند أعلموني أن مخرج النيل مخرج نهر مهران من عين واحدة عظيمة، فنهر مهران يشق أرض السند حتى يصب في بحرها المالح، والنهر الآخر يشق أرض الهند وجميع أرض السودان حتى يخرج إلى أرض النوبة، ثم يصب باقيه في أرض مصر فيرويها، ثم يصب باقيه في بحر الروم (١).
ومنهم:
[٢٧] إبراهيم بن أيوب الأبرش (٢)
كان يعرف كيف تصاد الدراهم، ويعالج جراح الفقر من ضمادات أكياسها المراهم، بصيرًا بتعديل المزاج بشربها، خبيرًا بهذا العلاج بطبها، وصادف وقتًا قابلًا، وملكًا يهب، وشفيعًا قائلًا، فجمع ما لم يجمع، وحصل من المال ما لا يرى مثله ولا يسمع.
قال عيسى بن ماسة: رأيت الأبرش وقد عالج اسماعيل أخا المعتز، فلما برئ كلمت قبيحة أمه المتوكل ليهبه، فقال لها: مهما أعطيتيه أعطيته مثله، فأمرت له قبيحة ببدرة، فأمر له المتوكل بمثلها، فأمرت ببدرة أخرى فأمر له المتوكل بمثلها فما زالا يحضران البدر حتى أحضر كل منهما ست عشرة بدرة، ثم أومأت إلى جاريتها أن تمسك، فقال الأبرش: لا تقطعي وأنا أرد عليك، فقالت له: خذ ما حضر فإنه لا يملأ عينك شيء، فقال المتوكل: والله لو أعطيته إلى الصباح، لأعطيته مثل ذلك، ثم لما
стр. 2848
أفضت الخلافة إلى المعتز، كان أخص الأطباء عنده لمكانه من أمه قبيحة، فلما خلع المعتز قبض عليه صالح بن وصيف.
ومنهم:
[٢٨] ماسويه بن يوحنا (١)
دخل على الملك من بابه، وتوصل إلى الفلك بأسبابه، وانتقل من خاصة الكحل إلى عامة تدبير الجسد، وتقرير إصلاح ما فسد، ثم لم يزل في مزيد في الصناعة، وتجديد ما ينمي مكاسب البضاعة إلى أن صار لا يمتري في نفاقه، ولا يمتار إلا من فواضل أسواقه، ولا يُطبّب عليل بألطف من شمائل أخلاقه.
ذكره الترجمان كيف تنقل وآخر أمره أنه عالج عين خادم الفضل بن الربيع، فشكا الفضل عينه، فأوصله إليه فلم يزل يكحله إلى ثلث الليل، ثم سقاه دواء مسهلًا فصلح به، فأجرى عليه رزقًا.
فما مضت إلا أيام حتى اشتكت عين الرشيد، فقال له الفضل: يا أمير المؤمنين طبيبي ماسويه من أحذق الناس بالكحل. فأمر بإحضاره، ثم قال له: هل تحسن شيئًا من الطب سوى الكحل؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، وكيف لا أحسن وقد خدمت المرضى بالبيمارستان؟ فأدناه منه فنظر في عينيه، فحجمه في ساقيه، وقطر في عينيه، فبرئ بعد يومين. فأمر بأن يجرى عليه في الشهر ألفا درهم، وعلوفة ومعونة في السنة عشرون ألف درهم.
ثم اعتلت أخت الرشيد، فعالجها جبريل بأنواع العلاج فلم تنتفع، فاغتم بها، فقال الرشيد ذات يوم: قد كان ماسويه ذكر أنه خدم المرضى بالمارستان، وعالج الطبائع فيدخل على عليلتنا لعل عنده فرجًا. فأحضر جبريل وماسويه، فقال له ماسويه: عرفني حالها وجميع ما دبرتها به إلى وقتنا هذا. فقص عليه، فقال ماسويه: التدبير صالح، والعلاج مستقيم، ولكن أحتاج إلى أن أراها. فأمر الرشيد بأن يدخل إليها فلما تأملها، وجس عرقها بحضرة الرشيد، وخرجوا من عندها. قال ماسويه للرشيد: يكون لك طول العمر والبقاء، هذه تقضي بعد غد ما بين ثلاث ساعات إلى نصف الليل. فقال جبريل: كذب يا أمير المؤمنين، إنها تبرأ وتعيش. فأمر الرشيد بحبس ماسويه ليسبر ما
стр. 2849
قاله، وقال: ما رأينا بعلم الشيخ بأسًا. فلما كان الوقت الذي وقته ماسويه، ماتت فأمر الرشيد بإخراجه وصيره نظير جبريل في رزقه ونزله وعلوفته ومعونته ومرتبه ومرتبته.
ومنهم:
[٢٩] يوحنا بن ماسويه (١)
طبيب على يديه الشفاء، ولديه الوفاء، ما جال رأيه المصيب إلا فل أفلاطون، وجال فكر جالينوس لعله مثله يكون وود ابن آثال لو نحت من أثلته، وتشوق الحارث للمقيل تحت نخلته، وسُرَّ السريان إذ كان منهم معدودًا، وأن لليونان أن يساءوا إذ لم يكن منهم له ولودًا، ولا منه لهم ودودًا.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان طبيبًا ذكيًا، فاضلًا، خبيرًا بصناعة الطب، وله كلام حسن، وتصانيف مشهورة، وكان حظيًا عند الخلفاء والملوك.
стр. 2850
قال إسحاق بن علي الرهاوي في كتاب «أدب الطبيب» عن عيسى بن ماسه الطبيب، قال: أخبرني أبو زكريا يوحنا بن ماسويه أنه اكتسب من صناعة الطب ألف ألف درهم، وعاش بعد قوله هذا ثلاث سنين أخر. وكان الواثق مشغوفًا ضنينًا به، فشرب يومًا عنده فسقاه الساقي شرابًا غير صاف ولا لذيذ، على ما جرت به العادة، وهذا من عادة السقاة إذا قصر في برهم. فلما شرب القدح الأول قال: يا أمير المؤمنين، أما المذاقات، فقد عرفتها واعتدتها، ومذاقة هذا الشراب فخارجة عن طبع المذاقات كلها، فوجد أمير المؤمنين على السقاة، وقال: تسقون أطبائي، وفي مجلسي، مثل هذا الشراب وأمر ليوحنا بهذا السبب، وفي ذلك الوقت، بمائة ألف درهم ودعا بسمانة الخادم، وقال له: احمل إليه المال الساعة، فلما كان وقت العصر سأل سمانة الخادم هل حمل مال الطبيب أم لا؟ فقال: لا، بعد، فقال: يحمل إليه مائتا ألف درهم الساعة. فلما وصلوا العشاء، سأل عن حمل المال فقيل له: لم يحمل بعد، فدعا بسمانة وقال: احمل له ثلاثمائة ألف درهم. فقال سمانة لخازن بيت المال: احملوا مال يوحنا وإلا لم يبق في بيت المال شيء. فحمل إليه من ساعته.
قال سليمان بن حسان: كان يوحنا بن ماسويه مسيحي المذهب سريانيًا. قلده الرشيد ترجمة الكتب القديمة مما وجد بأنقره وعمورية وسائر بلاد الروم حين سباها المسلمون، ووضعه أمينًا على الترجمة، وخدم هرون والأمين والمأمون، وبقي على ذلك إلى أيام المتوكل. قال: وكانت ملوك بني هاشم لا يتناولون شيئًا من أطعمتهم إلا بحضرته، وكان يقف على رؤوسهم ومعه البراني بالجوارشنات الهاضمة المسخنة الطابخة المقوية للحرارة الغريزية في الشتاء، وفي الصيف بالأشربة الباردة والجوارشنات.
وقال ابن النديم البغدادي الكاتب: إن يوحنا بن ماسويه خدم بصناعة الطب المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل.
قال يوسف بن إبراهيم: كان مجلس يوحنا بن ماسويه أعمر مجلس كنت أراه بمدينة السلام لمتطبب أو متكلم أو متفلسف؛ لأنه كان يجتمع فيه كل صنف من أصناف أهل الأدب، وكان يوحنا ذو دعابة شديدة، يحضر بعض [من] يحضر لأجلها. وكان من ضيق الصدر، وشدة الحدة على أكثر مما كان عليه جبريل بن يختشيوع. وكانت الحدة تخرج منه ألفاظًا مضحكة، وكان أطيب مجلسه في وقت نظره في قوارير الماء، وكنت وابن حمدون بن عبد الصمد بن علي الملقب بأبي العيرطود، وإسحاق بن إبراهيم بن محمد بن اسماعيل الملقب ببيض البغل، وقد توكلنا به نحفظ نوادره وأظهرت له التلمذة
стр. 2851
بقراءتيهما كتب جالينوس عليه في الطب.
قال يوسف: مما حفظت من نوادره في وقت نظره: أن امرأة أتته فقالت له: إن فلانة وفلانة وفلانة يقرأون عليك السلام، فقال لها: أنا بأسماء أهل قسطنطينة وعمورية أعلم مني بأسماء اللواتي أسميتيهم، فاظهري بولك حتى أنظر لك فيه.
قال يوسف: وحفظت عليه أن رجلًا شكا إليه علة كان شفاؤه منها الفصد، فأشار به عليه، فقال له: لم أعتد الفصد، فقال له: ولا احسب أحدًا اعتاده في بطن أمه. وكذلك لم تعتد العلة قبل أن تعتل، وقد حدثت بك فاختر ما شئت من الصبر على ما أحدثت لك الطبيعة من العلة، واعتياد الفصد؛ لتسلم منها.
قال يوسف: وشكا إليه رجل بحضرتي جَرَبًا قد أضر به، فأمره بفصد الأكحل من يده اليسرى، فأخبره أنه قد فعل. فأمره بشرب المطبوخ، فقال: قد فعلت فأمره بشرب الاصطمخيفون، فأعلمه أنه قد فعل. فأمره بشرب ماء الجبن أسبوعًا، وشرب مخيض البقر أسبوعين، فأعلمه أنه قد فعل. فقال: إنه لم يبق شيء مما أمر به المتطببون إلا وقد ذكرت أنك قد عملته، وقد بقي شيء مما لم يذكره بقراط ولا جالينوس، وقد رأيناه يعمل على التجربة كثيرًا، فاستعمله فإني أرجو أن ينجح علاجك إن شاء الله.
فسأله: ما هو؟ فقال: ابتع زوجي قراطيس، وقطعهما رقاعًا صغارًا، واكتب في كل رقعة: رحم الله من دعا لمبتلى بالعافية والق نصفها في المسجد الشرقي بمدينة السلام، والنصف الآخر في المسجد الغربي، وفرقها في المجالس يوم الجمعة، فإني أرجو أن ينفعك الله بالدعاء، إذ لم ينفعك العلاج.
قال يوسف: وصار إليه، وأنا حاضر، قسيس الكنيسة التي يتقرب فيها يوحنا وقال له: قد فسدت علي معدتي. فقال له: استعمل جوارشن الخوزي، فقال: قد فعلت. فقال: فاستعمل الكموني، قال: قد أكلت منه أرطالًا، فأمره باستعمال المقداذيفون، فقال: قد شربت منه جرة. قال له: فاستعمل المروسيا، فقال: قد فعلت وأكثرت. فغضب وقال له: إن أردت أن تبرأ، فأسلم فإن الإسلام يصلح المعدة.
قال يوسف: واشتدت على يوحنا علة كان فيها حتى يئس منه أهله، ومن عادة النصارى إحضار من يئس منه أهله جماعة من الرهبان والقسيسين والشمامسة يقرؤون حوله، ففعل مثل ذلك بيوحنا. فأفاق والرهبان حوله يقرؤون، فقال لهم: يا أولاد الفسق ما تصنعون في بيتي؟ فقالوا له: كنا ندعو ربنا في التفضل عليك بالعافية. فقال لهم يوحنا: قرص ورد أفضل من صلوات جميع أهل النصرانية منذ كانت إلى يوم القيامة، اخرجوا من منزلي فخرجوا.
стр. 2852
قال يوسف: وشكا بحضرتي إلى يوحنا رجل من التجار جربًا به في أيام الشتاء فقال: ليست هذه من أيام علاج ما تجد، وإنما علاج دائك هذا في أيام الربيع؛ فتنكب أكل المعفنات كلها، وطري السمك ومالحه صغار ذلك وكباره، وكل حريف من الأبزار والبقول، وما يخرج من الضرع. فقال له الرجل: هذه أشياء ما أطيق عنها صبرًا. فقال له يوحنا: فإن كان الأمر على ما ذكرت فأدمن أكلها، وحك بدنك، فلو نزل المسيح لك خاصة، لما انتفعت بدعائه، لما تصف به نفسك من الشره.
قال يوسف: وعاتبه النصارى على اتخاذ الجواري، وقالوا له: خالفت ديننا وأنت شماس، فأما إن كنت على سنتنا واقتصرت على امرأة واحدة، وكنت شماسًا لنا؛ وإما أخرجت نفسك من الشماسية، وأخذت ما بدا لك من الجواري فقال: إنما أمرنا في موضع واحد أن لا نتخذ امرأتين ولا ثوبين، فمن جعل الجائليق العاض بظر أمه أولى أن يتخذ عشرين ثوبًا من يوحنا الشقي في اتخاذ أربع جوار، فقولوا لجاثليقكم أن يلزم قانون دينه، حتى نلزمه معه، وإن خالفه خالفناه.
قال يوسف: وكان بختيشوع بن جبريل يداعب يوحنا كثيرًا، فقال له يومًا في مجلس أبي إسحاق، ونحن في عسكر المعتصم بالمدائن في سنة عشرين ومائتين: أنت يا أبا زكريا يا أخي لأبي. فقال يوحنا لأبي إسحاق: أشهد أيها الأمير على إقراره فوالله لأقاسمنه ميراثه من أبيه، فقال له بختيشوع: إن أولاد الزني لا يرثون، ولا يورثون وقد حكم دين الإسلام للعاهر بالحجر، فانقطع يوحنا، ولم يحر جوابًا.
قال يوسف: وكانت دار الطيفوري في دار الروم من الجانب الشرقي من مدينة السلام لصيقة دار يوحنا بن ماسويه، وكان للطيفوري ابن قد علم الطب علمًا يقال له دانيل، ثم ترهب بعد ذلك؛ فكان يدخل مدينة السلام عند تأدي الخبر إليه بعلة والده أو ما أشبه ذلك. وكان ليوحنا طاووس كان يقف على الحائط الذي فيما بين داره ودار الطيفوري، فقدم دانيل مدينة السلام ليلًا في الشهر المعروف بآب، وهو شهر شديد الحر كثير الرمد، فكان الطاووس كلما اشتد عليه الحر صاح فأنبه دانيل، وهو في ثياب صوف من ثياب الرهبان فطرده مرات فلم ينفع ذلك، ثم رفع مرزبته فضرب بها رأس الطاووس فوقع ميتًا. واستتر الخبر عن يوحنا إلى أن ركب ورجع، فصادف عند منصرفه طاووسه ميتًا على باب داره، فأقبل يقذف بالجدود من قتله. فخرج إليه دانيل فقال: لا تشتم من قتله، فإني قتلته، ولك علي مكانه عدة طواويس. فقال له يوحنا بحضرتي: ليس يعجبني راهب له سنام وطول ذكر إلا أنه قال ذلك بفحش. فقال له دانيل: وكذلك ليس يعجبني شماس له عدة نساء، واسم رئيسة نسائه القراطيس - وهو
стр. 2853
اسم رومي لا عربي. ومعنى القراطيس عند الروم قرنانة، وليس تكون المرأة قرنانة حتى تنكح بغير بعلها - فخجل يوحنا ودخل منزله مفلولًا.
قال يوسف: وحدثني بمصر أحمد بن هارون الشرابي: أن المتوكل على الله حدثه في خلافه الواثق أن يوحنا بن ماسويه كان مع الواثق على دكان كان للواثق في دجلة، وكان مع الواثق قصبة فيها شص وقد ألقاها في دجلة ليصيد بها السمك، فحرم الصيد، فالتفت إلى يوحنا وكان على يمينه، فقال: قم يا مشؤوم عن يميني. فقال له يوحنا: يا أمير المؤمنين، لا تتكلم بمحال، يوحنا بن ماسويه الخوزي وأمه رسال الصقلبية المبتاعة بثمانمائة درهم أقبلت به السعادة إلى أن صار نديم الخلفاء وسميرهم وعشيرهم، وحتى غمرته الدنيا فنال منها ما لم يبلغه أمله فمن أعظم المحال أن يكون هذا مشؤومًا. ولكن إن أحب أمير المؤمنين أن أخبره بالمشؤوم من هو، أخبرته. فقال: ومن هو؟ فقال: من ولدته أربع خلفاء ثم ساق الله إليه الخلافة، فترك خلافته وقصورها وبساتينها وقعد في دكان مقدار عشرين ذراعًا في مثلها في وسط دجلة لا يأمن عصف الريح عليه فيغرقه ثم يتشبه بأفقر قوم في الدنيا وشرهم، وهم صيادو السمك.
قال لي أحمد بن هارون قال لي المتوكل: فرأيت الكلام قد أنجع فيه إلا أنه أمسك لمكاني.
قال يوسف: وحدثني أحمد بن هارون أن الواثق قال في هذا اليوم ليوحنا وهو على هذه الدكان: يا يوحنا ألا أعجبك من حالة؟ قال: وما هي؟ قال: إن الصياد ليطلب السمك مقدار ساعة، فيصيد السمكة تساوي الدينار أو ما أشبه ذلك. وأنا أقعد منذ غدوة إلى الليل فلا أصيد ما يساوي درهمًا. فقال له يوحنا: وضع أمير المؤمنين التعجب في غير موضعه، إن رزق الصياد من صيد السمك، فرزقه يأتيه؛ لأنه قوته وقوت عياله ورزق أمير المؤمنين بالخلافة فهو غني عن أن يرزق بشيء من السمك، ولو كان رزقه في الصيد لوافاه رزقه منه مثل ما يوافي الصياد.
قال يوسف: وحدثني إبراهيم بن علي متطبب أحمد بن طولون، أنه كان في دهليز يوحنا بن ماسويه ينتظر رجوع يوحنا من دار السلطان، فانصرف وقد أسلم في ذلك الوقت عيسى بن إبراهيم بن نوح كاتب الفتح بن خاقان. قال إبراهيم: فقمت إليه وجماعة من الرهبان فقال لنا: اخرجوا يا أولاد الزنى من داري واذهبوا أسلموا فقد أسلم المسيح الساعة على يد المتوكل.
قال يوسف: وقدم جرجة بن زكريان عظيم النوبة، في شهر رمضان سنة إحدى وعشرين ومائتين إلى سر من رأى، وأهدى إلى المعتصم هدايا فيها قردة. فإني عند
стр. 2854
يوحنا في اليوم الثاني من شوال من هذه السنة، وأنا أعاتبه على تخلفه عن حضور الدار، في ذلك الوقت، لأني رأيت سلمويه وبختيشوع والحريش المتطببين، وقد وصلوا، إذ دخل علينا غلام من الأتراك الخاصة ومعه قرد من القرود التي أهداها ملك النوبة لا أذكر أني رأيت أكبر منه جثة وقال له: يقول لك: أمير المؤمنين زوج هذا القرد من «حماحم» قردتك وكان ليوحنا قردة يسميها حماحم، كان لا يصبر عنها ساعة.
فوجم لذلك ثم قال للرسول: قل لأمير المؤمنين اتخاذي لهذه القردة غير ما توهمه أمير المؤمنين، وإنما دبرت تشريحها لأجل وضع كتاب على ما وضع جالينوس في التشريح يكون وضعي إياه لأمير المؤمنين، وكان في جسمها ضعف فخفت أن تكون العروق فيها، والأوراد والعصب دقاقًا، فلم أطبق في إيضاح الأمر فيها مثل إيضاحها فيما عظم جسمه، فتركتها لتكبر ويغلظ جسمها، فأما إذ قد وافى هذا القرد فسيعلم أمير المؤمنين أني سأضع له كتابًا لم يوضع في الإسلام مثله. ثم فعل ذلك بالقرد فظهر له منه كتاب حسن استحسنه أعداؤه فضلًا عن أصدقائه.
قال يوسف واعتل محمد بن سليمان بن الهادي المعروف بأبي مشغوف علة تطاولت به، وكان أبو العباس بن الرشيد يلزم يوحنا ويتعاهده، وكان محمد بن سليمان ربما يزيد في الحديث أشياء لا يخيل باطلها على سامعها. فدخل إليه يومًا وأنا عنده، فاستشاره فيما يأخذ فقال يوحنا: قد كنت أشير عليك بما تأخذ في كل يوم وأنا أحسبك تحب الصحة والعافية، فأما إذا صح عندي أنك تكره العافية وتحب العلة فلست أستحل أن أشير عليك بشيء. فقال له أبو مشغوف: يا جاهل من يكره العافية ويحب العلة؟ فقال له يوحنا: أنت والبرهان على ذلك أن العافية في العالم تشبه الحق والسقم يشبه الكذب، وأنت تتكلم أكثر دهرك بالكذب، فيكون كذبك مادة لسقمك فمتى تبرأ أنت من عدة متطاولة، وأنت تمدها أكثر دهرك بالكذب فيكون كذبك زائدًا فيها، فالزم الصدق ثلاثة أيام ولا تكذب فيها، فيوحنا بريء من المسيح، إن لم تخرج من هذه العلة قبل انقضاء هذه الثلاثة الأيام.
ونقلت من كتاب الهدايا والتحف لأبي بكر وأبي عثمان الخالديين قالا: حدثنا أبو يحيى، قال: اقتصد المتوكل، فقال لخاصته وندمائه اهدوا إلي يوم فصدي، فاحتفل كل واحد منهم في هديته. وأهدى إليه الفتح بن خاقان جارية لم ير الراؤون مثلها حسنًا وظرفًا وكمالًا، فدخلت إليه ومعها جام ذهب في نهاية الحسن، ودن بلور لم ير مثله فيه شراب يتجاوز الوصف، ورقعة فيها مكتوب: [من الوافر]
إذا خَرجَ الإمامُ مِنَ الدواء … وأعقب بالسلامة والشفاء
стр. 2855
فليس له دواء غيرُ شُرب … بهذا الجام من هذا الطلاء
وفض الخاتم المهدى إليه … فهذا صالح بعد الدواء
فاستظرف المتوكل ذلك واستحسنه، وكان بحضرته يوحنا بن ماسويه. فقال: يا أمير المؤمنين الفتح والله أطب مني فلا تخالف ما أشار به.
قال: ومن نوادر يوحنا بن ماسويه أن المتوكل قال له يومًا: بعث بيتي بقصرين. فقال له: آخر الغداء يا أمير المؤمنين - أراد المتوكل تعشيت فضرني؛ لأنه تصحيفها فأجابه ابن ماسويه بما يضمن العلاج.
وعيب ابن حمدون النديم ابن ماسويه بحضرة المتوكل، فقال له ابن ماسويه: لو أن مكان ما فيك من الجهل عقلًا، ثم قسم على مائة خنفساء لكانت كل واحدة منها أعقل من أرسطوطاليس.
ووجدت في كتاب جراب الدولة، قال: دخل ابن ماسويه الطبيب إلى المتوكل، فقال المتوكل لخادم له: خذ بول فلان في قارورة وايت به إلى بين يدي ابن ماسويه. فأتى به فلما نظر إليه، قال: هذا بول بغل لا محالة. فقال له المتوكل: كيف علمت أنه بغل؟ قال ابن ماسويه: أحضرني صاحبه حتى أراه، ويتبين كذبي من صدقي. فقال المتوكل: هاتوا الغلام فلما مثل بين يديه قال له ابن ماسويه: إيش أكلت البارحة؟ قال: خبز شعير، وماء قراح فقال ابن ماسويه: هذا والله طعام حماري اليوم.
ونقلت من خط المختار بين الحسن بن بطلان أن أبا عثمان الجاحظ ويوحنا بن ماسويه قال اجتمعا، بغالب ظني على مائدة اسماعيل بن بلبل الوزير. وكان من جملة ما قدم مضيرة بعد سمك، فامتنع يوحنا من الجمع بينهما قال له أبو عثمان: أيها الشيخ لا يخلو أن يكون السمك من طبع اللبن أو مضادًا له، فإن كان أحدهما ضد الآخر، فهو دواء له، وإن كانا طبعًا واحدًا، فلنحسب أنا قد أكلنا من أحدهما إلى أن اكتفينا. فقال يوحنا: والله مالي خبرة بالكلام، ولكن كل يا أبا عثمان، وانظر ما يكون في غد. فأكل أبو عثمان نصرة لدعواه، ففلج في ليلته، فقال: هذه والله نتيجة المحال من القياس. والذي ضلل أبا عثمان اعتقاده أن السمك من طبع اللبن. ولو سامحناه في أنهما من طبع واحد، لكان لامتزاجهما قوة ليست في أحدهما.
وحدث الصولي في كتاب الأوراق قال: كان المأمون نازلًا على البذندون - نهر من أعمال طرسوس - فجلس يومًا وأخوه المعتصم عليه، وجعلا أرجلهما فيه استبرادًا له، وكان أبرد الماء وأرقه وألذه. فقال المأمون للمعتصم: أحببت الساعة من أزاذ العراق أكلة وأشرب عليه من هذا الماء البارد، وسمع صوت حلقة البريد
стр. 2856
وأجراسه، فقيل: هذا يزيد بن مقبل يريد العراق، فأحضر طبقًا من فضة فيه رطب أزاذ فعجب من تمنيه وما تم له. فأكلا وشربا من الماء ونهضا وتودع المأمون وأقال، ثم نهض محمومًا، وفصد فظهرت في رقبته نفخة كانت تعتاده ويراعيها الطبيب إلى أن تنضج وتفتح وتبرأ. فقال المعتصم للطبيب، وهو ابن ماسويه، ما أظرف ما نحن فيه تكون الطبيب المتفرد المتوحد في صناعتك، وهذه تعتاد أمير المؤمنين، ولا تزيلها عنه، وتتلطف في حسم مادتها حتى لا ترجع إليه! والله لئن عادت هذه العلة عليه لأضربن عنقك. فاستطرق ابن ماسويه لقول المعتصم وانصرف، فحدث به بعض من يثق به ويأنس منه فقال: تدري ما قصد المعتصم؟ قال: لا. قال: قد أمرك بقتله حتى لا تعود النفخة إليه، وإلا فهو يعلم أن الطبيب لا يقدر على دفع الأمراض عن الأجسام، وإنما قال لك لا تدعه يعيش ليعود المرض عليه فتعالل ابن ماسويه وأمر تلميذًا له بمشاهدة النفخة والتردد إلى المأمون نيابة عنه، والتلميذ يجيئه كل يوم ويعرفه حال المأمون، وما تجدد له، فأمره بفتح النفخة، فقال: أعيذك بالله، ما احمرت ولا بلغت إلى حد الجرح، فقال له: امض وافتحها كما أقول لك ولا تراجعني. فمضى وفتحها، ومات المأمون ﵀.
أقول: إنما فعل ابن ماسويه ذلك؛ لكونه كان عديم المروءة وعديم الدين والأمانة، وكان على غير ملة الإسلام، ولا له تمسك بدينه أيضًا كما حكى عنه يوسف بن إبراهيم في أخباره المتقدمة. ومن ليس له دين يتمسك به ويعتقد فيه فالواجب أن لا يدانيه عاقل ولا يركن إليه حازم.
وكانت وفاة يوحنا بن ماسويه بسر من رأى يوم الاثنين لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين ومائتين في خلافة المتوكل.
ومن كلام يوحنا بن ماسويه: سئل عن الخير الذي لا شر معه فقال: القليل من الشراب الصافي.
ثم سئل عن الشر الذي لا خير معه فقال: نكاح العجوز.
وقال: أكل التفاح يرد النفس.
وقال: عليك من الطعام بما حدث، ومن الشراب بما عتق (١).
ومنهم:
стр. 2857
[٣٠] ميخائيل بن ماسويه (١)
طبيب المأمون، وربيب ذلك الفضل الممنون، نفق على ذلك الفاضل، ودفع كل مناضل، لا يكذب يقينه منية الصدوق، ولا يلز جواده السبوق، فطما مع ذلك البحر المحيط، وحج إليه الوفد وأول ما نزع المخيط.
قال يوسف بن إبراهيم مولى ابن المهدي: حضر ابن ماسويه دار ابن المهدي مع جماعة من وجوه الأطباء، وكانت أمه شكلة عليلة، فنظروا إلى مائها وجسوا عرقها ثم عادوا في اليوم الثاني، فقالوا كلهم: إنها أصبحت صالحة لا يشكون في إفراقها، فلما نهضوا أتبعتهم فسألت واحدًا واحدًا عما عنده فيها، فكلهم قال مثل مقالته إلا ابن سلمويه؛ فإنه قال: هي اليوم أصعب حالًا من أمس، وقال لي ميخائيل: إنه قد ظهر بالأمس بالقرب من قلبها مرض ورم ولم نره اليوم، افتراه ساخ في الأرض أو ارتفع إلى السماء. انصرف فأعد لهذه المرأة جهازها، فليست تبيت من الأحياء، فتوفيت وقت صلاة العشاء.
ومنهم:
[٣١] حنين بن إسحاق العبادي، أبو زيد (٢)
والعباد بفتح العين قبائل شتى من بطون العرب اجتمعوا على النصرانية بالحيرة.
стр. 2858
كان من أبناء الصيارف، وأبى إلا أبناء المعارف. تعلق بالعلم يطلب تحصيله، وتيقن تأصيله. يغادي إليه أيامه ويبكر، ويهاجر منامه ولا يهجر، وكان لا يرفع له علم قدر، ولا يوسع له أكرم صدر، لمهنة آبائه الوضيعة، واهنة أماناتهم المضيعة، ونفسه تأنف له أن يرى بعين هضيمة، أو يراقب بمعاملة مضيمة، فنهض نهضة ثائر، وقام قومة سائر، ودخل بلاد الروم فتخلق بأخلاقهم، وجاء على وفاقهم، حتى كان كأحد علمائهم وأوحد حكمائهم، ثم خرج متنكرًا لا يعرف من الأعياص عيضه، ولا من أي المصايد قنيصه، حتى أجله من كان لا يجله، وقل لديه من كان يستقله.
ذكره يوسف بن إبراهيم في سبب ظهوره ما مختصره: أن حنين العبادي كان يقرأ
стр. 2859
على ابن ماسويه ورهط ابن ماسويه من أهل جنديسابور ويكرهون أهل الحيرة فكره ذات يوم من العبادي كثرة سؤاله فطرده، وقال له: شأنك أن تكون صيرفيًا، فخرج من عنده وآلى أن يتعلم لغة يونان كأحسن ما يكون، فجمعني به مجلس فإذا بإنسان له شعرة قد جللته، وقد ستر وجهه عني ببعضها، وطفق ينشد شعرًا بالرومية لأوميرس رئيس شعراء الروم، فعرفته بنغمته، وكان عهدي به بعيدًا، فاستكتمني حاله وسألني الستر عليه، فبقيت أكثر من ثلاث سنين أو أربع لم أره، ثم أني دخلت على ابن بختيشوع وقد انحدر من معسكر المأمون، فوجدته عنده وقد ترجم له أقسامًا قسمها بعض الروم في كتاب من كتب جالينوس، وهو يخاطبه بالإنجيل ويقول له: يا زين حنين يعني أيها المعلم، فأعظمت ما رأيت وتبين ذلك جبريل في وجهي فقال: لا تستنكرن ما ترى من تبجيلي هذا الفتى، فوالله إن مُدَّ له في العمر ليفضحن الأول ثم خرج حنين وتبعته، فوجدته ينتظرني فسلم عليَّ وقال: كنت سألتك ستر خبري والآن أسألك إظهاره وإظهار ما سمعت جبريل يقوله في فقلت: إني أسود وجه ابن ماسويه بما سمعته، فقال: تمام سواد وجهه أن تدفع إليه هذه النسخة ولا تعلمه من نقلها فإذا استدعى بها أعلمه أنها إخراجي، ففعلت ذلك من يومي. فلما قرأ ابن ماسويه تلك الفصول وهي التي يسميها اليونان «الفاعلان» قال: أترى المسيح أوحى في دهرنا هذا إلى أحد، فقلت له: ما أوحى المسيح في هذا الدهر ولا في غيره إلى أحد، ولا كان إلى أحد من يوحي إليه، فقال له: دعني فليس هذا إلا إخراج مؤيد بروح القدس، فقلت له: هذا إخراج حنين بن إسحاق الذي طردته وأمرته أن يعمل صناعة الصيارف، فقال: هذا محال ثم صدق القول، وسألني التلطف في إصلاح ما بينهما ففعلت، وأفضل عليه، ثم لم يزل له مبجلًا، ثم لازم ابن ماسويه وأخذ عنه صناعة الطب، ونقل له كتبًا كثيرة، ثم لما رأى المأمون في منامه كأن شيخًا بهيًا جالسًا على منبر وهو يخطب ويقول: أنا أرسطاطاليس، احضر حنين بن إسحاق وسأله عنه فأخبره فأمره بنقل كتب الحكماء إلى اللغة العربية، وبذل له أموالًا جمة، وقيل للخليفة إن ملك الروم ربما دَسَّهُ عليك، فكان لا يأخذ بقوله بمفرده، ثم أراد اختباره فخلع عليه وأعطاه خمسين ألف درهم، ثم قال له: إني أريدك تصف لي دواءً أقتل به عدوًا لي سرًا، فقال: إني لم أتعلم إلا الأدوية النافعة، وما علمت أن أمير المؤمنين يطلب مني غيرها، فإن أحب أن أمضي وأتعلم فعلت ذلك، فقال: هذا شيء يطول ورغبه ورهبه، وهو لا يزيد على قوله فحبسه في بعض القلاع، ووكل من يأتيه بأخباره، فمكث سنةً غير مكترث بما هو فيه دأبه النقل والتفسير والتصنيف، ثم أحضره وأحضر له أموالًا وغيرها وسيفًا ونطعًا يرهبه
стр. 2860
به، وهو على قوله، فقال له: إني أقتلك، فقال: إن لي ربًا يأخذ بحقي فإن اختار أمير المؤمنين أن يظلم نفسه، فليفعل فتبسم له وقال: طب نفسًا فإنما أردت أن أمتحنك لننتفع بعلمك فقبل حنين الأرض وشكر له، فقال له الخليفة: ما منعك يا حنين من الإجابة عما رأيت منا في الحالين؟ فقال شيئان قال: ما هما؟ قال: الدين والصناعة فخلع عليه، وحمل المال بين يديه، وخرج وهو أحسن عنده حالًا.
قال الصقلي: كان حنين من رفقة سيبويه في الاشتغال في النحو على الخليل بن أحمد وخدم حنين المتوكل، وحظي في أيامه وكان يلبس زنارًا.
قال القباني: كان حنين في كل يوم عند نزوله من الركوب يدخل الحمام يصب عليه الماء ويخرج فيلف بقطيفة، وقد أعد له هناب من فضة فيه رطل شراب وكعكة مثرودة فيه فيأكلها ويشرب الشراب، ويطرح نفسه حتى يستوفي عرقه وربما نام، ثم يقوم ويتبخر ويقدم له طعامه وهو فروج كبير مُسمَّن قد طبخ بزير باج ورغيف فيه مائتا درهم، فيحسو من المرق، ثم يأكل الفروج والخبز، وينام فإذا انتبه شرب أربعة أرطال شرابًا عتيقًا ولم يذق غير هذا طول عمره، فإذا اشتهى الفاكهة الرطبة أكل التفاح الشامي والرمان والسفرجل.
وعمل عليه أعداؤه حتى مات غمًَّا في ليلة واحدة (١).
ومنهم:
[٣٢] إسحاق بن حنين بن إسحاق العبادي، أبو يعقوب (٢)
رجل ما نهنه في طلب، ولا نبه له جفنًا من طرب، ولم يُضع نصيبه من كل
стр. 2861
صالحة، وتصويبه إلى صوت كل صائحة، حتى لا يخل تقييده لشارده، ولا تعد يده لوارده، إلا أنه كان أميل إلى الحكمة المطلقة من مفرد الطب، وهي لديه آثر ما يحب، ولم يخل من أدب راح يسوقه وأرض يسوقه.
قال ابن أبي أصيبعة (١): كان يلحق بأبيه في النقل ومعرفة اللغات إلا أن نقله لكتب الطب قليل جدًا بالنسبة إلى نقله لكتب أرسطو. وخدم إسحاق من خدمه أبوه من الخلفاء والرؤساء، وكان منقطعًا إلى القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد وخصيصًا به ومتقدمًا عنده يفضي إليه بأسراره وله حكايات مستظرفة ونوادر، وتوفي في أيام المقتدر.
ومن كلامه: قليل الراح صديق الروح، وكثيرها عدو الجسم.
وشرب دواء مسهلًا فكتب إليه القاسم بن عبيد الله الوزير مداعبًا: [من الهزج]
أَبِنْ لي كيف أمسيتَ … وكم كانَ مِنَ الحال
وكم سارت بك الناقـ … ـةُ نحو المنزل الخالي
فكتب إليه حنين بن إسحاق: [من الهزج]
بخير كنتُ مسرورًا … رَخِيَّ الحال والبال
فأما السير والناقةُ … نحو المنزل الخالي
فإجلالك أنسانيه … ياغاية آمالي
ومنهم:
[٣٣] يوحنا بن بختيشوع (٢)
كان له جاهه شفيعًا، وعلمه يحله محلًا رفيعًا، حتى كان بدرًا في منازل الخلافة
стр. 2862
طالعًا ونديمًا دواعي السلافة طائعًا.
قال ابن أبي أصيبعة (١): كان طبيبًا متميزًا خبيرًا باليونانية والسريانية ونقل كتبًا كثيرة، وخدم الموفق والناصر بن المتوكل، وكان يعتمد عليه ويسميه مفرج كربي.
قال ابن طومار: كان الموفق إذا جلس للشرب، تقدم بين يديه صينية من ذهب، ومغسل من ذهب، وخرداذي بلور، وكوز بلور، ويجلس يوحنا بن بختيشوع عن يمينه ويقدم إليه مثل ذلك، وكذلك بين يدي أبي غالب الطبيب، ويقدم إلى جمع الجلساء صواني مدهون وقناني زجاج وغير ذلك، وكان ابنه بختيشوع بمكانة من المقتدر وإقطاعات ثم كان عند الراضي كذلك.
ومنهم:
[٣٤] ثابت بن قرة الحراني، أبو الحسن (٢)
سماء لا تصدأ مرآتها، وورقاء لا تزال تطرب ملهاتها، وكوكب أفق دري كيف
стр. 2863
تسير الثواقب، وتصير المناقب، وتسوّر خود الثريا بالهلال ويخسأ رقيب العواء المراقب، ظهر لهمن قوة الحدس ما كاد يعد كرامه ويرد به البقاء، وقد كان الهلك رامه.
قال ابن أبي أصيبعة (١): كان من الصابئة المقيمين بحران، وتعلم على محمد بن موسى بن شاكر، فوصله بالمعتضد، فأدخله في جملة المنجمين، وهو أصل من كان ببغداد من الصابئة، ولم يكن في زمانه من يماثله في الطب ولا في غيره من أجزاء الفلسفة، وله تصانيف مشهورة بالجودة، وكذلك جاء جماعة من ذريته، وله أرصاد حسان للشمس تولاها ببغداد.
وكان يدخل إلى المعتضد إلى الحبس في كل يوم ثلاث مرات يحدثه، ويؤنسه ويسليه، فشغف به فلما خرج من معتقله قال لغلامه بدر يا بدر أي رجل أفدنا بعدك، فقال: من هو يا سيدي؟ قال: ثابت بن قرة. ثم أقطعه إقطاعًا جليلًا، وكان يجلسه بين يديه والوزير وبدر فوق.
وحكى أبو إسحاق الصابي: أن ثابت بن قرة بينما هو ماش مع المعتضد في الفردوس، وقد اتكأ المعتضد على يده إذ نتر يده من يده بشدة، ففزع ثابت لأن المعتضد كان مهيبًا ثم لما نترها قال له: يا أبا الحسن - وكان يكنيه في الخلوة - سهوتُ ووضعتُ يدي على يدك، وما هكذا يجب؛ لأن العلماء يعلون ولا يعلون.
وحكي أنه اجتاز يومًا إلى دار الخلافة، فسمع صياحًا وعويلًا، فقال: ما هذا؟ قالوا: مات القصاب الذي كان هنا فجأة، فأتى إليه وأمر النساء بالسكون، وأن يعملوا مزوّرة، وأمر بعض غلمانه أن يضرب القصاب على كعبه بالعصا، وجعل يده في مجسه، وما زال ذلك يضرب كعبه إلى أن قال: حسبك، ثم استدعى بقدح وأخرج من كمه دواء فدافه في القدح بقليل ماء، وفتح فم القصاب وسقاه إياه، فأساغه ووقعت الصيحة في الدار والشارع بأن الطبيب قد أحيا الميت، فتقدم ثابت بغلق الباب، وفتح القصاب عينه وأطعمه المزوّرة وأجلسه وقعد عنده ساعة، وإذا برسل الخليفة يدعونه،
стр. 2864
فلما مثل بين يديه، قال له: يا ثابت ما هذه المسيحية التي بلغتنا عنك، فقال: يا مولاي كنت أجتاز بهذا القصاب، وأراه يشرح الكبد، ويطرح عليها الملح ويأكلها، وكنت أعلم أنه سيلحقه سكتة، فأعددت له هذا الدواء، فلما قيل لي اليوم أنه مات فجأةً البارحة، علمت أن السكتة قد لحقته، فدخلت إليه فلم أجد له نبضًا فضربته إلى أن حركت نبضه، وسقيته الدواء ففتح عينيه، وأطعمته مزورة، والليلة يأكل رغيفًا بدراج، وفي غد يخرج من بيته.
ومن كلامه قوله: ليس على الشيخ أضر من أن يكون له طباخ حاذق، وجارية حسناء، فيستكثر من الطعام فيسقم، ومن الجماع فيهرم.
ولما مات ابن قرة رثاه ابن المنجم النديم بقصيدة منها: [من الطويل]
نَعَينا العلوم الفلسفياتِ كلَّها … خَيَا نُورُها إذ قيل قد مات ثابت
ولما أتاه الموتُ لمْ يُغْنِ طبُّهُ … ولا ناطق مما حواه وصامت
فلو أنه يُسطاع للموتِ مَدفَع … لدافعَهُ عنهُ حُماةٌ مَصَالِتُ
أُؤَمِّلُ أَنْ تُجلَى عَنِ الحقِّ شُبهة … وشخصُكَ مقبور وصوتُكَ خَافِتُ
وقدْ كانَ يَجِلُو حُسْنُ تَبيينِكَ العَمَى … وكلُّ قَؤُول حين تنطق ساكت
كأنك مسؤولًا مِنَ البَحرِ غارفٌ … ومُستبدئًا نُطقًا مِنَ الصَّخْرِ نَاحِتُ
فلم يتفقدني مِنَ العِلم واحدٌ … هَرَاقَ إناءَ العلم بعدك كابت
عَجِبتُ لأرض غيبتك ولم يكن … ليثبت فيها مثلك الدهر ثابت
وأحسنت حتى لم يكن لك مُبغِضُ … ولا يَكُ لمَّا اغتالك المَوتُ شامِتُ
مَضَى عَلَمُ العِلمِ الذي كانَ مُقنعًا … فلم يبق إلا مُخطئ متهافت (١)
ومنهم:
[٣٥] سنان بن ثابت بن قرة، أبو سعيد (٢)
مقرب كل بعيد، ومقرص سبب كل وعيد، ما صحب صعبًا إلا دَمَّتَ شيمته، ولين شكيمته، ودله على كرم الأخلاق، ودل عليه وثَوبُ عرضه لا يمزقه الإحراق.
стр. 2865
قال ابن أبي أصيبعة: كان يلحق بأبيه في معرفته بالعلوم، وله قوة بالغة في علم الهيأة، وخدم المقتدر، والراضي، وأراده القاهر على الإسلام، فهرب إلى خراسان ثم عاد وتوفي ببغداد مسلمًا.
وكان على البيمارستان، وكانت تواقيع الوزير عيسى بن علي تأتيه بقرب فينفذها، منها تفقد المحابيس وأهل السواد بالأطباء والأدوية والأغذية حتى كتب يستأذنه في أهل الذمة، فكتب إليه الوزير: أكرمك الله ليس بيننا خلاف في أن معالجة أهل الذمة والبهائم صواب، ولكن الذي يجب تقديمه والعمل عليه معالجة الناس قبل البهائم، والمسلمين قبل أهل الذمة، فاعمل على ذلك واكتب إلى أصحابك به، ووصهم بالتنقل في القرى والمواضع التي فيها الأوباء الكثيرة والأمراض الفاشية.
واستجد في زمانه مارستان السيدة بسوق يحيى، والمارستان المقتدري، ثم خدم بعد الراضي بحكم فريض أخلاقه، وسكن سورة غضبه وكان قد شكا إليه ما يجده من ذلك، فقال له كلامًا زبدته: أنت قادر متى شئت على الانتقام، فإذا أردت إيقاع نقمة بأحد أخرها إلى الغد؛ لوثوقك بقدرتك، فالغضب كالسكر إذا بات زال (١).
ومنهم:
[٣٦] ثابت بن إبراهيم بن زهرون الحراني (٢)
كان يتكلم بالحدس الصحيح، على كل مُغيَّب، ويتقدم عند ملوك قريش على كل أُخلافي ومطبّب، لم يبالغ في وصفه من تعدى، ولا ذكر معجز عجائبه إلا من ظن أنه بها يتحدى.
стр. 2866
ذكره ابن أبي أصيبعة فقال (١): كان طبيبًا فاضلًا كثير الدراية، وافر العلم، بارعًا في الصناعة، موفقًا في المعالجة، مطلعًا على أسرار الطب. وكان مع ذلك ضنينًا بما يحسن.
نقلت من خط ابن بطلان، قال: كان قد اسكت أبو طاهر بن بقية في داره الشاطئة على الجسر ببغداد، وقد حضر الأمير عز الدولة بختيار، والأطباء مجمعون على أنه قد مات. فتقدم أبو الحسن الحراني، وكنت أصحبه يومئذ، فقال: أيها الأمير إذا كان قد مات، فلن يضره الفصاد، فهل تأذن لي في فصده؟ قال له: افعل يا أبا الحسن. فقصده، فرشح منه دم يسير. ثم لم يزل يقوى الرشح إلى أن صار الدم يجري، فأفاق الوزير فلما خلوت به سألته عن الحال، وكان ضنينًا بما يقول، فقال: إن من عادة الوزير أن يستفرغ في كل فصل ربيع دمًا كثيرًا من عروق المقعدة، وفي هذا الفصل انقطع عنه، فلما فصدته ثابت القوة من خناقها.
قال عبيد الله بن جبريل: لما دخل عضد الدولة، ﵀، إلى بغداد كان أول من لقيه من الأطباء أبو الحسن الحراني، وكان شيخًا مسنًا، وسنان وكان أصغر من أبي الحسن؛ وكانا عالمين، فاضلين، وكانا جميعًا يسعدان المرضى، ويمضيان إلى دار السلطان، فحسن ثناؤه عليهما. ولما دخلا إلى عضد الدولة قال: من هؤلاء؟ قالوا: الأطباء. قال: نحن في عافية، وما بنا حاجة إليهم. فانصرفا خجلين. فلما خرجا إلى الدهليز، قال سنان لأبي الحسن: يجمل أن ندخل إلى هذا الأسد؛ ونحن شيخان فيفترسنا؟ قال له أبو الحسن: فما الحيلة؟ قال: نرجع إليه، وأنا أقول ما عندي، وننظر أيش الجواب قال: افعل. فاستأذنا ودخلا. فقال سنان: أطال الله بقاء مولانا، موضوع صناعتنا حفظ الصحة لا مداواة الأمراض. والملك أحوج الناس إليه. فقال له عضد الدولة: صدقت. وقرر لهما الجاري السني وصارا ينوبان مع أطبائه.
قال عبيد الله بن جبريل: ولهم أحاديث كثيرة حسنة، فيها حديث قلاء الكبود. وذلك أنه كان بباب الأزج إنسان يقلي الكبود، فكانا إذا اجتازا عليه دعا لهما وشكرهما، وقام لهما حتى ينصرفا عنه. فلما كان في بعض الأيام اجتازا فلم يرياه،
стр. 2867
فظنا أنه قد شغل عنهما. ومن غد سألا عنه، فقيل لهما: إنه الآن قد مات. فعجبا من ذلك، وقال أحدهما للآخر: له علينا حق يوجب علينا قصده ومشاهدته. فمضيا جميعًا وشاهداه، فلما نظراه تشاورا في فصده، وسألا لأهله أن يؤخروه ساعة واحدة؛ ليفكروا في أمره، ففعلوا ذلك، وأحضروا فاصدًا فقصده فصدة واسعة، فخرج منها دم غليظ. وكان كلما خرج الدم خف عنه، حتى تكلم. وسقياه ما يصلح، وانصرفا عنه. ولما كان في اليوم الثالث خرج إلى دكانه. فكان هذا من المعجز لهما. فسئلا عن ذلك، فقالا: سببه أنه كان إذا قلى الكبود يأكل منها، وبدنه يمتلئ دمًا غليظًا وهو لا يحس، حتى فاض من العروق إلى الأوعية، وغمر الحرارة الغريزية وخنقها، كما يخنق الزيت الكثير الفتيلة التي تكون في السراج. فلما بدروه بالفصد نقص الدم، وخف عن القوة الحمل الثقيل، وانتشرت الحرارة، وعاد الجسم إلى الصحة.
وهذا الامتلاء قد يكون من البلغم أيضًا، وقد ذكر أسبابه الفاضل جالينوس في كتابه في تحريم الدفن قبل أربع وعشرين ساعة.
قال عبيد الله بن جبريل: ومن أحسن ما سمعت عن أبي الحسن الحراني أنه دخل إلى قرابة الشريف الجليل محمد بن عمر، ﵀، وكان إنسانًا نبيل القدر قد عارضه ضيق نفس شديد صعب. فأخذ نبضه وأشار بما يستعمله، فشاوره في الفصد، فقال له: لا أراه وإن كان يخفف المرض تخفيفًا بينًا. وانصرف. وجاءه أبو موسى المعروف ببقة الطبيب، وأبصر نبضه وقارورته وأشار بالفصد. فقال له الشريف: قد كان عندي أبو الحسن الحراني الساعة وشاورته في الفصد، فذكر أنه لا يراه صوابًا. فقال بقة: أبو الحسن أعرف. وانصرف، فجاءه بعض الأطباء الذين هم دون هذه الطبقة، فقال: يفصد سيدنا الساعة فإنه في الحال يسكن. وقوي عزمه على الفصد ولم يبرح حتى فصده، فعندما فصده خف عنه ما كان يجده خفًا بينًا، ونام وسكن عنه واغتدي وهو في عافية.
فعاد إليه أبو الحسن الحراني آخر النهار، فوجده ساكنًا قارًا، فلما رآه على تلك الحال، قال له: قد فصدت؟ فقال: كيف كنت أفعل ما لم تأمرني به؟ قال: ما هو هذا السكون إلا للفصد. فقال له الشريف: لما علمت بهذا لم لا فصدتني؟! قال أبو الحسن الحراني: إذ قد فصد سيدنا، فليبشر بحمى ربع سبعين دور، ولو أن بقراط وجالينوس عنده ما تخلص إلا بعد انقضائها. واستدعى دواة ودرجًا، ورتب تدبيره لسبعين نوبة ودفعه إليه. وقال: هذا تدبيرك، فإذا انقضى ذلك جئت إليك. وانصرف. فما مضى أيام حتى جاءت الحمى، وبقيت كما قال فما خالف تدبيره حتى برئ.
قال عبيد الله بن جبريل: ومن أخباره أنه كان للحاجب الكبير غلام، وكان
стр. 2868
مشغوفًا به، واتفق أن الحاجب صنع دعوة كبيرة كان فيها أجلاء الدولة. ولما اشتغل بأمر الدعوة، حُمَّ الغلام حمى حادة، فورد على قلب الحاجب من ذلك موردًا عظيمًا، وقلق قلقًا كثيرًا. واستدعى أبا الحسن الحراني فقال له: يا أبا الحسن أريد الغلام يخدمني في غداة غد اعمل كل ما تقدر عليه، وأنا أكافئك بما يضاهي فعلك. فقال له: يا حاجب إن تركت الغلام يستوفي أيام مرضه عاش، وإلا فتمكني من ملازمته أن يقوم في غد لخمتك. ولكن إذا كان في العام المقبل في مثل هذا اليوم يحم حمى حادة، ولو كان من كان عنده من الأطباء لم ينجع فيه مداواته، ويموت أما في البحران الأول أو الثاني، فانظر أيهما أحب إليك. فقال له الحاجب: أريد أن يخدمني في غد، وإلى العام المقبل فرج. ظنًا من هذا أنه من الأحاديث المدفوعة فلازمه أبو الحسن، ولما كان في غد أفاق وقام في الخدمة وأعطى الحاجب لأبي الحسن خلعة سنية ومالًا كثيرًا، وصار يكرمه غاية الإكرام. فلما كان في العام المقبل في مثل اليوم الذي حم فيه الغلام، عاودته الحمى، فأقام محمومًا سبعة أيام ومات. فعظم في نفس الحاجب وجماعة من الناس قوله، وكبر لديهم محله، وكان هذا منه كالمعجز (١).
ومنهم:
[٣٧] ابن وصيف الصابي (٢)
كان يصبو إليه كل حكيم، ويصيب لديه غرضه كل عليم، لا يرض له صخره، ولا يرضى لغيره فخره، ولا يزال يعده كل عليل لصعب الأدواء ذخره.
قال ابن أبي أصيبعة فيه (٣): كان طبيبًا عالمًا بعلاج أمراض العين، ولم يكن في زمانه أعلم منه في ذلك، ولا أكثر مزاولة.
قال سليمان: حدثني أحمد بن يونس الحراني، قال: حضرت بين يدي أحمد بن وصيف الحراني وقد أحضر سبعة أنفس لقدح أعينهم، وفي جملتهم رجل من أهل خراسان أقعده بين يديه ونظر إلى عينيه، فرأى ماء متهيأ للقدح، فسامه على ذلك، فطلب
стр. 2869
إليه فيه، واتفق معه على ثمانين درهمًا، وحلف أنه ما يملك غيرها. فلما حلف الرجل اطمأن فضمه إلى نفسه، ورفع يده على عضده فوجد بها نطاقًا صغيرًا فيه دنانير، فقال له ابن وصيف: حلفت بالله حانثًا وأنت ترجو رجوع بصرك إليك؟ والله لا عالجتك إذ خدعتك بك. فطلب إليه فيه، فأبى أن يقدحه وصرف إليه الثمانين درهمًا ولم يقدحه.
ومنهم:
[٣٨] غالب، طبيب المعتضد (١)
ما عاد مريضًا فعاد مهيضًا، ولا زار عليلًا فشكا غليلًا، ولا أتى لقى بقلبه الضنى إلا نهض من مضجعه، ونهى عن الضراء به توجعه. نفق في مثل سوق المعتضد، ووافق منه ظن المعتقد، وكان منه حيث لا يقر قرار المعتمد.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان يخدم الموفق أيام أبيه المتوكل، وخوّله ونوَّله، وكان يغلفه بيده، وينادمه ثم خدم المعتضد بعد أبيه الموفق، وعالج الموفق من سهم أصابه، فبرئ فأعطاه مالًا كثيرًا، وقال لغلمانه: من أراد إكرامي، فليكرمه، فبعث إليه مسرور بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب، وبعث إليه سائر الغلمان مالًا لا يحصى، وأقطعه مرة زيادة على رزقه ضياعًا تغل سبعة آلاف دينار، وأتى المعتضد وهو بآمد خبر موته، فكان هو المبتدئ لابنه سعيد بالعزاء فيه ثم بعث إليه الوزير وسائر أرباب الدولة لتعزيته، وبعث إليه بخون الطعام، ثم خلع عليه وأجرى عليه كل ما كان لأبيه.
ومنهم:
[٣٩] صاعد بن بشر بن عبدوس، أبو منصور (٣)
فطن لكثير من الغلط، وبين في أمور منها ما اختلط، حتى تلافي تلف الأبدان، ووافي بما لم يكن للحكماء القدماء به يدان، ونقل الأمزجة إلى ما يلائمها، وأجمع
стр. 2870
على هذا آراءه وقد كثر لائمها، ثم قفى من بعده على آثاره الحكماء، وحفظ تدبيره، ونسيت القدماء.
ذكره ابن أبي أصيبعة (١) وقال: كان فاصدًا بالبيمارستان ثم اشتغل بصناعة الطب حتى صار من أكابر أهلها. قال: وهو أول من فطن لنقل أكثر الأمراض التي كانت تداوى بالأدوية الحارة إلى التدبير المبرد كالفالج والاسترخاء واللقوة، وخالف مسطور القدماء، أخذ المرضى بالفصد والتبريد، ومنع المرضى من الغداء، فأنجح تدبيره وتقدم، وانتهت الرياسة إليه، وعوّل الملوك عليه، فرفع عن البيمارستان المعاجين الحارة والأدوية الحادة، ونقل تدبير المرضى إلى ماء الشعير ومياه البزور، فأظهر من المداواة عجائب.
من ذلك ما حكاه لي بميافارقين الرئيس أبو يحيى ولد الوزير أبي القاسم المغربي قال: عرض للوزير بالأنبار قولنج صعب أقام لأجله في الحمام؛ واحتقن عدة حقن، وشرب عدة شربات فلم ير صلاحًا، فأنفذنا رسولًا إلى صاعد، فلما جاء ورآه على تلك الحال ولسانه قد قصر من العطش وشرب الماء الحار والسكر، وجسمه يتوقد من ملازمة الحمام، ومداومة المعاجين الحارة والحقن الحارة، استدعى كوز ماء مثلوج، فأعطاه الوزير، فتوقف عن شربه. ثم إنه جمع بين الشهوة وترك المخالفة وشربه فقويت في الحال نفسه ثم استدعى فاصدًا فقصده وأخرج له دمًا كثير المقدار. وسقاه ماء البزور ولعابًا وسكنجبينًا، ونقله من حجرة الحمام إلى الخيش، وقال له: إن الوزير أدام الله عافيته سينام بعد الفصد؛ ويعرق وينتبه؛ فيقوم عدة مجالس، وقد تفضل الله بعافيته. ثم تقدم بصرف الخدم لينام. فقام الوزير إلى مرقده، وقد وجد خفة من بعد الفصد، فنام مقدار خمس ساعات، وانتبه يصيح بالفراشين. فقال صاعد للفراش: إذا قام من الصبيحة فقل له يعاود النوم، حتى لا ينقطع العرق. فلما خرج الفراش من عنده قال: وجدت ثيابه كأنه قد صبغت بماء الزعفران، وقد قام مجلسًا ونام. ثم لا زال الوزير يتردد دفعات إلى آخر النهار مجالس عدة، ومن بعد هذا غذاه بمزوّرة، وسقاه ثلاثة أيام ماء الشعير، فبرئ برأ تامًا. فكان الوزير أبدًا يقول: طوبى لمن سكن بغداد دارًا شاطئة. وكان طبيبه أبو منصور، وكاتبه أبو علي بن موصلايا. فبلغه الله أمانيه فيما طلب.
ونقلت أيضًا من خطّ ابن بطلان: أن صاعد الطبيب عالج الأجل المرتضى ﵁ من لسع عقرب، بأن ضمد بكافور فسكن عنه الألم في الحال.
стр. 2871
ونقلت من خط أبي سعيد الحسن بن أحمد بن علي في كتاب «ورطة الأجلاء من هفوة الأطباء». قال: كان الوزير علي بن بلبل ببغداد، وكان له ابن أخت فلحقته سكتة دموية، وخفي حاله على جميع الأطباء، وكان بينهم صاعد بن بشر حاضرًا، فسكت حتى أقر جميع الأطباء بموته، ووقع اليأس من حياته، وتقدم الوزير في تجهيزه، واجتمع الخلق في العزاء، والنساء في اللطم والنياح، ولم يبرح صاعد بن بشر من مجلس الوزير. فعند ذلك قال الوزير لصاعد بن بشر الطبيب: هل لك حاجة؟ فقال له: نعم يا مولانا، إن رسمت وأذنت لي، ذكرت ذلك. فقال له: تقدم وقل ما يلج في صدرك؟ فقال صاعد: هذه سكتة دموية، ولا مضرة في إرسال مبضع واحد وننظر، فإن نجح كان المراد، وإن تكن الأخرى فلا مضرة فيه ففرح الوزير، وتقدم بإبعاد النساء، وأحضر ما وجب من التمريخ والنطول والبخور والنشوق، واستعمل ما يجب من شد عضد المريض، وأقعده في حضن بعض الحاضرين، وأرسل المبضع بعد التعليق على الواجب من حاله، فخرج الدم ووقعت البشائر في الدار. ولم يزل يخرج الدم حتى استتم ثلثمائة درهم من الدم، فانفتحت العين ولم ينطق، فشد اليد الأخرى ونشقه ما وجب تنشيقه. ثم فصده ثانيًا وأخرج مثلها من الدم وأكثر فتكلم، ثم أسقي وأطعم ما وجب، فبرئ من ذلك، وصح جسمه وركب في الرابع إلى الجامع، ومنه إلى ديوان الخليفة، فدعا له ونثر عليه من الدراهم والدنانير الكثيرة. وحصل لصاعد بن بشر الطبيب مال عظيم، وحشمه الخليفة والوزير وقدمه وزكاه؛ وتقدم على جميع من كان في زمانه.
ووجدت صاعد بن بشر قد ذكر في مقالته في مرض المراقيا ما عاينه في ذلك الزمان من إهن وجدها، ومخاوف شاهدها، ما هذا نصه. «وانه عرض لنا من تضايق الزمان علينا، والتشاغل بالتماس الأمر الضروري، ولما قد شملنا من الخوف والحذر والفزع، واختلاف السلاطين؛ وما قد بلينا به، مع ذلك، من التنقل في المواضع غربيها وشرقيها؛ ولما قد أظلنا من الأمور المخوفة التي لا نرجو في كشفها إلا الله تقدس اسمه».
هذا ما ذكر. وما كان في أيامه إلا اختلاف ملوك الإسلام بعضهم مع بعض، وكان الناس سالمين في أنفسهم آمنين من القتل والسبي، فكيف لو شاهد ما شاهدنا ونظر ما نظرنا في زماننا من التتر الذين أهلكوا العباد، وخربوا البلاد، وكونهم إذا أتوا إلى مدينة فما لهم إلا قتل جميع من فيها من الرجال، وسبي الأولاد والنساء، ونهب الأموال، وتخريب القلاع والمدن لكان استصغر ما ذكره، واستقل ما عاينه وحقره. ولكن ما طامة إلا فوقها طامة أعظم منها؛ ولا حادثة إلا وغيرها تكبر عنها؛ ولله الحمد على الإسلام والعافية (١).
ومنهم:
стр. 2872
[٤٠] ديلم (١)
وكان من الأطباء المهرة، والألباء أهل المخبرة، تقدم في جيله، وقدم لتبجيله، وحُبي بحب لم يمح من الضمائر، ولم يلح عليه أمر، ليد لم يقصر به باعها، ولم تمد لجس نبض إلا وأيدي الأطباء أتباعها.
ذكره ابن أبي أصيبعة (٢) وقال: كان من الأطباء المذكورين ببغداد، المتقدمين في صناعة الطب، وكان يتردد إلى الحسن بن مخلد وزير المعتمد ويخدمه.
ووجدت في بعض التواريخ أن المعتمد على الله وهو أحمد بن المتوكل أراد أن يفتصد، فقال للحسن بن مخلد: اكتب لي جميع من في خدمتنا من الأطباء حتى نتقدم بأن نفصل لكل واحد منهم على قدره. فكتب الأسماء وأدخل فيها اسم ديلم المتطبب.
وكان ديلم يخدم الحسن بن مخلد، فوقع تحت الأسماء بالصلات. فقال ديلم: إني جالس في منزلي وقد وافى رسول بيت المال ومعه كيس فيه ألف دينار، فسلمه إلي وانصرف، فلم أدر ما السبب فيه، فبادرت بالركوب إلى الحسن بن مخلد، وهو حينئذ الوزير، فعرفته ذلك. فقال لي: اقتصد أمير المؤمنين، وأمر أن أكتب أسماء الأطباء ليتقدم بصلاتهم، فأدخلت اسمك معهم، فخرج لك ألف دينار.
ومنهم:
[٤١] فنون، طبيب بختيار (٣)
لبيب عرف بحسن الاختيار، أتقن الحكمة علمًا وعملًا، وعزمًا وأملًا، وحاز الفضائل معرفة ما ونت، ومعالجة ما دعت صحة إلا دنت.
قال ابن جبريل: ومن أخباره مع بختيار أنه رمدت عين بختيار في بعض الأوقات، فقال له: يا أبا نصر، ليس والله تبرح من عندي أو تبرئ عيني. وأريدها تبرأ
стр. 2873
إلى يوم واحد وأبرمه. قال: فسمعت أبا نصر يتحدث أنه قال له: إن أنت أردت أن تبرأ، فتقدم إلى الغلمان والفراشين أن يأتمرونني دونك في هذا اليوم، وما منهم من يخالفني في أمري إلا قتلته، ففعل بختيار ذلك. فأمر أبو نصر أن يحضر أجانة مملوءة عسل طبرزد. فلما حضر غمس يدي بختيار فيه، ثم بدأ يداوي عينيه بالاشياف الأبيض، وما يصلح الرمد. وجعل بختيار يصيح بالغلمان، فلا يجيبه أحد. ولم يزل كذلك يكحله إلى آخر النهار فبرئ. وكان هو السفير بين بختيار والخليفة. وإذا خرجت الخلع فعلى يديه تخرج، وله منها النصيب الأوفر.
ومنهم:
[٤٢] نظيف القس الرومي (١)
كان كريم العلاج إلا أن يتلاءم، مبارك اليد إلا من رآه يتشاءم، لو رأى إبليس طلعة وجهه قال فديت من لا يفلح، أو أرسطاطليس لأفسد كلما كان يصلح، طار عليه طائر هذه السمعة القبيحة، والشنعة التي لبس منها ثوب الفضيحة، وكان فاضلًا لا يعوز، ويتضاءل لديه البحر الذي يعجز.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان خبيرًا باللغات والنقل، فاضلًا في الطب، وكان عضد الدولة يتطير منه، وكان يولعون به إذا دخل إلى مريض حتى حكي في بعض الأوقات أن عضد الدولة أنفذه إلى بعض القواد في مرض كان عرض له، فلما خرج من عند القائد استدعى ثقته، وأنفذه إلى حاجب عضد الدولة يستعلم منه نية الملك فيه؛ ويقول: إن كان ثم تغير نية، فليأخذ له الإذن في الانصراف والبعد، فقد قلق لما جرى، فسأل الحاجب عن ذلك وسببه. فقال الغلام: ما أعرف أكثر من أنه جاءه نظيف الطبيب وقال له: يا مولانا، الملك أنفذني لعيادتك. فمضى الحاجب؛ وأعاد بحضرة الملك عضد الدولة هذا الحديث فضحك، وأمره أن يمضي إليه ويعلمه بحسن نيته فيه؛ وأن ذلك لشغل قلبه به فأنفذه إليه ليعوده. وحملت إليه خلع سنية فسكنت بها نفسه، وزال
стр. 2874
عنه ما كان أضمره من شغل القلب، وكان دائما يولع به بسببها.
ومنهم:
[٤٣] ابن بطلان، وهو أبو الحسن، المختار بن الحسن بن عبدون بن سعدون بن بطلان النصراني (١)
طبيب مكمل، وأريب مؤمل، وأديب يدل عليه شعره من يتأمل، رشق الكلام شرق الضياء في الظلام، شرق عدوه بمائه، وصفق وما أفاق إلا بأسمائه، وكان علي إصراره على نصرانيته التي انتصر بخذلانها، وهصر غصون الإخاء لخلانها، معروفًا بمروءة طال به جلبابها، واتسع لكل طالب علم وندى بابها.
قال ابن أبي أصيبعة (٢) فيه: كان قد اشتغل على ابن الطبيب وقرأ عليه كثيرًا من كتب الحكمة وغيرها، ولازم ابن زهرون واشتغل عليه، وكان معاصرًا لابن رضوان الطبيب، وكانت بينهما مراسلات عجيبة وكتب غريبة، ولم يؤلف واحد منهما كتابًا ولا ابتدع رأيًا إلا ردَّ الآخر عليه وسفه رأيه فيه.
وسافر ابن بطلان يريد مصر ليرى ابن رضوان فمر في طريقه بحلب فأكرمه صاحبها معز الدولة ثمال بن صالح ثم أتى دولة مصر في دولة المستنصر وجرت بين ابن بطلان وابن رضوان وقائع كثيرة ونوادر ظريفة، قال: وألف كل منهما كتابًا في
стр. 2875
الرد على الآخر وكلام ابن بطلان أعذب ألفاظًا وأكثر ظرفًا وأميز بالأدب ومما يدل على ذلك تسميته له بتمساح الجن، وكان ابن رضوان أسود قبيح الصورة، وفيه يقول: [من الطويل]
ولما تبدى للقوابل وجهه … نكصن على أعقابهنَّ مِنَ النَّدَمْ
وقلن وأخفين الكلام تسترًا … أَلا ليتنا كنا تركناه في الرَّحِمْ
ثم سافر ابن بطلان من مصر إلى القسطنطينية، وعرضت في زمانه أوباء كثيرة، وله في هذا رسالة معروفة، وله أشعار كثيرة جدًا.
ومنهم:
[٤٤] أحمد بن أبي الأشعث (١)
طبيب يلم الشعث، ويضم السقام من تفاريق الأعضاء إذا انبعث، لا يغالب طبه النافع، ولا يغالط دواؤه بمدافع، تخال هيأة اسقلنينوس صفته، وتخطئ معالجة جالينوس ولا تخطئ وصفته.
ذكره ابن أبي أصيبعة (٢)، وقال: كان وافر العقل، كثير السكينة والوقار، متفقهًا في الدين، وعُمر عمرًا طويلًا، وكان لا يفعل إلا جميلًا، وكان فاضلًا في الأمور الحكمية، وله تصانيف كثيرة مفضلة تدل على العلم وعلو المنزلة، ومصنفًا في الطب لا نظير له في