← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وستمائة، وكان أبوه الموفق يعقوب صديقًا لي مستمرًا على أكيد مودته حافظًا لها طول أيامه ودهره، تستحلى نفائس مجالسته وتستجلى عرائس مؤانسته. ألمعي أوانه، وأصمعي زمانه، مجيدًا في حفظ الأشعار، علامة في نقل التواريخ والأخبار، متقدمًا في علم العربية، فاضلًا في الفنون الأدبية، استمل في الكتابة على أصولها وفروعها، وبلغ الغاية من بعيدها وبديعها، وله الخط المنسوب الذي هو نزهة الأبصار، والعناية التي لا تلحق في جميع الأقطار والأمصار. وكان في أيام ابن العزيز كاتبًا بصرخد والنجابة تلوح على ولده أبي الفرج من صغره كما تحقق منه في كبره. وافر الذكاء، محبًا للعلماء، فسألني أبوه في تعليمه، فقرأ علي ما عرف به أقسام الأسقام وحسم العلل، ثم انتقل أبوه إلى دمشق، وخدم بها، وسافر معه ولده ولقي العلماء ولازم الفضلاء، وقرأ الحكمة على الخسروشاهي والغنوي الضرير، وقرأ الطب على ابن المنفاخ، والموفق السامري، وقرأ او قليدس على المؤيدي العرضي وفهمه فهمًا فتح به مقفل أقفاله، وحل به مشكل أشكاله، ثم خدم بقلعة عجلون ثم عاد إلى دمشق، وخدم السلطان بها. وذكر الجزري في تاريخه قال: سألت أبا الفرج ابن القف عن مرض قاضي القضاة عز الدين بن الصايغ فقال: يموت بعد مدة عينها، وعن نفسه أنه يموت بعده بمدة عينها، فقلت له: ايش سبب ذلك؟ فقال: القاضي كذب عليه، فحصل له مراقيا سوداوية غارت إلى قلبه، فتقتله سريعًا غير أني أشرب الخمر، فأظهره الشراب إلى ظاهري، فأورثني الصفرة في جميع البدن، فأنا أبقى مدة عينها. فاعتبرت قوله فكان كما قال. وقلت له: أنت من كبار الفضلاء ولك تصانيف في الطب، ما تدفع عنك، فقال: علة الموت ما لها دواء. وكان يتحسر على نفسه. قلت: وأنشدني القاسم بن المظفر محمود بن عساكر لنفسه أجازة في مرض الحكيم ابن القف المذكور: [من الخفيف] قيل إن ابن القفُّ أَشفَى على المَوتِ … وَلَمْ يبقَ منه غيرُ رَسِيس ما نَرَى طِبَّهُ أَفادَ ولار … دَّ الرَّدى عنهُ قَوْلُ جالينوس قلت كفوا أما سمعتُم بما قيـ … ـل وسارت به حداة العيس لونجا الطبُّ فاضلًا كان بقرا … ط ولم يعبث الردى بالرئيس إنما غاية الطبيبَ مَعَ العِلَّـ … ة تخفيفُ ضُرِّها المحسوس والليالي لها سُعُودٌ يُعفّي … بعدَ خُبْرٍ أَوْ عاجلًا بالنُّحوس قال ابن الجزري: توفي أبو الفرج ابن القف في سنة خمس وثمانين وستمائة (١).

стр. 2942

ومنهم: [٩٦] المهذب، يوسف كاتب الزرْدَكاش (١) والناس فيه وفي النفيس على خلاف، وكل واحد منهما فريق يتعصب له، ويقطع بتفضيله، والإنصاف أن النفيس كان أقعد بالعمليات، والمهذب كان أقعد بالعلميات؛ لكونه يشغله خدمة الأمراء عن المباشرة، وكان رأس أهل زمانه في التعليم، والتقريب إلى الإفهام، وكان جامعًا للطب، بارعًا في فنونه، مفترعًا لأبكاره وعونه، وكان يربأ بنفسه عن التمحض للاسترزاق بالطب، وكانت له بلالة من الرزق تعله، وقليل من متاع الدنيا يغنيه قله، ونشأت له عدة وافرة من التلاميذ وتقدموا واشتهروا باسمه وبانتسابهم إليه، وإلى اشتغالهم عليه. وهو والد الحكيم الفاضل غنايم الآتي ذكره، والوافي كما يجب شكره. ومنهم: [٩٧] النفيس، أبو الفرج ابن إسحاق بن أبي الخير السامري (٢) طبيب جرى على مجال جالينوس، وتقدم وإن جاء بعد اسقلنينوس لو رآه الدخوار لخار، أو الرئيس صاحب الدلالة لحار، أو ابن التلميذ لتتلمذ لطبه، أو الرحبي لرحب به، وفقد حاسة بصره لا بصيرته، وحناه الكبر وهو على وثيرته، ولم يبق في وقته من أكابر الأطباء إلا من كان يحسده على فضله، ولا يسعه إلا الاعتراف، فإذا أراد التنقص به لا يجد سبيلًا أكثر من أنه يقول: إنه فقد حاسة البصر وبها كان يرى السحنة التي يستدل بها ويرى بها العاملات، وكان جل زمانه للإقراء والإشغال في علم الطب وفروعه والتوقيف على دقائقه، والإجازة في حسن التعليم والتوقيف والتثقيف فأنشأ أهل ذلك الجيل، وتخرجوا عليه حتى تأهلوا، وبرعوا في الطب وزكوا، وأذن لهم في الطب والتصرف، وكلهم من عذبه الزلال استقوا، ومن شعبه ذي الأطلال ارتقوا. وكان النفيس ريض الأخلاق، طويل الروح، كثير الاحتمال. كان للأمين سليمان

стр. 2943

رئيس الأطباء بمصر لفتات عليه، ويتنقص به ويسمعه القبيح، ويفاجئه بالصريح، وهو لا يتأثر ولا يتقلل بكلامه، ولا يتكثر، وعلماء الدهر وفضلاء العصر كلهم على خلاف قول الأمين سليمان فيه، ويصفه بالفضل كل طبيب فاضل وفقيه. ولما كبر انحنى ظهره، وتأطر رمحه، فلما احدودب كان يقال له صندوق العلم يسميه بهذا عامة الناس، ويعتقد فيه الفضل، ويشهد له جمهور الخلق من عرفه منهم ومن لم يعرفه بالتقدم في الطب، والتبريز على كل معاصر، وكان له تفقه في الطب، وآراء في المداواة، وتفنن في العلاج، ولم يزل مشارًا إليه إلى أن هلك، ومتبوعًا في الطب أية سلك. ومنهم: [٩٨] الأمين سليمان الحكيم، وهو سليمان بن داود (١)، أمين الدولة، أبو الربيع رئيس الأطباء بالشام، لحق بالأوائل، وعرف العلم بالدلائل، لو عالج المعتذر الأزاح علله، أو شاء إصلاح ما بين الأفقين لسد خلله. لم يتقدمه جالينوس إلا بالزمان، ولا ابن سيناء إلا بكثرة الإدمان نسي به كل من تقدم، ونسب إليه من الفضل ما قدم. قرأ على العماد الدنيسري، والعز السويدي، والموفق السامري، وأخذ عن تلك الطبقة إلا أنه كان إلى الدنيسري أشد انقطاعًا، وإليه صارت كتبه، وعليه وقف أملاكه، وكان وارث علمه وماله، وخلفه في كل أحواله، وكان منه أصل ثروته وما حصله. وآثره، وأثله. وكان من أبناء النصارى. وحكى لي من رآه في حالة صباه وغصنه رطيب، ومفرقه كله مسك وطيب، وخذه مصقول السوالف، وطرفه إما ساحر أو سائف، ولأهل بلده به فتون، وفي كمده فنون والدنيسري قد اعتقله، وخيل إليه دوام الحياة بقربه فاعتنقه. قال: وكان على هذا لا يخلو منه للحكماء ملعب، ولا للعلماء ندى فضل به يستوعب، فلما صارت إليه

стр. 2944

أطباء الشام الرئاسة، وسارت به النفاسة. قال بعض حُمَّدِه: [من الكامل] يا معشر الحكماء لا تتسخَطُوا … لِعظيم ما قد تمَّ في ذا العالم هذا سليمان بن داود الذي … نال الرياسة دونكم بالخاتم قلت: وإنما نتج القمر وعارض أدنى البحر، وهيهات أن تغطى السماء بالسحاء أو يضار في رؤيته ذو نظر، فلقد كان فردًا في الزمان، منقطع القرين، معدوم النظير، شارك في الحكمة، وبرز في علم الطب، وصار علمًا فيه، وتقدم باستحقاق، وألقى عليه القبول ومال إليه الحقير والجليل. واقتصرت على طبه الأكابر، ومالت إليه العلماء، وأثنى عليه شيخنا ابن الزملكاني، وحصلت بينه وبين ابن الوكيل منافرة، ثم اتفق لابن الوكيل أن ركب للأفرم نائب الشام سفوفًا يعينه على الهضم ويسهله فلما أخذ منه الأفرم، أفرط به الإسهال، ووثب مماليك الأفرم بابن الوكيل ليقتلوه، فأتى الأمين سليمان وكفهم عنه، ثم دخل على الأفرم واعتبر أعراضه، ثم أعطاه امراق الفراريج، وشرع في إعطاء المسهلات له، واستفرغه حتى كمل إخراج تلك المادة التي اندفعت ثم أعطاه المقبضات والممسكات، فبرئ وأفاق. قلت: وإنما أعطاه أولًا المسهلات مع وجود الإسهال؛ لأنه رأى السفوف قد هيج مادة ردية، ولم يتم اندفاعها، وأن انحباس بقيتها مفسد للبدن، فاستكمل استفراغ تلك المادة الردية، ثم أمسك ما سواها، وهذا من محاسن العلاج. وله غير هذا من الغرائب والعجائب في صناعة الطب منها: أن بعض بني صصرى كان يشكو نزلة متقدمة به لا تزال تعاوده، ويلتاث جسمه ببقاياها، فشكا إليه ما يجده منها، فأمره بالحمية، وتعهد الحمام حتى لطف أخلاطه، ثم أخرجه من الحمام، وكشف رأسه عقيب خروجه منه حتى نزلت به نزلة أخرى، ثم استمر به على الحمية، وشرع في معالجته وأعطاه المسهلات حتى استفرغ مواد تلك النزلة، واندفعت معها مواد النزلة القديمة، وبرئ الرجل وأفاق. ومنها ما حكاه لي الشيخ أحمد بن براق، قال: كنت عند الأمين سليمان فأتى رجل قد حصل له ورم في وجهه، وقد تلون بالحمرة والزرقة، فلما رأى عمامته [نزعها] عن رأسه، وكانت عمامة كبيرة، وبقي الرجل يخاف من البرد، وسليمان يقول له: ارمها بلا فشار، ثم أمر بسطل من الماء البارد، فصبه على رأسه، وكان الفصل شتاء، ثم نقله إلى المارستان، وشرع في معالجته، وسئل عن هذا، فقال: كانت قد تحركت مادة في دماغه أردت أن أجمدها قبل أن تنصب جملة واحدة.

стр. 2945

قلت: وقد تقدم مثل هذا عمن تقدم، وله كل معالجة طائلة، وحدس صحيح، وتجربة محققة. ولما مرض أسندمر الكرجي، وهو في نيابة طرابلس، حارت فيه الأطباء، فاستدعاه واستطبه فبرئ بقدرة الله على يده، فغمره بالإحسان وحصل له منه ومن حاشيته نحو أربعين ألف درهم ما هو دراهم وقماش وغير ذلك، ثم عاوده المرض فاستدعاه فطيبه فبرئ، فحصل له منه نحو عشرين ألف درهم. وحكى لي أنه كان أقل ما يدخر في كل يوم دينار من الذهب بعد كلفه وسائر نفقته وأنه على هذا منذ بلغ عشرين سنة من العمر وإلى آخر وقت. وكان صحيح الإسلام، حسن المعتقد، جميل اليقين، وحج مرات إلى البيت الحرام، وزار النبي ﷺ وكان إذا أتى المدينة الشريفة لزم المسجد وأكثر الصلاة، ولم يزل على رتبته ومكانته حتى سُعي عليه عند تنكز نائب الشام، وغير عليه خاطره. هذا إلى ما كرهه منه من قوة النفس، وكثرة الجرأة والإقدام، فعزله عن الرئاسة وحطه عن رتبته ومكانته، وأغرى بذمه والتنقص به، وقام عبد المولى اليهودي لعناده، ورماه سليمان بالبرص وكشف فلم يصح قوله فيه، وولي عوضه جمال الدين محمد بن الشهاب الكحال، فجرت بينهم عواصف وتمت بينهم مع تعمد الظلم مناصف. ونامت على بغضاء تنكز له الأيام والليالي، ثم عطفته عليه عاطفة الرضا، فأقبل عليه ولا كل الإقبال، واستصحبه في سفرة كنت فيها إلى جهة غزة. ولما أتينا قافون أتينا بأنواع من الطعام فيها من السمك واللبن، فقلنا له من أيهما نأكل؟ فقال: أنا طبيبكم وكلوا مما آكل، ثم أكل من السمك وأكلنا معه، حتى كاد يشبع، ثم ثرد خبزًا في اللبن، وأكل منه بالملاعق، وأكلنا معه، ثم قال: علينا بالمصلح، فقلنا: ما هو؟ قال: العسل، فأتينا به، فلعق منه لعقًا كثيرًا ولعقنا معه، ثم مكث ساعات، ثم أمر فعملنا شرابًا من السكر والليمون فشرب وشربنا معه، ثم قال: عملنا اليوم بطب الهند، قالوا: إما أن يكون أحدهما أبرد من الآخر، أو هما سواء في الدرجة، فإن كان أحدهما أبرد من الأخر فالآخر مصلح له فإن كانا سواء في الدرجة كنا كمن أكل من شيء واحد واستكثر منه، ثم طلب الأمين سليمان إلى باب السلطان، ولحق به لتطبيب القاضي علاء الدين ابن الأثير كاتب السر ﵀ من فالج أصابه وطيبه، فلم ينجع وسعى لأمر فما أنجح، ولم يقع من السلطان بموقع، ولا لقي أطباء الحضرة بما يجب، فتقهقر وذم وأعيد إلى دمشق مبرقع الوجه بالخجل، خائب الظنة والأمل. ثم عقد له مجلس بحضرة تنكز لدواء وصفه لابنه، وكان قد جمد اللبن في

стр. 2946

معدته، فوصل له انفحة الجدي، فأنكرت الأطباء ذلك، فادعى الصواب، وحضر المجلس المعقود له أعيان الفقهاء والحكماء، وطولب بالنقل فأحضره، فلم ينهض بصدق دعواه، وعلى هذا فلم ينقم عليه تنكز على كراهيته له. وتوفي في … ومنهم: [٩٩] أحمد بن شهاب الدين، أبو محمد الكحال الجرائحي (١) ذو يد في صناعته ولسان، وأسًا لأعمال يديه وإحسان، جرى ممتد الأرسان، واتخذ يدًا عند كل يد، وصنيعة عند كل إنسان، وكان رب علم يدرس وينسخ، وعمل يقطع لأجل ميل منه مائة فرسخ، فطالما بصر من عمى وحقن دمًا إذا أراق دمًا، بعلاج، كم جبر من كسر، وأطلق من أسر، وظهر بأشتات من المحاسن جمع منها عديدًا، وجعل سيف النظر بالجلاء مجوهرًا، وكان حديدًا. هذا إلى خبرة بمفردات الأكحال وترتيبها، ومجمعات أجزائها وتركيبها، فكم سوى منها ما خلق، وداوى رمد العين، وقد خلق الإنسان من علق. ومنهم: [١٠٠] الفتح السامري، هو ابن يوسف بن إسحاق بن مسلم (٢)، من سبط يوسف ﵇ هو آخر من بقي في الإقليمين وصلح للتعليمين، برع في الحكمة على إطلاقها، وأعرف عن بدائع أخلاقها، وأتقن فروع الطب حتى أصبحت به فروعها مثمرة، وأغصانها على أصول الحكمة نضرة، وقرأ جانبًا من النحو أقام به أود اللسان، وقام به في جدد الإحسان، وكتب خطًا كما حشى عنبر الأصداغ، وسلك طرفًا من العبارة لها من نطف القلوب مساغ. قرأ الطب على النفيس السامري وغيره، وتخرج مع سلف الأطباء، وزاحم بقايا

стр. 2947

تلك القنن، وطبب وعالج وظهر حسن أثره، وعرف يمن علاجه، وأثنى عليه الأفاضل، وشهدت له الأطباء بالإجادة. وكان شيخنا ابن الزملكاني يقول: ما رأيت في المسلمين أصح من ذهن البرهان الزرعي وفي غير المسلمين من أبي الفتح السامري، قلت له مرة: فأيهما أصح ذهنًا؟ قال: أبو الفتح، وكان ﵀ يدعو مشاهير الأطباء في زمانه، ومنهم الأمين سليمان، وهو أصدق صديق له، وأصحب صاحب يعتمد عليه، ويطلب الحكيم أبا الفتح ويستطبه، إذا حضر هو وغيره من الأطباء وهم كهول وهو شاب ترك أقوالهم واتبع قوله، وجعل عمدة طبه عليه. وحكى لي ولده تقي الدين عبد الرحمن، قال: مرض أبي مرضة استشعر في مبادئها أنها ستطول به مدتها وتثقل عليه فطلبني وقال: يا بني أنا ما أعتمد في الطب إلا على الفتح السامري فإن ثقل بي المرض وغاب ذهني عني بالحمى أو غير ذلك لا تعدل بي عن طبه ومعالجته، وإياك أن تغتر وتميل إلى قول سواه، فإن أبا الفتح صحيح الحدس في معرفة المرض، وعليه رتب المداواة. قال: وكان كثير الثناء عليه ولما كنا بحلب كان يقول إذا ذكر دمشق وحسنها يقول: كيف لا أتأسف على دمشق وفيها ربيت ونشأت، وفيها مثل أبي الفتح؟ وكان لا يزال يشتاق إليه ويتأسف عليه. قلت: والحكيم أبو الفتح هو اليوم واحد زمانه منقطع القرين ما له نظير في معرفة علم الطب وحسن العلاج ولطف المداواة إلى حسن الوجه والشكل والعبارة والخط، وما عليه من القبول، مع إذعان كل حكماء زمانه وأطباء دهره له بالتقدم والتفرد وحده في الرتبة والمكان، وما خلا الوقت ومثله موجود في الزمان. ومنهم: [١٠١] غنايم السامري، وهو ابن المهذب يوسف كاتب الزردكاش (١) ملاطف ملأ طيف كل جفن من كرى، وعدل مزاج الزمان فلم يدع منكرا، أبطل ذكر ابن بطلان، وأسخط على علي بن رضوان، وأتى بما لو رآه ابن ماسويه لمسه الإعجاب، أو حنين بن إسحاق لما وسعه إلا أن يتستر بما طال من الثياب.

стр. 2948

قرأ على أبيه المهذب وأخذ عن النفيس وأذن له في الطب، وتصرف وطبب، واشتهر بالعلم والاستحضار للنقل والمفردات والعلاج الحسن والملاطفة التامة وغرائب المداواة، وهو ممن تزهى به دمشق وتستطيل في الفخار، مع ما طبع عليه من أناة ورفق وتودد وحسن تبصر ومعرفة لا تقصر، ورأيت من يرجحه على أبيه، ويصفه ويبالغ فيه. والناس فيه وفي الحكيم أبي الفتح على قولين وعلى الجملة، فأين مثلهما أين. * * *

стр. 2949

[أطباء الغرب في مصر والاسكندرية] فأما أطباء الغرب بما وقع في جانبه من مصر والإسكندرية: فمنهم: [١٠٢] إسحاق بن عمران (١) حلق تحليق العِقاب، وحل حيث لا يُعاب، وافى ديار مصر فكان زُلالًا، وأتى بلاد المغرب فكان هلالًا، فطاب به الواديان، وكان كقاب قوسين منه الواليان، واستوطن أفق المغرب وشمسه ما أذنت بأفول، وشبهه ما آن لقلائصها قفول، ثم كان يتشوق العراق وبرد نسيمه، وورد تسنيمه، ولكن لم تدن له الأماني، ولم تدن لسعيه المتواني ولم يتمناها إلا حين لا أوان، وحيث دنت وقد حيل بين العير والنزوان. قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان طبيبًا مشهورًا، وعالمًا مذكورًا، ويعرف باسم ساعة. قال ابن جلجل: كان مسلم الدين، بغدادي الأصل، بعث إليه ابن الأغلب ألف دينار وراحلة، وكتاب أمان بخط يده أنه متى أحب الانصراف إلى وطنه انصرف

стр. 2950

واستجلبه حتى دخل افريقية على شروط ثلاثة لم يف له بواحد منها. قال: وبه ظهر الطب في الغرب، وعرفت الفلسفة، وكان خبيرًا بتأليف الأدوية المركبة، بصيرًا بتفرقة العلل، أشبه الأوائل في علمه وجودة قريحته، استوطن القيروان حينًا، وألف سكنه، وألف فيه كتبًا منها كتابه في داء المالنخوليا لم يسبق إليه ثم توحش له ابن الأغلب فصلبه. وكان السبب أن ابن الأغلب كان نهمًا، وكان إسحاق يمنعه من كثير من المآكل، فقدم عليه حدث يهودي من الأندلس، فكان يخالف إسحاق فيما يشير به على ابن الأغلب، فقدم إليه يومًا لبن، وكان يشكو ضيق نفس فنهاه إسحاق عن أكله وخونه اليهودي عليه فأكله فعرض له في الليل ما أشرف منه على الهلاك، فأرسل يقول لإسحاق: هل عندك فرج؟ فقال: لا، فقيل له: هذه خمسمائة دينار وعالجه فأبى، فلم يزل حتى أوصل إلى ألف دينار، فأخذها وأطعمه الثلج حتى امتلأ ثم قيأه فخرج جميع اللبن، وقد تجبن ببرد الثلج، فقال له إسحاق: أيها الأمير لو دخل هذا اللبن أنابيب رئتك ولجج فيها أهلكك ضيق النفس لكنني أجهدته وأخرجته قبل وصوله، فقال ابن الأغلب: باع والله إسحاق روحي في النداء. اقطعوا رزقه، فخرج إسحاق إلى مكان في رحاب القيروان، وصار يكتب الصفات كل يوم بدنانير كثيرة، فقيل لابن الأغلب: طردت إسحاق أو دللته على الغنى، فسجنه فتبعه الناس إلى السجن يستوصفونه، فأخرجه ليلًا، ثم كانت له معه حكايات ومعاتبات أحنقته عليه، فقصده في ذراعيه حتى مات، ثم صلبه، ومكث حتى عشش في جوفه الطائر. ومنهم: [١٠٣] إسحاق بن سليمان الإسرائيلي (١)، أبو يعقوب المعروف المشهور، والمألوف طبه المشكور، طالما وهب الكواكب إيقاظ نومه، ومنح الغياهب أنقاض يومه، ودانى العلياء لو حفظ لسانه ولفظ إلا إحسانه، لم يسلم من عثرات لا تقال، وتحفظ ولا تقال لعجلة كانت له خلقا، وكالت بالمكاييل عليه الشقاء فلم يخل من ملام، وكلام مثل كلام. قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان طبيبًا فاضلًا بليغًا عالمًا مشهورًا بالحذق والمعرفة،

стр. 2951

جيد التصنيف، عالي الهمة، وهو الذي شاع ذكره، وانتشرت معرفته بالإسرائيلي. وهو من أهل مصر، وكان يكحل في أوليته. ثم سكن القيروان، ولازم إسحاق بن عمران وتتلمذ له. وخدم المهدي عبيد الله بالطب. وعمر إلى أن نيف على مائة سنة. ولم يتزوج امرأة ولا أولد ولدًا. وقيل له: أيسرك أن تخلف ولدًا؟ فقال: أما إذا بقي بعدي كتاب الحميات فلا يعني أن بقاء ذكره بهذا الكتاب الذي صنفه أكثر من بقاء ذكره بالولد. ويروى أنه قال: لي أربعة كتب تحيي ذكري أكثر من الولد. وحكى قال: لما قدمت من مصر على ابن الأغلب، بعث إليَّ بخمسمائة دينار قويت بها على السفر، فلما وصلت أدخلت عليه ساعة وصولي، فسلمت عليه بالأمرة، وفعلت ما يجب أن يفعل للملوك من التعبد، فرأيت مجلسه قليل الوقار والغالب عليه حب اللهو، فابتدأني بالكلام ابن خنيس المعروف باليوناني تقول إن الملوحة تجلو؟ قلت: نعم. قال: وتقول إن الحلاوة تجلو؟ قلت: نعم. قال لي: فالحلاوة إذا هي الملوحة، والملوحة هي الحلاوة، فقلت: إن الحلاوة تجلو بلطف وملاءمة، والملوحة تجلو بعنف. وتمادى على المكابرة، وأحب المغالطة. فلما رأيت ذلك منهم قلت له: أنت حي؟ قال: نعم. قلت: والكلب حي؟ قال: نعم. قلت: فأنت الكلب والكلب أنت. فضحك ضحكًا شديدًا، فعلمت أن رغبته في الهزل أكثر من الجد. قال: فلما وصل داعي المهدي إلى رقاده، أدناني وقربني، وكانت به حصاة في الكلى، فعالجته بدواء فيه العقارب المحرقة. فجلست ذات يوم مع قوم من كتامة فسألوني عن صنوف من العلل، وبقيت كلما أجبتهم لا يفقهون قولي. فقلت لهم: إنما أنتم بقر. فبلغ الخبر إلى داعي المهدي، فقال لي: تقابل إخواننا المؤمنين بما لا يجب، وتالله الكريم لولا أني أعذرك بأنك جاهل بحقهم، بما صار إليهم من معرفة الحق وأهله، لأضربن عنقك. ومنهم: [١٠٤] أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد المعروف بابن الجزار القيرواني (١)، أبو جعفر طبيب كان في فعله محمودًا، وعلى فضله محسودًا، يكاد طبه يدافع الآجال،

стр. 2952

ويضيق على جالينوس المجال، إلى دقائق أخرى، وحقائق أبقت له إلى الأخرى، مع رتبة لو أنها للنجوم، لتقرطت بأشنافها، أو بالعلوم، لما كانت إلا لأشرافها. وكان لا يشمخ الكبر بعرنينه، ولا يطمع الببر في دخول عرينه، وإنما كان يتحلى بالاتضاع، ولا يروع بفصال له من رضاع، ثم سكن الترب مضجعًا، وساء شامتًا ومتوجعًا، وأمسى رهين عمله، وضمن اليأس لانقطاع أمله. قال ابن أبي أصيبعة (١): طبيب ابن طبيب، ممن أخذ عن إسحاق بن سليمان، وكان من أهل الحفظ والتطلع، والدراسة في الطب، وسائر العلوم، حسن الفهم لها. قال ابن جلجل: كان قد أخذ لنفسه مأخذًا في سمته وهديه وقعدده، ولم تحفظ له زلة، ولا أخلد إلى لذة، وكان يشهد الجنائز والأعراس، ولا يركب إلا إلى المهدي عبيد الله، وإلى عمه أبي طالب، فإنه كان صديقًا حميمًا، وأليفًا قديمًا، وكان يأتيه في كل يوم جمعة، وكان ينهض في كل عام إلى رباط البحر، فيكون طول مدة القيظ، وعالج ولد النعمان القاضي، فبعث إليه بمنديل مملوء كسوة وثلاثمائة دينار، فلم يأخذ شيئًا، فقيل له: رزق ساقه الله إليك، فقال: والله لا كان لرجال معد قبلي نعمة. وعاش نيفًا وثمانين سنة، وترك أربعة وعشرين ألف دينار، وخمسة وعشرين قنطارًا من كتب طبية وغيرها. ومنهم:

стр. 2953

[١٠٥] حمدون اثا (١) شفى المرض بطبه، وهو عن المريض همَّ خطبه، وأحسن علاجًا، وأحب في ليل المساءة انبلاجًا، وسلك من طرق القدماء أحصنها، وأحل من رمق الذماء أحصنها، وكان لا يكره على مر الدواء، ولا يضيق في علاج الداء؛ لمعرفته بالإبدال وقدرته إذا جد الجدال، فلم يزل محظيًا، ولم يبرح في قومه رضيًا. قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان في أيام محمد بن عبد الرحمن الأوسط، وكان حاذقًا مجربًا، وكان صهر بني خالد، وله بقرطبة أصول ومكاسب، وكان لا يركب الدواب إلا من نتاجه، ولا يأكل إلا من زرعه، ولا يلبس إلا من كتان ضيعته، ولا يستخدم ببلاده إلا من أبناء عبيده. ومنهم: [١٠٦] يحيى بن إسحاق (٣) حكيم لم يكذب صدق حدسه، ولا خفي غامض على حسه. كان بصره منورًا، ونظره لخفايا البواطن متصورًا، ولهذا قرطس سهمه وقُرِّط بالثريا اسمه، وسبق ذكره النجوم وقطعها، وسار في جميع الأرض كأنه أقطعها، وكان أهل زمانه يتهادونه تهادي الرياحين، ويظنون أنهم يحيون به إلى حين، وهيهات فيم يفخرون، وهيهات ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤).

стр. 2954

ذكره ابن أبي أصيبعة وقال (١): كان طبيبًا، بصيرًا بالعلاج صانعًا بيده، وكان في صدر دولة عبد الرحمن الناصر بمكان الثقة، وكان يطلعه على الكرائم والخدم، وكان قد أسلم. قال ابن جلجل: عن رجل كان بباب داره إذ أتى بدوي على حمار وهو يصيح فخرج إليه: وقال له: ما بالك يا هذا؟ فقال له: أيها الوزير، ورم في إحليلي منعني من النوم منذ أيام كثيرة. فقال له: اكشف عنه، فكشف عنه فإذا هو وارم. فقال لرجل كان أقبل مع العليل: اطلب له حجرًا أملس فأتاه به فقال: ضعه على كفك وضع عليه الإحليل ففعل، فلما تمكن إحليل الرجل من الحجر، جمع الوزير يده وضرب على الإحليل ضربة غشي على الرجل منها. وجرى من الإحليل صديد الدم إلى أن نزف ثم فتح عينيه وبال البول. فقال له: اذهب قد برئت وأنت رجل قد عبثت فأتيت بهيمة في دبرها، فصادفت شعيرة من علفها فلحجت في عين الإحليل، فورم لها وقد خرجت الآن في الصديد. فقال الرجل: قد كان ذلك مني. وأقر بفعلته. ومنهم: [١٠٧] أبو داود ابن جُلْجُل: وهو سليمان بن حسان المعروف بابن جُلْجُل (٢) حكيم فاض بحره التيار، وفات سُرى الكواكب ذكره السيار، وحام على المجرة ووردها، وجفا بطبه بنات نعش ووأدها، ولح على عارض الحرارة وأطفأ موقدها، وحل مجالس الملوك، وحل عقدها، وخزي به المرض واكتئب، وحصل بصناعته الأموال واكتسب، ولم يكن ممن يتهور في إقدام، ولا يتصور أن ينقل إلى ذي سفالة أقدام، فكان مدة حياته موقرًا، ولا يطأ أخمصه إلا حريرًا وعبقرًا. قال ابن أبي أصيبعة (٣): كان خبيرًا بالمعالجات، جيد التصرف في صناعة الطب.

стр. 2955

وكان في أيام هشام المؤيد بالله وخدمه، وله اعتناء بقوى الأدوية، وفسر أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس العين زربي، وأفصح عن مكنونها، وأوضح مستغلق مضمونها، وهذا الكتاب ترجمه أطفان أيام المتوكل، وفسر من مفرداته ما عرف له اسم في اللغة العربية، وأبقى اسم ما لم يعرف له اسم. قال: وأهدى أرمانوس صاحب القسطنطينية إلى عبد الرحمن الناصر هدايا جليلة عظيمة المقدار منها كتاب ديسقوريدس مكتوبًا بالإغريقي وهو اليوناني مصورًا بالتصوير الرومي العجيب، وكتب إلى الناصر يقول له: إن هذا الكتاب لا تجنى فائدته إلا برجل يحسن العبارة باللسان اليوناني ويعرف أشخاص الأدوية، فإن كان في بلدك من يحسن هذا، فزت بفائدة هذا الكتاب. فبقي في خزانة الناصر، ثم بعث أرمانوس إلى الناصر راهبًا اسمه نقولا، ففسر من أسماء عقاقيره ما كان مجهولًا، وهو أول من عمل بقرطبة درياق الفاروق. قال ابن جلجل: واجتمع أطباء قرطبة مع نقولا على معرفة أشخاص الأدوية المذكورة في كتاب ديسقوريدس. قال: أدركت نقولا الراهب، ومن اجتمع معه في أيام المستنصر الحكم في صدر دولته، وصحبتهم فصح ببحث هؤلاء الوقوف على أشخاص هذه العقاقير بمدينة قرطبة، وتصحيح أسمائها إلا القليل الذي لا بال به ولا خطر له وذلك يكون في مثل عشرة أدوية. ومنهم: [١٠٨] أبو جعفر، يوسف بن محمد بن حسداي (١) حكيم قل قدره، وجلا الظلماء بدره، تصدى طبه للأدواء فحسمها، وشد بناء الأعضاء وقد حطمها، وسرى علاجه في العلل الجسام سُرى الأرواح في الأجسام، وبهذا ثبت زلزالها وردها إلى مصاحبة الجسوم، وقد نوت اعتزالها، وفعل في هذا الغاية بلطف مداراته وكف ما لم يقدر الثوب على مواراته، ثم لم يغن عنه طبه إذ حان حينه وقرب مدى ما بينه وبين الموت بينه. قال ابن أبي أصيبعة فيه (٢): من الفضلاء في صناعة الطب، وله اعتناء بالغ

стр. 2956

بالاطلاع على كتب أبقراط وجالينوس وفهمها، وكان قد سافر من الأندلس إلى مصر، واشتهر بها ذكره في أيام الآمر، وكان خصيصًا بالمأمون الأمري الوزير، وكان هذا أمره المأمون بشرح كتاب الإيمان لأبقراط، فشرحه، وكان مدمنًا للشراب، وعنده دعابة ونوادر. وحكي أنه كان قد رافق بعض الصوفية في سفرة سافرها من الإسكندرية إلى القاهرة، فقال له الصوفي: أين تنزل في القاهرة حتى أكون أراك؟ فقال: ما في نيتي أنزل إلا في الخمارة وأشرب، فغضب الصوفي عليه، فلما أتيا القاهرة تفرقا فلما كان في بعض الأيام مرَّ ابن حسداي في السوق، وإذا بأفواج الناس مزدحمة، وبينهم صوفي يُعزّر، فنظر إليه فإذا هو صاحبه قد أمسك وهو سكران، فقال له ابن حسداي: والله ما قتلك إلا الناموس. ومنهم: [١٠٩] الغافقي، وهو أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سند (١) رسا في العلم ورسخ، وأنسى ما في كتب القدماء ونسخ، وطلع في هالات الأهلة، وأراع علالات العلة، وناسب ما يلاءم النفوس وصفا، وورد مثل رزق النطاق وأصفى، ولم يعد مريضًا إلا كشف غماء المرض، وكف إيماء المرض، وكان يتبرك بعبادته، ويتيمن تيمنًا كان سببًا لسيادته، إلا أنه بمعرفة قوى الأدوية أدرب، وحدسه فيها أغرب، وكلامه فيها كلام من رأى وجرب. قال ابن أبي أصيبعة فيه (٢): إمام فاضل، وحكيم عالم، ويعد من الأكابر. وكان أعرف أهل زمانه بقوى الأدوية المفردة. [ومنافعها وخواصها وأعيانها ومعرفة أسمائها]. وكتابه في الأدوية المفردة لا نظير له في الجودة ولا شبيه له. وقد استقصى فيه ما ذكره ديسقوريدس والفاضل جالينوس بأوجز لفظ وأتم معنى، ثم ذكر [بعد قوليهما] ما تجدد للمتأخرين فيها ودستورًا يرجع إليه فيما يحتاج إلى تصحيحه منها. ومنهم:

стр. 2957

[١١٠] أبو بكر، عتيق بن تمام بن أبي النوق الأزدي (١) طبيب أبرأ الأسقام، وأربت له من الفضل أوفر الأقسام، جرى في طلق الوفاء، وجرب منه مطلق الشفاء، هذا وهو شاعر لا يذعر له جنان، ولا يشعر إلا وفي فيه سنان، يبعث سمام الأرقم، ويجرع الحمام في كأس العلقم. قال ابن رشيق: غلب عليه اسم الطب فعُرِفَ به لحذقه فيه ومكان أبيه منه. وهو شاعر حاذق، مفتوقُ اللسان، حاضر الخاطر، [متضحُ البديهة سديد الطبع]، لم أر قط أسهل من الشِّعر عليه، يكاد لا يتكلم إلا به. وأكثر تأدبه بالأندلس، ولقي بها ناسًا وملوكًا، وأخذ الجوائز، وقارع فحول الشعراء. ومما أنشد له قوله. [من الطويل] فلم أَنها كالشمس أسُبلَ فوقَها … مِنَ الشَّعَرِ الوَحْفِ الأَثِيثِ عُذُوقُ فلو ذاب ذا أو سال جريالُ خَدّها … جرى سَبَجٌ منها وسال عقيق قال: فأنت ترى الطبع كيف حمل هذا المعنى كما تحمل الأرواح الأجسام ولو وضع بين فسطاط المحررين، وحُملَ على مذاهب المتعصبين، لرأيته أثقل من العذل، وأقتل من الجهل؛ لأنَّ التصنّع تكلّف، والتكلّف مغصوب مكره غير أن القسم الآخر منه منقول بذاته من شعر ابن هانئ في وصف فرس. ومن أبيات ابن أبي النوق: [من الطويل] فَمُتْ تسترح يا قلب إنْ كنتَ صادقًا … فإنّكَ فيها بالممات خليق ومن لم يمت في إثر إلف مودع … فليس له بالعاشقين لحوقُ ومما أنشد له أيضًا قوله: [من البسيط] يُحَمِّلُ المُرهفين الطائعين له … في منتهى الحَط أو في منتهى القُنَنِ حتَّى إذا انكشفتْ عَنْ عارضٍ خَشِنْ … سُحْبٌ تصدَّى لها بالمُنْصُلِ الخَشِنِ أراهُ ضَرْبًا يُريهِ أهله معه … ويقدح النار بين الرأْسِ والبَدَنِ تركت أهلي وأوطاني لقصدِ فتًى … يداهُ أخصبُ مِنْ أهلي ومن وطني علي الماجد الحُرُّ الجَوادُ ومَنْ … في حَزمه جمع الأشتات للحسن ومن إذا استمطر العافُونَ راحتَهُ … سَقَتهم فوقَ سَفي الوابلِ الهَتِنِ

стр. 2958

ومَنْ حَوى رتبًا لم يحوها بشرٌ … إلا الذي ولدوه معدن المننِ والفرع عن جده يُنمى ومَحْتِدِهِ … والخير والشر مشروبان في اللبن تجري النجابة طبعًا في شَمائِله … والمجد والبشرُ جَريَ الماء في الغُصُنِ ومنه: [من السريع] ا قائدًا ما مِثْلَهُ قائدُ … يَشكره القائم والقاعد وواحدًا ما إن لهُ مُشْبِهُ … وماجد ما فوقَهُ ماجد ومَنْ غَدًا بأبيه والدًا … بَرًَّا لِمَنْ ليس له والد إن قلتُ: كالبحر عطاءً فإنَّ … البحر لا يشكره الوارد أو قلتُ: كالقطر سماحًا فإنّ … القطرَ مَعْ كَثرَتِهِ نَافِدُ أو قلت: كالبدر فقد ينقص الـ … ـبدر وهذا أبدًا زائد هذا علي واحد للعُلا … أوحده في عصره الواحد أنا الفتى الشاكر إحسانَهُ … والله واللهِ أَنا شاكد ومنهم: [١١١] أبو محمد المصري (١) الحكيم لا يقصر في حكمه، ولا يعجز أن ينطق من تمادى في بكمه، جرى الأدب بقلمه، وسرى نفس في كلمه، وحظي بقبول كان يتلقاه حيث حل، ويحله أكرم محل، ويتحفه بحباء الملوك بما ينعم به بالًا، ويعم حساده وبالًا، وكان لا يجيب دعوة الصلاح ولا يستطيع سلوة الملاح، قد أوثقته الحدق النجل جراحًا، وأوبقته الذوائب الجثل، فلا يجد سراحًا، وكان كالخمر في سلب العقول، وكالسحر في الخلب بما يقول حاذقًا بصيد الدراهم، واستخراج خبايا الجيوب، ولو زررت بحدق الأراقم. قال ابن بسام فيه (٢): شيخ الفتيان، وآبدة الزمان. وكان رحل إلى مصر واسمه

стр. 2959

خامل، وسماؤه عاطل، فلم ينشب أن طرأ على الأندلس وقد نشأ خلقًا جديدًا، وجرى إلى النباهة طلقًا بعيدًا، فتهادته الدول، وانتهت إليه التفاصيل والجمل، وكلما طرأ على ملك، فكأنّه معه ولد، وإياه قصد، فجرى مع كل أحد، وتمول في كل بلد، وتلوَّنَ في العلوم تلون الزمان، وتلاعب بالملوك بأفقنا تلاعب الرياح بالأغصان، حتى ظفر به ابن ذي النون، فشد عليه يد الضنين، فوجد كنفًا سهلًا، وسلطانًا غفلًا، فسر وساء، وارتسم في أي الدواوين شاء، وكان بالطب أكلف، وعليه أوقف، فتعلّق بسببه، حتى اشتهر به، وكان حسن البيان مليح المجلس، حاضر الجواب كثير النادر، رواية للشعر والمثل السائر، نسابة للمفاخر، عارفًا بالمثالب والمناقب وكان بالجملة روضة أدب وهيهات أن يأتي الدهر بمثله. وتحيّز إلى إشبيلية، فأنس المعتمد بمكانه، وجعل له حظًا من سلطانه، ثم بقي بعده على حاله، مشتملًا بفضل إقباله، مقبلًا على لذاته. ومما أنشد له قوله (١): [من البسيط] قال الوشاة ودمع العينِ مُنحدر … ودمعُهُ فوق روضِ الوَرْدِ قد حارا النارُ يُحرقها قلبي بزفرتِهِ … مِنَ العَجيبِ فُؤَادٌ يُحرقُ النارا وقوله (٢): [من السريع] ظُلمُكَ أضحى لي بلا مِرْيَةٍ … مُؤثّرًا في خدك الناضر ما أرفق الله بأهلِ الهَوَى … إِذْ صَيَّرَ الجور على الجائر وقوله (٣): [من الطويل] ومَنْ أَصبحت فيه المكارم جوهرًا … بلا عَرَضِ فالمَدْحُ فِيهِ قَبيح [و] لكن رأيتُ الشِّعْرَ يثبتُ ذكرُهُ … فلا غَرْوَ أَنْ يُهدى إليكَ مَدِيحُ وقوله وهو معنى قول أبي نواس، ولكنه نقله (٤): [من الوافر] وما يحتاج يومَ الحَربِ جيشًا … فإِنَّ عِداهُ كالزرع الحَطيم وإن أبقى لهم فرعون سِحْرًا … ففي يده عصا موسى الكليم وقوله في مهر قتله تغالب الفحول عليه (٥): [من البسيط] يا يوسفَ الخَيل يا مقتول إخوته … قلبي لفقدك بينَ الحَرْبِ والحَرَبِ

стр. 2960

إن كان يعقوب لم يَقنع بكذبهم … إني لأقنع منهم بالدم الكَذِبِ وما التناسب في القُربى بنافِعَةٍ … إن لم تكن أنفس القُربى ذَوي نَسَبِ وقوله يصف قصر طليطلة (١): [من الكامل] قَصْرُ يقصِّرُ عَنْ مَداهُ الفَرْقَدُ … عَذُبتْ مصادره وطاب المورد وكأنما الأقداح في أرجائِهِ … دُرِّ جَمادٌ ذابَ فِيهِ العَسْجَدُ وقوله يصف القبة (٢): [من السريع] شمسية الأنساب بدريةٌ … يَحارُ في نسبتها الخاطر كأنما المأمون بدر الدُّجى … وهي عليه الفَلَكُ الدائر وقوله (٣): [من مخلع البسيط] أيُّ هِلَالٍ أَطَلَّ فِينا … مَطلعُهُ الطوق والجُيُوبُ يقُودُنا كيف شاءَ طَوْعًا … لأنَّ أَعوانه القُلُوبُ ومنهم: [١١٢] أبو الصلت، أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الداني (٤) رجل يرتع في حديقته، ويرجع في الفضل إلى حقيقته، لا يقف سيف ذهنه عند

стр. 2961

حدّ، ولا يخرج ما سمع في حافظته من لحدّ، حِسِّيًّا في الطلب لا يُنَالُ باللَّمس، ونسيًَّا في الأدب إلا أن أميَّة بن عبد العزيز لا يُقاس به أُميَّة بن عبد شمس.

стр. 2962

قال ابن خلكان (١): كان فاضلًا في علوم الآداب، صنف كتابه الذي سماه الحديقة على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي، وكان عارفًا بفن الحكمة، وكان يقال له الأديب الحكيم، وكان ماهرًا في علوم الأوائل، وانتقل من الأندلس وسكن الإسكندرية، ثم انتقل إلى المهدية، فمات بها. وذكره العماد في الخريدة (٢) وأثنى عليه. وذكره ابن أبي أصيبعة وقال (٣): وهو من الأكابر الفضلاء في الطب وغيره. وبلغ في الطب مبلغًا لم يصل إليه غيره من الأطباء، وحصل من الأدب ما لم يدركه كثير من الأدباء. وكان فريدًا في علم الرياضي، مجيدًا لعلم الموسيقى، جيد اللعب بالعود، لطيف النادرة، فصيح اللسان، جيد المعاني، لشعره رونق. وأتى مصر وأقام مدة بالقاهرة ثم عاد إلى الأندلس، وحبس بالإسكندرية؛ لأنه كان قد غرق بها مركب فيه أموال جليلة فالتزم بعمل آلات يخرج بها المركب بما فيه، وشرع في عمل الآلة بحبال إبريسم تنطوي على دواليب ليرفع بها المركب الغارق فغرم عليها جملة طائلة، فلما ظهر المركب الغارق، وقارب الخارج، ثقل على الحبال، فقطعها، وسقط إلى قعر البحر، فغضب الوالي عليه وحبسه، فكتب إلى ابن الصيرفي يستشفع به، وبعث إليه بقصيدتين يمدح بهما الأفضل بن أمير الجيوش وأول الأولى: [من مجزوء الكامل] الشمسُ دونك في المَحَلَّ … والطَّيبُ ذِكرُكَ بَلْ أَجَلْ وأول الثانية: [من الكامل] نسخت غرائب مدحك التشبيبا … وكَفَى بها غَزَلًا لنا ونَسِيبا فأجابه بجواب وهو: [من الكامل] لئن سَتَرَتْك الخِدْرُ عنَّا فربما … رأينا جلابيب السَّحابِ على الشمس وردتني رقعة مولاي، فأخذت في تقبيلها كأني ظفرت بيد مصدرها، أو تمكنت من أنامل مسطرها، ووقفت على ما تضمنته من الفضل الباهر، وما أودعته من الجواهر [الطويل]. تكرِّرُ طَوْرًا مِنْ قرراة فصوله … فإن نحنُ أتَممنا قراءتَهُ عُدْنا إذا ما نشرناه فكالمسكِ نَشْرُهُ … ونَطويهِ لا طَيَّ السامة بلْ ضَنَّا فأما ما اشتملت عليه من الرضا، فحكم الدهر ضروره، وكون ما اتفق له عارض يتحقق ذهابه ومروره، ثقة بعواطف السلطان ومراحمه وسكونًا إلى ما جبلت النفوس

стр. 2963

عليه من معرفة فواضله ومكارمه. فهذا قول مثله ممن طهر الله دينه، ونزه من الشكوك ضميره ويقينه [الطويل]. لا يُؤيسنَّكَ مِنْ تَفَرُّج كُرْبَةٍ … خَطْبٌ رَماك به الزمانُ الأَنكَدُ صبرًا فإنَّ اليوم يتبعُهُ غَدٌ … ويَدُ الخلافة لا تُطاولُها يَدُ وأما ما أشار إليه من الذي مني به تمحيص أوزار سبقت، وتنقيص ذنوب اتفقت، فقد حاشاه الله من الدنايا، وبرأه من الآثام والخطايا. بل ذلك اختبار لتوكله وثقته، كما يبتلى المؤمنون الأتقياء، ويمتحن البررة والأولياء. والله يدبره بأحسن تدبير، ويقضي له بتسهيل كل عسير. وقد اجتمعت بفلان، فأعلمني أنه تحت وعد، وأنه ينتظر فرصة في التذكار ينتهزها ويغتنمها، ويرتقب فرجة للتقاضي يتولجها ويقتحمها. والله يعينه على ما يضمر من ذلك وينويه، ويوفقه فيما يحاوله ويبغيه. وأما القصيدتان فما عرفت أحسن منهما مطلعًا، ولا أجود متصرفًا ومتقطعًا، ولا أملك للقلوب والأسماع، ولا أجمع للإغراب والإبداع، ولا أكمل في فصاحة الألفاظ وتمكن القوافي، ولا أكثر تناسبًا على كثرة ما في الأشعار من التباين والتناهي. ووجدتهما تزدادان حسنًا على التكرير والترديد وتفاءلت فيهما بترتيب قصيدة الإطلاق بعد قصيدة التقييد والله يحقق رجائي في ذلك وأملي، ويقرب ما أتوقعه فمعظم السعادة فيه لي، ثم أطلق سراحه. ومن شعره قوله في حالي نجم الثريا مشرقًا ومغربًا وطالعًا: [من المتقارب] رأيتُ الثريا لها حالتان … فَمَنظرُها فيهما مُعْجِبُ لها عندَ مَشرقِها صُورةٌ … يُريك مُخالفها المغرب فتطلع كالكأس إذْ تُستحبُّ … وتَغرب كالكاس إذْ تَغرب وقوله (١): [من المنسرح] لله يومي ببركةِ الحَبَشِ … والأفقُ بين الضياء والغَبَشِ ونحن في روضةٍ مُفَوَّفَةٍ … دُبِّجَ بالنّورِ عِطْفُها ووشي قد نسجتها يد الربيع لنا … فنحنُ مِنْ نسجها على فُرُشٍ وأثقل الناس كلَّهِمْ رَجُلٌ … دعاه داعي الصبا فلم يطش فَعَاطِني الراح إِنَّ تاركها … مِنْ سَوَرةِ الهم غير منتعش

стр. 2964

وَسَقَانِي بِالكِبَارِ مُتْرَعَةٌ … فَتِلْكَ أَرَوَى لِشِدَّةِ العَطَشِ وقوله (١): [من الكامل] وَارْحَمَتَا لِمُعَذَّبٍ يَشْكُو الجَوَى … بِمُنَعَّمٍ يَشْكُو فَرَاغَ البَالِ نَشْوَانُ مِنْ خَمْرَيْنِ خَمْرِ زُجَاجَةٍ … عَبِثَتْ بِمُقْلَتِهِ وَخَمْرِ دَلَالِ لَا يَسْتَفِيقُ وَهَلْ يُفِيقُ بِحَالَةٍ … مَنْ رِيقُ فِيهِ سُلَافَةُ الجِرْيَالِ عَلِمَ العَدُوُّ بِمَا لَقِيتُ فَرَقَّ لِي … وَرَأَى الحَسُودُ بَلِيَّتِي فَرَثَى لِي وقوله (٢): [من الطويل] إِذَا كَانَ أَصْلِي مِنْ تُرَابٍ فَكُلُّهَا … بِلَادِي وَكُلُّ العَالَمِينَ أَقَارِبِي وَلَا بُدَّ لِي أَنْ أَسْأَلَ العِيسَ حَاجَةً … تَشُقُّ عَلَى شُمِّ الذُّرَى وَالغَوَارِبِ وقوله (٣): [من الكامل] دَبَّ الِعذَارُ بِخَدِّهِ ثُمَّ انْثَنَى … عَنْ لَثْمِ مَبْسِمِهِ البَرُودِ الأَشْنَبِ لَا غَرْوَ أَنْ حُشِيَ الرَّدَى فِي لَثْمِهِ … فَالرِّيقُ سُمٌّ قَاتِلٌ لِلْعَقْرَبِ وقوله: [من المديد] كيف لا تُبْلي غَلائِلُهُ … وهو بَدْرٌ وهي كَتَّانُ وقوله يصف فرسًا أشهب (٤): [من مخلع البسيط] وأشهب كالشهاب أَضحى … يجول في مُذْهَبِ الجَلال مَنْ أَلْجَمَ الصبح بالتُّريَّا … وأسرجَ البرق بالهلال وقوله في طبيب اسمه شعبان (٥): [من الرمل] يا طبيبًا ضَجر العا … لم منهُ وتَبَرَّمْ أَنْتَ شَعبان ولكنْ … قَتْلُكَ الناس المُحَرَّم وقوله (٦): [من الطويل] يَقُولُونَ لي صَبْرًا وإني لصابر … على نائبات الدهر وهي فَجَائعُ

стр. 2965

سأصبر حتى يقضيَ اللهُ أَمْرَهُ … وإِنْ أَنا لم أصبر فما أنا صانع وقوله (١): [من السريع] ساد صغار الناس في عصرنا … لا دامَ مِنْ عَصْرِ ولا كانا كالدَّسْتِ مهما هَمَّ أَنْ ينقضي … عاد به البَيْدَقُ فرزانا وقوله وقد رأى مليحًا أبيض قد قام، فجاء قبيح أسود قعد مكانه: [من الطويل] مَضَتْ جَنَّةُ المَأوى وجاءت جهنم … فقدْ صِرْتُ أَشقى بعدما كنتُ أَنَعَمُ وما هي إلا الشمس حانَ أُفُولُها … وأعقبها قطع مِنَ الليلِ مُظلِمُ وقوله (٢): [من الطويل] وقائلة ما بال مثلِكَ خاملًا … أَأَنْتَ ضعيف الرأي أم أنت عاجز فقلتُ لها ذنبي إلى القوم أنني … لما لم يحوزوه مِنَ المَجدِ حائز وما فاتني شيء سوى الحَقِّ وَحْدَهُ … وأَمَّا المَعالي فهي في غرائز وقوله (٣): [من مجزوء الرجز] جَدَّ بقلبي وعبتْ … ثُمَّ مضى وما اكترث واحرَبَا مِنْ شادِنٍ … في عُقَدِ الصَّبْرِ نَفَتْ يقتلُ مَنْ شاءَ بعيـ … ـنيه ومنْ شَاءَ بَعَثْ فأَيَّ ود لمْ يَخُنْ … وأَيِّ عَهْدِ مَا نَكَتْ وقوله (٤): [من الكامل] ومهفهف تركت محاسن وجهه … ما مَجَّهُ في الكأس مِنْ إبريقه ففعالُها مِنْ مُقلتيه، ولونُها … مِنْ وجنتيه وطعمُهُ مِنْ رِيقِهِ وقوله (٥): [من السريع] عَجِبتُ مِنْ طَرفكَ في ضَعْفِهِ … كيفَ يَصِيدُ البطل الأصيدا يَفعلُ فينا وهو في غِمْدِهِ … ما يفعل [السيف] إذا جُردا وقوله (٦): [من البسيط]

стр. 2966

وقُمْتَ إِذْ قعد الأملاك كلُّهمُ … تَذُبُّ عنه وتحميه وتنتصر بالبيض تسقط فوق البيض أَنجمُها … والسُّمْرُ تحت ظلال النفع تشتجر بيضُ إِذَا خَطَبَتْ بالنصر السنُها … فمن منابرها الأكباد والقِصَرُ وذُبَّلٌ مِنْ رِماح الخَطّ مُشْرَعَةٌ … في طُولهنَّ لأعمار العدا قِصَرُ تغش به عمراتِ الموتِ أُسْدُ شَرِّى … من الحماة إذا ما استنجدوا ابتدروا مستلئمين إذا سَلُّوا سيوفهم … شبهتُها خُلُجًا مُدَّتْ بها غُدُرُ ترتاح أنفسهم نحو الوغى طَرَبًا … كأنما الدم راح والبي زهر الله زانَ بكَ الأَيامَ مِنْ مَلِكٍ … لكَ الحُجُولُ مِنَ الأيام والغُرَرُ وللعجاج على صُمّ القَنَا ظُلل … هي الدخان وأطراف القنا سُرُرُ إذ يرجع السيف يندى خدُّهُ عَلَقًا … كصفحةِ البِكْرِ أَدْمَى خَدَّهَا الخَفَرُ أما يَهولُكَ ما لا قيتَ مِنْ عَدَدٍ … سِيَّان عندكَ قَلَّ القوم أو كثروا فاضرب بسيفكَ مَنْ نَاواكَ مُنتقمًا … إِنَّ السيوف لأهلِ البَغْيِ تُدَّخَرُ ما كل وقت تَرَى الأملاك صافحةٌ … عَنِ الحَرَائِرِ تعفو حين تقتدر ومن ذوي البغي [مَنْ] لا يُستهانُ بِهِ … وفي الذنوب ذُنوب ليس تُغتفر إنَّ الرماح غُصُون تستظلُّ وما … لهنَّ شيء سوى هام العدا ثَمَرُ أضحى شهنشاه غيثًا للندَى غَدَقًا … كلُّ البلاد إلى سُقياه تفتقر الطاعن الألف إلا أنها نَسَقٌ … والواهب الألف إلا أنها بِدَرُ مَلْكٌ تَبَرَّأ فوق النجمِ مَقْعَدَهُ … فكيف تطمع في عليائِهِ البَشَرُ يُرجَى نَدَاهُ ويُخشَى عندَ سَطوتِهِ … كالدَّهرِ يُوجد فيه النفع والضرر ولا سمعتُ ولا حُدِّثْتُ عَنْ أَحَدٍ … مِنْ قَبلِهِ يَهَبُ الدنيا ويعتذر ولا بَصُرتُ بشمس قبلَ غُرَّتِهِ … إِذا تجلَّى سَناها أغَدَقَ المَطَرُ ولم أُطلها بأنّي جِدُّ مُعترف … بأنَّ كلَّ طويل فيهِ مُختصر وأورد له ابن سعيد قوله في المرقص لمن جاد عليه قبل مديحه (١): [من الكامل] لا غَرْوَ أَنْ سبقتْ يَداكَ مَدائحي … فتدفقت جدواك ملء إنائها يُكسى القضيب ولمَّا تُجْنَ أَثمارُهُ … وتُطوَّقُ الورقاء قبل غنائها ومنهم: بنو زهر فمنهم:

стр. 2967

[١١٣] أبو مروان، عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر الأيادي الإشبيلي (١) حكيم دافع قوى الضراء، وتابع صواب الآراء، فراد الأسقام ومانع الداء، وقد فتح فاه للالتقام على لطف في علاجه، وتسكين لثوائر المرض وعجاجه، ورفق زانه في تأنيه، وزاده في تأتيه، فكان يعد فردًا، ويعد من أم مشربه وردًا، ثم لم يخلف له موعد، ولا يخاف معه من سحابه مرض مرعد، لكنه لم تفن عنه حيله، ولم يكن له بُدّ أن يأتيه أجله. قال صاعد: إنه دخل القيروان ومصر، وتطبب بها زمانًا طويلًا، ثم رجع إلى الأندلس، وقصد مدينة دانية، واتصل بمجاهد ملكها، وأمره أن يقيم عنده فحظي واشتهر بالتقدم في الطب، وشاع ذكره منها في الأقطار، وله في صناعته إرشاد منه منعه من الحُمَّام لاعتقاده فيه أنه يعفن الأجسام، ويفسد تركيب الأمزجة. قال: وهذا رأي يخالفه فيه الأوائل، ويشهد بخطأه فيه الخواص والعوام بل إذا استعمل على الترتيب الذي يجب بالتدريج الذي ينبغي كان رياضة فاضلة، ومهنة نافعة لتفتيحه للمسام، وتطريقه للفضول، وتلطيفه لما غلظ من الكيموسات. قال ابن أبي أصيبعة (٢): وأقول: إنه انتقل إلى إشبيلية، ولم يزل بها إلى أن مات، وخلف أموالًا جزيلة ونظيرها من الرباع والضياع. ومنهم: [١١٤] ابنه أبو العلاء، زهر بن عبد الملك (٣) فرد في بني آدم، وواحد ما أتى بمثله وقد تقادم ابن أبيه، وفوق كل من يليه. لم يقف سيف ذهنه عند حده، ولا جارى البرق وقد أضمر له نار حقده، وأمسى وهو أبو العلاء، وأخو النجم في الاعتلاء. ربي في حجر العلم ربيبًا، وأصبح منذ كان في سن الوليد حبيبًا، فطلع بدرًا كامل الأنوار، وطما بحرًا يتمسك له بجوار، حتى استهل

стр. 2968

سحابًا، واستقل انسكابًا، وكان لبيته تقف عليه زمر وركبًا يحج إليه ويعتمر. قال ابن أبي أصيبعة فيه (١): مشهور بالحذق والمعرفة، وله علاجات مختارة تدل على قوته في الصناعة، واطلاعه على دقائقها. وكان له في هذا نوادر ومعرفة بأحوال المرضى من غير أن يستخبرهم، بل لمجرد جسه لعروقهم، أو نظره إلى قواريرهم. وحظي في دولة المرابطين. وقال ابن جميع: إن رجلًا من التجار جلب نسخةً فائقة لكتاب القانون إلى الأندلس فاتحف أبا العلاء زهرًا به تقربًا إليه، ولم يكن وقف عليه، فلما تأمله ذمه وأطرحه، ولم يدخله خزانة كتبه، ثم جعل يقطع من طرره، ويكتب فيها نسخ الأدوية للمرضى. وقال أبو يحيى اليسع بن حزم: إن أبا العلاء زهرًا كان مع صغر سنه تصرح النجابة بذكره، وتخطب المعارف بشكره، ولم يزل طالع كتب الأوائل متفهمًا، ويلقى جلة الشيوخ متعلمًا حتى برز في الطب إلى غاية عجز الطلب عن مرامها وصرف الفهم عن إبرامها إلى أن خرجت عن قانون الصناعة إلى ضروب الشناعة بخبر فيصيب، وبضرب في كل ما ينتحله بأوفى نصيب، ويستغرق المدى ويعبر في جدواه سوابق الفضلاء ومحتدًا، ويفوق الجلة سماحة لا توصف، وندى لولا بذاذة لسان وعجلة ركب عليها الإنسان، وأي الرجال تكمل خصاله وتتناسب أوصاله. قال ابن أبي أصيبعة (٢): توفي بإشبيلية ودفن بها، ومما أنشد له قوله: [من البسيط] يا راشِقي بسِهامٍ ما لها غَرَضٌ … إلا الفُؤادَ وما منه لها عِوَضُ أُمْنُنْ ولو بخيالٍ منكَ يَطرُقُني … فقد يسدُّ مَسَدَّ الجوهر العَرَضُ ومنهم: [١١٥] ابنه أبو مروان ابن أبي العلاء، واسمه عبد الملك (٣) شيخ الجلالة، وفتى العلم الذي ما ورثه عن كلاله، ارتقى الذروة والغارب، وفاض على المشارق والمغارب. جنى من الفضل غضه، وختم ختامه وفضه. مهدت له

стр. 2969

المضاجع ليالي اشتغاله فأقضها، ودقَّتْ عليه المعالي أبكارًا فافتضها، فلم يستدر لثام عارضه، ولا تمت أيام رائضه، إلا وهي معنى الجملة، ورأس الأكابر الجلة، ثم لم يصد شيء عن حائمات الحمام، ولا رثاه إلى نائحات الحمام. قال ابن أبي أصيبعة (١): لحق بأبيه في المعالجة، وشاع ذكره في الأندلس وغيرها، وعكف الأطباء على مصنفاته، ولم يكن في زمانه من يماثله في صفاته، وله حكايات كثيرة في حسن العلاج مما لم يسبق إلى مثله. وخدم الملثمين، وحصل من جهتهم النعم. وفي وقته الذي كان فيه دخل ابن تومرت الأندلس ومعه صاحبه عبد المؤمن فقرب ابن زهر هذا، واعتمد عليه في الطب وأناله فوق أمنيته، وله ألف الدرياق السبعيني، واختصره عشاريًا، ثم اختصره سباعيًا يعرف بدرياق الأنتلة. واحتاج عبد المؤمن إلى شرب دواء مسهل، وكان يكره الدواء، فعمد ابن زهر إلى كرمة في بستانه وجعل الماء الذي يسقيها به ماء قد أكسبه قوة الأدوية المسهلة التي أرادها لإسهاله، فطلع فيها العنب وفيه تلك القوى، فحمي عبد المؤمن، وأتاه بعنقود منها، وقال له كل منه وكان حسن الاعتقاد فيه، فلما أكل منه وهو ينظر إليه قال له: حسبك يا أمير المؤمنين فقد أكلت عشر حبات من العنب، وهي تخدمك عدد هذه الحبات مجالس فقام العدة التي ذكرها ووجد الراحة، واستحسن منه فعله وتزايدت به منزلته عنده. وكان يجد في مروره إلى دار الخلافة مريضًا به قنية وقد كبر جوفه واصفر لونه فلما كان في بعض الأيام وقف عنده ونظر إليه فوجد عند رأسه ابريقًا عتيقًا يشرب منه الماء، فقال له: اكسر هذا الابريق فإنه سبب مرضك فقال له: لا بالله يا سيدي فإنه ما لي غيره، فأمر بعض خدمه بأن يكسره فكسره، فطلع منه ضفدع وقد كبر مما له فيه من طول الزمان، فقال له ابن زهر: خلصت يا هذا من المرض. وحكى أنه كان بإشبيلية حكيم فاضل في الطب يعرف بالفار صنف كتابًا في الأدوية المفردة كان يرى ابن زهر كثيرًا يأكل التين الأخضر، وكان الفار لا يأكله إلا نادرًا فكان يقول لابن زهر: لا بد أن يعرض لك بمداومة أكل التين علة الثعلة وهي الدبيلة فقال له ابن زهر: وأنت لكثرة حميتك لا بد أن يعرض لك علة السيح، فلم يمت ابن زهر إلا بدبيلة في جنبه، ولا مات الفار إلا بعلة السيح. قال: وكان ابن زهر يداوي دبيلته، فيقول له: لو زدت هذا الدواء كذا أو أبدلته بكذا أو عملت كذا فكان يقول له: يا بني إذا أراد الله تغيير هذه البنية لا يقدر لي أن أستعمل إلا ما تتم به مشيئته. ومنهم:

стр. 2970

[١١٦] أبو محمد ابن الحفيد أبي بكر بن زهر (١) نير في سماء، وكوثر في عذب الماء، من بيت زاحم الأيوان وأزاح عن رتبته كيوان، وأسس على خيط المجرة بيت علاه، ولبس من حلية الشفق والأصيل حلاه، ولم يزل منذ [كان] في سن اللبون يصول صولة البزل القناعيس، ولا يقنع إلا أن يكون في أول العيس، فطالما حصل الفوائد الغزار، وحلل الفراقد، وقد سلبت من جفنه الغرار، وبات الليالي في طلب العلم لم يطعم غمضًا، ولا شام لغير سنى الصباح إلى الصباح ومضا. قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان جيد الفطرة، حسن الرأي، جميل الصورة، مفرط الذكاء، محمود الطريقة، معتنيًا بالطب، اشتغل على أبيه وأطلعه على كثير من أسرار هذه الصناعة وعملها، وكان الناصر أبو عبد الله يرى له ويحترمه، ويعرف مقدار علمه ويثق به، وروي أنه لما خرج إلى حضرة مراكش احتاج في نفقة سفره إلى عشرة آلاف دينار، فلما حضر لدى الناصر شكر سالف إحسانه وإحسان سلفه إليه وإلى سلفه ثم قال: وبيدي مما سلف ووصل إلى أبي من انعامكم ما يغنيني مدة حياتي، وإنما أتيت لأكون في الخدمة كما كان أبي وأجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه بين يدي أمير المؤمنين. فأكرمه كثيرًا وأطلق له مالًا جزيلًا وخوّله في النعم الجمة، وأجلسه في مجلس أبيه وكان قريبًا منه. حكى القاضي أبو مروان الباجي عنه قال: كنت يومًا معه وإذا به قد قال: إنني رأيت البارحة أختي كانت أخته قد ماتت، قال: فقلت لها: بالله عرفيني كم يكون عمري، فقالت طابيتين ونصف، والطابية هي الخشب يكون طولها عشرة أشبار تتخذ للبناء، قال: فقلت لها: أنا أقول لك الجد، وأنت تجيبيني بالهزو، فقالت: لا والله ما قلت إلا جدًا، وإنما أنت ما فهمت أليس أن الطابية عشرة أشبار، فانظر إلى الطابتين ونصف، خمسة وعشرين شبرًا فيكون عمرك خمسة وعشرين سنة. قال القاضي أبو مروان: فقلت له لا تتوهم من هذا، فلعله أضغاث أحلام قال: فلم تكمل تلك السنة إلا وقد مات، فكان عمره كما قال لم يزد، ولم ينقص. خلف

стр. 2971

ولدين كل منهما فاضل في نفسه، كريم في أبناء جنسه، وهما عبد الملك، وأبو العلاء. ولأبي العلاء نظر جيد في كتب جالينوس وصناعة الطب وكانا بإشبيلية. قلت: كانا علمي طرازها، وآيتي إعجازها على سن شبيبة، ووقت اشتغالي بحبيب أو حبيبة. ومنهم: [١١٧] أبو جعفر بن الغزال (١) من أهل المرية، تغرب عن الأوطان حتى تقرب إلى السلطان، وباشر في الخدم أخلها، وحصل من النعم جلها، فكان واسطة العقد، ولاقطة المنهل العد، وحل محل الثقة من خليفته، وكان مكان المقة في وظيفته؛ لفضائله التي ثبتت عند إمامه، وأوجبت له أن يتسلم عقد زمامه، فعلا رتبة، وامتدت إليه الأيدي رغبة. ذكره ابن أبي أصيبعة (٢): قرأ على الحفيد ابن زهر وعلى غيره وأتقن الطب، وخدم المنصور به وكان خبيرًا بالمفردات، وكان المنصور يعتمد عليه في الأدوية المفردة والمعاجين، ويتناولها منه، وكان المنصور قد أبطل الخمر، وشدد فيه، ثم إنه أمر ابن الغزال أن يجمع حوائج الدرياق ويركبه، فجمعها ثم أعوزه الخمر لعجنه، فأنهى ذلك إلى المنصور فقال تطلبه من كل ناحية، وانظر لعله أن يكون عند أحد ولو شيء يسير فتطلبه فلم يجد شيئًا منه، فأعلم المنصور فقال: والله ما كان بي تركيب الدرياق في هذا الوقت إلا لاعتبر هل بقي عند أحد من الخمر شيء أم لا. ومنهم: [١١٨] أبو العباس ابن الرومية، وهو أحمد بن محمد بن مفرج النباتي (٣) من أهل اشبيلية جوال في كل تنوفة، وجواب لكل مخوفة، نزل بكل أرض مخيمًا، وراد أيما، عشب وأيما وطالما جنى النبات وجاء منها بالبينات، وشخصها بأشخاصها، وبين ما بين عامها وخاصها فعلا محلًا، وطاف كالسحاب، فلم يدع محلًا.

стр. 2972

قال ابن أبي أصيبعة (١): من أهل إشبيلية، ومن أعيان علمائها، وأكابر فضلائها وقد أتقن علم النبات ومعرفة أشخاص الأدوية وقواها ومنافعها واختلاف أوصافها، وتباين مواطنها، وله الذكر الشائع، وحسن الوصف الجامع، قد شرف نفسه بالفضائل وسمع الحديث وانتفع الناس به، وأتى مصر والشام وعاين فيها نباتًا كثيرًا لا ينبت بالمغرب، وشاهد أشخاصها في منابتها، ونظرها في مواضعها، ولما قدم الإسكندرية كان الملك العادل بن أيوب بالقاهرة فاستدعاه وأكرم ملتقاه وأراده على الإقامة عنده، فقال: إنما أتيت، لأحج ثم أعود إلى بلدي وأهلي وولدي، ثم قضى فريضة حجه وعاد. ومنهم: [١١٩] ابن الأصم (٢) وهو ابن الأصم إلا أنه كان أسمع، وانعقد عليه التفضيل وأجمع، وكان يكرم أبا، ويعد منه والدًا. لو كان من الشهور لكان رجبا، إلى طب طالما صاد به المنون، وصاد ما لم تجله الظنون، وانتتاش مهجة لم يبق منها إلا آخر الذماء، ورد مرضًا لم يطل زاخر الدماء، وكانت اشبيلية به في حلل المفاخر تختال، وتكف بأس من يغتال، وتتيه بنسبته إليها، وسمته التي دلت دليل نسيم السحر عليها. قال ابن أبي أصيبعة (٣): هو من الأطباء المشهورين بإشبيلية، وله قوة نظر في الاستدلال على الأمراض ومداواتها، وله حكايات مشهورة ونوادر في معرفته بالقوارير وأخباره عندما يراها بجملة حال المريض وما يشكوه وما قد تناوله من الأغذية. حدثني أبو عبد الله المعري قال: كنت يومًا عند ابن الأصم وإذا بجماعة قد أقبلوا إليه ومعهم رجل وفي فمه حية قد دخل بعضها مع رأسها في حلقه وبقيتها ظاهر، وهي مربوطة بخيط قنب إلى ذراع الرجل فقال لهم: ما شأن هذا؟ فقالوا له: إن من عادته أن ينام وفمه مفتوح، وكان قد أكل لبنًا ونام فلما جاءت هذه الحية، لعقت من فيه، ودخلته وهو نائم، فأحست بمن أتى، فخافت وانسااب بعضها في حلقه، وأدركناها فربطناها بهذا الخيط؛ لئلا تدخل في حلقه، وقد أتينا به إليك، فلما نظر إلى ذلك الرجل، وجده في الموت من الخوف فقال: لا بأس عليك، كدتم تهلكون الرجل ثم قطع الخيط

стр. 2973

فانسابت الحية وبلغت إلى جوفه واستقرت فقال له: الآن تبرأ وأمره أن لا يتحرك، وأخذ أدوية وعقاقير فأغلاها في الماء غليًا جيدًا، وجعل ذلك الماء في إبريق وسقاه الرجل وهو حار فشربه، وصار يجس معدته حتى قال: ماتت الحية، ثم سقاه ماء آخر مغلي فيه حوائج، وقال هذه تهري الحية مع هضم المعدة. وصبر مقدار ساعتين وسقاه ماء آخر قد أغلى فيه أدوية مقيئة، فجاشت نفس الرجل وذرعه القيء، فعصب عينيه وبقي يتقيأ في طست، فوجدنا تلك الحية وهي قطع، وهو يأمره بكثرة القيء حتى تنظف معدته، وخرجت بقايا الحية، وقال له: طب نفسًا فقد تعافيت، وذهب الرجل مطمئنًا صحيحًا بعد أن كان في حالة الموت. * * *

стр. 2974

[أطباء مصر] أما أطباء مصر: فمنهم: [١٢٠] بلطيان (١) وهو رجل مشهور في النصارى، معروف بينهم، معدود في بطاركتهم. طبيب تدارك النفوس، وسيوف المنايا تنوشها، ومواقيت الآمال قد قدمت لها نعوشها. رأس في ملته، وكان رئيس محلته؛ لخلال حمدت، وأفضال شعلة ما خمدت، وكان من أئمة العيسوية وذوي القسمة بالسوية، إلى صحة حدس، وذكاء نفس، وكرم في عشيره، وشيم بالتقلل مشيرة. قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان نصرانيًا من الملكية عالمًا بشريعة النصرانية، وجعل بطرك الإسكندرية. حكى أنه كان للرشيد جارية مصرية كان يحبها، فاعتلت علة عظيمة، فعالجها الأطباء، فلم تنتفع بشيء، فقيل له: لو بعثت إلى عاملك بمصر ليبعث إليك بطبيب منها؛ فإنه أبصر بهذه الجارية من أطباء العراق، فكتب إليه فبعث إليه ببلطيان وكان طبيبًا عارفًا حاذقًا، فأخذ معه من كعك مصر والصير المعمول بها، فلما أتى بغداد، ودخل على الجارية أطعمها من الكعك والصير، فرجعت إلى طبعها وزالت عنها العلة، ووهب له الرشيد مالًا جزيلًا، وكتب له منشورًا بإعادة كل كنيسة تغلب اليعاقبة فيها على الملكية، ثم أمر بأن يكون يُحمل مثل هذا من الكعك والصيرالى خزانة السلطان في كل وقت، فكان لا يزال يحمل موظفًا فيما يحمل إليها إلى آخر أيام المتوكل. ومنهم:

стр. 2975

[١٢١] سعيد بن توفيل (١) جمرة تشتعل توقدًا، وجملة لا يضم إليها إلا فرقدًا. سعى للعلم سعيه، وأوعاه وعيه. حظي بالخدم، وحل حيث لا تنصب الخيم، إلا أن الايام قلبت له ظهر المجن، وحققت له خلاف ما ظن، فأفلتت رداءه، وأشمتت به أعداءه، ولم يجن ذنبًا سوى نصحه الذي حمل على الغش، وقتل عقابًا به جانيه عليه ولم يعش. قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان طبيبًا نصرانيًا يخدم ابن طولون ولا يفارقه، فلما أدركت ابن طولون الهيضة التي مات بها، طلبه فلم يجده إلا بعد يومين فعنفه، ثم قال له: ما الصواب؟ قال: أن لا تقرب غداءً، قال: أنا والله جائع وما أصبر، فقال له: هذا جوع كذاب لبرد المعدة، فلما نصف الليل استدعى بشيء يأكله فجيء بفراريج كردماج حارة، وبزماورد من دجاج، وجدي باردة، فأكل منها فانقطع الإسهال عنه، فخرج نسيم الخادم وسعيد في الدار، فقال له: أكل الأمير فخف عنه القيام، فقال سعيد: الله المستعان ضعفت قوته الدافعة بقهر الغذاء لها وستتحرك حركة منكرة. فما وافى السحر حتى قام قيامًا كثيرًا، وخرج من أنطاكية وعلته تتزايد، ثم أتى مصر على عجلة تجر بالرجال، فلما أتى الفرما، شكا انزعاجًا، فركب الماء إلى الفسطاط، وضربت له بالميدان قبة نزل فيها، ثم ظهرت منه لسعيد بن توفيل نبوة، وشكاه إلى كاتبه إسحاق بن إبراهيم، فأخذ يلوم ابن توفيل فقال: والله ما خدمني إلا خدمة الفأر السنور، والسخلة الذئب. قال نسيم الخادم وكان ابن توفيل آيسًا من حياته؛ لأن ابن طولون امتنع من مشاورته، ويعتقد فيه انه فرط في أول أمره، وجيء بفاكهة من الشام، فقال له: ما تقول في السفرجل؟ فقال: تمص منه على خلو المعدة، فلما خرج سعيد من عنده، أكل سفرجلًا عقيب عصيدة كان قد أكلها على غير رأي سعيد فعصرها، فتدافع الإسهال فدعا به، ثم قال: يا ابن الفاعلة قلت إن السفرجل نافع لي وقد عاد الإسهال، فقام فنظر المادة، ورجع إليه، فقال: هذه العصيدة التي حمدتها، وقلت: إني غلطت في منعها عصرها السفرجل، وأنا ما أطلقت لك السفرجل، وإنما أشرت بمصهن فقال: يا

стр. 2976

ابن الفاعلة تريد تحجني وأنت صحيح سوي، وأنا عليل مدنف، ثم ضربه مائتي سوط، وطاف به على جمل ونودي عليه: هذا جزاء من أؤتمن فخان، وأمر ببيته فنهب، ثم لم يعش سعيد بعد ذاك إلا يومين ومات. [١٢٢] سعيد بن البطريق (١) طبيب طالما خلص الأجسام من دائها، واستل النفوس من أعدائها، مع علم بشريعته، وعمل حسن في شيعته إلا أنه لم تصف له موارد الأيام، ولم ينصف على عوائد الأنام، وبُلي باختلاف قومه، وما برحوا في شقاق ولا صحوا من سكرة إشفاق، ولم يزل عُودهم معه في التواء، وعُودهم إليه بغير استواء، هذا ولم يكن غرًا، ولا أرى وجوه التجارب إلا غرًا، مع سعة اطلاع كأنما أشرف عليه من عالي التلاع، واضطلاع قل أن حنيت عليه خبايا أضلاع، ويد ما قصرت في ضبط، ولا غرب عنها في قط قط، ولكنها الأيام وعاداتها، ومواهبها واستعاداتها. قال ابن أبي أُصيبعة (٢): كان من أهل مصر، وكان طبيبًا نصرانيًا مشهورًا عارفًا بعلم صناعة الطب وعملها، وكانت له دراية بعلوم النصارى ومذاهبها، ثم صير في أول يوم خلافة القاهر بطرك الإسكندرية، وكان في زمانه شقاق عظيم، وشر متصل بينه وبين شيعته، وله تصانيف كثيرة، وتواريخ محررة، ولحقه إسهال مات به بالاسكندرية. ومنهم: [١٢٣] التميمي، وهو أبو عبد الله، أحمد بن سعيد (٣) جادة إحسان، ومادة بقاء لإنسان عرف الأدوية لطول ما ألفها، وركب مفرداتها

стр. 2977

وألفها، وجناها من رؤوس الشجر ومما يعرشون، ويبسطون من الأرض ويفرشون، إلى إتقان لقواعد الطب وأصوله، وعوائد المستطب في العام وفصوله، حتى أنه إليه المرجع وعليه الاعتماد في كل دواء ينجع. ذكره ابن أبي أصيبعة وقال (١): كان مقامه أولًا بالقدس ونواحيه، وله معرفة جيدة بالنبات وماهياته، وكان متميزًا في صناعة الطب، والاطلاع على دقائقها، وله خبرة بتركيب المعاجين والأدوية المفردة، واستقصى معرفة الدرياق الكبير الفاروق وتركيبه، وركب منها شيئًا كثيرًا على أتم ما يكون من حسن الصنعة، وانتقل إلى مصر وأقام بها حتى مات. قال ابن القفطي (٢): إن التميمي هو الذي أكمل الدرياق الفاروق بما زاده فيه من المفردات، وكان خصيصًا بالحسن بن عبد الله بن طغج صاحب الرملة، وعمل له معاجين ولخالخ طبية، وأنواع دخن دافعة للوباء، وركب سفوف الرجفان الحادث عن المرة السوداء المحترقة، وكان يذكر أنه نقله عن راهب كان بالقدس فاضلًا في الحكمة والطب، أدرك الدولة العلوية بمصر، وصحب يعقوب بن كلس وزير المعز والعزيز، ولقي الأطباء بمصر وناظرهم. وحكى عن أبيه أنه سكر مرة سكرًا مفرطًا غلب على عقله، فسقط في بعض الخانات من موضع عال إلى أسفل الخان، وهو لا يعقل، فحمله صاحب الخان وخدمه حتى أدخله الحجرة التي كان ساكنها، فلما أصبح قام وهو يجد وجعًا ووهنًا في مواضع من جسده، ولا يعرف لذلك سببًا فركب، وتصرف في بعض أموره إلى أن تعالى النهار ثم رجع فقال لصاحب الخان: إني وجدت في جسدي وجعًا وتوهنًا شديدًا لست أدري ما سببه، فقال صاحب الخان: ينبغي أن تحمد الله على سلامتك، قال من ماذا؟ قال: أوما علمت ما نالك البارحة؟ قال: لا، قال: فإنك سقطت من أعلى الخان إلى أسفل وأنت سكران، قال: ومن أي موضع؟ فأراه الموضع، فلما رآه حدث به للوقت من الوجع الضربان ما لم يجد معه سبيلًا إلى الصبر، وأقبل يصيح ويتأوه إلى أن جاءوه بطبيب ففصده وشد على مفاصله المتوهنة جبارًا، وأقام أيامًا كثيرة إلى أن برئ وذهب عنه الوجع. أقول: ومما يناسب هذه الحكاية أن بعض الناس كان في بعض أسفاره في مفازة ومعه رفقة له، فنام في منزلة نزلها في الطريق ورفقته جلوس، فخرجت حية من بعض النواحي فصادفت رجلًا فنهشته فيها وذهبت، وانتبه مرعوبًا من الألم وبقي يمسك رجله ويتأوه منها، فقال له بعضهم: ما عليك مددت رجلك بسرعة، وقد صادفت رجلك

стр. 2978

شوكة في هذا الموضع الذي يوجعك، وأظهر له أنه أخرج الشوكة، وقال: ما بقي عليك بأس، وسكن عنه الألم بعد ذلك ورحلوا، فلما كان بعد عودهم بمدة وقد نزلوا في تلك المنزلة قال له صاحبه: أتدري ذلك الوجع الذي عرض لك في هذا الموضع من أي شيء كان؟ فقال: لا، فقال: إن حية ضربتك في رجلك، ورأيناها وما أعلمناك، فعرض له في الوقت ضربان قوي في رجله، وسرى في بدنه إلى أن قرب من قلبه، وعرض له غشي، ثم تزايد به إلى أن مات، وكان السبب في ذلك أن الأوهام والأحداث تؤثر في البدن تأثيرًا قويًا، فلما تحقق أن الآفة التي عرضت له كانت من نهشة الحية، تأثر [من] ذلك وسرى ما كان في ذلك الموضع من بقايا السم في بدنه، ولما وصل إلى قلبه أهلكه. قلت: ومن نسبة ما حكى عن أبيه ما شاهدته بعيني سنة ست وسبعمائة وذلك: أنه كان عندنا صغير في سطح الدار يلعب وبيده تفاحة، فجعل يلقيها من يده، ثم يجري وراءها ويأخذها، وألقاها مرة فتدحرجت وجرى هو خلفها فوقعت من طاقة في السطح معدة لرمي الثلج ترمي إلى الطريق علوها عن الأرض يقارب عشرين ذراعًا، واستمر هو جاريًا خلفها ليأخذها فوقع من ذلك العلو إلى الأرض قائمًا على قدميه، واستمر جاريًا خلف التفاحة حتى أخذها، ولم يضره شيء البتة. وكان سداسي السن، وكنت قريبًا من سنه، وأنا أشاهده وأنا على باب الدار فسبحان الله اللطيف بخلقه. ومنهم: [١٢٤] ابن الهيثم، وهو أبو علي، محمد بن الحسن بن الهيثم البصري ثم المصري (١) رجل أخذ الفرائد فنظمها والفوائد فأجلها قدرًا في الصدور وعظمها، بطرف طموح، وطرف تحت عقد بنانه جموح، فأثبت الغرر، وأنبت الدرر، وصاغ النجوم وأشباهها، وتبجس فحكى الغيوم وأمواهها، لفضائل حصلها من الصغر،

стр. 2979

وورد منها أصفى المناهل، ولم يعرف الصدر، فبقيت كتبه قدوة للمتأمل، وجلوة مثل الصباح المتهلل. قال ابن أبي أصيبعة (١): أصله من البصرة، ثم انتقل إلى مصر، فأقام بها إلى آخر عمره، وكان فاضل النفس، قوي الذكاء، مفننًا في العلوم، وكان كثير التصنيف، ظاهر الزهد، ولخص كثيرًا من كتب أرسطو وجالينوس، وشرح العويص، وكان حسن الخط، جيد العربية. حكى أنه كان قد وزر بالبصرة ونواحيها، فمنعته عن النظر، فآثر التجرد ليتوفر على العلم، فأظهر خبالًا في عقله، وتغيرًا في تصوره حتى تمكن من مراده، ثم أتى مصر وأقام بالجامع الأزهر، ثم كان يكتب إقليدس، والمجسطي، ويتقوت بالثمن.

стр. 2980

وقيل: إنه بلغ الحاكم أنه كان يقول: لو كنت بمصر، لعملت في النيل عملًا يحصل به النفع في كل حال من حالاته من زيادة ونقص، فاستدعاه ومشى عليه، فلم يجد أنه يتم له ما أراده، فعاد خجلًا، واعتذر إلى الحاكم بما قبل منه ظاهره، ثم إنه ولاه بعض الدواوين، فوليها رهبة لا رغبة، ثم تحقق غلطه إذ قيل لكثرة استحالة الحاكم، وإقدامه على سفك الدماء، فلم يجد طريقًا إلا معاودة الجنون، فاحتيط على موجوده، وقيد ووكل به من يخدمه ويقوم بمصالحه، فلما مات الحاكم أظهر العقل، وعاد إلى ما كان عليه، وأعيد عليه ماله، فاستوطن قبة على باب جامع الأزهر ملازمًا وظائف الاشتغال والإفادة والتصنيف حتى مات. ومنهم: [١٢٥] علي بن رضوان (١) رجل كان جمال إيوان، وكمال ديوان، ورئيس قوم، ورأس ذكر باق إلى اليوم، طالما أخليت له المجالس، وخليت الصدور له ولمن يجالس، فطال في الدولة الفاطمية ذيلًا، ومال به الدهر ميلًا، وحصل من أولئك الكرام المرام، وبلغ لديهم غاية الاحترام، وفضائله تقول هل من مزيد، وتتدفق فوق بردى ويزيد، حتى أن أن يخلق رداء مفاخره، وينتهي كل شيء إلى آخره. قال ابن أبي أصيبعة (٢): مولده ومنشؤه بمصر، وبها تعلم الطب. وحكى أنه قال:
следующие страницы →