ابن الفاعلة تريد تحجني وأنت صحيح سوي، وأنا عليل مدنف، ثم ضربه مائتي سوط، وطاف به على جمل ونودي عليه: هذا جزاء من أؤتمن فخان، وأمر ببيته فنهب، ثم لم يعش سعيد بعد ذاك إلا يومين ومات.
[١٢٢] سعيد بن البطريق (١)
طبيب طالما خلص الأجسام من دائها، واستل النفوس من أعدائها، مع علم بشريعته، وعمل حسن في شيعته إلا أنه لم تصف له موارد الأيام، ولم ينصف على عوائد الأنام، وبُلي باختلاف قومه، وما برحوا في شقاق ولا صحوا من سكرة إشفاق، ولم يزل عُودهم معه في التواء، وعُودهم إليه بغير استواء، هذا ولم يكن غرًا، ولا أرى وجوه التجارب إلا غرًا، مع سعة اطلاع كأنما أشرف عليه من عالي التلاع، واضطلاع قل أن حنيت عليه خبايا أضلاع، ويد ما قصرت في ضبط، ولا غرب عنها في قط قط، ولكنها الأيام وعاداتها، ومواهبها واستعاداتها.
قال ابن أبي أُصيبعة (٢): كان من أهل مصر، وكان طبيبًا نصرانيًا مشهورًا عارفًا بعلم صناعة الطب وعملها، وكانت له دراية بعلوم النصارى ومذاهبها، ثم صير في أول يوم خلافة القاهر بطرك الإسكندرية، وكان في زمانه شقاق عظيم، وشر متصل بينه وبين شيعته، وله تصانيف كثيرة، وتواريخ محررة، ولحقه إسهال مات به بالاسكندرية.
ومنهم:
[١٢٣] التميمي، وهو أبو عبد الله، أحمد بن سعيد (٣)
جادة إحسان، ومادة بقاء لإنسان عرف الأدوية لطول ما ألفها، وركب مفرداتها
стр. 2977
وألفها، وجناها من رؤوس الشجر ومما يعرشون، ويبسطون من الأرض ويفرشون، إلى إتقان لقواعد الطب وأصوله، وعوائد المستطب في العام وفصوله، حتى أنه إليه المرجع وعليه الاعتماد في كل دواء ينجع.
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال (١): كان مقامه أولًا بالقدس ونواحيه، وله معرفة جيدة بالنبات وماهياته، وكان متميزًا في صناعة الطب، والاطلاع على دقائقها، وله خبرة بتركيب المعاجين والأدوية المفردة، واستقصى معرفة الدرياق الكبير الفاروق وتركيبه، وركب منها شيئًا كثيرًا على أتم ما يكون من حسن الصنعة، وانتقل إلى مصر وأقام بها حتى مات.
قال ابن القفطي (٢): إن التميمي هو الذي أكمل الدرياق الفاروق بما زاده فيه من المفردات، وكان خصيصًا بالحسن بن عبد الله بن طغج صاحب الرملة، وعمل له معاجين ولخالخ طبية، وأنواع دخن دافعة للوباء، وركب سفوف الرجفان الحادث عن المرة السوداء المحترقة، وكان يذكر أنه نقله عن راهب كان بالقدس فاضلًا في الحكمة والطب، أدرك الدولة العلوية بمصر، وصحب يعقوب بن كلس وزير المعز والعزيز، ولقي الأطباء بمصر وناظرهم.
وحكى عن أبيه أنه سكر مرة سكرًا مفرطًا غلب على عقله، فسقط في بعض الخانات من موضع عال إلى أسفل الخان، وهو لا يعقل، فحمله صاحب الخان وخدمه حتى أدخله الحجرة التي كان ساكنها، فلما أصبح قام وهو يجد وجعًا ووهنًا في مواضع من جسده، ولا يعرف لذلك سببًا فركب، وتصرف في بعض أموره إلى أن تعالى النهار ثم رجع فقال لصاحب الخان: إني وجدت في جسدي وجعًا وتوهنًا شديدًا لست أدري ما سببه، فقال صاحب الخان: ينبغي أن تحمد الله على سلامتك، قال من ماذا؟ قال: أوما علمت ما نالك البارحة؟ قال: لا، قال: فإنك سقطت من أعلى الخان إلى أسفل وأنت سكران، قال: ومن أي موضع؟ فأراه الموضع، فلما رآه حدث به للوقت من الوجع الضربان ما لم يجد معه سبيلًا إلى الصبر، وأقبل يصيح ويتأوه إلى أن جاءوه بطبيب ففصده وشد على مفاصله المتوهنة جبارًا، وأقام أيامًا كثيرة إلى أن برئ وذهب عنه الوجع.
أقول: ومما يناسب هذه الحكاية أن بعض الناس كان في بعض أسفاره في مفازة ومعه رفقة له، فنام في منزلة نزلها في الطريق ورفقته جلوس، فخرجت حية من بعض النواحي فصادفت رجلًا فنهشته فيها وذهبت، وانتبه مرعوبًا من الألم وبقي يمسك رجله ويتأوه منها، فقال له بعضهم: ما عليك مددت رجلك بسرعة، وقد صادفت رجلك
стр. 2978
شوكة في هذا الموضع الذي يوجعك، وأظهر له أنه أخرج الشوكة، وقال: ما بقي عليك بأس، وسكن عنه الألم بعد ذلك ورحلوا، فلما كان بعد عودهم بمدة وقد نزلوا في تلك المنزلة قال له صاحبه: أتدري ذلك الوجع الذي عرض لك في هذا الموضع من أي شيء كان؟ فقال: لا، فقال: إن حية ضربتك في رجلك، ورأيناها وما أعلمناك، فعرض له في الوقت ضربان قوي في رجله، وسرى في بدنه إلى أن قرب من قلبه، وعرض له غشي، ثم تزايد به إلى أن مات، وكان السبب في ذلك أن الأوهام والأحداث تؤثر في البدن تأثيرًا قويًا، فلما تحقق أن الآفة التي عرضت له كانت من نهشة الحية، تأثر [من] ذلك وسرى ما كان في ذلك الموضع من بقايا السم في بدنه، ولما وصل إلى قلبه أهلكه.
قلت: ومن نسبة ما حكى عن أبيه ما شاهدته بعيني سنة ست وسبعمائة وذلك: أنه كان عندنا صغير في سطح الدار يلعب وبيده تفاحة، فجعل يلقيها من يده، ثم يجري وراءها ويأخذها، وألقاها مرة فتدحرجت وجرى هو خلفها فوقعت من طاقة في السطح معدة لرمي الثلج ترمي إلى الطريق علوها عن الأرض يقارب عشرين ذراعًا، واستمر هو جاريًا خلفها ليأخذها فوقع من ذلك العلو إلى الأرض قائمًا على قدميه، واستمر جاريًا خلف التفاحة حتى أخذها، ولم يضره شيء البتة. وكان سداسي السن، وكنت قريبًا من سنه، وأنا أشاهده وأنا على باب الدار فسبحان الله اللطيف بخلقه.
ومنهم:
[١٢٤] ابن الهيثم، وهو أبو علي، محمد بن الحسن بن الهيثم البصري ثم المصري (١)
رجل أخذ الفرائد فنظمها والفوائد فأجلها قدرًا في الصدور وعظمها، بطرف طموح، وطرف تحت عقد بنانه جموح، فأثبت الغرر، وأنبت الدرر، وصاغ النجوم وأشباهها، وتبجس فحكى الغيوم وأمواهها، لفضائل حصلها من الصغر،
стр. 2979
وورد منها أصفى المناهل، ولم يعرف الصدر، فبقيت كتبه قدوة للمتأمل، وجلوة مثل الصباح المتهلل.
قال ابن أبي أصيبعة (١): أصله من البصرة، ثم انتقل إلى مصر، فأقام بها إلى آخر عمره، وكان فاضل النفس، قوي الذكاء، مفننًا في العلوم، وكان كثير التصنيف، ظاهر الزهد، ولخص كثيرًا من كتب أرسطو وجالينوس، وشرح العويص، وكان حسن الخط، جيد العربية.
حكى أنه كان قد وزر بالبصرة ونواحيها، فمنعته عن النظر، فآثر التجرد ليتوفر على العلم، فأظهر خبالًا في عقله، وتغيرًا في تصوره حتى تمكن من مراده، ثم أتى مصر وأقام بالجامع الأزهر، ثم كان يكتب إقليدس، والمجسطي، ويتقوت بالثمن.
стр. 2980
وقيل: إنه بلغ الحاكم أنه كان يقول: لو كنت بمصر، لعملت في النيل عملًا يحصل به النفع في كل حال من حالاته من زيادة ونقص، فاستدعاه ومشى عليه، فلم يجد أنه يتم له ما أراده، فعاد خجلًا، واعتذر إلى الحاكم بما قبل منه ظاهره، ثم إنه ولاه بعض الدواوين، فوليها رهبة لا رغبة، ثم تحقق غلطه إذ قيل لكثرة استحالة الحاكم، وإقدامه على سفك الدماء، فلم يجد طريقًا إلا معاودة الجنون، فاحتيط على موجوده، وقيد ووكل به من يخدمه ويقوم بمصالحه، فلما مات الحاكم أظهر العقل، وعاد إلى ما كان عليه، وأعيد عليه ماله، فاستوطن قبة على باب جامع الأزهر ملازمًا وظائف الاشتغال والإفادة والتصنيف حتى مات.
ومنهم:
[١٢٥] علي بن رضوان (١)
رجل كان جمال إيوان، وكمال ديوان، ورئيس قوم، ورأس ذكر باق إلى اليوم، طالما أخليت له المجالس، وخليت الصدور له ولمن يجالس، فطال في الدولة الفاطمية ذيلًا، ومال به الدهر ميلًا، وحصل من أولئك الكرام المرام، وبلغ لديهم غاية الاحترام، وفضائله تقول هل من مزيد، وتتدفق فوق بردى ويزيد، حتى أن أن يخلق رداء مفاخره، وينتهي كل شيء إلى آخره.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): مولده ومنشؤه بمصر، وبها تعلم الطب. وحكى أنه قال:
стр. 2981
أخذت في تعلم الطب، ولم يكن لي مال أنفق منه، فلذلك عرض لي في التعليم صعوبة ومشقة.
قال: إنه ولد بالجيزة، وكان أبوه فرانًا، ولم يزل ملازمًا للاشتغال والنظر في العلم إلى أن تميز، وصار له الذكر الحسن والسمعة العظيمة على سفهه وإزرائه بالعلماء، وخدم الحاكم وجعله رئيسًا على الأطباء، ثم أخذت يتيمة كان رباها مالًا جليلًا كان له نحو عشرين ألف درهم وهربت به فاختل عقله.
ومنهم:
[١٢٦] أفرايم الإسرائيلي (١)
طبيب صفت له المشارب، وصحت معه التجارب، واتصل بالدولة الفاطمية اتصال اليد بالعنان، وطال بها طول الرمح بالسنان، وكان منها مكان الشجاعة من الجنان، وقر لديها استقرار الخاتم في البنان، فأحرج البيوت بما خزن، وطاول الجبل أو وزن، ثم جاءته منيته، وقرعت بصفاء اللحود ثنيته.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): وهو من الأطباء المشهورين بديار مصر، وخدم الخلفاء الذين كان في زمانهم، وحصل من جهتهم من الأموال والنعم شيئًا كثيرًا وكان قد قرأ صناعة الطب على أبي الحسن علي بن رضوان وهو من أجل تلامذته، وكانت له همة عالية في تحصيل الكتب وفي استنساخها حتى كانت عنده خزائن كثيرة من الكتب الطبية وغيرها، وكانت أبدًا عنده النساخ يكتبون، ولهم ما يقوم بكفايتهم منه ومن جملتهم محمد بن سعيد بن هشام الحجري، وهو المعروف بابن ملياقة، ووجدت بخط هذا عدة كتب، وعليها خط افرايم.
وحدثني أبي أن رجلًا من العراق، وكان قد أتى إلى مصر ليشتري كتبًا ويتوجه بها وأنه اجتمع بإفرايم واتفق الحال فيما بينهما أنه باعه إفرايم من الكتب التي عنده عشرة آلاف مجلدة، وكان ذلك في أيام الأفضل ابن أمير الجيوش، فلما
стр. 2982
سمع بذلك أراد تلك الكتب تبقى بالديار المصرية، ولا تنتقل إلى موضع آخر، فبعث إلى إفرايم من حمل إليه الأموال التي كان الاتفاق من الثمن بين أفرايم والعراقي عليها، ونقلت الكتب إلى خزانة الأفضل، وكتبت عليها القابه، ثم خلف من الكتب ما يزيد على عشرين ألف أخرى، ومن الأموال والنعم شيئًا كثيرًا.
ومنهم:
[١٢٧] سلامة بن رحمون (١)، أبو الخير
قُرِنَ يَمُلُّ المصاع، ولا يكايل بالمُدِّ والصاع، فكان لو عوَّقه في طريقة جبل لاقتَلَعه، أو أشرقه بريقه أسد لا بتلعه، إلا كدية عرضت له فلم يستطع صعود ذروتها، ولا قدر على ارتقاء صفاها ولا مروتها، فباء بخجلته، وبقي تحت مذلة مضلته.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان يهوديًا له أعمال حسنة، واطلاع على كتب جالينوس، والبحث عن غوامضها، ولما وصل أبو الصلت إلى مصر اجتمع به وجرت بينهما مباحث ومشاغبات.
وقد ذكره أبو الصلت في رسالته المصرية قال: وأشبه ما رأيته منهم وأدخلته في عدد الأطباء رجل من اليهود يدعى أبا الخير سلامة بن رحمون، فإنه لقي أبا الوفاء المبشر بن فاتك، وأخذ عنه شيئًا من صناعة المنطق تخصص بها، وتميز على أضرابه، وأدرك أبا كثير بن الزمان تلميذ أبي الحسن ابن رضوان، فقرأ عليه بعض كتب جالينوس، ثم نصب نفسه لتدريس جميع المنطق، وجميع كتب الفلسفة الطبيعية والإلهية، وشرح بزعمه وفسر ولخص، ولم يكن هناك تلخيصه وتحقيقه واستقصاؤه عن لطيف العلم ودقيقه، بل كان يكثر كلامه فيضل، ويسرع جوابه فيزل. ولقد سألته أول لقائي به واجتماعي به عن مسائل استفتحت مباحثته بها مما يمكن أن يفهمها
стр. 2983
من لم يكن يمتد في العلم، باعه، ولم يكثر تبحره واتساعه، فأجاب عنها بما أبان عن تقصيره، ونطق بعجزه، وأعرب عن سوء تصوره وفهمه، وكان مثله في عظم دعاويه، وقصوره عن أيسر ما هو متعاطيه كقول الشاعر: [من المتقارب]
يشمِّرُ للُّجٌ عَنْ ساقه … ويغمره الموج في الساحل
أو كما قال الآخر: [من المتقارب]
تمنيتُمُ مائتي فارس … فَرَدَّكُم فارس واحد
قال أبو الصلت: وكان بمصر طبيب من أهل أنطاكية يسمى بجرجس ويلقب بالفيلسوف على ما قيل في الغراب: أبو البيضاء، وفي اللديغ: سليم، قد تفرغ بالتولع بابن رحمون والإزراء عليه، وكان يزور فصولًا طبية وفلسفية ويقررها في معارض ألفاظ القوم، وهي محال لا معنى لها، وفارغة لا فائدة منها، ثم إنه: ينفذها إلى من يسأله عن معانيها، ويستوضحه أغراضها، فيتكلم عليها ويشرحها بزعمه دون تيقظ ولا تحفظ باسترسال واستعجال وقلة اكتراث واهتبال فيوجد فيها عنه ما يضحك منه.
وأنشدت لجرجس هذا عنه وهو أحسن ما سمعته: [من السريع]
إنَّ أَبا الخير على جَهْلِهِ … يَخِفُ في كفته الفاضل
عليله المسكينُ مِنْ شُوْمِهِ … في بَحرِ هُلْكٍ ماله ساحل
ثلاثة تدخل في دفعة طلعته … والنعش والغاسل
ومنهم:
[١٢٨] بلمظفر ابن معرف، وهو أبو المظفر، نصر بن محمود بن المعرف (١)
عالم بأسرار الطبيعة، وعارف بأخبار الشريعة وفاضل كاد يحوز الفضل جميعه، وكان محبًا لكثرة الثراء، ومبللًا بثرى تربته الخضراء، لا يعدل شيء عنده نعمة الغنى، ولا يصرف إلى غيرها همة المنى، وعانى الصنعة، فلم يبتل له منها عود بماء، ولا حصل له صاد الصديق ولا كاف الكيمياء، مع ما أنفق من مال وأخفق من مال.
ذكره ابن أصيبعة، وأثنى على فضله، وقال (٢): كان مغرمًا بصناعة الكيمياء
стр. 2984
والاجتماع بأهلها، وكتب بخطه كثيرًا من الكتب التي صنفت فيها وفي الطب والحكمة.
وكانت له همة عالية في تحصيل الكتب وقراءتها.
قال: ومن أعجب شيء منه أن كان قد ملك ألوفًا كثيرة من الكتب في كل فن، ولا يوجد شيء منها إلا وقد كتب على ظهره مُلحًا ونوادر ما يتعلق بالعلم الذي صنف ذلك الكتاب فيه، وقد رأيت كتبًا كثيرة من كتب الطب وغيرها كانت له وعليها اسمه، وما منها شيء إلا وعليه تعاليق حسنه، وفوائد متفرقة.
وأنشد من شعره قوله: [من المتقارب]
وقالوا الطبيعة مبدا الكيانِ … فَيا ليتَ شِعْرِي ماذا الطَّبيعة
أقادرةٌ طَبَعَتْ نفسها … على ذاك أم ليس بالمستطيعة
وقوله: [من المتقارب]
وقالوا الطبيعةُ مَعْلُومُنا … ونحنُ نَبَيِّنُ ما حَدُّها
ولم يَعرفُوا الآنَ ما قَبْلَها … فكيفَ يَرومُونَ ما بعدها
ومنهم: أولاد أبي الحوافر:
وكلهم أفاضل أطباء، وأماثل ألباء، خدموا الملوك، وأحسنوا السلوك، ولاطفوا الأمزجة، وشارفوا في العلم أعلى درجة، لو استسقي بهم الحظ العليل لبرئ، أو سُكِّنَ بهم عاصف الريح العقيم لما ذَرَا.
منهم:
[١٢٩] أبو عمرو، عثمان بن هبة الله بن أحمد بن عقيل القيسي، جمال الدين (١)
[هو الذي شيّد بناء البيت، ومهد لمشاهيره الحي منهم والميت] (٢).
стр. 2985
قال ابن أبي أصيبعة فيه (١): أفضل الأطباء، وسيد العلماء وله اشتغال بالأدب، وشعره صحيح المباني، بديع المعاني، خدم العزيز بن صلاح الدين، ودام حتى خدم الكامل.
ومنهم:
[١٣٠] ابنه الفتح (٢)
وكان مثل أبيه، وإن لم يكن مثله فيدانيه.
وقال ابن أبي أصيبعة فيه (٣): كان نزهة النفس، صائب الحدس، حسن المداواة، لطيف المداراة، فصيح اللسان، كثير الإحسان، خدم الكامل والصالح وفي أيامه توفي بالقاهرة.
ومنهم:
[١٣١] ابنه المهذب (٤)
زاد على أبيه فضله، وزان عُلا سلفه نبله.
وقال ابن أبي أصيبعة فيه (٥): جمع بين الفضائل وتميز على الأواخر والأوائل، علامة وقته في حفظ الصحة ومراعاتها، وإزالة الأمراض وعلاجاتها، اقتفى سيرة آبائه، وفاق نظراءه في همته وإبائه: [من الطويل]
ورث المكارمَ مِنْ أبِيهِ وجَدِّهِ … كَالرُّمْحِ أُنبوبًا على أنبوب
فأما من سواهم.
стр. 2986
فمنهم:
[١٣٢] الخُونَجِي، محمد بن نامَاوَز (١)، أفضل الدين، أبو عبد الله، قاضي القضاة
تمام الأفاضل، وإمام كل فاضل، ولهذا لقب بأفعل التفضيل، ولقي الود من كل فضيل. إلى علوم شرعية، وعُلو قدر لرتبة مرعية هذا إلى وفور إحسان، وظهور إياد حسان مع سلامة صدر، وسذاجة مفرطة بلا قدر فلم يكن مثل بزه الرفيع الساذج، ومَهزَّهُ الرطب عند قضاء الحوائج.
قال ابن أبي أصيبعة فيه (٢): اجتمعت به ووجدته الغاية القصوى في سائر العلوم، وكان يعرف له انشداد خاطر لكثرة انصباب ذهنه إلى العلم، وتوفر فكره عليه وولي
стр. 2987
قضاء القضاة بمصر وأعمالها.
ومنهم بنو فاته:
أهل بيت تناسقوا في الفضائل، وتناسبوا في كرم الشمائل، وتناسلوا لا تكذب فيهم المخايل كأنما توالدوا من ظهر اقلنينوس، أو تعاقدوا على حل مشكلات جالينوس. لو جلسوا في رواق أرسطو لسطا بهم في النظر، وسما بهم إلا أنه يرضى حيث القمر.
وأولهم:
[١٣٣] أبو سليمان، داود بن أبي المنى بن فاته (١)
وكان في أهل ملته يأوي إلى جناب منيع، ويهمى بسحاب لا يجحد له حسن الصنيع، وهذا إلى فهم ثاقب، وعزم لا يوني في طلب المناقب.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان طبيبًا نصرانيًا من أهل القدس حظيًا عند الخلفاء، فاضلًا من فضلاء الأطباء، وأخذه الملك ماري من مصر إلى القدس ليقيم عنده به، ولما وقع الفقيه عيسى عنده في الأسر مرض مرضًا أشفى منه، فأمر ماري ابن فاته بمعالجته فلما رآه مثقلًا بالحديد في قعر الجب، قال لماري: هذا رجل ذو نعمة ولو سقيته ماء الحياة على مثل هذه الحالة لم ينتفع به، فأطلقه من الحديد والجب، وأكرمه فإن ذلك كاف في علاجه، فقال له: هذا عليه قطيعة كثيرة وأخاف أن يهرب، فقال ابن فاته: أيها الملك سلمه إلي وضمانه علي، فقال له: تسلمه، فإذا جاءت قطيعته لك فيها ألف دينار، ثم أخذه إليه وفك حديده، وأخلى له موضعًا من داره وبالغ في إكرامه، فلما مضت ستة أشهر أمره ماري بإحضاره فأحضره، فوجد قطيعته قد جاءت في أكياس فأعطي ابن فاته منها كيسًا فيها ألف دينار كما وعده وأطلق سراح الفقيه عيسى، فقال ابن فاته: أيها الملك هذه الألف دينار قد صارت لي، وأتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم؟ قال له: نعم، فأعطاها للفقيه لوقته، وقال له: أنا أعرف أن هذه القطيعة ما جاءت وقد تركت خلفك شيئًا، وربما استدانوا لك فيها، فاقبل مني هذه في نفقة الطريق فقبلها منه.
وكان ابن فاته عارفًا بالنجامة ورأى أن صلاح الدين سيدخل القدس من باب الرحمة فبعث ولده أبا الخير إليه مبشرًا بذلك، فأجازه جائزة سنية، وأعطاه علمًا أصفر ونشابة لأمانة، فلما دخل صلاح الدين إلى القدس دخل الفقيه عيسى داره، وحماها أن تنال بسوء هي وجميع ما جاورها.
стр. 2988
ومنهم ابنه:
[١٣٤] الموفق، أبو شاكر، موفق الدين (١)
لم يقف عند غاية أبيه وهي نابية، ولم يقف آثاره والسحب وراءها غير متوانية.
تشرف بالإسلام، وتعرف بالهدى وعداه الملام، وحظي ممن خدمهم من الملوك بما لم يحظ به من مخدوم وغلام، وقف له مثل العادة في بهجه، وأمطاه من مراكيبه ما ركب منه في غير سرجه.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): قرأ على أخيه أبي سعيد، ثم تميز واشتهر وحظي عند الكامل، وأقطعه ضياعًا وغيرها، وكان يتفقده بالهبات الوافرة والصلات المتواترة، وكان يدخل في جميع قلاعه راكبًا لا ينزل، ثم أسكنه عنده بقلعة الجبل، وركبه العادل مرة ببغلته التي كانت قد شدت في النوبة له، وركب ووقف بين القصرين ينتظره حتى جاء، ثم أخذ بيده، وجعل يتحدث معه إلى أن أتيا دار الوزارة، وكان العادل يسكنها وهو معه راكب، والأمراء ومن سواهم مشاة في الخدمة.
وفيه يقول ابن منقذ: [من المتقارب]
رأيتُ الحَكِيمَ أبا شَاكِرٍ … كَثِيرَ المُحِبِّ مَعَ الشاكِرِ
خليفَةَ بُقْراطٍ في عَصْرِنا … وَثَانِيهِ فِي عِلْمِهِ البَاهِرِ
ومنهم:
[١٣٥] الرشيد أبو حُلَيْقَة، وهو أبو الوحش بن الفارس بن أبي الخير بن أبي سليمان داود بن أبي المنى بن فاته (٣)
وسبب تسميته بأبي حليقة؛ لأن أباه كان لا يعيش له ولد فقيل لأمه: لو عملت
стр. 2989
في أذنه حلقةً لعاش فعملتها. والملك الكامل هو الذي سماه بهذا الاسم؛ لأنه طلبه مع غلام، فقال له: من هو من الأطباء؟ فقال: هو أبو حليقة، فعرف بذلك الاسم. وكان مذ كان منقطع القرين، مهيبًا لا يقتحم له عرين، معظمًا في النفوس، متممًا لمحاسن أهله الشموس، تجله الملوك، وتحله حيث لا يصل إليه سلوك.
قال ابن أبي أصيبعة: بعد الثناء الجميل عليه بالعلم والدين والمروءة (١): إنه ربي بجعبر وكان أبوه يلبسه زي الجند، فدخل الملك الكامل مرة الحمام قريبًا من داره، فبعث إليه أبوه معه ماء ورد وأطباق فاكهة فقبلها وملأ أطباقه تفاضيل سنية، ثم دخل به على أبيه الملك العادل، فلما رآه قال: هذا ابن الفارس؛ لأنه عرفه بالشبه، فقال له: نعم، فالتفت إلى أبيه وكان قائمًا في الخدمة، قال له: ولدك هذا ولد ذكي لا تعلمه الخدمة فالجند عندنا كثير، وأنتم أهل بيت تبركنا بطبكم، فسيره إلى عمه أبي سعيد إلى دمشق؛ ليقرئه الطب ففعل فمهر، ثم رحل إلى القاهرة وخدم الكامل وحظي لديه وأقطعه، ثم خدم من بعده إلى الملك الظاهر بيبرس على أجمل العوائد.
قال: وكانت له نوادر في العلاج منها أنه كان يعالج حظية الكامل. كانت معه بالعباسة، ثم عرض للرشيد شغل دخل لأجله إلى القاهرة، وأقام بها ثمانية عشر يومًا، ثم عاد فوجد الأطباء قد ترددوا إليها، فلما حضر باشر معهم فقالوا له: إن هذه على موت والمصلحة أن نعلم السلطان بهذا قبل أن يفجأه أمرها بغتة، فقال لهم: الذي عندي أن هذه ما هي في مرض الموت، فقال له شيخ منهم: أنا باشرت المرضى أكثر منك، فطالع السلطان فلم يوافقه، فأجمع الأطباء على المطالعة بهذا إلا هو، فكتبوا إلى السلطان بموتها، فأرسل إليهم رسولًا ومعه نجار ليعمل لها تابوتًا تحمل فيه فأتيا والأطباء جلوس، فقال له الرشيد: ما هذا، فأخبره بما أتيا له فقال للرسول: أتضعها في التابوت وهي في الحياة، فقال: لا ولكن بعد موتها، فقال له: ارجع بهذا التابوت، وقل للسلطان عني خاصة إنها لا تموت في هذه المرضة، فرجع وأخبره بذلك فلما كان الليل استدعاه وقال له: أنت منعت عمل التابوت، قال له: نعم، قال له: بم عرفت ذلك دون الأطباء؟ قال: بمعرفتي بمزاجها دونهم، فقال له: امض فطيبها، فطبها فعوفيت.
стр. 2990
ومنها: أن الكامل لف مرّة يده وأخرجها مع أيدي الحرم وهو يحس الأيدي فلما انتهى إلى نبض الكامل، قال: هذا نبض مولانا السلطان، وهو صحيح بحمد الله.
ومنها: أنه جاءته امرأة من الريف ومعها ولدها شاب عليه النحول، لتريه إياه واتفق أن جاءت به إليه بالغداة والوقت بارد، فجس نبضه، وبينما هو يجس نبضه إذ قال لغلامه: ادخل وناولني الفرجية لألبسها فتغير نبض الشاب عند قوله تغيرًا كثيرًا، فحدس أن يكون عاشقًا، ثم جس نبضه بعد ذلك فتساكن وعندما خرج الغلام إليه، قال له: هذه الفرجية جس نبضه أيضًا، فوجده قد تغير فقال لوالدته: إن ابنك هذا عاشق والذي يهواها اسمها فرجية فقالت: أي والله يا مولاي هو يحب واحدة اسمها فرجية، وقد عجزت مما أعذله فيها، وقد تعجبت من قوله لها غاية العجب، ومن اطلاعه على اسم المرأة من غير معرفة متقدمة بذلك.
أقول: ومثل هذه الحكاية كانت عرضت لجالينوس لما عرف المرأة العاشقة، وذلك أنه كان استدعي إلى امرأة جليلة القدر. وكان المرض قد طال بها وحدس أنها عاشقة فتردد إليها ولما كان عندها وهو يجس نبضها وكانت الأجناد قد ركبوا في الميدان وهم يلعبون، فحكى بعض الحاضرين ما كانوا فيه، وأن فلانًا تبينت له فروسية ولعب جيد، فعند ذلك لما سمعت باسم ذلك الرجل تغير نبضها، واختلفت، ثم جسها بعد ذلك، فوجده قد تساكن إلى أن عاد إلى حاله، ثم إن جالينوس أشار إلى الحاكي سرًا أن يعيد قوله فلما أعاده، وجس نبضها وجده قد تغير، فتحقق من حالها أنها تعشق ذلك الرجل. وهذا مما يدل على وفور العلم وحسن النظر في تقدمة المعرفة (١).
ومنهم ابنه:
[١٣٦] المهذب، أبو سعيد، محمد بن أبي حُليقة (٢)
وأي الرجال المهذب، وأي الآصال عصره المذهب، وكان له أي مجلس مغشي، وأنس أضوأ من مصابيح العشى يغشى إلى ضوء ناره، ويعزى الفضل إلى ساكن داره، ويوصف بخلائق تتكفل بري الظمأ، وتلذ لذة العسل بالماء، ولم يزل فجره يتزيد
стр. 2991
في إنارته، وبدره لا يخرج من دارته حتى طما على روضته سيل المنون، وطحنه تحت ضرسه المنجنون.
قال ابن أبي أصيبعة فيه (١): أوحد العلماء، وأكمل الحكماء ولد بالقاهرة وسمي محمدًا لما أسلم أيام الظاهر، منحه الله من العقل أكمله، ومن الأدب أفضله، ومن الذكاء أغزره، ومن العلم أكثره، أتقن الطب وعرف الحكمة، ولا أحد يدانيه فيما يعانيه، ولا يصل إلى الخلائق الجميلة التي أجمعت عليه. انتهى ذكرهم.
فأما من سواهم.
فمنهم:
[١٣٧] الرشيد، أبو سعيد واسمه يعقوب، ويلقب بالموفق (٢)
وكان في فضله موفقًا، وفي نقله موثقًا، يصيب شاكلة الرمي، ويتلقى عدو المرض تلقي الكمى، وله علاج يقوم بالأبدان، ويدوم تهاديه في البلدان، وينقل من خبره ما يكون أرجًا للمجالس وحرجًا للمنافس، وطالما طال أمثاله في البيع، وكانوا له كالتبع، ثم خدم السطان، فتم ممتد الأشطان حتى شجب بعلته، وأشجى بالبكاء عليه أهل ملته.
قال ابن أبي أصيبعة (٣): هو من نصارى القدس، كان خبيرًا في الطب علمًا وعملًا، حاد الذهن، وخدم الكامل ثم ابنه الصالح، وعالجه وهو بدمشق من أكلة كانت في فخذه، وكانت بينه وبين الرشيد أبي حليقة منافسة، فقال أبو سعيد إن معالجة أبي حليقة على غير الصواب، فنظر الصالح إلى أبي حليقة نظرة غضب فقام من بين يديه، وقعد بباب الدار، ثم عرض أبو سعيد إليه مرة أخرى في مجلس السلطان، فعرض له فالج فوقع لقى لديه، فحمل إلى داره فمات بها بعد أربعة أيام، ثم عاد الصالح إلى مصر بعلته وبها مات.
ومنهم:
[١٣٨] ابن البيطار، عبد الله بن أحمد المالقي، النباتي، ضياء الدين، أبو محمد (٤)
سحاب أتى سيله، فطم على القرى، وسحب ذيله فتم نشج العبقري، وكأنما كان
стр. 2992
بأسرار الأدوية مناجى، أو أوتي أجزل من ابن جزلة منهاجا، لعلم بالعقاقير وأشخاصها وعموم منافعها واختصاصها مع حسن جمع، وإتقان ما يلج في سمع. وعرف فيها مقالات الحكماء وحررها، وألف فيها المطولات وحبرها وكان نسيج وحده، ووشيج جفان بأسده. تقلب في البلاد، وجلب ما يبقى على الآباد، ثم مات ولله في خلقه أمر، وجناها على نفسه وقال: بيدي لا بيد عمرو.
قال ابن أبي أصيبعة فيه (١): أوحد زمانه، وعلامة أوانه في معرفة النبات وتحقيقه واختباره، ومواضع نباته، ونعت أسمائه على اختلافها وتنوعها، سافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم، ووجد جماعة ممن يعاني هذا الفن، وأخذ عنهم معرفة نبات كثير، وعاينه في مواضعه، واجتمع أيضًا في المغرب وغيره بكثير من الفضلاء في علم النبات، وعاين نباته، وتحقق ماهيته وأتقن دراية كتاب ديسقوريدس اتقانًا بلغ فيه إلى أن لا يكاد يوجد من يجاريه فيما هو فيه، وذلك أنني وجدت عنده من الذكاء والفطنة والدراية في النبات، وفي نقل ما ذكره ديسقوريدس وجالينوس فيه ما يتعجب منه.
أول اجتماعي به كان بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ورأيت أيضًا من حسن عشرته وكمال مروءته وطيب أعراقه وجودة أخلاقه وكرم نفسه ما يفوق الوصف ويتعجب منه ولقد شاهدت معه في ظاهر دمشق كثيرًا من النبات في مواضعه، وقرأت عليه أيضًا تفسيره لأسماء الأدوية [في] كتاب ديسقوريدس، فكنت أجد من غزارة علمه ودرايته وفهمه شيئًا كثيرًا، وكنت أحضر لدينا عدة من الكتب المؤلفة في الأدوية المفردة مثل كتاب ديسقوريدس وجالينوس والغافقي وأمثالها من الكتب الجليلة في هذا الفن، فكان يذكر أولًا ما قاله ديسقوريدس من نعته وصفته وأفعاله ويذكر أيضًا ما قاله جالينوس فيه من نعته وأفعاله ومزاجه، وما يتعلق بذلك، ويذكر أيضًا ما قاله المتأخرون
стр. 2993
وما اختلفوا ومواضع الغلط والاشتباه الذي وقع لبعضهم في نعته، فكنت أراجع تلك الكتب معه، ولا يغادر شيئًا بما فيها، وأعجب من ذلك أيضًا أنه كان ما يذكر دواء إلا ويعين في أي مقالة هو من كتاب ديسقوريدس وجالينوس، وفي أي عدد هو من جملة الأدوية المذكورة وفي تلك المقالة.
وكان في خدمة الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب، وكان يعتمد عليه في الأدوية المفردة، والحشائش، وجعله في الديار المصرية رئيسًا على سائر العشابين وأصحاب البسطات، ولم يزل في خدمته إلى أن توفي الملك الكامل ﵀ بدمشق، وبعد ذلك توجه إلى القاهرة، ثم خدم الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، وكان حظيًا عنده مقدمًا في أيامه وكانت وفاة ضياء الدين العشاب ﵀ بدمشق في شهر شعبان سنة ست وأربعين وستمائة، وكتابه الجامع في الأدوية المفردة لا يوجد كتاب في الأدوية أجل ولا أجود منه، وصنفه للملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل.
قلت: ويحكى أنه سم نفسه فمات، حدثني الحكيم أمين الدولة سليمان بن داود المتطبب، قال: كان الملك الصالح قد أعطى ابن البيطار ألف دينار لينفقها على أثمان أدوية دعت إليها حاجته، واجتناء حشائش شامية ورومية، فلما أتى بيت المقدس رأى امرأة نصرانية اسمها مريم، فأحبها وأنفق عليها ذلك المال حتى أنفده وأهمل حاجة الملك الصالح، فلما قدم الملك الصالح - إما قال القدس أو قال دمشق - لم يكن لابن البيطار دأب ليلة أراد الصالح يدخل البلد في صباحها إلا أنه أحضر النصرانية، وبات معها في أكل وشرب واستمتاع حتى كان الثلث الآخر، فأخرج حشيشة معه فسحقها في هون، ثم استفها ونام، وقال غطوني ثم إذا أصبحتم لا تسحقوا شيئًا في الهون حتى تجيدوا غسله؛ فإنه قد صار مسمومًا. فلم يفهموا مقاله إلى أن أصبحوا فرأوه ميتًا، ففهموا ما كان قاله وغسلوا الهون، فلما دخل السلطان سأل عنه فحكيت إليه القصة، فقال: لقد أساء بنا الظن، وأين مثله لأشتريه بشطر ملكي؟! والله لو علمت لأعطيته عشرة آلاف دينار يصرفها في لذته وكان أمتعنا بنفسه.
قلت: ويحكى أنه ترك عقاقير كثيرة ومفردات عدة لم يذكرها في كتابه الجامع ضنًا بها وبخلًا على غيره بمعرفتها. قال لي الحكيم صلاح الدين بن البرهان: كان ابن البيطار يعرف مما يدخل في علم الكيمياء مصدقًا بعلمها وإن كان لا يعملها بيده ولهذا أظنه قال ما قال: [من الوافر]
فكُلُّ يَدَّعُونَ وصال ليلى … وليلى لا تَقَرُّ لهم بذاكا
ومنهم:
стр. 2994
[١٣٩] علي بن أبي الحرم، هو الإمام الفاضل، الحكيم العلامة، علاء الدين بن النفيس القرشي الدمشقي (١)
فرد الدهر وواحده، وأخو كل علم ووالده، إمام الفضائل، وتمام الأوائل، والجبل الذي لا يرقى علاه بالسلالم، والحبل الذي لا يعلق به إلا الغريق السالم، لم يبق إلا من اغترف منه غرفة بيده، وأخذ منه حلية لمقلده، حل مصر في محل ملكها، ونسخت لياليها بإشراقه صبغة حلكها، وقرأ عليه بها الأعيان، وكلأ فضله وأعان، ولم يكن في علم واحد بمقتصر، ولا شبهه بالبحر إلا مختصر هذا إلى حسب غير مرؤوس، وحسب مثل جناح الطاووس، وشرف قرشي لا يحل معه في بطحائه، ولا يحث في البيد قلاص بطائه، زكا محتدا، وزها بيتا لم يضرب غير متوسط السماء وتدا، وكمل ذاته بكرم وخير، ومجد في أول وأخير، ومزايا استحقاق، وسجايا كحواشي النسيم الرقاق، ومحاسن كطوالع النجوم ما فيها شقاق.
قال ابن أبي أصيبعة: نشأ بدمشق، واشتغل بها في الطب على المهذب الدخوار، وكان الدخوار منجبا تخرج عليه جماعة منهم الرضي، وابن قاضي بعلبك، والشمس الكلي، وكان علاء الدين إماما في علم الطب لا يضاهى في ذلك، ولا يداني استحضارا واستنباطا، واشتغل على كبر، وله فيه التصانيف الفائقة والتواليف الرائقة، صنف كتاب «الشامل» في الطب تدل فهرسته على أنه يكون في ثلاثمائة سفر، هكذا ذكر بعض أصحابه، وبيض منها ثمانين سفرا، وهي الآن وقف البيمارستان المنصوري بالقاهرة، وكتاب «المهذب في الكحل»، وشرح «القانون» لابن سيناء في عدة أسفار وغير ذلك في الطب، وهو كان الغالب عليه.
وأخبرني شيخنا أبو الثناء محمود أنه كان يكتب إذا صنف من صدره من غير مراجعة حال التصنيف وله معرفة بالمنطق وصنف فيه مختصرا، وشرح «الهداية» لابن سيناء في المنطق، وكان لا يميل في هذا الفن إلا إلى طريقة المتقدمين كأبي نصر وابن سيناء ويكره طريقة الأفضل الخونجي والأثير الأبهري، وصنف في أصول الفقه والفقه والعربية والحديث وعلم البيان وغير ذلك، ولم يكن في هذه العلوم بالمتقدم إنما كان له
стр. 2995
فيها مشاركة ما، وقد أحضر من تصنيفه في العربية كتابًا في سفرين أبدى فيه عللًا تخالف كلام أهل الفن ولم يكن قرأ في هذا الفن سوى «الأنموذج» للزمخشري قرأه على ابن النحاس، وتجاسر به على أن صنف في هذا العلم. وعليه وعلى العماد النابلسي تخرج الأطباء بمصر والقاهرة. وكان شيخًا طوالًا، أسيل الخدين، نحيفًا، ذا مروءة.
وحكي أنه في علته التي توفي فيها أشار إليه بعض أصحابه الأطباء بتناول شيء من الخمر إذ كان صالحًا لعلته على ما زعموا، فأبى أن يتناول شيئًا منه، وقال لا ألقى الله تعالى وفي باطني شيء من الخمر.
وكان قد ابتنى دارًا بالقاهرة وفرشها بالرخام حتى إيوانها. وما رأيت إيوانًا مرخمًا في غير هذه الدار. ولم يكن مزوجًا ووقف داره وكتبه على البيمارستان المنصوري.
وكان يغض من كلام جالينوس ويصفه بالعيّ والإسهاب الذي ليس تحته بطائل. وهذا بخلاف النابلسي، فإنه كان يعظمه، ويحث على قراءة كلام جالينوس.
وكان علاء الدين قد نزل يدرس بالمسرورية بالقاهرة في الفقه، وذكروا أنه شرح في أول «التنبيه» إلى باب السهو شرحًا حسنًا.
ومرض رحمه الله تعالى ستة أيام أولها يوم الأحد وتوفي سحر يوم الجمعة الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وستمائة بالقاهرة.
قال أبو الصفاء (١): أخبرني الإمام العلامة الشيخ برهان الدين الرشيدي خطيب جامع أمير حسين بالقاهرة قال: كان العلاء ابن النفيس إذا أراد التصنيف، توضع له الأقلام مبرية، ويدير وجهه إلى الحائط ويأخذ في التصنيف إملاء من خاطره، ويكتب مثل السيل إذا تحدر، فإذا كلَّ القلم، وحفي رمى به وتناول غيره لئلا يضيع عليه الزمان في بري القلم.
قلت: وبهذا حدثني شيخنا أبو الثناء محمود.
قال أبو الصفاء (٢): وأخبرني شيخنا نجم الدين الصفدي: أن ابن النحاس كان يقول: لا أرضى بكلام أحد في القاهرة في النحو غير كلام ابن النفيس، أو كما قال. وقد رأيت له كتابًا صغيرًا عارض به رسالة حي بن يقظان لابن سينا، ووسمه بكتاب فاضل بن ناطق، وانتصر لمذهب أهل الإسلام وآرائهم في النبوات والشرائع والبعث
стр. 2996
الجسماني وخراب العالم، ولعمري لقد أبدع فيها، ودلّ ذلك على قدرته وصحة ذهنه، وتمكنه من العلوم العقلية.
وأخبرني السديد الدمياطي الحكيم بالقاهرة، وكان من تلاميذه، قال: اجتمع ليلة هو وابن واصل وأنا نائم عندهما، فلما فرغا من صلاة العشاء الآخرة، شرعا في البحث، وانتقلا من علم إلى علم. والشيخ علاء الدين كل ذلك يبحث برياضة ولا انزعاج، وأما القاضي علاء الدين، فإنه ينزعج ويعلو صوته، وتحمر عيناه، وتنتفخ عروق رقبته، ولم يزالا كذلك إلى أن أسفر الصبح، فلما انفصل الحال، قال القاضي جمال الدين: يا شيخ علاء الدين أما نحن، فعندنا مسائل ونكت وقواعد، وأما أنت فعندك خزائن علوم.
وقال أبو الصفاء (١): قال السديد أيضًا: قلت له: يا سيدي لو شرحت «الشفاء» لابن سيناء كان خيرًا من شرح «القانون» الضرورة الناس إلى ذلك، فقال: «الشفاء» عليَّ فيه مواضع تريد أيتها؟ قلت: يريد أنه ما فهم تلك المواضع؛ لأن عبارة الرئيس في الشفاء غلقة.
قال: وأخبرني آخر قال: دخل الشيخ علاء الدين مرةً إلى الحمام التي في باب الزهومة، فلما كان في بعض تغسيله خرج إلى مسلخ الحمام، واستدعى بدواة وقلم وورق، وأخذ في تصنيف مقالة في النبض إلى أن أنهاها، ثم عاد ودخل الحمام وكمل تغسيله.
وقيل: إنه قال: لو لم أعلم أن تصانيفي تبقى بعيد عشرة آلاف سنة ما وضعتها.
والعهدة في ذلك على من نقله عنه.
وعلى الجملة كان إمامًا عظيمًا وكبيرًا من الأفاضل جسيمًا، وكان يقال هو ابن سيناء الثاني.
قال: ونقلت من ترجمته في مكان لا أعرف من هو الذي وضعه، قال: شرح «القانون في عشرين مجلدًا شرحًا حلَّ فيه المواضع الحكمية، ورتب فيه القياسات المنطقية، وبيَّن فيه الإشكالات الطبية، ولم يسبق إلى هذا الشرح؛ لأن قصارى من شرحه أن يقتصر على الكليات إلى نبض الحبالي، ولا يجرى فيه ذكر الطب إلا نادرًا، وشرح كتب بقراط كلها. ولأكثرها شرحان مطول ومختصر، وشرح الإشارات» وكان.
стр. 2997
يحفظ «كليات القانون»، ويعظم كلام بقراط، ولا يشير على مشتغل بغير «القانون»، وهو الذي جسَّر الناس على هذا الكتاب، وكان لا يحجب نفسه عن الإفادة ليلًا ولا نهارًا، وكان يحضر مجلسه في داره جماعة من الأمراء، والمهذب بن أبي خليفة رئيس الأطباء، وشرف الدين بن صغير، وأكابر الأطباء، ويجلس الناس في طبقاتهم. ومن تلاميذه الأعيان البدر حسن الرئيس، وأمين الدولة ابن القف، والسديد الدمياطي، وأبو الفرج الإسكندري، وأبو الفرج بن صغير.
وحدثني عنه غير واحد منهم شيخنا أبو الفتح اليعمري قال: كان ابن النفيس على وفور علمه بالطب وإتقانه لفروعه وأصوله، قليل البصر بالعلاج، فإذا وصف لا يخرج بأحد عن مألوفه، ولا يصف دواء ما أمكنه أن يصف غذاء، ولا مركبًا ما أمكنه الاستغناء بمفرد، وكان ربما وصف القمحية لمن شكا القرحة، والتطماج لمن شكا هواء، والخروب والقضامة لمن شكا إسهالًا. ومن هذا ومثله، ولكل بما يلائم مآكله ويشاكلها حتى قال له العطار الشرابي الذي كان يجلس عنده: إذا أردت أنك تصف مثل هذه الوصفات، أقعد على دكان اللحام، وأما إذا قعدت عندي فلا تصف إلا السكر والشراب والأدوية.
وحكى لي شيخنا أبو الثناء الحلبي الكاتب، قال: شكوت إلى ابن النفيس عقالًا في يدي، فقال لي: وأنا والله بي عقال، فقلت له: فبأي شيء أداويه، فقال لي: والله ما أعرف بأي شيء أداويه. ثم لم يزدني على هذا.
ومنهم:
[١٤٠] أحمد المغربي، شهاب الدين، والد الرئيس جمال الدين إبراهيم بن المغربي (١)
رئيس الأطباء بمصر والشام، وإليه انتهت الحشمة والاحتشام، كوكب الفضائل الطالع نيرًا، والمشرق قمرًا منورًا، أخذ من كل العلوم الحكمية بنصيب موفر الأجزاء، موفر الجناب يعزى إليه بالإعزاء. قدم مصر واستوطنها، وقطع بفضله من قطنها، وكان فريدًا في أنواع العلم إلا أنه عرف بالطب أكثر من بقية ما عرف به من المعارف، وحصل من التالد والطارف.
стр. 2998
وخدم السلطان وتقدّم الرّهط، وتفرّد في جماعة الأطباء وأقرأ العلم وأفاد وباشر المرضى وأحسن العلاج وعدّل منحرف كلّ مزاج، وكان وافر الحظّ من السلطان والأمراء والوزراء وسائر الكبراء، وكان بصيرًا بالنّجامة، متقدّمًا في علمها، وكان يتكلّم فيها مع السلطان وأرباب الدولة وحصل النّعم الجمّة والأموال الجزيلة، وخدم بنوه السلطان وتقدّموا في الخدم، وصحب ابنه جمال الدين السلطان حين همّ بالحجّ أيام سلطنته الثانية، فلمّا أقام بالكرك، أقام معه وترك أسبابه وراءه بمصر منقطعة، فرعى له السلطان حقّ انقطاعه، وزاد في قدر إقطاعه وولّاه الرّئاسة حتّى تجاوز قدر الرّؤساء، وقرّبه حتّى كان من أخصّاء الجلساء. وكان لا يزال يفاوضه في كلّ حديث، ويطلعه على أكثر الأمور، ورفع إليه يومًا الصّلاح بن البرهان قصّة يسأل فيها الإعفاء من وظيفته في الطبّ بالخدمة، وكنت سفيره فيها، فقال لي السلطان: هذا الصّلاح أفضل من إبراهيم يعني ابن المغربي، وما يطلب ترك الخدمة إلا لأجله؛ لكونه مقدّمًا عندنا عليه، فقل: له نحن نعرف فضيلتك، وكبر قدرك، وأنّك أفضل من ابراهيم وأكبر، ولكن ابراهيم له علينا حقّ خدمة من وقت كنّا في الكرك، وهو صاحبنا، وهو طبيب عندنا. فبلغته الرّسالة بنصّها، فسكت على مضض.
قلت: هذا قول السلطان، وأمّا الرّئيس جمال الدين إبراهيم، فإنّه من أعيان الأطباء، وأهل الفضل والتّقدّم في العلم والعمل في الطبّ وصناعته، والاجتهاد دائمًا في توفير بضاعته، ولهذا اكتفيت عن إفراده بترجمة.
ومنهم:
[١٤١] السّديد الدّمياطي اليهودي، ويعرف بابن كوجك (١)
وبنو كوجك وبنو صغير أهل بيت واحد، وهم من يهود بلاد العجم، وكلّهم كانوا لا يعرفون إلا ببني كوجك. وكوجك باللغة العربيّة: صغير فلمّا قدموا مصر عرب فريق منهم اسم جدّهم المنسوبين إليه، وبقي فريق على اسمه الأعجمي.
وكان السديد شديد المقال مديد المجال، جالينوس زمانه في الطبّ الذي لم يبلغ، والعلم الذي لم يدرك، قرأ على ابن النّفيس والنّابلسي، وعلى ابن
стр. 2999
النفيس أكثر، ومن مدده استكثر، أتقن الحكمة والطب وأخذ من كل فن بطرف، وأذعن كل فاضل له واعترف، وكان يحفظ غالب ديوان أبي الطيب المتنبي بل كله، وينشد منه، ويستشهد به في موضعه إذا تكلم، وخدم السلطان، وتقرر لديه فضله، واستقرر في كل خاطر أنه لا نظير له في الدهر، وتنافست الأمراء وأكابر الدولة في معالجته. وكانت الأطباء إذا اختلفت في حدس مرض أو وصف دواء، عادوا إلى رأيه ورجعوا إلى قوله، فإذا قال سكت كل قائل، وسلم كل منازع، وكانوا إذا عرض للسلطان مرض وحضروا عنده تقدم السديد فأمسك يد السلطان، وجس نبضه قبل الرئيس، وقبل كل واحد. وكان الرئيس هو السائل عن الأعراض بحضوره ثم تحصل الشورى بينهم على ما يوصف، ويكون مدار الكل على كلام السديد واعتماد السلطان عليه دون الكل.
وكان السديد رجلًا عاقلًا ساكنًا لا يكاد يتكلم حتى إذا تكلم كان البحر الزاخر والسيل المنحدر والضرام المتقد والأسد الصَّوَّال إلى نقول يستحضرها، وبحوث يحررها، وتجارب يذكرها، وكانت له يد في علم الموسيقى والطرب.
رأيت ابن كر يصفه ويثني على علمه، وينصفه. وكان على هذا الفضل الغزير والمدد الوافر لا يتوسع في الوصف للإعلاء، ولا يخرج عن الجادة، ولا يعدل عن المعهود، ولا يرى التفقه في الطب كما كان عليه فرج الله بن صغير. وكان السديد اجتهاده لنفسه، وفرج الله اجتهاده للعليل. على أن السديد كان إذا لم يشاركه طبيب آخر يطبب تطبيبًا مستقصى، وإن لم يتوسع فأما إذا شورك سكت وجمد واكتفى بقول المشارك له، وإن كان عنده في الباطن خلافه. وبالجملة كان من الأفراد، وممن تقدم إذا حضرت الأفاضل بالأعداد.
ومنهم:
[١٤٢] فرج الله بن صغير
طبيب لو حضر معه ابن ماسويه، لما مس العلاج، أو أبو قريش، لما اقر له ابن اللجلاج، أو استشعر به حنين بن إسحاق، لحن إلى لقائه، أو كان في زمانه ابن الأشعث، للم شعثه ببقائه، لنفع لو كان للمطجن لأكل جديه الحنيذ، أو لأمين الدولة، لكان عنده ابن التلميذ، وصدق ود لو أنه لابن كلدة لوكل إليه الوفاء، أو لسنى لابن سيناء لنسب إليه دونه الشفاء، ولم يكن شرواه في مداواة سقام ومدافعة سمام بملاطفة ما حظي بها النسيم، ولا عبث بشبهها في ملاعبة عطف الروض النسيم.
стр. 3000
قال لي: إنه قرأ على أبيه وعلى ابن النفيس، وتلك الطبقة واقتصر على الطب وحققه وأذن له في الكحل، ثم في الطب، وجلس للتطبيب، وعاد المرضى وظهر أثر علمه، وكثر النفع به، وبرئ المرضى على يده وخدم السلطان، وأطلق له المعلوم والوافر والراتب الكامل، وتفرد بخدمة بكتمر الساقي، وكان يعتمد عليه دون سائر الأطباء، ويعمل بقوله في معالجته ومعالجة ولده وحريمه وخواصه وأعزائه.
وكان سلطاننا الملك الناصر يثق به، وأفرده بعد بكتمر الساقي لخدمة الدور السلطانية والنساء والحرم مع مشاركة الجماعة في مباشرة طبه والحضور عنده، ولم يزل موفر الحظ من الإكرام. وكانت بيننا وبينه صحبة، وله بنا خصوصية، وله من حسن الملاطفة في العلاج ما لم يكن لأحد سواه، وكان في هذا غاية.
جرى ذكره عند الحكيم الفاضل ناصر الدين محمد بن صغير وهو عليل بدمشق، فقال من كان مثل الحكيم فرج الله؟ وأخذ في وصفه، ووصف فضيلته، والثناء عليه، وبالغ في هذا وأطنب فيه، فقال له بعض من حضر، فكيف كان السديد الدمياطي؟ فقال: كان السديد يعمل في ما يصفه مصلحته، وفرج الله يعمل مصلحة المريض.
قلت: والأمر هو على ما قاله: فإن السديد قل أن كان يخوض الغمرات في الوصف، وفرج الله يخوض الغمرات في الوصف ويود لو نزع من جسده ثوب العافية وألبسه المريض، وإذا كره المريض أو من حضره غذاء أو دواء، أبدله بغيره، فإن كرهوه أبدله بغيره، يفعل هكذا حتى يصيب موافقه من رضاهم أو مقاربة، وكان يرى أن هذا أجدى في نفع المريض. وكانت له معالجات موافقة، وإصابات في تقدم المعرفة خارقة.
حكى لي غير وواحد من جيراننا بالقاهرة أنه كان معودًا بمعالجة رجل بسويقة الصاحب، وقد عرف مزاجه ودربه، فمر به ذات يوم وهو راكب على حماره قد نزل من القلعة على بيته، فرأى ذلك الرجل جالسًا على باب المدرسة الصاحبية، فوقف فرج الله قدامه، وذلك الرجل لا يشعر به، وأطال فرج الله النظر إليه، والتأمل إلى سحنته، وهو صحيح سوى لا يشكو مرضًا ولا عرضًا، ثم قال له: يا فلان هل عضك في هذه الأيام كلب قط؟ فقال له: نعم، من أيام قلائل فقال له: قم اقعد في بيتك، وألحق نفسك بالمداواة، ثم ساق حماره، وأتى إلى أهل بيت الرجل، وقال لهم: اعلموا أنني رأيت صاحبكم ورأيت عليه علائم الكلب، فسألته إن كان عضه كلب، فقال: نعم، فأمرته بأن يقعد في بيته، ويلحق نفسه بالمداواة والطب. فالله الله فيه، والله الله في أنفسكم؛ فإنه قد كلب ويوشك أن يجفل من الماء بعد كذا وكذا يوم، ثم يموت بعد كذا وكذا.
стр. 3001
فكان الأمر كما ذكره لم يخرم في شيء منه.
ولما اعتل والدي ﵀ العلة التي مات فيها، كان أولها انصباب مادة بلغمية إلى يده، فورمت منها يده وهو ونحن لا نكترث بذلك ولا يهمنا، والأطباء تتردد إليه في كل صباح ومساء لمعالجته، وفرج الله منهم، فأصبح ذات يوم وقد تصرف الورم بجملته من يده وأصبح بارئًا لا يشك في ذلك نحن ولا الأطباء، وكان منهم ابن البرهان والسديد الدمياطي فلما انصرفوا قال لي فرج الله: اعلم أن هذه المادة لم تتصرف، وإنما انصبت بجملتها إلى مكان استضعفته من الأعضاء الباطنة، وأكبر ظني أن تكون انصبت إلى قصبة الرئة، ولئن كان كذلك ليعرضن له آخر هذا اليوم ضيق نفس، ثم قل أن تنجع معالجته مع ما بلغه من هذا السن. فلم يأت آخر ذلك اليوم إلا وقد عرض له مبادئ ضيق نفس، ثم لم يزل يتزايد إلى أن أتى عليه يوم لم نشك أنه لا يخرج عنه، فلما أتاه ورأى ماءه، واستقرأ أعراضه، ووصف له ما وصف، وقام وذلك يوم نصف شعبان، قلت له: تقول يمسي عليه المساء؟ قال: نعم، ويمسك إلى آخر هذا الشهر إلى خمسة [أو] ستة أيام أخرى في شهر رمضان. فكان الأمر كما ذكره لم يخرم.
قلت: وقل أن وصف لي دواء إلا وبين أثره ليومه، ثم حمدت عاقبته فيما بعده.
وعرض لي مرة دوار صفراوي، فأمر بماء فأسخن فوق الاسخان المستطاب، ثم شد قدمي بأنشوطة من فوق الكعبين وأمر بتدليتهما في ذلك الماء وتعجيل حل الأنشوطة عند تدليتهما في الماء ففعل، ذلك ثم أمر بإطالة اللبث ثم حكها بالحجر الخشن والملح والنخالة، فلم يكن بأسرع من زوال ذلك الدوار لانعكاس المادة. وتفتح المسام في سفل القدم، وأثر ذلك لساعته.
ولما أردت الحج في حجتي الثالثة كان الزمان صيفًا والحر شديدًا إلى غاية، فسألته عما أعتمده فقال لي: إذا خفت الحر لعب بزر قطونا بماء ثم أضيف إليه شيئًا من الخل الحاذق الثقيف، وضمد به صدرك ورقبتك، فإنك لا تبالي بالحر، فوالله لقد كنت أنا ومن معي نعمله ونركب في الهواجر المتوقدة والقيظ المضطرم، ونحن نظن أن على صدورنا قطع الثلج، لا نحس ما الحر، وما ندري ما السموم. إلى غير هذا مما كان فيه من الفضائل، وما فاق به الأنظار، وفاق بالأماثل فليت الشمس لو أبقته قليلًا.
وواسفًا على مثله كيف مات على اليهودية.
ومنهم:
стр. 3002
[١٤٣] محمد بن صغير، ناصر الدين (١)
طبيب جامع، ولبيب تشرق كلماته في المسامع، وفاضل لم يقصر في نوع من الفضائل على كثرة تشعبها، ووجي الدراسة ولقبها، مع أخلاق لو تخلقت بها المدام، لما قطب شاربها، ولما قدر أن يذكرها عائبها، إلى فضائل شريفة وشمائل ظريفة، وأخوة صحيحة الإخاء، صريحة الانتحاء. ولقد قال قول جزم أنه قد أصبح اليوم فردًا واحدًا لما جمع من شتى المحاسن وكمال الأوصاف.
قرأ العلم واشتغل به، وخدم السلطان، وباشر المرستان، وقرأ النحو والأدب وتطبع به حتى صار خلفًا له، وله في حسن العلاج يد طويلة وآثار جميلة وأفعال حسنة مشكورة، وهو يرى لطف التدبير في معالجة المرضى، وعدم الإقدام عليهم بالأدوية، وكان السلطان يشكره ويثني على نشأته الحسنة. إلى غير هذا مما يتفكّه به من جني الألسنة.
* * *
آخر الجزء الثامن (٢)
من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ويتلوه إن شاء الله تعالى: وممن يعد من الحكماء أهل علم الموسيقى
والحمد لله رب العالمين
* * *
стр. 3003
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين. وبعد:
فهذا هو السفر العاشر من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م.
وقد ترجم فيه لمشاهير أصحاب الموسيقى والغناء.
معتمدًا فيه على عدة مصادر أهمها: كتاب الأغاني والإماء الشواعر وكلاهما لأبي الفرج الأصفهاني، والمحدث في الأغاني لابن ناقيا البغدادي.
وقد اعتمدت في تحقيق هذا السفر على نسختين هما:
١ - نسخة مكتبة أيا صوفيا - مكتبة السليمانية - استانبول برقم ٣٤٢٣، وقد وقفها السلطان العثماني محمود خان، وعليها ختم باسم أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين.
والتي قام بنشرها مصوّرة الدكتور فؤاد سركين - معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية - فرانكفورت - المانيا الإتحادية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.
وفي هذه النسخة بياضات كثيرة يبدو أنها كتبت باللون الأحمر الذي زال من خلال تقادم الزمن، وعدم ظهوره في النسخة المصورة من قبل الدكتور سزكين، وقد تمت معالجة هذه البياضات من خلال الاستئناس بالنسخة الثانية ومراجع التحقيق.
стр. 3004
وكانت (الأصل) في عملنا.
٢ - نسخة أحمد الثالث - طوبقبو سراي - استانبول رقم ٢٧٩٧.
وقد كتبت في الأصل برسم خزانة السلطان المملوكي، الملك المؤيد، شيخ ابن عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ/ ١٤٢١ م).
وقفها الملك المؤيد على طلبة العلم بجامعة (المؤيدي) في القاهرة.
أما طريقتي في تحقيقه فهي كما ذكرتها في مقدمتي للسفر الأول من الموسوعة.
هذا ما استطعت عمله، وحسبي أني كنت مخلصًا فيه.
والله ولي التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل
جمهورية العراق - الكوفة
كامل سلمان الجبوري
стр. 3005
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ربنا أفرغ علينا صبرًا، وأعن
وممن يُعَدُّ من الحكماء أهل علم الموسيقى؛ إذ هو من الطبيعي، وقد أتيتُ منهم على مشاهير أهل الغناء ممن ذكره أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الجامع، وفي كتاب «الآباء»، وممن ذكره ابن ناقيًا النحوي البغدادي (١) في كتاب «المحدث»؛ ثم ذيلتُ ذلك بما نظرته في الكتب والتقطته منها التقاط الفرائد من السحب، وواخيت أهل الجانب الشرقي بأمثال في الجانب الغربي ومصر، وإن لم يطاول الماء السماء، وسقت في الجانبين إلى زماننا سياقًا لم آل فيه الجهد، وأتيت به على ترتيب ما وقع الاختيار منه، وجئتُ على حكمة بالدليل عليه.
ومن تأمّل ما أتيته علم مقدار جهدي المبذول في تحصيل ما حصلته، وكبر لديه ما جمعته، وشهد لي بأني لم أقصر، وبالتفضل لمن اتبعته.
ورأيتُ بين القدماء والمحدثين اختلافًا في ألقاب الأنغام التي صنعوا فيها الأصوات اختلافًا في الأسماء لا في المسميات.
стр. 3006
وكنتُ وقفتُ على كتاب ابن ناقيا في الأغاني وهو على طريقة القدماء، ولم أجد على طريقة المحدثين ما أرجع إليه، ولا أتفهم منه.
وسألت جمال الدين عمر بن حضر بن جعفر - عرف بابن زادة الديسني المشرقي عن هذا ليبينه لي؛ وهو عَلَمُ هذا الشأن بالشام فلجلج، ولم يبين، غير أنه قال: إنما غيّرت التسميات إذا نشأ التوثي صاحب الأرمال الأربعة والأربعين ضربًا، ثم سراج الدين الخراساني صاحب شيوه وكلاهما من أهل ما وراء النهر، وكان ذلك بحضور الشيخ الفاضل شمس الدين محمد بن شكر الديري، فجعل يدلّه على الطريق، وهو تارة وتارة، فآخر ما انتهى معه إليه أن قال: جُس لي هذه الأبيات، ثم جعل ينشده بيتًا بيتًا من الأبيات التي فيها أصوات الأول المسماة بمصطلحهم إلى أن ظهر له اتفاق القدماء والمحدثين في المعنى، واختلافهم في اللفظ فنزل أسماء المحدثين على أسماء القدماء ورتب في هذا المقال، وفعل ما يُعجز القرائح، ويدق عنها الأفهام، ثم لخص فيه ما مضمونه: اعلم أن الأوائل ﵏ رتبوا ألحانهم على نوعين: ضرب، ولحن مسميات بأسماء واصطلحوا عليها، وجعلوا أنواع الضروب ستة: ثقيل أول (١)، وثقيل ثان (٢)، وخفيف الثقيل (٣)، ورمل (٤)، وخفيف الرمل (٥)، والهزج (٦)، وهذا كما
стр. 3007
يقال: إنَّ الضَّربَ فيه نَقَرات: ثِقال، وخِفاف، وخِفافَ الخِفاف.
وأما الأصابع فهي الألحان عندهم وهي ست كذلك: المُطلَق (١)، والمُعلَّق، والمَحمُول (٢)، والمُنسَرِح، والمَزمُوم (٣)، والمُجنَّب (٤).
وإذا ضُرِبت ثلاثة في ستة كانت ثمانية عشر رجوعًا إلا أنَّ الضَّربَ مع اللحن يختلف مع الثقال والخفاف، وخفاف الخفاف، فيختلف الصوت مع الضرب بالقوة والضرب، فيُسمَّى كل واحد باسم، ولهذا يقولون: مُطلق السبابة والوسطى والخنصر والشهادة أو مَقبُوضًا كل ذلك إشارة منهم إلى الألحان المختلفة، فسمُّوا كلَّ لحن باسم عَلِمَ عليه يُعرف به؛ لئلا يصل العلم عند التعليم. كذلك فعل المتأخرون من الفرس حين سمُّوا هذه الأسماء الأعجمية المصطلح عليها في زماننا وهي: الراست (٥)،
النيروز (١)، والشهرناز (٢)، والسلمك (٣)، والحجاز (٤)، والكوشت على اختلاف في هذه التسمية، فهذه تلك الست تضاعفت بثلاثة بحسب التركيب، فبلغت ثمانية عشر؛ فالمطلق هو الراست والمعلّق هو العراق، والمحمول هو الزيلفكند، والمنسرح هو أصفهان، والمزموم (٥) زنكلا، والجنب بزرك.
ثم تركبت الستة الباقية من الستة الأولى فالرهوي من المطلق، والمعلق، والحسيني من المحمول، والمنسرح، والماآه، والبو سلك من المزموم، والنوى، والعشاق من المجنب.
стр. 3010
ثم أخذ بالتركيب النيروز من المطلق والمعلّق لاختلاف الضرب، ثم الشهناز من المحمول والمنسرح، ثم السلمك من المزموم والمجنّب، ثم الزركشي من المحمول والمنسرح، والحجاز من المزموم والكواشت من المجنب، أما الماخوري (١)، والمحصور (٢) والمشكول، فتأخر تسميته مع متأخري أوائلهم وكذلك غيرها، وتركيبها كتركيب الشاذ عند المتأخرين، والله أعلم.
فأما [ما] نحن بصدده ممن نذكره وفي المفاضلة بين الجانبين من أهل هذه الصناعة فسنبدأ بالمختار من كتاب أبي الفرج الأصفهاني الجامع (٣)، ثم من كتاب الإماء (٤)، ثم ما ذكره ابن ناقيا (٥).
ثم ندخل حتى يرفل هذا الكتاب في فاضل برده.
стр. 3011
[مشاهير أهل الغناء في بلاد المشرق]
فمنهم:
[١] ابن محرز (١)
محرز لغاية، ومتبرّز في غواية، تردد بين الحرمين: مكة، والمدينة للقاء المحسنين، والإلقاء من المغنين.
ثم لم يقنع حتى أتى بلاد فارس، وجنى من تلك المغارس، وأصبح لا يدع طرفًا به إلا انسجم، ولا مختارًا إلا مجموعًا فيه عربًا على عجم، فلم يبق في الغناء ناده حتى جازها، ولا شاذة أعجزت من قبله أهل الطرب حتى شازها كأنه لهذا خُلق، وبه استحق التقدم، وإن سبق، إلا أن داءه أزواه حتى كان تلقاء العيون، وما رمق.
قال أبو الفرج؛ قال إسحاق: كان يسكن المدينة مرّة، ومكة مرة فإذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر يتعلم الضرب من عزّة الميلاء (٢) ثم يرجع [إلى] مكة، فيقيم بها ثلاثة أشهر.
ثم صار بعد ذلك إلى فارس، فتعلّم ألحان الفرس، فأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام، فتعلّم ألحان الروم، فأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنهما، وفرج بعضهما ببعض، وألف منهما الأغاني التي صنعتها من أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع بمثله، وكان يقال له: صناج العرب.
стр. 3012
قال إسحاق: وكان ابن محرز قليل المخالطة للناس، فأخمل ذلك ذكره، فما يذكر الآن غناؤه، وأخذتْ كلّ غنائه جارية لصديق له من أهل مكة كانت تألفه، فأخذ الناسُ عنها. ومات بالجذام.
قال إسحاق: خرج ابن محرز يريد العراق فلقيه حنين (١)، فقال: كم منتك نفسك من العراق؟، قال: ألف دينار، قال: فهذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف، واحلف أن لا تعود.
قال إسحاق: ولم يعاشر الخلفاء، ولم يخالط الناس لأجل الداء الذي كان به؛ ولما شاع ما فعله حنين لأمه أصحابه، فقال: لو دخل العراق لما كان لي معه خبز آكله، ولا طرحت وسقطت إلى آخر الدهر.
ومنهم:
[٢] ابن عائشة (٢)
طوى زمان الغناء بموت قرنائه، وأنسى إحسان المحسنين بغنائه، وأسس ما لم يشيد على بنائه، حتى كان مجمع أولئك العشاق، وطراز حواشي تلك الأيام الرقاق، وأَلِفَ من صغره مغازلة النساء، فجاءه على غنائه تلك الرقة، وبان في أصواته الشجية البكاء لتلك الفرقة، واتصل بالخلفاء اتصال أمثاله، واتصف بما فات من مراد الظرفاء منى آماله.
قال أبو الفرج: قال الوليد بن يزيد لابن عائشة: يا محمد البغية أنت؟، قال: لا، ولكن كانت أمي يا أمير المؤمنين ماشطة، وكنت غلامًا، وكانت إذا دخلت إلى موضع قالوا: ارفعوا هذا لابن عائشة، فغلبت على نسبي.
قال إسحاق: أخذ الغناء عن معبد ومالك، ولم يموتا حتى ساواهما، وكان حسن الصوت يفتن كل من سمعه، وابتداؤه الغناء كان يضرب به المثل، فيقال: كأنه ابتداء ابن عائشة في الحسن.
стр. 3013
قال يحيى المكي: ثلاثة من المغنين كانوا أحسن الناس خلوقًا: ابن عائشة، وابن بيرق، وابن أبي اللباب.
قال … ابن أبي عتيق يومًا: حلق ابن عائشة مخدشًا، فقال: من فعل بك هذا؟، فقال: فلان، فمضى ونزع ثيابه، وجلس للرجل على بابه، فلما خرج أخذ بتلابيبه، وجعل يضربه ضربًا شديدًا، والرجل يقول: ما لك تضربني؟ أي شيء صنعت؟ وهو لا يجيبه حتى فرغ منه، ثم خلاه، وأقبل على من حضر، فقال: أراد أن يكسر مزامير داود. شد على ابن عائشة، فخنقه وخدش حلقه.
قال صالح بن حيان وذكر يومًا المغنين بالمدينة فقال: لم يكن بها أحد بعد طويس (١) أعلم من ابن عائشة، ولا أظرف مجلسًا، ولا أكثر طيبًا، وكان يصلح أن يكون نديم خليفة، وسمير ملك.
قال إسحاق: كان ابن عائشة تائهًا سيئ الخلق، فإن قال له إنسان: تغن، قال: ألمثلي يقال هذا؟، فإن قال له قائل، وقد ابتدأ وهو يغني: أحسنت، قال: ألمثلي يقال: أحسنت؟ وسكت.
وكان قليلًا ما ينتفع به، فسال العقيق مرّة، فدخل الماء عرصة سعيد بن العاص حتى ملأها فخرج الناس إليها وخرج ابن عائشة فيمن خرج فجلس على فرن الثنية، فبينا هم كذلك إذ طلع الحسن بن علي ﵉ على بغلة، وخلفه غلامان أسودان كأنهما الشياطين، فقال: امضيا رويدًا حتى تقفا بأصل الفرن الذي عليه ابن عائشة، فخرجا حتى فعلا ذلك، ثم ناداه الحسن: كيف أصبحت يا ابن عائشة؟ فقال: بخير فداك أبي وأمي، قال: انظر من تحتك، فنظر فإذا العبدان فقال له: أتعرفهما؟ قال: هما حران لئن لم تغن مائة صوت لأمرتهما بطرحك، وهما حرّان لئن لم يفعلا لأنكلن بهما، ولآمرن بقطع أيديهما، فاندفع ابن عائشة يغني، وكان أول ما ابتدأ به صوت وهو (٢): [من الوافر]
ألا لله درك من … فتي قومٍ إِذا رَهِبُوا
ثم لم يسكت حتى غنّى مائة صوت، فقال: إنَّ الناس لم يسمعوا من ابن عائشة أكثر مما سمعوه ذلك اليوم، وكان آخر ما غنّى به (٣): [من البسيط]
стр. 3014
قُلْ للمنازل بالظَّهْرانِ قد حانا … أن تنطقي فتبيني اليوم تبيانا
قال جرير: ما رؤي يومًا أحسن منه، وما بلغني أن أحدًا تشاغل عن غنائه بشيء، ولا انصرف أحد لقضاء حاجة ولا لغير ذلك حتى فرغ، ولقد تبادر الناس من المدينة وما حولها حيث بلغهم الخبر؛ لاستماع غنائه، فما يقال: إنه ما رؤي جمع في ذلك الموضع مثل ذلك اليوم، ولقد رفع الناس أصواتهم: أحسنت والله!، أحسنت والله!، ثم انصرفوا حوله يزفونه إلى المدينة.
قال علي بن الجهم: حدثني رجل أن ابن عائشة كان واقفًا بالموسم متحيرًا فمر رجل من بعض أصحابه، فقال له: ما يقيمك ههنا؟، قال: إني أعرف رجلًا لو تكلّم، لحبس الناس، فقال له الرجل: ومن ذاك؟ قال: أنا، ثم اندفع يغني: (١) [من الوافر]
جَرَتْ سُنْحًا فقلتُ لها: أجيرى … نوى مشمولة فمتى اللقاء
قال: فحبس الناس، واضطربت المحامل، ومدت الإبل أعناقها، وكادت الفتنة أن تقع، فأتي به هشام (٢)، فقال: يا عدوَّ الله أردت أن تفتن الناس، فأمسك عنه. وكان تياهًا، فقال له هشام: ارفق بتيهك يا ابن عائشة، فقال: حق لمن كانت هذه مقدرة أن القلوب أن تبكيه. فضحك منه، وخلى سبيله.
قال عمر بن شبة؛ قال شيخ من تنوخ كنت صاحب ستر الوليد بن يزيد فرأيتُ عنده ابن عائشة قد غَنّاه (٣): [من الكامل]
إنِّى رأيتُ عَشيَّةَ النَّفْرِ … حُوْرًا نَعَشْنَ عَزَائِمَ الصَّبْرِ
مثل الكواكب في مطالعها … بعد العشاء أَطَفْنَ بالبَدْرِ
وخرجت أبغي الأجر مُحتسبًا … فرجعت موقورًا مِنَ الوِزْرِ
قال: فطرب حتى كفر وألحد، فقال: يا غلام اسقنا بالسماء الرابعة، وكان الغناء يعمل فيه عملًا يضل عنه رشده من بعده، ثم قال: أحسنت والله يا أمير المؤمنين أعد بحق فلان حتى بلغ من الملوك نفسه، فقال: أعد بحياتي فأعاد، فقام إليه، فلم يبق عضو من أعضائه إلا قبله وأهوى إلى هنه، وضمّ فَجذبه، فقال: و [الله] العظيم لا تريم حتى أقبله، فأبداه له فقبله، ثم نزع ثيابه، فألقاها على ابن عائشة، وبقي مجردًا إلى أن أتوه بغيرها، ووهب له ألف دينار، وحمله على بغلة، فقال: اركبها بأبي أنت
стр. 3015
وانصرف؛ فقد تركتني على مثل المِقْلَى من حرارة غنائك، فركبها على بساطه وانصرف. قال: وخرج ابن عائشة يومًا من عند الوليد بن يزيد وقد غناه (١): [من الوافر]
أَبَعْدَكَ مَعقِلًا أرجو وحصنًا … قد اغيثني المعاقل والحصون
قال: فأطرق وأمر له بثلاثين ألف درهم، وبمثل كارة القصار ثيابًا، فبينا ابن عائشة يسير إذا نظر إليه رجل من أهل وادي القرى كان يشتهي الغناء وشرب النبيذ، فدنا من غلامه، وقال: من هذا الراكب؟ قال: ابن عائشة المغني، فدنا منه فقال: جعلت فداك أنت ابن عائشة أم المؤمنين؟، قال: لا، بل أنا مولى لقريش وعائشة أمي، وحسبك هذا، ولا عليك أن تكثر. قال: وما هذا الذي أراه بين يديك؟ قال: المال والكسوة، قال: غنيتُ أمير المؤمنين صوتا فأطربه، فكفر وترك الصلاة، وأمر لي بهذا المال والكسوة، فقال: جعلت فداك، فهل تمن عليّ أن تسمعني ما أسمعته إياه، فقال له: ويلك أمثلي يكلّم بهذا في الطريق؟، قال: فما أصنع؟، قال: الحقني بالباب، وحراك ابن عائشة بغلة شقراء كانت تحته؛ لينقطع عنه، فغدا معه حتى أوفيا الباب كفرسي رهان، فدخل ابن عائشة، فمكث طويلًا طمعًا في أن يضجر فينصرف، فلم يفعل حتى قال لغلامه: أدخله؛ فلما أدخله، قال له: من أين صبك الله علي؟، قال: أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهى هذا الغناء، قال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه؟، قال: وما ذلك؟ قال: مائة دينار وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك، قال له: جعلت فداك إني لي لبنية ما في أذنها علم الله حلقة من الورق فضلًا عن الذهب، وإنَّ لي زوجة ما عليها شهد الله قميص، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الخلعة والفقر الذي عرفتكهما، وأضعفت لي ذلك، لكان الصوت أحبّ إلي .. وكان ابن عائشة تياهًا لا يغني إلا لخليفة، أو لذي قدر جليل من إخوانه، فعجب منه، وغناه الصوت، فطرب طربًا شديدًا، وجعل يحرّك رأسه حتى ظنّ إنّ عنقه ستنقصف، ثم خرج من عنده ولم يزده شيئًا، وبلغ الخبر الوليد بن يزيد، فسأل ابن عائشة عنه؟، فجعل يغيب عن الحديث، فعزم عليه الوليد، فعرفه فأمر بطلب الرجل فأحضره ووصله بصلةٍ سنية، وجعله من جملة ندمائه، ووكله بالسقي، فلم يزل معه حتى مات.
قال يونس الكاتب (٢): كنا يومًا متنزهين بالعميق أنا وجماعة من قريش فبينا نحن [على] حالنا إذ أقبل ابن عائشة ومعه غلام من بني ليث وهو مُتكئ على يده؛ فلما رأى اجتماعنا وسمعني أغني جاءنا فسلّم، وجلس إلينا، وتحدث معنا، وكانت