← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

كأن بها شَفَقًا عاريًا … رأيت عليه هلالًا نحيلا وقوله: [من الطويل] أودِّعُ لا عَنْ سَلْوَةٍ أستفيدها … ولكن لأيام الهَوَى والنَّوَى دول ولولا اهتزاز الصارمِ العَضْبِ ما نَبَا … ولولا اضطراب المارِنِ اللَّدْنِ ما اعتدل وقوله: [من المتقارب] وخشف تعرَّض لي مُعْلِمًا … بحَدِّ السيوف وقَدَّ الأَسَلْ يرجع في أذني نغمة … تموتُ لها النفس قبل الأجل وقوله: [من الوافر] تبادرت الصَّبُوحَ بمُتْرَعاتٍ … تصوَّبُ بين جلدي والعظام على شجر كأنَّ النَّوْرَ فيه … تصوَّرَ مِنْ صفاتِكَ أو كلامي وقوله: [من الطويل] عَرَفْتُ فلم أبسط إلى مُنْعِم يدا … وفُهتُ فلم أفغر بقارصةٍ فَمَا فما أسأل الآمال عَنْ وجهِهِ … ولا أمرُّ على الأطماع إلا مُسلّما خُلقت عليًا لا تُنال مكانتي … ولا أرتقي مِنْ خَشْيةِ الضيم سُلَّما ولست بليلى العامريةِ مُغْرَمًا … ولا بالثَّرَيَّا والرَّبابِ مُتيما وقوله: [من الوافر] وداجية كأن النجم فيها … يبيتُ على شماريخ الرعانِ نثرتُ نجومها في الغرب لما … سللت الشمس مِنْ شَفَقِ الأواني كأن الشمس والظلماء تحدو … بهِ جِلُّ تكشف عن حصان وقوله: [من الوافر] توضح والنسيم الرطب وان … مخايل من سَنَى بَرْقٍ يماني تألّق يستطيرُ كما تمشى … لسان النار في طررِ الدخان كأنَّ وميضَهُ يَدُ مُسْتَقِيلٍ … ألاحَتْ بالمعاصم والبَنَانِ أضاءَ حَصَى العقيق ورملَ حُزْوَى … وَمَهْوَى الشِّعْبِ مِنْ سَفْحِي أَبانِ سَحَا بالطلّ يركلُهُ صباحًا … نسيمٌ مثل رجع الغيث واني تنفّس في مساقِطِهِ صباح … أشقُّ كسلَّةِ النَّصْلِ اليماني وقوله: [من الطويل] فيا دهر لا تُغْرَر بلين معاطفي … فإِنَّ القَنَا تَشتد حين تلين

стр. 5322

ويا جمرة الحَرْبِ العَوَانِ توقدي … فإني بعودات الطعان أدين وقوله: [من الكامل] يا حبذا ضعف النسيم إذا وَنَى … وتحرّش الأغصان بالأغصان أَرَجٌ تَحَنَّكَ حينَ جَمْشَهُ النَّدَى … واختالَ في عَذْبِ مِنَ الريحان أيام يُذكرني القُدودَ وفتلَها … رِيٌّ تَرَدَّدَ في غصون البان في شاطئي ماءٍ تَطَرَّفَ رملةً … خضراء يفحصها الرباب الداني فالريحُ تَعْثُرُ في بُرُودٍ رياضها … والماء يمشي مشية السكران منها: واشرب مشعشعةً كأنَّ زُجاجَها … خَمْرٌ وأطراف البنان أواني حتى ترى سُرُجَ السماء دوانيًا … يسبحن تحت أسنة الخرصان وقوله: [من البسيط] يا ساقيي قضيب الرَّنْدِ رِيَّانُ … والبدرُ ملتثم والصبح عريان والنرجس الغَضُّ ساه والنسيمُ نَدِ … والطَّلُّ في طررِ الريحان حيران والظُّلُّ أورفُ والظلماء جانحة … والنجم في منحنى الأَجْزَاعِ وسنان وللصبا عثرات لا تُقال وفي … سَبْعِ الحمامة ترجيع وإرنان فغالبا نَفْتِي بالراح واختلسا … عقلي فقد نَفَحَ النسرين والبان واسترقصا لمتي واستغرقا طربي … قبل الشروق فللإطراب أوطان وعرضا بهوى لُبْنَى فلي ولها … وللزجاجةِ إِنْ عَرّضتما شاني حوراء تكسرُ جَفْنَيها على عِدَةٍ … ودون تسويفها مطل وليان تنهال في دفع الخَطْوِ البِهَيْرِ كما … ينوء بالأبرق المنهال ثعبان غَضْبَى تعاطيك شطر النظرتين كما … يزور في أخريات اللحظ غضبان وقوله: [من البسيط] ما زلتُ أسحب أبرادي على المنن … حتى رجعت إلى وعدٍ مِنَ الظَّنَنِ ذنبي إلى الدهر أني ما خضعت له … ولا طويتُ له عِرْضي على دَرَنِ وقوله: [من الكامل] في جنّةٍ تُصغِي عيونُ رياضها … فكأنّما يسمعن بالأجفان شخَصَتْ إلى صوب الحَيَا رَيَّا كما … نَصَبَ الأراك سوالف الغزلان وتخللت فتل الجداول ظلها … زحف الأراقم في نقا الصمان

стр. 5323

فالماء إن سمحت به أوراقها … كالنار تنظر من فروج دخان وقوله: [من الكامل] عاطيتُهنَّ مِنَ الحديث زُجاجةً … بسمت فأطربت الحمام المُعلنا حتى إذا سقط الندى عنّينني … لولا مراقبة العيون أريننا حَدَقُ المها وسوالف الآرامِ مِنْ … خلل الأسنة والأعنة والقنا ومنهم: [١٦٢] القاضي التنوخي، أبو القاسم، علي بن محمد بن داود بن فهم (١) جبل بعيد الرقى، وأمل بعيد اللقى حجة في العلم لا تقطع، وباب من الحلم لا يُقرع، وسابق في الأدب لا يُتبع، وشارق كسلة السيف لا يُطبع.

стр. 5324

ولي قضاء البصرة والأهواز، ثم عزل، فقصد سيف الدولة بن حمدان مستشفعًا به فأكرمه، وشفع له فأعيد إلى عمله وتسلمه. وكان ناسك نهار، وفاتك ليل، يزرر جيوبه شموس العقار، وكان هو وابن قريعة، وابن معروف، والقاضي [الايذجي] من ندماء الوزير المهلبي يفضون النهار وقارا، والليل عقارا، ويأخذون بنصيب من كل، وحظ إثمه ألزم لأعناقهم من غل. وحكي أنهم كانوا يحضرون مجلسه لسماع الطرب حتى إذا استفزهم فزة الثمل بالراح، وهزهم هزة الغصن بالرياح، أقبلوا على الشراب بجملتهم، وقابلوا راياته المنشورة بحملتهم. وكانوا كلهم شيوخًا لم يبق من سواد لممهم إلا ما سود الصحائف، ولا من هممهم إلا التهتك في ورد خد وريحانة سالف، وكانوا إذا حميت بالخمر رؤوسهم، وحجبت بالخمر من العقل ما يسوسهم، قدم لكل واحد منهم طاس ذهب من ألف دينار يقدح بمدامه نارًا بنار فيغمسون فيه لحاهم، ويدعونها حتى تتشرب المدام، ويطير في قُزَعِ رؤوسهم سحابها الجهام، ثم يرسلون على الندماء مطرها دفاقا، ويفعلون هذا قصدًا لا اتفاقا. وبهذا ذكرتُ شناعة أقيمت في زماننا بمثل هذا على رجل علم براءته من حديثها المفترى، وكذبها الشائع في الورى، وإذا كان قد رمي بهذا الافتراء رجل من أهل عصرنا، ومن أهلة مصرنا كيف لا يكون قد رمي به هؤلاء مع بعد زمانهم، وموت من له علم بشأنهم؟! وإنما ذكرنا ما قيل، ولو أنكرنا هذا دفعًا عنهم، لما كان إلى الإنكار سبيل. ومن شعره المرهف لحد الأفهام، المسعف بأفخر من الدرر التوام … قوله (١): [من الخفيف] رُبَّ ليل قطعتُه كصُدُودٍ … أو فراقٍ ما كان فيه وَدَاع موحش كالثقيل تقذى به الـ … عَينُ وتأبى حديثه الأسماع وكأن النجوم بين دُجاهُ … سُنَنٌ لاح بينهن ابتداع مشرقات كأنهن حجاج … تقطعُ الخصم والظلام انقطاع وكأن السماءَ خيمةُ وَشْي … وكأنَّ الجوزاء فيها شراع وقوله (٢): [من السريع]

стр. 5325

كأنما المريخ والمُشتري … قُدَّامَهُ في شامخ الرفعه منصرف بالليل عن دعوة … قد أسرجوا قدامه شمعه وقوله (١): [من الطويل] كأنَّ نجوم الليل في غَسَقِ الدُّجى … سَنَى أوجه العافينَ في ظُلْمَةِ الرَّدِّ وقد أبطأت خيل الصباح كأنها … بخيل تباطا حينَ سِيْلَ عَنِ الرِّفْدِ وقوله (٢): [من الطويل] وليلة مُشتاق كأنَّ نجومها … قد اغتصبت عيني الكرى فهي نوَّمُ كأَنَّ عُيُون الساهرين لطولها … وقد أشخصَتْ للأنجم الزهر أنجم كأن سواد الليل والفجرُ ضاحك … يلوح ويخفى أسود يتبسم وقوله في الكواكب وهي تغور والصباح عليها يفور (٣): [من البسيط] عهدي بها وضياء الصبح يطفئها … كالسُّرُجِ تُطْفًَا أو كالأعين العُورِ أعجب به حين وافى وهي نيّرةٌ … فظلَّ يَطَمُسُ منها النور بالنور وقوله (٤): [من مجزوء الرمل] ربَّ ليل كتجنّيـ … ـكَ مقيم ليس يذهب قد قطعناه بعزم … كالحريق المُتَلَهب وكأنَّ البرق لما … لاح فيه يتنب كاتب من فوق جزع الـ … غَيْمِ بالعقيان يكتب وكأن الرعدَ حَادٍ … أو مناد أو مُثَوّب ونجوم الليل وقف … كلال لم تُثقب وبدا البدر كسَيْفٍ … في يد الجوزاء مُذْهَب وقوله (٥): [من المتقارب] وراح من الشمس مخلوقةٍ … بَدَتْ لَكَ في قَدَحٍ مِنْ نُضَارِ هواء ولكنَّه جامد … وماءً ولكنه غير جاري

стр. 5326

إذا ما تأملتها وهي فيهِ … تأملتَ نُورًا مُحِيطًا بنار كأن المدير لها باليمين … إذا قام للسقي أو باليسار تدرع ثوبًا من الياسمين … له فرد كم من الجلنار وقوله في دجلة والقمر (١): [من الكامل] لم أنس دجلة والدُّجَى مُتَصَوِّبُ … والبدرُ في أفق السماءِ مُغَرِّبُ فكأنها فيه بساط أزرقٌ … وكَأَنَّهُ فيها طَرَازُ مُذهَبُ وقوله (٢): [من الخفيف] ورياض حاكت لهنَّ التُّريَّا حُلَلًا … كانَ غزلها للرعود نثر الغيث در دمعي عليها … فتحلّتْ بمثلِ دُرِّ العُقُودِ أقحوان مُعانق لشقيق … كثغور تعض وَرْدَ الخُدُودِ وعيون من نرجس تتراءى … كعون موصولة التسهيد وكأن النَّدَى عليها دموعٌ … في جفونٍ مفجوعة بفقيد وكأن الشقيق حينَ تَبَدَّى … ظُلْمَةُ الصُّدْغِ في خُدُودِ الغيد وقوله من قصيدة يصف نهرًا (٣): [من الكامل] متسلسل فكأنَّهُ لصفائِهِ … دمع بخدي كاعب يتسلسل وإذا الرياح جرين فوق متونه … فكأنه درع جلاه صيقل وكأن دجلة إذ تطمط موجُها … مَلِكٌ يُعَظَّمُ خِيفَةً ويُبَجَّل وكأنها ياقوتة أو أعينٌ … زُرْقٌ يُلائِم بينها ويُوصل عذبت فما تدري أماء ماؤها … عند المذاقة أو رحيق سلسل ولها بمد بعد جزر ذاهب … جيشانِ يُدْبِرُ ذا وهذا يُقْبِلُ وإذا نظرت إلى الأبلة خلتها … من جنة الفردوس حين تخيل وكأنما تلك القصور عرائس … والروضُ حَلْي فهي فيه تَرْفُل غنَّتْ قيانُ الطير في أرجائها … هَزَجًا يخف له الثقيل الأول وتعانقت تلك الغصون فأذكرتْ … يومَ الوَدَاعِ وعِيْرُهُمْ يترحل ربع الربيع بها فحاكتْ كَفُهُ … حُلَلًا بها عُقَدُ الهُمُومِ تُحَلَّلُ

стр. 5327

فمدبج وموشح ومدنَّرٌ … ومعمَّد ومحبَّر ومُهَلْهَلُ فتخالُ ذا عينًا وذا خدًا وذا … ثَغْرًَا يُعَضُضُ مَرَّةً ويُقبل وقوله (١): [من البسيط] أما ترى البرد قد ولتْ عساكره … وعسكر الحَرِّ كيف انصاع منطلقا والأرض تحت ضريب الثلج تحسبها … قد ألبست حُبكًا أو غُنِّيت ورقا فانهض بنار إلى فحم كأنهما … في العَيْنِ ظُلْمٌ وإنصاف قد اتفقا جاءت ونحن كقلب الصَّب حين سَلا … بَرْدًا فصرنا كقلب الصَّبِّ إِذْ عَشِقا وقوله من أبيات كتب بها إلى الوزير المهلبي وقد منعه المطر عن خدمته (٢): [من الطويل] سحاب أتى كالأمن بعد تخوّفِ … له في الثَّرَى فعلُ الشِّفاءِ بِمُدْنَفِ أكب على الآفاق إكبابَ مُطْرِقٍ … يفكّرُ أو كالنادم المتلهف ومد جناحيه على الأرض جانحًا … فراح عليها كالغُرَابِ المُرفرف غدا البر بحرًا زاخرًا وانثنى الضُّحَى … بِظُلمتِهِ في ثوب ليلٍ مُسجَّفِ يعبس عن برق به متبسّمِ … عُبُوسَ بخيل في تبسم مُعْتَفي تحاول منه الشمس في الجو مخرجًا … كما حاول المغلوب تجريد مُرهَفِ فأفرغ ماء قال وارد حوضه: … أسلسال ماء أم سُلافةُ قَرْقَف أتى رحمة للناس غيري فإِنَّهُ … عليَّ عذاب ما له من تكشف سَحابٌ عَدَانِي عَنْ سَحاب وعارض … مُنعتُ به من عارض متكفكف وقوله من أبيات كتب بها إلى بعض أصدقائه (٣): [من الطويل] ولي أدمع غُزر تفيض كأنها … سحائب فاضت من يديكَ غِزَارُ ولم أر مثل الدمع ماء إذا جرى … تَلَهَّبُ منه في الجوانح نار رحلت وزادي لوعة ومطيّتي … جوانح من حَرِّ الفِرَاقِ حِرَار مسير دعاه الناسُ سَيْرًا توسعًا … ومعنى اسمه إن حققوه إسار إذا رمتُ أن أنسى الأسى ذكرت به … دار لها بين الضلوع ديار وقوله (٤): [من الطويل]

стр. 5328

رضاك شَبابٌ لا يَليهِ مَشيبٌ … وسَخطُكَ داءٌ لَيسَ مِنهُ طَبيبُ كَأَنَّكَ مِنْ كُلِّ النُفوسِ مُرَكَّبٌ … فَأَنْتَ إِلى كُلِّ النُفوسِ حَبيبُ ومنهم ابنه: [١٦٣] أبو علي، المحسن (١) قال فيه الثعالبي: هلال ذلك القمر، وغصن تلك الشجر، والشاهد العدل لمجد أبيه وفضله، والفرع المشيد لأصله، والنائب عنه في حياته، والقائم مقامه بعد وفاته.

стр. 5329

وفيه يقول عبد الله بن الحجاج: [من الوافر] إذا ذُكِرَ القُضَاةُ وهُم شُيُوخٌ … تُخُيِّرَتِ الشَّبابُ على الشُّيوخِ ومَنْ لم يَرْضَ لمْ أَصْفَعْهُ إلا … بِحَضْرَةِ سَيِّدِي القَاضي التَّنُوخي وله كتاب (الفرج بعد الشدة)، وناهيك بحسنه وإمتاع فنه، وما جرى من التفاؤل بيمنه، أسير من الأمثال وأسرى من الخيال … وديوان شعره أكبر حجمًا من ديوان شعر أبيه» (١). هذا ملخص ما ذكره. ولم يقع لنا ديوانه عند هذا الإملاء؛ لنختار منه شرط المفاخرة بالانتقاء، وقد أتينا منه بما اتفق، وهو حريرة من سَرَق، وغُرَّة من يَقَق، ونسمة من عبق، وجدول من سيل، وكلمة طيبة من دعاء مجاب تحت الليل، وموضع علامة من أسجال، أو تاريخ يضبط به إخراج الحال. منه قوله (٢): [من الطويل] خرجنا لنستسقي بيُمنِ دُعائِهِ … وقد كَادَ هُدْبُ الغَيْمِ أن يبلغ الأرضا فلما بدا يدعو تقشعت السما … فما تم إلا والغَمامُ قد انفضَّا وقوله (٣): [من الطويل] أقول لها والحيُّ قد فَطِنُوا بِنا … ومالي عن أيدي المَنُونِ بَرَاحُ لما ساءني أن وشَّحَتْني سيوفهم … وأنكَ من دون الوشاح وشاح وقوله (٤): [من الطويل] لئن أشمت الأعداء صرفي ورحلتي … فما صَرَفوا فضلي ولا ارتحل المَجْدُ مقامٌ وتَرْحَالٌ وقبضُ وبسطةٌ … كذا عادةُ الدنيا وأخلاقها النكد وقوله (٥): [من الخفيف] نِلتَ في ذا الصيام ما ترتجيه … ووقاك الإلهُ ما تتقيهِ أنتَ في الناس مثل شهرك في الأشـ … ـهُرِ بلُ مثل ليلة القَدْرِ فيه ومنهم:

стр. 5330

[١٦٤] القاضي أبو الحسن، علي بن عبد العزيز الجرجاني (١) عَلَمٌ مَنصوبٌ يَهتَدي بِهِ السارُونَ، وعِلْمٌ مَصبوبٌ يَجتَدي مِنهُ المُمْتارون، ومُتقدّم تَمْسَحُ هَوادِيها مِنْ غُبارِهِ المُجارُونَ. الأدبُ ذَيلٌ على فُنونٍ تَجَمَّلُ بِتيجانِها، وتَكْمُلُ شانُه بِما تَحمَّلَ مِنْ شانِها، وعلومٌ وَزَنَ المَعارِفَ بِميزانِها، واستودعها من خاطره أحفظ خزانها، وفصل منها حُلَلًا خَلَعَ على الناس ما فضل من أردانها، وفضائل فضت سحبها فملأ الفِجاجَ بِما فاضَ مِنْ غُدرانِها البلاغةُ ما صاغه، والفصاحة ما أبان إيضاحه، وأطال غرره وأوضاحه، وسائر الفنون في ذهنه عجنت طينتها فاختمرت، وعن نظره أخذت بآفاق السماء زينتها فأزهرت، إليه يرجع إذا تشعبت بالأقوال طرقها المبثوثة، وعليه تجتمع الآراء وكل قوة مفكرة قد مستها لوثة. وقد أثنى عليه الثعالبي فقال: «فرد الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، وقبة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، ويجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ، ونظم

стр. 5331

البحتري، وينظم عقد الإحسان والإتقان في كل ما يتعاطاه. وله يقول الصاحب: [من الطويل] إذا نحن سلمنا لك العلم كلَّهُ … فَدَعْ هذه الألفاظ ننظم شُذُورَها وقد كان في صباه خلف الخضر في قطع الأرض، وتدويخ البلاد من العراق والشام وغيرها، واقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار في العلوم علمًا وفي الكمال عالمًا (١). انتهى ثناؤه المنصوص، وتقريظه الذي كأنه نقش الفصوص. وأنا ذاكر من شعره ملحا، أجيء بها على منطقة البروج مستفتحا، تحلق بجناحي باز مطل، وتخلف الصبا وراءها ذاتَ نَفَسٍ منقطع، وأثر مضمحل. حكم تلقفها، ثم ثقفها، ومعان اخترفها، ثم لطفها فيما عرفها. رقت مزاجًا، وراقت كالراح، فامتزجت بالأرواح امتزاجًا بقية أسفار صَقَلَتها صقل العيون، ونجية أفكار شَفَتْ عنها مخيلات الظنون، ولولا أن الأدب كالدرهم والدينار لا يلتذ به صاحبه إلا إذا طار، لكانت هذه النفائس مما يضن به فلا تُذال، وتغار عليه يد حوته فما تبذله ولو مثقالًا بألف مثقال. من ذلك قوله (٢): [من السريع] أفدي الذي قال وفي كفّه … مثلُ الذي أشرب من فيه: الوَرْدُ قد أينع في وجنتي … قلت: فمي باللثم يجنيه وقوله (٣): [من المنسرح] بالله فُضَ العقيق عنْ بَرَدٍ … بَرْقُ أقاحيه من مدام فمه وامسح غوالي العذار عن قمرٍ … يعضُّ بالوَرْدِ خدَّ مَلتثمه قل للسقام الذي بناظرِهِ … دَعْهُ وأَشْرِكْ حشاي في سَقَمِه كلُّ غرام تُخَافُ فتنتُهُ … فبين الحاظِهِ ومُبْتَسَمِه وقوله (٤): [من السريع] قد بَرحَ الشوقُ بمشتاقك … فأوْلِهِ أحسن أخلاقك لا تجفه وارع لهُ حقَّهُ … فإنه خاتم عُشاقك وقوله (٥): [من المنسرح]

стр. 5332

ياليت عيني تحملت ألمك … بل ليتَ نفسي تقسمتْ سَقَمَكْ ولت كفَّ الطبيب إذ فَصَدَتْ … عِرْقَكَ أجرت من ناظري دمك أعرتَهُ صِبْغَ وجنتيك كما … تُعيرُهُ إِنْ لثمتَ مَنْ لَثَمَك طرفك أمضى مِنْ حَدٌ مِبْضَعِهِ … فالحَظْ به العرق وارتجز ألمك وقوله (١): [من الكامل] هذا الهلال شبيهه في حُسْنِهِ … كيف احتيالُكَ مِنْ تأوّد غصنِهِ لو لاحظتكَ جُفُونُها بفتورها … أقسمت أنك ما رأيت كحسنه وقوله (٢): [من السريع] ما بال عينيه وألحاظِهِ … دائبةً تعمل في حَتْفِي واها لذاك الورد في خَدِّهِ … لو لم يكن ممتنع القطف أشكو إلى قلبك يا سيدي … ما يشتكي قلبي من طرفي وقوله (٣): [من السريع] انثر على خدي منْ وَرْدِكُ … ودَعْ فمي يقطفُ مِنْ خَدِّكْ وارحم قضيب البان وارفق به … قد خفت أن ينقد من قدك وقل لعينيك بروحي هما … يخفّفانِ السُّقْمَ عَنْ عَبْدِك وقوله (٤): [من الطويل] فقد جعلت نفسي تقول لمقلتي … وقد قرّبوا خوف التباعد -: جودي فليس قريبًا مَنْ يُخاف بِعَادُهُ … ولا مَنْ يُرَجَّى قُرْبُهُ ببعيد وقوله (٥): [من السريع] وغُنْجُ عينيك وما أودعت أجفانها … قلب شج وامق ما خلق الرحمان تفاحَتَيْ خدِّكَ … إلا لفم العاشق لكنني أمنع منها فمًا … حظّي إلا خِلْسَةَ السارق وقوله يمدح دائر بن يشكرور (٦): [من البسيط]

стр. 5333

وقد كفاني انتجاعُ الغيث معرفتي … بأنَّ داير لي من سيبهِ بَدَلُ تجنَّبت نشواتِ الخَمْرِ هِمَّتُهُ … فأعلمتنا العطايا أنهُ ثَمِلُ وقوله في الصاحب بن عباد (١): [من الطويل] ولا ذنب للأفكار أنت تركتها … إذا احتشدت لم يُنتفع باحتشادها سَبَقْتَ بأفراد المعاني وأَلَّفَتْ … خواطرُكَ الألفاظ بعد شرادها فإن نحن حاولنا اختراع بديعةٍ … حَصَلْنا على معروفها ومُعَادِها وقوله (٢): [من المنسرح] لو قد تراني وقد ظَفِرْتُ بِهِ … ليلًا وستر الظلام منسدل وخَوَّصَتْ أعينُ الوُشاة كما … جَمَّشَ معشوقه الفتى الغَزِلُ فذاك مُغْفِ وذاكَ مُخَتِلطٌ … يهذي وهذا كأنَّهُ ثَمِلُ وقلت يا سيدي بدا علمُ الـ … صبح وكاد الظلام يرتحل فبات يشكو وبتُ أعذره … وليس إلا العتاب والعِلَلُ لَخِلْتَنَا ثَمَّ عُبَتَيْ غُصْنٍ … يومَ صَبًَا نلتوي ونعتدل وقوله (٣): [من الخفيف] في ليال كأنهنَّ أمان … من زمان كأنَّه أحلام زمن مُسْعِدٌ والفٌ وَصُولٌ … ومُنى تستلذها الأوهام وقوله يذكر بغداد (٤): [من الطويل] يحن إليها كلُّ قلب كأنما … تُشادُ بحبَّاتِ القلوبِ رُبُوعُها وكلُّ ليالي عيشها زمنُ الصِّبا … وكلُّ فصول الدهر فيها ربيعها منها: كأن خرير الماء في جَنَبَاتها … رُعُودٌ عليها مُزْنَةٌ تستريعُها إذا ضربتها الريح وانبسطت لها … مُلاءةٌ زَهْرِ فَصَّلتْها وَشِيعُها رأيت سيوفًا بينَ أثناء أدرعِ … مُذَهَّبَةٍ تَغْشَى العُيُونَ لموعُها فمن صبغة البدر المنير نُصُولُها … ومنْ نَسْجِ أنفاس الرياحِ دُرُوعُها

стр. 5334

صفا عيشُنا فيها وكادت لطيبها … تمازجُها الأرواح لو تستطيعُها وقوله (١): [من البسيط] في كلِّ يومٍ لعيني ما يؤرقُها … من ذكره ولقلبي ما يعذِّبُهُ ما زال يُبعدني عنهُ وأتبعُهُ … ويستمرُّ على ظلمي وأعتبُهُ حتى أوَتْ لي النوى من طول جفوته … وسهَّلتْ لي سبيلًا كنتُ أرهبهُ وما البُعادُ دهاني بل خلائقُه … ولا الفراقُ شجاني بل تجنُّبهُ وقوله في حُسن التخلُّص (٢): [من الطويل] أقولُ وما في الأرض غيرُ قرارةٍ … تضامُخُ روضًا حولها متقاربا أباتَتْ يدُ الأستاذ بين رياضِها … تدفُّقَ أُمٍّ أهدتُ إليك سحائبا ألبسُها أخلاقَةَ الغُرِّ فاغتدتْ … كواكبُها تجلو عليك كواكبَا أؤثِّثُ حواشيها خواطرُ فكرهِ … فأبدَتْ من الزهر الأنيق غرائبا أهزُّ الصَّبا قضبانهُ كاهتزازه … إذا لمسَتْ كفِّيهِ كفِّك طالِبا أخالُثهُ يصبو نحوها فتزينت … تُؤمِّلُ أن يختار منها ملاعبا! وقوله (٣): [من الطويل] ولما تداعت للغروب شموسُهم … وقُمنا لتوديع الفريقِ المُغربِ تلقين أطرافَ السُّجوف بمَشرقِ … لهنَّ وأعطاف الخُدور بمغرب فما سرَّني إلاَّ بين دمْعِ مُضيّع … ولا قمنُ إلاَّ فوق قلبٍ مُعذَّب كأنَّ فؤادي قرنُ قابوسَ راعهُ … تلاعبهُ بالفيلق المتأشب وقوله (٤): [من الخفيف] ليلة لِلَّعَيُون فيها وللأس … مَاع ما لِلْقُلُوب والأمالُ نظمتْ لي المُدامُ فيها الأماني … مثلَ نَظم الأمير شمسُ المَعالي وقوله في العيادة (٥): [من الطويل] بعينيَّ ما يَخْفِي الوزيرُ وما يُبْدِي … فنورُهُما من فَضْلِ نُعمائِه عندي

стр. 5335

لأَعْدَى تَشَكّيكَ البلاد وأهلها … وما خلتُ أن الشكو يُعدي على البعد ولم أدر بالشكوى التي عرضت له … ونُعماه حتى أقبل المجد يستعدي وما هي إلا مِنْ تَلَهُبِ ذهنِهِ … توقّد حتى فاض من شدّة الوَقْدِ وقوله من أخرى يهنئه بالبرء (١): [من الطويل] تقسمت العلياءُ جسمَكَ كلَّهُ … فَمِنْ أين فيه للسقام نصيب إذا المَتْ نفس الوزير تألمت … لها أنفس تحيا به وقلوب وليس شُحوبًا ما أراه بوجهه … ولكنَّهُ في المَكْرُمَاتِ نُدُوبُ وقوله (٢): [من الطويل] وما الشَّعْرُ إلا ما استفزّ مُمَدَّحًا … وأطربَ مُشتاقًا وأرضى مغاضبا أطاع فلم توجد قوافيهِ نُفّرًا … ولم تأتِهِ الألفاظ حَسْرَى لواغبا وفي الناس أتباع القوافي تراهُمُ … يبثّونَ في آثارِهِنَّ المقانبا إذا لحظوا حرفَ الرَّوِيِّ تبادروا … وقد تركوا المعنى مع اللفظ جانبا وإن منعوا حُرَّ الكلام تطرّقوا … حواشيه فاحتالوا الضعيف المقاربا ولكنني أرمي بكل بديعةٍ … تظلُّ بألباب الرجال لواغبا تسير ولم تَرْحَل وتدنو وقد نأت … وتُكْسِبُ حُفَّاظ الرجال المراتبا ترى الناسُ إما مُسْتَهَامًا بذكرها … ولوعًا وإما مُستعِيرًا وغاصبا أذود لئام الناس عنها وأتَّقِي … على حَسَبِي إذ لم أصُنْها المعايبا وأعضلها حتى إذا جاءَ كفؤُها … سمحت بها مستشرفات كواعبا وأي غيور لا يُجيب وقد رأى … مكارمك اللاتي أتين خواطبا وقوله (٣): [من الطويل] تر كلَّ بيت مستقلًا بنفسِهِ … تُباهي معانيه بألفاظه الغُر كأَنَّكَ إِذْ مَرَّتْ على فيك أفرغت … ثناياك في ألفاظها بهجة البشر كفتنا حميا الخمر رقَّةُ لفظها … وأمننا تهذيبها هفوة السُّكْرِ وقوله من جواب (٤): [من الطويل]

стр. 5336

تَنَازَعَها قلبي مَلِيًا وناظري … فأعطيتُ كلًا من محاسنها شَطرا تضاحكنا فيها المعاني فكلّما … تأملت منها لفظةً خِلتَها ثَغْرَا فمن ثيب لم تفترع غير خلسةٍ … وبِكْرٍ من الألفاظ قد زُوجَتْ بِكُرا فلا تشك أحداث الزمان فإنني … أراه بمن يشكو حوادثهُ مُغَرى وهل نَصَرِتْ مِنْ قبل شكواك فاضلًا … فتأمل منهن المعونة والنصرا وما غَلَبَ الأيام إلا مجرب … إذا غلبته غايةٌ إلى الصبرا وقوله (١): [من الطويل] يقولون لي فيك انقباض وإنما … رأوا رجلًا عن موقف الذُّلِّ أحجما وما زلتُ منحازًا بعرضي جانبًا … منَ الذمّ أعتد الصيانة مَغْنَمَا إذا قيل: هذا مشرب قلتُ: قد أرى … ولكنَّ نفس الحر تحتمل الظما ولم أقض حق العلم إنْ كانَ كُلَّما … بدا طمع صيّرته لي سُلَّما ولم أبتذل في خدمة العلم مُهْجَتِي … لأخدُمَ مِنْ لاقيت لكن لأُخْدَما ولو أن أهل العلم صانوه صانَهم … ولو عظمُوهُ في النفوس لعُظما ولكن أهانوه فهان ودنّسوا … محياه بالأطماع حتى تجهما وقوله (٢): [من الطويل] كأني ألاقي كل يوم ينوبني … بذنب وما ذنبي سوى أنني حر إذا لم يكن عند الزمان سوى الذي … أضيقُ به ذَرْعًا فعندي له الصبر وقالوا توصل بالخضوع إلى الغِنَى … وما علموا أن الخضوع هو الفقر وبيني وبين المالِ بابانِ حَرَّما … عليّ الغِنَى: نفسي الأبية والدهر إذا قيلَ: هذا اليُسْرُ أبصرتُ دونَه … مواقف خيرٌ من وقوفي بها العسر إذا أقدموا بالوَفْرِ أقدمتُ قبلَهم … بنفس فقير كلُّ أخلاقِهِ وَفْرُ وماذا على مثلي إذا خضعت له … مطامعُهُ في كَفَّ مَنْ حَظِّهُ التَّبْرُ ومنهم: [١٦٥] أبو طالب، عبد السلام بن الحسين المأموني، من أولاد المأمون (٣) بقية تلك السلالة، وشعلة تلك الذبالة، وآخر ذلك البحر الذي لم يبق منه إلا

стр. 5337

بلالة، والبدر الذي ذهب أثره في الهالة، والذكاء الذي لا يذكر معه سواه إلا علالة، والكرم الذي لا يُفضي إلا مَلَالة، والشرف الذي غني بنفسه فلا يحتاج إلا دلالة. أتى في هذا البيت ندره، وطلع شاعرًا مِدْرَه، يذكر من سلفه الكريم منائح الآباء وقرائح الألباء، فطفق ينثر درّه، ويثير خواطر له عليها قدره، ومواطر لو وقعت على النهر، لوشح بجوهرها صدره، أو سقطت إلى غيور حيي أسكن عُرُبَها الأبكار خدره، وزاد فخار العقب المأموني، وزان أقمار النسب الهاروني، وانتهى إليه ميراث فضل المأمون، وحطت لديه ركائب حموله، وشاد بذكره هو لا دعبل بعد طول خموله. وأثنى عليه صاحب اليتيمة (١) ثناءً لو أنه على الروض، لما خاف أن يمشي بالنميمة. ومن كلمه التي نقطف نوارها، ونتحف بمجاج النحل ثمارها، ويصرف دجى الليل ضوء مدامها المتوقد إلا أنه نورها لا نارها، قوله يذكر دارًا بناها بعض الرؤساء من قصيدة (٢): [من الخفيف] ضاقتِ الأرضُ عنكَ فارْتَدْتَ رَبْعًا … يسعُ البحر والحيا والسماحا فهنيئًا منها بدار حوت منـ … ك جبالًا من الحلوم رِجَاحا ذاتِ صحن كرَحبِ صدرِكَ قد زا … دَ على ظن آمليك انفساحا يُفرسُ الصَّدُّ في ذراها من التقـ … ـبيل غَرْسًا فتجتنيه نجاحا ما بكاء الرياض بالطَّلِّ إلا … خجلًا من رياضها وافتضاحا وكأن الأبوابَ صَحْب تلاقيـ … ـنَ انغلاقًا ثم افترقن انفتاحا وكأنَّ الستور قد نُقِش الطا … ووس فيها مِنْ كلّ بابٍ جناحا وكأن الجامات فيها شموس … أطلَعَتْها ذرى القباب صباحا

стр. 5338

وبيوت كأنهنَّ قلاع … مزمعات للنيرين نطاحا وقوله في المنارة (١): [من الطويل] وقائمة بين الجلوس على شَوَى … ثلاث فما تخطوبهنَّ مكانا على رأسها نجل لها لم تجنَّهُ … حشاها ولا عَلَّتْهُ قطَّ لبانا يشدّد في أعلاه كلَّ دُجُنَّةٍ … يشقُّ جلابيب الظلام سنانا وقوله في الحمام (٢): [من الطويل] وبيت كأحشاءِ المُحِبِّ دخلته … ومالي ثياب فيه غير إهابي أرى محرمًا فيه وليس بكعبةٍ … فما ساغ إلا فيه نزع ثيابي بماء كدمع الصَّب في حَرِّ قلبه … إذا آذنت أحبابه بذهاب توهّمتُ فيه قطعةً من جهنّم … ولكنَّها مِنْ غيرِ مَس عقاب يثيرُ ضَبابًا بالبخارِ مُجلّلًا … بدورَ زُجَاجِ في سماء قباب وقوله في ماء بجليد (٣): [من الرجز] ورائق مثل الهواء صافي أسرع في الجسم من العوافي فسيه الجليد راسب وطافي كنه ودائع الأصداف وقوله في المنشفة (٤): [من المنسرح] منشفةٌ خَمْلُها تخالُ بِهِ … قد فُتَّ كافورة على طبق كأنما أنبتت خمائلها … ما ارتشفت من لآلئ العرق وقوله في الباقلاء الأخضر (٥): [من مجزوء الرجز] وباقلاء أخضرِ … مثلِ سموط الجوهر أوساطهُ مَخطَفَةٌ … مثلُ خصورٍ ضُمَّر أطرافه مذروبةٌ … مسروقة من أنسر

стр. 5339

وَطَرْفٌ كَمِثْلِ الْـ … ـحْلَبْ طَرَفُ كَمِثْلِ الْمِسْطَرِ وقوله في العجة (١): [من المنسرح] عندي للضيف عُجَّةٌ شَرِقَتْ … بِدُهْنِهَا فَهِيَ أعْجَبُ العَجَبِ قد عَضَّتِ النارُ وَجْهَهَا وغدت … كياسمين بالوَرْدِ مُنْتَقِبِ وقوله في سمكة مشوية (٢): [من السريع] ماوية في النار مصلوبةٌ … يُصنعُ مِنْ فَضْتِها عَسْجَدُ كأنما جِلْدَتُها جَوْشَنُ … مُزَرْفَنُ الصَّنْعَةِ أو مِبْرَدُ وقوله في اللوزينج الرطب (٣): [من الطويل] ولوزينج يُعزى إلى الفُرْس خِلتُهُ … بَنَانَ عروس في رقاق الغلائل فإن حَمَلَتْ إحداه خمس حسبتها … زيادة كفّ بين خمس أنامل وقوله في التدرج (٤): [من الخفيف] قد بعثنا بكل لون بديع … كنبات الربيع أو هي أحسن في قناع مِنْ جُلنار وآس … وقميصين ياسمين وسوسن وقوله في الجمر خبا بعد اشتعاله لهبا (٥): [من الخفيف] أما ترى النار كيف أسْقَمَهَا القُرْ … رُ فأضحت تخبو وحينًا تسَخَّرْ وغدا الجمر والرماد عليه … في قميصين مُذْهَبٍ ومُعَصْفَرْ وقوله في البرد (٦): [من الطويل] وبيضاء كالبلور جاد بها الحَيَا … فأهوت تهادى بين أجنحة القطر تذوب كقلبِ الصَّبِّ لكنَّهُ جَوِ … بنارِ هَوَاهُ وهي مُثْلَجَةُ الصدر وقوله في الإسطرلاب (٧): [من الخفيف] وشبيه بالشمس يسترقُ الأ … خبار من بين لحظها في خَفَاءِ فتراه أدرى وأعلم منها … وهي في الأرض بالذي في السماء

стр. 5340

وقوله فيه (١): [من السريع] وعالم بالغيب منْ غيرِ ما … سَمْعِ ولا قلب ولا ناظر يُقابل الشمس فيأتي بما … في ضمنها من خبر حاضر كأنها ناجتهُ لمَّا بَدَا … بعينها بالفكر والخاطر فألهمته علم ما يحتوي … عليه صدر الفَلَكِ الدائر ومنهم: [١٦٦] الأمير شمس المعالي، قابوس بن وشمكير (٢) أمير لا يمارى، وملك بارى السحاب مدرارا، وسلطان تَخْضَرُّ يده ندى، ويلتهب فكره نارا، وجواد مطلق العنان أمن عثارا، وبطل يأتي بنجوم الظلام نثرًا، وهام الأبطال نثارا، وقائد جنود لا يطلب للمكاثرة أنصارا، ورائد وفى يرسل النبل حمائم والرماح أغصانا والسيوف أنهارا، ومبيد عِدًا لا يدع منهم على الأرض ديارا، وقاري ضيفان يوقد الدُّجُنَّة جل نار والأسنة جُلنارا. ذو حظ ما ذوى ولا انحط. كان يقول فيه الصاحب بن عباد: خط قابوس أم جناح طاووس.

стр. 5341

وقد وصفه العتبي (١)، ووصله بما اهتز له روضه الأدبي، كأن في كل قلب من خطه شهوة، وفي كل ذوق من كَلِمه قهوة، لمعان تعب من يعانيها، ولعب من طلب بها اللحاق وما قدر يدانيها، غضة الأطراف بضة الأعطاف رضية الأوصاف، فضية الكؤوس بذهبي السلاف، وضيئة المخيلات الشراف أجرى في الأفهام من الماء في المهندة الصقال، وأسرى في الكلام من البرق في السحب الثقال. منية أديب وغنية لبيب، وحلية نهار يُوشّع طرفاه بالتهذيب، ورمية طَرف يجرح القلب وهو لا يتنحى عن طريق سهمه المصيب. طائر في البلاد كأنما نصب له الهلال مصائد فخه، سائر في الآفاق كأنما لاق له الظلام دواته، وبرى البرق قلمه لنسخه ببدائع لو ولجت على الليل سِتْرَه لم يُرْخِهِ، أو أشعلت جمر الشقيق ما قدر لافح الريح على نفخه. ومن قوله الممتع بشرخه، وطوله الذي لا تقدر خيلاء الروض على بذخه (٢): [من البسيط] قل للذي بصُرُوفِ الدهرِ عَيَّرَنا … هل عاند الدهر إلا مَنْ له خطر أما ترى البحر تعلو فوقَهُ جِيَفٌ … وتستقرّ بأقصى قعره الدرر وإن نَكُنْ عبثت أيدي الزمانِ بنا … ونالنا من تمادي بؤسه الضرر ففي السماء نجوم ما لها عَدَدٌ … وليسَ يُحْسَفُ إلا الشمس والقمر وقوله (٣): [من البسيط] بالله لا تنهضي يا دولةَ السَّفَلِ … وقصري فَضْلَ ما أرخيتِ مِنْ طول أسرفت فاقتصدي جاوزت فانصرفي … عن التهوّر ثم امشي على مَهَلِ مُخَدَّمُون ولم تُخدم أوائلهم … مخوّلون وكانوا أرذل الخَوَل وقوله (٤): [من الكامل] خَطَرَاتُ ذكرك تستميلُ مَوَدَّتي … فأُحسّ منها في الفؤاد دبيبا لا عضو لي إلا وفيهِ صَبَابَةٌ … فكأنَّ أعضائي خلقن قلوبا ومنهم: [١٦٧] الأمير أبو الفضل، عبد الله بن أحمد الميكالي (٥) فارع إمارة، وفارس إغارة، وفاره ميدان يردي جاره، ويردي مجاريه

стр. 5342

عاره، وقابس جذوة ترمي في كل خطفة بشرارة، وقابض دُرٌّ يوالي نثاره، وطويل باع يهجم على الأسد داره، وينتزع البدر من الدارة، وذكيُّ قلب يصيب في كل إشارة، وحاضر خاطر لا تغيب له شارة، وحاضن لفظ لا يعيب ناقد الكلام له عبارة، ونديُّ كف يمطر ديما، ويخضر قلمه بلاغة وكرما. إن كتب فالورق وريق، والخط كالخط شفيفًا يعلوه بريق، والكرم جم لا يقع المزن في بحره بِلَّةَ ريق، والخطاب فصل لا يشتبه، والكتاب روضة من أعين زهرها منتبه وغير منتبه، وإن انتضى سيفه، راع الجيش لمعه، وفضَّ ما في الصدور وقعه وقص غريبًا من قائل يرفض بالدم دمعه. له نظم يسحر، ونثر يعجب من يتبخر، وما كل من تأمر على الأنام أُمر في أصناف الكلام ولكنها مواهب توجد في الندرة بعد الندرة، وفضل من الله لا تتأهل له كل فطرة، ولا تسري في كل فكرة وهذا أبو الفضل من أولئك الأفراد، وواحد كالألوف في رئاسة العلم، وسياسة العباد. وهو يعاني من التجنيس ما يخف ويصوب ماؤه ولا يجف. ومن أنموذج نسجه، وزهر مرجه، قوله (١): [من الطويل] لقد راعني بدر الدجى بصُدُودِهِ … ووكّل أجفاني برعي كواكبة فيا جَزَعي مهلًا عساه يعودُ لي … ويا كَبِدِي صبرًا على مَا كَوَاكِ به وقوله (٢): [من الطويل] عذيري من ريم رماني بسهمه … فلم يُخط ما بين الحشا والترائب فأصداغُهُ يلسعنني كالعقارب … وألحاظه يفعلن فعل العقار بي

стр. 5343

وقوله (١): [من الخفيف] إنَّ لي في الهوى لسانًا كَتُومًا … وفؤادًا يُخفي حريق جَوَاهُ غير أني أخاف دمعي عليه … ستراه يبدي الذي سَتَرَاهُ وقوله (٢): [من مجزوء الكامل] ومُهَفْهَفٍ يلهو بلُبْـ … بِ المرء منه شمائل فالرِّدفُ دِعْصُ هائل … والقدّ غصن مائل والخَدُّ نَوْرُ شقائق … تنشق عنه خمائل والطَّرْفُ سيف ما لُه … إلا العذارُ حَمَائلُ وقوله (٣): [من الكامل] هَبْهُ تغيَّر حائلًا عَنْ عَهدِهِ … ورمى فؤادي بالصُّدُودِ فأزعجا ما بال نرجسه تحوَّلَ وردةً … في خدِّهِ والوَرْدُ عاد بنفسجا وقوله (٤): [من مجزوء الكامل] فَصَدَ الطبيب ذراعه … فجرى له دمعي ذريعا وأمسني وقع الحديـ … ـد بعرقه ألما وجيعا فأريتُهُ مِنْ عَبْرَتي … ما سال من دمه نجيعا وقوله (٥): [من الخفيف] لم أَلَمْهُ أن اتقى بحجاب … ردَّني واله الفؤاد لما بي هو روحي وليس يُنكَرُ للرو … حٍ تَوَارٍ عن الورى بحجاب وقوله (٦): [من الرجز] ظبي يحار البرق في بريقه غَنِيْتُ عن إبريقه بريقهِ ولم أزل أرشف من رحيهِ

стр. 5344

حتى شَفَيْتُ القلب مِنْ حريقه وقوله (١): [من السريع] كم والد يحرم أولادَهُ … وخيره يحظى به الأبعد كالعين لا تُدرك ما حولها … ولحظها يُدرِكُ ما يبعُدُ وقوله (٢): [من الطويل] بنفسي غزال صار للحسن كعبةً … تُحجُّ مِنَ الفَجِّ البعيد وتُقصَدُ دعاني الهوى فيه فلبيتُ طائعًا … وأحرمت بالإخلاص والسعي يشهد فجَفْنِي للتسهيد والدمع قارنٌ … وقلبي فيه للصبابة مُفْرَد وقوله (٣): [من الطويل] يصوغ لنا كف الربيع حدائقًا … كعقد عقيق بين سمط لآلي وفيهنَّ نُوّار الشقائقِ قَدْ حَكَى … خُدُودَ عَذارى نقطت بغوالي وقوله (٤): [من الطويل] وما ضم شمل الأنس يومًا كنرجس … يقوم بعذر اللهو عن خالع العُذْرِ فأحداقه أقداح تِبْرٍ وساقُهُ … كأسوقِ ساق في غلائلهِ الْخُضْر وقوله (٥): [من الرجز] أما ترى الزهرة قد لاحت لنا … تحت هلال نُورُهُ نورُ اللَّهَبْ ككرةٍ مِنْ فِضَّةٍ مَجْلُوَّةٍ … أوفى عليها صولجان من ذهب وقوله (٦): [من الخفيف] عيرتني تَرْكَ المُدامِ وقالت: … هل جفاها من الكرام لبيب هي تحت الظلام نُورٌ وفي الأكـ … بادِ بَرْدٌ وفي الخدود لهيب قلت: يا هذه عدلت عن النـ … ح وما للرشاد فيكِ نصيب إنها للستورِ هَتْك وبالألـ … باب فتك وفي المَعَادِ ذنوب

стр. 5345

وقوله (١): [من الخفيف] خير ما استعصمت به الكَفُّ يومًا … في سوادِ الخطوبِ عَضْبٌ صَقِيلُ عن سؤال اللئام مغنٍ وفي العظ … ـمِ مُغَن وفي المنايا رسول وقوله (٢): [من الخفيف] خير ما استطرف الفوارسُ طِرْفٌ … كِلُّ طَرْفٍ لحسنه مبهوت هو فوق الجبال وعل وفي السهـ … لِ ظَلِيمٌ وفي المعابر حُوْتُ وقوله (٣): [من الطويل] أَخٌ لي أمّا الودُّ منه فزائد … وألفاظه بين الحديث فرائد إذا غاب يومًا لم يغب عنه شاهد … وإن شهد ارتاحت إليه المشاهد وقوله (٤): [من الكامل] تمت محاسنه فما يُزري بها … مَعْ فضلِهِ وسخائه وكماله إلا قصور وجوده عن جوده … لا عون للرجل الكريم كماله وقوله (٥): [من الكامل] يا دهرُ دَعْ ظُلْمَ الكرام فهمْ … عِقْدٌ لنحرك لو درى النَّحْرُ سالمهم واستبقِ ودَّهُمُ … فهم نجوم ظلامِكَ الزُّهْرُ وقوله (٦): [من الطويل] دع الحِرْصَ واقنع بالكَفَافِ مِنَ الغِنَى … فرزقُ الفتى ما عاش عند معيشه فقد تُهْلِكُ الإنسان كثرةُ مالِهِ … كما يُذبح الطاووس من أجل ريشه وقوله (٧): [من البسيط] متع شبابك من لهو ومنْ طَرَبِ … ولا تُصِخْ لِمَلامِ سَمْعِ مُكترث فخير عيش الفتي ريعانُ جِدَّتِهِ … فالعمرُ من فضة والشيب مِنْ خَبَثِ وقوله (٨): [من الرجز]

стр. 5346

رُبَّ جَنِينٍ مِنْ حِمَى نَمِيرِ مُهَتِّكِ الأَستَارِ وَالضَّمِيرِ سَلَلْتُهُ مِنْ رَحِمِ الغَدِيرِ كَأَنَّهُ صَحَائِفُ البِلَّوْرِ أَوْ أُكَرٌ تَجَسَّمَتْ مِنْ نُورِ أَوْ قِطَعٌ مِنْ خَالِصِ الكَافُورِ لَو بَقِيَتْ سِلْكًا عَلَى الدُّهُورِ لَعَطَّلَتْ قَلَائِدُ النُّحُورِ أَوْ أَخْجَلَتْ جَوَاهِرَ البُحُورِ وَسُمِّيَتْ ضَرَائِرَ الثُّغُورِ يَا حُسْنَهُ فِي زَمَنِ الحَرُورِ إِذْ قَيْظُهُ مِثْلُ حَشَا المَهْجُورِ يُهْدِي إِلَى الأَكْبَادِ وَالصُّدُورِ رُوحًا تُحَاكِي نَفْثَةَ المَصْدُورِ ومنهم. [١٦٨] أبو محمد، الحسن بن علي بن وكيع التنيسي (١) صاحب لسان نضناض، وساحب ذيل فضفاض، وموسع برود كقطع الرياض، وموشي رقوم كالبرق في تطريز الإيماض، أو كورد خد استدار به آس عذار فاض، وأطل عليه نرجس الحدق المراض، وفدَّته العيون بمثله من السواد والبياض. فضل.

стр. 5347

يوجّه ما شاء من الحجة، وينبه من تاه على اتباع المحجة، وعلم لا يعيا بقطع منازع، وفهم عنده بصحة الدليل لكل مجادل وازع، عارف بالأدب علمًا وعملًا، وطائف في طرق الصناعة يسلك سُبُلها ذللًا. إذا ركب كلامًا كان قيودًا لكنها لا تألف التعقيد، وقلائد إلا أنها كلها فريد، ونجومًا سعيدة وما كل نجم في السماء بسعيد، ودررًا ما رأى الناس مثلها في بيوت قصيد، ولملكته في فنون الأدب، ونسلها إليه من كل حذب، واطلاعه على الأشعار وقالتها، وإحاطته منها بمعان عمة الناس في جهالتها. صنف على شعر المتنبي كتابًا سماه [المنصف]، تكلم فيه على سرقاته الفاضحة، ومآخذه الواضحة، ورماه بالأوابد، وآتى بنيانه من القواعد. أنبأ عن غزارة مدد، وكثرة حفظ لا يحضر بعدد. ومن وقف عليه علم بأن محل ابن وكيع كقدر البدر في فلكه الرفيع. وأما نظمه فكله بديع. منه: قوله: [من الرمل] غَرَّدَ الطَّيْرُ فَنَبَّهْ مِنْ نُعَاس … وَأَدَرَّ كَأْسَكَ فَالْعَيْشُ خَلُس شَلَّ سَيْفَ الفَجْرِ مِنْ غِمْدِ الدُّجَى … وَتَعَرَّى الصُّبْحُ عَنْ ثَوْبِ الغَلَس وانْجَلَى عَنْ حُلَلٍ فَضِيَّة … نَالَهَا مِنْ ظُلَمِ اللَّيْلِ دَنَس وقوله من مزدوجة (١): [من الرجز] مَا العُذْرُ في السَّلْوَةِ عَنْ غَزَالٍ … مُنْقَطِعُ الأَقْرَانِ والأَشْكَال تَسْتَخْلِفُ الشَّمْسُ لَدَى الزَّوَالِ … ضِيَاءَ خَدَّيْهِ على اللَّيَالِي والشَّكْلُ والخِفَّةُ في الأَرْوَاحِ … أَمْلَحُ ما يُعْشَقُ في المُلاحِ مَنْ كَانَ يَهْوَى مَنْظَرًا بَلا خَبَرٍ … فَمَا لَهُ أَوْفَقُ مِنْ عِشْقِ القَمَر وقوله من أخرى يذكر فصل الربيع (٢): [من الرجز] نَهَارُهُ مِنْ أَحْسَنِ النَّهَارِ … غَايَةُ الإِشْرَاقِ وَالإِسْفَار تَضْحَكُ فِيهِ الشَّمْسُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ … كَأَنَّهَا في الأُفُقِ جَامُ مِنْ ذَهَب ولَيْلُهُ مُسْتَلْطَفُ النَّسِيمِ … مَقْوَمٌ في أَحْسَنِ التَّقْوِيم لَبِدْرِهِ فَضْلٌ على البُدُورِ … في حُسْنِ إِشْرَاقٍ وَفَرْطِ نُور كَجَامَةِ البُلُّورِ في صَفَائِهَا … أَذَابَتِ الجِرَّادَ في نِقَائِهَا كأَنَّهُ إِذا دَنَتْ في نَجْحِرِهِ … جَوْزَاؤُهُ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِهِ

стр. 5348

روميةٌ حُلَّتُها زرقاء … في الجِيدِ منها درة بيضاء فيه يظلُّ الطير في ترنم … حاذقة باللحن لم تُعلَّم غناؤها ذو عُجْمَةٍ لا يفهمُةً … سامعُهُ وهو على ذا مُغْرَمُه من كل دبسي له رنين … وكلّ قُمْرِي له حنين في قرطق أعجل أن يوردا … خاط له الخياط طوقًا أسودا هذا وفيه للرياض منظرُ … يُفشي الثرى من سِرِّها ما يُضمِرُ سِرَّ نباتٍ حسنُهُ إعلانُهُ … إذا سواه زانه كتمانه فيه ضروبٌ للنباتِ الغَضُ … يحكي لباس الجُنْدِ يومَ العَرْضِ من نرجس أبيض كالثغور … كأنهُ مَخَانِقُ الكافور وروضةٍ تُزْهِرُ من بنفسج … كأنها أرض من الفيروزج قد لبست غلالة زرقاء … قد كايدت بلبسها السماء تُبصرُها كثاكل أولادها … قد لبست منْ حَزَنٍ حِدَادَها يضحك فيها زَهَرُ الشقيق … كأنه مداهن العقيق مضمّنات قطعًا منَ السِّبَج … فأشرقت بين احمرار ودَعَج كأنما المُحْمَرُّ في المُسَوّد … منه إذا لاح عيونُ الرُّمْدِ وارم بعينيك إلى البهارِ … فإنه من أحسن الأنوار كأنه مداهن من عسجد … قد سمرت في قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ واشرب عقارًا طال فينا كونُها … يصفرُّ من لون المزاج لونها من كف ظبي من بني النصارى … ألبابنا في حسنه حيارى يُبدي جمالًا جلَّ عَنْ أنْ يُوصفا … لو أنه رزق حريص لاكتفى وقوله (١): [من الرجز] وانظر إلى النارنج في بهجتِهِ … يلوح في أفنان هاتيك الشجر مثل دبابيس نُضَارٍ أَحْمَرٍ … أو كعقيق خُرِّطَتْ مِنْ أُكَرْ كأن زَهْرَ الباقلاء إذ بدا … لناظريه أعين فيها حور كمثل ألحاظ اليعافيرِ إذا … روَّعَها من قانص فَرْطُ الحَذَر كأنهُ مَدَاهِنُ مِنْ فِضَّةٍ … أوساطها بها مِنَ المسكِ أَثَرْ كأنه سوالف منْ خُرَّدٍ … قد زَيَّنَتْ بياضها سُوْدُ الطَّرَر

стр. 5349

وقوله في الخمر (١): [من مخلع البسيط] خَيالُها جِسمُهُ لُجَينُ … وجِسمُها شَخصُهُ نُضَارُ كأنَّها تحتَهُ كُمَيتٌ … عليهِ مِنْ فِضَّةٍ عِذَارُ منها في الساقي: [مخلع البسيط] كأنَّ صُدْعًا له تراه … وهو على خده مُدَارُ مدان آس بدا جنيا … أُلهِب في جانبيه نار وقوله (٢): [من الطويل] فمن نرجس لما رأى حُسنَ نفسِهِ … تَدَاخَلَهُ عُجْبٌ بها فتبسما وأبدى على الورد الجني تطاولًا … فأظهر غيظُ الورد في خَدِّهِ دَمَا وقوله (٣): [من الوافر] سلا عنْ حُبِّكَ القلب المشوقُ … فما يصبو إليكَ ولا يتوقُ جفاؤك كانَ عنكَ لنا عزاءً … وقد يُسلي عنِ الولدِ العُقُوقُ وقوله (٤): [مخلع البسيط] أبصره عاذلي عليه … ولم يكن قبل ذا رآه فقال لي: لو هويت هذا … ما لامك الناسُ في هَوَاهُ قل لي: إلى مَنْ عَدَلْتَ عنه … فليس أهل الهوى سِوَاهُ فظل من حيث ليس يدري … يأمرُ بالحُبِّ مَنْ نَهَاهُ وقوله (٥): [من الكامل] إن كان قد بَعُدَ اللقاء فودنا … باقٍ ونحنُ على النَّوَى أحباب كم قاطع للوصل يؤمَنُ وُدُّهُ … ومُوَاصل بودادِهِ يُرتاب وقوله (٦): [من الكامل] يا من إذا لاحت محاسن وجهه … غَفَرَتْ بِدائعها جميع ذُنُوبِهِ

стр. 5350

والنجم يعلم أن عيني في الدُّجَى … معقودةٌ بطلوعِهِ وغُرُوبِهِ وقوله (١): [من المجتث] وجلنار بهي … ضرامه يتوقد بدا لنا في غصونٍ … خُضْرٍ من الرِّي مُيَّدْ يحكي فصوص عقيق … في قُبَّةٍ مِنْ زَبَرْجَدْ وقوله (٢): [من الكامل] ازْهَد إذا الدنيا أنالتكَ المُنَى … فهناكَ زُهْدُكَ من فروض الدين والزهد في الدنيا إذا ما رُمتَها … فأبت عليكَ كَعِفَّةِ العِنّين وقوله (٣): [من الخفيف] فَحَمٌ شَبَّهُ الغلام وأدنى … في كوانينه حياة النفوس كان كالآبنوس غيرَ مُجَلَّى … فغدا وهو مُذْهَبُ الآبنوس لقي النار في ثيابِ حِدَادٍ … فكستْهُ مُصَبَّغات عروس ومنهم: [١٦٩] أبو عبد الله، الحسين بن أحمد بن الحجاج (٤) فاتح باب، ومانح لُباب، وماتح بحر لا غدير ولا سحاب، ونازح فكر يجيء بكل معنى قريب، ومبنى أجنبي وما هو بغريب. فتح باب المجون، ومنح منه اللباب

стр. 5351

المصون، وجاء بغرائب ما سبق إليها ولا لحق فيها، وقد زوحم عليها وكان في هذا الباب نظير امرئ القيس في ذلك الباب. كل منهما افترع بكرًا عذراء ما لها أتراب، وأطلع حقيقة لا تتوارى بحجاب، ولا تصل إليها الأيدي وهي مطمعة أطماع السراب. جعل الهزل كالجد الصريح، وكسا الباطل زخرفًا حتى كأنه الحق الصحيح، وأجاد في السُّخف حتى استخف الوقور، وهزّ المعاطف بنشأة المخمور، واخترع ملحًا بها الإعجاب وما زاد على كلام الناس المتداول بينهم وفيه العجب العجاب. وحكي أنه كانت له في حارة الزط دار تجاورهم ويتأدى بها إلى سمعه تحاورهم، وكان يسمع من لغاتهم السخيفة، ونزغاتهم الظريفة ما نظمه شعرًا، وعلمه في بابل سحرًا، وأعانه على هذا إقبال منه على الخلاعة وإقبال عليه نفق له هذه البضاعة، فكانت ملوك بني بويه وبني حمدان فمن دونهم لا تقبل منه مديحًا حتى يكون السخف غزله، ولا يعجبها منه الجد إلا إذا كان الهزل أوله، ولقد مدح بعضهم بقصيدة لطيفة يذوب غزله، ينوب عن لمى الشفاه قبلها وعن ثغور الغيد المنظمة مقبلها. فلم يهش له الممدوح، ولا جرى للبشاشة في قبولها، روح، واستدعى المدح منه على طريقته المعهودة منه سلوكها المنضود به في ترائب اللهو سلوكها، فلما أتى بها على منهجة، قبلت وكثرت وما قللت فكان بعد هذا مقبلًا على شأنه في هذا الأسلوب، قائلًا منه ما يأخذ بمجامع القلوب. على أن المجمع عليه أنه كان على طريق حميدة من العفاف، وسبيل ما طار به قزعة من الخفاف، وإنما كان يقول هذا تظرّفًا يهصر جنّاته الألفاف، وتلطفًا لا يطرأ على ورقاته الجفاف. وقد قال عند موته لابنته، وقد هبب الهواء ثوبه عن سوءته: يا بنية غطي سوءة ما عصت الله قط. وكان مقبوضًا حتى غطته فانبسط لكنه كان رافضيًا لا يسلم منه مذهبه،

стр. 5352

ولا يعلم منه في طرز الشعر ما ساء به مذهبه، وقد قيل: إنه رئي في النوم بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال (١): [من الرجز] أفسد حسنُ مَذْهَبِي في الشعر سوءُ مَذْهَبي وحَمْلِي الجد على ظهر حصان اللعبِ لم يرض مولاي علي سبي لأصحاب النبي فلم ينكر أديب من أهل عصره أنها شعره، وشبيهة بشعره. وقد نُقل أنه أوصى أنه يدفن عند رجلي موسى بن جعفر ﵉، ويكتب على قبره: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (٢). وقال الثعالبي، وقد أرخى العنان، فيما اختار له على اختلاف الأوزان، مما زان وخف على الأذهان، وقد ثقل في الميزان: «ومحاسن ابن الحجاج لا تنتهي حتى ينتهى عنها» (٣). ونحن الآن نذكر جوهره ومن أبدع ما أثبته من سطره قوله: [من الخفيف] جبل كنتُ في ذراه فزلت … من ذراه برجلي الصفراء معرض كيف دارَ دُرْتُ بوجهي … فهو شمس وعبده حرباء وقوله (٤): [من الخفيف] لا تسلني عن شرح حالي فإني … كالخرا الرطب فوق رأس الماء رجل ناشف المعى فارغ الجو … فِ من الجوع ضامر الأحشاء فأنا اليوم من ملائكة الدو … لة أحيا وحدي بغير غذاء منها: تشتكي خيله الوَجَى مِنْ سُرَى الـ … ليل إلى كل غارة شعواء فإذا ما أراحَها رَكَضَ الخو … ف بها في خواطر الأعداء

стр. 5353

وقوله (١): [من الخفيف] رب ريح يوم الدواء دَبُورٍ … وسوست في عصاعص الأغبياء قدروها فُسًا وقد كَمَنَ الـ … جَعْس لهم في مَهَبٌ ذَاكَ الفُساءِ فإذا الفرش في خليج سلاح … ذائب في قوام جسم الماء فاتَّقِ الله أن يغرك ريح … عَصَفَتْ في جوانب الأحشاء وقوله (٢): [من البسيط] فديت من أبصرتني شِبْتُ مُكْتَهِلًا … فأمعنتْ باستها من لحيتي هربا يصبو خراها إلى عثنون عاشقها … كأنَّ بينَ خِرَاها واللِّحَى نَسَبًا كأنَّ مبعرها في أصلِ شِعْرَتِها … بَثْقٌ أعدوا عليه الشوك والحَطبا تُصِمُّ إن ضرطت أذن الرقيب فلا … عَدِمْتُ فرقعة أست تُطرِسُ الرُّقَبَا ومدمج ذي خُصى كالضَّرِعِ مُحْتَقِبًا … ما مُصَّ مُذْ نحو شهرين ولا حلبا كأنه ثعلب في الكَرْم يَطفُرُ ما … بين العناقيد حتى يخرطَ العِنَبَا تشككت باستها فيه أمنْ خَشَبٍ … قد صار أم هو شيء يُشْبِهُ الخَشَبا كأَنَّهُ ساجَةٌ لو شُرِّحَتْ جُعلت … لبعض أبواب أجحار النسا عَتَبَا وأنشدت بعدما جستهُ فَقْحَتْها … فما رَأَتْ ثَمَّ لا لحمًا ولا عَصَبا: أمسى يُواثبني في أستي فأدَّبني … (أبعد خمسين مني يبتغي الأدبا) منها في الخمر: حمراء يُمْسِي بناني وهو فوق يدي … منها بمثلِ شُعاع الشمس مُختصِبا وأربح الناس عندي في تجارتِهِ … مُحَصّلٌ يَشتري بالفِضَّةِ الذَّهَبا وقوله: [من الطويل] فمن غادة مُلتفَّةِ الخَص شَحْمُها … نديفٌ على أردافها والحوالبِ ومن أمرد تنزو الفياش على أستِهِ … إذا كفّها الإنعاظُ نَزْوَ الجَنَادب وقوله: [من المنسرح] كأن شفريه عندما هَدِلا … شِدْقُ بعيرٍ مُهَنّا جَرِبِ كأنَّ ناسور باب مبعرِها … عنقودُ كَرم مزيَّتِ العِنَبِ كأنما الأيرُ فوقَ عُصْعُصِها … راكبُ جَمَّازة على قَتَبِ

стр. 5354

ومنه قوله: [من الخفيف] مختل خضبت رأسها ووجهت … بسوءٍ فهًّا فكانت جوابي وعلى رأسها ولا قصب الخُصّ … رِدًا حائل بلون التراب فتوهّمتُ رأسها من بعيد … قفصًا فيه طائر عنابي وقوله: [من الطويل] وكان ولائي قبله مثل قبضة … من الريح في منقارِ عَنْقَاءَ مُغْرِبِ وقوله (١): [مخلع البسيط] وصَيْدُ زُبّي لكس سِتّي … ليس بناب ولا بمِخْلَبْ بخُصْيَةٍ جلدُها مُدَلَّى … وفَيْشَةٍ رأسها مُدَبَّبْ أحسنُ مِنْ صَيْدِ ألفِ كلب … في كل يوم لألف أرنب صبيّةٌ بَظْرُها بجَنْبي … يبيتُ مثل الصبي المُحَصَّبْ مفعولُ باب استِها يبأيرِ الـ … فاعل فوق الفراش يُنصَب ومنه قوله (٢): [من المتقارب] وأية دار تيممتها … تيمَّمَ بوابها حجبتي فإن أنا زاحمت حتى أموت … دخلتُ وقد خرجت مهجتي فيدفعني الناس بعد الوصول … إليهم وقد فترت همتي وإنْ قَدَّموا خيلهم للركوبِ … خرجتُ فقدمت لي ركبتي ولا لي غلام فأدعو به … سوى مَنْ أبوه أخو عمتي وكنت برأس كظهر الغُدَافِ … فقد صِرْتُ أقرع مِنْ فَيْشَتِي ومنه قوله: [من الخفيف] نَطَقَ الموت هاتفًا بك يدعو … ك وأنصارك الحضور سُكُوتُ ليس مُلْكٌ يزيلهُ الموتُ مُلْكًا … إنما المُلْكُ مُلْكُ منْ لا يموتُ ومنه قوله: [من السريع] رأيتُها وهي على سطحها … قاعدةٌ في جانب السطح فقلتُ بالمزح وفي طبعِها … فديتها صبر على المَرْحَ أشعرة في السطح أم هذه … لحية فرعون على الصرح

стр. 5355

فتى له منها: يومَ الوَغَى رايةٌ … قد قَسَّتِ الأعداء بالفرح قد كتب الإقبال في رأسها … أبْشِرْ بنصر الله والفتح يجلو دُجَى الخَطْبِ بوجه له … يُشرقُ فيه كوكب الصبح يا من إذا أجرى: إلى غاية … فات إليها سرعة المح ومنه قوله: [من المتقارب] أتتك الوزارة تسعى إليك … بوجهٍ عليه دليل النجاح وقد زاحموك فما زُعْزِعَتْ … مناكب رضوى بمر الرياح فكمْ ثُمَّ من رأس ذي لوثة … قد اعتدل اليوم بعد الطماح وشعري لا بد منْ سُخْفِهِ … ولا بُدَّ للدار منْ مُسْتَرَاح وقوله: [من السريع] خدك نسرين وتفاح … والآسُ في صُدْغِكَ قداح وشعرك الليل ولكن لنا … في الليل من وجهك مصباح يا ظالمًا قلبي إلى جَوْرِهِ … يَحِنّ مشتاقًا ويرتاح منها: أفسدتني بعد صلاحي فهل … يرجى لإفسادك إصلاح فتى له جُوَدٌ عميمُ النَّدَى … جَوَّالةٌ في الأرض سياح نُمسي كما تُصبح في خَيْرِهِ … وبأسُهُ يُرْدِي ويجتاح إن وعد الوعد فإنجازه … لقفل باب الوعد مفتاح إن المواعيد شُخُوص لها … مكارم الأفعال أرواح وقوله في نخاس اشترى له جارية، ووعده بالربح فيها وكتب عهدتها باسم طلحة غلام النحاس: [من السريع] قل لأبي الفتح الذي لم تزل … أخلاقُهُ طَيِّبَةً سَمْحَهُ ابتعت لي جاريةً ما اسمها … فَرْحَةُ لكنَّ اسْمَها قَرْحَمْ وقلت لي تربح في بيعها … غدًا فقد أربحتني سلحه وكيف يُرجَى الربح في عُهدةٍ … تُكتب: هذا ما اشترى طلحه ههات أن تخرج فرُّوجَةٌ … من بيضة فاسدة المحه فقل لمن يبتاعها: إنها … فارهةٌ جيدة الفقحه فسيحة السرم ففي نيكها … في الأست عندَ الفُقَهَا فُسْحَه عرس بها الليلة واجعل عِدًا … ذَقْنِكَ في باب استها صبحه

стр. 5356

وقوله: [من السريع] يا أيها الأستاذ يا مَنْ لَهُ … خلائق بالحُسْن ممدوحه است بن حجاج على ضَعْفِها … بذقن مَنْ يشناك منكوحه قد وقع الصلح الذي لم يكن … عنه لكم في الرأي مَنْدُوحَة لكنه صلح بسين على … عَنْفَقتي والسين مفتوحه ومنه قوله: [من مخلع البسيط] مريضةُ المُقلتين لكن … عين أستها صُلْبَةٌ صحيحة وذاتُ بَعْلٍ جَوَارُح أستي … من خوفِ عُثْنُونه جريحة مولاي هذي أبيات شيخ … في مدحِكُمْ جَيد القريحه جاءتك من حضرة الأماني … ممدودة الكَفِّ مُستميحه فانزل على حُكْمِها وإلا … صِرْنا جميعًا بها فضيحه ومنه قوله: [من المتقارب] ففي طبع أشعارِهِ رِقَةٌ … فخاطره أبدًا يَسْلَحُ وكم قد جَرَى فَي مَدَى مَذْهَبي … أناسٌ أكدوا وما أفلحوا رأوا غاية دونها مخرج … على حافتي بشرِهِ يَطْفَح فعادوا وقد جُشموا خُطَّةٌ … عنافقُهُمْ تَحتَها تَدْلَحُ ومنه قوله: [من مجزوء الكامل] جاءتك مَنْ تَعَبِ الـ … تكلّف والتعشفِ مُستريحَهْ مَدْحٌ إذا أنشدته … استخففت في الإنشادِ رُوحَه حلو وبعضُ الشِّعْرِ في الـ … إنشادِ تعلوه ملوحه وقوله: [من الخفيف] ولها شِعْرَةٌ ولا زَبَدُ البح … ر بياضًا وعُضْعُضُ كالمدادِ وُحر أشمط العذارين ألحَى … فيه سَمْتُ النُّساكِ والعباد عرفيني أم الدواهي متى كا … نت سيوف الخصي بلا أغماد ومنه قوله: [من البسيط] يا باني المَجْدِ لَمَّا انهدَّ مُعْظَمُهُ … وراعي الجُودِ لما أُهمل الجُودُ إن يحسدوك على فضل خُصِصْتَ به … فكل منفرد بالفضل محسود فَتَحْتَ ثغر المعالي وهو مُمتنِعٌ … صعبٌ وباب الأيادي وهو مسدود

стр. 5357

مكارم لك قبل اليوم شيّدها … أجدادكَ الغُر أو آباؤك الصيد فتى ينوب عن البيض الرقاق إذا … حَلَّتْ حُبَاها إلى الموت الصناديد رأي له مُحْصَدٌ زَرْعُ النفوسِ بِهِ … في الحربِ لا بسيوف الهند محصود منها في ذكر الخمر: من بنتِ كَرْم إذا استجليتَها خَجِلَتْ … فبانَ في وجه بنتِ الكَرْمِ تَوْرِيدُ مُرْ لي بها وبصوت من مهفهفةٍ … لها قَوَامٌ كغصن البانِ مَقْدُودُ رود الشباب فإنَّ الشيخ يُعجبُهُ … مِنَ الغَوَاني الفتاةُ الطَّفْلَةُ الرودُ بنت العناقيد في فيها وقد سدلتْ … جَعْدًا على رأسها منه عناقيد وقوله: [من المنسرح] فَرْعاءُ مِنْ رأسها وأسفلِها … تسحبُ شَعْرًا حِبَالَهُ مَسَدُ تجنّبت سُرْمَها الفياش فما … يدق في كُوّةِ اسْتِها وَتِدُ ومنعظ فوق سطح بضتِهِ … بالليل أَيْرٌ كَأَنَّهُ جُرَدُ إذا تمطى على الحشى انقلبتْ … بشَغْلِها في الحناجر المِعَدُ تحْبَلُ مَنْ أدخلَتْهُ منهُ بِهِ … سِرًّا وفي وقتِ سلِّهِ تَلِدُ حصنه جوف بيته عَسَسٌ … يُصفَعُ فيهِ الحُرَّاسُ مَنْ وَجَدوا فبات تحت اللحافِ يجلدُها … مِنْ فَزَعِ الصَّفْعِ وهو يَرْتَعِدُ وقوله (١): [من السريع] وقال والوردة في كفِّهِ … مَعْ قَدَح أذكى من النَّد اشرب هنيئًا لك يا عاشقي … ريقي من كفي على خدي ومنه قوله: [من المنسرح] دع عنك ذِكْرِ القتال كيف جرى … ومنهل القتل فيهِ مُورُودُ والناسُ صَرْعى على رؤوسهم … سُرَادِقٌ للسيوف ممدود ومنه قوله: [من الخفيف] إنَّ هذا الزمان كان بصيرًا … صَيْرَفيًّا مُهَذّبًا للنقودِ ثم شاخ الدهر الذي يحبو … بين عادٍ وتُبع وثمود واستمر العمى بعينيه حتى … أبدل الفِضَّةَ النقا بالحديد

стр. 5358

فَلِهَذَا سَادَ القُرُودُ وَصِرْنَا … نَحْنُ أَذْنَابَ بَعْضِ تِلْكَ القُرُودِ وقوله يعزي أخاه عن بنت ماتت له: [من الطويل] وَمَا المَيِّتُ فَافْهَمْ عَنْ أَخِيكَ إِذَا مَضَى … سِوَى غَائِبٍ عَنْ أَهْلِهِ نَازِحِ المَدَى فَإِنْ هُوَ لَمْ يُلْمِمْ بِنَا اليَوْمَ قَادِمًا … قَدِمْنَا عَلَيْهِ نَحْنُ فِي دَارِهِ غَدَا ومنه قوله: [من البسيط] زَبَّاءُ زَرْعُ استَها يُسقَى بداليةٍ … وبَطْرُها واقف في الزرع ناطور كَأَنَّ مِبْعَرَها في حَلْقِ فَيْشَلَتي … طَوْقٌ على عُنق كالدن مزرور لَهَا حِرٌّ أَشْمَطٌ قَدْ شَابَ مَفْرِقُهُ … عَلَيْهِ بَظْرٌ طويل فيه تدوير كأنه شاغر قد جاءَ من حَلَبٍ … شيخ على رأسه المحلوق طرطور واست لمبعرها عُمْقٌ بلا سَعَةٍ … كأنها جَبَلٌ في لحفه بير تَشَمُّ رِيحَ استِها في الزُّناة كما … تشم رائحة اللحم السنانير على استها رقباء يزعقون بها … كما يصيح على الزرع النواطير كَأَنَّها وهُمْ مِنْ حَوْلِها عَسَلٌ … تحميه من خارج الكور الزنابير منها: إِذَا انْثَنَتْ وتَغَنَّتْ خِلتَ قَامَتَها … عِصْنًا عَلَيْهِ قُبَيْلَ الصُّبْحِ شُحْرُور والمدح كالقِدْرِ لا تَمْرِي وَإِنْ أُكِلَتْ … إِلا إذا طُرِحَتْ فيها الأبازير منها: كَأَنَّهُ زَنْدُ مقطوع على سَرَقٍ … في زندِهِ الأيمن المقطوع ساجور تبارك الله فالدنيا كما زعموا … من استنام إليها فهو مغرور تَحْلُو مَذاقًا ولكن فوق تمرتها … لمن يقول بأكل التمر زنبور ومنه قوله: [من الطويل] فَتًى فوق رأس المجد يسحب ذيلُهُ … وَيَوْمَ الوَغَى يَلْقَاهُ وَهُوَ مُشَمِّرُ إِذَا رَامَ يومًا غِرَّةً من عدوّه … تأمل قبل الوِرْدِ من أين يصدر بقلب له عينان: عينٌ عن الهوى … تغضّ وعين في العواقب تنظر وقوله: [من البسيط] ظَبْيُ الكِناس الذي في طَرْفِهِ حَوَرُ … أمَا لوِرْدِ النوى بعد النوى صَدرُ قَلْبِي بكفك فانظر في تصفُحِهِ … هل نالَ حَظَّكَ مِنْ سَوْدائِهِ بشر الله جار بني حمدان ما طلعت … شمس وما دار في أرجائها قمر

стр. 5359

قوم يغضونَ منْ نَوْءِ السِّماكِ إذا … جادوا ويُزرونَ بالشعرى إذا افتخروا بدور تم منيراتٌ إذا جلسوا … وأُسْدُ غاب هصورات إذا نَفَرُوا لم يَبْقَ فيهم لمغتر بهم طَمَعُ … إلا عواطفُ حِلْم كلما قَدَرُوا مِنْ كلّ أغلب ما في جأشِهِ خَوَرٌ … تحتَ العَجَاجِ ولا في باعِهِ قِصَرُ إنَّ الأمير الذي أضحت شمائلُهُ … في الناس فاعلة ما يفعل المطر أنحى على طُغْيَةِ الأحداث فانكشفت … كالليل جَلَّى دُجَى ظلمائِهِ السَّحَرُ بهمةٍ يشمل الدنيا تيقُظُها … فليس يُعْجِرُها بَدْرٌ ولا حَضَر يا بن الذين تقصوا في العلا أمدًا … ما فوق غايته للنجم مُفْتَخَر رعيت سِرْبَ حِماهُ وهو مُخْتَرَمُ … واغتلتَ كيدَ عِداه وهو مُعتكر مُضَرِّمًا نارَ هذا وهي خامدةٌ … ومُطفِئًا نار هذي وهي تستعر مُلقٍ على فلواتِ الأرضِ كلكلَهُ … في ظلِّ أغلب ما في رأيهِ غَرَر تُنِيرُ تحتَ عَجَاجِ النقع غُرَّتُهُ … كما يُنير وراء الهالة القمر وقوله في وصف شعره (١): [من مخلع البسيط] نسيمُهُ مُنْتِنُ المعاني … كأنني قلته بجحري شِعْرٌ يفيضُ الكنيفُ فيه … من جانبي خاطري وفكري لو جَدَّ شِعْرِي رأيت فيه … كواكب الليل وهي تسري وقوله: [من المنسرح] يوم رأينا الرايات قد وردت … بالنصرِ بِيْضًا وأصدرت حُمْرَا والخيل مثل السفين يسبح في … الدماءِ شُهْبًا وتنكفي شُقرا وقوله (٢): [من مجزوء الرجز] مِنَ الجِنانِ ريقُها … وسُرمُها منْ سَقَرِ لها حرٌ كأنَّهُ … وجهُ غُلام خَزَري وشعرة أطرافها … شبه رؤوس الإبر وهذه قدة … قد سال فيها قذري تبيعُ في سوق الخرا … شَوَارِبًا وتشتري وقوله: [من مخلع البسيط]

стр. 5360

مَعْ قَيْنَةٍ لا تُريدُ غيري … فهي تجني بغير جذر أيريَ مَعْ أَنَّهُ طويل … أقصرُ مِنْ بَطْرِها بشبر وقوله (١): [من مجزوء الكامل] قد كنت قبل اليوم تطـ … لبني وتستدعي حضوري وأرى الجَفَا بعدَ الوَفَا … مثلَ الفُسَا بعدَ البَخُورِ ومنه قوله يصف فرسه: [من مخلع البسيط] يَئِن طول النهار تحتي … أنين شيخ به زحير ما فيه روح سوى ضراط … تَجْفُلُ من صوته الحمير وقوله (٢): [من الكامل] ياصاحبي استيقظا منْ رَقْدَةٍ … تزري على عقل اللبيب الأكيس هذي المجرة والنجومُ كأنَّها … نهر تدفّق في حديقة نرجس وأرى الصبا قد غلست بنسيمها … فعلامَ شُرْبُ الراح غير مغلس قوما اسقياني قهوةً روميةً … مِنْ عهدِ قيصر دَنَّها لم يُمْسَس صرفًا تُضيف إذا تسلّط حكمُها … مَوْتَ العقول إلى حياة الأنفس ومنه قوله: [من السريع] باتت كأن الفيش في رحمها … جماجمٌ في قعر ناووس كأنَّ أيري فوق عظم استِها … لَةٌ على جانب قَرْبُوس وقوله: [من المنسرح] من كلِّ مَنْ طنطكاه زوجته … تنجر حتى تصبح بالقوس قد خرق النيك سُرمها فغدت … مثل قميص بلا تخاريس وقوله: [من البسيط] وقائل كم تنيك قلت له: … ليس بنيك الحرام من باس خصاي قَوْسي وشِعْرَتي وَتَرِي … والسهمُ أيري والسرم برجاسي ومنه قوله: [من الوافر] أبا يعلى وأنتَ فتى تُحبّ الـ … مَديحَ فدونَك المدح الرخيصا بِرَاحٍ كالعقيق صفاءَ لونٍ … فلو جَمَدَتْ خَرَطناها فُصُوصا
следующие страницы →