بِالصَّبْرِ لَو أَصَابَهُ. فدَاوَتْ نَسِيْمُهُ وَصِبَا، وهَبَّتْ جَنُوبًا وَصَبَا. وسَكَنَ البَطَائِح، وسَكَب في رَواقها الأَحْمَدِيّ دَمْ كُلِّ دَمْع طَائِح. وعُنِي بشِعْرِهِ بَيْنَ يَدَيْ شَيْخِ الطَّائِفَة أَحْمَدُ بن الرّفاعي، قَدَّسَ اللهُ رُوحه، فَطَابَ به هو والفقراء، فعادت عليه بركاتُهم، وسَرَتْ فيه حَرَكاتهم، وحصلت له حظوة نَهْنَهَتْهُ في العراق، ورفعت رأسه من الإطراق، فلم يخل مجلس رئيس من منشد لشعره أو مستنشد، ومُتهم به أو مُنْجِد.
واتَّخذت ديوانه الوعاظ موضع إنشادهم، ومكان استشهادهم. فذهب بالقلوب، ونهب الألباب، بِلَفْظِهِ الخَلُوب، لِلطافة مأخذه، وقُربِ وصوله إلى القلب ومنفذه: حتَّى أنَّ الكلمة كانت تُختَطَف من فمه، وتُقتَطَفُ قبل أن يثمر بها أَفنانُ قَلمِه. فلا تُنشد له قصيدة إلا تَنَاهَبَ إِنشادها من حَضَر، وتواثَبَ إليها كل منهم وابتدر. فقل أن تميز مُنشد له بإنشاد، أو برز منفردًا بإيراد، لمسابقة الحضور له إلى أبياتها، مسارعة الجميع له إلى غاياتها، لسرعة انتشارها، وسعةِ اشتهارها، فجاء كله حلوًا رقيقًا، وصفوًا رحيقًا.
ومن مختاره المختال، وشجاره المعتال، قوله (١): [من المتقارب]
دَعُوهُ فقد قيل إن الغرام … جنون وما كَذَبَ القائل
ولا تَسَلُوا حاضرًا غائبًا … كفى مُخبرًا دَمْعُهُ السائل
قفَا بي ولو ساعة في العقيق … لنبكي على النَّاحِلِ النَّاحِلِ
يحاول من دمعه ناصرًا … على البين والناصر الخاذل
وقوله (٢): [من الطويل]
أَلَمْ تَسْأَمُوا عذلي، دَعُونِي والبُكَا … إلى مَ على فيض الدموعِ أَلام
أسُكَانَ نَجد أينَ أيَّامُ رامةٍ … إذ الورد من ماء الوصال جمام
صحا كل ذي سُكر بكم غير شارب … له النَّجمُ خِدْنٌ والدُّموعُ مُدام
سلوا غير طرفي إن سألتم عن الكَرَى … فما لجفون العاشقين منام
стр. 5637
وخلّوا زفيري يَحْدُ دمعي فكلَّما … تَتَابَعَ برق استهل غمام
وقوله (١): [من البسيط]
أضِلَّةٌ وطريقُ الرَّكْب ملحوب … وها أمامَكَ حيث البان ملحوب
عرج وقف وقفةً لَوَتْ الإِزارِ بِهِ … فماعليك به إثم ولا حُوبٌ
دَعِ التجلد وامدد للغرام يدًا … مَنْ غَالَبَ الشَّوق أمسى وهو مغلوب
ما خلتُ أنَّ الهوى يقضي عَلَيَّ به … والحبُّ كالحَيْنِ للإنسان مجلوب
ولم أَخَلْ أَنَّ سِرَّ الوَجْدِ يَفْضَحُهُ … من الحمائم تغريد وتطريب
فما بدا البارق العلوي معترضًا … إلا أَبيتُ وعندي منه ألهوب
كأنما هو من جنبي مخترطٌ … للوَمْضِ أو هو في جنبي مقروب
يبدو وأبكي دمًا فهو الصدوق مُنّى … ما لاح إذ ومضه بالبيض محجوب
وقوله (٢): [من البسيط]
كم لي أمدُّ غطاء الصَّبرِ أستر أسـ … ـرار الغرام وكف البين يكشفه
وكم أكتم دمعي وهو منسكب … يجري، وخوفًا من الواشي أُكَفْكِفُهُ
لا تُنكروا ماء أجفاني وحُمْرَتَهُ … لو كان في العين دمع كنتُ أنزفه
أفْنَى الهوى أدمعي نَزْفًا ولم يَرَني … سِوَى دَمِي فهو بالتَّوديع يذرفُهُ
ومنها في المديح:
وما أَمُتُ بشعربتُ أَنظمُهُ … للمدح فيك ولا سجع أصنِّفُهُ
أخذتُ منك الذي أثني عليك به … فأنت لا أنا بالنُّعمَى مؤلِّفُه
وقوله (٣): [من المنسرح]
دار بقُوسَ صحتِ النفوس بها … والحبُّ حيث الشَّقاء والعِلَلُ
مذ سكنتها البدور ما انتقلت … عن جوها والبدور تنتقل
توسع فتكًا فليس ندري الجر … احاتُ بها أم عيونها النُّجُلُ
وقوله (٤): [من الرمل]
كَلَفي فيكُمُ قديمٌ عهده … ما صباباتي بكم
أَينَ ورق الجزع مَنْ ليَ أَنْ أَرى … عُجْمَهُ أو أن أشاهد عَرَبه
ونَعْم إِذْ بَانَ حُزْوَى فاسألوا … إن شككتم في عذابي عذبه
عن جفوني النوم من بَعدَهُ … وإلى جسمي الضَّنَى مَنْ قَرَّبَه
وصلوا طيفًا إذا لم تصلوا … مستهامًا قد قطعتم سَبَبَهْ
стр. 5638
فإلى أنْ تُحسنوا صنعًا بنا … قد أساء الحب فينا أدبه
أعشق اللوم لحبي ذكركُم … يالمر في الهَوَى ما أَعْذَبَهُ
وقال (١): [من الخفيف]
قسمًا بالقدودِ وَهيَ رماح … ولحاظِ العيون وَهْيَ سهامُ
ويجور الهوى وأعظم أقسا … م المحبينَ هذه الأقسام
لأطيلن وقفة الحزن في الأطـ … ــلال حتّى يرثي لي اللَّوَّامُ
وقال من أخرى (٢): [من الطويل]
تظلُّ عيونُ النُّور في تلعاتِهِ … إلى أعينِ السُّحْبِ الهَوامي روامِقَا
فتضحك أنواءُ السَّحَابِ إذا بكت … عليه عَرَارٌ مونقًا وشقائقا
وقال من أخرى (٣): [من الطويل]
تخال لديهِ الشَّمس في الجو غادةً … عليها ردًا من نقعه وجمار
ويقدحْنَ من نقع الحوامي على الحصى … لظى برؤوس السمر منه شرار
وقال منها في المديح:
وراح ببذل المال صبًّا كأنَّهُ الـ … ـفرزدق والجود الصريح نوار
إذا هر يومَ الروع رمحًا فإنَّما … لثعلبِهِ صَدْرُ الكمي وجار
وقال (٤): [من الطويل]
فللهِ عِطْفٌ من صَبَا الغورِ مائس … والله طرف من سنى البرق يدمع
يشاهد منه النَّجمُ جَفْنَ مُسَهَّدٍ … ويقرعُ منه الخد ماء مشعشع
وقال من أخرى (٥): [من الطويل]
وصارخة من أيكة أجَّجَتْ له … لظى طالما أذكتُهُ في قلبه الوُرْقُ
بَكَتْ طَرَبًا فانْصاع يبكي تشوقًا … فدمعتها زور ودمعته حق
وهل يستوي ذو صبوة وابنُ راحةٍ … إذا استعبرا، هيهات بينهما فرْقُ
ذَرِي الآن يا ورقاء نوحكِ إِنَّما الـ … ـبكاءُ لِمَنْ [مِنْ] دَمْعِهِ يَخجَلُ الوَدْقُ
فما أنا بالمثني عليكَ وإنَّما … له الحُزْنُ في هذا البُكَا وَلَكَ السَّبْقُ
وقال (٦): [من المنسرح]
يا لَلْهَوى نَمَّت الجفون بنا … وليس يخلو المحبُّ مِنْ زَلَلِ
стр. 5639
[ف] ما عَصَيْنا القلوب، أعيُنُهُمْ، … نحن، وَهَبْنَا القلوب للمُقَلِ
وقال (١): [من الخفيف]
قُلْ لحي على اللوى والكثيب الـ … فردِ جادَ الحَيَا الكثيب الفردا
قد وَقَفْنا من بعدكم نسألُ البا … نَ ضلالًا عنكم ويشكو الربدا
فشفانا صمتًا، ولم يشفِ نطقًا … وحَكَاكم لينًا ولم يحكِ قدا
وقال (٢): [من الطويل]
عَسَى مَنْ كَسَا الجسمَ السَّقامَ يعودُهُ … ومَنْ سَلَبَ الجفن المنام يعيده
فما يُبرئ المشتاق إلا مُعِلَّهُ … ويَنقصُ داء الحب إلا مزيده
وقال (٣): [من البسيط]
هو الحمى ومغانيه مغانيه … فاحْبِس وعان بليلي ما تعانيه
لا تسأل الركب والحادي فما سأل الـ … ـعُشَّاقُ قبلك من ركب وحاديه
ما في الصحاب أخو وجد نطارحه … حديث نجد ولا صَب نجاريه
إليك عن كلِّ قلب في أماكنه … ساه، وعن كل دمع في مآقيه
ما واجد الصبر في المعنى كفاقِدِهِ … وجامد الدمع في المعنى كجاريه
لقي الكئيب هوًى عادت أواخرُه … على العقيق كما عادت أواليه
يجدِّدُ العشق والأشجانُ تُخلقُهُ … وينثر الدمع والأحزان تطويه
ربع، ثغور الهَوَى، لا الرّوضُ يُضحكُهُ … وأَعينُ العشق، لا الأنواء تُبكيه
خلا، وغير فؤادي ما يهيم به … دَعَا، وغير دموعي ما تُلبيه
يا منزلًا بدواعي البين منتهب … وما البلية إلا مِنْ دواعيه
فالنارُ مِنْ زَفَراتي لا بوارقه … والماء من عبراتي لا غواديه
ومُودَعُ القَلْبِ إِذْ ودّعتُهُ لَهبًا … حاشاه حاشاه من قلبي وما فيه
يوهي قُوَى جَلَدي من لا أبوح به … ويستبيح دمي من لا أُسميه
قَسَا فما في فؤادي ما يعاتبه … ضعفًا يلاقي فؤادي ما يقاسيه
لم أدر حين بدا والكأسُ في يَدِهِ … مِنْ كأسِهِ السُّكْرُ أَمْ عينيهِ أَمْ فِيهِ
وما المدامة إلا من ثنيَّتِهِ … ومَا الظُّلامة إلا من تَشَنِّيهِ
لو لم يطل عصره فخرًا وتاه به … عجبًا لما اهتز عطفاه من التيه
وقوله (٤): [من الكامل]
стр. 5640
عَرَضَ العَقيقُ له وجَرْعاءُ الحمى … فطواهما نظرًا وأعرض عنهما
هاجا صبابته ولم يَقُلِ اسْلَمَا … لهما ولا حال الهوى ما هجتما
صونًا لسرهما القديم وحقِّ مَنْ … حَمَلَ المحبة أن يصون ويكتما
منها (١): [من الكامل]
يا ردفه، افتضح الكثيبُ، وعطفُهُ … عُرِفَ القضيب بما استعارا منكما
ما ضر ذاك، الظلم لو [كانَ] اتقى … ظلمي وعاف تألمي ذاك اللمى
وقوله (٢): [من الكامل]
وارحتما للصَّب تاه وما له … جلَدٌ، ولا حمل الأذى من عادِهِ
هو في العراق، وقلبه بتهامةٍ … يا قُربَ مسمَعِهِ، وبُعْدَ فؤادِهِ
وقوله (٣): [من الكامل]
لو رام هذا السَّائِقُ العجلانُ … خَبَرَ الغَضا لا بان عنه البان
أَمْسَوْا، وقد ظعنوا يحدِّثُ عنهم … ويميل عنه كأَنَّه سكران
مايستفيقُ كأَنَّما عَرَضَتْ له ال … أَشواقُ أَوْ وَلِعَتْ به الأشجان
وكَأَنَّهُ صَبٌ تَهيج له الصَّبا … ذِكرَى تمايل عندها الأغصان
بانوا وفي عَذَباتِهِ من طيبهم … ما في الثرى، وكأنهم ما بانوا
إِنْ تَجْتَنِبْ حُزْوَى فلا ذَهْلٌ بها … يستوقف الحادي ولا شيبان
فَجَفَا هوًى نَطقتْ به أَجفانه … هيهات ليس مع البكا كتمان
ينسى وأذكره العقيق وما له … وَلَهِي ولا دمعي بها الهان
أَأَصونُهُ وهو العقيق وطالما … سَمَحَتْ به الأجفان وهو جُمان
إنَّ الألى بخلوا برد تحيَّةٍ … ماضنَّ بعدهم بدمع شان
خُذْ من عيونهم الأمان وهل لمن … حَمَلَ الغرام من العيون أمان
كم في البراقع من قِسِيّ حواجب … تُضمي القلوب وغيرها المرنان
منها:
واستقبلوا الوادي فأطْرَقَت المها … وتحيَّرَتْ بغصونها الكثبان
فكأنما اعترفت لهم بقدودها الـ … ـأ أغصان أو لعيونها الغزلان
وقوله (٤): [من الوافر]
стр. 5641
إذا رفعت عن الغور الختامُ … وعَزَّ مَرَامُها هانَ الحِمامُ
دعوني والبكا فلغير طر في الـ … بكا ولغير أذني الملام
منها:
أَقُصُّ على البَشام بها حديثي … ولولا الدَّمعُ لاحترق البشام
أُشَبِّبُ بالغصون فلا التواء … ينوب عن القدود ولا قوام
يفرِّقُ شمل دمعي البانُ فيها … وينظم نثر شكواي الحمام
يميلُ كأنما يقسى نسيمٌ … يمرُّ عليه أو دمعي مدام
منها:
إذا كانت حواجبها قِسيًّا … فإنَّ لِحاظ أَعْيُنها سهام
إذا نفسي ودمعي قابلاه … دَرَى ما الريح والغيث الرهام
وقوله (١): [من الكامل]
دعني فما اخْضَرَّ العقيق .. … إلاّ وصَرَّحَ نبته بزفيري
مَهْلًا فما دمعي بمحبوس ولا … قلبي على جور النوى بصبور
وإليك عن ذكر المحبين الأُولَى … دَرَجوا فما المطوي كالمنشور
قد قل وقع ابن الملوّح في الهوى … عندي وليس كثير بكَثِيرِ
وقوله (٢): [من الكامل]
ما وقفة الحادي على يبرين … وهو الخلي من الطباء العين
إلا لِيَمْنَحَنِي جوّى ويزيدني … مرضًا على مرضي ولا يبريني
قسمًا بما ضُمَّتْ إليه شفاههم … من قرقف في لؤلؤ مكنون
إن شارَفَ الحادي الغُوير لأقْضِيَنْ … نَحْبي ومن لي أن تبر يميني
ولقد مررت على العقيق بزفرةٍ … أمْسَى الأراك بها بغير غصون
فبكى الحَمامُ وما تحنُّ صبابتي … وشكا المطي وما يحن حنيني
وأظن ما اشتملت عليه أضالعي … أهدى الذي حلت به لجفوني
فلذاك نار حشاي يظهرُ سِرُّها … من حر هذا الدمع بعد بعد كمون
أنا كالسحابِ إذا توالَى بَرقُهُ … والي بغيث كالدموع هتون
يا صاحبي ما أنت إن لم ترث لي … يومًا على سر الهوى بأمين
стр. 5642
سل باللوَّى إن كنت تخبر فيه عن … دمعي الطَّلْليق ودمعي المخزون
وقوله (١): [من مجزوء الكامل]
قف بي على الوادي الذي … أَقْوَى رُبًا وَعَفَا محلا
أشكو بلاي إليه والـ … ـمَشْكُو من شاكيه أبلى
وعلى مرارات الهوى … ما أعذب الشَّكْوَى، وأحلى
وقوله (٢): [من الكامل]
وتنكر الوادي فأصبح بعدهم … قفرًا وشمل جميعهم مُتَبَددا
وكأنما الأغصان لم تُصْبِحْ به … سَكْرَى ولم يُمْسَ الحمام مغرّدا
وقوله (٣): [من البسيط]
بانوا بِزُهْرِ النُّجوم الطالعاتِ فَمَا … في الربع معنى ولا بالرَّوْضِ من زهر
وأي نور تشيم العين من فلك … أمسى خلاء بلا نجم ولا قمر
وقوله (٤): [من الكامل]
إن الألى رحلوا بأقمار الدُّجى … ورُبى النَّقا ونواظر الغزلان
لم يَنْجُ ربُّ صنيعة بتدرع … منهم ولا بالشَّدِّ ربُّ حصان
شهروا عن الطعن العيون وكيف لا … تحمي وهنَّ مقاتل الفرسان
وقوله (٥): [من الكامل]
وأصون عن نظر الوشاة مدامعي … من أن يبوح الدمع بالكتمان
وخونني طرف فينطق بالذي … أخفيه من شأن الممنع شاني
مالي وما لليل وقف طولُه … هدي الكواكب وقفة الحيران
أقضي التبلج أم قضى من بعدِكُمْ … صَبْري أم احتملا فما أقواني
وقوله (٦): [من الكامل]
لاتعجبوا إن عاف مشربه الذي … أجفانه سمحت بأحمر مزبدِ
стр. 5643
هي مهجة لا دمعة جمدت وقد … ذابت دمًا فكأنَّها لم تجمد
منها:
أمزودي الأضياف ضيف جمالكم … لم يحظ لا بقرى ولا بتزود
لا رقة للمشتكي بجنابكم … وجد المحبُّ ولا جدى للمجتدي
أترى الذي صبغ الوجوه برقة … الصهباء صاغ قلوبها من جلمد
وقوله (١): [من مجزوء الكامل]
رحلوا بأغيد مائس … الأعطافِ معسول الشمائل
طامي الوشاح بعيد … مهوى القرط ريان الخلاخل
يفتر عن در علاه كأنَّ … مَبْسمه المراسل
يجفو ويبعث طيفه … فهو المقاطع والمواصل
كالبدر وجهًا وهو أبهى … طلعة والبدر كامل
والغصن قدًا وهو أحـ … سن منه معتدلًا ومائل
والسِّحْرِ لحظًا وهو أفـ … ــتك في الحشا من سحر بابل
وقوله (٢): [من الرجز]
أين تريد درس الربع البلا … هو الحمى فاحبس عليه الإبلا
وقفت أشكوه بجفن مارقا … حوادث البين، وقلب ما سلا
بكيته فهل رأيتم طللًا … قبل وقوفي فيه يبكي طللا
علي أن أمطره دمعي وما … عليَّ إن جاد الحيا أو بخلا
وقوله (٣): [من البسيط]
لم يدر بي عاذلي لولا لظى نَفْسِي … ولا اهتدى الطيف بي لولا توقده
يا للهوى دَلَّ عذالي على سقمي … وجدي الذي كأحر النار أبرده
وقوله (٤): [من الرجز]
يا صاح إن فُت الأراك سالما … منه مراحًا لم يفته مَغْدا
يهدي إليك النوح من حمامة … غب الهدوء قلقًا ما يهدا
стр. 5644
أما الهوى بان اللوى ورنده … سقى الحيا بان الهوى والرندا
وقوله (١): [من البسيط]
يقوى البلاء على قلبي وأُوثره … علمًا بأن بلائي فيه يؤثره
وتستلذ الصنى نفسي وعادتها … ألا تمر بصاف لا تكدره
يا نازلين الحمى رفقًا بقلب فتى … إن صاح بالبين داع باح مُضمره
لا تحسبوا الصد عن عهدي يُغَيِّرُني … غيري ملازمة البلوى تغيره
كم تستريحون في صبحي وأتعبه … وكم تنامون عن ليلي وأسهره
وقوله (٢): [من الرمل]
أتلقى باحتجاجي ذنبه … مغمدًا ما من مساويه شهر
فإذا قيل أسا قلت عفا … وإذا قيل جني قلت غفر
ما دنا إلا نأى عن عزّه … هو والشمس سواء والقَمَرْ
يوسُفيُّ الحسن زادت بسطةً … بمعانيه على البدو الحَضَرْ
وقوله (٣): [من مجزوء الكامل]
ما زال يظهرني البكا … لهم ويخفيني النحول
حتى رثى لي حاسدي … فيهم ورق لي العذول
وقوله (٤): [من الرجز]
تنبهي يا عذبات الرَّنْدِ … كم ذا الكرى هب نسيم نجد
مر على الروض وجاء سحرًا … يسحب ثوبي أرج ورند
حتى إذا عانقت منها نفحةً … عاد سمومًا والغرام يعدي
واعجبًا منّي أستشفي الصَّبا … وما تزيد النَّارَ غير وَقْدِ
أعلل القلب ببان رامةٍ … وما ينوب غُصْنُ عن قد
وأسأل الرَّبعَ وَمَنْ لي لو وَعَى … رجع الكلام أو سخا برد
تعِلَّةٌ وقوفنا بطللٍ … وضلة سؤالنا لِصَلْدِ
وأقتضي النوح حمامات اللوى … هيهات ما عند اللوى ما عندي
بانوا فلا دار العقيق بعدهم … داري ولا عهد الحمى بعهدي
стр. 5645
وأنت يا عيني وعِدْتِ بالبُكا … هذا الفراق فانعمي بالوَعْدِ
أو من البُعْدِ ولو رفقتم … ما ضرني تأوهي للبُعْدِ
ماذا عن العاذل لو كنّيتُ عن … حُزْوَى وليلى بالحمى وهند
وقوله (١): [من الطويل]
أمن بابل أم من لواحظك السِّحْرُ … أمن حانة أم من مراشفك الخَمْرُ
وهل ما أراه الموت أم حادث النوى … وهل هو شوق بين جنبي أم جمر
سلوا بعدكم وادي الحمى ما أساله … دمي أم دموع العاشقين أم القطر
أيحكي الحيا عذب المذاقة أبيضًا … سيول دموعي وهي مالحةٌ حُمْرُ
يجف السحاب الرطب فيكم وتنضب … المياه وطرفي ما يجف له شُفْرُ
بكيتُ دمًا إذ ليس لي عنكم غنّى … وذبتُ جوى إذ ليس لي عنكم صَبْرُ
منها:
وفي الركب من لو حط ليلًا نقابه … لردَّ الدادي وهي من وجهه قُمْرُ
بكى فالتقى باللؤلؤ الرطب هازئًا … على نحره من طرفه اللؤلؤ النثر
وقوله (٢): [من الطويل]
أجيراننا إنَّ الدموع التي جرت … رخاصًا على أيدي النوى لغوال
أقيموا على الوادي ولو عُمْر ساعةٍ … كلوثِ إزار أو كحل عقال
ومنهم:
[٢١٣] عمارة بن عليّ بن زيدان الحكمي الفقيه، اليمني، الشافعي (٣)
شاعر لا تنقشع عارضتُه، ولا تتوقع معارضته، لو قاومه المغلب لما ناهضه، أو
стр. 5646
قاوله الفرزدق لما ناقضه. لا يدرك لبحره قرار، ولا لبدره سِرار. كان عربيًا فصيحًا، ينطف ردنه خزامى وشيحًا، تكلم بلسان العرب فما أخطأ، ولا فات سهمًا ولا عرفًا، بفصاحة تسيل شعابها وتسير هضابها. وأصله من مدينة يقال لها (مِرْطان) من تهامة، وتأدبه بزبيد من اليمن. وحج سنة تسع وأربعين وخمسمائة، فسيره القاسم بن هاشم بن فليتة صاحب مكة المعظمة رسولًا إلى مصر، فسرى إليها يتأنس بمهنده، ويقطع الظلام
стр. 5647
يكتحل في كل ميل بإثمده، هذا ورائد الفضل يقدمه، وقائد الحظ يخدمه.
فأتى مصر والملك الصالح بن زريك يومئذ وزيرها، وبه يبتدأ من يزورها، والفائز اسم ابن رزيك معناه، ومضطجع مهد لولاه لم يُلمم لمغناه، فأكرم الصالح منه زائرًا أشهى من الطيف لمامًا، وأخف من الضيف مقامًا، ودخل على الفائز بقبو الذهب وهو في مجلس كل أشم الأنف فيه خاضع، وكلُّ شامخ الرأس لديه متواضع، وكلُّ طرف متشاوس به غضيض، وكُلُّ جناح همةٍ متعال عنده مهيض، لا يتكلم فيه إلا من أذن له وقال صوابا، ولا يتكلم فيه إلا من منحه الحصر أن يرد جوابًا، والفائز على سرير مرتفع تقع مرامي العيون دونه، وتودُّ أسرَّةُ النجوم أن تكونه، وزعماء الجيش قد أخذت مجالسها في نواحيه، ومنعتها المهابة أن تتخيل أنها فيه، فأنشد قصيدة مدح بها الفائز ووزيره الصالح، ووصف حسن قيامه بالمصالح وهي (١): [من البسيط]
الحمد للعيس بعد العزم والهمم … حمدًا يقوم بما أَوْلَتْ من النِّعَمِ
لا أجْحَدُ الحق عندي للركاب يد … تمنَّتِ اللُّجْمُ فيها رُتبةَ الخُطُمَ
قَرَّبْنَ بُعْدَ المزار العزّ من نظري … حتى رأيتُ إمام العصر من أمَمِ
ورُحْنَ من كعبة البطحاء سائرةً … وَفدًا إلى كعبة المعروفِ والكَرَمِ
فهل دَرَى البيتُ أَنِّي بعد فُرْقَتِه … ما سرتُ من حَرَم إلا إلى حرم
حيث الخلافة مضروب سُرادقها … على النقيضين من عَفْوِ وَمِنْ نِقَم
وللإمامة أنوار مقدَّسة … تجلوا لبغيضين من ظُلْم ومن ظُلَمَ
وللنبوة آياتٌ تَنُصُّ لنا … على الحقيقين من حِلْمٍ ومن حُلمِ
وللمكارم أعلام تعلمنا … مَدْحَ الجزيلَيْنِ من بأس ومن كرم
وللعلا السُن تُثني محامدها … على الحَميدَيْنِ من فعل ومن شيم
وراية الشرف البذاخِ ترفعها … يدُ الرَّفِيعين من مجد ومن همم
أقسمت بالفائز المعصوم معتقدًا … فوزَ النَّجاةِ وأَجْرَ البِرِّ في القسم
لقد حمى الدين والدُّنيا وأهلهما … وزيرُهُ الصَّالِحُ الفَراجُ للغُمَمَ
اللابس الفخر لم تنسج غلائِلَهُ … إلا لصنيعي السيف والقلم
وجوده أوجد الأيام ما اقترحت … وجوده أعدم الشاكين للعَدَمِ
قد ملكته العوالي رِقَّ مملكةٍ … تُعِيْر أنف الثريا عزَّةَ الشَّمَم
أرى مقامًا عظيم الشأن أوهمني … في يقظتي أنه [من] جُمْلَةِ الحُلُمَ
стр. 5648
يَوْمٌ مِنَ العُمْرِ لمْ يَخْطُرْ على أملي … وَلَا تَرَقَّتْ إِلَيْهِ رَغْبَةُ الهِمَمِ
لَيْتَ الكَواكِبَ تَدْنُو لِي فَأَنْظِمَها … عُقُودَ مَدْحٍ فَمَا أَرْضَى لَكُمْ كَلِمِي
تَرَى الوِزارَةَ فِيهِ وَهِيَ بَاذِلَةٌ … عِنْدَ الخِلافَةِ نُصْحًا غَيْرَ مُتَّهَمِ
عَوَاطِفُ أَعْلَمَتْنَا أَنْ بَيْنَهُمَا … قَرَابَةٌ مِنْ جَمِيلِ الرَّأْيِ لَا الرَّحِمَ
خَلِيفَةٌ وَوَزِيرٌ مَدَّ عَدْلُهُمَا … ظِلًا عَلَى مَفْرِقِ الإِسْلَامِ وَالأُمَمِ
زِيَادَةُ النِّيلِ نَقْصٌ عِنْدَ فَيْضِهمَا … فَمَا عَسَى تَتَعَاطَى مِنْةُ الدِّيَمِ
فاستحسن قصيدته الحاضرون. ثم عاد إلى مكة وهم إليه بعيونهم ناظرون. ثم إنّ صاحب مكة أعاده إلى الفائز مرة ثانية، وهبَّتَ إلى مصر ريح يمانية ومد إليها منه بحر عدت البحار السبعة ثمانية. وأتاها على نِيَّةِ مُقيم، وبعلانية أنه عنها لا يريم. فلما دنا عمارة من الفائز أدناه، وسوَّغه فوق مناه، شكرًا لمسعاته، وبرًا كلمه به بغير ترجمان من دعاته، وذلك بما لقنه ابن رزيك وفطنه، واستجلبه به ليوطنه، ثم اختص بابن رزيك خصوصية اللسان بالبيان واليد بالبنان، فغرقه الصالح بِسَجْلِه، وعرفه نجح ما جاء لأجله، وجعله لا يطأ الثريا برجله، ولا يطلب الجوزاء بأن تصاغ بحجله، وقد تقدم في ترجمة الفائز ذكر وفادته، وأنها كانت بكر سعادته، وأتينا هناك على عيون من أخباره، ومكنون من أشعاره، فلقد أحله ابن رزيك منه مكانًا تسفّ عنه الرياح المحلقة، وتشف عنه مصابيح النجوم المعلقة، ثم إنّ الصالح أراد به زيادة اختلاطه، قوة ارتباطه، فدعاه كما تقدم في ذكر الفائر ليدخل معه في مذهبه، ويعجل له آلاف ذهبه، فتباعد من أربه، وتأفف من سوء مشربه، وكان الصالح قد كتب إليه (١): [من الكامل]
قُلْ لِلْفَقِيهِ عُمَارَةً يَا خَيْرَ مَنْ … أَضْحَى يُؤَلِّفُ خُطْبَةً وَخِطَابَا
الأبيات الخمسة المقدمة الذكر، فيما مر من هذا الكتاب. فلما أتت عمارة هذه الأبيات، وسع من الغيظ فوق مليئه، وحمل النفس حشو عبيئه، وأبي له أن يخيب يقينه، وأنف له لهذه الدنية دينه، وكان شافعي المذهب، حسن المعتقد، متعصبًا لأهل السنة. وكان هذا ينكب خطته، ويتجنَّب خلطته وكتب إليه جوابًا أغصه وأقذاه، وطوى جوانحه على أذاه وهو: [من الكامل]
يَا خَيْرَ أَمْلَاكِ الزَّمَانِ نِصَابًا … حَاشَاكَ مِنْ هَذَا الخِطَابِ خِطَابَا
الأبيات الثلاثة المقدمة أيضًا.
ثم إنَّ الصالح [لم] يفسد ما بينه وبين عمارة، وسكت عنه تصريحًا وإشارة، وسدّ
стр. 5649
هذا الباب فلم يفتح له قفلًا، ولم يكلّفه منه فرضًا ولا نفلًا، بل قاربه إذ جانب، وواصله إذ جاذب، وكان هو وإياه خليطي خمر وماء، وقسيمي بؤس ونعماء، وكان الصالح يغمره ببحره، ويؤمره على أمره، وعمارة يجعل شكره صحيفة آنائه، وحقيبة ثنائه، يقرن كل بيت بوفقه، وينظم كلّ معنى إلى لفقه ومضت قريحته على هذا التوالي، ودبت الأيام ودرجت الليالي بفرائد ماتت بين السحر والنحر، وقصائد نظمت حاشيتي البر والبحر، ومدائح ركبت الأفواه ووردت المياه، وطرقت الأندية والخدور، وحلت الأطراف والصدور، وقال فسكت كلُّ متلكم، وصدّ كلُّ ناطق مترنم. ويدلُّ على أكبر حاله قصيدته التي مدح بها السلطان صلاح الدين، ومنها قوله (١): [من الطويل]
أيا أذن الأيام إن قلت فاسمعي … لنفثةمصدور وأنَّة موجع
يقاصرني خطو الزمان وباعه … فقصر من ذرعي وقصر أذرعي
وأخرجني من موضع كنت أهله … وأذنني بالجور في غير موضعي
تيممت مصرًا أطلب الجاه والغنى … فنلتهما في ظل عيش مُمَتَّعِ
وزرت ملوك النيل أرتاد نيلَهمُ … فأدركت آمالي وأخصب مرتعي
وجاد ابن زريك فيهما بمواهب … وكم زاد عن مرمى رجائي ومطمعي
مذاهبهم في الجود مذهب سنة … وإن خالفوني في اعتقاد التشيع
فقل لصلاح الدين والعدل شأنُهُ … مَنِ الحاكم المصغي إليَّ فأدعي
يا راعي الإسلام كيف تركتنا … فريقي ضياع من عرايا وجوع
ونصري له من حيث لا أنت ناصر … بضرب صقيلات ولا طعن شرع
فما لك لم توسع عليَّ وتلتفت … إليَّ التفات المنعم المتبرع
فيا واصل الأرزاق كيف تركتني … أمدُّ إلى زند العلا كف أقطع
وأقسمت لو قالت لياليك للدجى … أعد غارب الجوزاء قال لها اطلعي
فيا زارع الإحسان في كلِّ تربةٍ … ظفرت بترب تنبت الشعر فازرع
ومن شعره النادر وقوله المبادر، ما سأشنّف به هذا التصنيف، وأكمل عوز هذا التأليف.
وقد حكى ابن خلكان عنه، وقد ذكره. قال (٢): «ورأيت في كتابه الذي جعله تاريخ اليمن، أنه فارق بلاده في شعبان سنة اثنتين وخمسين، ثم قال: فأحسن الصالح وبنوه وأهله إليه كل الإحسان وصحبوه مع اختلاف العقيدة بحسن صحبته. ثم قال:
стр. 5650
وكانت بينه وبين الكامل ابن شاور صحبةٌ متأكدة قبل وزارة أبيه، فلما وزر استحال عليه، فكتب إليه (١): [من الطويل]
إذا لم يُسَالِمْكَ الزَّمانُ فحارب … وباعِدْ إذا لم تنتفع بالأقارب
ولا تحتقر كَيْدًا ضعيفًا فربَّما … تموتُ الأفاعي من سموم العقارب
فقد هَد قدمًا عرش بلقيس هدهدٌ … وخَرَّبَ فأر قَبْلُ سد المأرب
إذا كان رأس المالِ عُمرَكَ فاحترز … عليه من الإنفاق في غير واجب
فبين اختلاف الليل والصُّبح معركٌ … يكرُّ علينا جيشه بالعجائب
وما راعني غدر الشَّبابِ لأنني … أنستُ بهذا الخُلْق من كلِّ صاحِبِ
وغدر الفتى في عَهْدِهِ وَوَفائِهِ … وغدرُ المواضي في نُبُو المضارب
إذا كان هذا الدر معدِنُهُ فمي … فَصُونُوه عن تقبيل راحة واهب
رأيت رجالًا أصبحت في مآرب … لديكم وحالي وَحْدَها في نوائبِ
تُرَى أين كانوا في مواطني التي … غدوتُ لكم فيهن أكرم نائب
ليالي أتلو ذكركم في مجالس … حديثُ الوَرَى فيها بغمر الحواجب
ومما كان فيه بلاؤه الموكل بالمنطق قوله - وقد رأى مصلوبًا، مما أنشد له ابن سعيد - وقال: كان لسان حاله، وهو (٢): [من الكامل]
ورأت يداه عظيم ماجنتا … فنفرنَ ذي شرقًا وذي غربا
وأمال نحو الصدر منه فما … ليلوم في أفعاله القلبا
وكذلك أنشد له قوله: [من الكامل]
يا ساكن الجفن القريح وليته … يرعى لجاري الدمع حق الجار
ومن شعره قوله (٣): [من البسيط]
واقبض على كلماتي كفّ منتقد … زيف الكلام فليس الصفر كالذَّهَبِ
قصائد لم تزل في كل جارحة … من حسنها نشوات الخمْرِ والطَّرَبِ
كانت مكرَّمة المثوى منزّهةً … في أرض مصر عن التصريح بالطلب
فأصبحت في زمان التركِ طاميةً … تحوم حول زلال الماء والعشب
حتى كأن أذى قلبي يطيب لهم … كالعود لولا حريق النَّارِ لم يطب
стр. 5651
وقوله (١): [من الكامل]
غَصَبَتْ أُمَيَّةُ إرْثَ آلِ محمّدٍ … سَفَهًا وَشَنَّتْ غَارَةَ الشَّنآنِ
وغَدَتْ تُخالِفُ في الخِلافَةِ أهلَها … وَتُقابِلُ البُرهانَ بالبُهتانِ
لم تَقْتَنِعْ حُكّامُهُم بِرُكوبِهِم … ظَهَرَ النِّفاقُ وَغارِبَ العُدوانِ
وَقُعُودُهم في رُتبَةٍ نَبَوِيَّةٍ … لم يَبْنِها لَهُمْ أَبُو سُفيانِ
حتى أضافوا بعد ذلك أنهم … أخذوا بثأر الكفر في الإيمان
فأتى زيادٌ في القبيح زيادةً … تَرَكتْ يزيد يزيد في النقصان
تأمل هذا اللفظ المحكم، والمعنى المحكم، والتجنيس الخالي من التكليف، والعبارة البريئة من التعقيد، والعروس المحببة إلى من زفت إليه، وجليت عليه، وإلى المقاصد الملاءمة لهوى الممدوح، وقد جلاها هذا الفقيه السني، لابسة إزار التشيع المحض، بارزةً في رداء الروض الغض. وقد أكثر الناس في هذا المعنى فما منهم من قارب هذا الفحل ولا داناه، ولا أشبه أعلى شعره ولا أدناه، ولهذا تحق له بهذا المدح ومثله أن يخص، تنكأ الشيعة جناحه وتريشه بالندى، وقل من من يسود سدى، ولهذا كان قسيم ذهبها وإن باين تأسي مذهبها، وهذا الذي أورده في الدولة الصلاحية ذلك المورد الذي عجز عن إصداره، ورفعه على الجذع الرفعة التي لا تناسب جلالة مقداره، ولكنه القضاء المحكم، والبلاء المحتم، فنعوذ بالله من خرقٍ لا يرقع، وخَرَق يودع صاحبه البلقع.
عدنا إليه، ومنه قوله (٢): [من الكامل]
يا حاسِدِي عَضْدَ الإمامِ جَهالَةً … غُضُّوا جُفونكم على الأقْذاءِ
فوَحَقُّه ما نالَ إلاّ حَقَّهُ … والدُّرُّ أحسنه على الحسناءِ
وقوله (٣): [من الطويل]
خَفَضْتَ لِوَاءَ الحمدِ من بعد رَفْعِهِ … وحلَّتْ بَنانُ العَتْبِ عَقْدَ لِوائي
ولم يتخلَّف بيننا كلّ خاملٍ … أشرف من مقداره بهجاء
وقوله (٤): [من البسيط]
ألقى الكفيل أبو الغارات كلكله … على الزمان فضاعت حيلةُ النُّوبِ
стр. 5652
لما تمرد بهرام وأسرته … جهلًا وراموا قراع النبع بالغَربِ
صدعت بالناصر المحيي زجاجتهم … وللزجاجة صَدْعُ غير منشعب
في ليلة قدحت زرق النصال بها … نارًا تشبُّ بأطراف القنا الأشب
ظنوا الشجاعة تنجيهم فقارعهم … أبو شجاع قريع المجد والحسب
سقوا بأسكر سكرًا لا انقضاء له … من قهوة الموت لا من قهوة العنب
تسنموا إبلًا يتلو قلائعهم … يا عزة السرج ذوقي ذلة القتب
كأنهم فوقها خشبٌ مُسنَّدةٌ … إن النِّفاق لمنسوب إلى الخشب
سما إليهم سمو البدر تصحبه … كواكب من سحاب النقع في حُجُبِ
في فتية من بني رزيكِ تحسبهم … عن جانبيه رحى دارت على قطب
كأن لمع المواضي في أكفّهم … صواعق في الوغى تنقض من سحب
متوّج من بني رزيك تنسبه … بين المساعي إلى جرثومة العرب
ما أليق التاج معصوبًا بمفرقه … ورُبَّ معتصب بالتاج مغتصب
أرضته عن هفوات الناس قدرته … فما يكدر صفو الحلم بالغضب
تجر بين يديه من سوابقه … قب ترقرق منها الحسن في أهب
من كل أجرد مسكي الأديم له … صبغ إذا شاب رأس الليل لم يشب
وأحمر شفقي اللون متّقدٍ … بحدّة الشوط لا بالسوط ملتهب
مسومات عراب لم تزل أبدًا … تجلى وتكسى بما بزّت من السلب
يُرى لكلِّ هلال من مراكبها … خيط المجرة مجرورًا على اللبب
جرد إذا جَرَّدتها كف عزمته … للغزو هزّت عَذاب الشرك في العَذَبِ
تثير نقع دخان تحته لهب … إنّ الدّخان لنمام على اللهب
تحكي مجر عواليها إذا رحلت … عن منزل أثر الحيات في الكتب
لانت صفاة عدو أنت قارعها … فاصلب عن ملة الأوثان والصلب
فعندك الضُّمَّرُ الجرد التي عرفوا … وفوقهن أسود الغاب لم تغب
إذا تهنت بك الأيام قاطبةً … فما الهناء بمقصور على رجب
وقوله (١): [من الكامل]
جاءته إخوته ووالده إلى … مصر على التدريج والترتيب
فانظر إلى الأسباط زارت يوسفًا … والشَّمل مجتمع إلى يعقوب
стр. 5653
جاؤوا وما جاؤوا أباهم فريةً … بحديث ذئبٍ أو دمٍ مكذبِ
وقوله (١): [من الطويل]
فهاجرتُ بعد الصالح الملك هجرةً … غدت سببًا للعزّ وهو المسببُ
غفرت به ذنب الليالي التي مضت … وربَّما يستوجب العفو مذنبُ
رأينا بيومي بأسه ونواله … علًا ضاعِ فيه حاتمٌ والمهلَّبُ
أقول لمغترٍّ بظاهر بشره … تَيقظ فإنَّ الماءَ تخفيه طُحْلُبُ
ولا تركنن للبحر عند سكونه … وبادر فإنّ البحر إن هاج يعطبُ
وقد يبسم الضرغام وهو معبِّسٌ … وقد يتلظى البرق والغيث يسكُبُ
وقوله (٢): [من الطويل]
عليم بأوضاع السياسة لم يزل … يصرفها منه الخبير المجرِّبُ
وهون قدر الانتقام فما يُرى … له أثر في وجهه حين يغضبُ
هذا الذهب الإبريز، والأنموذج الغريب، والمدح الذي يحثى في وجه سواه التراب، والحلم الذي ليس فيه ما يستراب، والحكمة ثمانية، وما أكثر حكمته، وما أثمن حكمته، وأوفر حظه منها وقسمته، وانظر إلى أين طوح نظره، وهمته.
عدنا إليه، وقوله (٣): [من البسيط]
نور النبوة في ذا الدست مؤتلقٌ … للنَّاظرين ونار العزم تلتهبُ
في صدره فائزٌ بالنصر مُحْتَجِبٌ … بنوره وبتاج العزّ معتصبُ
لا يستوي وملوك الأرض في شرفٍ … إلّا كما يتساوى الصِّفر والذهبُ
من معشرٍ شابت الدنيا ومجدهُمُ … غُضٌّ وأثوابه فضفاضةٌ قشبُ
لولا الوزير أبو الغارات ما خفقت … للنصر في القصر راياتٌ ولا عذبُ
وسطوةٍ لو خلت عن عفو مقتدر … على العقاب لكادَ الجوُّ يلتهبُ
فأنتمُ يا بني الزهراء لا انصرمَتْ … أيامُكمْ كالحَيا ماضٍ ومُرتقبُ
يا ابن النبي نداءٌ ما لصاحبه … قلبٌ إلى غير حسن الظنِّ ينقلبُ
كم موقفٍ لك قد نادى نداك به … يا مادحين لكفِّ المادِح السلبُ
[وقوله] (٤): [من البسيط]
стр. 5654
الأروعُ البِرُّ لا تخشى بوادره … إذا استخفَّت رجالًا سورة الغضب
لو كان في السلف الماضي لكان به … إما وليًا لعهد أو وصي نبي
وقوله (١): [من البسيط]
عمت رِعايتُه أقصى رعيته … حتى استوى نازحٌ منها ومقترب
يا طالب الشرف الأقصى ولو عدمت … بنو أبي طالب ما أنجح الطلب
ولو تولت بنو رزيك نصرتكم … في سالف الدهر ما نابتكم النُّوبُ
أندى الملوك وجوهًا غير أنهم … ترضى المواضي بأيديهم إذا غضبوا
وقوله (٢): [من السريع]
طرقتها والليلُ وَحْفُ الجَناح … وما تَلَبَّسْتُ بثوب الجناح
في ليلةٍ بات نجادي بها … ذوائب تخفق فوق الوشاح
وفاح من عرف الصبا عنْبَرُ … أحرقه الفجر بجمر الصباح
لاموا عليها مغرمًا سمعه … كراحة الناصر عند السماح
كأنما أسيافه روضةٌ … لما بها من ورقات الصفاح
والملك لا يَسْكبُ خُطَّابَهُ … إن لم يُكَلِّمهم كلوم الجراح
فالقدس قد آذن إغلاقه … على يدي يوسف بالانفتاح
مَلْك إذا حدثت عن بأسِهِ … قال النَّدى واذْكُرْ حديث السماح
وقوله (٣): [من الكامل]
ضاق الصعيد على جيادك بعدما … ضمنت صعادك فتح كل صعيد
والغرب واليمن القصي وأهله … من خوفهم في قائم وحصيد
فإلى متى أيدي الكُماة معوقة … عن نشر ألوية ونشر بنود
وخلفت مملكة تقول طريقها … للدَّهرِ أَرخ بي وخل تليدي
وقوله (٤): [من الكامل]
شرفًا بني رزيك إنَّ علوّكم … أبدًا على مس الحديد حديد
لاتقتل الأيام حبل مكيدة … إلا وفيه لأمركم تأكيد
стр. 5655
وقوله (١): [من الكامل]
يا دار دار عليكِ سعد المشتري … وجَرَى إليكِ زُلالُ نَهر الكوثر
ولقد كُسِيْتِ من الرُّخامِ غَلائلًا … نُسجت ولكن من نقي المَرْمَرِ
وكأنَّ حُسْنَ سَوادِهِ وبيَاضِهِ … ليل تبسم عن صباح مُسْفِرِ
كمرايش الحَبَرَاتِ أو كقلائد … كافورهنَّ مفصل بالعنبر
دَارَتْ مناطقه على فِسْقِيَّةٍ … تُملا فتحكي مقلةً من محجر
وعلى جوانبها بساط خميلةٍ … قَدْ فَرْوَزُوهُ بالنَّبات الأخضر
وقوله (٢): [من الوافر]
رحلت وكان حظي في رحيلي … وقربي في التنائي عن بلادي
فمن عثرت به قدم فإني … بمصر قد عثرتُ على المراد
وقوله (٣): [من الكامل]
سَفَرَ الزَّمانُ بواضح مِنْ بِشْرِهِ … وَأَفَتَّر باسم ثغره من شَغْرِهِ
وأضاء حتى خلت فحمة ليله … طارَتْ شَرارًا من توقد فجره
بالياسر المغني بأيسر جُودِهِ … والمقتني عزَّ الزَّمانِ بأَسْرِهِ
ما كانت الدنيا تضيق بطالب … لو أنَّ واسِعَ صَدْرِها من صَدْرِهِ
لله هذه الديباجة الخسروانية، والحبرات اليمانية.
عدنا إليه وقوله (٤): [من البسيط]
هبت رويحة نجدٍ وَهْيَ من قَطَرِي … فعطّرت بالخزامي نفحة المطر
عليلة النفس الحادي وأحسن ما … هب النسيم عليلًا آخر السحر
واستشرفت عقدات البان لي فهفا … قلبي بمعتدل منها ومناطر
أضُمُّهُنَّ وفي الأغصان تسلية … عن القدود وليس العين كالأثر
والليل قد طال حتى خلْتُ أَنْجُمَهُ … مسمّرات أو الأفلاك لم تدر
قالت: كبرت وشَبَّتْ فيك ناشئة … من الغرام تنافي حالة الكِبَرِ؟!
وما دَرَت أَنَّ حَبَّ الحب منبته … في أسود القلب لا في أسود الشعر
стр. 5656
أنكرت أشهب رأسي بعد أدهمه … والفرع ليل وحسن الليل بالقمر
يا قصر الله باع الدهر كيف سعى … في نقض مبرمة الأطراف في مُزَر
ورد بقلة راسي وهي ذاوية … وكان أخضرها ريحانة العُمُرِ
وقوله منها: [من البسيط]
من ذا يعيرك أجفانًا لتوقعها … في قبضة الظالمين الدمع والسهر
قالوا أتبكي لهم والقلب من حجر … فقلت والماء قد يجري من الحجر
قلب: هو الطَّير في جو الغرام فَلِمْ … تبتاعه إنَّ ذا بيع على غرر
لكل ورد ذبول قد سمعت به … إلا الذي فوق خديه من الخفر
لك الحديث الذي تبقى حوادثه … ما قيد الذكر مثل الصارم الذكر
قالوا إلى اليمن الميمون رِحْلَتُهُ … فقلت ما دونه شيء سوى السفر
لا توقدن لها النار التي عَهِدَت … خفّض عليك تنل ما شئت بالشرر
المال ملء يد والقوم ملك يد … وما أطيل وهذا جملة الخبر
ا عَدْنُ كم فيك إلا في رُبى عَدَنٍ … للجسم من وطن والقلب من وطر
ردها على الصفو من حمات مشرعها … فقد عهدناك ورادًا على الكدر
وطأ بها هامة الدنيا وأوح إلى … فِرْقِ المنابر ما توحي إلى السُّورِ
كانت إليك عيون الملك ناظرةً … وكنت أشرف مأمول ومنتظر
تصدعت بك من مصر زجاجتها … ما للزجاجة من صبر على الحجر
غَسَلْتَ بالسَّيْفِ والأيام راغمة … ما كان فوق رداء الملك من وضر
وقد قصدتك في جاه وفي وزرٍ … وإن فعلت فما تُخطي خطا سفري
فإن عزمت فقل فيها لعزمك يا … ذريعة الخير لا تُبقي ولا تذري
وقوله (١): [من الكامل]
وأَجَلُّها يوم الخليج فإنَّه … من بينها يوم أغر مُشَهَّرُ
وافاك فيه النيل وهو من الحيا … خَجِلٌ يقدِّمُ رِجْلَهُ ويؤخِّرُ
قد جاء معتذرًا إليك وتائبًا … من ذنبه الماضي ومثلُكَ يَعْذِرُ
لولا تعثره بأذيالِ الثَّرَى … ما كن مذرورًا عليه العَنْبَرُ
وَلَو انه لاقى ركابك صافيًا … صرفًا لكدَّرَهُ العجاج الأكدر
стр. 5657
ولقد عَدِمْناهُ فَنُبْتَ نيابةً … عَزَّ الغنيُّ بها وأَثْرَى المُعْسِرُ
كَسْرُ الخليج عبارةٌ عن مِنَّةٍ … أضحى بها كَسْرُ البريَّةِ يُجْبَرُ
وقوله: (١) [من الكامل]
أكفيل آلِ محمدٍ ووليهم … في حيث عُرْفُ ولائهم إنكار
واخجلتا للبيض كيف تطاوَلَتْ … سفهًا بأيدي السُّود وهي قصار
رصدوك في ضيق المجال بحيث لا الـ … خطّيُّ مُتَّسِع ولا الخطار
أوْفَى أبو حَسَن بعهدك عندما … خذلت يمين أختها ويسار
غابت حماتُكَ واثقين ولم يَغِب … فكأنَّهُم بحضورِهِ حُضَّارُ
لا تَسْأَلَنْ إِلَّا مَضارِبَ سَيْفِهِ … فلقد تزيد وتنقص الأخبار
هي وقفة رزق المكرّم حمدَها … وعلى رجالٍ يومها والعار
وقوله (٢): [من الكامل]
لم تحترق دار الخليج وإِنَّما … شُبَّتْ لمن يسري بها نار القرى
طلبت يفاعَ الأرضِ دونَ وهادِها … فتوقدت في راس شامخة الذرى
طلعت طلوع النجم نال به الهُدى … سارٍ أَضَلَّ طريقَهُ فَتَحيَّرا
ودليل ذلك أنها لم تشتعل … في اللَّيلِ حَتَّى رَنَّقَتْ سِنَةَ الكَرَى
أوهل تزورُ النَّارُ ساحة جنّةٍ … أَجْرَيْتَ فيها من نداك الكوثرا
فتمل دارًا شَيَّدتها نعمةٌ … يَغْدُو العَسْير بأمرِها متيسرا
ألبستها بيضَ السُّتورِ وحُمْرَها … فَأَتَتْ كزهر الورد أبيض أحمرا
لم يبق نوع صامت أو ناطق … إلا غدا فيها الجميعُ مُصَوَّرا
فيها حدائق لم تجدها ديمَةٌ … أبدًا ولا نَبَتَتْ على وجه الثرى
لم يَبْدُ فيها الروضُ إِلا مُزْهِرًا … والنَّخلُ والرُّمانُ إلا مثمرا
وبها من الحيوان كلُّ مُشهَّرِ … لَبِسَ النسيج العبقري مشهرا
أَنِسَتْ نوافر وحشها بسباعها … فظباؤها لا تتقي أُسْدَ الشَّرَى
وبها زرافات كأن رقابها … في الطُّولِ ألوية تؤم العسكرا
نُوبيَّةُ المَنْشَا تُرِيْكَ مِنَ المها … رُوْقًا ومن يُزْلِ المهاري مِشْفَرا
وقوله (٣): [من الرجز]
стр. 5658
عند ظباء الجلهتين ثاره … وبين أطناب المها عثاره
فلا تَرِقا لشكاةِ مغرمِ … أسْلَمَهُ إلى الضنى اصطباره
تخيَّر الموت بألحاظ المها … فخلّيا عنه وما اختياره
يا حبَّذا في حُبِّهِنَّ لوعةٌ … تُضْرِمُ وجدًا لا يبوح ناره
وموقف رقت حواشي عتبه … ودق حتى لم يبن سراره
من كل من طال لسان عتبها … على محب قصر اعتذاره
يا صاحبي والغرام صبوة … الذها ما عظم اشتهاره
فاستقبلا رونق عيش مُقْبِلِ … وابتداره لا يفت بداره
فقد ضَمِنْتُ للعدول عنكما … أمرًا عليَّ في الهوى إمراره
إن كان ذنبًا فعلي ذنبه … أو كان عارًا فعلي عاره
لا تسألن شاكيًا عما به … فإِنَّماسكوته إمراره
يا هذه إنّ المشيب حُلّةٌ … يَخْلعها على الفتى وقاره
فلا تصدي واعلمي بأنّه … ما كل من شاب بدا عُواره
إن أقلع الوبل فعندي طَلُّهُ … أو ذهب الخمر فبي حماره
سقى مغانيك وإن لم يغنها … عن أدمعي مع الحيا مدراره
يَسْحَبُ ذيل السُّحْبِ فيها وابل … تزجى على وجه الثرى أستاره
تحسب صوت الرعد في ربابه … صوت قطيع أرزمت عشاره
كأن بدرًا سمحت يمينه … بذلك الوابل أو يساره
أبلج من غسان، لا نصيفه … يدرك في المجد ولا معشاره
فر من الدم إلى بذل الندى … فاعجب لليث زانه فراره
من آل رزيك الذين أقسموا … لا خُذِلَ الحق وهم أنصاره
مؤيد سمر القنا بنانُه … مُظَفَّر بيض الظبي أظفاره
يطلع من أبنائه من ملكه … نجوم ملك تجتلي أقماره
أشبال خيس وهم أسودُهُ … صغارُ عَصْرٍ وهم كبارُهُ
وقوله (١): [من الوافر]
وقائلة من الرجل الذي لا … تماثله الرجال فقلت عس
فقالت ما دليلك قلت أضحت … بهمَّتِه كلوم الدهر توسى
стр. 5659
في بعض كتاب النصارى وقد خدم بدار الكباش بمصر (١): [من المتقارب]
رأيت أبا النُّقَّص ضاقت به … مذاهبه في التماس المعاش
فمن حُبِّهِ لبنات القرون غدا … وَهُوَ خادم دار الكباش
وقوله (٢): [من البسيط]
مدائحي وسجاياه ونائله … ثلاثةٌ نُظمت كالدر في نسق
يُرجى ويخشى وما في ذاك من عجب … كالماء يُشْرِقُ إذ يُنجي من الشَّرَقِ
وقوله (٣): [من الكامل]
لما أدارَ سُلافَةَ الأحداق … دَبَّتْ حُميا نشوة الأشواق
ما كنتُ أدري قبل رؤيةِ وجهِهِ … أنَّ الخدود مصارع العشاق
وقوله (٤): [من البسيط]
من كان لا يعشق الأجياد والحدقا … ثمَّ ادّعى لذة الدنيا فما صَدَقا
في العشق معنى لطيف ليس يدركه … من البرية إلا كلُّ مِنْ عَشِقا
لا خفّف الله عن قلبي صبابته … بالغانيات ولا عن طرفي الأرقا
من كل شمس إذا قابلتها التثمت … كأنما أشفقت أن ألم الشفقا
وقوله [في] طرخان بن يوسف وقد صُلِب (٥): [من الوافر]
تمنّى رفعةً وعُلُوَّ قَدْرٍ … فأصبح فوق جذع وهو عالي
ومد على صليب الصَّلبِ منهُ … يمينًا لا تطول على الشمال
ونكس رأسه لعتاب قلب … دعاه إلى الغواية والضَّلال
وقوله (٦): [من البسيط]
قل للرعيّة لا تقنط مطامعها … فجرح عيسى بعبد الله يندمل
أما ترى حركات النيل قد نشطت … من بعدما كان في أعطافها كَسَلُ
زيادة النيل في إقبال دولته … مما يدلُّكَ أَنَّ السَّعْدَ مقتبل
وقوله (٧): [من الطويل]
стр. 5660
أفاتح أرض النيل وهيَ منيعةٌ … على كل راج فَتحها ومومل
متى توقد النار التي أنت قادح … بغمدان مشبوب سناها بمندل
وتسمع من لفظ التحيّة ما سما … إليه ابْنُ هُند وهو باغ على علي
وتخلق ملكًا لا تحيل بفخره … على أحد إلا على عزمك العلي
وقوله (١): [من الطويل]
له راحة ينهل جودًا بنانها … ووجه إذا قابلته يتهلل
يرى الحق للزوار حتى كأنّه … عليهم - وحاشا قدره - يتطفل
وقوله (٢): [من الكامل]
لو كنت أمدح غير آل محمّد … لرفعته فوق السماك الأعزل
قوم إذا ما أسندوا خبر العلا … جاؤوا بأقرب مُسْنَدٍ عن مُرْسَلِ
من كلِّ ملثوم البساط غدت به … قمم الرؤوس حواسدًا للأرجل
ووصلت حبلك في الحياة بحبلهم … صِلَةَ الأشاجع رُكبت في الأَنْمَل
وقوله يمدح القاضي الفاضل (٣): [من البسيط]
من راكب وعلى أعجاز نضوته … شُكْرٌ تفيضُ به الأنساغ والحُزُمُ
يستخبر الناس عن عبد الرحيم وهل … يخفي بذروة طود شامخٌ عَلَمُ
واشكر يدًا من أبيه عن وليهما … شكرًا يصدقها الإكرام والكرم
جاورت منه الفرات العذب مطعمه … وزاخرًا من أخيه الملح يلتطم
خرجت من يدك العليا إلى يده … وكُلُّ شِعْب بوادي مَكَةٍ حَرَمُ
وقوله (٤): [من الوافر]
أيا شمس الخلافة وهو نَعْتُ … يصدقه جبينك بالضياء
تشيّع جود كفّك في فؤادي … وعَدِّي بالتشيع في الولاء
وقوله (٥): [من الكامل]
واذكر محامد أحمد من قبل أن … تجد القوافي فترة المغصوب
واختر له صفو الكلام فإنّما … صفو النمير لذاذة المشروب
стр. 5661
وقوله (١): [من الكامل]
إن لم يكن لك في القوافي رغبةٌ … فالطم بها وجه الرجاء وهاتها
فالأم لا تأبى إذا لم يولها … أصهارها خيرًا طلاق بناتها
وقوله (٢): [من الطويل]
أَيَخْفَى صَحيحُ الوُدِّ والسَّقم لائحُ … وَيُكْتَمُ سِرُّ الشَّوقِ والدَّمعُ بائح
جنحت إلى الواشي ولولاك ما التقى … سهادي وطرفي والجوى والجوانح
وليلة هومنا بذي الطلح زارنا … خيالك وهنًا والمطايا طلائح
فبت ولم أسكر سوى سِنَة الكَرَى … أُطارحه ذكر الهوى ويطارح
وأصحب أيامي على العلل التي … بها تمرض الأيام وهي صحائح
ولولا أبو النجم المظفّرِ عُطّلت … مساربُ من سُبل الندى ومسارح
لئن شركوه في اسمه دون فعله … فما يستوي البحران عذب ومالح
لئن حل في دست الوزارة عادل … سما قبله فيها إلى النجم صالح
فإنك يا بدر بن رزيك عنهما … لَنِعْمَ المكافي للعدا والمكافح
نهضت بأمرِ الدَّولةِ النَّهَضَةَ التي … جزاك بها خيرًا ولي وكاشح
وأوريت ناريها عقابًا ونائلًا … وما وَرِيا إلا وزندك قادح
وقوله (٣): [من الطويل]
إذا أكثر المحموم من هذيانه … تقدّم له عذر الخبير بشانه
ولا تتأخر حين تُدعى لحاجة … فما الغيث بالمحمود بعد أوانه
ومنهم:
[٢١٤] ابن الساعاتي، علي بن رستم، بهاء الدين، أبو الكرم الخراساني (٤)
شاعر كل وصف حقيق، وثائر كلُّ ساعةٍ منه بعمر الشقيق. ولا يضاهي حُسن
стр. 5662
ديباجته الحقائق، ولا تَعُدُّ نظير درجته الرقائق. بفطنة زائدة، وفطرة لم تُنفق ساعته بغير فائدة. من نشأ بدَّ من أنشا، ومن حين راهق ساير النجوم ورافق. ومن أوّل ما نزع التمائم، برع في أهل العمائم، وشرع يُفتّق الزهر من الكمائم، ويهز الغصن تحت الحمائم. وكان ذا شباب رق ماؤه، وترف نعماؤه. يجلو قمر السَّماء، ويعطو بجيد ظبية أدماء. ترِفُ عليه طُرَّة وسالف، ولين أعطاف لا تخالف.
ولم يخل مذ كان من كآبة معشوق، وصبابة مشوق، حتى عُدَّ في الأعيان، وقعد على ذروة البيان، وقرّبته الملوك، فحظي بالجميل، وحُبِيَ بالجزيل. وكانوا إذا أنشد لديهم الشعراء، قدّم ابن الساعاتي، وأحسن إذا أساء العاتي لروائع لا يقدر الواصف يوفيها، وبدائع ما مضى قبلها، فأتى ذلك الساعة التي أنت فيها. ومنه قوله (١): [من الكامل]
نهبت منام العاشقين جفونُهُ … فلذاك ليس يزال كالوسنان
ذو وجنة حمراء حول عذاره … وكذا تكون شقائق النعمان
رشًا عَصَيْتُ عواذلي وأطعتُه … فأطاع في وشاته وعصاني
وقوله (٢): [من البسيط]
وأهيف القد حياني بكأس طِلًا … كالشمس يحملها بدرُ الدُّجَى السَّارِي
فقلتُ لمَّا رأيتُ الكأس في يَدِهِ … قد أمكن الجمع بين الماء والنَّارِ
وقوله (٣): [من الطويل]
إذا الحب لم يشفع بسقم وأدمع … فهاتيك دعوى لا تُزَكَّى شهودها
لقد سقمت مثل الجسوم جفونها … فلولا عُموم السقم كنّا نعودها
غدا مقلتي برقُ الحِمَى ووميضُهُ … فما غادرت من لوعة تستزيدها
стр. 5663
وما هو إلا صارمٌ قتل الدُّجَى … وحمرتُهُ لوتٌ فَمَنْ ذا يقيدها
وقوله (١): [من الطويل]
وبي سالم الأحشاء من ألم الهوى … نظرتُ إليه نظرة سببت حتفي
فياآخذي أجفانه بظلامتي … دعوها فما أصمى فؤادي سوى طرفي
وقوله (٢): [من الطويل]
شكوت إلى خديه فعل لحاظه … وقد فُرِّقَتْ نحوي سهام جفونه
فقال كذا الورد الجَنِيُّ بدوحةٍ … يمانع عنه شوكه في غصونه
وقوله (٣): [من البسيط]
قالوا به رمدٌ ينهى لواحظه … ألا تَحِيْفَ على قلب ولا كَبِدِ
قلت احذروا مقلتيه فهي قاتلةٌ … وضعفها الآن ينجيها من القَوَدِ
ألم تروا عارضيه كيف قد لبسا … من خوف عارضها ثوبًا من الزرد
إن السنان مخوف وهو ذو كلفٍ … والسَّيفُ يقطع منه الحد وهو صدي
وقوله (٤): [من الكامل]
ولقد وقفت بها وكف ربيعها … في نسج حُلَّةِ نورها تتألق
وشذا خيوط المزن يرسلها الحيا … إبرًا وأكمام النبات تفتق
والبان يرقص والحمام هواتفًا … تشدو وأطراف الغدير تصفق
وقوله (٥): [من الكامل]
ألزمتني قول الوشاة وليس من … عدل الهوى أخذي بقولِ النَّاسِ
وأريهم أن قد سلوتُ مُغالطًا … وبليتي في الدمع والأنفاس
وأما وحبّكِ لو تفوزُ بسلوةٍ … كفّي وقد عَلِقَتْ بذيلِ النَّاسِ
عفت الحنين إلى زمان ذاهب … وأبيتُ ذكري للمملول النَّاسي
وقوله (٦): [من الكامل]
من هذه ياعمرو أوَّلَ وقفة … هان العزيزُ بها ولان الجليد
أنكرت أدمعَهُ وليس ببدعةٍ … بالماء أن يتفجَّرَ الجلمود
стр. 5664
وقوله (١): [من مخلع البسيط]
يا سائلًا عن غليل قلبي … لقد تجاهلت للسؤال
أنتَ على القُربِ والتنائي … أعلم مني بكل حال
وقوله (٢): [من الكامل]
يا قلب عاشقه وسهم جفونِهِ … مَنْ ألزَمَ المقتول حب القاتل؟
وقوله (٣): [من الطويل]
تعجّب عمرو أن وقفتُ بمنزل … كلانا لفقدان الأحبة ناحل
لئن جُنَّ فيه العاشقون صبابةً … فأصداغُهُ للعاشقين السلاسل
وقوله (٤): [من الخفيف]
زعموا أنني تَعَشَّقْتُ سودا … ء دون بيض الغواني
ليس معنى الجمال فيكَ بخافٍ … إنما أنت خال خد الزمان
وقوله (٥): [من الكامل]
وسألت عن قلبي وأنت سلبته … سواك العارف المتجاهل
عاقبتني طوع الوشاة تجنّيًا … وأخذتني ظلمًا بقول العاذل
وقوله (٦): [من الكامل]
لو أنَّ صدّكُمُ تَمَثَّلَ لَيْلَةٌ … لَثَنَتْ غياهبها الخيال عن السُّرى
ولئن غدرت فسنَّةٌ مأثورة … ما حُلْتَ عن شيم الليالي والورى
غَلَبَ الهيام عليه حتى أَنَّهُ … وكفاكَ حبًّا، لو وصلت لما دَرَى
فانْقَع بذكرِ الصَّبرِ حرَّ فؤاده … أو لا فحدّث مقلتيه عن الكرى
حجبوك بدرًا في الهوادج طالعًا … وثنَوْكَ ظبيًا في الأكلة أحورا
ما هذه الغزلان بين كناسها … لكنّها الأسد الضواري والشرى
من كل ماضي اللحظ زهد قومه … في البيض حتى أنَّها لا تُشترى
стр. 5665
ومنهم:
[٢١٥] شرفُ الدّين، أبو المحاسن، نصرُ اللهِ بنُ عُنين، الدمشقيُّ (١)
شاعرٌ لا يطاقُ يلُبُّهُ، ولا يَهابُ الأُسْدَ إلا إذا كُفَّ مِخْلَبُه ينفحُ بلسانٍ صلِّ، ويلفحُ بنيرانِ غِلّ أنفذُ في المدام من المسام، وأشدُّ في الإيلام من الهُوام بلسانٍ أفتكُ في الأعراضِ من المِقراضِ، وأنهكُ للأجسام من الأمراض دؤوبًا لَزِمَ منه طباعُ العَقْرَبِ، ووثوبًا مثل وُثُوبِ شُجاعٍ أو أقرب وأسلوبًا أقدمُ به إقدامَ الخُناع ولم يترقب فلم يسلم منه بريء على الإطلاق، ولا حُميَ عرضُ منه بمكارم الأخلاق بهجاء لا يخلص منه إنسان، ولا يخلو رُبُّ سيف ولا طيلسان هذا مع كلمة بتصريف الأمر مقبولة، وعظمة على الكِبرِ مجبولة، وهمة نصبها على نفع في شركه، وأحبولةٍ وتعرض إلى العرض الفاضلي.
واشتغل به زمانه، وأشْعَلَ بيانُهُ بنانَه. فما قال لكلبِهِ أخسَّهُ إِذْ نَبَحَ، ولا التفت إليه
стр. 5666
هجاء أو مدح وتصدَّى لأهل دمشق تصدّيًا، أدوى قلوب الجميع، وأرى أُذُنَ كلّ سميع، فقاموا لمقاومة سُمِّه، ومقاحَمَةِ تَمِّه، فآلَ به الحال إلى الهجاج، واختراق الفجاج، فتغلغل في البلاد، ومني بالبعد عن موضع الميلاد. وطاف الحجاز، واليمن، والهند، والسند، وما وراء النهر، وخراسان، وبلاد العجم، والعراق، مُذَبْذَبا في مهامهها الفساح راكبًا على كَفَلِ الليل وهادي الصباح.
وكان على بعد الديار لا ييأس من روح الاقتراب على طول الاغتراب. ومع هذا، لا تنجلي عن أهل دمشق غيابته، ولا تنجلي غوايته، بل يُصَبُّ عليهم وبله، ويصيب فيهم نبله، ومن ذلك قوله (١): [من الكامل]
فعلى م أبعدتمْ أخَائِقَةٍ … لم يجترم ذنبًا ولا سَرقا
انْفُوا المؤذن من بلادكُمُ … إن كان ينفى كلَّ مَنْ صَدَقا
على أنه ما ذكر دمشق إلا ضاقت ضلوعه بزفراتها، وفاضت عيونه بعبراتها.
وله من هذا أشعار لم يقصَّ لها جناح، ولم يقصر بها ارتياح.
ثمَّ إنَّه ما سكن له قلق، ولا سُلِبَ عن جفنه أرق، حتى أُزيلت عن العود إليها موانعه، وأزيحت أسباب من كان لا يصانعه. ثم لما استقرت به الدار، وبها لم يدع أهلها من بوائقه، ولم يعد إلا وقد أذنت بقدومه جعجعة صواعقه. ومنها قوله (٢): [من المتقارب]
هجوت الأكابر في جلّقٍ … ورعتُ الرفيع بسب الوضيع
وأُخرجت منها ولكنَّنِي … رجعتُ على رغم أنف الجميع
ومما استعطف به هذه النائبة، حتى لانَ له قَلْبُها القاسي، وخفَّ عليه حبلها الراسي، قصيدة كتبها إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب، منها (٣): [من الكامل]
ما في أبي بكر لمعتقدِ الهُدَى … شكٌّ يُريب بأنه خير الورى
بين الملوك الغابرين وبينه … في الفضل ما بين الثريا والثرى
يعفو عن الذَّنبِ العظيم تكرّمًا … ويصدُّ عن قول الخَنَا متكبرا
وله البنون بكل أرضِ منهُمُ … مَلِكٌ يقود إلى الأعادي عسكرا
من كل وضاح الجبين تخالُه … بدرًا، فإن شَهِدَ الوَغَى فَغَضَنْفَرا
يعشو إلى نار الوغى شَغَفًا بها … ويَجلُّ أن يعشو إلى نار القرى
стр. 5667
متقدم حتى إذا النقع انجلى … بالبيض عن سبي الحريم تأخرا
يا أيها الملك الذي ما في فضا … تلوده ومحتده ممرا
أشكو إليك نوى تمادى عمرها … حتى حسبت اليوم منها أشهرا
لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى … يعفو ولا جفني يصافحه الكرى
ومن العجائب أن تفيا ظلكم … كل الورى، ونبذت وحدي بالعرا
ثم كانت له من الملك المعظم عيسى، حين أفضى إليه ملكها، ومكانة أشرقت علاه، وأشرقت بنداه. وكان لا يفارقه حيث شار وخيم، ولا يتجهم له وجهه حيث تقشع أو غيم. وولاه بدمشق وظيفة نظر الديوان، فباشرها حتى استقلال، وهدأ شيطانه وقال، وحرس إلا ما أضحك به الملك المعظم فقال.
وكان يعجب بنوادره، ويعجل إيماء الطرف ببوادره، ويقترح عليه في خواص مجلسه، ليخرج بينهم تلك الدفائن، ويغرق في بحره الأجاج تلك السفائن، إلا من ركب ذلك البحر على خطر، أو وقف في طريقه ليقع منهم في حفر.
ولما كان في العراق، حضر مجلس الإمام الرازي، في يوم ذيول السحب عليه مكفوفة، وعين الشمس به مطروفة، والثلج قد بث في الجو سرايا نوره، وبعث من الأفق تحايا كافوره. وأري ماء ككل غدير في إناء بلوره. فسقطت لديه حمامة لزربها كما يستجير الخائف، ووقعت عليه، فقام ابن عنين، وقال (١): [من الكامل]
يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا … في كل مخمصة إذا شتوا ثلج خاشف
العاصمين إذا النفوس تطايرت … بين الصوارم والوشيج الراعف
من نبا الورقاء أن محلكم … حرم وأنكم ملجا للخائف
وفدت عليك وقد تدانى حتفها … فحياتها ببقائها المستأنف
لو أنها تحيا بمال لأنشنت … من راحتيك بنائل متضاعف
جاءت سليمان الزمان حمامة … والموت يلمع في جناحي خاطف
فرمى لواء الجوع ثم أعاده … من دونها يهوي بقلب واجف
فقال له الإمام: أنت ابن عنين الدمشقي - ولم يكن يعرفه من قبل - فقال: أنا هو. فأدنى من مجلسه، وأسنى له خالص وده وأنفسه.
ولم يبق من أهل المجلس إلا من كتب شعره، ورواه، ثم كان لا يؤثر إلا هواه.
стр. 5668
وأشعاره كلُّها موضع استحسان، ومجمع إحسان. فمنه قوله يمدح المعظم نوبة دمياط، وهو (١): [من الطويل]
سلوا صهوات الخيل يوم الوغى عنا … إذا جهلت آياتنا والقنا اللدنا
غداة لقينا دون دمياط جحفلًا … من الروم لا يُحصى يقينًا ولا ظنّا
قد اتفقوا رأيًا وعزمًا وهمّةً … ودينًا وإن كانوا قد اختلفوا لسنا
تداعوا بأنصار الصليب فأقبلت … جموع كأن الموج كان لهم سفنا
عليهم من الماذيّ كلُّ مفاضة … دلاص كقرن الشمس قد أحكمت وضنا
وأطمعهم فينا غرور فأرقلوا … إلينا سراعًا بالجياد وأرقلنا
فما برحت سمر الرماح تنوشهم … بأطرافها حتى استجاروا بها منا
سقيناهم كأسًا نَفَتْ عنهمُ الكَرَى … وكيف ينام الليل مَنْ عَدِمَ الأمنا
لقد صبروا صبرًا جميلًا ودافعوا … طويلًا فما أجدى الدفاع ولا أغنى
رأوا الموتَ من زُرْقِ الأسنّةِ أحمرا … فألقوا بأيديهم إلينا فأحسنّا
منحنا بقاياهم حياةً جديدةً … فعاشوا بأعناق مقلّدة منّا
ولو ملكوا لم يأتلوا في دمائنا ولوغًا … ولكنّا ملكنا فأسجحنا
فكم من مليك قد شددنا إسارَهُ … وكم من أسير من يد الأسر أطلقنا
أسود وغى لولا وقائع سُمرنا … لما ركبوا قيدًا ولا سكنوا سجنا
يسيرُ بنا من آل يعقوب ماجد … أبى عزمُهُ أن يستقر به مغنى
سرى نحو دمياط بكل سميذع … بحيث يرى ورد الوغى المورد الأهنى
وطهرها من رجسها بحسامِهِ … هُمامٌ يرى كَسْبَ الثَّنا المغنم الأسنى
مَاثِرُ مجد خلَّفَتْها سيوفُهُ … لها نَبًا، يفنى الزمان وما تفنى
وقد عرفت أسيافنا ورقابهم … مواقِعَها فيهم، فإن عاودوا عُدنا
وقوله (٢): [من الطويل]
وما شام من أعلى المقطم جفنُهُ … سَنى بارقٍ إلا توالت قطاره
حديث صقال الخد لم يذْوَ وردُهُ … ولا دبَّ كالريحان فيه عذاره
وقوله وهو مريض، يتقاضى نفقةً ينفقها، وطبيبًا يعوده، وصبيًا معظميًا من الغيث يجوده (٣): [من الكامل]
стр. 5669
انظر إليَّ بعين مولى لم يزل … يولي النَّدا وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي أحتاج ما يحتاجُهُ … فاغنم دُعائي والثناء الوافي
وقوله في ملوك بني أيوب، ﵏ (١): [من الوافر]
هم تركوا صليب الكفر أرضا … يُداسُ وكان معبودًا يُباسُ
وأرغم بأسهم آناف قوم … تجنَّبها لعزّتها العطاس
وقوله (٢): [من الطويل]
أبيتُ وأسراب النجوم كأنها … قفول تهادى إثرهن قفول
وقوله (٣): [من الطويل]
ألا يا نسيم الريح من تل راهط … وروض الحمى كيف اهتديت إلى الهند
فأصبح طيبُ المسكِ يُخفي مكانَهُ … حياءً ولا يبدو شذا العنبر الورد
أأهلُ الحِمَى خصّوكَ منهم بنفحةٍ … فأصبحت معتل الصَّبا عَطِرَ البُردِ
إذا جمعت بيني وبينهم النّوى … فأي يد مشكورة للنوى عندي
وقوله منها:
فما زالت الأيام ترهف حدها … وتسحتُ حتى استأصلت كل ما عندي
فأقبلت أجتابُ البلاد كأنَّني … قذى حَالَ دون النوم في أعين رُمدِ
وقوله (٤): [من الكامل]
ما بالُهُ في عارِضَيْهِ مِسْكُهُ … ولقد عهدت المسك في سُرَرِ الطَّبَا
عجبًا له اتخذ الوشاة وقولهم … صِدقًا وعاين ما لقيت وكذبا
وقوله (٥): [من الكامل]
خَودٌ تَعثَّرُ كلما رقصت … من شعرها بمبلبل زجل
وبليتي من ضيق مقلتها … إن خيفَ قَتْلُ الأعين النُّجْلِ
تسعى بصافيةٍ معتّقةٍ … تبدولنا في الكأس كالشُّعَلِ
ودَنَتْ كأن شعاعَها قَبسُ … بادٍ وإن جلت عن المثل
стр. 5670
في روضة غنّى الربيع بها … فأبان صنعة عِلَّةِ العِلَلِ
فكأَنَّما فَرَشَت بساحتها … بُسُطَ الزُّمُرُّدِ راحة النَّفَلِ
وكأنَّ كَفَّ النجم من طَرَب … نثرت عليها أنجم الحَمَلِ
وَدَعَتْ حمائِمُها مراجعةً … فوقفتُ في شغل بلا شُغُلِ
شق الشقيق بها ملابسهُ … حُزنًا على ديباجة الأصل
وكأن في أغصانها سحرًا … ثاني الثقيل ومطلق الرمل
ومنها قوله:
ملك زَهَتْ أيام دولته الـ … ـغراء وافتخرت على الدُّوَلِ
يغشى الوغى والحرب قد كَشَرت … للموتِ عن أنيابها العُصلِ
والشمس كالعذراء كاسِفَةٌ … محجوبةٌ بالنّقع في الكِلَلِ
ملك صوارمه رسائلُهُ … إِنَّ الصوارم أبلغ الرُّسل
ملك قصَرْتُ على مدائحه … شعري، وعقد نواله أملي
ومنها قوله يمدح الملك المعز، صاحب اليمن، ويحرّضه على الأشراف بمكة، وكان قد أُخِذَ بها وسُلِب، ودبّت إليه عقارب شرارها فلسب (١): [من البسيط]
أعْيَتْ صفاتُ نَداكَ المصقع اللسنا … وحُزْتَ فِي الجُودِ فَضْلَ الحُسْنِ والحَسَنا
وماتريد بجسم لا بقاء له … مَنْ خَلَّص النُّبدَ ما أبقى لكَ اللَّبَنا
ولا تَقُلْ ساحل الإفرنج أملكه … فما يساوي إذا قايستَهُ عَدَنا
وإن أردت جهادًا رو سيفك من … قوم أضاعوا حقوق الله والسننا
طهر بسيفك بيت الله من دَنَسٍ … وما أحاط به من خِسَّةٍ وخَنَا
ولا تَقُلْ إِنَّهم أولاد فاطمة … لو أدركوا آل حرب قاتلوا الحسنا
وقوله يمدح الصاحب صفي الدين ابن شكر، وكان مالكي المذهب (٢): [من البسيط]
في ظل أبلج يُستسقى الغمام به … فيستهل ويستشفى به الكلب
المستقلُّ بما تُعنَى الملوك به … والمستقل لنا الدنيا إذا يَهَبُ
ثبت الجنان له حلم يوفِّرُهُ … إِذا هَفَا بحلوم السادة الغَضَبُ
صافي الضمائر، مرضي السرائر محـ … مود المآثر ترضى باسمِهِ الخُطَبُ
стр. 5671
إذا احْتَبَى للفتاوى فهو مالكها … وإن حَبَا خجلت من جوده السُّحُب
فما رأينا إمامًا قبل رؤيتهِ … يَرَى النَّوافِلَ فرضًا فعلها يجب
يقظان للمجد يحمي ما توارثَهُ … آباؤه الصِّيد من فخر أب فأب
قوم ترى الوفد في أبياتهم زمرًا … فالمجدُ يُحْزَنُ والأموال تُنْتَهَبُ
لو أزمعوا أمرهم يومًا على أجأ … رأيت أركان سلمي خِيفَةً يَجِبُ
يا أيها الصاحب الصدر الوزير ومن … إلى مفاخره العلياء تنتسب
دعيت في الدولة الغراء صاحِبَها … حَقًّا فظن جهولٌ أنه لَقَب
وقوله (١): [من الخفيف]
خبروها بأنَّه قد تصدى … لسلو عنها ولو مات صدا
عنفت طيفها على ظنّها أنْ … نَ خيالًا منها إلينا يُهدى
كذَّبتها ظنونها لا الكَرَى زا … رَ جفوني ولا الخيال تهدى
ومنها قوله:
وتعاطى الملوك مثل معاليـ … ـهِ فنالوا من دون ذلك جهدا
هلكوا دون نيل ما أَمِّلُوهُ … مَنْ يطر فوق طوره يتردى
لم يقف دونهم ولو كان يلقى … رتبةً من ورائهم لتعدى
وقوله يمدح الإمام فخر الدين الرازي (٢): [من الكامل]
بحر تصدر للعلوم ومن رأى … بحرًا تصدَّرَ قبله في محفل
غلط امرؤ بأبي علي قاسَهُ … هيهات قصر عن مداه أبو علي
لو أنَّ رسطاليس يسمع لفظةً … من لفظه لَعَرَتْهُ هِزَّةُ أَفْكَل
ويحار بطليموس لو لاقاه من … برهانه في كل شكل مشكل
فلو انهم جمعوا لديه تيقنوا … أنَّ الفضيلة لم تكن للأول
وقوله في الأمجد بهرام شاه (٣): [من البسيط]
تمضي المنايا بما شاءت أسنتُه … إذا القَنَا بين فرسان الوَغَى اشْتَجَرا
تكاد تُخفي النجومُ الزُّهْرُ أنفسَها … خوفًا ويُشرقُ بهرام إذا ذُكِرا
وقوله (٤): [من الخفيف]
ومُثْقَلَةٌ حملًا إذا ما بناتُها … مَرَتْها أَعارَتْها الغواني نُهودَها
تُباري ثقالَ المُعْصِراتِ بَدْرَها … فما تَرَكَتْ لِلسُّحْبِ إلا رُعودَها
وقوله في جواب لابن عدلان في حبل الغسيل (١): [من الخفيف]
أبدًا يكتسي العواري من النا … س، ومن يكتسي العواري عاري
فهو يُكْسَى، واليومُ صَحْوٌ ويَعْرَى … جِسْمُهُ في مواقع الأمطار
وكان الذي كتب به ابن عدلان إليه (٢): [من الخفيف]
وضَئِيلٌ لهُ الهواءُ مَقِيلٌ … مُكْتَسٍ يَوْمَهُ وفي الليلِ عاري
ويُرَى لابسًا صُنوفَ ثيابٍ … وهو ذو فاقة حليف افتقار
تعتليه الكُسَا ثقالًا فَيُلْقِيـ … ـها خِفافًا في أخريات النهار
وقوله في الزر والعُروة (٣): [من الوافر]
وبَعْلٍ كلُّهُ ذَكرٌ صحيحٌ … وأُنْثَى كلُّها فَرْجٌ مُباحُ
فتفضي هذه، ويُجَبُّ هذا … ولا يوديهما ذاك الجراح
وقوله (٤): [من المتقارب]
تعجب قوم لِصَفْع الرشيدِ … وذلك ما زال من دأبه
رحمت انكسار قلوب النِّعال … وقد دَنَّسوها بأثوابه
فواللهِ ما صَفَعوه بها … ولكنهم صفعوها به
وقوله في هجاء الفاضل، وقد تَمَهَّل عليه وتقوّل فيما لا ينسب إليه ومثله من يصفح، وما زالت الأشراف تهجا وتمدح والذي قاله (٥): [من المنسرح]
حاشي لعبد الرحيم سيّدنا … الفاضل مما تقوله السَّفَلُ
وتب من قال إنّ حَدْبَتَهُ … في ظهره من عبيده حَبَلُ
هذا قياس في غير سيّدنا … يصح إن كان يحبلُ الرَّجُلُ
وقوله في مثله (٦): [من الطويل]
سألت السديد الفاضلي وقد بَدَا … عليه هزال بعد شدَّةِ أَسْرِهِ
أكنت مريضًا؟ قال: لا، وإنما … يخبرني عبد الرحيم بسره
стр. 5674
فقلت له: إن العظيم اختياره … لأوضح فحل من تفاقم أمره
فما هذه ما بين ثُدَييْك قال لي: … تقعُرُ صدري من محدب ظهره
وقوله في جدال طال بين فقيهين يعرف أحدهما بالجاموس، والآخر بالبغل (١): [من الكامل]
البغل والجاموس في جَدَلَيهما … قد أصبحا مثلًا لكل مناظر
برزا عشية يومنا فتناظرا … هذا بقرنيه وذا بالحافر
وقوله (٢): [من الكامل]
ما إن مدحتك أرتجي لك نائلًا … فحرمتني فهجوت باستحقاق
لكنني عايَنْتُ عِرضَك أسودًا … متمزّقًا فقدحت في حُرَّاقِ
وقوله (٣): [من البسيط]
وما هجوتُ ابن عصرون أروم له … فضلًا ولا نلت من فخرٍ ولا شَرَفِ
لكن أُجرِّبُ فيه خاطري عبثًا … كما تُجَرَّبُ بيض الهند في الجيف
وقوله في ابن دحية الكلبي اللغوي (٤): [من السريع]
دحية لَمْ يعقب فَلِمْ تنتمي … إليه بالبهتان والإفك
ما صح عند الناس شيءٌ سِوَى … أَنَّكَ من كَلْبِ بلا شك
وقوله (٥): [من الوافر]
شَكَا شِعري إليَّ وقال تهجو … بمثلي عرض ذا الكلب اللئيم
فقلتُ له تَسَلَّ فَرُبَّ نجم … هوى في رجم شيطان رجيم
وقوله في ابن المؤيَّد، وقد عُزل (٦): [من المتقارب]
شكا ابن المؤيد من صرفه … وذمَّ الزمان وأبدى السَّفَة
فلا تغضبنَّ إذا ما صرفتَ … فلا عدل فيك ولا معرفة
وقوله في علوي أحب صبيًا يلقب الجمل (٧): [من المتقارب]
فديتك قل للشهاب الشريف … وإن شاط غيظًا لذا واحتفل
أتزعُمُ أَنَّكَ من شيعة … الوصي وأنت تحب الجمل
стр. 5675
وقوله مما كتب به وهو مريض إلى الصلاح الإربلي (١): [من الوافر]
إليك شكيتي عبث الليالي … لقد حصَّتْ نوائبها جناحي
وكيف يفيق من عبث الليالي … مريض لا يرى وجه الصلاح
وقوله في صبي أسود أحبه، وقصر منه على حبَّةِ القلب حبه (٢): [من الطويل]
أجل أنا في لون الشبيبة مغرم … وإن لجَّ عُذَالٌ وأسرف لُوَّمُ
وقد عابني قومي بتقبيل خده … وما ذاك عيب أسودُ الرُّكْنِ يُلَثم
وقوله، مما كتب به إلى الملك المعظم عيسى (٣): [من البسيط]
إذا لقيت الأعادي يوم معركةٍ … فإنَّ جمعَهم المغرور منتهب
لك النفوس وللطير اللحوم … وللوحش العظام وللخَيَّالَةِ السَّلَبُ
وقوله ملغزًا في العجلة المعدَّةِ لجر الأثقال، وأجاد المقال (٤): [من البسيط]
أهلَ العلوم أحاجيكم بواردة … لا ترتوي ذات إبطاء على عَجَلَه
إذا استوى بين رجليها امرؤ نطقت … بمزعجات من الأصوات متصلة
تمشي وقائدها من خلفها أبدًا … تميد في المشي كالسكرانة الثَّمِلَة
صعراء إن قامت فهي مائلةٌ … وإن مشت فهي كالميزان معتدلة
محمولة وهي للأثقال حاملةٌ … مُقيمةٌ لا تزال الدهر مرتحله
وقوله في محيي الدين بن أبي عصرون، وكان يباشر الحرب تحت العصابة الناصرية الصلاحية، سقى الله أيامها (٥): [من الوافر]
سمعتُ بأنَّ محيي الدين يغشى … الوغى والحرب سارية المنايا
فلا تشهد بصفعانٍ قتالًا … فَقَوْسُ النَّدف لا تُصمي الرمايا
وقوله (٦): [من البسيط]
لو كنتُ أسود مثل الفيل هامَتُهُ … عبلَ الذِّراعَيْنِ في غرمولِهِ كِبَرُ
كانت حوائج مثلي عندكم قُضيت … لكنني أبيض في أيره قصر
وقوله (٧): [من السريع]
أقولها بالغةً ما عَسَى … والطبلُ لا يُضرب تحت الكسى