← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

ومنه قوله: يا من تشكى عنه، وبلاؤه منها، وفيها النَّاسُ منها يشتكون، وأنتَ منها تشتكيها ومنه قوله: [من الوافر] تبرَّم بالعِذار وظنَّ أنّي … أُقاطعُهُ وأخرجُ من يَدَيْهِ وخافت عارضاه خَلاصَ قلبي … من التَّبريحِ فانقَفَلَتْ عليه ومنه قوله (١): [من المديد] لافتضاحي في عَوارضِهِ … سببٌ والنَّاسُ نوَّامُ كيف يخفَى ما أُكَتِّمُهُ … والذي أهواهُ نَمَّامُ ومنه قوله: [من المنسرح] يا سيِّدي والذي مودّتُهُ … عنْدِيَ رُوحٌ تَحْيَا به الجَسَدُ مِنْ أَلم الظَّهرِ أستغيثُ وهل … يألَمُ ظهرٌ إليكَ يَستندُ ونظر إليه بعضُ إخوانه في يوم عاشوراء، وقد اكتحل وطَرَفَ أهدابه بالحداد لا بالكحل، فلامه لما رأى طرفه الكحول، ولم يعلم أنّه مِمَّا نزف الدمع من سواد عينه المحلول، فقال (٢): [من مخلع البسيط] ولائم لام في اكتحالي … يوم استباحوا دم الحسين فقلتُ دعني أحقُّ عضو … منّي يلبس السواد عيني وباقي المختار من شعره قوله (٣): [من مجزوء الخفيف] كم تقولون بعض عا … رضه قد تغيرا إنما الحُسنُ حيث مَرْ … رَبه الحِبُّ مسفرا رام تبخيرَهُ فَذَرْ … رَ علة الجَمْرِ عَنبرا ومنه قوله: [من الطويل] وَرُبَّ جُفون شاكَلَتْني لأنني … أقمتُ على سهم ولم أخلُ من سِحْرِ قَسَا ثُمَّ أجْرَى دمعتي فكأنَّهُ … لفرقته الخنساء تبكي على صَخْرٍ ومنه قوله: [من الكامل] مولى تزايد في تواضعه … عِظْمًا كَذاكَ البَدْرِ في الأُفُقِ ومنه قوله (٤): [من الخفيف]

стр. 5602

لستُ أحوي صفاتِهِ غيرَ أَنِّي … ما رأيتُ الإِعْسَارَ منذُ رآني وإذا أظهر التَّواضُعَ فينا … فهو من أنَّه عظيمُ الشَّانِ ومتى لاحت النجوم على صف … حةِ ماء، فما النجوم دواني ومنه قوله: [من الخفيف] وكأن الوهاد بالدم كاسا … ت عقار فيها الرُّؤوسُ حُبَابُ كلما ذَمَّتِ العِدا ما أتاهم … من عقابٍ أَثْنَتْ عليكَ العُقابُ ومنه قوله (١): [من السريع] قَصَدْتَ ربعي فتعالى به … قدري فَدَتْكَ النَّفْسُ مِنْ قاصِدِ ولَمْ يَرَ العالم من قبلها … بحرًا مشى قط إلى واردِ ومنه قوله (٢): [من الطويل] ويكتب بالبيض الصَّوارم أَسطُرًا … على أَوْجُهِ الفرسان تنقطها السمر وينظمهم في الرُّمْحِ نظمًا وإِنَّما … رُؤوسُهُم من بعد نظمِهِمُ نَتْرُ ومنه قوله: [من السريع] ناوَلَني تفاحة أشبهت … لوني وطيب الريح من فيه ظبي جعلت القلب في أسره … فقد غدا محتكمًا فيهِ ومنه قوله (٣): [من السريع] ما فيكم بخل ولا بي غنى … عن نائل والنجم في الصدق ولست أستبطي ولكنني … ينقطع الغيثُ فَأَسْتَسْقِي ومنه قوله يهجو: [من مجزوء الخفيف] للنميري نكهة … طال منها تَحَيري هي أفى إذا تنفس … من ألف مبعر قلت لما شممتها … مَنْ خِرَا جوف منخري ومنه قوله في العزيز عم العماد الكاتب (٤): [من الطويل] فميلوا بنا نحو العراقِ رِكابكُم … لِنَكْتالَ من مال العزيز بصاعه ومنه قوله في الشريف الشجري النحوي (٥): [من المنسرح]

стр. 5603

يا سيدي والذي يعيذك من … نَظْم قريض يصدا به الفكر ما فيك من جدك النبي سوى … أَنَّكَ لا ينبغي لك الشعر ومنه قوله (١): [من المنسرح] اِرْضَ لمن غاب عنك غَيْبَتَهُ … فذاكَ ذنب عقابه فيه ومنه قوله (٢): [من الطويل] مَدَحْتُهُمُ فازددت بعدًا بمدحِهِمْ … فَخُيِّلَ لي أن المديح هجاء يقولون مالا يفعلون كأنَّهم … إذا سُئِلوا رفدًا هم الشعراء ومنه قوله (٣): [من الطويل] أتاني بنو الحاجات من كلِّ وُجهةٍ … يقولون لي: أين الموفّق قاعد؟ فقلتُ لهم فوق المجرَّةِ داره … ولكنني فارقته وهو صاعد فإن شئتم أن لا تضلُّوا فَيَمموا … إلى حيثُ سارت بالثناءِ القَصَائِدُ ومنه قوله (٤): [من الكامل] لاقى طريق النسكِ شاسعةً … فاستصحب اللذَّاتِ وانْحَرَفا يهوى كؤوس الرَّاحِ تُذْكِرُهُ … قَبَسًا أَضاءَ وبارقًا خَطَفا يُهدي المِزاج بجيدِهَا حَبَبًا … مثلَ السِّهام تعاوَرَتْ هَدَفا وإذا دعاه طرف غانيةٍ … للوصل بادَرَهُ ولو زَحَفَا منها: واعقد بطرفكَ صُدْغَ ذِي تَرَف … لَمَا أَلمَّ بِخَصْرِهِ انْعَطفا كالنون مُنْحَنيًا فإنْ عَبِثَتْ … كَفِّي أحالت شَكْلَهُ أَلِفا والماء تُطْرِبُهُ منادَمَتي … فلو اسْتَبَدَّ برأيه وَقَفا وخلائق مثل النسيم جَرَى … فإذا تعرَّضَ للعدا عَصَفا وتراه يرفدني وأنشده … مدحي فنظهر بيننا الطرفا ومنه قوله (٥): [من السريع] لم أجن ذنبًا في مديح امرئ … قابل شعري بالمواعيد إن قُلْتُ: بحرٌ فَبِما نالَني … من هَوْلِهِ أَيَّامَ ترديدى

стр. 5604

أو قلتُ: ليثُ فَبتكليحِهِ … إذا أتاه طالب الجُودِ ومنه قوله في ولده (١): [من السريع] ابني بلا شك ولا خُلفٍ … في غاية الإدْبارِ والسُّخْفِ كأنه الحَبالُ في مَشْيِهِ … يزداد إقبالًا إلى خَلْفِ ومنه قوله (٢): [من الكامل] سكن المجرة واستَهَلَّ نَدًى … وكذا الغَمامُ إِذا عَلا وَكَفَا لم آتِ أَسْتَكْفِيهِ حادثة … إلا تهلل بشرُه وَكَفَى ومنهم: [١٩٦] أبو عبد الله، محمد بن مبارك بن علي بن جارية القصار البغدادي (٣) لفظه عالٍ، ودُرُّهُ غال. يبدو عليه ظرف أهل العراق، ووصف أهل بغداد، في كرم الأخلاق. ومن شعره الحالي الرَّشَفات الحاوي لإحياء الرفات، من النمط العالي الصفات، الغالي، فالذهب ما إليه التفات، قوله (٤): [من مخلع البسيط] وأدهم اللون ذي خُجول … قد عَقَدَتْ صُبحَهُ بليلة كأنما البرق خاف منه … فجاءَ مُستمسكًا بذيله ومنه قوله يهجو مغنيًا اسمه محمود (٥): [من الخفيف] أنت تدري أن الشتاء على الأشـ … جار صَعْب، إذا أطل شديد لو أراد الإله بالأرض خِصْبًا … ما تغنَّى من فوقها محمود كلَّما أَنْبَتَتْ يَسيرًا من العُشْ … ب وغنى، غطى عليه الجليد

стр. 5605

ومن قوله في ذمّ الشَّيب (١): [من البسيط] ولي إلى الشيبِ شوقُ مَا يُنَهْنِهُهُ … سَعْي للقياه من عمري على قدم ما أرغَدَ الدَّهرُ عيشي في الشَّبابِ ولا … أحلى فأبكى شبابي حالة الهرم ومنه قوله (٢): [من الكامل]: عَلَّ النحيلة أن تجود بنظرةٍ … ولقد يجود بمائه الجلمود إن كان موعدنا برامة غاله … خُلفٌ فهذا موعد وزرود ومنه قوله (٣): [من المتقارب] إذا كان حظ الفتى صاعدًا … فلا بأس بالأدب النَّازل أحِذْقًا ورزقًا لقدرمت ما … يزيد على أمل الآمل هما خَلَفان، فهذا المقيـ … ـمُ يُعْقَبُ من ذلك الراحل ما غايةُ الفَضلِ نظمُ القَريضِ … ولكنَّه نفثَةُ الفاضل واستدعاه بعض أصدقائه صبيحة ليلةٍ، أكلت الشمس نجومها، وحَدَرَت على صفحة السَّماء غيومها، وقد أذابت كُحل الليل دمعة الفجر، وتَحَرَّكَ نهرُ النَّهَارِ، إلا أنَّه لم يجر، ثُمَّ دام عنده نهارَه كُلَّهُ حتَّى اعتل اليوم، واختل القومُ، وقبض المساءُ رُوحَ الشَّمسِ وهيا الغرب لميت النهار الرَّمسَ، وأنت الليلة المقبلة بذكيّ شُعَلِها، وتَدَبُّرِ حُلَلِها، حتى آن لسيف الدجى أن يستل من شَعَرِ العُدَّلِ الأشيب، والثعلب الفجر على ممر حانَ أَوَّلُهُ يتوثّبُ. فلما أتمهما عنده يومًا وليلة، جَمَعَ طَوْقَ كُلٌّ منهما وذَيْلَه سَأَلَهُ في الانصراف، فأذِنَ له على تلو عليه وتَرَوّ أن يخرج من يديه. فلما خرج كتب إليه: [من الخفيف] أيُّها الصَّاحب الذي عزَّ عندي … إِذْ تَحَقَّقْتُ في المودة مَيْلَهُ ليت شعري ماذا استطلت من الوَصْ … لِ، وما كان غير يوم وليله فكتب إليه: [من الخفيف] أيها الصاحب الذي زاد عتبًا … لصديق له تَوَهَّمَ مَيْلَهُ دُمْتَ يومًا وليلةً ما افْتَرَقْنا … وهل الدَّهْرُ غير يومٍ وَلَيْلَهُ؟ ومنهم:

стр. 5606

[١٩٧] القاضي أبو عمرو، يَحْيَى بن صاعد بن سيار الهروي، قاضي قضاة هراة (١) حاكم على الكلام، وناجمٌ في أفق الأيام. عَلِمَ الأدب وقاله، وبلغ به مع العِلْمِ كماله. ممن لا يقاس به إذا نَدر، ولا ترد القرائح إلا إذا أصدر. ولا يفخر العلماء إلا إذا قاموا لديه. وقد تصدرُ ولا تجد المدائح لبوسها إلا مما قَدَرَ أو قدَّرَ. قال فيه العماد: «صاحب بديهة، ينظم بسرعةٍ، حُلْوَ الشِّعرِ لطيفَهُ» (٢). قلت: ومن شعره المنتخب ثمينه، المنتخل من دُرِّهِ ما يزينه. قوله في زُرقةِ العَينِ (٣): [من الكامل] ما شَانَها وأبيكَ زرقة عينها … بل صار ذلك زائدًا في زينها كادت أساود شعرها تسطو على … مُهَجِ الوَرَى لولا زُمُرُّدُ عَيْنِهَا ومنه قوله (٤): [من الكامل] ومن العجائب أن يمرَّ كلامُهُ … وَمَمَرُّهُ بالشَّهد من شفتيه وكذا تَنَفُّس من رآه باردٌ … ومَمَرُّهُ بالنَّارِ من جَنْبَيْهِ ومنه قوله (٥): [من السريع] قلبي هو العاشق لا صُدْعُهُ … فلا أراه أبدًا يضطرب لا تَعْجَبَنْ من فعله هكذا … سنَّةُ من يرقد فوق اللهب ومنه قوله (٦): [من السريع] أبكي إذا ما حضروا منهم … وإن نأوا أبكي على النائي كأنني السُّكَّر في طبعِهِ … أذوب في النار وفي الماء ومنه قوله (٧): [من مجزوء الرجز] لا تفخرن بالشعر … إِنَّ العَقْلَ لا يوجِبُهُ وأي فخر بالذي … أجوده أكبه ومنه قوله (٨): [من البسيط]

стр. 5607

سألتها ودموع العين تشفع لي … بالله ترحم قلبًا لي بها تاها قالت لدي قلوب جمةٌ علقت … فأيُّها أنت تعني؟ قلتُ: أشقاها ومنه قوله في الشمعة (١): [من الوافر] ومَن يك ضاقَ في الظَّلماءِ ذَرْعًا … فإنِّي مَنْ يُسَرُّ بها جَنانُه أَطَارِدُ عَسْكَرَ الظلماء عنِّي … بِرُمْحٍ صِيغَ من ذهب سِنانُهُ ومنه قوله (٢): [من الوافر] أنا المغتر حين ظننتُ أن لا … يكون لوصلهم أبدًا فراق وقالوا: كيف ليلكَ؟ قلتُ ليلي … كَلَيْلِ السَّمَعِ أجمعُهُ احْتِرَاقُ ومنهم: [١٩٨] أبو عبد الله النقاش، عيسى بن هبة الله البزاز البغدادي (٣) شعره كأيَّام الشباب، والتآمِ الأحباب. لم يقع إليَّ منه إلا ما يقع من الشمس بين الغصون، أو بقدر ما يبوح به الكتوم من السِّرِّ المصون. وقد ذكره العماد الكاتب ذكر التفخيم، وأشار إليه إشارةً قامت مقام الدَّلِّ من الأغيدِ الرَّحيم. والذي أتيتُ له به جني نوار ومجاجة شهد من يد مشتار، وزجاجة شَفَتْ عن كوكب دري يوقد بالأنوار. منه قوله (٤): [من المتقارب] إذا وجد الشيخ في نفسه … نشاطًا فذلك موتٌ خَفِي أَلَسْتَ ترى أن ضوء السراج … له لهب قبل أن يَنْطَفِي ومنهم:

стр. 5608

[١٩٩] أبو المظفّرُ، أسامةُ بنُ مُرْشِدِ بنِ علي بن مُقْلِدِ بن نصر بن منقذ، الكناني الكلبي الشيزري، مؤيد الدولة (١) مجد الدين، ورفد المحدثين. سليل إمارة، وسيلُ سُحب مدرارة، وعديل شُهُبٍ

стр. 5609

سيارة. من أكابر بني منقذ، أصحاب شيْزَرَ، وأرباب تُقى. لا يشدُّ له على الفحشاء منزر. توارثها منهم سادةٌ غُرّ، وقادة توزّعت خطياتهم الدراري والدرّ، وكان هذا من أسنى بدورهم تمامًا، وأندى زهورهم أَرَجًا ناغي غمامًا. فارس وغي، لا تقعده السامة، وبَطَلُ حرب لا يُدْعَى إليها أشجع من أسامة من العلماء الشجعان، والكرماء في الطَّعامِ والطعان. يطعنون صدر الكتيبة، ويُطعمون السَّنةَ الجديبة. يمتون إلى البيت الفاضلي بحق الجوار، وحظ النَّسَبِ في الأدب، لا في النّجاد. وكانت له مع القاضي الفاضل صحبة زادت قدره بكتابه، وزانت حظه له مشابه، وبينه وبينهم كتب تنشر الرياض لمن تأمل، وتنظرُ الشُّهبُ منها في أردانِ من تَحمَّل، إلى همم يُناط بالفراقدِ نجادها، وينام على الظلم سُهَّادها. وهو من بني منقد علامة أعلام، وضرغامةٌ في أَجَمَةِ أَسَلٍ وأقلام حمامة سجع، وغمامة رجع، وصَمصامةٌ مُرْهَفٍ منهم لا يُفَلُّ له حد، وأسامة من بيت، كلهم أسود، ما منهم إلا كريم الجدّ، طمى على قريبهم سيله، وغطى على أطوادهم المنيفة ذَيْلُهُ. وقد ذكره العماد الكاتب ذكرًا يوشُحُ الأعطاف، ويرشّح لفواضل هزاته السلاف. قال (١): «وسكن دمشق، ثمّ نَبَتْ به كما تَنْبُو الدَّارُ بالكريم، فانتقل إلى مصر، فبقي بها مُؤَمَّرًا مشارًا إليه بالتعظيم، إلى أيَّامِ الصَّالح بن رُزِّيكَ. ثم عاد إلى الشَّامِ، ثم رماه الزَّمانُ إلى حِصْنِ كيفا، فأقام بها حتَّى مَلَكَ السُّلطان صلاح الدين، فاستدعاه وقد جاوز الثمانين» انتهى كلامه. قلت: وقَدِمَ عليه وقد أمسك الهَرَمُ بواعِثَه، وشدَّ بإمساك العصا له رجلًا ثالثة، وقد جاوز الثمانين، وجاور ركائب إلى المنايا ما بين. وفي سنّه يقول: لمَّا عَلتْ ومرت أيامه التي خلت، وقد وَهَنَ جَلَدُه، ووهَى بَنانُه، ورَعَشَتْ يَدُه. ويصف فيها ما آلت إليه أحواله وآضت أقْصَرَ من أعمر الأيام أحواله، يتذكَّرُ شبابه المفارق، وناب سنانه في صدر المارق، إذ كانت قناته تحرق لَبَّةَ الأسد، وتخلق له في قلب الشجاع الحسد (٢): فاعجب لضعف يدي عن حملها قلمًا … من بعد حَطْمِ القَنَا في لَبَّةِ الأَسدِ

стр. 5610

وله ديوان شعر رقيق الجلباب كخدود الغيد تحيَّر فيها ماء الشباب. لا يصل إلى دُرِّهِ الغواص، ولا يطلع على سره إلا الخواص. ومما له يرشف ثغوره، وتُرْهَفُ كالسُّيوفِ الحدادِ سطوره، قوله (١): [من الطويل] تخالفت الأهواء وانشقتِ العصا … وشَعَبَهُم وَشْكُ النَّوى كلَّ مَشْعَبِ وقد نَشَر التوديع في كلِّ مُقْلةٍ … على كل خد لؤلؤًا لم يُنَقَّبِ ومنه قوله (٢): [من مجزوء الكامل] ياعاتبًا أحبابَهُ … أَأَمِنْتَ تقليب القلوب؟ لا تفزعن سماع من … تهوى بتعداد الذنوب ما ناقش الأحباب إلـ … لا مَنْ يعيش بلا حبيب ومنه قوله (٣): [من البسيط] أفدي خيالًا سَرَى ليلًا فأشرقت الـ … دنيا بأنوارِهِ والصبح ما انبلجا عجبت منه تخطّى الهَوْلَ معترضًا … أرض العِدَا ووشاة الحي، كيف نجا؟ ومنه قوله (٤): [من المنسرح] انظُرْ إِليها فإِنْ نَظَرْتَ تَرَى … شخصًا عن العاشقين يحتج غصن ودعص فالغصن من هَيفٍ … يميس لينًا والدعص يرتج شمس وليل فاعجب لشمس ضُحًى … تشرقُ والليل راكد يدجو منه قوله (٥): [من السريع] نفسي فَدَتْ بَدر تمام إذا … عاتبني بالجد أو وبالمزاح سَدَدْتُ بالتقبيل فاه على … مسك ودرّ ورضاب وراح ومنه قوله (٦): [من مجزوء الرمل] يا من فدتك النفس قد … أسرفت في هجري وصدي ابق من هجرك حظًا … للذي يهواك بعدي قلت: وما كان ضَرَّ هذا الشاعر لو قال بعدها: لا تخلي الهجر طرًا … في نصيبي أنا وحدي ومنه قوله (٧): [من مخلع البسيط]

стр. 5611

إن راعنا البين بافتراق … وساء بعد الدُّنُو بُعْدُ فهذه شيمة الليالي … تُعيرُنا ثمَّ تَسْتِرَدُّ ومنه قوله (١): [من الرجز] ما هاج هذا الشوق غيرُ الذِّكْرِ وزورة الطيف أتى من مصر كم خاص بحرًا وفلا كَبَحرِ حتى أتى طلائحًا في قفر قد انطوين من سُرًى وضُمْرٍ حتى اغْتَدَيْنَ كَهلال الشهر يحملن كل ماجد كالصقر بعيدِ مَهْوَى هِمَّةٍ وذِكْرِ للمجدِ يَسعَى لا لِكَسْبِ الوَفْرِ يُذْكِرُنِي طِيبَ الزَّمانِ النَّضْرِ ما كان إلا غرة في الدهر ومنه قوله (٢): [من الكامل] واها لليل خلتُني من طيبه … متفيّئًا في ظل طير طائر ناهلتُ فيه البَدْرَ شمسًا توَّجَتْ … عند المزاح بكل نجم زاهر ولثمت برقًا لو تألق في دُجى … أغنى المحول عن الغمام الماطر ومنه قوله (٣): [من الكامل] عاتبتُهُ في صَدِّهِ قبل النَّوى … فكأنَّ عتبي زاده إصرارا ورأيت أمواه الحياء بخده … فَتَرَقْرَقَتْ حتى استحالت نارا ومنه قوله (٤): [من الرمل] راحتي في في دمعي … لو أطاعتني الدموع وخِدَاعُ الطَّيفِ لوطأ … ف بأجفاني الهُجُوع ومنه قوله (٥): [من الكامل]

стр. 5612

أحبابنا المتوجعون لما بنا … هجروا وأَبْدُوا رأفة وتوجعا صدوا فأشعَرَني السَّقام صدودهم … وأعادَ عَيني من كراها الأدمعا وهم جَنَوْا ما أنكروا فتوجّعوا … متنصّلين تقيَّةً وتَوَرُّعا كالقوس ترمي السهم ثم ترن من … وَجْد عليه تأسفًا وتفجعا وفي هذا زيادة على قول ابن الرومي (١): [من البسيط] كالقوس يصمي … الرمايا وهي مرنان ومنه قوله (٢): [من الكامل] في وجهِهِ ماءُ الملاحة حائرٌ … وبخدِّهِ وَرْدُ الحَيَا لم يُقْطَفُ وكأن وَشْيَ عِذَارِهِ في خده … نمل تسرب فوقَ وردٍ مُضْعَفُ ومنه قوله (٣): [من الكامل] هبني أُكَفْكِفُ زَفرتي ومدامعي … ما حيلتي وَشَجَا التجمل خانقي أنا كالحمام تبوح حين تنوح بالشَّـ … شكوى ولم يغفر لها فم ناطق ومنه قوله (٤): [من الكامل] الله ليلتنا التي رَحُبَتْ لنا … فيها المسرَّة في مجال ضَيِّق ما شابَهَا لولا مَشيبُ ظَلامِها … كَدَرٌ ولا راعَتْ بِواشٍ مُحنَقِ فلو استطعتُ خَضَبْتُها بشبيبتي … وجعلتُ لون صباحها في مفرقي ومنه قوله (٥): [من البسيط] أقولُ للعين في يوم الوداع وقد … فاضت بقانٍ على الخدَّيْنِ مُسْتَبَقِ تزوّدي اليوم من توديعهم نظرًا … ففي غدٍ تَفْرُغي للبَيْنِ والأَرَقِ ومنه قوله في الخمر (٦): [من المنسرح] إذا قراها المزاج أَضْرَمَها … وقلت: أيدي السقاة تحترق تَوَّجَها الماء من فواقعه … دُرًّا به ترتدي وتنتطق ومنه قوله (٧): [من البسيط] ماحيلتي خَذَلَتْني بَعْدَ بُعدِكُمُ … مَدامعي واستحالت في الحَشَا حُرقا

стр. 5613

كأنما رام قلبي أن يُصعد من دمي … دموعًا بنار الشوق فاحترقا ومنه قوله (١): [من السريع] أخرجني حُبُّكَ عن شيمتي … حتى لقد أنكرتُ أخلاقي أخضع للواشي ولولا الجَوَى … لم يخضع الملسوع للراقي أُشْفِقُ أن يظهرَ حُبِّي لكم … هيهات يا ضِيْعَةَ إشفاقي ومنه قوله (٢): [من مخلع البسيط] قُلْ للملول الذي تَجَنَّى … وخانَ من بعد ملكِ رقي أَحْسَنَ بي لا عن اعتمادٍ … غَدْرُكَ إِذْ جاد لي بعتقي ومنه قوله (٣): [من الخفيف] لو رآني أموت ظمآن والنِّيـ … ـلُ بكَفِّيه ما سقاني بلالا وَهُوَ لَوْ رَامَ أَخْذَ إنسان عيني … قلتُ: خُذْهُ يَكُنْ بخدِّكَ خالا ومنه قوله (٤): [من الكامل] نفسي الفداء لمن يُعاتبني … وفمي على فَمِهِ يُقَبِّلُهُ ويُريدُ يُوضِح وجهَ حُجَّتِهِ … واللَّثْمُ يُعْجِلُهُ ويُخْجَلُهُ حتَّى إذا أَضْجَرْتُهُ سَتَرَتْ … ما بينَ في وفيهِ أَنْملُهُ ويعود مُعتذرًا ليَشْغلني … عنه بِعُذْرِ لستُ أَقبلُهُ ومنه قوله (٥): [من الكامل] راجع أحبتك الذين هجرتَهُمْ … أَوْ فَالْقَ هجرتهم بقلب سال تاركْتَهُمْ لا مُعلنًا بقطيعةٍ … تُسْلي ولا مُتعرِّضًا لِوَصَالِ ثقة بهم ونَسِيتَ أنَّ قلوبهم … مخلوقةٌ من جَفوةٍ ومَلالِ وغدًا إذا استعطفتهم وتمنعوا … أَدْمَتْ بنانَك حَسْرَةُ الإخلال ومنه قوله (٦): [من المنسرح] عتبي نفاق لا تحفَلَنَّ به … قول بلا نية ولا عمل يُشبِهُ تَعبيس شارب الخمر لا … لكرهها بل لفارط الجَذَلِ ومنه قوله (٧): [من الكامل]

стр. 5614

لَا تَسْتَعِرْ جَلَدًا عَلى هِجْرانِهِمْ … فَقُواكَ تَضْعُفُ عَنْ صُدُودٍ دَائِم واعْلَمْ بأَنَّكَ إِنْ رَجَعْتَ إِليهمْ … طَوْعًا، وإلا عُدْتَ عَوْدَةَ رَاغِمِ ومنه قوله (١): [من مجزوء الكامل] قَسَمَا بِمَنْ لَمْ يَبْقِ خَو … ف رَقِيبِهِ لِي فِيهِ قِسْمَا خَافَ الوُشاةَ فَصَدَّ حَتَّ … ى فِي الرُّقَادِ إِذا أَلَمَّا لأُخَاطِرَنَّ بِمُهْجَتِي … في حُبِّهِ إِمَّا وَإِمَّا ومنه قوله (٢): [من البسيط] مَنْ لي بأَنَّ بَسِيطَ الأرْضِ دُونَكُمُ … طِرْسُ وَأَنِّي فِي أَرْجَائِهِ قَلَمُ أسْعَى إليكم على رأسي ويمنعني … إجلالي الودَّ أن تسعى بي القَدَمُ ومنه قوله (٣): [من الكامل] نَمَتْ على حَسَراتِهِ زَفَراتُهُ … وكذا يَنِمُّ على الضَّرام دُخَانُه وأخو الهوى مثل الكتاب دليل ذا … كَ عِيَانُهُ ودليلنا عنوانه تَحْكِي البُرُوقُ فُؤَادَهُ فَضِرامُها … أَشْواقُهُ وخفوقها خفقانه ومنها: [من الكامل] كَاتَمْتَ وَاشِيكَ الهَوَى قَبْلَ النَّوى … فَبَدا لَهُ من بعدها كِتْمانُه وعصاك دمعك عند خطرة ذكرهم … وبقدرِ طَاعَتِكَ الهَوَى عِصْيَانُه وتخلق الطيف الطروقُ بخُلقهم … فإذا ألمَّ يَرُوعُنِي هِجْرانُه ومنه قوله (٤): [من مجزوء الكامل] أَنْكَرْتُ وَاشِيكَ الغَرا … مَ فَجاءَ سُقْمِي بالبيانِ شَهِدَ النُّحُولُ به وما … يُغني الجُحُودُ عَنِ العِيانِ ما يُستدلُّ على وُقُو … دِ النَّارِ إلاَّ بالدُّخانِ ومنه قوله (٥): [من الكامل] يَمْتَنُّ طَيفُكَ بالزيارة كُلَّما … دَلَّتْهُ أَفكاري على أجفاني المِنُّ للأفكار لو لم تهدِهِ … نحوي لكان كَأَنْتَ في الهِجْران لُقِنَ القطيعة منك في سِنَة الكَرَى … فإذا جَفا وجنى فأنت الجاني ومنه قوله (٦): [من الكامل]

стр. 5615

يا هاجري أبدًا في يقظتي فإذا … هَوَّمْتُ وَكَّلَ بي طيفًا يؤرقني يلم بي غير مشتاق على عَجَلٍ … وَيَنْثَني حين يُشجيني ويُقلقني فلستُ أنفك من بَيْن يُجَدِّدُ لي … روعاتِهِ بخيال منك يطرقني ومنه قوله (١): [من السريع] كيف انتصاري من هَوَى ظالم … قلبي وعيني بعض أعوانه؟ في كُلِّ يوم موقفٌ للنَّوَى … مِنْ عَتْبه ظُلمًا وهجرانه فَعَهْدُهُ أضعفُ من خَصْرِهِ … وَخَصْرُهُ في سُم أجفانه ومن قوله (٢): [من البسيط] جَاهَرْتُ بالهَجْرِ أَسْتَبقي الوِصَالَ به … ورُبَّما اسْتَتَرَ الإِسْرارُ في العَلَنِ فَضَاعَ في الصَّدِّ أيامٌ حَفِظْتُ بها … أيَّامَ وَصْلِكَ فِي مُسْتَأْنَفِ الزَّمَنِ كذلك الدم وهو الرُّوحُ يُهْرِقُهُ الطْـ … طَبيبُ حفظًا لباقي الرُّوحِ في البَدَنِ ومنه قوله (٣): [من البسيط] إِنْ أَلْقَهُ سَرَّهُ قُربي وآنَسَهُ … وإِنْ أَغِبْ صَدَّ عَنِّي مُعْرِضًا وَلَها كأَنَّني مَيِّتُ في النَّوم يُبهجُهُ … لقاؤه ثم ينساهُ إذا انْتَبَهَا ومنه قوله (٤): [من الكامل] تَخْفَى عليَّ ذُنُوبُهُ في حبّه … وَيَرى ذُنوبي قبل أن أجنيها فكأنه عيني ترى عيبي ولا … يبدو لي العيب الذي هو فيها ومنه قوله (٥): [من الطويل] يُغالطني فيكم هواي فأنثني … إليكُمْ على إنكار ما قد بدا ليا كَعَطْفَةِ أُمِّ البَوِّ تَرْأَمُ شِلْوَهُ … وقد رَابها منه الذي ليس خافيا ومنه قوله (٦): [من البسيط] بُعْدًا لمن شَرُّهُ أَعْمَى يُصِيبُ ولا … يرى مكان الأقاصي من ذوي النَّسَبِ كالنَّارِ تُحرق طبعًا لا تميز بين … المَنْدَلِ الرَّطْب في الإحراق والحَطَبِ ومنه قوله (٧): [من مخلع البسيط] أنتَ كَلَوْنِ البَيَاضِ تَهْوى … وَهُوَ أَذًى كُلُّهُ وَعِيْبُ

стр. 5616

إِنْ حَلَّ في العَيْنِ فهو شينٌ … أو حَلَّ في الرَّأْسِ فهو شَيْبُ وقوله (١): [من الوافر] وما أشكو تلوّن أهْلِ وُدِّي … ولو أَجْدَتْ شَكَيَّتُهُمْ شَكَوْتُ مَلِلْتُ عِتابَهم وبئست منهم … فما أرجوهُمُ فيمن رَجَوْتُ إذا أَدْمَتْ قَوارِضُهم فؤادي … كَظَمْتُ على أذاهم وانْطَوَيْتُ وَرُحْتُ عَلَيْهُمُ طَلْق المُحيّا … كأنّي ما سمعتُ ولا رأيتُ ومن قوله (٢): [من الكامل] لا تُنْكِرَنْ مُرَّ العتاب فتحْتَهُ … شَهْدٌ جَنَتْه يَدُ الوداد الناصح وتطلب المحبوب في مكروهه … فالدُّرُّ يطلب في الأجاج المالح ومن قوله (٣): [من الخفيف] لي مولى صحبتُهُ مُدَّةَ العُمـ … ــرِ فلم يَرْعَ حُرمتي وذمامي ظَنَّني ظِلَّهُ أَصَاحِبُهُ الدَّهـ … ــرَ على غير نائل واحترام فافترقنا كأنَّهُ كان طيفًا … وكأني رأيته في المنام وقوله من مرثية (٤): [من الطويل] أَطَلْتَ عليَّ الليلَ حَتَّى كأنَّما … زمانيَ لَيْلٌ كُلُّه مَا لَهُ فَجْرُ تُمَتِّلُكَ الأفكار لي كُلَّ ليلةٍ … وتُؤنِسُني أشباهك الأنجمُ الزُّهْرُ وقوله (٥): [من البسيط] أزور قبرك مشتاقًا فَيَحْجِبني … مَا هِيْلَ فوقك من ترب وأحجار فأنثني ودموعي من جَوَى كَبدِي … تَفِيضُ فَاعْجَبْ الماء فاض من نَارِ ومنه قوله (٦): [من الكامل] حيا ربوعك من ربى ومنازل … ساري الغمام بكل هام هامل وَسَقَتْكِ يا دارَ الهَوَى بعد النَّوى … وطفاءُ تَسْفَحُ بالهتون الهاطل حتى تروّض كل ماحٍ ماحلٍ … عافٍ تروي كل ذا و ذابل أبكيك أم أبكي زماني فيك أم … أهليكِ أم شَرْخَ الشَّبابِ الزائل ما قَدْرُ دمعي أن تُقَسِّمهُ النَّوى … والوَجْدُ بين أحبة ومنازل

стр. 5617

ومنه قوله (١): [من الكامل] نَظَرتْ إلى ذي شَيْبَةٍ مُتَهَدِّمِ … أفناهُ ما أفنى من الأَيَّامِ يمشي وَتَقْدِمُهُ العَصا وقد انْحَنَى … فكأَنَّها وَتَرٌ لِقَوْسِ الرَّامي ومنه قوله (٢): [من البسيط] إذا كَتَبْتُ فخطّي جِدُّ مُرْتَعِشِ … كخطٌ مُضطَربِ الكَفَّيْنِ مُرْتَعِدِ فاعجب لضعف يدي عن حملها قلمًا … من بعد حَطْمِ القَنَا فِي لَبَّةِ الأسد وإن مَشَيْتُ وفي كفِّي العَصَا ثَقُلَتْ … رِجلي كأنّي أخوضُ الوحل في الجلد وقد تقدم البيت الثاني منها في ترجمته. ومنه قوله (٣): [من الكامل] كم حار في ليل الشَّبابِ فَدَلَّهُ … صُبْحُ المَشيبِ على الطريق الأَقْصَدِ وإذا عددتُ سِنِيَّ ثُمَّ نقصتُها … زَمَنَ الهموم فتلك ساعة مولدي ومنه قوله (٤): [من الطويل] أراني نهار الشيب قصدي وطالما … تَجَاوَزَ بي ليل الشباب سبيلي وقد كان عُذري أن أضَلَّني الدُّجَا … فهل ليَ عُذْرٌ والنَّهارُ دليلي ومنه قوله (٥): [من البسيط] يا ربِّ حُسْنُ رَجَائي فيك حَسَّنَ لي … تَضْييع وقتي في لغو وفي لَعِبِ وأنتَ قُلْتَ لمن أضحَى على ثقةٍ … بِحُسْنِ عفوِكَ إِنِّي عند ظنّكَ بي ومنه قوله (٦): [من البسيط] الرُّوحُ محصورَةٌ في الجسم مُوثَقَةٌ … بقيدِ مُهلتها أو ينتهي العُمُرُ حتى إذا خَلَصَتْ أفضتْ إِلى سَعَةِ الـ … فضاء وانزاح عنها الضيق والضَّرَرُ كالنُّورِ في العَيْنِ محصور ويخرج من … حرص دقيق وضيق ثم ينتشر ومنه قوله في قلع الضرس (٧): [من البسيط] وصاحب لا تُمَلُّ الدَّهْرَ صُحْبَتُهُ … يَشْقَى لنفعي ويَسْعَى سعي مجتهد لم يبد لي من تصاحبنا فمذ وقعت … عيني عليه افترقنا فرقة الأبد ومنه قوله (٨): [من البسيط]

стр. 5618

عَلا إلى الأفق أقوامٌ بلا أَدَبِ … وفي الحضيض ذوو الآداب قد همدوا كأنما النَّاسُ في بحر يموج بهم … رسا به الدر واسْتَعْلَى به الزَّبَدُ ومن قوله (١): [من الكامل] اسْتُرْ همومكَ بالتَّجَمُّلِ واصْطَبِرْ … إِنَّ الكريم على الحوادث يصبر كالشمع يُظهِرُ نورَهُ مَتجمّلًا … فوق الشَّماتِ وفيه نارٌ تُسْعَرُ ومنه قوله (٢): [من البسيط] اصْبِرْ إذا نابَ أَمرُ وانتظرْ فَرَجًا … يأتي به الله بعد الر والياس إن اصطبار ابنة العنقودِ إِذْ حُبِستْ … في ظُلمةِ القار أفضاها إلى الكاس ومنه قوله (٣): [من الكامل] اصْبِرْ على جَوْرِ الوُلاةِ وَعَسْفِهِمْ … وَتَرَقَّبِ الفَرَجَ الذِي يُتَوقَّعُ وادفَعْ مَعَرَّتهم بطاعة خاضع … فالدَّهرُ عارية غدًا يُسْتَرْجَعُ فالنَّبتُ يسجد خاضعًا متواضعًا … للريح ثم إذا تولَّتْ يَرْفَعُ ومنه قوله (٤): [من البسيط] إنّي وثقتُ بأمرٍ عَزَّني أَمَلي … فيه وقد قيل كم من واثق خَجِلِ عادت إلي الأماني منه آيسةً … فيا حياء المنى من خيبة الأمل ومنه قوله (٥): [من الكامل] النَّاسُ أشباه فإن خطبٌ عَرَا … حَطَّ الدَّني وسادَ ذِكْرُ الأفضل كالعود مُشْتَبِهًا فإن أحرقتَهُ … كُرِهَ الدُّخانُ وطابَ عَرفُ المَنْدَلِ ومنه قوله (٦): [من السريع] زهدني في العقلِ أَنِّي أَرَى … عناية الأَيَّامِ بالجهلِ والدهر كالميزان: ذو الفضل ينـ … حط وذو النقصان يستعلي ومنه قوله، وفي كل كلمة نون (٧): [من الكامل] نزه لسانك عن خنًا ونميمةٍ … مَنْ نَمَّ بينَ النَّاسِ كان مهينا وَامْنَحْ نوالَكَ مَنْ نَحَاكَ بِظَنَّةٍ … وَأَنَفْ لِنَفْسِكَ أن تكون ضنينا ومنه قوله (٨): [من الخفيف]

стр. 5619

كم تَغُضُّ الأَيَّامُ مني وتأبى … هِمَّتي أن تنال مني مُناها أنا في كفها كَجُذْوَةِ نارٍ … كلَّما نُكِّسَتْ تعالَى سَناها ومنه قوله (١): [من مجزوء الرمل] يا ظلومًا كلَّما اسْتَعْـ … ــــــطَفْتُهُ صد وتاها زدت في تيهك والشي … ء إذا زاد تَاهي تتقصى دولة الحُسـ … ـنِ وإن طال مداها ومنه قوله (٢): [من الكامل] خَلَعَ الخَليعُ عذارَهُ في عِشْقِهِ … حَتَّى تَهَنَّكَ غاية الإفراط يأتي وَيُؤْتَى ليس يُنكر ذا ولا … هذا كذلك إبرة الخياط ومنه قوله (٣): [من الكامل] قالوا نَهَتْهُ الأربعون عن الصبا … وأخو المشيب يَجورُ ثُمَّتَ يهتدي كم حار في ليل الشَّبابِ فَدَلَّهُ … صُبْحُ المَشيب على الطريق الأَقْصَدِ ومنه قوله (٤): [من الكامل] لا تَحْسُدَنَّ على البقاءِ مُعَمِّرًا … فالموتُ أيسر ما يؤول إليه وإذا دَعَوْتَ بطول عمر لامرئ … فاعْلَمْ بأنك قد دعوت عليه انتهى ذكره، وسنذكر بقايا بيته. وإذا اختصرنا فهو من جرثومة مثمرة الأغصان، مقمرة الأهلة في طلائع الخرصان. أهل فضل لا يُنزح قليبه، ولا يبرح يستسقى اغترافًا باليد قريبه. ومنهم أخوه: [٢٠٠] أبو الحسن (٥) فاق بني منقذ سؤددًا ضخمًا، وشجاعةً أَنْحَلَتِ المشرفي عناقًا، والرُّديني ضمًا. وَرَدَ بغداد حالًا في كنف إمامها، وحاجًا تحت ظل أعلامها. واستشهد في حرب الإفرنج على باب غَزَّة، ودفن بها، فوسَّدَ ترابها عِزَّه. وأَنشد له أخوه شعرًا ما شمخت عندي

стр. 5620

ذوائبه، ولا نفحت في أذني عجائبه، وإنما منه (١): [من الكامل] ما فهتُ مع متحدث متشاغلًا … إلا رأيتُكَ خاطرًا في خاطري ولو استطعتُ لزرتُ ربعك ماشيًا … بسواد قلبي لاسواد الناظر ومنهم: [٢٠١] أبو الحسن، عليُّ بن مقلد (٢) جده سديد الملك، وهو جدهم السعيد وزندهم القادح ضرمًا في ماء الحديد، لولاه ما زار أسامة، و لا استعرض مرهف الحرب ولا سامة، ولا كان مرشد إلا حائرًا يطلب طريق السلامة، ولكن فخروا جدودًا، وادخروا جودًا، وأصبحوا يتوقل الحصون لواؤهم، ويُصبُّ على المعاقل أنواؤهم. وهو الذي أخذ حصن شيزر من الأسقف الذي كان مالك صياصيه، بمالٍ بَذَلَهُ له فسلَّمه إليه بنواصيه. ثم شرع في عمارته، وبرع به في إماراته. وهو ممدوح فحول الشُّعرَاءِ في أوانه، ومستودعُ دُرَرِ القرائح في صوانه. وله شعر ما قَصَّرَ به عن مدى، ولا تأخر عن الزهر المبلل بالندى فمنه قوله في غلام ضربه، وقد أبدع فيه وأغرب، وقال فأطرب، وهو (٣): [من البسيط] أسطو عليه وقلبي لو تمكن من … كفَّيَّ غَلَّهما غيظًا إلى عنقي وأستعير إذا عاتبته حنقًا … وأين ذُلُّ الهوى من عزة الحنق ومنه قوله (٤): [من مجزوء الرمل]

стр. 5621

بكرتْ تنظرُ شَيبي … وثيابي يوم عدِ ثم قالت لي بهزء … يا خليعًا في جديد لا تغالطني فما … تصلح إلا للدود ومنهم: [٢٠٢] أبو سلامة، مرشد بن عليّ بن مُقلَّد (١) وهو ممن كتب خطًا فائقًا، وأضحى لجيوب الكمائم فاتقًا. وتقدم على قومه فتأخروا عن شوطه، وتأثروا بزجره قبل سوطه. وأسنَّ وعُمِّر، وسن معروفًا منذ أُمر. وولد أولادًا نجباء، وأمجادًا كرماء. وذكره صاحب بغية الألباء فلم ينشد له شعرًا، ولا أَنْشَقَ له عطرًا. وقد أنشد له مؤلف «الفضل الأغزر في ملوك شيزر» شعرًا كثيرًا، أليقه بالأبيات، وأنسبه طللًا يلحق بالأبيات، قوله: [من الطويل] بكائي على إخوانِ صدقٍ فقدتُهُم … أصابهم سهم الردى وعداني فلا صاحب إن غبت عنه أشُوقُهُ … ولا صاحب إن من عنه بكاني ومنهم: [٢٠٣] حميد بن مالك بن مُغيث بن نصر بن منقذ بن محمد بن منقذ بن نصر بن هاشم، أبو الغنائم الملقب بمكين الدولة (٢) تالي قرآن لا يَفْترُ منه لسانه، وتالي غمام لا يقصر عنه إحسانه. ينظم من الشعر

стр. 5622

فاخر عقوده، ويشق زاخر بحوره. ولا يُرَدُّ عن مقصوده. شاعر فحل، ظاهر في كلامه جَنَى النّحل. مع عفاف لا يُدَنِّس له بردا، ولا يكدر له وردا. هذا إلى تَتَيُّم بسَلمَى وسُعدَى، وكَلَفٍ لا يبيتُ ليلةً لا يستنجز وعدا. كلُّ هذا صناعةً أدبيةً، ورقةً عربيَّةً. ومن شعره السائر، ونظمه الطائر، قوله (١): [من البسيط] ما بعدَ جِلَّقَ للمرتادِ منزلةٌ … ولا كَسُكّانها في الأرضِ سُكَانُ في كل ناحية عين وكلُّ فتّى … تلقاه من أهلها للعين إنسان ومنهم: [٢٠٤] الفضل، إسماعيل بن أبي العلاء سلطان بن علي بن منقذ أبوه عم مؤيد الدولة أسامة (٢). هو الفضل حقيقةً، وله الفعل الجميل خليقةً. نشأ شابًا يترنَّحُ غُصنُهُ شبابًا، ويضيء ذهنه شهابًا، ويرق خلقه شرابًا. اعتورت المنايا سراجه، وعجلت الرزايا أدراجه. فما بزغ حتى أفل، ولا آب حتى قَفَل. وذكره العماد الكاتب وقال: سمعت من شعره (٣): [من الطويل] ومُهَفْهفٍ كتب الجمال بخده … سطرًا يُحيّر ناظر المتأمل بالغت في استخراجه فوجدتُه … لا رأي إلا رأي أهل الموصل وذكره صاحب بغية الألباء، وقال: اتصل بي ذكره، وأنه كان في مخيمه، فطار عليه زنبوران، وكان على رأسه مملوك وضيء الوجه، فطيرهما. فكتب إلى ابن عنين (٤): [من الكامل] متفرِّدَينِ تَرَنَّما في مجلس … فنفاهما لأذاهما الأقوام هذا يجود بما يجود بعكسه … هذا فيشكر ذا وذاك يُذامُ فأجابه (٥): [من الكامل] هذان زنبوران أما جود ذا … عسل وذا لَدْغٌ عليه يَذامُ كلحاظ من أهوى وريقةُ ثغره … خمر لراشفها وذاك سهام ومنهم:

стр. 5623

[٢٠٥] أبو الفتح، يحيى بن سلطان بن منقذ (١) مجد الدين كان لا يعدم بينهم تمجيدًا، ولا يُطال أخدعًا وجيدًا. إلا أنه كان يتنغب من العيش زهيدًا، ثم قُتِلَ بعد ذلك شهيدًا. وله شعر منه: [من البسيط] والشمس مصفرة في الغرب قد نشرت … شعاعها في تفاريق من السحب كأنما السحب أعلام موردةٌ … والشمس من تحتها ترس من الذهب وروى هذه أيضًا لغيره. وإنما شيخنا علاء الدين الكندي رواهما له، ومنه سمعت. ومنهم: [٢٠٦] أبو مرهف، نصر بن علي بن مقلد، عم مؤيد الدولة أسامة. وكان يلقب بعز الدولة (٢) مؤرخ لا يفوته فائت، ولا تخفى عليه حال مقيل ولا بائت. فضلًا أتقنه، وشغلًا جعله ديدنه. هذا، مع تُحفِ أناشيد، وطُرَفِ شِعْرٍ ألذ من الأغاريد. سريع المحاضرة، سَرِيُّ المذاكرة، يغترف من بحر لجي، ويقتطف من ليل دجوجي، فلهذا لا تعدُّ دُرَرُه ولا دراريه، ولا تُحَدُّ أواخره ولا مباديه. ذكره العماد الكاتب الأصفهاني فقال (٣): «حضرنا عند الملك الصالح ليلة بدمشق، في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، والأمير مؤيّد الدولة حاضر، يناشدنَا مُلَحَ القصائد، وينشد لنا ضالة الفوائد. وجرى ذكر بيتين لبعضهم في المشط الأسود والمشط الأبيض»، وهما لأبي الحسن أحمد بن محمد الدويدة، وهما (٤): [من الخفيف] كنتُ أستعمل السواد من الأمـ … ـشاط والشعر في سواد الدياجي أتلقى مثلًا بمثل فلمّا … صارَ عاجًا سرحته بالعاج

стр. 5624

فقال أسامة: أخذ هذا المعنى عمي نصر، وعكسه، فقال (١): [من الخفيف] كنتُ أستعمل البياض من الأمـ … ـشاطِ عُجبًا بلمتي وشبابي فاتَّخذتُ السَّوادَ في حالة الشّيـ … ـبِ سُلُوًّا عن الصبا والتصابي ومنهم: [٢٠٧] أبو الفوارس، مرهف بن أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، عضد الدولة (٢) أسن وما خلع جلباب الشباب، ولا ودَّعَ سلمى والرباب. بخلق زادته السنون صفاء، وأفادته رقة يتخذ معها مواصلة الراح جفاء، وكان كريمًا خَرْقَ البنان، خُلِقَ للقلم والعنان، اقتنى الكتب وجمعها، واجتنى الآداب وأبدعها، ومتع بحواسه فما فقدها، ولا طلبها إلا وجدها. ما تَغَيَّرَ له ذهن ولا عقل، ولا غاب عنه بحث ولا نقل. وكان إلى أن مات يقرأ الخط الدقيق قراءة الشبّان، ولا يتمادى عليه أوان. ومما كتب به إلى أبيه (٣): [من الطويل] رحلتم وقلبي بالولاء مشرِّقٌ … لديكم وجسمي للعناء مغربُ فهذا سعيد بالدُّنو منعم … وهذا شقي بالبعاد معذَّبُ وما أدعي شوقًا فسحب مدامعي … تترجم عن شوقي إليكم وتُعرب ووالله ما اخترت التأخر عنكم … ولكن قضاء الله ما منه مهرب انتهى البيت المنقذي. ثم نذكر بقية من نحن بصددهم، فنقول:

стр. 5625

[٢٠٨] القاضي أبو غانم، عبد الرزاق بن أبي حُصَيْن المعري (١) أصفه مختصرًا، وأدل عليه مقتصرًا، فأقول: إن تقدمه بلديه بزمانه، فقد أدركه بإحسانه، وما يأتي من شعره أنموذج من بيانه. ومنه قوله في كوز الفُقَّاع (٢): [من الوافر] ومحبوس بلا جُرم جناه … له حبس بباب من رصاص يُضَيَّق بابه خوفًا عليه … ويوثق بعد ذلك بالعفاص إذا أطلقته خرج ارتقاصًا … وقبَّل فاك من فرح الخلاص وقد ترجم له العماد، وقال بعد إيرادها، وما أعجب به من إنشادها، ما صورته: «هذه الأبيات الحسنة، صقلتها الألسنة وهي عروس في كنهَا، خندريس في دُنّها، مطبوعة في فنّها، يعد هذا الأسلوب من النظم معمى ويدل على أن لقائله فضلًا جَمًّا» (٣). انتهى كلام العماد. ولو شاء في الثناء زيادة لزاد. ومن شعره قوله في حجر الرّجُل (٤): [من الكامل] وعجيبة أبصرتها فخبأتُها … لغزًا لكل مساجل ومناضل ما تستقر بكف ألكن ناقص … حتى تُجر برجل أروع فاضل ومنهم: [٢٠٩] أبو العلاء بن أبي الندى، وقيل ابن جعفر بن عمرو المعري (٥) الشعرُ فَضْلُهُ على فضائله. والأدب طبع يبدو على مخائله. من هذه البلد التي أخرجت الأخاير، ومُلِئَتْ بجواهرهم الذخائر. وكان أبو العلاء ذاك، ذكاء ليس فيه شاك. قال فيه العماد (٦): «اشتغل صغيرًا بالفقه، وكان في الذكاء عديم الشَّبَهِ، سمح البديهة والرويَّة، مجيد وحيد فريدٌ، غدر به عمره، وطُوِي نشره، وغَيَّضَ فيضه قبره، ونَضَبَ عند تَمَوُّج عُبابِهِ بحره ولو عاش لكان آيةً، فلم يبق في علم من العلوم غاية». ومن شعره يمدح بهاء الدين الشريف (٧): [من الكامل]

стр. 5626

مِنْ أينَ كانَ لكُنَّ يا حُدَقَ المَهَا … علمٌ بنَفْثِ السِّحرِ في عُقد النُّهى أم من أعار البان في مهج الورى … فتكًا فأصبح بالقنا متشبها من كلِّ ميّادِ القوامِ منعم … يختالُ من سكر الشباب فيزدهي واهي الجفون فلو تكَفَّلَ جفنُهُ … فِعل الصوارم لاستقل وما وهي يبدو بوجةٍ كُلَّما قابلته … أهدى إليك من المحاسن أوجها كالفضة البيضاء إلا أنه … يلقاك من ذهب الحياء مموها وله على القمر المنير فضيلة … كفضيلة القمر المنير على السُّها جم البهاء كأنَّما جُمعت له … تلك الصفاتُ الغُرُّ من شيم البها البدر يقصر أن أقايسه به … والشمس تصغر أن أشبهه بها وظلمت شامخ مجده إن جئتُهُ … عند المديح ممثلًا ومشبّها أنتم بني الزهراء، أهلُ الحُجَّة الـ … ـزهراء إن فَطِنَ المحاوِرُ أوسَها فإلى مَ يُجحَدُ في البرية حقكم … قد آنَ للوسنان أن يتنبها صنتم ببذل عُروضكم أعراضكم … وصيانة الأعراض في بذل اللها ماذا أقول، وما لوصف علاكُمُ … حد، ولا لنهاكم من منتهى منكم سَنَى الشَّرَفِ المبين جميعُهُ … وإلى بهاء الدين بعدكم انتهى ومنه قوله (١): [من البسيط] لا غرو إن كان من دوني يفوز بكم … وأنثني عنكم بالوَيْلِ والحَرَبِ يُدْنَى الأراك فيمسي وهو مُلْتَثِمٌ … ثغر الفتاةِ ويُلقى العود في اللهب ومنه قوله في المروحة (٢): [من المتقارب] وقابضة بعنانِ النَّسيمِ … تُصرِّفُه كيف شاءت هبوبا فمن حيث شاءت أهبَّت صَبًا … ومن حيث شاءت أهبَّتْ جنوبا يُضَمِّخُ بالطيب أردانَها … فَتُهدي لملبسها الطيب طيبا إذا أقبل القُرُّ كانت عدوًّا … وإن أقبل القيظ صارت حبيبا ومنه قوله في غلام ينظر في مرآة (٣): [من البسيط] بدالنا فازدهانا حُسْنُ صورتِهِ … حتى امترينا لها في أنه بَشَرُ وقابلت وجهه مراتُهُ فبدت … كأنها هالة في وسطها قمر

стр. 5627

ومنه قوله (١): [من الطويل] خذي قلبه رهنًا وردي له الكرى … لعل خيالًا منك في النوم يطرق فواعجبًا للطيف ليس بواصل … إلى الجفن إلا وهو وسنان مطبق يصد إذا الأبواب تُفتَحُ دونه … ويقرب منها شخصه حين تُغلق وما ذاك دأب الزائرين وإنّما … زيارته للصَّب زور منمق ومنهم: [٢١٠] الأديب أبو طاهر، محمد بن حيدر البغدادي (٢) ممن زاد بذكره الحظيري. زينة الدهر وجلاها حسناء لم يغلها المهر. وله لطائف أغضُ من الزهر، وأندى من الأقاحي على النهر، ومنها قوله (٣): [من الكامل] يا جاحدي فضلي وقد نطقت … بفضائلي بدهاتُهُ عنه هل أنت إلا البدر توضحه … شمس الضُّحى وكسوفها منه؟ وقوله: [من المنسرح] أما ترى البدر كيف مدَّ على … دجلةً ضوءًا من نوره البهج والجسر من فوقها يرقْصُهُ … النَّسيم من مائها على اللجج كأنها لاذة مفركةٌ … يقطعها قاطع من الشبح ومنه قوله: [من الوافر] وصاحبةٍ وردت بها غديرا … يقدَّرُ من صفاء الماء أرضا

стр. 5628

كأن الوحش حين تعب منه … يقبِّلُ بعضُها للشَّوقِ بعضا وقوله (١): [من الكامل] ومدامة كدم الذبيح سَحَابها … للشرب من لهواته الإبريق حتى إذا ضحك الزجاج لقربها … منه بك لفراقها الراووق وقوله: [من مجزوء الكامل] يا صاح قد جمع السُّرو … رُ لنا بقربك ما تبدد قم فاسقني والسحب با … كيةٌ وطرف البرق أرمد والليل قد شابت ذوا … تب أفقه والبر أمرد والماء في وسط الصّرا … ة كأنهخ زرد مدد وقوله (٢): [من الهزج] خف الأمر وإن هان … ولا يطع بك الشبع ولا تصد من الكُلْفَةِ … ما يَصْقله الطبع فقد يخشى من الفأ … رِ على من عضه السَّبْعُ ومنهم: [٢١١] أبو الفتح، محمد بن عبد الله، سبط ابنُ التَّعاويذي المقلب بأمين الدولة (٣) رجل تدفع العين عوده، وتمنع من يرتاد الروض نبذه. كان من الكتاب استرزاقًا

стр. 5629

لا صناعةً واستحقاقًا. لو أن مادته في الشعر له بضاعة. وأدبه نسب النسيم توليد غير موؤد، وديوان سرى سحرًا، ونَبَّه عيون النور من وسعه الكرى. وله في الشعر توليد غير موؤد، وديوان شعر ما فيه مخرج لا مردود وكله مما يَلجُ بلا استئذان، ويصل إلى القلب قبل الآذان، إلا أنَّ الغوص في أكثره قليل، والدقيق في مواضعه منه حليل. وهو ممن تدير ريفًا، وتفيًا من النخيل ظلًا وريفًا، لا يعلله إلا أساها، ولا يعلمه شكوى الفراقِ إلا نوح الحمائم في مصبحها وممساها. وكان مسترزقًا بالمديح، مادًا منه كف المستميح. وبعث مديحًا إلى السلطان صلاح الدين - قدس الله روحه - أرسله لأمله رائدًا، وبعث يطلب بكرمه معنى زائرًا. وبعث قصيدة إلى العماد الكاتب استجداه فيها فروةً يدفع بها برد الشتاء الكالح، ونبل الوبل الراشق، وخطار البرق الرامح. وكان شيخنا شهاب الدين مفتونًا بطريقه مغبونًا في رحيقه. لا يقدم عليه شاعرًا من معاصريه، ولا يحب ذا أدب لا يكون من ناصريه. وحدثني الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس العمري، قال: كان قاضي القضاة ابن دقيق العيد يثني عليه ويقول: من يُحسِنُ مثل قوله (١): [من السريع] سَرَتْ بنا في ليلة القر … تجمع بين الإثم والأجْرِ والله لو مُدحتُ بمثلها لأجرت عليها ألف دينار. قلت: وحَسْبُهُ ثناء هذين وكفى. ومن سَهْلِ مطبوعه، وجيده المنتقى من مصنوعه، قوله (٢): [من الخفيف] بات يجلو عليَّ رَوضَةَ حُسْنٍ … بتُّ مِنها ما بين روض وآس قلقي من وشاحه وبقلبي … مابخلخاله من الوسواس ومنه قوله (٣): [من المنسرح] وقائد الجُرْدِ كالعقارب لا … يُدركها في نجائها البَصَرُ حماتها كل يومِ ملحمةٍ … حماتُها والقنا لها إبر ومنه قوله (٤): [من مجزوء الكامل]

стр. 5630

قالت وأدمعها تسيلُ … أَسى على الخد الأسيل يابينُ كم أجليت يو … م نَوَى الأحبة عن قتيل منها في المديح: يا فارج الكرب العظيـ … ــم وكاشف الخطب الجليل أحسنتَ في الدهر المسي … ء وجُدْتَ في الزمن البخيل ومنه قوله (١): [من الخفيف] بأبي الأسمر العزيز وقد با … ت على غيرة الوشاة سميري زارني بعد هجعة يمسحُ الرِّقْـ … ـدَةَ عن جفن عينه المزرور ومنه قوله (٢): [من الكامل] عودي مريضًا في يديكِ شفاؤه … أشفى وأنتِ بما يكابد أعلم ولطالما وجَدَ الطَّبيب لدائه بُرءًا … إذا كان الطبيب المُسْقِمُ ومنه قوله (٣): [من الطويل] يعزُّ على زُرقِ الأسنَّةِ عَودُها … وما نَهِلَتْ منهم ذوابلها السمر فتحوم ظماء والنحورُ كأَنَّها … مَنَاهِلُ وِرد والرِّماحُ قطًا كُدْرُ ومنه قوله (٤): [من مجزوء الكامل] أين استقلت بالحبيـ … ب ركابه ومتى ظَعَنْ ولرب ليل بت فيـ … ـه صريع باطيةٍ وَدَنْ مع مخطف لدن القوام إذا … انني رخص البدن لكنني كفَّرتُ ليـ … ـلةَ زرتُه عي وعن ومنه قوله (٥): [من المنسرح] قد أقسمت لا اهتدى الخيالُ إلى … جفني وَبَرَّتْ لمياء في القسم أمْزُجُ شكواي بالخضوع لها … ودمع عيني صَبَابَةً بدمي ومنه قوله (٦): [من الكامل] يا شاكي اللحظاتِ شكوى مُغرم … يلقاك وهو من التجلد أعزل أَصْمَتْ لواحظك المقاتل راميًا … أفما يَدقَّ على سهامك مقتل ومنه قوله (٧).: [من الطويل]

стр. 5631

إذا ما أظلتني عناقيد فرعها … سقتني بكأس الثَّغْرِ ماء العناقيد ومنه قوله (١): [من السريع] وليلة بات سميري بها … وناظري بالنُّجْم معقود حتى انمحى صبغ الدُّجَى واغتدت … كأس الثريا وهي عنقود ومنه قوله (٢): [من الكامل] خُذْ في أفانين الصدود فإنَّ لي … قلبًا على العلات لا يتقلب أتظنني أضمرتُ بعدكَ سَلوةً … هيهات عطفك من سُلُوي أقرب ومنه قوله (٣): [من الرجز] وبارد الظلم شتيتِ النُّغْرِ واهي المواعيد معًا والخَصْرِ في خده ماء الشباب يجري [كأنَّهُ] قافية من شعري أصبحتُ لا أملك فيه أمري ومنه قوله يمدح (٤): [من الكامل] قوم إذا اعتقلوا مثقفة القنا … لِوَفّى حَسِبْتَ الأسد في الآجام غُلب ولكن في المغافِرِ منهم … حَدَقُ المها وسوالف الآرام ومنه قوله (٥): [من الوافر] عليل الشوق فيك متى يصح … وسكران بحبك كيف يصحو وأبعد ما يُرام له شفاء … فؤاد من لحاظك فيه جرح فبين القلب والسُّلْوان حرب … وبين الجفن والعبرات صُلح ومنه قوله (٦): [من المتقارب] حَمَتْهُ صَوارِمُ الحاظِهِ … فأصبح والثَّغْر من فيه ثغرُ نَشَدْتُكَ يا ظالم المقْلَتَيْنِ … هل عند قلبي لعينيكِ وِتْرُ ومنه قوله (٧): [من الوافر]

стр. 5632

بنفسي من وهبت لها رُقادي … فَلَيلي بعد فرقتها طويل وما بخلت عليَّ بيوم وصل … ولكنَّ الزَّمان بها بخيل ومنه قوله (١): [من السريع] تختلف الأيام في أهلها … مثل اختلاف المد والجزر وما لإنسانيتي شاهد … عندي سوى أني في خُسْرِ ومنه قوله (٢): [من الطويل] ومما شجاني أنني يوم بينهم … شكوتُ الذي ألقى إلى غير راحم ولو كنتُ مُذْ بانوا سهرت لساهر … لهان ولكني سهرتُ لنائم ومنه قوله يذكر عود الوزارة (٣): [من الكامل] أنتم وإن رَغَمَ العِدَا وُرَّاتُها … قدمًا وغيركم الدعي الملحق لكم استفاد على الإباء شموسها … وبكم تجمع شملها المتفرق ومنه قوله (٤): [من المتقارب] ورُبَّ ليالٍ مزجنا بهنَّ حَرَّ … الفراقِ ببرد التلاقي تقضت قصارًا ولكنها … أطالت علي الليالي البواقي ومنه قوله (٥): [من مجزوء الكامل] جذلان مِنْ مَرَحِ الشبا … ب ينام عن ليل المسهد ظبي سقاني خمر عيـ … ـنيه فأسكرني وعَرْبَدْ ومنه قوله (٦): [من مجزوء الرجز] وليلة شربت فيـ … ـها بالرقاد السهرا قضيتها يزاحم الـ … عشاء منها السحرا لو كحل الصُّبح بها … من قصر ما شعرا أريتها نواظرًا … مكحولة وطررا بت أستجلي بها … وهي سرار قمرا

стр. 5633

ومنه قوله يصف الحمام الرسائلي من مديح (١): [من الوافر] تَنالُ بجدّكَ الطَّلبَاتِ حتمًا … فليس يفوتها أبدًا طلاب وتصدر عن مراحلها سراعًا … كما ينقض للرَّجْمِ الشهاب تخوض دماء أفئدة الأعادي … فمنه على معاصمها خضاب ومنه قوله (٢): [من الرجز] يا نابذًا بين الظباءِ قَلْبَهُ … دَرِينَةٌ لكل سهم عاشر كيف تعرّضت وأنت حازم … يومَ اللوى لأعين الجآذر أما علمت أن أحداق الظبا … ء النُّجْل لا يؤخذن بالجرائر ومنه قوله (٣): [من مجزوء الكامل] الله زورته وقد … مالت إلى الغرب النجوم وقلادة الجوزاء عق … دٌ في ترائبه نظيم وقد انتشى خُوط الأر … أكة والحمام له نديم ومنه قوله (٤): [من الطويل] يُجيل على مَثْنَيْهِ سودَ غدائر … كما نَفَضَ الغُصنُ المرنَّح أوراقا وقالوا نجا من عقرب الصدع خده … فقلتُ اعترفتم أنَّ [في] فيه درياقا ومنه قوله (٥): [من البسيط] ولت تُشير بأطراف مُخَصَّبهِ … يُظَنُّ مَنْ فَتَنَته أنّها عَنَمُ تروقه وهو لا يدري لشقوتِهِ … أنَّ الخضاب على ذاك البنان دَمُ منها في المديح: [من البسيط] يكاد يقطرُ من نبادي أسِرَّتِهِ … ماء الحياءِ ومن أعطافه الكَرَمُ ومنه قوله (٦): [من مجزوء الكامل] قُم ياندم فناد في … الندماء حي على الفلاح سيما ونشر الروض قد … جلبته أنفاس الرياح

стр. 5634

والديك كالنشوان من … طرب يصفق بالجناح ومنه قوله (١): [من مجزوء الكامل] ولقد نَزَعْتُ عن الغوا … يةِ لابسًا ثوب الوقار لما تَبَلَّحَ فجرُ فَوْ … دي وانجلى ليل العذار وكذا المُريب يسير ليـ … لتَهُ ويكمن في النَّهارِ ومنه قوله يعاتب (٢): [من الكامل] لا غَرْوَ أن نُسيت عهود مودتي … وقديم أيامي وسالف صحبتي أنا لا أُعَدُّ اليوم إلا مَيّتًا … ومتى وفى الأحياء قط لميت ومنه قوله (٣): [من المتقارب] فمن شبَّهَ العمر كأسًا يَقِرُّ … قَذاهُ ويرسب في أسفله فإني رأيتُ القذى طافيًا … على صفحة الكأس من أوله ومنه قوله (٤): [من مخلع البسيط] لم يبق لي في هَوَى الغواني … منذُ تقضى الصباطماعة خلعتُ نفسي من التصابي … ما لأخي الشيب والخلاعة أنكرنَ مني شيبًا وعُدْمًا … فلا بضاع ولا بضاعة ومنه قوله يذم خشكناجة من قصيدة (٥): [من البسيط] وخُشْكَنانِجَةٍ سوداء فارغة … كأَنَّها قطعة من قرن جاموس ومنه قوله (٦): [من الوافر] إذا ما الرعد زمجر خِلْتُ أُسدًا … غضابًا في السحاب لها زئير وإن سلَّتْ صوارمُها الغوادي … أفاض عليه جوشنه الغدير ومنه قوله (٧): [من السريع] وروضةٍ غَنَّاءَ باكرتُها … والشَّمسُ قد جاوزت الحوتا سرت برياها نسيم الصَّبا … تحملُ نَشْرَ المسكِ مفتوتا ورد ما استودَعَه تربها … من لؤلؤ القطر يواقيتا

стр. 5635

ومنه قوله (١): [من المتقارب] يرنحها نَشَواتُ الشباب … فتمشي كما انعطف الغصنُ غَضا صَحَتْ وهي بالدَّل سكرى القوام … وصحت لواحظها وهي مَرْضَى وقوله (٢): [من المنسرح] أقام لي خَدُّكَ الدَّليلَ بما … ضَرَّمَهُ من جوى على كبدي إن مرايا الأحداق تحرق ما … قابَلَهُ نُورُها على البعد وقوله (٣): [من الوافر] أدر كأس المدام عليَّ صِرفًا … ولا تُفسد كؤوسك بالمزاج ودعني والصلاة إذا تدانت … فليس على خراب من خراج وقوله (٤): [من الطويل] سمحت بدمعي للديارِ مُسائلًا … رسوم الهوَى لو أنَّ تَسْأَلها يُجدي على القلب تجني كل عين بلحظها … وعيني على قلبي جَنَتْ وعلى خدّي وقوله (٥): [من المنسرح] وريع سرب النجوم فاستبقت … في أُخريات الظلام ترد وطار عن وكره إلى الأفُقِ … النَّسرُ وخاف الغزالة الأسد وقوله (٦): [من الكامل] قالت أتقنع أن أزورك في الكَرَى … فتبيت في حكم المنام ضجيعي وأبيك ما سَمَحَتْ بطيفِ خيالها … إلا وقد ملكت علي هجوعي ومنهم: [٢١٢] أبو الغنائم، محمد بن عليّ بن المعلم الواسطي الملقب نجم الدين (٧) شاعر كأنَّما حُرِّكَ بكل هوى، وحُرِّق بكلِّ جَوَى، فتحمل كل صبابة، وتَجَمَّلَ

стр. 5636

بِالصَّبْرِ لَو أَصَابَهُ. فدَاوَتْ نَسِيْمُهُ وَصِبَا، وهَبَّتْ جَنُوبًا وَصَبَا. وسَكَنَ البَطَائِح، وسَكَب في رَواقها الأَحْمَدِيّ دَمْ كُلِّ دَمْع طَائِح. وعُنِي بشِعْرِهِ بَيْنَ يَدَيْ شَيْخِ الطَّائِفَة أَحْمَدُ بن الرّفاعي، قَدَّسَ اللهُ رُوحه، فَطَابَ به هو والفقراء، فعادت عليه بركاتُهم، وسَرَتْ فيه حَرَكاتهم، وحصلت له حظوة نَهْنَهَتْهُ في العراق، ورفعت رأسه من الإطراق، فلم يخل مجلس رئيس من منشد لشعره أو مستنشد، ومُتهم به أو مُنْجِد. واتَّخذت ديوانه الوعاظ موضع إنشادهم، ومكان استشهادهم. فذهب بالقلوب، ونهب الألباب، بِلَفْظِهِ الخَلُوب، لِلطافة مأخذه، وقُربِ وصوله إلى القلب ومنفذه: حتَّى أنَّ الكلمة كانت تُختَطَف من فمه، وتُقتَطَفُ قبل أن يثمر بها أَفنانُ قَلمِه. فلا تُنشد له قصيدة إلا تَنَاهَبَ إِنشادها من حَضَر، وتواثَبَ إليها كل منهم وابتدر. فقل أن تميز مُنشد له بإنشاد، أو برز منفردًا بإيراد، لمسابقة الحضور له إلى أبياتها، مسارعة الجميع له إلى غاياتها، لسرعة انتشارها، وسعةِ اشتهارها، فجاء كله حلوًا رقيقًا، وصفوًا رحيقًا. ومن مختاره المختال، وشجاره المعتال، قوله (١): [من المتقارب] دَعُوهُ فقد قيل إن الغرام … جنون وما كَذَبَ القائل ولا تَسَلُوا حاضرًا غائبًا … كفى مُخبرًا دَمْعُهُ السائل قفَا بي ولو ساعة في العقيق … لنبكي على النَّاحِلِ النَّاحِلِ يحاول من دمعه ناصرًا … على البين والناصر الخاذل وقوله (٢): [من الطويل] أَلَمْ تَسْأَمُوا عذلي، دَعُونِي والبُكَا … إلى مَ على فيض الدموعِ أَلام أسُكَانَ نَجد أينَ أيَّامُ رامةٍ … إذ الورد من ماء الوصال جمام صحا كل ذي سُكر بكم غير شارب … له النَّجمُ خِدْنٌ والدُّموعُ مُدام سلوا غير طرفي إن سألتم عن الكَرَى … فما لجفون العاشقين منام

стр. 5637

وخلّوا زفيري يَحْدُ دمعي فكلَّما … تَتَابَعَ برق استهل غمام وقوله (١): [من البسيط] أضِلَّةٌ وطريقُ الرَّكْب ملحوب … وها أمامَكَ حيث البان ملحوب عرج وقف وقفةً لَوَتْ الإِزارِ بِهِ … فماعليك به إثم ولا حُوبٌ دَعِ التجلد وامدد للغرام يدًا … مَنْ غَالَبَ الشَّوق أمسى وهو مغلوب ما خلتُ أنَّ الهوى يقضي عَلَيَّ به … والحبُّ كالحَيْنِ للإنسان مجلوب ولم أَخَلْ أَنَّ سِرَّ الوَجْدِ يَفْضَحُهُ … من الحمائم تغريد وتطريب فما بدا البارق العلوي معترضًا … إلا أَبيتُ وعندي منه ألهوب كأنما هو من جنبي مخترطٌ … للوَمْضِ أو هو في جنبي مقروب يبدو وأبكي دمًا فهو الصدوق مُنّى … ما لاح إذ ومضه بالبيض محجوب وقوله (٢): [من البسيط] كم لي أمدُّ غطاء الصَّبرِ أستر أسـ … ـرار الغرام وكف البين يكشفه وكم أكتم دمعي وهو منسكب … يجري، وخوفًا من الواشي أُكَفْكِفُهُ لا تُنكروا ماء أجفاني وحُمْرَتَهُ … لو كان في العين دمع كنتُ أنزفه أفْنَى الهوى أدمعي نَزْفًا ولم يَرَني … سِوَى دَمِي فهو بالتَّوديع يذرفُهُ ومنها في المديح: وما أَمُتُ بشعربتُ أَنظمُهُ … للمدح فيك ولا سجع أصنِّفُهُ أخذتُ منك الذي أثني عليك به … فأنت لا أنا بالنُّعمَى مؤلِّفُه وقوله (٣): [من المنسرح] دار بقُوسَ صحتِ النفوس بها … والحبُّ حيث الشَّقاء والعِلَلُ مذ سكنتها البدور ما انتقلت … عن جوها والبدور تنتقل توسع فتكًا فليس ندري الجر … احاتُ بها أم عيونها النُّجُلُ وقوله (٤): [من الرمل] كَلَفي فيكُمُ قديمٌ عهده … ما صباباتي بكم أَينَ ورق الجزع مَنْ ليَ أَنْ أَرى … عُجْمَهُ أو أن أشاهد عَرَبه ونَعْم إِذْ بَانَ حُزْوَى فاسألوا … إن شككتم في عذابي عذبه عن جفوني النوم من بَعدَهُ … وإلى جسمي الضَّنَى مَنْ قَرَّبَه وصلوا طيفًا إذا لم تصلوا … مستهامًا قد قطعتم سَبَبَهْ

стр. 5638

فإلى أنْ تُحسنوا صنعًا بنا … قد أساء الحب فينا أدبه أعشق اللوم لحبي ذكركُم … يالمر في الهَوَى ما أَعْذَبَهُ وقال (١): [من الخفيف] قسمًا بالقدودِ وَهيَ رماح … ولحاظِ العيون وَهْيَ سهامُ ويجور الهوى وأعظم أقسا … م المحبينَ هذه الأقسام لأطيلن وقفة الحزن في الأطـ … ــلال حتّى يرثي لي اللَّوَّامُ وقال من أخرى (٢): [من الطويل] تظلُّ عيونُ النُّور في تلعاتِهِ … إلى أعينِ السُّحْبِ الهَوامي روامِقَا فتضحك أنواءُ السَّحَابِ إذا بكت … عليه عَرَارٌ مونقًا وشقائقا وقال من أخرى (٣): [من الطويل] تخال لديهِ الشَّمس في الجو غادةً … عليها ردًا من نقعه وجمار ويقدحْنَ من نقع الحوامي على الحصى … لظى برؤوس السمر منه شرار وقال منها في المديح: وراح ببذل المال صبًّا كأنَّهُ الـ … ـفرزدق والجود الصريح نوار إذا هر يومَ الروع رمحًا فإنَّما … لثعلبِهِ صَدْرُ الكمي وجار وقال (٤): [من الطويل] فللهِ عِطْفٌ من صَبَا الغورِ مائس … والله طرف من سنى البرق يدمع يشاهد منه النَّجمُ جَفْنَ مُسَهَّدٍ … ويقرعُ منه الخد ماء مشعشع وقال من أخرى (٥): [من الطويل] وصارخة من أيكة أجَّجَتْ له … لظى طالما أذكتُهُ في قلبه الوُرْقُ بَكَتْ طَرَبًا فانْصاع يبكي تشوقًا … فدمعتها زور ودمعته حق وهل يستوي ذو صبوة وابنُ راحةٍ … إذا استعبرا، هيهات بينهما فرْقُ ذَرِي الآن يا ورقاء نوحكِ إِنَّما الـ … ـبكاءُ لِمَنْ [مِنْ] دَمْعِهِ يَخجَلُ الوَدْقُ فما أنا بالمثني عليكَ وإنَّما … له الحُزْنُ في هذا البُكَا وَلَكَ السَّبْقُ وقال (٦): [من المنسرح] يا لَلْهَوى نَمَّت الجفون بنا … وليس يخلو المحبُّ مِنْ زَلَلِ

стр. 5639

[ف] ما عَصَيْنا القلوب، أعيُنُهُمْ، … نحن، وَهَبْنَا القلوب للمُقَلِ وقال (١): [من الخفيف] قُلْ لحي على اللوى والكثيب الـ … فردِ جادَ الحَيَا الكثيب الفردا قد وَقَفْنا من بعدكم نسألُ البا … نَ ضلالًا عنكم ويشكو الربدا فشفانا صمتًا، ولم يشفِ نطقًا … وحَكَاكم لينًا ولم يحكِ قدا وقال (٢): [من الطويل] عَسَى مَنْ كَسَا الجسمَ السَّقامَ يعودُهُ … ومَنْ سَلَبَ الجفن المنام يعيده فما يُبرئ المشتاق إلا مُعِلَّهُ … ويَنقصُ داء الحب إلا مزيده وقال (٣): [من البسيط] هو الحمى ومغانيه مغانيه … فاحْبِس وعان بليلي ما تعانيه لا تسأل الركب والحادي فما سأل الـ … ـعُشَّاقُ قبلك من ركب وحاديه ما في الصحاب أخو وجد نطارحه … حديث نجد ولا صَب نجاريه إليك عن كلِّ قلب في أماكنه … ساه، وعن كل دمع في مآقيه ما واجد الصبر في المعنى كفاقِدِهِ … وجامد الدمع في المعنى كجاريه لقي الكئيب هوًى عادت أواخرُه … على العقيق كما عادت أواليه يجدِّدُ العشق والأشجانُ تُخلقُهُ … وينثر الدمع والأحزان تطويه ربع، ثغور الهَوَى، لا الرّوضُ يُضحكُهُ … وأَعينُ العشق، لا الأنواء تُبكيه خلا، وغير فؤادي ما يهيم به … دَعَا، وغير دموعي ما تُلبيه يا منزلًا بدواعي البين منتهب … وما البلية إلا مِنْ دواعيه فالنارُ مِنْ زَفَراتي لا بوارقه … والماء من عبراتي لا غواديه ومُودَعُ القَلْبِ إِذْ ودّعتُهُ لَهبًا … حاشاه حاشاه من قلبي وما فيه يوهي قُوَى جَلَدي من لا أبوح به … ويستبيح دمي من لا أُسميه قَسَا فما في فؤادي ما يعاتبه … ضعفًا يلاقي فؤادي ما يقاسيه لم أدر حين بدا والكأسُ في يَدِهِ … مِنْ كأسِهِ السُّكْرُ أَمْ عينيهِ أَمْ فِيهِ وما المدامة إلا من ثنيَّتِهِ … ومَا الظُّلامة إلا من تَشَنِّيهِ لو لم يطل عصره فخرًا وتاه به … عجبًا لما اهتز عطفاه من التيه وقوله (٤): [من الكامل]

стр. 5640

عَرَضَ العَقيقُ له وجَرْعاءُ الحمى … فطواهما نظرًا وأعرض عنهما هاجا صبابته ولم يَقُلِ اسْلَمَا … لهما ولا حال الهوى ما هجتما صونًا لسرهما القديم وحقِّ مَنْ … حَمَلَ المحبة أن يصون ويكتما منها (١): [من الكامل] يا ردفه، افتضح الكثيبُ، وعطفُهُ … عُرِفَ القضيب بما استعارا منكما ما ضر ذاك، الظلم لو [كانَ] اتقى … ظلمي وعاف تألمي ذاك اللمى وقوله (٢): [من الكامل] وارحتما للصَّب تاه وما له … جلَدٌ، ولا حمل الأذى من عادِهِ هو في العراق، وقلبه بتهامةٍ … يا قُربَ مسمَعِهِ، وبُعْدَ فؤادِهِ وقوله (٣): [من الكامل] لو رام هذا السَّائِقُ العجلانُ … خَبَرَ الغَضا لا بان عنه البان أَمْسَوْا، وقد ظعنوا يحدِّثُ عنهم … ويميل عنه كأَنَّه سكران مايستفيقُ كأَنَّما عَرَضَتْ له ال … أَشواقُ أَوْ وَلِعَتْ به الأشجان وكَأَنَّهُ صَبٌ تَهيج له الصَّبا … ذِكرَى تمايل عندها الأغصان بانوا وفي عَذَباتِهِ من طيبهم … ما في الثرى، وكأنهم ما بانوا إِنْ تَجْتَنِبْ حُزْوَى فلا ذَهْلٌ بها … يستوقف الحادي ولا شيبان فَجَفَا هوًى نَطقتْ به أَجفانه … هيهات ليس مع البكا كتمان ينسى وأذكره العقيق وما له … وَلَهِي ولا دمعي بها الهان أَأَصونُهُ وهو العقيق وطالما … سَمَحَتْ به الأجفان وهو جُمان إنَّ الألى بخلوا برد تحيَّةٍ … ماضنَّ بعدهم بدمع شان خُذْ من عيونهم الأمان وهل لمن … حَمَلَ الغرام من العيون أمان كم في البراقع من قِسِيّ حواجب … تُضمي القلوب وغيرها المرنان منها: واستقبلوا الوادي فأطْرَقَت المها … وتحيَّرَتْ بغصونها الكثبان فكأنما اعترفت لهم بقدودها الـ … ـأ أغصان أو لعيونها الغزلان وقوله (٤): [من الوافر]
следующие страницы →