Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
لائحة محققي الأجزاء
١ - كامل سلمان الجبوري
٢ - مهدي النجم
٣: ١١ - كامل سلمان الجبوري
١٢ و ١٣ - مهدي النجم
١٤: ٢٣ - كامل سلمان الجبوري
٢٤: ٢٧ - مهدي النجم
стр. 2
ابن فضل الله العمري (٧٠٠ - ٧٤٩ هـ/ ١٣٠٠ - ١٣٤٩ م)
نسبه:
هو شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن محيي الدين أبي زكريا يحيى بن أبي المعالي فضل الله بن أبي الفضل المُجَلِّي بن جمال الدين دعجان بن خلف بن أبي الفضل نصر بن منصور بن عبيد الله بن عدي بن محمد بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي بكر بن عبيد الله الصالح بن أبي سلمة عبد الله (وقيل أسلمة) ابن عبيد الله بن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي العمري (١).
القاضي، الفقيه، الأديب، كاتب السر (٢)، «وهو الإمام الفاضل، البليغ المفوّه، الحافظ حُجَّة الكتاب، إمام أهل الأدب، أحد رجالات الزمان كتابة وترسلًا، وتوصلًا
_________
(١) هكذا ساق نسبه هو في مقدمة كتابه مسالك الأبصار ١/ ١١٩.
وذكر: إن عشيرته أصلها من قريش، وتتحدر من عمر بن الخطاب. وقد وصلت هذه العشيرة في الأصل إلى مصر أيام الخليفة الفائز (٥٤٩ - ٥٥٥ هـ/ ١١٥٤ - ١١٦٠ م) عندما كان الملك الصالح طلائع بن رزيك (٤٩٥ - ٥٥٦ هـ/ ١١٠١ - ١١٦١ م) يتولى الوزارة. وكان القادمون جماعة من آل عدي بن كعب، وهو البطن القرشي الذي ينتمي إليه عمر بن الخطاب. ومن بين هؤلاء بيوت من آل عمر على رأسهم خلف بن نصر العمري - من سلالة ابن الخطاب - وهو الجد الأعلى للمؤلف ابن فضل الله.
ويشيد العمري بالعلاقة الطيبة التي كانت تربط جده هذا بطلائع بن رزيك - على مخالفة المعتقد -. وربما كان هذا التقليد المتوارث في أسرته عن حسن علاقتها بالفاطميين وراء موقفه الإيجابي من الدولة الفاطمية، بخلاف كثير من المؤرخين والأدباء. وقد تمثل هذا في قصيدة أثنى عليهم فيها، حفظها لنا السيوطي في «حسن المحاضرة».
(انظر: مسالك الأبصار - القسم الأول -: المقدمة بقلم المحققة كرافولسكي ص ٥٥ - وقلائد الجمان للقلقشندي ١٣٩ - ١٤٠).
(٢) كانت كتابة السّر امتيازًا خاصًا لا يتطلع إليه إلا جلة الأدباء. وكان صاحبها بمثابة أمين سر الدولة ورئيس دبلوماسيتها المطلع على خفاياها وأسرارها، وبالتالي كان هو الأقرب إلى السلطان، حتى إنه يتقدم في بعض الأحيان على الوزير. (انظر: مقدمة الأستاذ محمد حسين شمس الدين لكتاب معالم الكتابة ومغانم الإصابة لابن شيث - منشورات دار الكتب العلمية قال Gemini
إليك تفريغ النص الظاهر في صفحة العنوان لهذا الكتاب العظيم، مرتبا من الأعلى إلى الأسفل:
стр. 3
إلى غايات المعالي وتوسلًا» (١).
أسرته:
من أسرة تولّت رئاسة ديوان الإنشاء بمصر والشام مدة قرن من الزمان تقريبًا، وقد استقر أجداده الأقربون في البُرْلُس بمصر السُّفْلَى، ولكنهم كانوا يشعرون على الدوام بأنهم أكثر ارتباطًا بدمشق منهم بمصر، فاحتفظوا باسم الدمشقي كنسبة أساسية لهم.
فوالده القاضي محيي الدين كان قد تولّى كتابة سرّ دمشق مرتين في سنة ٧٢٧ هـ/ ١٣٢٦ م، ثم وقع له محنة مع الملك الناصر محمد بن قلاوون وعزله، ولزم داره سنتين إلى أن طلبه ووُلّاه كتابة سرّ مصر عوضًا عن علاء الدين ابن الأثير (٢)، ثم نُقل إلى دمشق سنة ٧٣٢ هـ/ ١٣٣١ م، ثم عاد إلى مصر في العام التالي وظل بها حتى وفاته سنة ٧٣٨ هـ/ ١٣٣٧ م (٣).
وأخوه علاء الدين (٤) عليّ، كان يعضد والده لكبر سنه.
وأخوه بدر الدين محمد (٥).
وله أخ باسمه أجاز له الأبْرَقُوهي (٦)، ومحمد بن الحسين بن الفوي (٧) وغيرهما. وولده شمس الدين محمد (٨)، له ذيل على كتاب والده (مسالك الأبصار).
ولادته:
ولد بمدينة دمشق في ثالث شوال سنة سبعمائة هجرية (٩).
_________
(١) الوافي بالوفيات ٨/ ٣٥٢، أعيان العصر ١/ ٤١٧.
(٢) علي بن أحمد بن سعيد بن محمد بن سعيد، المعروف بابن الأثير الحلبي، المتوفى سنة ٧٣٠ هـ/ ١٣٢٩ م ترجمته في: المنهل الصافي.
(٣) ترجمته في: المنهل.
(٤) علي بن يحيى بن فضل الله العمري، المتوفى سنة ٧٦٩ هـ/ ١٣٦٧ م، ترجمته في: المنهل الصافي بدمشق.
(٥) المدفون بالصالحية بدمشق.
(٦) أحمد بن إسحاق بن محمد بن المؤيد الأبرقوهي، المتوفى سنة ٧٠١ هـ/ ١٣٠١ م، ترجمته في: المنهل.
(٧) محمد بن الحسين بن عبد الله بن الحسين بن حسون القرشي الفوي، المتوفى سنة ٧٠٣ هـ/ ١٣٠٣ م. ترجمته في: الدرر ٤/¬٤٧ رقم ٣٦٦١.
(٨) معجم المطبوعات العربية والمعربة، لسركيس ١/ ٢٠٥.
(٩) هكذا في الوافي ٨/ ٢٦٨، أعيان العصر ١/ ٤٢٠. وفي المقتفى ١/ ٧٣٢: إن ولادته سنة ٦٩٧ هـ. والذهبي.
стр. 4
نشأته وتعلمه:
سمع بالقاهرة ودمشق من جماعة، وتخرج في الأدب على والده، وقرأ العربية على الشيخ كمال الدين ابن قاضي شهبة (١)، ثم على قاضي القضاة شمس الدين محمد بن مسلم (٢)، والفقه على قاضي القضاة شهاب الدين محمد بن المجد عبد الله (٣)، وعلى الشيخ برهان الدين (٤) قليلًا، وقرأ «الأحكام الصغرى (٥) على الشيخ تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (٦)، والعروض والأدب على الشيخ شمس الدين الصايغ (٧)، وتدرب في النظم على علاء الدين الوداعي (٨)، وقرأ جملة من المعاني والبيان على العلامة شهاب الدين محمود (٩)، وقرأ عليه جملة من الدواوين وكتب الأدب، وقرأ بعض شيء من العروض على الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني (١٠)، والأصول على الشيخ شمس الدين الأصبهاني، وأخذ العربية عن الشيخ أثير الدين سمع عليه «الفصيح» … و «الأشعار الستة» و «الدريدية» وأكثر ديوان أبي تمام» وغير ذلك (١١). وقد
_________
(١) عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن ذؤيب الأسدي، المعروف بابن قاضي شهبة، كمال الدين. توفي في ٧٢٦ هـ/ ١٣٢٦ م. ترجمته في: المنهل الصافي ٧/ ٣٩٧.
(٢) محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع بن جعفر المزي، الدمشقي، شمس الدين. توفي في ٧٢٦ هـ/ ١٣٢٦ م، ترجمته في: الدرر ٥/¬٢٧ رقم ٤٥٧٦.
(٣) محمد بن المجد عبد الله بن الحسين بن علي الإربلي الشافعي، شهاب الدين، قاضي قضاة دمشق، توفي ٧٣٨ هـ/ ١٣٣٧ م. ترجمته في: الدرر ٤/ ٨٦ رقم ٣٧٧٦.
(٤) إبراهيم بن عبد الرحمن بن سباع الفزاري المصري، شيخ الإسلام، برهان الدين، المتوفى ٧٢٩ هـ/ ١٣٢٨ م، ترجمته في: المنهل ١/ ٨٠ رقم ٤٤.
(٥) لعله كتاب الأحكام الصغرى في الحديث، للشيخ عبد الحق بن عبد الرحمن بن الخراط الإشبيلي، المتوفى ٥٨٢ هـ/ ١٨٦ م، انظر: هدية العارفين ١/ ٥٠٣.
(٦) المتوفى سنة ٧٢٨ هـ/ ١٣٢٨ م، ترجمته في: المنهل ١/ ٣٣٦ رقم ١٩١.
(٧) محمد بن حسن بن سباع بن أبي بكر الجذامي المصري الأصل، الدمشقي المولد، المعروف بابن الصائغ، توفي سنة ٧٢٠ هـ/ ١٣٢٠ م، ترجمته في المنهل.
(٨) علي بن المظفر بن إبراهيم بن عمر الكندي الوداعي، المتوفى سنة ٧١٦ هـ/ ١٣١٦ م، ترجمته في: المنهل.
(٩) محمود بن سليمان بن فهد الحلبي، شهاب الدين أبو الثناء، المتوفى سنة ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٤ م، ترجمته في: المنهل.
(١٠) محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصاري الشافعي المعروف بابن الزملكاني، المتوفى سنة ٧٢٧ هـ/ ١٣٢٦ م، ترجمته في: المنهل.
(١١) الوافي ٨/ ٢٥٤ - ٢٥٥، أعيان العصر ١/ ٤١٨.
стр. 5
أذن له العلامة شمس الدين الأصبهاني في الإفتاء على مذهب الشافعي (١).
وسمع بدمشق من الحجار، ومحمد بن يعقوب الجرائدي (٢)،، ومحمد بن أبي بكر بن عثمان بن شرف (٣)، وست القضاة (٤) بنت يحيى بن أحمد الشيرازي بالقاهرة، ومن والده، وأبي زكريا يحيى بن يوسف ابن المصري (٥)، وأحمد بن محمد بن عمر الحلبي (٦) وغيرهم.
وأجاز له جماعة، وحدث بالقاهرة ودمشق (٧).
وخرج له الذهبي مشيخة كثيرة حدّث بها ورويت عنه (٨).
مكانته:
ومما يدل على مكانته، وعلوّ مقامه، وسبقه في ميدان الكتابة الديوانية، ما قاله بعض معاصرين، ومن كتبوا عنه:
قال الصفدي:
«هو الإمام الفاضل البليغ المفوّه الحافظ حجة الكتاب، إمام أهل الآداب. أحد رجالات الزمان كتابة وترسلًا، وتوصلًا إلى غايات المعالي وتوسلًا. وإقدامًا على الأسود في غابها، وإرغامًا لأعاديه بمنع رغابها. يتوقد ذكاء وفطنة ويتلهب، ويتحدر سَيْلُه ذاكرة وحفظًا ويتصبب. ويتدفق بحره بالجواهر كلامًا، ويتألق إنشاؤه بالبوارق المتسرعة نظامًا. ويقطر كلامه فصاحة وبلاغة، وتندى عبارته انسجامًا وصياغة. وينظر إلى غيب المعاني من ستر رقيق، ويغوص في لجة البيان فيظفر بكبار الدر من البحر العميق. استوت بديهته وارتجاله، وتأخر عن فروسيته من هذا الفن رجاله. يكتب من رأس قلمه بديهًا، ما يعجز تروّي القاضي الفاضل أن يدانيه تشبيهًا. وينظم من المقطوع والقصيدة جوهرًا، ما يخجل الروض الذي باكره الحيا مزهرًا. صرف الزمان
_________
(١) المقفى الكبير ١/ ٧٣٣.
(٢) محمد بن يعقوب بن بدران الجرائدي، الأنصاري، الدمشقي، توفي سنة ٧٢٠ هـ/ ١٣٢٠ م. ترجمته في: الدرر ٥/ ٥٨ ترجمة ٤٦٦٨.
(٣) المتوفى سنة ٧٢١ هـ/ ١٣٢١ م. ترجمته في الدرر ٤/¬٢٥، ترجمة ٣٥٩٣.
(٤) المتوفاة سنة ٧١٢ هـ/ ١٣١٢ م، ترجمتها في الدرر ٢/ ٢٢٣ ترجمة ١٧٩٦.
(٥) المتوفى سنة ٧٣٧ هـ/ ١٣٣٦ م، ترجمته في: الدرر ٥/ ٢٠٥ ترجمة ٥٠٥٦.
(٦) المتوفى سنة ٧٤٤ هـ/ ١٣٤٣ م، ترجمته في الدرر/ ١/ ٣١٠ ترجمة ٧٣٧.
(٧) المنهل الصافي ٢/ ٢٦٢.
(٨) المقفى الكبير ١/ ٧٣٣.
стр. 6
أمرًا ونهيًا، ودبر الممالك تنفيذًا ورأيًا. وَصَل الأرزاق بقلمه، ورويت تواقيعه وهي إسجالات حُكمه وحكمه. لا أرى أن اسم الكاتب يَصْدُق على غيره ولا يطلق على سواه:
لا يعمل القول المكـ … رر منه والرأي المردد
ظَن يصيب به الغُيو … ب إذا توخى أو تَعمَّد
مثل الحام إذا تألـ … ـق والشهاب إذا توقد
كالسيف يقطع وهو مسـ … لول وَيُرْهَبُ حين يُغْمَدْ
ولا أعتقد أن بينه وبين القاضي الفاضل من جاء مثله، على أنه قد جاء مثل تاج الدين ابن الأثير ومحيي الدين ابن عبد الظاهر وشهاب الدين محمود وكمال الدين ابن العطار وغيرهم. هذا إلى ما فيه من لطف أخلاق وسعة صدر وبشر محيا. رزقه الله أربعة أشياء لم أرها اجتمعت في غيره وهي: الحافظة، قَلَّما طالع شيئًا إلا وكان مستحضرًا لأكثره، والذاكرة التي إذا أراد ذكرى شيء من زمن متقدم كان ذلك حاضرًا كأنه إنما مَرَّ به بالأمس، والذكاء الذي تسلط به على ما أراد، وحسن القريحة في النظم والنثر. أما نثره فلعله في ذروة كان أوج الفاضل لها حضيضًا ولا أرى أحدًا يلحقه فيه جودة وسرعة عمل لما يحاوله في أي معنى أراد وأي مقام توخاه وأما نظمه فلعله لا يلحقه فيه إلا الأفراد.
وأضاف الله تعالى له إلى ذلك كله حسن الذوق الذي هو العمدة في كل فن. وهو أحد الأدباء الكملة الذين رأيتهم؛ وأعني بالكملة الذين يقومون بالأدب علمًا وعملًا في النظم والنثر ومعرفة بتراجم أهل عصرهم ومن تقدمهم على اختلاف طبقات الناس وبخطوط الأفاضل وأشياخ الكتابة. ثم إنه يشارك من رأيته من الكملة في أشياء وينفرد عنه بأشياء بلغ فيها الغاية وقصر ذلك عن شأوه لأنه جَوَّد فنَّ الإنشاء: النثر وهو فيه آية، والنظم وساير فنونه، والترسل البارع عن الملوك. ولم أر من يعرف تواريخ ملوك المغل من لدن جنكز خان وهلم جرًّا معرفته وكذلك ملوك الهند الأتراك. وأما معرفة الممالك والمسالك وخطوط الأقاليم ومواقع البلدان وخواصها فإنه فيها إمام وقته وكذلك معرفة الاسطرلاب وحل التقويم وصور الكواكب. وقد أذن له العلامة الشيخ شمس الدين الأصبهاني في الإفتاء على مذهب الإمام الشافعي ﵁ فهو حينئذ أكمل الكملة الذين رأيتهم. ولقد استطرد الكلام يومًا إلى ذكر القضاة فسرد ذكر القضاة الأربعة الذين عاصرهم شامًا ومصرًا وألقابهم وأسماءهم وعلامة كل قاض منهم حتى إني ما كدت أقضي العجب مما رأيت منه. واتفق يومًا آخر أنه احتجت إلى كتابة صداق
стр. 7
لبنت شمس الدين ابن الشيرازي فذكر على الفور اسمها واسم أبيها وسرد نسبه فجئت إلى البيت وراجعت تعاليقي ومسوداتي فكان الأمر كما ذكر لم يُخل باسم ولا لقب ولا كنية» (١).
وقال ابن تغري بردي: «كان إمامًا فاضلًا بارعًا، ناظمًا ناثرًا، جوادًا ممدحًا» (٢).
وقال القلقشندي: «الفاضل الألمعي، والمِصْقَع اللوزعي، ملك الكتابة وإمامها، وسلطان البلاغة ومالك زمامها» (٣).
وقال المقريزي: « … وكان يتوقد ذكاء وفطنةً، وله حافظة قوية، ومحاضرة جميلة، وكلامه فصيح بليغ، وله غوص على المعاني، وعنده اقتدار على النظم، بحيث تساوت بديهته وارتجاله. وكان يكتب من رأس قلمه بديهًا ما يعجز عنه غيره بعد إعمال رويته مع لطف الأخلاق وسعة الصدر وبشر المحيا.
واجتمع فيه أربع خصال قلما جمعها غيره: جودة الحافظة، فقلما طالع شيئًا إلا استحضره أو أكثره، وحسن الذاكرة، فكان إذا أراد، تذكر شيئًا ولو قدم عهده كأنما مر به أمس.
والذكاء الذي تسلّط به على ما أراد. وحسن القريحة في النظم والنثر.
وأضاف الله له مع ذلك حسن الذوق. وكان إمامًا في الأدب عارفًا بتراجم الناس، سيّما أهل عصره. عارفًا بخطوط الفضلاء وشيوخ الكتابة، قد جود فن الإنشاء حتى كان فيه آية. وجود النظم وبرع في التاريخ، سيّما ما قارب وقته، وعرف مسالك الأرض وممالكها، وحذق في علم الاصطرلاب وحل التقويم» (٤).
وقال محمد بن إياس: « … وكان عالمًا فاضلًا، بارعًا في صناعة الإنشاء، وله في ذلك المصنّفات الجليلة، والعبارة اللطيفة في الإنشاء، وصار العمل على ما وضعه في صنعة الإنشاء إلى الآن عند الموقعين.
… وكان ناظمًا ناثرًا، وله خط جيد، عالي الطبقة» (٥).
وظائفه:
تقلّد جملة وظائفة هامة، فقد باشر في كتابة الإنشاء بدمشق أيام محمود حتى ولي أبوه محيي الدين كتابة السرّ بها. ثم قدم معه إلى القاهرة في سنة ٧٢٨ هـ لما ولّي
_________
(١) الوافي ٨/ ٢٥٢ - ٢٥٤. انظر أيضًا: أعيان العصر ١/ ٤١٨٤١٧.
(٢) المنهل الصافي ٢/ ٢٦٥.
(٣) صبح الأعشى ١/¬٧.
(٤) المقفى الكبير ١/ ٧٣٣.
(٥) بدائع الزهور ١/ ق ١/ ٥٣٣.
стр. 8
كتابة السر بديار مصر، وكان يقرأ البرد على السلطان.
ثم سار مع أبيه إلى دمشق؛ وعاد معه إلى القاهرة لما ولي كتابة السرّ ثانيًا في سنة ٧٣٣ هـ.
وقرأ أيضًا البريد على السلطان، وجلس في دار العدل.
واتفق ذات يوم وقوع مفاوضة بينه وبين الأمير صلاح الدين يوسف الدوادار، فاجتهد على الدوادار وتنافرا. فما زال هو وأبوه بالسلطان حتى صرفه وأقام سيف الدين بغا دوادارًا عوضه.
حدة مزاجه:
فلما قدم الأمير تنكز نائب الشام في سنة سبع وثلاثين سأل السلطان في ولاية علم الدين [محمد] ابن القطب كتابة السرّ بدمشق فأجابه وولاه. [فأخذ] أحمد شهاب الدين، يضع منه عند السلطان بأنّه قبطي لا يصلح لكتابة السرّ، والسلطان يغضي عن ذلك مراعاة لنائب الشام. فلما كتب توقيعه رسم له بزيادة المعلوم فأبى شهاب الدين من ذلك وشافه السلطان بكلام خشن، وقد قويت نفسه وشرست أخلاقه على عادته، واسترسل في الكلام الجافي حتى قال: كيف يكون رجل أسلمي تعمله كاتب السرّ وتزيد جامكيّته؟ ما يفلح من يخدمك، وخدمتك علي حرام!
وقام من يدي السلطان مغضبًا، والأمراء وقوف بالخدمة، وقد أقشعروا من كلامه، وما شكوا في أن السلطان يضرب عنقه. وسار شهاب الدين إلى أبيه وعرفه ما وقع فبُهِتَ. فبادر للقيام في تدبير ما فرط من ابنه وتلافي خطئه. فقبل الأرض عندما دخل على السلطان وسأل العفو فأجابه السلطان بأنه لأجله قد حَلُمَ عليه وسامحه، وتقدم إليه بإحضار ابنه علاء الدين علي ليقوم مقام شهاب الدين في قراءة البريد وتنفيذ الأشغال، فاعتذر بأنه صغير، فقال: أنا أربّيه كما أعرف فأحضره.
ولزم شهاب الدين بيته حتى مات أبوه وأشتغل أخوه علاء الدين بكتابة السرّ من بعده. [فـ] كتب قصة يسأل فيها السفر إلى دمشق، فحركت هذه القصة من السلطان ساكنًا وأمر طاجار الدوادار أن يطلبه إلى قاعة الصاحب من القلعة وأن يعريه حتى يكتب خطه بعشرة آلاف دينار، فإن امتنع ضربه بالمقارع. فعندما عرّاه أرعد حتى كاد يموت، وكتب خطه بالمبلغ، وأوقعت الحوطة على موجوده وأخذ في بيعه وبيع أملاكه بدمشق، وأقترض خمسين ألف درهم وأورد مائة وأربعين ألف درهم، وذلك في ١٤ شعبان ٧٣٩ هـ. ثم ثمّ أُفرج عنه في ٣ ربيع الآخر ٧٤٠ هـ بعد ستة أشهر وثمانية عشر يومًا بسبب
стр. 9
غريب: وهو أنّ بعض الكتاب زوّر خطّ السلطان، فرسم بقطع يده. فتلطف شهاب الدين بالسلطان حتى عفا عنه وسجنه، فأقام مدّة في السجن إلى أن وقع في هذا الوقت قصة يسأل فيها العفو عنه وتخلية سبيله. فلم يعرف السلطان خبره ولا سببَ حَبْسِه. فقيل له: إنَّ أمره يعرفُهُ شهاب الدين أبن فضل الله. فبعث إليه ليخبره بشأن هذا المحبوس، فعرفه الخبر فأمر بالإفراج عن الرجل وعن شهاب الدين.
فنزل إلى داره بالقاهرة. ثم استدعاه السلطان في محرّم سنة إحدى وأربعين بعد قتل تنكز نائب الشّام، واستحلفه على المناصحة، وولاه كتابة السرّ بدمشق عوضًا عن شهاب الدين يحيى بن إسماعيل ابن القيسراني. فسار إليها وقد قُبض على ابن القيسراني وأخذ ماله ورسم بقطع يده لتهمته بموافقة الأمير تنكز على ما قام به من المخامرة. فما زال يجهد في أمره حتى أفرج عنه.
واستمر في كتابة السرّ حتّى مات السلطان، وكان الاختلاف من بعده. فعزل بأخيه بدر الدين محمد في يوم الاثنين ٣ صفر ٧٤٣ هـ وطلب لكثرة الشكايات فيه. فقدم في صفر سنة ٧٤٤ هـ وقد لَطَّفَ أخوه علاء الدين علي كاتب السر أمره حتى أعيد إلى دمشق» (١).
ولم يزل فيها مقيمًا في بيته، بطالًا، مستقرًا بمرتب يكفيه، إلى أن حدث الطاعون بدمشق فقلق منه، وتطاير به، وعزم على الحج، ثم أبطله. وتوجّه بأهله إلى القدس، فتوفيت هناك زوجته ابنة عمه، فدفنها هناك، وما به قلبة (٢)، غير أنه مروع من الطاعون، فحصل له يوم وصوله حمى ربع (٣)، ودامت به إلى أن حصل له صرع، فمات منه (٤).
وفاته ومراثيه:
وكانت وفاته يوم السبت، (يوم عرفة) سنة ٧٤٩ هـ (٥).
وجرى له تشييع حافل، ودفن بتربتهم بالصالحية (٦)، على سفح قاسيون (٧) قبالة
_________
(١) المقفى الكبير ١/ ٧٥٣ - ٧٥٥.
(٢) القلبة: داء وتعب.
(٣) أي حمى دائمة.
(٤) أعيان العصر ١/ ٤١٩ - ٤٢٠.
(٥) ذكر المؤرخون سنين مختلفة لوفاته؛ فقد جعله ابن إياس في وفيات سنة ٧٥٠ هـ؛ وذكر جرجي زيدان أن وفاته كانت سنة ٧٤٨ هـ. غير أن ما ذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة: ١٠/ ٣٣٤ هو أكثرها دقة. ويمكننا الجزم في ذلك من خلال نص للعمري نفسه في مسالك الأبصار حيث يقول: «فهذا ما ذكره الشريف أبو عمر عبد العزيز الإدريسي، وحدثني بذلك كله في صفر سنة ٧٤٩ هـ» وقد توفي العمري بعد تسعة شهور من كتابة تعليقه السالف الذكر. (مسالك الأبصار - القسم الأول - تحقيق دوروتيا كرافولسكي: المقدمة ص ٥٧).
(٦) أعيان العصر ١/ ٤٢٠.
(٧) المنهل الصافي ٢/ ٢٦٥.
стр. 10
البيقونية، مع أبيه وأخيه بدر الدين محمد (١).
وقد أخلع السلطان على ولده القاضي بدر الدين محمد وقرّره في كتابة السرّ، وصاحب ديوان الإنشاء الشريف، عوضًا عن أبيه، بحكم وفاته (٢).
وقد رثى نفسه قبل أن يموت بهذين البيتين، وجدت مكتوبة في ورقة في دواته، بخط يده، وهو قوله:
قُلْتُ لأقلامي اكتبي وانطقي … إلخ البيتين (٣).
ولما توفي، كتب الصفدي إلى أخيه القاضي علاء الدين صاحب دواوين الإنشاء يعزيه، نصه: يقبل الأرض وينهي ما عنده من الألم الذي برح، والسقم الذي جرّ ذيول الدمع على الخدود وجرح، لما قدّره الله تعالى من وفاة القاضي شهاب الدين:
سَقَتْهُ بألطف أندائها … وأغزرها ساريات الغمام
فِـ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٤) قَوْلَ من غاب شهابه، وآب التهابه، وذاب قلبه فصار للدمع قليبًا، وشاب فوده لما شب جمر فؤاده، ولا غرو فيومه جعل الولدان شيبًا، فيا أسفي على ذلك الوجه الملي بالملاحة واللسان الذي طالما سحر العقول ببيانه فصاحت يا ملك الفصاحة، واليد التي كم روّضت الطروس أقلامها، وأنشأت أسجاعًا لم تذكر معها بانات الحمى ولا حمامها، وكأن أبا الطيب ما عنى سواه بقوله (٥):
تعثرت بك في الأفواه ألسنها … والبرد في الطرق والأقلام في الكتب
فرحم الله ذلك الوجه، وبلغه ما يرجوه، وضواه بالمغفرة يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، لقد فقد المجد المؤثل منه ركنًا تتكثر به الجبال فما تقله ولا تستقلّه، وعدمت الآداب منه بارعًا لو عاصره الجاحظ ما كان له جاحدًا، أو البديع علم أنّ ما فُض له فضله، وغاب من الإنشاء منه كاتب ليس بينه وبين الفاضل لولا أخوه مثله، أترى ابن المعتز عناه بقوله (٦):
_________
(١) الوافي بالوفيات ٨/ ٢٦٨.
(٢) بدائع الزهور ١/ ق ١/ ٥٣٣.
(٣) بدائع الزهور في وقائع الدهور ١/¬ق ١/¬٥٣٣. انظر: البيتان في القطعة رقم (٣٣) في موضوع شعره.
(٤) سورة البقرة: الآية ١٥٦.
(٥) ديوانه: ١/ ٨٨ وفيه: «تعثرت به». والبرد: جمع بريد.
(٦) ديوان ابن المعتز: ٢/ ٢٥٨، وفيه: «هذا أبو القاسم».
стр. 11
هذا أبو العباس في نعشه … قوموا انظروا كيف تزول الجبال
وما يقول المملوك في البيت الكريم، إلا إن كان قد غاب بدره وأفل شهابه، أو غاص قطره وتقشع سحابه فإنّ نيّره الأعظم باقٍ في أوجه، وبحره الزاخر متلاطم في موجه، وفي بقاء مولانا خَلَفٌ عمّن سلف، وعِوَضٌ عما انهدم ركنه وانقض، وجبر لمن عدم الجلد والصبر والله يمتع المسلمين بحياته، ويجمع لديه بين ثوابه وثباته، لأنه قد عاش الدر المفدى بالذهب وأضاءت شمس المعالي إن كان قد حمد اللهب:
علم الله كيف أنت فأعطا … ك المحل الجليل من سلطانه
جعل الدين في ضمانك والدنـ … يا فعش سالمًا [لنا] في ضمانه
وقد نظم المملوك قصيدةً مختصرة في رثاء المشار إليه، وجعل ألفاظها تبكيه وقوافيها تنوح عليه، وهي (١):
الله أكبر يا ابن فضل الله … شَغَلَتْ وفاتُكَ كلَّ قلب لاءِ
كل يقول وقد عرته كآبة … واهًا لفقدك إن صبري وَاهِ
فقَدَتْ بك الأملاك بحر ترسل … متلاطم الأمواج بالأمواه
يا وحشة الإنشاء منك لكاتب … ألفاظه زهر النجوم تباهي
وتوجع الأشعار فيك لناظم … من لطفه لشذا النسيم يُضاهي
كم أمسكت يمناك طرسًا أبيضًا … فأعدته في الحال طرزًا باهي
كم قد أدرت من القريض قوافيًا … هي نشوة «الناشي» وزهو «الزاهي»
ورسالة أنشأتها في حانة النبا … ذ حازت حضرة الفَكَّاءِ
ووضعت في الآداب كل مصنف … قالت له البلغاء زاه زاه
كم قد خطرت على المجرة رافلًا … يوم الفخار بمعطف تياهِ
شخصت لعلياك النجوم تعجبًا … ولك الشهى يرنو بطرف ساه
ما كنت إلا واحد الدهر الذي … يسمو على الأنظار والأشباه
من بعدك الكتاب قد كتبوا فما … يجدون منجاة لهم من جاه
أقلامهم قد أُمْلِقَتْ ورمى الردى … أدواتهم ودواتهم بدواهي
وطروسُهُمْ لبست حداد مدادها … أسفًا عليك مؤكدًا بسفاه
أما القلوب فإنها رهن الأسى … تَرِدُ القيامة وهي فيك كما هي
أبدًا يخيل لي بأنك حاضر … تملي الفوائد لي وأنت تجاهي
_________
(١) الوافي بالوفيات ٨/ ٢٦٨ - ٢٧٠، أعيان العصر ١/ ٤٣١ - ٤٣٤.
стр. 12
فتعز فيه واصطبر لمصابه … يا خير مولى أمر أو ناهي
فدوام ظلك في البرية نعمة … ولَشُكْرُها حتم على الأفواه
لا زال جَدُّكَ في المبادئ صاعدًا … رتبًا سعادتها بغير تناهي
إن شاء الله تعالى.
مصنفاته (١):
أنشأ كثيرًا من التقاليد والمناشير والتواقيع والأصدقة.
ووضع في حياته القصيرة (٧٠٠ - ٧٤٩ هـ) عددًا من الكتب التي تفاوتت في حجمها وموضوعاتها.
١ - مسالك الأبصار في ممالك الأمصار: موسوعة كبرى في التأريخ والجغرافيا والأدب والفلك والطب والاجتماع وغيرها، كتبها ابن فضل الله العمري في النصف الأول من القرن الثامن الهجري، وهي من أهم ما أنتجه عصر سلاطين المماليك، وقد وصفها الصفدي بأنها «كتاب حافل ما يُعلم أن لأحد مثله» (٢).
وقد عكفنا على تحقيقها منذ أكثر من ست سنوات وسترى النور قريبًا.
٢ - التعريف بالمصطلح الشريف: وقد وضعه ليعرض فيه كل ما يُحتاج إليه في عمل الدواوين وألفه في الفترة التالية لعام ٧٤١ هـ - أي بعد أن أنهى كتابه الباب الخاص بمصر والشام والحجاز في موسوعته الكبيرة، وبعد أن تمتع بخبرة واسعة في ديوان الإنشاء.
وقد اكتسب هذا الكتاب مكانة خاصة لدى العاملين بديوان الإنشاء المملوكي فأطلق عليه القلقشندي «الدستور» ووصفه بأنه «أَنْفَس الكتب المُصَنَّفة في هذا الباب» (٣).
وطبع هذا الكتاب في القاهرة سنة ١٣١٢ هـ طبعة سقيمة، نفدت منذ زمن وأصبحت الحاجة ماسة إلى إعادة نشره اعتمادًا على مخطوطات جديدة ومقابلًا على «صبح الأعشى» و «المقصد الرفيع المنشا» اللذين اعتمدا عليه اعتمادًا كليًا، خاصة بعد أن توفّر على درسه المستشرق الألماني هارتمان (٤) والمستشرق الفرنسي
_________
(١) اعتمدنا في كتابة هذا الموضوع على مقدمة الأستاذ أيمن فؤاد سيد في تحقيقه للمسالك قسم ممالك مصر والشام والحجاز واليمن، ط المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة ١٩٨٥ م، ص ٣٣ م - ٣٦ م.
(٢) الوافي بالوفيات ٨/ ٢٥٥.
(٣) صبح الأعشى ١/¬٧.
(٤) - Hartmann، R. (Politische Geographie des Mamlukenreichs)، ZDMG ٧٠ (١٩١٦)، pp. ١ ٤٠، ٤٧٧ - ٥١٤ وهو تحليل للمقالتين الخامسة والسادسة من الكتاب.
стр. 13
جودفري دي مومبين (١)
وتوجد مخطوطات هذا الكتاب في المكتبات الآتية:
دار الكتب المصرية برقم ٥٧ أدب خ. ٧٦٤ هـ، و ٢١٣٤ أدب خ. ٧٩٣ هـ، ٣٥٢، Leiden Or خ. ٨٣٧ هـ (مصورة بمعهد المخطوطات العربية برقم ١٠٠١ تاريخ)، ٣٨٢٣ آيا صوفيا Leipzig ٦٥٩، Berlin ٨٦٣٩، Esc. ١٦٣٩، نسخة خزائنية من القرن التاسع، ١٦٤٠ Esc ٢. خ ٨٦٩ هـ (والنسختان مصورتان في معهد المخطوطات بالقاهرة فيما لم يفهرس)،. ١٦٥٧ Gotha
وقام بتنقيح هذا الكتاب والزيادة عليه أحد أفراد أسرة المُحِبي يُعرف بالمقر التقوي بن ناظر الجيش وسمى كتابه «تثقيف التعريف بالمصطلح الشريف» قال القلقشندي: أنه أورد فيه ما أهمله العمري في التعريف، وذكر ما فاته من مصطلح ما يكتب أو حَدَث بعد تأليفه، ومع ذلك فقد ترك مما تضمنه التعريف مقاصد لا غنى للكاتب عنها حتى أصبح لا يستغنى بأحدهما عن الآخر (٢).
وتوجد مخطوطات هذا الكتاب في المكتبات الآتية:
Ambro ١٦١، Golha ٢١٢٦ Bodl. (٢) ٣٦٣، Esc ٢. ٥٥٠ (مصورة بمعهد المخطوطات في القاهرة فيما لم يفهرس).
وحقق هذا الكتاب الأستاذ عبد الرحمن أمين صادق وحصل به على درجة الماجستير من جامعة الأزهر سنة ١٩٧٩، كما حققه المستشرق البولندي رودلف فَسَلي وهو الآن تحت الطبع لدى المعهد الفرنسي بالقاهرة.
ثم طبع محققًا من قبل السيد محمد حسين شمس الدين في بيروت - دار الكتب العلمية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.
٣ - ممالك عُبّاد الصليب: وصف فيه ملوك الإفرنج في عصره، وقد روى ذلك عن بلبان الجنوي، أحد مماليك بَهَادر المعزّي، فوصف مُلك فرنسا وألمانيا وأحوالهما السياسية والاجتماعية، وفعل نحو ذلك في البنادقة والإيطاليين وأهل جَنْوَة، وبين علائقهم بالمسلمين. والكتاب طبع في روما سنة ١٨٨٣ م مع ترجمة إيطالية لأماري (هدية العارفين ٣/ ٢٣٩).
٤ - النزهة الكافية في معرفة الكتابة والقافية: منه نسخة في ٤٩٣ Leipzig، وأخرى في مكتبة فلايشر.
_________
(١) Demombyens، G، la Syrie a L'epoque des Mamelouks، Paris ١٩٢٣.
(٢) القلقشندي: صبح ١/ ٨.
стр. 14
٥ - دمعة الباكي ويقظة الشاكي (أو الساهر): (الوافي ٨/ ٢٥٥، الفوات ١/ ١٦٠، المنهل الصافي ٢/ ٢٦٥، المقفى الكبير ١/ ٧٣٣، النجوم الزاهرة ١٠/ ٢٣٥، كشف الظنون ١/ ٧٦١، هدية العارفين ١/ ١١٠).
منه نسخة في مكتبة تشستربتي في إيرلندا بخط العُمري جاء في آخرها «سمعه من لفظي المولى الشيخ الحافظ … أبو الخير سعيد بن عبد الله الدهلي الحنبلي أطال الله بقاءه، والشيخ الصالح برهان الدين إبراهيم بن كمال الدين محمد بن نصر الأنصاري بداري بسفح قاسيون في يوم السبت سابع صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة … وكتبها أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري عفا الله عنه».
(راجع Rice، D.S.) A miniature in an autogrph of shihab al - Din ibn، Fadlallah al - Umari)، BSOAS (XIII (١٩٤٩ - ٥٠)، pp. ٨٥٦ - ٨٦٧).
٦ - ذَهَبِيَّة العصر: ذكر فيه شعراء المشرق والمغرب الإسلامي من أهل المئة الثامنة وذكر أشعارهم وأخبارهم على نهج من سبقه في التأليف عن أدباء عصره وشعرائه، كالثعالبي في كتابه يتيمة الدهر والباخرزي في كتابه دمية القصر، والعماد الأصفهاني في خريدة القصر، ومن بعده كالصفدي في كتابه أعيان العصر وغيرهم.
والعمري في كتابه هذا يمتاز على من تقدّمه بسعة إطلاعه على أحوال الممالك الإسلامية وقوة ارتباطه بحكامها، قوة مكنته من معرفة الكثير من أحوالها، مع اتصاله بمشاهيرها من علماء وأمراء وشعراء، يضاف إلى هذا اهتمامه بجزيرة العرب، اهتمامًا يوضحه ابتداء كتابه هذا بذكر مشاهيرها من العلماء والشعراء وغيرهم، ومن هنا فليس من المستبعد أن يذكر في هذا الكتاب من المغمورين مَنْ لم يذكره غيره.
وقد صرّح مؤلفه «في المسالك ٣/ ١٣٣ - خ» إلى عام ٧٤٦ هـ، ويشير ذلك إلى أنه آخر مؤلفاته.
لم يصل إلى الوجود سوى ٥ صفحات منه لدى الشيخ علي العسلي، صاحب المكتبة العتيقة في تونس.
وقد اطلع عليها الاستاذ أيمن فؤاد السيد.
والاستاذ إبراهيم شبوح مدير الآثار في تونس، وأمين المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في عمان، والعلامة الشيخ حمد الجاسر وقد وصفها في بحثه حول الكتاب.
стр. 15
كما عُثر على جزء من الكتاب في خزانة كتب الشيخ محمد سرور الصبّان التي ضمت إلى مكتبة جامعة أم القرى، وتقع مصوّرة مخطوطة هذا الجزء في ١٣٦ ورقة بـ ٢٧٢ صفحة وقد وصفه ونقل بعض من نصوص الشيخ الجاسر في بحثه المذكور (١).
٧ - صَبَابة المُشْتَاق: مجلد في المدائح النبوية (الوافي ٨/ ٢٥٥، الفوات ١/ ١٦٠، المنهل ٢/ ٢٦٥، النجوم ١٠/ ٢٣٥ المقفى الكبير ١/ ٧٣٣، كشف الظنون ٢/ ١٠٧٠).
٨ - الشتويات: مجموعة رسائل إخوانية كتبها في الشتاء. منها نسخة في ليدن برقم ٣٥١. Leiden Or، ومكتبة جامعة استانبول برقم ١١٤٤ (مصورة بمعهد المخطوطات العربية برقم ٤٩٨ أدب).
٩ - الدعوة المستجابة: المقفى الكبير (١/ ٧٣٣، كشف الظنون ١/ ٧٥٦.
١٠ - نَفْحَة الروض: في الأدب المقفى الكبير/ ١/ ٧٣٣، كشف الظنون ٢. ١٩٦٨
١١ - سفرة السفرة: (الوافي ٨/ ٢٥٥، الفوات ١/ ١٦٠، المنهل ٢/ ٢٦٥، النجوم ١٠/ ٢٣٥، كشف الظنون ٢/ ٩٩٢، المقفى الكبير ١/ ٧٣٣).
١٢ - فواضل السمر في فضائل آل عمر: وهو دراسة عن أُسرته ورجالاتها وفضائلها في أربع مجلدات، وهو مفقود. (الوافي ٨/ ٢٥٥، الفوات ١/ ٢٦٠، الدرر الكامنة ١/ ٣٥٤، المنهل ٢/ ٢٦٥، النجوم ١٠/ ٢٣٥، كشف الظنون ٢/ ١٢٩٣).
١٣ - الدرر الفرائد: وهو مختصر قلائد العقيان في محاسن الأعيان لابن خاقان وموضوعه تراجم لطائفة من ملوك ووزراء وقضاة وعلماء وأدباء وشعراء المغرب. منه نسخة في الخزانة التيمورية كتبت سنة ٧٢٠ هـ. (مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق ٣ (١٩٢٣) ٣٤٣.
١٤ - الدائرة بين مكة والبلاد: (الأعلام للزركلي ١/ ٢٦٨).
١٥ - تذكرة الخاطر: كشف الظنون ١/ ٣٨٥).
١٦ - حسن الوفا لمشاهير الخلفا: وهي قصيدة رائية، كشف الظنون ١/ ٦٦٨).
_________
(١) انظر: بحث الشيخ حمد الجاسر بعنوان كتاب ذهبية العصر لابن فضل الله العمري مجلة جامعة الملك سعود، م ١١، الآداب ٢ لسنة ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٩ م ص ١٩٣ - ٢٢١، ومنه اقتطفنا بعض الفوائد.
стр. 16
١٧ - الجواهر الملتقطة: وهو مجموعة من المكاتبات من إنشاء العمري. (صبح الأعشى؟).
شعره:
نظم أشعارًا كثيرة، منها ما ذكرها في تضاعيف كتبه، وفي هذا الكتاب خاصة، ومنها في كتابه «صبابة المشتاق» وما ذكرته كتب التراجم التي ترجمت له. وقد نحى بها مناح عديدة، وأغراض مختلفة، تدلل على شاعرية الشاعر وأفكاره ونزعاته وقد قمت بجمع ما تناثر من شعره ليصدر في مجموع خاص، ونورد هنا بعضًا من أشعاره:
[١]
كتب إلى الصفدي وهو بصفد، ضمن كتاب: [من الخفيف]
١ - مُحْسِنًا لَمْ يَدَعْ لَنا بِأَيادِي … هـ على كَثْرَةِ الرَّجاءِ رَجَاءَ
٢ - جادَ قَبْلَ السُّؤالِ بِرًَّا فَلَمَّا … لم نَسَلَّ مِنْ نَداهُ جَادَ ابْتِدَاءَ
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٧٧.
[٢]
قال:
١ - وحق الذي أبلى فؤادي بحبكم … وصير قلبي فيكم هائمًا صَبّا
٢ - محبكم المضني على ما عهدتم … ولم يجن فعلًا في الفراق ولا ذنبا
٣ - ولكنها الأقدار تجري على الفتى … وتحمل فيها من أحبته عتبا
٤ - أأحبابنا أنتم بقلبي وناظري … لذلك لا أشكو بعادًا ولا قربا
التخريج:
الوافي بالوفيات ٨/ ٢٦٨.
[٣]
وقوله:
١ - قبح الطاعون داء … ذهبت فيه الأحبة
٢ - أرخص الأنفس بيعًا … كل إنسان بحبة
التخريج:
стр. 17
تعريف ذوي العلا ٦٤.
[٤]
ومن مدائحة النبويّة:
١ - جنحت إلي مع الأصيل المذهب … والركب ممتد الخطا في المذهب
٢ - واليوم مبيض الإزار وإنما … جنب الإزار مطرز بالغيهب
٣ - والشمس قد همت لتذهب رهبة … لكنها بقيت لنا لم تذهب
٤ - وعلى الأصائل رقة فكأنما … لبست نحول العاشق المتلهب
٥ - والجو حيث شممت ينفح عنبرا … ويذر منه فوق فرق المغرب
٦ - ومبشر النوار جاء مخلقا … لا شك قد خطرت نوافح يثرب
٧ - وافى يبشر بالحمى وبأهله … يهنيكم هذي المدينة والنبي
٨ - هذي المدينة أشرقت أعلامها … يهنيكم فزتم بأشرف مطلب
٩ - هذي القباب كأنهن عرائس … مجلوة سفرت ولم تتنقب
١٠ - هذي الحدائق والنخيل وماؤها … ثم واستظل من الهواجر واشرب
١١ - هذا رسول الله جدوا نحوه … تجدوا النوال الجم والخلق الأبي
١٢ - هذا رسول الله هذا أحمد … هذا النقي الجيب هذا مطلبي
١٣ - هذا صباح المهتدي هذا ربيـ … ـع المجتبى هذا شفيع المذنب
١٤ - هذا النبي الهاشمي المجتبى … من نسل إبراهيم أكرم من أب
١٥ - هذا المصفى من سلالة آدم … الطيب ابن الطيب ابن الطيب
١٦ - شرفت به آباؤه وأتت به … أبناؤه والكل مثل الكوكب
١٧ - واختاره الله المهيمن ربه … وحباه بالقربى وعز المنصب
١٨ - آتاه في المعراج فضلا لم يكن … لسواه من دون البرية قد حبي
١٩ - يا حبذا فيه مهاجمة الدجى … ولو أنه أسد يصول بمخلب
٢٠ - ودوام إيراد الركاب صواديا … والفجر مثل الماء تحت الطحلب
٢١ - لتنيخ في باب النبي محمد … وتراح من طول المسير المتعب
٢٢ - يا معشر العشاق هذا أنتم … وحبيبكم والليل داجي الغيهب
٢٣ - قوموا انظروا وتمتعوا بجماله … وتأملوا فجماله لم يحجب
٢٤ - وتزودوا قبل الرحيل فإنه … لم يبق غير هنيهة لم تذهب
٢٥ - قرب الفراق فليته لم يقترب … منا وليت مطيه لم تقرب
٢٦ - أيام عمري ما أقمت بطيبة … أما سواه فإنني لم أحسب
стр. 18
٢٧ - ليت الزمان يدوم لي بوصالها … أو لم يَجُدْ فَبِطَيفها المتأوّبِ
التخريج:
الوافي بالوفيات ٨/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
[٥]
وكتب إلى الصفدي من دمشق وكان يومئذ بالقاهرة سنة (٧٤١):
١ - رحلتم فلا والله ما بَعْدَكم قلبي … بقلبي ولا والله عقلي ولا لُبّي
٢ - هجرتم زمانًا ثم شط مزاركم … فاهًا على بعدي وآها على قربي
٣ - وبدلتم غيري ووالله ما رأت … سوى حسنكم عيني ولا غيركم قلبي
٤ - لئن كان ذنبي أن قلبي يحبكم … فيا رب زدني منه ذنبًا على ذنبي
٥ - ولا تحسبوا أني تغيرت مثلكم … فما قلبكم قلبي ولا حبكم حبي
٦ - رحلتم وما كنتم سوي روح مغرم … قضى بكم وجدًا وما غاب في الترب
٧ - نأيتم فلا والله ما هبت الصبا … فنمت مع النوام جنبًا على جَنْبي
٨ - لئن عُدْتُم عاد السرور جميعه … وإلا فمالي بالرسائل والكتب
٩ - دَعُوا عنكم التعليل باليوم أو غد … فلست بمن يبقى إلى البعد والقرب
١٠ - ولا تعجبوا إن من حين فراقكم … إذا بان حبي كيف لا ينقضي نحبي
١١ - أأحبابنا كيف استقلت ركابكم … وما علقتها العين في شرك الهدب
١٢ - وطرتم سراعًا كالطيور مشقة … فهلا وقعتم في القلوب على الحبّ
١٣ - ووالله ما حدثت نفسي بمجلس … سوى ما أفاض الدمع فيه من الجب
١٤ - ولا كان شرق الدمع من طبع مقلتي … إلى أن تغربتم ففاض من الغرب
١٥ - ونغصتم طيب الحياة ببعدكم … وهيهات أن ترجى حَيَاةُ فتى صَبٌ
١٦ - أأبغي سواكم في الهوى أو أريده … وهجركم سقمي ووصلكم طبي
١٧ - دعوني وأطلال الديار أنح بها … وأندبها إن كان ينفعها ندبي
فكتب إليه الصفدي:
دعوتم على بعد فلباكم لبي … وناجاكم قلبي على البعد والقرب
ومالي وذكر الدار يا ساكني الحشا … وداركم عيني وداركم قلبي
وأقسم أن الجفن فيكم جفا الكرى … وأحرق قلب الصب من دَمْعِه الصَّبٌ
إذا قلتُ هُبّي يا نسيمة دارهم … يقول الجوى يا نار أشواقه شبي
أيا جيرة بالقلب لا الشام خيموا … محاسنكم تصبي القلوب فلم تسبي
стр. 19
لأنتم وإن أضرمتم النار في الحشا … ألذ إلى قلبي من البارد العذب
رفعتكم جرًا إلى نصب ناظري … فيا حبذا رفع يجر إلى نصب
أحاشيكم أن يألف القلب غيركم … فقلبي لا يرضى بهذا ولا ربي
وحقكم ما راقني غير حسنكم … وإحسانكم حسبي بما راقني حسبي
رحلت ولي قلب مقيم على الوفا … لعهدكم حتى أود في الترب
أحاول عودي نحوكم ويصدني … خيانة دهر راح حربي لا حزبي
أليس من الأنكاد أن لا مخبر … يبلغكم عني سلامي ولا كتبي
ولولا المنى أن يجمع الله شملنا … قريبًا لما فارقت نوحي ولا نَدْبي
سأجهد في عودي لمطلع حبكم … ولو أن لي في مصر مملكة الغرب
بعثتم على بخل الزمان لأنكم … كرام بنظم فاق منسجم السحب
غدا خارجًا في النظم عن قدرة الورى … ولكنّه في حسنه داخل الضرب
فقلت لدهري زد علي قساوة … فقد ظفرت كفاي باللؤلؤ الرطب
التخريج:
أعيان العصر ١/ ٤٢٥ - ٤٢٧
[٦]
وقال في «الدير الأبيض»: [من المتقارب]
١ - ولم أَنْسَ بالدير يومًا لنا … وعيش السرور بهِ يُنْتَهَبْ
٢ - ففضض أبكاره باللُّجَيْنِ … وموه أصاله بالذهب
٣ - وكأس المُدام علينا تطوف … بحمراء صافيةٍ كاللَّهَبْ
٤ - يطوف بها من بَنَاتِ القُسُو … س باخلةُ الكَفَّ ليستْ تَهَبْ
٥ - مُبَتَّلةٌ بين رهبانها … لألحاظها في حَشَانا رَهَبْ
٦ - مسيحية طلعت في المسوح … كصبح أَصَلَّ وليل ذَهَبْ
٧ - وقد غاب عَنَّا عِيانُ الرقيب … وجاد الزمان بما قد وَهَبْ
٨ - فرَشْفُ اللَّمى خُلَس بيننا … وعض الخُدُود لدينا نَهُبْ
التخريج:
مسالك الأبصار ١/ ٤٦٤.
стр. 20
[٧]
قال الصفدي:
وأَنْشَدَني هو أيضًا لِنَفْسِهِ: [من الكامل]
١ - إِنَّا نُقيم على حماةٍ حُجَّةً … في حُسْنِهَا وَلَهَا جَمَالٌ يَبْهَتُ
٢ - ومن النواعير الفصاح خُصومنا … ولها لسان ناطق لا يَسْكُتُ
فَأَنْشَدْتُهُ أَنا أَيْضًا لِنَفْسي: [من السريع]
ناعُورَةٌ أَنَّتْ وَحَنَّتْ فَقَدْ … شَوَّقَتِ الدَّانِي والقاصي
قَدْ نَبَّهَتْني لِلْهدى والتقى … لَمَّا غَدَتْ تبكي على العاصي
التخريج: ألحان السواجع ١/ ١٩٠. أعيان العصر ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥.
[٨]
وقال: [من الرمل]
١ - سل شجيًّا عن فؤادٍ نَزَحا … وخليًا فيهم كيف صحا
٢ - ومحبًّا لم يذق بعدهم … غير تبريح بهم ما بَرِحا
٣ - مزج الدمع بذكراه لهم … مثل خديْ مَنْ سقاه القدحا
٤ - زاره الطيف وهذا عَجَبٌ … شبح كيف يلاقي شبحا
التخريج: الوافي بالوفيات ٨/ ٢٦٧
[٩]
قال الصفدي:
وكتبت إليه قرينَ أَغْنام للضحايا: [من الطويل]
أَيا سَيِّدًا أَرْجُو دَوامَ ظِلالِهِ … عَلَيْنَا وأَن يُمْسِي بِخَيْرٍ كَمَا يُضْحِي
وَحَقَّكَ ما هَذي ضحايا بَعَثْتُها … ولَكِنَّنِي سُقْتُ الأَعادِي إِلَى الذَّبْحِ
فكتب إليَّ الجواب عن ذلك: [من الطويل]
١ - أَتَتْني ضحاياك التي قد بَعَثْتَها … لِتُصْبِحَ كَالأَعْداءِ فِي بُكْرَةِ الأَضْحَى
٢ - وحَقِّكَ أَعْدانا كلابٌ جَميعُهُمْ … وحاشاك لا تجزي الكِلابُ لِمَنْ ضَحَى
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٨٩ - ١٩٠، الوافي بالوفيات ٨/ ٢٥٦، تعريف ذوي العلا ٦٥، أعيان العصر ١/ ٤٢٣.
стр. 21
[١٠]
قال ضمن كتاب أجاب به الصفدي: [من السريع]
١ - كأنما اليَوْمُ وَقَدْ تَوَّهَتْ … مَشْرِقَهُ الشَّمْسُ وَلا جَاحِدُ
٢ - ثَوْبٌ من الشَّرْبِ وَلَكِنَّهُ … طُرِّزَ مِنْهُ كُمُّهُ الواحد
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٥٨، مسالك الأبصار - خ - ١٢/ الورقة ٥٠٧.
[١١]
وَكَتَبَ إلى الصفدي وقد تَوَاتَرَتِ الأَمْطار في شهر شباط، من سنة ٧٤٦: [من البسيط]
١ - هِيَ السَّحائِبُ أَمَّا وَجْهُها فَندِ … طلق وأمَّا نَداهَا فَهْوَ مِلْءُ يَدي
٢ - خُضْرٌ تَسُنُّ سُيوفَ البَرْقِ آوِنَةً … إِنَّ السَّحابَ لَجلاء لِكُلِّ صَدي
٣ - ما كانَ أَمْشِيرُ مِمَّنْ لا يُشيرُ بِما … أَوْمَتْ إليهِ بِكَفِّ خُضْبَتْ وَيَدِ (١)
٤ - جَاءَتْ بِجَمْرَةِ كَانُون وقد طُفِئَتْ … نِيْرَانُ كَانُونَ لا بالماء والبَرَدِ
٥ - عادَتْ عَلَيْنا وقد وَلَّى الشَّتَاءُ بِما … فِيهِ وَفاءَ عَلَيْنَا الصَّيْفُ بالمَدَدِ
٦ - وجاءَ شَهْرُ شُباط فَوقَ عاتِقِهِ … بزاخِرِ البَحْرِ تَحْتَ العَارِضِ البَرِدِ
٧ - طالَتْ عَلَيْنا لَهُ أَيَّامُ مُدَّتِهِ … كَأَنَّ أَيَّامَهُ أَضْحَتْ بِلا عَدَدِ
٨ - لَقَدْ جَرى وَهُوَ مُمْتَدُّ العِنانِ بِلا … نِهايَةٍ في مَدَى سَبْقٍ ولا أَمَدِ
٩ - ودامَ يَهْمي سجالَ المُزْنِ سَاكِبَةً … والبَرْقُ يَحْمَدُ مِنْهُ كُلُّ مُتَّقِدِ
١٠ - وقد خفى البَرْقُ فِي أَثْنَائِهَا وَجَرَتْ … سواكِبُ المُزْنِ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ البَدَدِ
١١ - فَأَرْمَدَتْ كُلَّ عَيْنِ مَدُّ سَائِلِها … لكِنْ عُيونُ الحَيَا مِنْهُ بِلا رَمَدِ
١٢ - وصَيِّبُ الرَّعْدِ لا يَنْفَكُ يَزْجُرُها … أما تَرى الرَّعْدَ مِنْهَا مِثْلُ مُرْتَعِدِ
١٣ - يرمي رواشِقَ نَبْلٍ صَوْبُ سَاكِبِهِ … فَتَتَّقِيهِ دُرُوعُ الرَّوْضِ بِالزَّرَدِ
١٤ - وفاخِتِيُّ سَحَابٍ فَضْلُ مُطْرَفِهِ … يَجُرُّ فَوْقَ الثَّرَى ذَيْلًا بِكُلِّ يَدِ
١٥ - وَرُبَّ صَهْبَاءَ فَوْقَ الزَّهْرِ سَائِرَةٌ … حَمْراءَ تَعْبَقُ بَيْنَ الماءِ والزَّبَدِ
١٦ - وَرُبَّ وَفاءَ كَحْلاءِ المَدامِعِ ما … ذَرَّ الكَرِى بَيْنَ جَفْنَيْها من السُّهُدِ
_________
(١) أمشير: السادس من شهور القبط، ويبدأ في السادس والعشرين من كانون الثاني. (الأزمنة والأنواء ١٤٥).
стр. 22
١٧ - وَرُبَّ رَبِّقِ مُزْنٍ طَعْمُ رِيْقَتِهِ … أشهى من الرَّاحِ أَوْ أَحْلَى من الشُّهُدِ
١٨ - لَكِنَّهُ رُبَّما طالَ الثَّواءُ بِهِ … وعافَهُ النَّاسُ لِلتَّطْوِيلِ فِي المُدَدِ
١٩ - فَرُبَّما جاوَزَ المِقْدارَ مَنْفَعَةً … وجاءَ بِالعَيْثِ صَوْبُ الغَيْثِ وَالنَّكَدِ
٢٠ - وكم تَضَرَّرَ بادٍ من تَناقُلِهِ … وكم تَضَيَّرَ مِنْهُ سَاكِنُ البَلَدِ
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٦٨ - ١٦٩.
[١٢]
قال الصفدي:
كتب هو إليَّ مُلْغِزًا في «زُبَيْدَة»: [من الخفيف]
١ - أَيُّها الفاضل الذي حازَ فَضْلًا … ما عَلَيْهِ لِمِثلِهِ مِنْ مَزِيدِ
٢ - قد تداني عبد الرحيم إليه … وتَناءَ لَدَيْهِ عبد الحميد
٣ - أَيُّ شَيْءٍ سُمِّي بِهِ ذاتُ خِدْرٍ … تائه بالإماء أو بالعبيد
٤ - هُوَ وَصْفُ لِذاتِ سِتْرِ مَصون … وَهْيَ لم تَخْفَ في جَميعِ الوُجودِ
٥ - مُذْ مَضى حِيْنُها بِها لَيْسَ تَأْتِي … وَهْيَ تأتي مع الربيع الجديد
٦ - وَهْيَ مِمَّا يُبَشِّرُ النَّاسَ طُرًَّا … مِنْهُ مَأْتي وَكَثْرَةً في العديدِ
٧ - وحليم أَرادَهُ لا لِذات … بَلْ لِشَيْءٍ سِواهُ في المَقْصودِ
٨ - ذاك شَيْءٌ مَنِ ارْتَجاهُ سَفيه … وَهُوَ شَيْءٌ مُخَصَّصُ بالرَّشِيدِ
فكتبتُ أنا الجواب إليهِ: [من الخفيف]
يا فريدًا أَلْفاظُهُ كالفريد … ومجيدًا قد فاق عبد الحميد
وإمام الأنام في كُلِّ عِلْمٍ … وشريكًا في الفَضْل للتوحيدي
عَرَفَ العالِمُونَ فَضْلَكَ بِالـ … ـعلم وقال الجُهَّالُ بِالتَّقْلِيدِ
مَنْ تَمَنَّى بِأَنْ يَرَى لَكَ شِبْها … رام نقضًا بِالجَهْلِ حُكْمَ الوُجودِ
طال قدري على السماكَيْنِ لمَّا … جاءني مِنْهُ عِقْدُ دُرِّ نَضِيدِ
شابَهُ الدُّرَّ في النظام ولما … شابه السِّحْرَ شَابَ رَأْسُ الوليد
هُوَ لُغْزُ في ذاتِ خِدْرٍ مَنِيع … نَزَلَتْ في العُلى بِقَصْرٍ مَشيدِ
هي أم الأمين ذات المعالي … من بني هاشم ذوي التأبيدِ
أَنْتَ كُنْتَ الهادِي لِمَعْناهُ حَقًَّا … حِيْنَ لَوَّحْتَ لِي بِذِكْرِ الرَّشيد
стр. 23
دُمْتَ تُهْدِي إِليَّ كُلَّ عَجِيبٍ … ما عَلَيْهِ فِي حُسْنِهِ مِنْ مَزيد
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٥٠ - ١٥١، الوافي بالوفيات ٨/ ٢٥٦ - ٢٥٧، أعيان العصر ١/ ٤٢١ - ٤٢٢.
[١٣]
وقال:
١ - شربت مع غادة عجوز طلا … فاستصحبت بعد مَنْعِها العادة
٢ - لينها السكر لي فحينئذ … سلَّمْتُ أَنَّ العجوز قواده
التخريج:
الوافي بالوفيات ٨/ ٢٦٧.
[١٤]
وله أيضًا في معذر:
١ - بعارضيه بدا عذار … به جميع القلوب تعذر
٢ - يا قلب كيف الطريق حتى … اسلو هواه وقد تعذر
التخريج:
المنهل الصافي ٨/ ٢٦٦.
وله في «الدير الأبيض»: [من الطويل]
١ - وبالدير يوم أبيض لي كاسمه … وقد طلعت من جانب الدير أقمار
٢ - وقد جُلِيَتْ في الكأس صهباء مُزَّةٌ … تَكَشَّفَ منها في الدُّجُنَّةِ أستار
٣ - وبالدير ديرانيَّةٌ بَرَزَتْ لنا … فتم لنا فيها حديث وأسمار
٤ - جَلَتْها كأنَّ الطُّور جانب كأسها … وإلا ربي دارين من دونها دار
التخريج:
مسالك الأبصار ١/ ٤٦٤.
[١٦]
وله:
١ - من شَقْتي في هواه حظي … من حسنه الخد والعذار
стр. 24
٢ - قد قَرَّبا لي مدى حياتي … كذلك الليل والنهار
التخريج:
تعريف ذوي العلا ٦٤.
[١٧]
وله يصف «دير بلودان»: [من الخفيف]
١ - حبَّذا الديرُ من بَلُودَانَ دارا … أي دير به وأي نَصَارى
٢ - فيهم كلُّ أَحْوَرِ الطرف أحوى … فائق الحسن في حياء العذارى
٣ - وغلام رأيته كلال … ما بدا للعيون حتى توارى
٤ - بقوام إذا تمايل نشوا … نًا فألحاظ مقلتيه شكاري
٥ - ناحل الخضر حلّ عقد اصطباري … عندما شَدَّ خَصْره الزُّنارا
٦ - قبل رؤياه ما رأيتُ غَزَالًا … بات يسقي من مَرْشِفِيه العُقارا
التخريج:
مسالك الأبصار ١/ ٤٤٥.
[١٨]
قال الصفدي:
وكتبتُ أنا إليهِ مُلْغِزًا في «نجم»: [من السريع]
يا سَيِّدًا أَقْلامُهُ لم تزَلْ … تُهْدِي لآلي النظم والنَّرِ
قُلْ لي ما اسْمٌ لَمْ يَزَلْ قَلْبُهُ … مُعَذَّبًا بِالْبِيْضِ وَالسُّمْرِ (١)
وَكُلُّهُ في الأَرْضِ أَوْ في السما … وَثُلْتُهُ يَسْبَحُ فِي البَحْرِ (٢)
فكتب هو الجواب إليَّ: [من السريع]
١ - دُمْتَ خَليلي سائِرَ الذِّكْرِ … مِثْلَ الذي أَلْغَزْتَ في القَدْرِ
٢ - بَعَثْتَها نَجْمِيَّةً قَدْ حَلَتْ … لكنها من سُكَّرِ الشَّكْرِ
٣ - تَطْلُعُ بِالنَّجْم فأَما الذي … في مَطْمَح الزُّهْرِ أَوْ الزَّهْرِ
٤ - عَجِبْتُ مِنْهُ كَيْفَ شَقَّ الدُّجى … وما أتى إلا مع الفَجْرِ
٥ - من صنْعَةِ البَرِّ ولكنَّه … قد جاءني في راحةِ البَحْرِ
_________
(١) قلب نجم: مجن.
(٢) في الأرض: نَبْتُ على غير ساق. وفي السماء: الكوكب. وثلثه: النون = السمك.
стр. 25
٦ - أَقْسَمْتُ منه قَسَمًا بالغًا … بِالفَجْرِ واللَّيْلِ إِذا يَسْرِي
٧ - لقد أَغَرْتَ الغِيْدَ إِذْ لم تَجِدْ … شَبيهَهُ في الجِيَّدِ والنَّغَرِ
٨ - بِعِقْدِ دُرِّ ما لَهُ قِيمَةٌ … يا حُسْنَهُ لِلْكَوْكَبِ الدِّرِّي
٩ - مُسَهَّدٌ تُذْكَى لَهُ مُقْلَةٌ … مَقْلُوبَةٌ كالنَّظَرِ الشَّزْرِ
١٠ - وهو إذا حَقَّقْتَ تَعْرِيفَهُ … عَرَفْتَ منهُ مَنْزِلَ البَدْرِ
١١ - بِوَاحِدٍ عَدُّوا لَهُ سَبْعَةٌ … تقيسُ ذَيْلَ اللَّيْلِ بِالشَّبْرِ
١٢ - فاعْذِرْ أُخَيَّ اليَوْمَ إِنْ قَصَّرَتْ … بديهتي واقْبَلْ لَها عُذري
١٣ - فَلَيْسَ بِالألغاز لي عادة … ولا غزا في جَيْشِها فكري
التخريج: ألحان السواجع ١/ ١٥١ - ١٥٢، الوافي بالوفيات ٨/ ٢٥٥ - ٢٥٦، أعيان العصر ١/ ٤٢٢ - ٤٢٣.
[١٩]
وله في «دير طرا»: [من مجزوء الرجز]
١ - يومَ طُرا وديرها … وما أتى من خَيْرِها
٢ - وأبيض من يومها … وأحمر من مَيْرِها
٣ - مُدامةٌ تسري بنا … مُجِدَّةً في سَيْرِها؟
٤ - لم أَنْسَ هِيف نخلها … ويومنا في حَيْرِها
٥ - وأكلنا من حُوتِها … ووحشها وطيرها
٦ - هذا إلى فاتة … مَلِيحةٍ في دَيْرِها
٧ - فلا تَقُلْ لِي: غيرُها … ما أَرَبِي في غَيْرِها
التخريج: مسالك الأبصار ١/ ٤٥٧.
[٢٠]
ومن شعره: [من الرمل]
١ - شادن جَدَّد وجدي بعد ما … صرتُ شيخًا ليس ترضاني العجوز
٢ - قلت: جاوز لي متاعي قال: قل … غير هذا، ذاك شيء لا يجوز
التخريج:
الوافي بالوفيات ٨/ ٢٦٦.
стр. 26
[٢١]
وقال: [من الطويل]
١ - أأحبابنا والعذر منا إليكم … إذا ما شغلنا بالنوى أن نودعا
٢ - أبتكم شوقًا أباري ببعضه … حمام العابا رنَّةً وتوجعا
أبيت سمير البرق، قلبي مثله … أقضي به الليل التمام مروعا
٤ - وما هو شوق مدةً ثم تنقضي … ولا أنه يبكي محبًا مفجعا
هـ ولكنه شوق على القرب والنوى … أغص المآقي مدمعًا ثم مدمعا
٦ - ومن فارق الأحباب في العمر ساعة … كمن فارق الأحباب في العمر أجمعا
التخريج:
الوافي بالوفيات ٨/ ٢٦٧.
[٢٢]
وقال:
١ - يقول لي مَنْ شَعره أسود … كالليل بل بينهما فَرْقُ
٢ - قلت وبي مَنْ وَجْهُهُ أبيض … فقال لي: هذا هو الحق
التخريج:
الوافي بالوفيات ٨/ ٢٦٧.
[٢٣]
قال الصفدي:
وأَنشَدَنِي لِنَفْسِهِ بحماة، ونحنُ بشاطئ العاصي: [من البسيط]
١ - لَقَدْ نَزَلْنا على العاصي بِمَنْزِلَةٍ … زانَتْ مَحاسِنَ شَطَّيْهِ حَدَائِقُها
٢ - تَبْكِي نَوَاعِيْرُهُ العَبْرَى بِأَدْمُعِها … لِكَوْنِهِ بَعْدَ لُقْياهُ يُفارِقُها
فأَنْشَدْتُه أَنا أَيضًا لِنَفْسي: [من الطويل]
وناعورة في جَانِبِ النَّهْرِ قد غَدَتْ … تُعَبِّرُ عن شَوْقِ الشَّجِيِّ وَتُعْرِبُ
تُرَقِّصُ عِطْفَ الغُصْنِ تِيْهَا لأَنَّها … تُغَنِّي لَهُ طُولَ الزَّمانِ وَيَشْرَبُ
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٩٠، أعيان العصر ١/ ٤٢٤، النجوم الزاهرة ١٠/ ٢٣٥، المنهل الصافي ٢/ ٢٦٥.
стр. 27
[٢٤]
وله في وصف «دير صيدنايا»: [من السريع]
١ - في جانبِ الدَّيْرِ لنا مَنْزِلُ … ومَنْهَلٌ عَذْبٌ بِهِ نَنْهَلُ
٢ - وشادن قد جاءنا أحْوَرُ … في كفّه كأس له تُشعَلُ
٣ - وروضة تشرق أنهارها … قد شقها في وَسْطها جَدْوَلُ
٤ - ومُطْرِبٌ تُطْرِبُ ألحانه … كأنه إسحاق أو زَلْزَلُ
٥ - فدونك الراح ففي دنها … شَهْدٌ وفي الطعم بها فُلْفُلَ
٦ - وافي بها في الكأس لكنّها … عَذْراءُ مِنْ خُطابها تَخْجَلُ
التخريج:
مسالك الأبصار ١/ ٤٤٤.
وكتب إلى الصفدي: [من الكامل]
١ - وافى الكَمِيُّ بِها يَهُزُّ مَناصلًا … ويذُمُّ صِبْغًا لِلشَّبيبَةِ ناصلا
٢ - سَبَقَ الظَّلامَ بِها بِزِينَةِ لَيْلِهِ … ولو أَنَّهُ في الفَجْرِ حَتَّى العاطلا
٣ - حَمْراءُ قَانِيَةٌ يَذُوبُ شُعاعُها … وترى حصا الياقوت منها سائلا
٤ - حَمْراءُ قَانِيَةً يَحُبُّ كُؤوسُها … وَقْعَ الصَّوارِم والوَشِيْجَ الذَّابِلا
٥ - ذَهَبِيَّةٌ ما عِرْقُ عَانَةَ كَرْمَها … لكنَّهُ كَفُ الكريم شمائلا
٦ - كَفَّ لِمُنْبَجِسِ النَّوالِ كَأَنَّما … دفَعُ السُّيولِ تُمِدُّ مِنْهُ نائِلا
٧ - كَرَم خَليلي يُمِدُّ سِمَاطَهُ … ويَشِبُّ نارًا للقرى وفواضلا
٨ - ولهيب فِكْرِ لو يَطِيرُ شَرارَةٌ … منهُ لَما بَلَّ السَّحابُ الوابلا
٩ - يُذْكِي بِهِ في كلِّ صُبْحَةِ قَرِّهِ … فَهْمًا لِنيران القرائح آكلا
١٠ - عَجَبًا لَهُ من سابقٍ مُتَأَخِّرٍ … فاق الأواخر ثم فات أوائلا
١١ - دانوْهُ في شَبَه وما قِيْسُوا بِهِ … من ذا تَراهُ لِلغمام مساجلا
١٢ - مائل بِهِ البَحْرَ الخِضَمَّ فَإِنَّهُ … لا يَرْتَضِي خَلْقًا سِوَاهُ مُمائِلا
١٣ - وافَتْ عَقيلَتُهُ ولو بَذَلَ امْرُؤٌ … فيها اسْتَقَلَّ مِنْ البُروجِ مَعاقِلا
١٤ - جاءَتْ شَبيهَ الخَوْدِ فِي حُلَلٍ لَها … حُمْرٍ كَنَوَّارِ الشَّقِيقِ مَواثِلا
١٥ - قد خُضْبَتْ بِدَمِ الحَسودِ أَما تَرَى … أَثَرَ السَّوادِ بِها عَلَيْهِ دلائلا
стр. 28
١٦ - حُلَلٌ على سَحْبانَ تَسْحَبُ بُرْدَها … وتَجُرُّ من طَرَفِ الذُّيول الفاضلا
١٧ - خِلْتُ الهِلالَ يَلوحُ طَلْعَ نِقابها … حتَّى نَضَتْ فَرَأَيْتُ بَدْرًا كاملا
١٨ - بِنْتُ القَريحَةِ ما وَنَتْ فِي خِدْرِها … حُسْنُ المَليحَةِ أَنْ تُواصِلَ عاجِلا
١٩ - جاءَتْ تَصوغ من العِناقِ أَساوِرًا … لا بَلْ تَخوض من السُّيولِ خَلاخلا
٢٠ - قَبَّلْتُها وأَعَدْتُ تَقْبيلي لها … إِنَّ المُتَيَّمَ لا يَخافُ العاذِلا
٢١ - وأَتَتْ وَجَيْسُ النَّوْءِ مَرْهُوبُ السُّطا … ملا الوُجودَ لَهُ قَنًا وقنابلا
٢٢ - والبَرْقُ مَشْبُوبُ الصِّرامِ لأَنَّهُ … صاد الغزالَةَ حَيْثُ مَدَّ حَبائِلا
٢٣ وافَتْ وَرَأْسُ الطَّوْدِ يَشْكُو لِمَّةً … قَدْ عُمِّمتْ بِالثَّلْجِ شَيْبًا شامِلا
٢٤ - وَكَأَنَّما نَشَرَتْ قُراضَةَ فِضَّةٍ … أَيْدِي البُرُوقِ وقد خُرِقْنَ أَنامِلا
٢٥ - مَلأَتْ بِهِ كُلَّ الفَضَاءِ فَلا تَرَى … إلا لُجينًا جامدًا أو سائلا
٢٦ - والأفقُ كَالكَأْسِ المُقَصَّصِ مِلْؤُهُ … صَهْبَاءُ قد عَقَدَتْ حَبابًا جائِلا
٢٧ - أَثْناءَ يَوْمِ قد تَقَهْقَرَ ضَوؤُهُ … وبدا بالًا في الأصائل ناصلا
٢٨ - والجو مُنْخَرِقُ القَمِيصِ كَأَنَّهُ … حَنِقٌ يَقُدُّ مِنَ السَّحابِ غَلَائِلا
-٢٩ - والسَّيْلُ مُنْحَدِرٌ يَسُلُّ مُهَنَّدًا … إفْرِنْدُهُ ذَهَبٌ يَمُدُّ سَلاسِلا
٣٠ - اللهِ أَنْتَ أَبا الصَّفاءِ فَإِنَّني … ألقى خليلًا مِنْكَ لي ومُخالِلا
٣١ - أَنْتَ الَّذِي حَلَّقْتَ صَقْرًا أَجْدلًا … وَضَمَمْتَ فِي بُرْدَيْكَ لَيْثًا بامِلا
٣٢ - يا مَنْ يُنَفِّقُ سُوقَ كُلِّ فَضيلَةٍ … أَسْئِرْ فَما أَبْقَيْتَ بَعْدَكَ فاضلا
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٦٠ - ١٦٢، الوافي بالوفيات/ ٨/ ٢٦٠ - ٢٦٥. مسالك الأبصار ١٢/ ٥٠٩.
[٢٦]
وقال:
١ - لا تسل بعد بينهم ما جرى لي … من دموع كأنهن اللالي
٢ - خففت وطأة الغرام ولكن … عرفت في الجفون طيف الخيال
التخريج:
الوافي بالوفيات ٨/ ٢٦٧.
стр. 29
[٢٧]
وكتب إلى الصفدي عند قدومه من القاهرة، أوائل سنة ٧٤٦ هـ في صدر كتاب: [من الطويل]
١ - رعى اللهُ قَلْبًا لا يَزالُ يَشُوقُهُ … حبيب على طول المدى وخليل
٢ - وَدَهْرًا أَعادَ اللهُ فِيهِ زَمانَنا … وقُصِّرَ ذَيْلٌ لِلفراق طويل
٣ - فَمَا مِثْلُ مَنْ قَدْ كُنْتُ فَارَقْتُ شَخْصَهُ … وعاد وقلبي بالبعاد عليل
٤ - لقد جَلَّ يَوْمَ البَيْنِ قَدْرُ فِراقِهِ … وهل كخليل في الفِراقِ خَليلُ
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٧٤.
[٢٨]
وكتب إلى الصفدي وهو بصفد: [من الطويل]
١ - سَمَتْ نَحْوَها الأَبْصَارُ حَتَّى كَأَنَّهَا … بنارَيْهِ مِنْ هَنَّا وثَمَّ صَوالي
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٧٦.
وكتب إلى الصفدي في نهاية كتاب: [من الطويل]
١ - وطوبى لِمَنْ أَمْسى على دارَةِ الحِمى … لَهُ مَنْزِلٌ أَوْ دُونَهُ بِقَليل
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٧١.
قال الصفدي:
وكتبتُ أنا إليه، أتقاضاهُ ما وَعَدني بِهِ، من قَلْعِ شَجَرَةِ لَيْمُونٍ مُخَتَّمٍ وتَجْهيزها إليَّ؛ والْتَزَمْتُ الياءَ قبلَ النُّونِ: [من مخلع البسيط]
يا سَيِّدًا فيه لي ولاء … عِنْدَ جَميع الوَرى تَتَبَّين
اللهِ لَيمونَةٌ أَراها … لي مُونَةً غُصْنُها تَزَيَّنْ
كأَعْيُنِ الحاسدينَ بَغْيًا … لأَجْلِ ذا قَلْعُها تَعَيَّنْ
стр. 30
فكتب هو إِليَّ الجواب، والتزمَ نُونًا قبل النُّونِ: [من مخلع البسيط]
١ - يا فاضلًا ما لَهُ عَديلُ … لأَنَّهُ في الوَرى تَفَنَّنْ
٢ - وَكُلُّ شَيْءٍ عاناه فينا … على طريق الهُدى تَقَنَّنْ
٣ - أَمْرُكَ حُكْمٌ في كُلِّ عَقْلٍ … ما عاق إلا من قد تَجَنَّنْ
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٩١، أعيان العصر ١/ ٤٢٣.
[٣١]
قال الصفدي:
وأنشدته أيضًا لِنَفْسي، وقد طال علينا المَرْكَزُ من شَمْسِين (١) إلى حِمْصَ (٢): [من السريع]
مَحْبوبُ قَلْبِي مِثْلُ بَدْرِ السَّما … أُدْنِيهِ عُمْرِي وَهُوَ لي يُقْصي
بَيني وَبَيْنَ الصَّبْرِ في حُبِّهِ … ما بَيْنَ شَمسينَ إِلى حِمْصِ
فأَنْشَدَني هو أيضًا لِنَفْسِهِ: [من الرجز]
١ - لقد تَمادَيْتَ مَدى يا رَسْتَنُ … كَأَنَّما قُرْبُكَ ما لا يُمْكِنُ (٣)
٢ - لمَّا جَعَلْناكَ ضَمير قَصْدِنا … غَدَوْتَ مِمَّا لا تَراكَ الأَعْيُنُ
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٩١، أعيان العصر ١/ ٤٢٥.
[٣٢]
وله:
١ أبكي على نفسي لأني فاني … أوما ترى ما انهد من بنياني
٢ - ماذا انتظاري والمشيب بمفرقي … سيف يُسلُّ كشعلة النيران
٣ - أيضيع عمري كُلَّهُ في باطل … وأريد أن تبكيه لي إخواني
٤ - ماذا يفيد المرء بعد مماته … أسف الرجال ورَنَّةُ النِّسْوانِ
٥ - ومقال كل مؤبن يبكي له … حاشاك وهو يُلَفُ في الأكفان
٦ - أو قوله يا قبر ذَرَّ بك الحيا … وسَقَتْ ثراك سواكبًا أجفاني
_________
(١) شمسين: قرية تقع إلى الجنوب من مدينة حمص، على طريق دمشق؛ لا تزال معروفة بهذا الاسم.
(٢) البيتان في أعيان العصر.
(٣) الرستن: بلدة بين حمص وحماة.
стр. 31
٧ - هيهات لاردُّ التأسف فائتًا … ذاق الفناء وكلُّ شيء فاني
التخريج:
تعريف ذوي العلا ٦٥.
[٣٣]
وقد رثى نفسه قبل أن يموت بهذين البيتين، وجدت مكتوبة في ورقة في دواته، بخط يده، وهو قوله:
١ - قُلتُ لأقلامي اكتبي وانطقي … فقالت الأقلام وأسوءتاه
٢ - وشقت الألسن من حزنها … وَوَلْوَلت واسود وجه الدواة
التخريج:
بدائع الزهور ١/ ق ١/ ٥٣٣.
[٣٤]
كتب إلى الصفدي صدر جواب على كتاب: [من الطويل]
١ - رَدَدْتَ على عَيْنِي لَذِيذ كراها … فعاودها طيفٌ أَطالَ نَواها
٢ - سرى في الدُّجى حَتَّى تَجَلَّتْ نُجُومُهُ … مواقع تطفو فَوْقَ بَحْرِ دُجاها
٣ - وَهَبَّتْ لِمَسْراهُ نَوافِجُ رَوْضَةٍ … تَجُرُّ عَلَيْهِ الرِّيحُ ذَيْلَ صَباها
٤ - أيادي لو أَخْفَيْتُ حُسْنَ صَنِيْعِها … لَنَمَّ عَلَيْها ضَوْؤُها وشَذاها
٥ - فَكَمْ مُزْنَةٍ أَخْجَلْتَ وَجْهَ سَحابها … بِجُودِكَ حَتَّى غاض ماء حياها
٦ - وَقَرَّحْتَ بِالسَّبْقِ المُبَرِّزِ قَلْبَها … فَضَمَّتْ على نار البروق حشاها
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٨٩.
[٣٥]
ومن شعر القاضي شهاب الدين:
[٣٥]
١ - إني لأهوى منه خدًا ناعمًا … أمن العذار وبعض ذا يكفيه
٢ - ويسرّ منه دوام حال واحد … ويسرني التلوين إلا فيه
التخريج:
المنهل الصافي ٨/ ٢٦٦.
стр. 32
[٣٦]
وله يصف «الدير الأبيض»: [من الرجز]
١ - يوم لنا بالدير، دير الأبيض … قد انقضى وطيبه لم ينقضي
٢ - قد جِئْتُه في العسكر المنصور … فغلق الأبواب كالمحصور
٣ - ونزل الرهبان بالدبوس … فيه إلى قرارة الدَّيْمُوس
٤ - واطَّلَعَتْ نَحْوِي هُناك رابيه … تيَّاهَةٌ على الوهاد آبيه
٥ - قد خضعت من جانبيها الوُهْدُ … كأنّها فَوْقَ الصُّدُورِ نَهْدُ
٦ - كأنّما تطلب مني المأتى … هذا وقد ولى زمانُ المَشْتى
٧ - وللربيع من أتى اعتدال … وللنَّسِيم بينه اعتلال
٨ - والشمس قد دَبَّ بها السَّقامُ … واليوم لم يَبْقَ له مُقامُ
٩ - والليل قد هيًَّا صفَ عَسْكَرِهُ … وإنما معروفه في مُنكَرِه
١٠ - والجو في ردائِهِ المُصَنْدَلِ … والأرض تُذكى باشتعال المَنْدَلِ
١١ - ومُجِمْرُ الشَّقيق فيها مُوْقَدُ … وشُعَلُ البهار فيها تُوقَدُ
١٢ - وزَهَرُ الفول ادعى بالحق … شبيه أذناب الدجاج البُلْقِ
١٣ - وزَهَرُ الكَان كالبَنَفْسَجِ … ومثله لولا ذَكِيُّ الأَرَجِ
١٤ - تَبْدُو على أعطافه الترافه … ذو هَيَفٍ في شَكْلِهِ ظَرافه
١٥ - كأنّه في مائه الممتزج … زَبَرْجَدٌ رُبِّعَ بالفيروزج
١٦ - وسائر الزرع شقاق خُضْرُ … وبعضها لها طراز نَهْرُ
١٧ - والنخل حول الدير كالعرائس … مَجْلُوَّةً في فاخر الملابس
١٨ - كأنه مشَمِّرًا فِي هِمَّة … صف وُقُوفٌ حوله في الخِدْمَة
١٩ - وثَمَّ من باقي مدود النيل … ماء شبيه الصارم الصقيل
٢٠ - وَافَتْ إليهِ خُلُجٌ مُفَرَّقَة … واجتمعت جميعها في مَلَقَة
٢١ - دائرة قراء مثلِ الأُفُقِ … تأوي بها حيتانُها في نَفَقِ
٢٢ - صافية كمثل عَيْنِ الدِّيكِ … في غاية الصقال والتفريك
٢٣ - قد وَلِعَتْ فيها الرياح بالطرر … فشوّشتها ثم سَالَتْ كالغُرَرْ
٢٤ - فسيحة الأرجاء كالميدان … تشُقُها سَوَابحُ الحِيتَانِ
٢٥ - فيها من الأسماك أشتات تُرى … تأخُذُ من أنواعهن العنبرا
٢٦ - فيها من البلطي والبني … مآكل كالرُّطَبِ الجَنِي
стр. 33
٢٧ - والبركة الفيحاء فيها قارب … وفيه صار للشباك ضارب
٢٨ - يجري به قاربه على نَفَس … وَهْوَ بِهِ في الماء نارِيُّ القَبَس
٢٩ - كأنّما أجرى به جوادا … أسرع في الركض وما تمادى
٣٠ - كأنه إذا أراد المَرْكَبَا … صل من الحيات يرقى عَقْرَبَا
٣١ - يُسَيِّرُ الحيتان وسط الماء … كأنها النجوم في السماء
٣٢ - يأتي إليها بأضاليل الخُدَعْ … لأَجْلِ ما يأخُذُ منها ويَدَعْ
٣٣ - ولم يزل بخفة في الحركة … حتى أَنَّهُ يُلْقِي عليه الشبكة
٣٤ - وكُلَّ ما يُريدُهُ يَصِيدُ … يا زَرْعَها آنَ لَكَ الحَصِيدُ
٣٥ - وعَنَّ لي سِرْبُ مَهَا جَاذِرُ … أجفانها تضم ما نُحاذِرُ
٣٦ - أقمار تُرْكِ فَوقَ شُهْبِ الخَيْلِ … وبَيْنَها أَدْهَمُ صَافِي النَّيْلِ
٣٧ - فجئتُ حتى صرتُ فوقَ الهَضْبَه … وعاينت عيناي تلك الجَلْبَة
٣٨ - ويا لها من حَلْبَةٍ لا تُلْحَقُ … تكبو وراءَها الرياحُ السُّبَّقُ!
٣٩ - كأنَّها أُفق حوى أقمارا … قد طَلَعُوا في أُفْقِها نهارا
٤٠ - من نَسْلِ خاقان وجنسِ التُّركِ … قد عودوا ألحاظهم بالفَتْكِ
٤١ - كم فيهم من ساحر الأجفان … قَيْسِي خدّ طرفُهُ يَمَانِي!
٤٢ - لله إن جرد أسياف الحَدَقْ … وبدد الدماء في الخدّ الْيَقَقْ!
٤٣ - فيها ملاح للعناق خُلِقُوا … ما برزوا للعين حتى عُشِقُوا
٤٤ - ومُيَّدُ الأغصانِ ثُمَّ تَسْتَبِقُ … طورًا تُخَلَّى ثُمَّ طَوْرًا تَعتَنِقْ
٤٥ - أغصان بانِ أَمْ هُمُ غزلان … أوِ الشُّمُوسُ بَلْ هُمُ الولدان
٤٦ - قد ركبوا صوافِنَ السَّوَابِقِ … وافترقوا لكن فؤاد العاشق
٤٧ - منهم فتى يهتزُّ كالرُّدَيْنِي … مَنْ لِيَ مِنْهُ لو قَضَيْتُ دَيْني؟
٤٨ - قد أسرج الغمام بالهلال … مُطَهَّمًا في صبغة الليالي
٤٩ - يَفْرُقُ شَطْرَي وجهِهِ بغُرَّه … كَابَةٌ في وسطها مَسَرَّه
٥٠ - أدهم منه في السباق قد بَدَرْ … ليل ولكن فوقَ عِطْفَيْهِ قَمَرْ
٥١ - مُبَلْبَلْ الصُّدْغِ رخيمُ الدَّل … أُرِيدُ منه للهوى مُعَلِّي
٥٢ - له من العُجْبِ جُفُونٌ مُطْبَقَهُ … وآفتي من العُيون الضَّيِّقَة
٥٣ - لم أر مثل ثغره إِذْ ضَحِكَا … لقد حكاه البرق لكن ما حكى
٥٤ - بدرٌ ولا تفصح لي أسماؤه … ذو تَرَفٍ يكاد يجري ماؤه
٥٥ - مالي وما للراح أو للأكوس … إذ حل لي بند القباء الأطلس
стр. 34
٥٦ - وبان من ثيابه المُجَرَّدُ … كأنه من فِضَةٍ تُتَقَدُ
٥٧ - فيا أُخَيَّ إِنْ قَضَيْتُ نَحْيَا … دَعْنِي أموتُ في هواهُ حُبًّا!
٥٨ - أهون بدمعِ مُقْلَتَيَّ الصَّبِّ … فقد تعشقتُ صَبِيًّا يُصْبِي!
٥٩ - ما الموتُ في هَوَاهُ إِلَّا مَحْيَا … لوْمُتُ عِشْقا فيه كنتُ أحْيَا!
٦٠ - لَمَّا أتاني من بعيد ووقف … قُمتُ لِلثم أقدام وكف
٦١ - وكان قد حان غُرُوبُ الشمس … وطلع البدر كمثلِ التَّرْسِ
٦٢ - وظَلْتُ أُلهيه بأشغال السَّمَر … لعل للذي فعلتُه ثَمَر
٦٣ - وقلت هذا مَنْزِلٌ نَزِيهُ … ليس له فيما هُنا شَبِيهُ
٦٤ - يا مرحبًا شرفتَ هذا المَوْضِعا … وجئتنا والبدر في وقت معا!
٦٥ - فلونزلته هناك أو هنا … عم بقربك السرور والهنا
٦٦ - فانزل بنا واقعد قريرًا ساعة … ولا تخف من فاضح الشَّنَاعَة
٦٧ - فَلانَ لِي جانبه ثُمَّ ابتسم … وفاح لي طِيبُ رِضَاهُ وَنَسَمْ
٦٨ - وقال لي أَقِمْ حَوَالَيْنَا الحَرَسُ … وانحط لي كالسهم عن ظهر الفَرَس
٦٩ - فقلتُ: ما تقول في ذا إِنْ مَسَكْ … هذا لنا وجاب من هذا السَّمَكَ؟
٧٠ - وتوقد النار له ليُقلى … ومَنْ أتى مزاحمًا في المقلى
٧١ - ونأكُلُ السَّلُّورَ والشَّبُوطا … والفرح والمَسْلُونَ والمَسْمُوطَا
٧٢ - هذا وما تضم أكنافُ السُّفَرْ … وما تكون منه ألطافُ السَّفَرْ
٧٣ - فقال لي: دُونَكَ مَا تُريدُ! … فكان عندي باللقاء عيد
٧٤ - هذا وكنا قد أَمَرْنا الطَّاهِي … بأخذ تلك الجلة الزواهي
٧٥ - فأتقن الجميع بالتنظيف … وزانها في الوضع والتصفيف
٧٦ - وحَطَّ عن أجسامها الجَوَاشنَا … وأظهر الجَمَالَ والمَحَاسِنَا
٧٧ - واقتدح النار من الزِّنَادِ … مثل اصطكاك البَرْقِ في العِهادِ
٧٨ - يطيرُ من جانبها شَرَارُ … هل منه للرمانة انتشار
٧٩ - يُؤَرِّثُ المَوْقِدَ جُلَّ نارِ … كانها شُبَّتْ بِجُلَّنَارِ
٨٠ - وبعد هذا صفف المقالي … وكلُّنا نُحِبُّ ذاك القالي
٨١ - وسكب الدهان في الطنجير … كمثل بسط الظل في الغدير
٨٢ - ثُمَّ قَلى في الطاجن الأسماكا … لولا قليل، لقلي السماكا
٨٣ - ونضدَ الصُّحُونَ ثُمَّ صفّفا … سبائكًا من النار قد صَفَا
٨٤ - أعادها بعدَ اللُّجَيْنِ عَسْجَدَا … صَفَرَ ألوانًا لها وَوَرَّدَا
стр. 35
٨٥ - وجاء بالملح وبالأبزار … سكارجا تروق للأبصار
٨٦ - مصفوفة لنا على مقدار … كدِرْهَم صف إلى دينار
٨٧ - وصب من أطايب الأصلاص … حقائبًا مسدودة العفاص
٨٨ - من حامض مُطَيَّب ومُزّ … وغير ذا من كُلِّ حمض يجزي
٨٩ - ونَضَّدَ البقول في الأطباق … مثل الحرير لف في الأوراق
٩٠ - ووَضَعَ الكِماجَ والرُّقَاقَا … حتى استدار حلوها نطاقا
٩١ - وجاء بالفقاع والمشروب … يَهُم في الكيزان بالوثُوبِ
٩٢ - ومنه في إنائه مسكوب … كأنه من ذَهَبٍ مصبوب
٩٣ - وقَرَّبوا الحَلْوَاء مِلْءَ الجام … كمثل قرص الشمس بالتمام
٩٤ - فقام لي وَزْنُ سُرُوري وقَسَطَ … لأن مَنْ أحببته قد انْبَسَط
٩٥ - ومد عندي يَدَهُ أكل … ثُمَّ تنقلنا بمنهوب القُبَلْ
٩٦ - فكم أصبنا منه ما أردنا … ولو نشاء بعد هذا زِدْنا!
٩٧ - ثم أدمنا حمدنا والشكرا … وهو بما جاد علينا أدرى
٩٨ - ثم أتانا الستُ والغَسُولُ … كأنّه بعنبر مجبولُ
٩٩ - ثم تلاه الطيب والمنديل … ياحبذا ما حَبَّه الرسول
١٠٠ - حتى إذا ما نزل السلطان … واشتغل الغوغاء والغلمان
١٠١ - ونام كل مستكنا في الخيم … ونَكَّرَ الآفاقَ جِلباب الظُّلَم
١٠٢ - وأمن الراهب والقسيس … وانشق عن موتاهم الناووس
١٠٣ - وأوقدوا في البيعة القنديلا … ورجعوا المزمار والإنجيلا
١٠٤ - وزينوا الهيكل بالقُرْبانِ … وصففوا الشموع والقناني
١٠٥ - وسَكَبُوا الصهباء في الإبريق … صفراء أو حمراء كالعقيق
١٠٦ - وصبّها في الكاس مثل اللَّهَبِ … ممتدة مثل شريط الذهب
١٠٧ - يسعى بها مُقَرْطَقٌ مُزَنَّرُ … شبه الغزال الخِشْفِ أحوى أحور
١٠٨ - من فتية داموا على الإنجيل … مَنْ لي بهم لو أنهم من جيلي
١٠٩ - وبعضهم دب له عذار … كأنه من صده اعتذار
١١٠ - وفيهم ذاك الغزال النافر … خليفة الملاح وهو الظافر
١١١ - لما بدا منه الصباح السافر … تستر الليل فقيل الكافر
١١٢ - أو بِنْتُ قِسيس عليها مِسْحُ … كالليل قد أقبل فيه الصبح
١١٣ - بَمعصم فيه دلال وتَرَفْ … كَأنَّه من ماء خديها اعترف
стр. 36
١١٤ - فاتنة من الظباء العين … قد ناصبت بدينها لديني
١١٥ - ماذا أقول في بديع صُنْعِها … والبدر في الظلماء حشو درعها؟
١١٦ - غصن رطيب دب فيه الراح … ومن جنى خُدُودها التَّفَاحُ
١١٧ - آفة كل مسلم وكافر … وفتنة في أول وآخر
١١٨ - ياما جرى منها وياما يَجْرِي … مِنَّا ومنْها من بكًا وهَجْرِ!
١١٩ - فَمُذْ هَدَتْ عَنَّا عيون الناس … ثُرْتُ به في غفلة الحُرَّاسِ
١٢٠ - وقلتُ، قُمْ حَتَّى نروح في الغَلَس … في خُلْسة، فأطيب العيش الخُلَسْ!
١٢١ - فالدير قد آن له أن يُفتحا … وكان قد أُعْلِقَ عمدًا من ضحى
١٢٢ - منا إليه تحت ستر الليل … نوازعًا نَرْمِي على سُهَيْلٍ
١٢٣ - وقد علا هيكله القنديل … كأنّه لرأسه إكليل
١٢٤ - وثَمَّ في الدير لنا صَدِيقُ … منهمك في السكر لا يُفيقُ
١٢٥ - لكنه لخوفه قد كانا … ما شرب الصهباء حتى الآنا
١٢٦ - وعنده جميع ما نطلبه … وصوت أوتار له تُطرِبُهُ
١٢٧ - وهو إذا تبطن السلافه … لم تستطع مليحةٌ خِلافَة
١٢٨ - لأنه عرف كل راهبه … بمكره أنّ الحياة ذاهبه
١٢٩ - وكلُّ ما تريد منه يحصل … وَفْقَ المُنى مسارعًا يستعجل
١٣٠ - فانهض وقُمْ وطب ولا تُوَنِّي … واقتل بما شئتَ سِوى التجنِّي!
١٣١ - فقم بنا انهض ودَعِ العُذالا … كم ذا القُعود هكذا كُسالى
١٣٢ - لنغنم الصحة والفراغا … ونشرب العُمْرَ لنا ما انساغا!
١٣٣ - ولم أَزَلْ بِهِ بِهِ حَتَّى نَزَلْ … شاباش لي! صِدْتُ الغَزَالَ بالغَزَلْ!
١٣٤ - خدعته فانطاع لي الغُلامُ … وكان ما قد كان، والسلام!
١٣٥ - وبت مسرورا بذاك الخشف … وفوق ما وصَفْتُ منه المَخْفِي
١٣٦ - وكان لي غُلَيم ظريف … حُلْوَ الكلام فكه خفيف
١٣٧ - جميع ما يقوله مُجُونُ … ما كان مثله ولا يكون
١٣٨ - حديثه ليس عليه من حَرَج … لنا به الفالُ وقد سُمِّي فَرَج
١٣٩ - قلت له: كأَنَّني ممن نَدِم … لأجل ذاك الظبي لما أَنْ طَعِمْ
١٤٠ - ويحك لَمْ أطعمت هذا ذا السمك … فقال: لولاه لما كان انمسك
١٤١ - جعلتُه لصيده كالفخ … لأجل ذا أبصرته مُسْتَرْخِي
١٤٢ - يا شاطر البلاد أنت القيم … فعلت ما لا تستطيع الأسهم!
стр. 37
١٤٣ - لا شك قد أتقنت علم السحر … وصِدْتَ صيد البَرِّ بعد البحر!
التخريج:
مسالك الأبصار ١/ ٤٥٨ - ٤٦٤.
نثره ورسائله
قال الصفدي: وسمعت من لفظه غالب ما أنشأه، وكتب قدامي كثيرًا من التواقيع الحفلة من رأس القلم، وترسل كثيرًا، وأنا أراه من رأس القلم عن الدولة وعن نفسه إلى إخوانه فيأتي بما يبهر العقول، لم أر لأحد قدرته على ذلك.
ومن نماذج رسائله (١):
[١] قال الصفدي: وكتب هو إليَّ وقد تواتَرَتِ الأمطار والثلوج والرعود والبروق في سنة ٧٤٤:
كيفَ أَصْبَحَ مَولانا في هذا الشَّتاءِ الذي أَقْبَلَ يُرْعِبُ مَقْدَمُهُ، وَيُرْهِبُ تَقَدُّمُهُ، ويُريبُ اللَّبِيبَ مِنْ بَرْقِهِ المُومِضِ تَبَسُّمِهِ؟
وكيف حاله مع رعودِهِ الصَّارِخَةِ، ورِياحِهِ النَّافِخَةِ، وَوُجُوهِ أَيَّامِهِ الكَالِحَةِ، وَشَرَرِ لياليهِ التي لا يُبيتُ منها بِلَيْلَةٍ صَالِحَةِ، وسَحابِهِ وأمواجِهِ، وجَليدِهِ والمَشْي فوق زُجاجِهِ، وَتَراكُم مَطَرِهِ الأنيثِ (٢)، وتَطاوُلِ لَيْل فَرْعِهِ الأَثيثِ، وَمَواقِدِهِ المَمْقُوتَةِ، وذَوائِبِ جَمْرِهِ، وَأَهْوِنْ بِهِ وَلو أَنَّ كُلَّ حَمْراءَ ياقُوتَةٌ، وَتَحَدُّرِ نَوْئِهِ المُتَصَبِّبِ، وَتَحَيُّرِ نَجْمِهِ المُتَصَيِّبِ؟
وكيف هو مع جَيْشِهِ الذي ما أَطَلَّ حَتَّى مَدَّ مَضارِبَ غَمَامِهِ، وَظَلَّلَ الجَوَّ بِمِثْلِ أَجْنِحَةِ الفَواخِتِ من أَعْلامِهِ؛ هذا على أَنَّهُ حَلَّ عُرى الأَبْنِيَةِ، وَحَلَّلَ مِمَّا تَلَفَ فِي ذَمِّهِ سَالِفَ الأَشْتِيَةِ؛ فلقد جاءَ من البَرْدِ بِما رَضَ العِظامَ وأَنْخَرَها، وَدَقَّ فَخَاراتِ الأَجْسام وفَخَّرَها، وجَمَّدَ في الفَمِ الرِّيْقَ، وعَقَدَ اللّسانَ إِلا أَنَّهُ لِسانُ المِنْطِيقِ؛ وَيَبَّسَ الأَصابع حتَّى كَادَتْ أَغْصانُها تُوَقَدُ حَطَبًا، وَقَيَّدَ الأَرْجُلَ فلا تَمْشِي إِلَّا تَتَوَقَّعُ عَطَبًا؛ وأَتى الزمهريرُ بِجُنُودٍ ما لِلقوى بِها قِبَلٌ، وَحَمَّلَ الأَجْسام من ثِقْلِ الثَّيابِ ما لا يَعْصِمُ مِنْهُ مَنْ قَالَ: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ (٣) ومَدَّ من السَّيْلِ ما اسْتَبْكى العُيون إذا جرى،
_________
(١) أفدنا من تحقيق الأستاذ إبراهيم صالح وهوامشه لكتاب «ألحان السواجع» للصفدي.
(٢) الأنيث: اللَّين.
(٣) سورة هود: الآية ٤٣.
стр. 38
واجْتَحَفَ ما أتى عليه، وأَوَّلُ ما بَدأَ الدَّمْعُ بِالكَرى.
فكيفَ أَنْتَ يا سَيِّدِي في هذِهِ الأَحْوالِ؟ وكيفَ أَنْتَ فِي مُقاساةِ هَذِهِ الْأَهْوَالِ؟ وكيفَ رَأَيْتَ منها ما شَيَّبَ بِثَلْجِهِ نَواصِي الجِبالِ، وجاءَ بِالبَحْرِ فَتَلَقَّفَ ثُعبانُهُ ما أَلْقَتْهُ هراواتُ البُروق من عُصِي، وخُيوطُ السُّحُبِ من حبال؟
أَمَّا نَحْنُ فَبَيْنَ أَمْواجِ من السُّحُبِ تَزْدَحِمُ، وفي رَأْسِ جَبَلٍ لَا يَعْصِمُ فِيهِ من الماءِ إلا مَنْ رَحِمَ؛ وكيفَ سَيِّدُنَا مع مَجامِرِ كَانُونَ وشَرارِ بَرْقِها القادِحِ، وَهَمْ وَدْقِها الفادح، وَقَوْسِ قُزَحِها المُتَلَوِّنِ؟ رَدَّ اللهُ عليهِ صَوائِبَ سِهامِهِ، وبَدَّلَ مِنْهُ بِوَشائِعِ حُلَلِ الرَّبِيعِ ونَضَارَةِ أَيَّامِهِ، وجَعَلَ حَظَّ مَولانا من لَوافِحِهِ ما يُذَكِّيهِ ذِهْنُهُ من ضرامِهِ، ومَن سَوافِحِهِ ما يُوَلِّدُهُ فِكْرُهُ مِنْ تُؤَامِهِ، وعَوَّضَنا وإِيَّاهُ بِالصَّيْفِ واللهُ يَتَقَبَّلُ، وأَراحَنا من هذا الشَّتاءِ وَمَشْيِ غَمَامِهِ المُتَبَخْتِرِ بِكُمِّهِ المُسْبَلِ؛ بِمَنْهِ وَكَرَمِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
فكتبتُ أنا الجواب إليه:
يُقَبِّلُ الأَرْضَ، وَيُنْهي وُرُودَ هَذِهِ الرُّقْعَةِ التي هي طراز في حُلَّةِ الدَّهْرِ، وحَدِيقَةٌ ذَكَرَتْ زَمَنَ الرَّبيع وما تُهديهِ أَيَّامُهُ من الزَّهْرِ؛ فَوَقَفَ منها على الرَّوْضِ الذي تَهَدَّلَتْ فُروعُ غُصونِهِ بِالأَثْمَارِ، وَنَظَرَ منها إلى الأُفُقِ الذي كُلُّ كَواكِبِهِ شُموسٌ وأَقْمَارُ، فَأَنْشَأَتْ لَهُ إِطْرابَةٌ، وَأَعْلَمَتْهُ أَنَّ قَلَمَ مَولانا يَفْعَلُ بِالأَلْبابِ ما لا تَفْعَلُهُ نَغْمَةُ الشَّبَابَةِ، وَأَرْشَفَتْهُ سلافًا كُؤوسها الحُروفٌ وكُلُّ نُقْطَةٍ حَبَابَةٌ؛ وشاهَدَ أَوْصَافَ هَذِهِ الأَيَّامِ المُبارَكَةِ القدومِ، المُتَّصِلَةِ الظَّلامِ، فلا أَوْحَشَ اللهُ مِنْ طَلْعَةِ الشَّمْسِ وَحاجِبِ الهِلَالِ وعُيونِ النجوم؛ فَما لَنا ولِهَذِهِ السَّحائِبِ السَّحَابَةِ، والغَمائِمِ السَّكَّابَةِ، والرُّعودِ الصَّحَابَةِ، والبروقِ اللَّهَابَةِ، والثلوج التي أَصْبَحَتْ بِحَصْبائِها حَصَّابَةٌ، والبَرْدِ الذي أَمْسَتْ إِبَرُهُ لِغُصُونِ الجُلُودِ قَطَّابَةٌ، والزِّمِّيتاء (١) التي لا تَرْوِي عن أبي ذَرِّ إلا ويَرْوِي الغَيْثُ عن أَبي قِلابَة؛ كُلَّما أَقْبَلَتْ فَحْمَةٌ ظَلام، قَدَحَتْ فِيهَا البَوارِقُ شَرَارَ جَمْرَتِها، وكُلَّمَا جَاءَتْ سحابَةُ كَحْلاءُ الجُفونِ، رَجَعَتْ مَرْهاءَ لِما أَسْبَلَتْهُ من عبْرَتِها؛ فَما هذا شَهْرُ طُوبَةٍ (٢)، إِنْ هذا إِلا جَبَلُ ثَهلان، وما هذا كانُونُ، إِنْ هذا إلا تَنُّورُ الطُّوفانِ، فَإِلَى مَتَى قُطْنُ هَذِهِ الثلوج يُطْرَحُ على جِبابِ الجِبالِ؛ وإلى متى تُفاضُ دِلاصُ الْأَنْهَارِ وَيَرْشُقُها قَوْسُ قُزَحَ بِالنِّبَالِ؟ وإلى متى تُشَقَّقُ السَّحابَ ما لها من الحُلَلِ والحِبَرِ؟ وَإِلَى مَتَى تُرْسِلُ خُيوط
_________
(١) الزميتاء: الوقور. (اللسان).
(٢) طوبة: الخامس من شهور القبط، ويبدأ في الخامس والعشرين من كانون الأول. (الأزمنة والأنواء ١٤٣).
стр. 39
المُزْنِ من الجو وفي أطرافها على الغدرانِ إِبَرٌ؟ وإلى متى تَجْمُدُ عُيونُ الغَمَامِ وتَكْحَلُها البُروقُ بِالنَّارِ؟ وإلى متى نِثارُ هَذِهِ الفِضَّةِ وما يُرى من النُّجومِ دِيْنارُ؟ وإِلى متى نَحْنُ نَحْنو على النَّارِ حُنُوَ المُرْضِعاتِ على الفَطِيمِ (١)؟ وإلى متى تبكي المَيازِيبُ: [من الوافر]
بكاءَ الأَوْلياءِ بِغَيْرِ حُزْنٍ … إِذا اسْتَوْلَوْا عَلى مَالِ اليَتِيمِ
وإلى متى هذا البَرْقُ تَتَلَوَّى بُطُونُ حَيَّاتِهِ، وتَتَقَلَّبُ حَماليقُ العُيونِ المُحْمَرَّةِ مَنْ أُسُودِ غاباتِهِ؟ وإلى متى يُزَمْجِرُ عَتْبُ هَذِهِ الرِّياحِ العاصفة؟ وإلى متى يُرْسِلُ الزَّمْهَرِيرُ أعوانًا تُصْبِحُ حَلاوَةُ الوُجوهِ بِها تالِفَةً؟ أَتَرى هَذِهِ الأَمْطَارَ تُقْلَبُ بِالأَزْيَارِ، أَمْ هَذِهِ المواليد التي تنتهي فيها الأَعْمَارُ؟ كم من جَلِيدٍ يَذُوبُ بِهِ قَلْبُ الجَلِيدِ، وَيُرَى زُجَاجُهُ الشَّفَافُ أَصْلَبَ من الحَديدِ، وَوَحْلٍ لا تَمْشِي هريرةُ فِيهِ الوَحى (٢)، وبَرْدٍ لا تَنْطِقُ فِيهِ نؤومُ الضُّحى.
اللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنَا، لَقَدْ أَضْجَرَنَا تَراكُمُ الثَّيابِ، ومُقاساةُ ما لِهَذِهِ الرَّحْمَةِ من العَذابِ، وانْجِماعُ كُلِّ عن إِلْفِهِ، وإِغْلاقُ بابِ القِبابِ، وَتَخَلُّلُ الشَّبابِ زَوايا البُيوتِ، فالأطفال ضبابُ الشَّبابِ، كُلُّ ضَبٌ منهم قد أَلِفَ باطِنَ نَافِقَائِهِ (٣)، وقَدَّمَ بَينَ يَدِيهِ الموتَ بِدايَةَ بَدائِهِ، قد حَسَدَ على النَّارِ مَنْ أَمْسَى مُذْنِبًا وَأَصْبَحَ عَاصِيًا، وتَمَنَّى أَنْ يَرى من فَواكِهِ الجَنَّاتِ عُنَّابًا وقَراصِيا.
فإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الأَمْطَارُ تُكاثِرُ مَكارِمَ مَولانا، فَيا طُولَ مَا تَسْفَحُ؛ وإِنْ كَانَتِ العَواصِفُ تَتَشَبَّهُ بِبَأْسِهِ، فَيا طول ما تَلْفَحُ؛ وإِنْ كانَتِ البُرُوقُ تُحاكي ذِهْنَهُ المُتَسَرِّعَ، فَيا طُولَ مَا تَتَأَلَّقُ؛ وإِن كَانَتْ قَوْسُ قُزَحَ تَتَلَوَّنُ خَجَلًا من طُروسِهِ، فَيَا طُولَ مَا تَتَأَنَّقُ؛ وإِنْ كانت الرُّعودُ تُحاكي جَوانِحَ أَعْدائِهِ، فَيا طُولَ ما تَشْهَقُ وتَفْهَقُ؛ وإِنْ كَانَتِ السُّيُولُ تَجْرِي وراءَ جُودِهِ، فَإِنَّهَا تَجْري على طول المدى وما تَلْحَقُ.
والأولى بهذا النَّوْءِ الباكي، أَنْ لا يُحاكي؛ والأَلْيَقُ بِهذا الفَصْلِ المُبَغَضِ، أَنْ لا يَتَعَرَّضَ؛ فَرَحِمَ اللهُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَتَحَقَّقَ أَنَّ مَولانا في الوُجودِ نَدْرَة؛ أُنهي ذلك.
_________
(١) من قول المنازي أو حمدونة الأندلسية في وصف واد: [وفيات الأعيان ١/ ١٤٣]
حللنا دوحه فحنا علينا … حنو المرضعات على الفطيم
(٢) من قول الأعشى: [ديوانه ١٠٥] والوحى: الإسراع
ودع هريرة إن الركب مرتحل … وهل تطيق وداعًا أَيُّها الرجل
غراء فَرعاءُ مصقول عوارضها … تمشي الهوينى كما يمشي الوحى الوَجِلُ
(٣) النافقاء: جحر الضّب.
стр. 40
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٥٢ - ١٥٥، الوافي بالوفيات/ ٨/ ٢٥٧ - ٢٦٠، أعيان العصر ١/ ٤٢٧ - ٤٢٩، مسالك الأبصار ١٢/ ٥٠٢.
[٢]
قال الصفدي:
فكتب [العمري] الجَوابَ أَيضًا عن جوابي:
ويُنهي ورودَ جَوابِهِ الكَرِيمِ، فَوَقَفَ عليهِ، وَتَيَمَّنَ لِمُجَرَّدِ إِقْبَالِهِ إِلَيهِ، وَقَبَّلَهُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِيَدَيْهِ، وَأَعَدَّهُ لِجَلاءِ المَرَهِ، فَأَمَرَّهُ على عَيْنَيْهِ، وَشَكَرَهُ وَإِنْ لَمْ تَزَلْ حَقَائِبُ الشُّكْرِ مَحْطُوطَةً لَدَيْهِ، لا بَرِحَ الشَّهْدُ من جَنى رِيْقِهِ المُعَلَّلِ، والطَّرَبُ بِكَأْسِ رَحِيقِهِ المُحَلَّلِ، والتيه - وحاشاه مِنْهُ - في سُلُوكِ طَريقِهِ المُذَلَّلِ، والسَّحابُ لَا يَطِيرُ إِلَّا بِجَناحِ نَعْمَائِهِ المُبَلَّلِ، والرَّوْضُ لا يَبْرُزُ إِلا فِي ثَوْبِ زُخْرُفِهِ المُجَلَّلِ، وَالبَرْقُ لَا يَهْتَزُّ إِلَّا فِي مُسْبَلِ رِدائِهِ المُشَلَّلِ، والجَهْدُ ولو كَلَّفَ لا يجيءُ بِمِثْلِ سَيْرِهِ المُذَلَّلِ، والنَّصْرُ يَقْضِي لِمَواضِيْهِ على حَدٌ حُسَامِهِ المُفَلَّلِ، والفَجْرُ لولا بَيانُهُ الوَضَّاحُ لَما أَرْشَدَ لَيْلَهُ المُضَلَّلَ، والبَحْرُ لَوْلا عِرْقٌ مِنْ حَياءِ كَرَمِهِ الزَّاخِرِ لَما ذَمَّ على غَزَرِ المادَّةِ نَوالَهُ المُقَلَّلَ، وَالفَخْرُ وَإِنْ شَمَخَ أَنْفُهُ لا يُنافِسُ عِقْدَهُ المُوَشَّحَ ولا يَتَطاوَلُ إِلى تاجِهِ المُكَلَّلِ؛ وفَهِمَهُ فَهَامَ، وَاقْتَبَسَهُ فَجَلا الأَوْهَامَ، وَنَظَرَ فِيهِ فَزادَ صِقَالَ الأَفهام، وقَصَّرَ عن إِدْرَاكِهِ فَمَا شَلَّ أَنَّهُ إِلْهَامُ، وانْتَهَى فِيهِ إِلى الجَوابِ فِي وَصْفِ أَنْواء تِلكَ اللَّيْلَةِ الماطِرَةِ، وما مَوَّهَتِ السُّحُبُ مِنْ ذَهَبِ بَرْقِها، وفَتَلَتْهُ الأَنْواء من خُيوطِ وَدْقِها، ونَفَخَتْ فِيهِ الرِّياحُ من جَمْرِ كَانُونِها، وأَظْهَرَتْهُ حَقِيقَةُ الرعود من سِرِّ مَكنونها، وما بَثَّتْهُ عارِضَةُ ذلك العارِضِ المُمْطِرِ الذي هو أقوى من شابِيْبِها، وأَوْفَى مِمَّا أَرْقَتْهُ السَّماءُ من جَلَابِيبِها، وأَسْرى من بَرْقِها المُومِضِ في غَرَابِيْبِها، وَأَسْرَعُ من سُرى رِياحِها، وقَد جَمَعَتْ أَطواقَ السَّحائِبِ وَأَخَذَتْ بِتَلَابِيْبِها.
وَسَبَّحَ المَملوك من عَجَبٍ لِهَذِهِ البَلاغَةِ التي كَمَّلَتِ الفَضائِلَ، وَفَضَلَتْ عن العِلْمِ وفي الرَّعِيلِ الأَوَّلِ عِلْمُ الأَوائِلِ، وفَضَّلَتْ مُبْدِعَها وحُقَّ لَهُ التَّفْضِيلُ، وَآتَتْهُ جُمْلَةَ الفَضْلِ وفي ضِمْنِها التَّفْضِيلُ، وأَنْطَقَتْ لِسانَ بَيانِهِ وأَخْرَسَتْ كُلَّ لِسَانٍ، وَأَجْرَتْ قَلَمَ كَرَمِهِ وَأَحْرَزَتْ كُلَّ إِحْسَانٍ، وَنَشَرَتْ عَلَمَ عِلْمِهِ وأَدْخَلَتْ تَحْتَهُ كُلَّ فَاضِلٍ، وأَرْهَفَتْ شَبَا حَدِّهِ وقَطَعَتْ بِهِ كُلَّ مُناظِرٍ ومُناضِلٍ؛ وقالَتْ ِللسَّحابِ وقد طَبَّقَ: إِليكَ، فَإِنَّ البَحْرَ قد جاءَكَ، ولِلنَّوْءِ وَقد أَغْدَقَ: تَنَحَّ، فَإِنَّ هذا قد حَصَرَ أَرْجَاءَكَ، ولِلرَّعْدِ وقد صَرَخَ: اسْكُتْ، فَقد آنَ لِهَذِهِ الشَّقَاشِقِ أَنْ تَسْكُتَ، ولِلْبَرْقِ وقد نَسَخَ آيَةَ اللَّيْلِ: اسْتَدْرِكْ غَلَطَكَ لِئَلَّا تُبَكَّتَ.
следующие страницы →