Полный текст (9 417 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
١١٤ - فاتنة من الظباء العين … قد ناصبت بدينها لديني
١١٥ - ماذا أقول في بديع صُنْعِها … والبدر في الظلماء حشو درعها؟
١١٦ - غصن رطيب دب فيه الراح … ومن جنى خُدُودها التَّفَاحُ
١١٧ - آفة كل مسلم وكافر … وفتنة في أول وآخر
١١٨ - ياما جرى منها وياما يَجْرِي … مِنَّا ومنْها من بكًا وهَجْرِ!
١١٩ - فَمُذْ هَدَتْ عَنَّا عيون الناس … ثُرْتُ به في غفلة الحُرَّاسِ
١٢٠ - وقلتُ، قُمْ حَتَّى نروح في الغَلَس … في خُلْسة، فأطيب العيش الخُلَسْ!
١٢١ - فالدير قد آن له أن يُفتحا … وكان قد أُعْلِقَ عمدًا من ضحى
١٢٢ - منا إليه تحت ستر الليل … نوازعًا نَرْمِي على سُهَيْلٍ
١٢٣ - وقد علا هيكله القنديل … كأنّه لرأسه إكليل
١٢٤ - وثَمَّ في الدير لنا صَدِيقُ … منهمك في السكر لا يُفيقُ
١٢٥ - لكنه لخوفه قد كانا … ما شرب الصهباء حتى الآنا
١٢٦ - وعنده جميع ما نطلبه … وصوت أوتار له تُطرِبُهُ
١٢٧ - وهو إذا تبطن السلافه … لم تستطع مليحةٌ خِلافَة
١٢٨ - لأنه عرف كل راهبه … بمكره أنّ الحياة ذاهبه
١٢٩ - وكلُّ ما تريد منه يحصل … وَفْقَ المُنى مسارعًا يستعجل
١٣٠ - فانهض وقُمْ وطب ولا تُوَنِّي … واقتل بما شئتَ سِوى التجنِّي!
١٣١ - فقم بنا انهض ودَعِ العُذالا … كم ذا القُعود هكذا كُسالى
١٣٢ - لنغنم الصحة والفراغا … ونشرب العُمْرَ لنا ما انساغا!
١٣٣ - ولم أَزَلْ بِهِ بِهِ حَتَّى نَزَلْ … شاباش لي! صِدْتُ الغَزَالَ بالغَزَلْ!
١٣٤ - خدعته فانطاع لي الغُلامُ … وكان ما قد كان، والسلام!
١٣٥ - وبت مسرورا بذاك الخشف … وفوق ما وصَفْتُ منه المَخْفِي
١٣٦ - وكان لي غُلَيم ظريف … حُلْوَ الكلام فكه خفيف
١٣٧ - جميع ما يقوله مُجُونُ … ما كان مثله ولا يكون
١٣٨ - حديثه ليس عليه من حَرَج … لنا به الفالُ وقد سُمِّي فَرَج
١٣٩ - قلت له: كأَنَّني ممن نَدِم … لأجل ذاك الظبي لما أَنْ طَعِمْ
١٤٠ - ويحك لَمْ أطعمت هذا ذا السمك … فقال: لولاه لما كان انمسك
١٤١ - جعلتُه لصيده كالفخ … لأجل ذا أبصرته مُسْتَرْخِي
١٤٢ - يا شاطر البلاد أنت القيم … فعلت ما لا تستطيع الأسهم!
стр. 37
١٤٣ - لا شك قد أتقنت علم السحر … وصِدْتَ صيد البَرِّ بعد البحر!
التخريج:
مسالك الأبصار ١/ ٤٥٨ - ٤٦٤.
نثره ورسائله
قال الصفدي: وسمعت من لفظه غالب ما أنشأه، وكتب قدامي كثيرًا من التواقيع الحفلة من رأس القلم، وترسل كثيرًا، وأنا أراه من رأس القلم عن الدولة وعن نفسه إلى إخوانه فيأتي بما يبهر العقول، لم أر لأحد قدرته على ذلك.
ومن نماذج رسائله (١):
[١] قال الصفدي: وكتب هو إليَّ وقد تواتَرَتِ الأمطار والثلوج والرعود والبروق في سنة ٧٤٤:
كيفَ أَصْبَحَ مَولانا في هذا الشَّتاءِ الذي أَقْبَلَ يُرْعِبُ مَقْدَمُهُ، وَيُرْهِبُ تَقَدُّمُهُ، ويُريبُ اللَّبِيبَ مِنْ بَرْقِهِ المُومِضِ تَبَسُّمِهِ؟
وكيف حاله مع رعودِهِ الصَّارِخَةِ، ورِياحِهِ النَّافِخَةِ، وَوُجُوهِ أَيَّامِهِ الكَالِحَةِ، وَشَرَرِ لياليهِ التي لا يُبيتُ منها بِلَيْلَةٍ صَالِحَةِ، وسَحابِهِ وأمواجِهِ، وجَليدِهِ والمَشْي فوق زُجاجِهِ، وَتَراكُم مَطَرِهِ الأنيثِ (٢)، وتَطاوُلِ لَيْل فَرْعِهِ الأَثيثِ، وَمَواقِدِهِ المَمْقُوتَةِ، وذَوائِبِ جَمْرِهِ، وَأَهْوِنْ بِهِ وَلو أَنَّ كُلَّ حَمْراءَ ياقُوتَةٌ، وَتَحَدُّرِ نَوْئِهِ المُتَصَبِّبِ، وَتَحَيُّرِ نَجْمِهِ المُتَصَيِّبِ؟
وكيف هو مع جَيْشِهِ الذي ما أَطَلَّ حَتَّى مَدَّ مَضارِبَ غَمَامِهِ، وَظَلَّلَ الجَوَّ بِمِثْلِ أَجْنِحَةِ الفَواخِتِ من أَعْلامِهِ؛ هذا على أَنَّهُ حَلَّ عُرى الأَبْنِيَةِ، وَحَلَّلَ مِمَّا تَلَفَ فِي ذَمِّهِ سَالِفَ الأَشْتِيَةِ؛ فلقد جاءَ من البَرْدِ بِما رَضَ العِظامَ وأَنْخَرَها، وَدَقَّ فَخَاراتِ الأَجْسام وفَخَّرَها، وجَمَّدَ في الفَمِ الرِّيْقَ، وعَقَدَ اللّسانَ إِلا أَنَّهُ لِسانُ المِنْطِيقِ؛ وَيَبَّسَ الأَصابع حتَّى كَادَتْ أَغْصانُها تُوَقَدُ حَطَبًا، وَقَيَّدَ الأَرْجُلَ فلا تَمْشِي إِلَّا تَتَوَقَّعُ عَطَبًا؛ وأَتى الزمهريرُ بِجُنُودٍ ما لِلقوى بِها قِبَلٌ، وَحَمَّلَ الأَجْسام من ثِقْلِ الثَّيابِ ما لا يَعْصِمُ مِنْهُ مَنْ قَالَ: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ (٣) ومَدَّ من السَّيْلِ ما اسْتَبْكى العُيون إذا جرى،
_________
(١) أفدنا من تحقيق الأستاذ إبراهيم صالح وهوامشه لكتاب «ألحان السواجع» للصفدي.
(٢) الأنيث: اللَّين.
(٣) سورة هود: الآية ٤٣.
стр. 38
واجْتَحَفَ ما أتى عليه، وأَوَّلُ ما بَدأَ الدَّمْعُ بِالكَرى.
فكيفَ أَنْتَ يا سَيِّدِي في هذِهِ الأَحْوالِ؟ وكيفَ أَنْتَ فِي مُقاساةِ هَذِهِ الْأَهْوَالِ؟ وكيفَ رَأَيْتَ منها ما شَيَّبَ بِثَلْجِهِ نَواصِي الجِبالِ، وجاءَ بِالبَحْرِ فَتَلَقَّفَ ثُعبانُهُ ما أَلْقَتْهُ هراواتُ البُروق من عُصِي، وخُيوطُ السُّحُبِ من حبال؟
أَمَّا نَحْنُ فَبَيْنَ أَمْواجِ من السُّحُبِ تَزْدَحِمُ، وفي رَأْسِ جَبَلٍ لَا يَعْصِمُ فِيهِ من الماءِ إلا مَنْ رَحِمَ؛ وكيفَ سَيِّدُنَا مع مَجامِرِ كَانُونَ وشَرارِ بَرْقِها القادِحِ، وَهَمْ وَدْقِها الفادح، وَقَوْسِ قُزَحِها المُتَلَوِّنِ؟ رَدَّ اللهُ عليهِ صَوائِبَ سِهامِهِ، وبَدَّلَ مِنْهُ بِوَشائِعِ حُلَلِ الرَّبِيعِ ونَضَارَةِ أَيَّامِهِ، وجَعَلَ حَظَّ مَولانا من لَوافِحِهِ ما يُذَكِّيهِ ذِهْنُهُ من ضرامِهِ، ومَن سَوافِحِهِ ما يُوَلِّدُهُ فِكْرُهُ مِنْ تُؤَامِهِ، وعَوَّضَنا وإِيَّاهُ بِالصَّيْفِ واللهُ يَتَقَبَّلُ، وأَراحَنا من هذا الشَّتاءِ وَمَشْيِ غَمَامِهِ المُتَبَخْتِرِ بِكُمِّهِ المُسْبَلِ؛ بِمَنْهِ وَكَرَمِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
فكتبتُ أنا الجواب إليه:
يُقَبِّلُ الأَرْضَ، وَيُنْهي وُرُودَ هَذِهِ الرُّقْعَةِ التي هي طراز في حُلَّةِ الدَّهْرِ، وحَدِيقَةٌ ذَكَرَتْ زَمَنَ الرَّبيع وما تُهديهِ أَيَّامُهُ من الزَّهْرِ؛ فَوَقَفَ منها على الرَّوْضِ الذي تَهَدَّلَتْ فُروعُ غُصونِهِ بِالأَثْمَارِ، وَنَظَرَ منها إلى الأُفُقِ الذي كُلُّ كَواكِبِهِ شُموسٌ وأَقْمَارُ، فَأَنْشَأَتْ لَهُ إِطْرابَةٌ، وَأَعْلَمَتْهُ أَنَّ قَلَمَ مَولانا يَفْعَلُ بِالأَلْبابِ ما لا تَفْعَلُهُ نَغْمَةُ الشَّبَابَةِ، وَأَرْشَفَتْهُ سلافًا كُؤوسها الحُروفٌ وكُلُّ نُقْطَةٍ حَبَابَةٌ؛ وشاهَدَ أَوْصَافَ هَذِهِ الأَيَّامِ المُبارَكَةِ القدومِ، المُتَّصِلَةِ الظَّلامِ، فلا أَوْحَشَ اللهُ مِنْ طَلْعَةِ الشَّمْسِ وَحاجِبِ الهِلَالِ وعُيونِ النجوم؛ فَما لَنا ولِهَذِهِ السَّحائِبِ السَّحَابَةِ، والغَمائِمِ السَّكَّابَةِ، والرُّعودِ الصَّحَابَةِ، والبروقِ اللَّهَابَةِ، والثلوج التي أَصْبَحَتْ بِحَصْبائِها حَصَّابَةٌ، والبَرْدِ الذي أَمْسَتْ إِبَرُهُ لِغُصُونِ الجُلُودِ قَطَّابَةٌ، والزِّمِّيتاء (١) التي لا تَرْوِي عن أبي ذَرِّ إلا ويَرْوِي الغَيْثُ عن أَبي قِلابَة؛ كُلَّما أَقْبَلَتْ فَحْمَةٌ ظَلام، قَدَحَتْ فِيهَا البَوارِقُ شَرَارَ جَمْرَتِها، وكُلَّمَا جَاءَتْ سحابَةُ كَحْلاءُ الجُفونِ، رَجَعَتْ مَرْهاءَ لِما أَسْبَلَتْهُ من عبْرَتِها؛ فَما هذا شَهْرُ طُوبَةٍ (٢)، إِنْ هذا إِلا جَبَلُ ثَهلان، وما هذا كانُونُ، إِنْ هذا إلا تَنُّورُ الطُّوفانِ، فَإِلَى مَتَى قُطْنُ هَذِهِ الثلوج يُطْرَحُ على جِبابِ الجِبالِ؛ وإلى متى تُفاضُ دِلاصُ الْأَنْهَارِ وَيَرْشُقُها قَوْسُ قُزَحَ بِالنِّبَالِ؟ وإلى متى تُشَقَّقُ السَّحابَ ما لها من الحُلَلِ والحِبَرِ؟ وَإِلَى مَتَى تُرْسِلُ خُيوط
_________
(١) الزميتاء: الوقور. (اللسان).
(٢) طوبة: الخامس من شهور القبط، ويبدأ في الخامس والعشرين من كانون الأول. (الأزمنة والأنواء ١٤٣).
стр. 39
المُزْنِ من الجو وفي أطرافها على الغدرانِ إِبَرٌ؟ وإلى متى تَجْمُدُ عُيونُ الغَمَامِ وتَكْحَلُها البُروقُ بِالنَّارِ؟ وإلى متى نِثارُ هَذِهِ الفِضَّةِ وما يُرى من النُّجومِ دِيْنارُ؟ وإِلى متى نَحْنُ نَحْنو على النَّارِ حُنُوَ المُرْضِعاتِ على الفَطِيمِ (١)؟ وإلى متى تبكي المَيازِيبُ: [من الوافر]
بكاءَ الأَوْلياءِ بِغَيْرِ حُزْنٍ … إِذا اسْتَوْلَوْا عَلى مَالِ اليَتِيمِ
وإلى متى هذا البَرْقُ تَتَلَوَّى بُطُونُ حَيَّاتِهِ، وتَتَقَلَّبُ حَماليقُ العُيونِ المُحْمَرَّةِ مَنْ أُسُودِ غاباتِهِ؟ وإلى متى يُزَمْجِرُ عَتْبُ هَذِهِ الرِّياحِ العاصفة؟ وإلى متى يُرْسِلُ الزَّمْهَرِيرُ أعوانًا تُصْبِحُ حَلاوَةُ الوُجوهِ بِها تالِفَةً؟ أَتَرى هَذِهِ الأَمْطَارَ تُقْلَبُ بِالأَزْيَارِ، أَمْ هَذِهِ المواليد التي تنتهي فيها الأَعْمَارُ؟ كم من جَلِيدٍ يَذُوبُ بِهِ قَلْبُ الجَلِيدِ، وَيُرَى زُجَاجُهُ الشَّفَافُ أَصْلَبَ من الحَديدِ، وَوَحْلٍ لا تَمْشِي هريرةُ فِيهِ الوَحى (٢)، وبَرْدٍ لا تَنْطِقُ فِيهِ نؤومُ الضُّحى.
اللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنَا، لَقَدْ أَضْجَرَنَا تَراكُمُ الثَّيابِ، ومُقاساةُ ما لِهَذِهِ الرَّحْمَةِ من العَذابِ، وانْجِماعُ كُلِّ عن إِلْفِهِ، وإِغْلاقُ بابِ القِبابِ، وَتَخَلُّلُ الشَّبابِ زَوايا البُيوتِ، فالأطفال ضبابُ الشَّبابِ، كُلُّ ضَبٌ منهم قد أَلِفَ باطِنَ نَافِقَائِهِ (٣)، وقَدَّمَ بَينَ يَدِيهِ الموتَ بِدايَةَ بَدائِهِ، قد حَسَدَ على النَّارِ مَنْ أَمْسَى مُذْنِبًا وَأَصْبَحَ عَاصِيًا، وتَمَنَّى أَنْ يَرى من فَواكِهِ الجَنَّاتِ عُنَّابًا وقَراصِيا.
فإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الأَمْطَارُ تُكاثِرُ مَكارِمَ مَولانا، فَيا طُولَ مَا تَسْفَحُ؛ وإِنْ كَانَتِ العَواصِفُ تَتَشَبَّهُ بِبَأْسِهِ، فَيا طول ما تَلْفَحُ؛ وإِنْ كانَتِ البُرُوقُ تُحاكي ذِهْنَهُ المُتَسَرِّعَ، فَيا طُولَ مَا تَتَأَلَّقُ؛ وإِن كَانَتْ قَوْسُ قُزَحَ تَتَلَوَّنُ خَجَلًا من طُروسِهِ، فَيَا طُولَ مَا تَتَأَنَّقُ؛ وإِنْ كانت الرُّعودُ تُحاكي جَوانِحَ أَعْدائِهِ، فَيا طُولَ ما تَشْهَقُ وتَفْهَقُ؛ وإِنْ كَانَتِ السُّيُولُ تَجْرِي وراءَ جُودِهِ، فَإِنَّهَا تَجْري على طول المدى وما تَلْحَقُ.
والأولى بهذا النَّوْءِ الباكي، أَنْ لا يُحاكي؛ والأَلْيَقُ بِهذا الفَصْلِ المُبَغَضِ، أَنْ لا يَتَعَرَّضَ؛ فَرَحِمَ اللهُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَتَحَقَّقَ أَنَّ مَولانا في الوُجودِ نَدْرَة؛ أُنهي ذلك.
_________
(١) من قول المنازي أو حمدونة الأندلسية في وصف واد: [وفيات الأعيان ١/ ١٤٣]
حللنا دوحه فحنا علينا … حنو المرضعات على الفطيم
(٢) من قول الأعشى: [ديوانه ١٠٥] والوحى: الإسراع
ودع هريرة إن الركب مرتحل … وهل تطيق وداعًا أَيُّها الرجل
غراء فَرعاءُ مصقول عوارضها … تمشي الهوينى كما يمشي الوحى الوَجِلُ
(٣) النافقاء: جحر الضّب.
стр. 40
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٥٢ - ١٥٥، الوافي بالوفيات/ ٨/ ٢٥٧ - ٢٦٠، أعيان العصر ١/ ٤٢٧ - ٤٢٩، مسالك الأبصار ١٢/ ٥٠٢.
[٢]
قال الصفدي:
فكتب [العمري] الجَوابَ أَيضًا عن جوابي:
ويُنهي ورودَ جَوابِهِ الكَرِيمِ، فَوَقَفَ عليهِ، وَتَيَمَّنَ لِمُجَرَّدِ إِقْبَالِهِ إِلَيهِ، وَقَبَّلَهُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِيَدَيْهِ، وَأَعَدَّهُ لِجَلاءِ المَرَهِ، فَأَمَرَّهُ على عَيْنَيْهِ، وَشَكَرَهُ وَإِنْ لَمْ تَزَلْ حَقَائِبُ الشُّكْرِ مَحْطُوطَةً لَدَيْهِ، لا بَرِحَ الشَّهْدُ من جَنى رِيْقِهِ المُعَلَّلِ، والطَّرَبُ بِكَأْسِ رَحِيقِهِ المُحَلَّلِ، والتيه - وحاشاه مِنْهُ - في سُلُوكِ طَريقِهِ المُذَلَّلِ، والسَّحابُ لَا يَطِيرُ إِلَّا بِجَناحِ نَعْمَائِهِ المُبَلَّلِ، والرَّوْضُ لا يَبْرُزُ إِلا فِي ثَوْبِ زُخْرُفِهِ المُجَلَّلِ، وَالبَرْقُ لَا يَهْتَزُّ إِلَّا فِي مُسْبَلِ رِدائِهِ المُشَلَّلِ، والجَهْدُ ولو كَلَّفَ لا يجيءُ بِمِثْلِ سَيْرِهِ المُذَلَّلِ، والنَّصْرُ يَقْضِي لِمَواضِيْهِ على حَدٌ حُسَامِهِ المُفَلَّلِ، والفَجْرُ لولا بَيانُهُ الوَضَّاحُ لَما أَرْشَدَ لَيْلَهُ المُضَلَّلَ، والبَحْرُ لَوْلا عِرْقٌ مِنْ حَياءِ كَرَمِهِ الزَّاخِرِ لَما ذَمَّ على غَزَرِ المادَّةِ نَوالَهُ المُقَلَّلَ، وَالفَخْرُ وَإِنْ شَمَخَ أَنْفُهُ لا يُنافِسُ عِقْدَهُ المُوَشَّحَ ولا يَتَطاوَلُ إِلى تاجِهِ المُكَلَّلِ؛ وفَهِمَهُ فَهَامَ، وَاقْتَبَسَهُ فَجَلا الأَوْهَامَ، وَنَظَرَ فِيهِ فَزادَ صِقَالَ الأَفهام، وقَصَّرَ عن إِدْرَاكِهِ فَمَا شَلَّ أَنَّهُ إِلْهَامُ، وانْتَهَى فِيهِ إِلى الجَوابِ فِي وَصْفِ أَنْواء تِلكَ اللَّيْلَةِ الماطِرَةِ، وما مَوَّهَتِ السُّحُبُ مِنْ ذَهَبِ بَرْقِها، وفَتَلَتْهُ الأَنْواء من خُيوطِ وَدْقِها، ونَفَخَتْ فِيهِ الرِّياحُ من جَمْرِ كَانُونِها، وأَظْهَرَتْهُ حَقِيقَةُ الرعود من سِرِّ مَكنونها، وما بَثَّتْهُ عارِضَةُ ذلك العارِضِ المُمْطِرِ الذي هو أقوى من شابِيْبِها، وأَوْفَى مِمَّا أَرْقَتْهُ السَّماءُ من جَلَابِيبِها، وأَسْرى من بَرْقِها المُومِضِ في غَرَابِيْبِها، وَأَسْرَعُ من سُرى رِياحِها، وقَد جَمَعَتْ أَطواقَ السَّحائِبِ وَأَخَذَتْ بِتَلَابِيْبِها.
وَسَبَّحَ المَملوك من عَجَبٍ لِهَذِهِ البَلاغَةِ التي كَمَّلَتِ الفَضائِلَ، وَفَضَلَتْ عن العِلْمِ وفي الرَّعِيلِ الأَوَّلِ عِلْمُ الأَوائِلِ، وفَضَّلَتْ مُبْدِعَها وحُقَّ لَهُ التَّفْضِيلُ، وَآتَتْهُ جُمْلَةَ الفَضْلِ وفي ضِمْنِها التَّفْضِيلُ، وأَنْطَقَتْ لِسانَ بَيانِهِ وأَخْرَسَتْ كُلَّ لِسَانٍ، وَأَجْرَتْ قَلَمَ كَرَمِهِ وَأَحْرَزَتْ كُلَّ إِحْسَانٍ، وَنَشَرَتْ عَلَمَ عِلْمِهِ وأَدْخَلَتْ تَحْتَهُ كُلَّ فَاضِلٍ، وأَرْهَفَتْ شَبَا حَدِّهِ وقَطَعَتْ بِهِ كُلَّ مُناظِرٍ ومُناضِلٍ؛ وقالَتْ ِللسَّحابِ وقد طَبَّقَ: إِليكَ، فَإِنَّ البَحْرَ قد جاءَكَ، ولِلنَّوْءِ وَقد أَغْدَقَ: تَنَحَّ، فَإِنَّ هذا قد حَصَرَ أَرْجَاءَكَ، ولِلرَّعْدِ وقد صَرَخَ: اسْكُتْ، فَقد آنَ لِهَذِهِ الشَّقَاشِقِ أَنْ تَسْكُتَ، ولِلْبَرْقِ وقد نَسَخَ آيَةَ اللَّيْلِ: اسْتَدْرِكْ غَلَطَكَ لِئَلَّا تُبَكَّتَ.
стр. 41
أَما تَرى هَذِهِ العُلومَ الجَمَّةَ وكيفَ زَخَرَ بَحْرُها، وأَثَرَ فِي الأَلْبَابِ سِحْرُها؛ وهذهِ الفَضائل وكيفَ تَفَنَّنَتْ فُنُونُها، وفَتَنَتْ عُيونُها، وتَهَدَّلَتْ بِالْأَثْمَارِ أَفْنَانُهَا، وَتَزَخْرَفَتْ بِالمَحاسِنِ جِنانها؛ وهذهِ الأَلْمِعَيَّةَ وكيفَ ذَهَبَتِ الأَصائِلَ، وَهَذِهِ اللَّوْذَعِيَّةَ وما أَبْقَتْ مقالًا لقائل، وهذهِ الفَواضِلَ وقد تَوَقَّدَ ذُبالُها وَتَقَدَّدَ بِها أَدِيمُ الظَّلامِ وَتَشَقَّقَ سِرْبَالُها، وهذه البَراعَةَ التي فاضَتْ فَكُلِّ منها سكرانُ طافِحٌ، وهذِهِ الفَصاحَةَ وما غادَرَتْ بينَ الجوانح،، وهذهِ البَلاغة وقد سالَتْ بِأَعْناقِ المَطِيّ بِها الأباطِحُ (١)، وهذهِ الصناعة وقد اسْتَعِينَ عليها من أَهْلِها بصالح، وهذهِ الصِّياغة وما تارِكٌ فَنَّ الجَوْهَرِ لَهَا إِلا رابح، وهذهِ الحِكَمَ البَوالِغ، وهذهِ النِّعَمَ السَّوابِغَ، وهَذِهِ الدِّيَمَ التي لا تَمْلَأَ حَوْضَها من إِناء فارغ،، وهذهِ الشَّيَمَ التي لو تَنَكَّرَتْ ثم مُزِجَتْ بِالفُراتِ لَمَا شُرِبَ لِسائِغ، التي تَرَقَّتْ بِوَجْهِها إِلى السَّمَاءِ، فَكَشَفَتْ غَيابَةَ عَارِضِها وكَفَّت غَوايَةَ البَرْقِ وَقَدْ وَلَعَ وَخْطُ مَشِيْبِهِ بِخَطّ عارِضِها، حتَّى جَلاها وَأَضْحاها، ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ (٢)، ونَفَخَ رَمادَ سَحابها المنجلي عن اللَّهَبِ، وصَفَّحَ جَوَّها الفِضْيَّ بِاللُّجَيْنِ وَسَمَّرَتْهُ الشَّمْسُ بِالذَّهَبِ، وجَلا صَدَأَ تِلكَ اللَّيْلَةِ عَنِ صَفيحَةِ ذلكَ اليَوْمِ المُشْمِسِ، وَبَدَّلَ بذلكَ الصَّحْوَ المُطْمِعَ من ذلك الغَيْمِ المُؤْيِسِ، ونَقَّى لا زَوَرْدَ السَّماءِ من تِلكَ الشَّوائِبِ، وَوَقَى عِرْضَ ذلك النَّهَارِ اليَقَقِ مِنْ المَعايبِ، وأَتْرَعَ غَدير ذلك الصَّباح خالِصًا من الرَّنَقِ، وَضَوَّعَ عَنْبَرَ ذلك الثرى خاليًا من اللَّثَةِ، وأَطْلَعَ شَمْسَ ذلكَ اليومَ تُوَشِّعُ جَانِبَ مَشْرِقِها، ويُوَشَّى بِذَوائِبِ الذَّهَبِ رِداءُ أُفْقِها؛ فَقُلْتُ (٣): [من السريع]
كأنما اليَوْمُ وَقَدْ مَوَّهَتْ … مَشْرِقَهُ الشَّمْسُ وَلا جَاحِدُ
ثَوْبٌ من الشَّرْبِ وَلَكِنَّهُ … طُرِّزَ مِنْهُ كُمُّهُ الواحد
أستغفر الله، بل بِشْرُ ذلكَ البِشْرِ، بل ذلكَ المَلَكُ الكَرِيمُ، وصَفيحَةُ وَجْهِهِ المُتَهَلِّل الوسيم، لا بل صَفيحَةُ عَمَلِهِ، وصَبيحَةُ أَمَلِهِ، وَأُنْمُوذَجُ إِبْثَارِهِ، وَضَوْءُ يَدِهِ البيضاء، وآثارِهِ، وشَبِيهُ ما يَفُضُهُ لُؤْلُؤُهُ من نِثارِهِ، وغيرُ هذا من أَيادِيهِ البِيْضِ على إِفْلالِ العَدِّلَهُ وإِكْثَارِهِ، فَللَّهِ تلكَ اليَدُ المُقَبَّلَةُ، وتلكَ اليَدُ المُؤَمَّلَةُ، واللهِ تِلكَ المَواهِبُ المُجْزَلَةُ، واللهِ تلكَ الرَّاحَةُ التي لا يُقاسُ بِها الثريا ولا تَجيءُ الجَوْزَاءُ أُنْمُلَهُ؛ واللَّهِ ذلك البيانُ السَّاحِرُ، وذلكَ البَنانُ السَّاخِرُ، وذلِكَ اللِّسانُ المُذَرَّبُ والبَحْرُ الزَّاخِرُ، وذلك
_________
(١) من قول كثير عزة: [ديوانه ٥٢٥]
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا … وسالت بأعناق المطي الأباطح
(٢) سورة النازعات: الآية ٢٩.
(٣) البيتان في مسالك الأبصار ١٢/ ٥٠٧.
стр. 42
الإِنْسانُ الذي طال باعُ عِلْمِهِ، وطارَ فَأَوْقَدَ ضِرامَ اليَوْمِ المُشْمِسِ شُعاعُ فَهْمِهِ، وطَابَ جنى عِزْهِ وجَنابُ حِلْمِهِ، وطافَ الأَرْضَ صِيْتُهُ وَنَفَقَ كَاسَدُ الفَضْلِ بِاسْمِهِ، وَاللَّهِ وَاللَّهِ لِسَيِّدِ جاءَ بِالفَضْلِ كُلِّهِ، وأتى بِالأَمْرِ على حِلِّهِ، وَاقْتَبَسَ مِنْ نُورِهِ وآوى إِلَى ظِلِّهِ.
لقد أَلْبَسَ المملوك رِداءَ الفَخارِ، وعَرَّفَهُ العَوْمَ، وكانَ لا يَطْمَعُ أَنْ يَشُقَّ بَحْرَهُ الزَّخَارَ، ومحا عنهُ صِبْغَ دُجُنَّةِ تِلكَ اللَّيْلَةِ، وَقَصَّرَ من ذَيْلِها، وقَهْقَرَ من سَيْلِها، وَأَخَذَ بِعَقِيصَتِها، وأَغْرَقَ فِي تَيَّارِ النَّهارِ سَوادَ لَيْلِها، وَأَطْلَقَ لِسَانَهُ مِنَ الاعْتِقَالِ، وَأَنْطَقَ بَيانَهُ فقالَ: وَوَفَّقَهُ في البَيانِ ولولا توفيقُهُ لَما نَطَقَ، وَوَقَفَهُ ولولا إِيْقَافُهُ لَغَيَّرَ على آثارِهِ في وَجْهِ مَنْ سَبَقَ، وقامَ وأَقامَ الحُجَّةَ على البُلَغاءِ حيثُ لا يَجِدُ مَنْ يَقُولُ إِلَّا صَدَقَ. تَمَّت.
فَلَمَّا رَأَيْتُ ما هالني، وغَلَّ عَقْلي وغالَني؛ كَتَبْتُ الجَوابَ عن ذلكَ نَظْمًا، وهو: [من الكامل]
جاءَ الجَوابُ يَزِتُ مِنْكَ فَواضِلا … وَيَرِفُ فِي رَوْضِ البَيانِ خَمائلا
أَغْرَقْتَ غِرَّ السُّحْبِ حِيْنَ وَصَفْتَها … يا مَنْ غَدًا بَحْرًا يَموجُ فَضائلا
لو لم تَكُنْ يُمْنَاكَ بَحرًا زَاخِرًا … ما أَرْسَلَتْ تِلْكَ السُّطُورَ جَداوِلا
ضَرْبٌ من السِّحْرِ الحَلالِ مَتَى تَشا … أَخْرَجْتَهُ فَيَعودُ ضَرْبًا داخلا
ما إِنْ جَلا رَاوِيْهِ حُورَ بَيانِهِ … إلا وزانَ مَشاهِدًا ومَحَافِلا
فَمَتَى يَرُومُ بِهِ اللَّحَاقَ مُقَصِّرٌ … والنَّجْمُ أَقْرَبُ مِنْ مَدَاهُ تَناوُلا
أَبْرَزْتَهُ أُفُقًا فَكُلُّ قَرِيْنَةٍ … برج حوى مَعْناهُ بَدْرًا كاملا
فَكَأَنَّما تِلْكَ الحُروفٌ حَدائِقٌ … أَمْسَتْ مَعانيها تصيحُ بَلابلا
وَكَأَنَّ ذاكَ الطَّرْسَ خَدُّ رَائِقٌ … والسَّطْرُ فِيهِ غَدا عذارًا سائلا
مَهْلًا أَبا العَبَّاسِ قَدْ أَفْحَمْتَني … وَتَرَكْتَني بَعْدَ التحلي عاطلا
بِاللهِ قُلْ لي عِنْدَما سَطَرْتَهُ … هَلْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنْ تُجيب الفاضلا
أَقْسَمْتُ لو جاراك في إنشائه … ما كانَ ضَمَّ على اليراع أناملا
حَرَّكْتُ مِنْكَ حَمِيَّةً عَدَوِيَّةً … مَلأْتَ فَضاءَ الطَّرْسِ مِنْكَ جَحَافِلا
كَمْ فِيهِ من لام كَلامَةِ فارس … قَدْ هَزَّ مِنْ أَلِفَاتِ خَطْكَ ذابلا
هَلْ شِئْتَ أَنْ تُنْشَيِّ الجَوابَ سَحَابَةٌ … تَنْدَى فَجَاءَتْ مِنْكَ سَيْلًا سَائِلا
يا فارِسَ الإِنْشَاء رِفقًا بالذي … نازَلْتَهُ يَوْمَ التَّرَسُلِ رَاجِلا
لو رامَ أَنْ يَجْرِي وَراءَكَ خُطْوَةً … نَصَبَتْ لَهُ تِلْكَ الحُروفُ حَبائِلا
فَاحْبِسْ عِنَانَكَ قد تَجاوَزْتَ المَدى … وَتَرَكْتَ سَحْبانَ الفَصاحَةِ باقلا
والفاضل المِسْكِينُ أَصْبَحَ فَنُّهُ … من بَعْدِ ما قد راجَ فينا خاملا
стр. 43
فاسْلَمْ لِتَبْلِيغِ النُّفوسِ مَرامَها … فالدَّهْرُ فِي أَبْوَابِ فَضْلِكَ ماثلا
كم فيك لي أَمَلٌ يَروقُ لأَنَّني … أَدْرِي بِأَنَّكَ لا تُخَيِّبُ آمِلا
فكتب الجواب عن ذلك أيضًا (١): [من الكامل]
وافي الكَمِيُّ بِها يَهُزُّ مَناصِلا … . إلخ القصيدة
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٥٦ - ١٦٢، الوافي بالوفيات/ ٨/ ٢٦٠ - ٢٦٥، مسالك الأبصار ١٢/ ٥٠٨.
[٣]
قال الصفدي:
وكَتَبَ [العمري] إِلَيَّ من دمشق المحروسة، وأنا بالقاهِرَةِ المحروسة، يَصفُ الثَّلْجَ الكائن في شَهرِ اللهِ المُحَرَّمِ، سنة ٧٤٥:
يُقَبِّلُ كذا، لا رأى في هذا الشَّتاءِ كيف حالُ أَوِدَّائِهِ، وكيف حالُ بَلَدِهِ الذي رَقَتْ عليه حتَّى القاسية قلوب أعدائِهِ، وكيف حالُ النَّاسِ تحتَ ذُيُولِ هَذِهِ الأَشْتِيَةِ المَجْرُورَةِ، ونَوافِض هذهِ الرُّعودِ المَقْرُورَةِ، وقُرَّحِ شُقْرِ هَذِهِ البُروقِ المَفْرُورَةِ، وغُرَرِ هَذِهِ الأَيَّامِ المَغْرُورَةِ، وسَوافي هذِهِ الغُيوثِ المَذْرُورَةِ، وَضَرَرِ هَذِهِ الأَنْوَاءِ الرِّواءِ بالأَرْضِ المَضْرُورَةِ، وسيوف هذهِ السُّيولِ الحَدَّةِ المَطْرُورَةِ، ونُزولِ هَذِهِ الثَّلُوحِ بِعُقَدِ البَلاءِ المَصْروَرةِ، ومَشْيِ الخَلائِقِ في أَرْدِيَةِ هَذِهِ السُّحُبِ المَزْرورَةِ، وعُبوس هذِهِ الثَّنايا الضَّاحِكَةِ وما هِيَ مَسْرُورَةٌ، ونوازِلِ هَذِهِ الأَمْطَارِ التي وُلِدَتْ بِمَواقِعِها القُضُبُ مَخْتَونَةً وداراتُ النَّهْرِ مَسْرُورَةً، وعَواصِفِ هَذِهِ الأَيَّامِ التي كَأَنَّ بِها جِنَّةً أَوْ هِيَ لِكَثْرَةِ المُرورِ مَمْرُورَةٌ، وَكَلَبِ بَرْدِ هَذِهِ اللَّيالي الذي أَصْبَحَتْ تَتَشكَّاهُ الكُبودُ المَحرورَةُ، وَبُعْدِ مَوْلانا الذي يَعْدِلُ عُمْرَةً كَامِلَةً وحِجَّةً مَبْرُورَةً.
فلقد أنسى السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَنَشَرَ مَيِّتَها المدروج، وأَعادَ مَاضِيْها وَلَيْتَهُ إِذْ جَمَّدَ النَّبَاتَ لا كَرَّرَ سُكَرَ الثَّلوج، وساءَ أحوال المَدينَةِ، وطافَ طُوفانه بالجامع وَغَرَّقَ السَّفِينَةَ، وأَشابَ رَأْسَ النَّشَرِ وغَطَّى الهلال، وكَسَرَ الصَّحْنَ وأَكَلَ الحَائِطَ الشَّمالي بِاليَمِينِ والشِّمالِ، وآذى المواذنَ والمُؤَذِّنِينَ، وأَخْرَسَ القُرَّاءَ والمُؤَمِّنِينَ، وَاقْشَعَرَّتْ لِبَرْدِ أَيَّامِهِ البَرَّادَةُ، وشَهِدَ المَشْهَدُ بِغَماءِ غَمَامِهِ، وأَقامَتْ سَبَّاباتِ المَواذِنِ للشَّهَادَةِ، وَبَطْلَتْ
_________
(١) انظر: القطعة رقم (٢٥) في موضوع شعره.
стр. 44
أَلْوانُ بابِ البَرِيدِ المُعَدَّدَةُ، وَجَرَتْ أَرْكانُ جَيْرُونَ وأَبْوَابُهُ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، وجالَ على الدَّهْمَاءِ وَالخَضْرَاءِ بِشُهْبِ خُيولِهِ، وفَتَحَ أَفْواهَ أُوْدِيَتِهِ وَالْتَقَمَ أَرْقَمَ كُلِّ نَهْرٍ مُتَلَوٌ وشَرِبَهُ بِسُيولِهِ، وساءَ بَياضُ يَوْمِهِ سُودَ مَراتِعِها وخُضْرَ مَرابِعِها، وَشَوَّهَ فِي هَذِهِ الشَّتْوَةِ الأَلْوان، وَبَسَطَ ذَيْلَهُ على الوِهادِ وَعَقَدَ حُباهُ على الكُثْبانِ (١).
وجاء هذا الشَّتاء بالعَجَبِ، وَذَكَّرَ دمشقَ في هذِهِ السَّنَةِ بِما خَلا في الخالية من واقِعَةِ حَلَبَ (٢)، وأَنْسى في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيالي رَمَضانَ لَيْلَةَ جُمادَى، وَدَفَنَ ثَلْجُهَا سَوْآتِ ثَلْجِ سَنَتِنا الماضِيَةِ، وَذَرَّ عليها رَمادًا، وطالَتْ أَيَّامُهُ والأعمارُ الذَّاهِبَةُ بِهِ قِصارُ، واسْتَطَالَتْ جُنودُهُ المُهاجِرَةُ وَقَلَّتِ الأَنْصَارُ، وجاءَتْ أَفْواجُهُ وكَانَتْ في عِلْمِ الغَيْبِ، وقَدِمَتْ من وَرَاءِ البُروق من بِلادِ الرُّوم وقادِمُها صُهَيْبٌ، وأَقْبَلَتِ السُّحُبُ بِخُيوطِ أَنْوَائِها وَتَقَطَّعَتِ الأَسْبَابُ، وفَتَّحَتْ خُوَخَ البُروقِ في السَّمَاءِ المُفَتَّحَةِ الأَبْوابِ، وَأَصْبَحَتْ بِغَارِبِ النَّوْءِ كُلُّ ذُرْوَةٍ كَأَنَّها سَنامٌ، وَبِمُجْتَحَفِ السَّيْلِ كُلُّ عَيْنٍ كَأَنَّهَا مَنَامٌ، وَوَقَعَ كُلُّ جَبَل عَلى جَنْبِهِ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ ممَّا تَصَدَّعَ، وَفاضَ كلُّ وادٍ امْتَلأَ بَطْنُهُ مِمَّا شَرِبَ وانْتَفَخَتْ رَوابِيهِ مِمَّا تَضَلَّعَ، وعَمَّتْ أَهْوالٌ، وَأَغَمَّتْ أَحْوَالٌ، وكانَ لِلمدينةِ أَيُّ يَوْمٍ، ولِلَيْلَتِها فِي يَوْمِهِ أَيُّ نَوْمٍ، وَدَخَلَتْها بِالجَوارِيفِ البَقَرُ لِجَرْفِ الثَّلْجِ، وما دَخَلَتْ آلَةُ الحَرْثِ دَارَ قَوْمِ (٣).
هذا بعد توالي أَيَّام ما نَعْرِفُ مَا نَقُولُ فيها، إلا أَنَّها شَغَلَتِ الشَّيْخَ أَبا تَمَّام وشَيَّبَتِ الوَلِيدَ، وَحَجَبَتِ الدَّارَ فَمَا نُظِرَ إِليها إِلا من وراءِ زُجَاجَةٍ من الجَلِيدِ، وَعَزَّ بها حتَّى على المَيِّتِ أَنْ يُقْبَرَ، ولم يُرَ فيها قَتِيلٌ فِي بَيْتِهِ إِلا أَنَّهُ القَتِيلُ المُصَبَّرُ، ولم يَبْدُ من شُهُودِ الجِبالِ ذَواتِ الدَّوائِبِ، إِلا كُلُّ مُعَذِّبِ بِالرَّحْمَةِ، ولا مِنْ عُهُودِ الغَمَامِ
_________
(١) ينظر ما يقوله المؤرخون في كائنة الثلج سنة ٧٤٥، في: تذكرة النبيه ٣/ ٦٣ والبداية والنهاية ١٨/ ٤٧٧ والذيل التام ١/ ٦٨ وتاريخ ابن قاضي شهبة ١/ ٤١٣.
(٢) قال الإمام ابن كثير في البداية والنهاية ١٨/ ٤٦٩ - ٤٧٠: وفي صبيحة يوم السبت الخامس عشر منه [= شعبان سنة ٧٤٥] قبل الظهر، جاءت زلزلة بدمشق لم يشعر بها كثير من الناس لخفتها، والله الحمد والمنة؛ ثم تواترت الأخبار بأنَّها شعئت في بلاد حلب شيئًا كثيرًا العمران حتى سقط بعض الأبراج بقلعة حلب، وكثير من دورها ومساجدها ومشاهدها وجدرانها؛ وأما في القلاع حولها فكثير جدًا؛ وذكر أنَّ مدينة منبج لم يبق منها إلا القليل، وأنّ عامَّة الساكنين بها هلكوا تحت الردم، ﵏.
وينظر: تاريخ ابن قاضي شهبة ١/ ٣٦٠ - ٣٦١ وتذكرة النبيه ٣/ ٥٨ - ٦٠.
(٣) الإشارة إلى قول الرسول ﷺ عندما رأى سِكَةٌ وشيئًا من آلة الحَرْثِ: «لا يدخل هذا بيت قوم، إلا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ». (صحيح البخاري ٣/ ٦٦).
стр. 45
الْمُمْتَدِّ السَّحائِبِ إِلا كُلُّ مَنْشُورٍ أَبْيَضَ كَالْفَحْمَةِ.
فلما راع المملوكَ مَنظَرُهُ وساءَهُ، ورأى نَهارَهُ الطَّويل وقد جَعَلَ طَرَفَ جَناحَيْهِ مَساءَهُ، اسْتصْرَخَ على رُعودِهِ الصَّارِخَةِ، واسْتَعانَ على بُروقِهِ النَّافِخَةِ، وَاسْتَنْصَرَ عَلَيْهِ بِكُلِّ مَنْ يَهْتِفُ بِهِ الدَّاعِي، وتَهْفو إليهِ المَساعي، وأَرْسَلَ رُسُلَهُ يَشْكُو سَعْيَ هَذا المَطَرِ المُفْسِدِ، فجاؤوا يَجْرِي وراءَهُم السَّاعي، ولم يُدْعَ منهُمْ مَنْ لم يُسْتَرَى بِجَناحِهِ، وَتُفْرَسُ عَادِيَةُ هذا العَدُوِّ بِسِلاحِهِ، ويُرَدَّ بِهِ أَشَدُّ بَأْسًا من هذا الشَّتاءِ، فَأَمَّا هو وكَلَبُ بَرْدِهِ فَلَا يُنَقَّى بِحَجَرٍ لِنُبَاحِهِ.
وقد جَمَعَ المملوك ذلكَ كُلَّهُ - الابْتِداآتِ والأَجْوِبَةَ - بينَ دَفَّتَيْ دَفْتَرٍ، وأَضاف إليهِ مَقامَةٌ من ذَخَائِرِ مَولانا التي لم يَزَلْ بِها يَتَكَثَرُ، وأَثْبَتَ هذا الكِتَابَ، وَأَخْلَى مَكَانَ الجَوابِ، فَلَعَلَّهُ يُنْعِمُ بِهِ لا بَرِحَ مَنْعِمًا، ولا زالَ سالِمًا مَا عَلَيْهِ إِلَّا مَا يَرِدُ مِنْ مَطَرِ السما، ولا فَتِيءَ يُكْمِلُ النَّقْصَ، ولو لم يَكُنْ مالِكًا لما جُعِلَ، وحاشاه من الرَّيْبِ مُتَمِّمًا، إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
فكتبتُ أَنا الجواب إليه:
يُقَبِّلُ الأَرض التي يَخْجَلُ السَّحابُ من نَداها، ويَشْفِي لَثْمُ تُرابها القُلوبَ من صداها، وتَؤُمُّها الأَيَّامُ بِالمَنِّ وتَعْدُوها الخُطوبُ إِلى عِداها، تَقْبِيلًا يَزْدَادُ بِهِ شَرَفًا، ويَعْتادُ تَكْرارَهُ ولا يَعْتَدُّهُ سَرَفًا، ويَجْعَلُ مَواطِتَها بِمَواقِعِ لَثْمِهِ رَوْضَةً أُنْفًا.
ويُنهي ورود المثال العالي، تَجَلَّى حَبْرُهُ في حِبَرِهِ، وَيَفْضَحُ زَهْرَ الْأُفُقِ رَوْضُهُ بِزَهَرِهِ، وَتَتَحَقَّقُ النَّواظِرُ حُسْنَ صَنائِعِهِ وَمَا دَبَّجَهُ القَلَمُ فِيهِ بِأَثَرِهِ، ويُهدِي إِلى الأَسْمَاعِ إِنْعَامَ أَنْعَامِهِ، ويَجْلو على العُيونِ صُوَرَ سُوَرِهِ؛ فَوَقَفَ لَهُ وانْتَصَبَ، وَافْتَخَرَ بِوُرودِهِ على بَني الأَيَّامِ وانْتَسَبَ، وانتهى إلى الإِشارَةِ الكَرِيمَةِ في أَخْبَارِ الثلوج الَّتِي طَمَّتْ وغَمَّتْ، وأَوْضَحَتْ أَنْبَاءَها وما عَمَّتْ، وساقَتْ إِلى الشَّامِ قِطَارَ القُطَارِ وَزَمَّتْ، وَنَمَتْ بَرَكاتُ مَواقِعِها ونَمَّتْ وَتَمَّتْ، وَهَمَتْ سَحائِبُها بالعَذابِ وَأَهَمَّتْ، فَإِنْ لَمْ تَبْلُغَ القُلُوبُ الحَناجِرَ فقد هَمَّتْ؛ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ أَرْبَتْ بالثلوج على الأُولى، وزادَتْ عَرْضَ الأَرْضِ طولًا، وجَعَلَتْ صَحيحاتِ النَّواظِرِ حُولًا، فَما يَظُنُّ المملوكُ إِلَّا أَنَّ اللهَ تعالى نَسَفَ جبالَ الشَّامِ ثَلْجًا، وَجَعَلَ حَواجِبَها المُمْتَدَّةَ على عُيُونِ الْأَرْضِ بَلْجًا.
على أَنَّ الديار المصْرِيَّةَ في هذا العام وَصَلَ إِليها فَضْلَةُ ذلكَ البَرْدِ، وَرَمَى أَهْلَها بما لا عَهِدُوهُ من مِزاجها الذي كَأَنَّهُ زَمَنُ الوَرْدِ، فلو تَرى أَحَدَهُم وقد أَخَذَهُ النَّافِضُ، ونَجَّاهُ القَرُّ بِعامِلِهِ الرَّافِعِ الخافِضِ، لا يَحْمِيهِ حِصْنُ فَرْوَةٍ ولا يُجِنُّهُ، ولا يَصُدُّ عَنهُ نَفْحَةَ
стр. 46
زمهرير ولا يُكِنُّهُ؛ لَتَوَهَّمْتَهُ أَخا وَجْدٍ يَهْتَزُّ طَرَبًا، أَوْ غُصْنَا اعْتَوَرَ عليهِ رِيْحا شمال وصبا، قَدْ رُكْبَتْ أَعْضاؤُهُ من الزِّنْبَقِ فَما تَسْتَقِرُّ، وَجَفَّتْ لَهَواتُهُ يُبْسًا فَما تَسْتَدِرُّ، لا يَمُدُّ كَفَّهُ ولو بايَعَهُ النَّاسُ على الخِلافَةِ، ولا يُخْرِجُ يَدَهُ ولو كان فقيرًا إِلى كِيْسِ ذَهَبٍ أَوْ نَدِيمًا إِلَى كَأْسٍ سُلافَةٍ، وَلَا يَنْبَعِثُ لِعَمَلٍ كَأَنَّهُ إِنَّ وقد دَخَلَتْ عليه ما الكافَّةُ، ولا يُصَدِّقُ حَدِيثَ شَمْسَ ولو كانَ بالقُطْرِ الجنوبي شتاء، ويقولُ: حَديثُ خُرافة (١): [من الكامل]
ويرى عتاقَ الطَّيْرِ في وُكُناتِها … تَخْتارُ حَرَّ النَّارِ والسَّفودا
وإِذا رَمَى فَضْلاتِ كَأْسٍ في الهَوى … عادت عليه من العَقِيقِ عُقودا
كم بَكَى أَنْفُهُ، وَدَمْعُ جُنونِهِ أَحَقُّ بِتِلْكَ العَبَراتِ، وكم طافَ بِكَعْبَةِ كَانُونٍ وما أَتى غَيْرَ الجَمَراتِ، يَكادُ لِذلِكَ البَرْدُ واليُبْسُ يَتَجَسَّدُ حَتَّى الكَلَامُ، وَيَتَوَسَّدُ الإِنْسَانُ طَلَبَ الدِّيارِ تَحْتَ الرِّجامِ، تَلْهَجُ الرِّعْدَةُ بِهِ لَهْجَ السُّكونِ بِحَرْفِ العِلَّةِ، أَوْ عُيونِ العُشَّاقِ بالدموع المُسْتَهِلَّةِ، أَوْ البَدائِعِ والبَدائِهِ بِكَلِمَاتِ مَولانا المُتَدَفِّقَةِ، أَوِ الفَهَاهَةِ والعِيِّ بِعِبَارَةِ الْمَملُوكِ وَكَلِمَاتِهِ المُتَلَفِّقَةِ.
لقد تَحَقَّقَ أَنَّ عُنْصُرَ النَّارِ ذَهَبٌ فَلَكُهُ، وَأَنَّ الأَثِيرَ تَقَطَّعَتْ حُبُكُهُ، يَا رَحْمَتَا لَهُ مِنِ عارٍ يَحْسَبُ أَنَّ النَّخَ (٢) نَخَا تَحْتَهُ فَنَكُ، ويا عَجَبًا لَهُ مِنْ عَاجِزِ عَنِ الكَلَامِ وَكَمْ دَقَّ بالحَنَكِ، هذا وبَيْنَ الإِقْلِيمَيْنِ من هذا البُعْدِ الذي ما لِلُجِّهِ ساحِل، والمَسافَةِ التي إذا سرى فيها طَيْفُ شَيْقٍ أَصْبَحَ دُونَ الغَايَةِ بِمَراحِلَ، ولم يَصِلْ إِلَيْنَا إِلا فُضالاتُ تلك العَواصِفِ، ولُفاظاتُ ما يَنْفُثُهُ فَمُ الجَوِّ من الرُّعودِ العَواصِفِ، فَهَذِهِ رُموزُ مَا هُناكَ من التصريح، وبَعْضُ شَرَرِ ما يَنْفُخُهُ كِيْرُ الرِّيحِ، فكيف بمكان كانَ فيهِ المَصْرَعُ؟ ومَظَان ما يَنْشَأُ عن الرِّياحِ الأَرْبَع، ومَواطِنَ إِذا كَانَتِ الرِّيحُ رُخاءَ مَرَّتْ بِهِ وهي زَعْزَعُ، وبقاع أَصْبَحَ الغُرابُ الْأَبْقَعُ بِثَلْجِها قُمْرِيًَّا، وبلادٍ تَتَّخِذُ الشَّمْسَ فِي المَصِيفِ ظِهْرِيًَّا، كَأَنَّهَا بِلادُ أَبِي الطَّيِّبِ التي لَبِسَتْ عَليهِ مَسَالِكَهُ، وَغَدَتْ بِبَياضِها وهي سَوْداءُ حالِكَةٌ، فَأَقْبِحْ بِتِلْكَ الأَرْضِ إِذَا أَصْبَحَتْ ثُغورًا تَضْحَكُ، وأَبْعِدْ بِتِلْكَ الأَنْداءِ التي يَنْحَلُّ منها الكافور وَيَنْحَكَ؛ ولقد كابَدَ المَملوكُ ثُلوجها ولا إلى هذا الحدّ، وعالَجَ أَنْواءها ولكن ذلك لَعِبٌ وهذا جد، ولقد أَذْكَرنَي ما قُلْتُهُ فيها في وَقْتٍ، وهو (٣): [من السريع]
تَبًَّا لها من بَلْدَةٍ لا أَرى … فيها مقامي واضِحَ النَّهْجِ
_________
(١) البيتان للباخرزي، في ديوانه ١٠٠ - ١٠١. وبلا نسبة في الكشف والتنبيه ٢٤٦.
(٢) النخ: بساط طوله أكثر من عرضه. (القاموس).
(٣) البيتان في الغيث المسجم ١/ ١١٨ والكشف والتنبيه ٢٤٩.
стр. 47
لأنها في وَجْهِ سُكَانِها … وَأَهلِها تَبْصُقُ بِالثَّلْجِ
والله الوداعي (١) حيثُ يَقولُ (٢): [من المنسرح]
أقولُ والثَّلْجُ قد نُشِرْنَ لَهُ … على وجوه الملا ملاات
لَوْ لَمْ تَكُنْ قامَتِ القيامة ما … بدِّلَتِ الأَرْضُ والسَّماوات
والله المسؤول في الإعانَةِ، والمَرْجُو لِحُسْنِ العاقِبَةِ، لا إِلهَ إِلا هُوَ سُبحانَهُ؛ ومولانا في وقاية من اللهِ تَكُفُّ عنهُ الأَسْواءَ، وتَرُدُّ الأَدْواء، وتَصُدُّ الأُواءِ، وَنِعْمَةٍ من اللهِ تُصاحِبُهُ صَباحَ مَساءَ، وتُبَلِّغُهُ من المارِبِ والمَسارِبِ حيثُ سَارَ وَحَيْثُ شَاءَ، بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٦٣ - ١٦٨.
[٤]
قال الصفدي: وَكَتَبَ إليَّ وقد تَواتَرَتِ الأَمْطار في شهر شباط من سنة ٧٤٦ هـ (٣): [من البسيط]
هي السَّحائِبُ أَمَّا وَجْهُها فَنَدِ … ... إلخ القصيدة
يُقَبِّلُ كذا، لا زالت سَنَةُ أَنْوَائِها ماطِرَةً، وسِنَةُ الكَرِى فِي مُقَلِ نَوَّارِها خاطِرَةً، وسُنَّةُ رِياضِها أَنْ تَتَبَرَّجَ مِنْهَا كلُّ عَاطِرَةٍ، ولا بَرِحَتْ أَلْسِنَةُ بُروقها لِقُلُوبِ السُّحُبِ فَاطِرَةٌ، وأَسِنَّةُ دَوْحِها من ذَلاذِلِ الأَنْداءِ قاطِرَةٌ، لِتَحْفَظَ لِمَواثِيقِ السُّحُبِ العُهود، ويُفَضَّ من وَثِيقِ السُّخْبِ العُقُودُ، وتَعْلَمَ يَدُ الأَنْواءِ إِذا ضَنَّتْ بِالجُودِ كَيْفَ تَجُودُ.
مِنْ خَبَرِ هَذِهِ الخِدْمَةِ، وَإِنْ تَقَسَّمَتْ أَقسامًا، وسَرَّتْ أَقوامًا وساءَتْ أَقوامًا، الإعلام بأخبار هذا الشتاءِ، وأَحْوالِ هذا الحَوْلِ في الهَرَمِ والفَناءِ، وَأَنَّ الصَّيْفَ أَقامَ إِلَى آخر كانون، وما أُوقِدَتْ فِيهِ لِغَيْرِ شَمْسِهِ جَمْرَةٌ، ولا عُرِفَ مِنْ قَوْسِ قُزَحَ فِي غَيْرِ جَناحِ شُعاعِهِ خُضْرَةٌ ولا حُمْرَةٌ، ولا فُتِحَتْ فِيهِ للسَّماءِ أَبْوابٌ، ولا بَرَزَتِ الأَرْضُ مِنْ صَنْدَلِ
_________
(١) الوداعي: علي بن المظفر بن إبراهيم، كاتب ابن وداعة؛ توفي سنة ٧١٦ هـ. (الوافي بالوفيات ٢٢/ ١٩٩)
(٢) البيتان في الكشف والتنبيه ٢٤٦.
(٣) انظر: القطعة رقم (١١) في موضوع شعره.
стр. 48
الطيب في إزارٍ ولا أَثواب، حَتَّى إِذا قَيَّةَ النَّاسُ، وقُيِّضَ الباسُ، وقيل: هذا الشتاء قد آذَنَ بِذَهَابٍ، وهذا البَرْقُ لا تَفْضِيض منهُ لِمَنْثُورِ مَصاحِفِ السَّماءِ ولا إِذْهَابَ، آب منهُ ما ظُنَّ أَنَّهُ لَا يَؤوبُ إِلا بعد آب وأيلول، ولا يُرى إلى السَّنَةِ الْآتِيَةِ رُدْنُ رَوْضٍ مَبْلُولٌ.
وَأَقْبَلَ وَقد تَقَطَّعَ خَيْطُ مُزْنِهِ، وسَمَحَ منهُ بِالكَثِيرِ بعدَ طُولِ خَزْنِهِ، وجَاءَ وِعاءُ المَطَرِ في آخِرِ الشَّتاءِ مَحْلول الرباط، وكُلُّ ما كَنى عنهُ كَانُونُ صَرَّحَ بِهِ شُبَاطُ، فَجَاءَ لَا نَعْرِفُ أَيَّامَهُ مِنْ لَيالِيهِ، ولا رَوائِحَهُ من غَوادِيْهِ؛ وَتَواصَلَ مِدْرَارًا، وسال وسأَلَ اسْتِمْرارًا، واسْتَدْرَكَ فَائِتَ الغَمَامِ، وَأَقْبَلَ بِالسُّحُبِ الثِّقَالِ والبِحارِ العِظامِ، وَدَنا هَيْدَبُهُ مِنْ الأَرْضِ واقْتَرَبَ، وحَلَّ صَيِّبُهُ وِكَاءَهُ وَسَكَبَ بِأَفْوَاهِ القِرَبِ، وَحَلَّ صَبِيبَهُ إِلَّا أَنَّهُ مَا جَاءَ بِدِمْقَسِ حريرِهِ الأَبْيَض إلا محلولًا، ولا طارَ جَناحُ غَمَامِهِ الغِرْبِيبِ الأَسْوَدِ إِلَّا مَبْلُولًا، وَمَثَلَ فِيهِ السَّحابُ وَتَرْجَمَ عَنْ البَحْرِ بِفِيهِ، وَهَبَّتْ فِيهِ عَواصِفُ الشَّتاءِ وَكَانَ يُقالُ: إِنَّ رَوائِحَ الصَّيْفِ فِيهِ، إِلا أَنَّ سُيوفَهُ لم تُسَلَّ، وَأَيْدِي مُزْنِهِ فِي سَلاسِلِهِ لَم تُغَلَّ، وَصَوَارِخَ رُعودِهِ ما كان منها في هذِهِ السَّنَةِ فَتَاسٌ، وطُرُقَ أَنْوَائِهِ لم يَكُنْ مِنْهَا فِي هَذِهِ المُدَّةِ رَشَّاشِ، وإِنَّما جَاءَتْ وفاقًا، وأَتَتْ عَمْدًا وإِنَّما كَانَتْ اتفاقًا؛ والرَّكْبُ قد حُبِسَ وَمَا انْطَلَقَ، وَلَجَأَ إِلى ذُرْوَةٍ وخافَ الغَرَقَ، وأَضْحَتِ الإِبلُ فِي حَورانَ قَبْلَ رَمْلِ عَالِجِ بَوارِكَ، وسُرَّتْ فَلَجَأَتْ إِلى الشَّامِ بِمِثْلِ أَفْوَاءِ الهِجانِ الأَوارِكِ، وزادَ الأَمْرُ حَتَّى مُنِعَ طَوارِقُ أَخْبَارِهِمْ أَنْ يجين، وجُعِلَ زَادُ الحُجَّاجِ وَفَائِقُ أَخْبَارِهِمْ من عَجِينٍ، هذا وكم من جَمَلٍ قد كُسِرَ، وَرَجُلٍ مُطْلَقٍ في سَبيلِهِ فِي حِبالِ الشَّتاءِ وقد أُسِرَ، وذِي هِمَّةٍ كَانَ كَأَنْ لَمْ يُفَارِقِ المَدِينَةَ قد رَجَعَ، وَآخَرَ صَمَّمَ بِعِزِّ العَزْمَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَم يَحْمَدِ المُنْتَجَعَ.
وكانَ الرَّكْبُ الحِجازي في هذِهِ السَّنَةِ بَحْرًا يَعُجُّ عَجاجُهُ، وبَرًَّا يَضِيقُ بِنازِلِيهِ فجاجُهُ، وأَكْثَرُ القَوْمِ غُرباءُ، فَجاؤوا من بَعِيدِ المَسْرِي، وَأَتَوْا مِنْ خَلْفِ دَارِ قَيْصَرَ وكسرى، ورَكِبُوا الأَهْوَالَ، وبَذَلوا الأَمْوالَ، وخاضُوا الأَوْحَالَ إِلَى هَذِهِ الأَحوال.
وقد حَبَّرَ المَملوكُ بِيضَ الصَّحائِفِ بِسَوادِ هذا الخَبَرِ، وعَبَّرَ عن بَعْضِ هَذِهِ العِبَرِ، وإِنَّمَا الأَجْرُ على قَدْرِ المَشَقَّةِ، ولولا هذا لما قاسَ ذِراعَ مَطِيِّهِ وقاسى تِلكَ الشُّقَّةَ، وَمَنْ عَرَفَ مَا يَطْلُبُ هانَ عليهِ ما يَبْذُلُ، والصَّعْبُ في لِقاءِ الحَبِيبِ يَسْهُلُ، وَهَؤلاءِ وَقْدُ اللهِ ورسوله ﷺ والله ما يُضَيِّعُهُم، ولا يُنْسى لَدَيْهِ صَنِيعُهُمْ: [من الطويل]
وطوبى لِمَنْ أَمْسى على دارَةِ الحِمى … لَهُ مَنْزِلٌ أَوْ دُونَهُ بِقَليل
لا زالَتْ سَماؤُهُ مَصْحِيَّةً، وشُموسُ أَيَّامِهِ مَضِحْيَّةً.
стр. 49
فكتبتُ أَنا الجَوابَ إِليه عن ذلك:
يُقَبِّلُ الأَرْضَ مَعْنى، وإِلا فَأَيْنَ الأَرْضُ؟ وَيَتَوَهَّمُ وُجودَها ذِهْنًا، وإِلا فهي مَفْقُودَةٌ لِيَوْمِ العَرْضِ، غَطَّتِ الأَمْطارُ ثَراها، وشَطَّتْ مَنازِلُها وبَعْدَ حِمَاهَا، وَحَطَّتْ بِها رَكائِبُ السُّيولِ فَاجْتَحَفَتْ تُرْبَها فَما نَراها (تُرْبًا)، وَبَلَغَ السَّيْلُ الرُّبَا لا الرُّبى، وَزَكَى الغَيْثُ وَنَمَتْ بَرَكاتُهُ وَرَبا، وأَقْبَلَ شُباط فما آب آب، وَوَلَّى تَمُوزُ هَرَبًا، فَأَيْنَ المَفَرُّ ولا عَاصِمَ؟ وأَيْنَ الخَلاصُ وَنَحْنُ بِمُدَى هَذِهِ البُروقِ في حَرِّ الغَلاصم؟ وكيفَ وُضُوحُ الحُجَّةِ لِلنَّجاةِ، وهذِهِ الرُّعودُ القاصِفَةُ تُخاصِمُ؟ وكيف وكيف وكيف؟ وهذا البَرْدُ قد فَعَلَ في الأَجْسامِ ما لا يَفْعَلُهُ ذُبابُ الصَّيْفِ، وأَهْوِنْ بِهِ، بَلْ ولا ذُبَابُ السَّيْفِ.
ويُنهي ورود الأبياتِ الدَّالِيَّةَ تَجُرُّ رِداءَ حُسْنِها، وتَصِفُ شِدَّةٍ حَلَّتْ بِنا، وما نَحْنُ وَزْنَ مُزْنِها، وتَسْرُدُ خَبَرَ النُّفوس التي ارْتاعَتْ في أَجْسادِها، وما كأَنَّها في كِنّها، وتَتَّصِلُ بِرَوْضَةٍ حَمائِمُها ساجِعَةٌ، وكَواكِبُ فَضْلِها للاسْتِقامَةِ رَاجِعَةٌ، وعُيونُ مَحاسِنِها تَسْهَرُ لَها العيون وهيَ مِلْءَ جُفونها هاجِعَةٌ، فَشَغَلَهُ حَلْيُها الذي لا يُعارُ لِسِواها، وبُهِتَ لِهَذِهِ النيراتِ التي رَفَعَ قَلَمُهُ سَمْكَها فَسَوَّاها، وَتَنَزَّهَ في نِفْسِها الذي أَغْطَشَ لَيْلَها، وطِرْسِها الذي أَخْرَجَ ضُحاها.
وقال: أَلا هَكذا فَلْيَكُنْ كلامُ مَنْ أَنْشا، وأَبْطَنَ المَعاني البَلِيغَةَ وغَشَّاهَا مِنَ الألفاظ وما غَشَّى، وكتب وهذا مَجاز، وإلا فالحقيقة أنَّهُ طَرَّزَ وطَرَّفَ، وَوَسَّعَ وَوَشَّى، وما يقولُ المملوكُ إِلا أَنَّ مَولانا مَلَكَ هذا الفَنَّ والنَّاسُ عليهِ عِيال، وهو يَمْشِي في نُورِ أَيَّامِ والنَّاسُ يَحْبِطُونَ في ظُلماتِ لَيالٍ، وهو يَقْطِفُ زَهْرَ الكَلامِ وَيَجْنِي ثِمَارَهُ، وغَيْرُهُ يَحْتَطِبُ شَوْكَ الرِّياحِ والسيال.
فلقد وَصَفَ هَذِهِ الشَّدائِدَ بِما وَصَفَ، وحكى الحال الذي كم بَارِقٍ فِيهِ لَمَعَ، وَكَمْ راعِدٍ قَصَفَ، وَأَطْرَبَ الأَلْبابَ فَلا خَدُّ وَرْدٍ إِلا فِي خَجَلٍ، وَلا غُصْنُ بِانٍ إِلَّا انْقَصَفَ؛ وهو حَرَسُهُ اللهُ تعالى إِذا وَصَفَ عَرَفَ ما يَقولُ، وأَتى بِما تَنْفَصِمُ لَهُ عُقودُ العُقولِ، وحَسَّنَ مَا يَهُونُ وَرَوَّعَ مَا يَهولُ، وأَوْضَحَ المَعانِي فَما تَخْفَى إِلا على غَبِيٍّ أَوْ جَهُولٍ، فالله يديم لنا هذه الفوائد التي هي لِذُنوبِ هَذِهِ الشَّدائِدِ كَفَّارَةٌ، ولهذِهِ السَّيِّئَاتِ الشَّتَوِيَّةِ غَفَّارَةٌ.
وقد أجاب المملوك عن هذِهِ الأَبياتِ الطَّائِلَةِ بِقُصُورِهِ، وَأَتَى بِأَكْوَاخِهِ الضَّيِّقَةِ إِلَى مَلِكِ الإِنْشَاءِ وهو في فسيحاتِ قُصورِهِ، وما ثَمَّ إِلا سِتْرُ مولانا الذي عَوَّدَ إِسْبَالَهُ،
стр. 50
وحِلْمُهُ الذي يَسَعُ هَفَواتِ غَيْرِهِ، ولو أَنْصَفَ نَتَفَ سِبالَهُ؛ وهي (١): [من البسيط]
ما لِلْغَمَائِمِ قد أَرْسَتْ على البَلَدِ … ولم تُفارِقْ مَغانِيْهِ مَدَى الأَبَدِ
وحين لاحتْ على بُعد طلائعها … ساقَتْ إِلَيْنَا بَرِيدَ البَرْدِ وَالبَرَدِ
خاطَتْ عَلَيْهَا ثِيَابَ السُّحْبِ فَالْتَأَمَتْ … هذا وخَيْطُ الحَيا خال من العُقَدِ
ولم تَبِتْ أَعْيُنُ الأَنْواء باكِيَةٌ … إِلا لِلْبَرْقِ فيها حُمْرَةُ الرَّمَدِ
كَمْ شَقَّقَ الرَّعْدُ جَيْبًا من سَحَائِبِهِ … وقَلَّبَ البَرْقُ فيها قَلْبَ مُرْتَعِدِ
يا للعَجِيبِ قِبَابُ السُّحْبِ قد وَقَفَتْ … هذا الزمان وما قامَتْ على عَمَدِ
فَاسْمَعْ حَدِيثَ عَناء قد أَحاطَ بِنا … من عَهْدِ نُوحٍ وحَتَّى الآن لم يَرِدِ
أَبو قِلابَةَ يَرْوِي اليَوْمَ عن مَطَرٍ … عن ثابت عنْ يَزِيدٍ وَاصِلَ السَّنَدِ
لا يُوحِشُ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يُقالُ لَهُ … شَمْسُ النَّهَارِ فَمَا تَبْدُو لِمُرْتَصِدِ
أَمَّا النُّجُومُ فَشَيْءٌ كَانَ فِي زَمَنِ … مَضَى حَمِيدًا فقَد وَلَّى ولم يَعُدِ
كذا الفراء وكانَتْ ذاتَ مَنْفَعَةٍ … «أَقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأَبَدِ» (٢)
وهكذا كُلُّ لِبْدٍ كُنْتَ تَعْهَدُهُ … «أَخْنَى عَلَيْهِ الذِي أَخْنَى على لُبَدِ»
وَمُذْ نَشَدْتُ ثِيابًا أَسْتَعِينُ بِها … «عَيَّتْ جَوابًا وما بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ»
قَدْ أَقْفَرَتْ راحتي من راحتي وخَلَتْ … «ولم أُعَرِّضْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ»
فَلا تَقُلْ إِنْ ذا لِلزَّرْعِ مَصْلَحَةٌ … «يَسْعَى لِنَفْعِي وَيَسْعَى سَعْيَ مُجْتَهِدِ» (٣)
فَلَيْتَ هذا الشَّتَاءُ الصَّعْبُ مُذْ وَقَعَتْ … «عَيْنِي عَلَيْهِ افْتَرَقْنَا فُرْقَةَ الْأَبَدِ»
بَرْد لو أنَّ الوَرى جَاءَتْ تُبايِعُني … على الخِلافَةِ لم أَقْدِرْ أَمُدُّ يَدِي
ما نَحْنُ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ كي يطوف بنا الطـ … ـوفان فافْهَمْ لِتَعْرِيضي على بُعدِ
لَقَدْ سَكِرْنا مِنَ الهَمِّ المُبَرِّح لا … من راح راحة ساق فاتن الجَيَدِ
فالوكف راووقنا والبَيْتُ باطَيَةٌ … ونَحْنُ مِثْلُ حَبابٍ فِيهِ مُنْتَضَدِ
فالأنف باك لأَنَّ العَيْنَ جَامِدَةٌ … والجِلْدُ مِمَّا يُلاقِي عَادِمُ الجَلَدِ
قَدْ مَرَّ كَانُونُ خِلْوًا من أَذىً وقَذى … وجَمْرَةُ الشَّمْسِ لا تَخْبُو لِمُتَّقِدِ
_________
(١) ستة من هذه الأبيات في الكشف والتنبيه ٢٣٣.
(٢) الأعجاز الآتية مضمنة من دالية النابغة الذبياني، ديوانه ٢٦٢.
(٣) هذا العجز والذي يليه مضمنان من قول أسامة بن منقذ في ضرس له قَلَعَهُ: [ديوانه ١٥٢ ومختصر تاريخ دمشق ٤/ ٢٦٠]:
وصاحب لا تمل الدهر صحبته … يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم يَبْدُ لي من تصاحبنا فحين بدا … لناظري افترقنا فرقة الأبد
стр. 51
فجا شباط بسيباطِ السَّحابِ إِلى … أَنْ جَلَّلَ الأُفْقَ ثَوْبًا لَمْ يُخَطْ بِيَدِ
فَكَمْ رَمَى نَبْلَ وَبْلٍ باتَ يَرْشُقُنا … وَلَيْسَ تَمْنَعُهُ مَوضُونَةُ الزَّرَدِ
ما كانَ أَغْنى الورى في ذا القطوع وذا التـ … عبير عن لَقْط هذا اللُّؤْلُةِ البَدَدِ
فَلا تَقُلْ إِنَّ هذا رَحْمَةٌ نَزَلَتْ … فَإِنَّ هذا قِياسٌ غَيْرُ مُطَّرِدِ
إِنْ دَامَ لا دَامَ عَمَّ الهُلْكُ أَجْمَعَنَا … وما لَنا غَيْرُ رُحْمَى الوَاحِدِ الصَّمَدِ
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٦٩ - ١٧٤.
قال الصفدي:
وَكَتَب إليَّ عند قدومي من القاهرة، أوائل سنة ٧٤٦ يَطْلبُ مِنِّي جوابًا كتبته عن السُّلطان الملِكِ الصَّالِحِ إسماعيل - قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ - إِلى السُّلْطَانِ أَبِي الحَسَنِ المَرِينِي صاحِبِ مُرَّاكِش (١): [من الطويل]
رعى اللهُ قَلْبًا لا يَزالُ يَشُوقُهُ … إلخ القطعة
المملوك يُقَبِّلُ كذا، التي جاءَتْ هِيَ وبَواكِيرُ الرَّبِيعِ عَلَى قَدَرٍ، وَوَرَدَتْ قَبْلَ الوَرْدِ، والبَدْرَةُ لِمَنْ بَدَرَ، وعادَتْ وأَبْقَتِ النِّيْلَ بِحُمْرَةِ خَجَلِهِ، لأَنَّ أَبا الصَّفاءِ لا يُمائِلُهُ أبو الكَدَرِ.
ويُنْهِي تَشَوُّقَهُ إِلَى الرِّسالَةِ المَغْرِبِيَّةِ وما كُتِبَ في جَوابِها، وما يشُكُ أَنَّهُ قَدْ ساق إلى المغرب الشَّمْسَ، وأَنْسَى بِيَوْمِهِ فِي الدِّيوانِ كلَّ أَمْسِ، وَأَسْمَعَ المَرِييْنِيَّ مَا لَمْ يَمُرَّ بِسَمْعِهِ مِنْ لِسان، وأراهُ مِنْ مَقْدَمِهِ أَحْسَنَ مِنْ يَوْمِ فَتْحِ تِلمسان، هذا إِلَى مُتَجَدِّدَاتِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ مِمَّا لا يُوَلِّدُهُ من الدُّرِّ مَطَرُ نَيْسان.
فكتبت أنا الجَوابَ إِليهِ: [من الطويل]
خليلُكَ إِذْ وافي حِماكَ تَرَفَّعَتْ … بِهِ رُتَبٌ أَدْنَتْهُ فَهْوَ جَليلُ
وصال وهابَتْهُ النَّوى وسما بِهِ … إِلى الشَّهْبِ فَرْعٌ لا يُرامُ طَويل
وعادَ فَعادَتْهُ المَسَرَّةُ بَعْدَما … مَضَتْ مُدَّةٌ بِالبُعْدِ وَهُوَ عَليلُ
_________
(١) رسالة أبي الحسن المريني، أوردها المقري في نفح الطيب ٤/ ٣٨٦. وجواب الصفدي عنها في ٤/ ٣٩٤ وما بعد. وينظر إجازة الصفدي برواية رسالته في ٤/ ٣٩٩.
انظر: القطعة رقم (٢٧) في موضوع شعره.
стр. 52
ومن جاءَ مِنْ مِصْرٍ إِلى الشَّامِ قاصدًا … إِلَيْكَ تَلَقَّاهُ بِجُودِكَ نِيلُ
يُقَبِّلُ الأَرْضَ، ويُنْهِي وَرُودَ المِثالِ الذي خَسَفَ حُسْنُهُ القَمَرَ، وأَراهُ تَرَفْعَ الزُّهْرِ وتَفَتَّحَ الزَّهَرِ، وَفَضَحَ رَوْنَقُهُ الدَّراري، وإِن تَنازَلَ فقد أَخْجَلَ الدُّرَرَ، وَتَحَقَّقَ أَنَّهَا دَوْحَةٌ أَخْرَجَها مَنْ ضَرَبَتْ أَعْراقُهُ الطَّيِّبَةُ إِلى عُمَرَ، وامْتَثَلَ ما رَسَمَ بِه مَوْلانا وجَهَزَهُ، عِلْمًا بِأَنَّهُ قد أَهْدَى الذُّبالَةَ إِلى النَّيِّرِ الأَعْظَم، وَجَهَّزَ النِّيْلَ المُحْتَرِقَ إِلَى الْبَحْرِ المُفْعَمِ، وَعَرَضَ على غُوطَةِ قَاسِبُونَ حَاجِزَ المُقَطَّم، فَأَيْنَ جَوابُ الغَرْبِ مِمَّنْ مَلَأَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ ذِكْرُهُ؟ وأَيْنَ هَشِيمُ المُقِلِّ من مُكْثِرِ سَدَّ الأَباطِحَ والرُّبا زَهْرُهُ؟ فَإِنْ كَانَ فِيها ما يَروقُ فهو من بضائع مولانا التي رَدَّها اللهُ عليهِ وساقَ هَدْيَ هَدِيَّتِها إِليهِ، وَإِلا فَكَلامُ العاجِزِ عجوز، ومُقابَلَةُ الشُّهُبِ بِالحَصى لا تجوز، واللهُ يُدِيمُ فَوائِدَ مَولانا التي تَهْدِي فَواكِهَ أَيْلُولَ إِلى مَنْ فِي قَلْبِهِ حَرٌّ تَمُّوز، بِمَنْهِ وَكَرَمِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٧٤ - ١٧٥.
[٦]
قال الصفدي: وكتب [العمري] إليَّ، وأنا بِصَفَد المحروسة، في سنة تسع عشرة وسبعمئة جوابًا:
لا زالَتْ فِطْنَتُهُ دَاعِيَةَ الإِسْراع، ومَحاسِنُهُ مِلْءَ الأَبْصارِ والأَفْوَاءِ والأَسْمَاعِ، ويُنهي وقوفه على كُلِّ من الجَوابَيْنِ، فَوَقَفَ النَّظَرَ عليهِ وحَبَسَهُ، وَاسْتَأْنَسَ بِهِ فَآمَنَ سَمْعُهُ وآنَسَهُ، وَاجْتَنى مَعانِيْهِ فَتَحَقَّقَ أَنَّها من ثَمَراتِ ذلكَ الغَرْسِ، وَتَمَتَّع من مَحاسِنِهِ بِجَنَّاتٍ فيها ما تَلَذُّ الأَعْيُنُ وَتَشْتَهِي النَّفْسُ، وعَلِمَ أَنَّهُما أَمِنا أَنْ يُعَزَّزَ بِثَالِثٍ، وأَن يُضاهيهما إِلا عابث، وأنَّهما الشَّمْسُ والقَمَرُ، والبَحْرُ والمَطَرُ، واسْتَتَرَ بِهما وتَهَنَّى، وقال (١): أَتَاكَ المَجْدُ من هَنَّا وهَنَّا (٢): [من الطويل]
سَمَت نَحْوها الأَبْصارُ حَتَّى كَأَنَّها … بنارَيْهِ مِنْ هَنَّا وثَمَّ صَوالي
وقال: هكذا فَلْيَكُنْ مَنْ يُكاتِبُ، وَبِمِثْلِ هذا فَلْيُجاوِبُ مَنْ يُجاوِبُ، وَتَساوَتْ قِيمَتُها فَلَم يَدْرِ أَيَّهما يُفَضّلُ، وَبَهَرَتْ أَنْوارُهُما حَتَّى دَهِشَ، أَيُّهما يَبْدَأُ بِهِ وَيَتَأَمَّلُ؛ إِلَى
_________
(١) صدر بيت لأبي وجزة السعدي في ديوانه ١٦٠. وعجزه: وكُنْتُ له بمختلج السيول.
(٢) البيت لأبي العلاء المعري في سقط الزند ٣/ ١١٦٤.
стр. 53
أَنْ وَجَدَ أَحَدَهُما مُوَشَّعًا بِالخَطِّ الكَرِيمِ البَهَائِي مَرْقُومُ، مُشْتَمْلًا على رِياضِ صَدَرَتْ من أَنامِلِهِ الشَّريفة عن غُيوم، وما جَعَلَهُ فِي أَثْناء ذلِكَ الكِتابِ إِلَّا خَشْيَةَ أَنْ يَبْدَهَ العُقولَ فَيَشْدَهَها بالخيالِ، وما كَانَ مَوْضِعُهُ الحَواشِي إِلا لِيُشْهِدَ لِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ عليهِ خَطُّ الكَمالِ، ولا عَدِمَ المَملوك من عَوارِفِهِ في تالِدِ الفَضْلِ وطارِفِهِ: [من الخفيف]
مُحْسِنًا لَمْ يَدَعْ لَنا بِأَيادِي … ـه على كَثْرَةِ الرَّجَاءِ رَجَاءَ
جادَ قَبْلَ السُّؤالِ بِرًَّا فَلَمَّا … لَم نَسَلَّ مِنْ نَدَاهُ جَادَ ابْتِدَاءَ
ولقد اسْتَدْرَجَ كَرَمُهُ لِسانَ المَملوكِ، عمَّا كانَ بِصَدَدِهِ مِنْ ذِكْرِ المُشَرَّفِ الوَارِدِ، وَوَصَفَ مِنَنَهُ التي تَثْبُتُ في الأَعْنَاقِ كالقَلائِدِ؛ فإِنَّ المَملوك كان قد سَكِرَ بِمَا أَدارَهُ القَلَمُ البهائي من كُؤُوسِ تَصْرَعُ الأَلباب، وتَضْرِبُ بَينَ المَرْءِ وعَقْلِهِ بِحِجاب، وقد آنَ لِلمَملوكِ أن يصحو، وأَن يَقْصِدَ طَريقَ الأَدَبِ ويَنْحو، فيقول: إِنَّ المُشَرَّفتينِ الكَريمتين وإِن ثُلُثَنا عَدَدًا، وَسَلَكتا طَرائِقَ قِدَدًا، فَدَرُّهُما مُؤْتَلِفٌ، وبِرُّهُما لا يَخْتَلِفُ، وَوَصَلَ قَرِينَهما ما أَنْعَمَ بِإِنْفَاذِهِ مِمَّا كانَ المَملوكُ الْتَمَسَهُ من كَرَمِهِ، وَاسْتَهْدَاهُ مِنْ مَواهِبِ قَلَمِهِ.
وأَمَّا ما كانَ بَلَغَهُ من الأخبار عن الجَنابِ الزَّيْني، فالجواب عنه قَوْلُ مِهيار.
وأما المراثي الشهابيَّةُ، فَنَظَمَ الجَنابانِ الشَّريفان العلائي والشهابي وَلَدا غانم أَبْقَاهُما الله تعالى قصيدتين، بل فريدتين، وكانَ الجَنابُ العالي ابن نباتة غائبًا عن مَوْتِهِ، فلمَّا حَضَرَ عَمِلَ قَصيدةً هَتَفَ بِها كلُّ سامِع، واسْتَبْكى بِها حَتَّى أَعْيُنَ النُّجومِ الطَّوالع؛ وعَمِلَ الأديب شمس الدِّينِ محمَّد الخَيَّاطِ مَرْثِيَّةٌ لم يُرْفَعْ لَها عَلَمٌ، ولا تَلَجْلَجَ بِها نَعَمٌ؛ وتَقدَّمَ من المَملوكِ نَظْمُ واحِدَةٍ، وبلغ المملوكَ أَمْرُ اقْتَضَى كَتْمَها، ويتناسى ما فيها؛ وعُقَيْبَها يُجَهّز بها وَرَقَةٌ مُحَبَّسَةٌ لِبَدائِعِها وحابِسَةٌ، ليقف عليها فَيَدفَعَ الأَرْبَعَةَ وَيَكْتُمَ الخَامِسَةَ، وأوصَلَ المَملوكَ إِلى اليَدِ الكَرِيمَةِ النَّاجِيَةِ، ابنِ المَقَرِّ الكَريمي، كِتابَهُ وقد وَعَدَ فِيهِ بالزِّيارَةِ، فَأَوْقَفَ اللُّواحِظَ دبادِبُ السُّبُلِ تَتَرَقَّبُ انْتِظَارَهُ، والمَسامِعَ رَبيئَةَ الرُّسُلِ لِتَتَسَمَّعَ أَخْبَارَهُ، والمُسْتَمَدَّ مِنْ تَفَضُّلِهِ أَنْ يُواصِلَ بِخِدَمِهِ ما دامَ في قَوْسِ القَطيعةِ مَنْزَعٌ، ولِلرَّأي تَرَدُّدٌ يُخْشى ويَتَوَقَّعُ، والله تعالى يُقَرِّبُهُ مقيلًا، ولا يُعْدِمُ المَملوكَ خَليلًا على الحقيقةِ جَلِيلًا، بِمَنْهِ وَكَرَمِهِ.
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٧٦ - ١٧٧.
стр. 54
[٧]
قال الصفدي:
وكتب [العمري] إليَّ بِصَفَدَ المحروسة في سنة ٧٢٠ جوابًا عن كتابٍ عَطَفْتُهُ على مُوَشَّحَةٍ نَظَمْتُها مُعارِضًا بِها الموصلي أحمد بن حسن، وسوف يأتي ذِكْرُها في ذِكْرِ جمال الدين يوسف الصوفي في حرف الياء:
لا زالَتِ البَلاغَةُ جَنى غرْسِها، والبَراعَةُ شَأْنَ نَفْسِها، وقَبَّلَ المَملوك تلك العقائل الطَّالِعَة، واسْتَشْفَى بتِلكَ المَواهِبِ النَّافِعَةِ؛ وفَهِمَ المَملوكُ الإِشارَةَ في تَأْخِيرِ الجَوابِ البهائي، وقد عَلِمَ اللهُ أَنَّ المُشَرَّفَ المُشارَ إِليهِ حِينَ وَرَدَ اسْتَبَقَ نَظَرُ المَملُوكِ وَبَنانُهُ إِلَى تَأمُّلِهِ والإِجابَةِ عنه، وازْدَحَمَتْ في طَريقِ نُطْقِهِ أَلْفاظُها، والأَلْفاظُ المَنْقُولَةُ مِنهُ، وجَهَّزَهُ مع قاصد، لا شَكٍّ أَنَّهُ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ هُدَاءِ القَوْلِ، فَنَبَذَهُ ظِهْرِيًَّا، وجَعَلَهُ نَسْيًا مَنْسِيًا، ولم يَتَأَخَّرِ المملوك مُحْجِمًا، مع عِلْمِهِ بِأَنَّ الإِحْجَامَ كانَ بِمِثْلِهِ أَلْيَقَ، لِيَسْتُرَ تَقْصِيرَهُ، ويُخْفِي عُيوبَ فَهَاهَتِهِ، ويُحيل المُحْسِنَ على إِحْسانِهِ الذي يكفيه مُجازِيًا ويُمائِلُهُ مُجاريًا.
وقد أعاد المملوك إلى الجَنابِ البهائي خِدْمَةً ثانية، لعلَّ فَصاحَةَ المَولى في الإيرادِ تُعديها فَتُلْبِسُها المَحاسِنَ، وتُكسيها المَيامِنَ.
وأَمَّا إِشَارَةُ المَولى إلى المُوَشَّحَةِ التي عارَضَ بها المَوْصِلِيَّ فِي الوَزْنِ وَالرَّوِيِّ مُلتزمًا ما جاءَ بِهِ المُشارُ إِليهِ في عَفْوِ فَريحَتِهِ من الغُصونِ والأَقْفَالِ، وَنَسْجِهِ على ذلك المِنْوَالِ، فَقد تَأَمَّلَها الخادِمُ واستملاها، واسْتَجْلاها واسْتَحْلاها، وأَحْضَرَها مع مُوَشَّحَةِ المَوْصِلي، فَأَقْسَمَ بِالشَّمْسِ وضُحاها، وذَكَرَ بِها فَريدَةَ الجَمالِ، فقال: والنَّهارِ إذا جلاها، والقَمَرِ إِذا تَلاها، واللَّيْلِ من سَوادِ وَجْهِ مُعارِضِها إِذا يَغْشاها؛ وَتَمَثَّلَ القوافي على غُصونِها حَمائِمَ، والحَشْوَ على سَجَعاتِها كَمائِمَ، وَعَذَرَها في اتخاذ الأَقْفَالِ على ما صانَ من دُرِّها وصاغَ من تِبْرِها، وقابلها بكل ما قيل في هذا النوع فَوَجَدَها كاسِفَةً، وماثلها بِأَمْثالِها فَغَدَتْ على حظها إِذا قِيْسَتْ أَحاسِنُ المَحاسِنِ آسِفَةً، ولقد وَقَعَتْ مَوْقِعَ الاسْتِحْسانِ، وَأَتَتْ كامِلَةَ الإِحْسانِ؛ لو اهْتَدَتِ العَرَبُ الأُولى إلى طريقها لَعَدَلَتْ إِلَى المُوَشَّحات عن القصائِدِ، ولو أَلِفَها الفَتْحُ بن خاقان لاسْتَفْتَحَ بِفَرائِدِها ما أَلَّفَ من القَلائِدِ، وقد عَطَفَها المملوك على مُوَشَّحَةِ المولى جَمالِ الدِّين مُقْتَضَبَةً مِمَّا كُتِبَ عليها من أَثْنِيَةِ بُلَغاءَ لم يُقَدِّروها حَقَّ قَدْرِها، ولا نَهَضُوا بِشُكْرِها، مع إطالَةٍ تُفْضِي بِمُطالِعِها إِلى المَلَلِ، وتشرحُ بَدائِعَها على وَجْهِ الجُمَلِ، عَارِيَةٌ مِمَّا حُلِّيَتْ بِهِ من وَصْفِهِمْ، إِذا كانَتِ المَليحَةُ تَغْنى عن حُلِيِّ وعن حُلَلٍ؛ فَإِنَّ المَلوكَ آثَرَ اسْتِنْسَانَها،
стр. 55
واسْتَكْثَرَ نُسَاخَها، لكنْ ضاقَ فِتْرٌ عن مَسيرٍ، وشَهادَتُها لِنَفْسِهَا بَيِّنَةٌ لا تُدْفَعُ، وَحَسْبُ المليحَةِ أَنْ تَأْتِي سَافِرَةً ولا تَتَبَرْقَعَ.
مُحِبُّ المولى الجنابِ الزَّيْنِي يُتْحِفُهُ بِسَلَامٍ أريج النَّفْحَةِ، بَهِيجِ اللَّمْحَةِ، اعْتَرَضَ بِهِ وَظَائِفَ الأَدْعِيَةِ التي يَسْتَغْرِقُ بِهَا أَوْقَاتَهُ، فَقِيلَ: هَذِهِ شَذْرَةٌ فِي سُبْحَةٍ، إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
التخريج:
ألحان المواجع ١/ ١٧٨ - ١٧٩.
[٨]
قال الصفدي:
وكتب [العمري] إليَّ من بلبيس:
يُقَبِّلُ كذا، لا شانَ صَفْوَها كَدَرٌ، ولا شابَ وُدَّها تَغَيَّرُ الغِيرِ، ولا شادَ اللهُ مَعْلَمَ مَجْدٍ إِلا ولها على صَدْرِهِ الوُرود ولسواها الصَّدَرُ، ولا شَاءَ بِخَيْرٍ إِلَّا وَلَهَا مِنهُ نَصِيبٌ مُعَجَّلٌ أَوْ مُنْتَظَرٌ، ولا شالَ بِضَبْع مَاجِدٍ إِلا لِيُحِلَّها حَيْثُ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ، ولا شاعَ حَديثُ وَفَاء إِلا بِما يُحَدِّثُ منها خَلَيلُ الصَّفاءِ ويَقولُ: كَانَتْ فَلْتَةَ عُمَر.
ويُنْهِي أَنَّهُ كَتَبَها من بِلْبِيْس، قد عاجَلَهُ بِحَمْدِ اللهِ الفَرَجُ قَبْلَ قُدُومِهِ عَلى قَلْعَةِ الجَبَلِ ومُعايَنَةِ أَهْوالِها، وقَبْلَ حُلولِهِ بِمصرَ وَتَوَقَّع زِلْزَالِها، وَقَبْلَ مُقابَلَةِ القاهرة ورُؤْيَةِ أَطلالها، وقِيلَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (١) وعُودوا إِلى دِمَشْقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سالِمِينَ، وكفاهُ اللهُ خَطَراتِ تِلكَ الوَساوِس، وخَطِراتِ تِلْكَ الهَواجِسِ، وخُطواتِ تِلكَ البُقْعَةِ ورُؤْيَةَ أُولئِكَ الأَبالِس؛ والمَوْقِفَ المَخْشِيَّ هَوْلُهُ، والسَّائِلَ الثَّقِيلَ قَوْلُهُ، والعِزُّ فِي البَدْوِ لَيْسَ العِزُّ في الحَضَرِ، وحَسْبُ المَرْءِ مِنْ المَساءَةِ النَّظَرُ.
فالحمد لله الذي تَدارَكَ بِلُطْفِهِ، وغَلَّ يَدَ المُبْطِلِ وَسَيُسْقِطُ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ؛ وأُنْعِمَتِ الصَّدَقَاتُ الشَّرِيفَةُ السُّلطانِيَّةُ المَلَكِيَّةُ الصَّالِحِيَّةُ بِالإِطْلَاقِ، وَفَكِّ الخَتْم وَحَلّ الوثاق، وجاءَتْ مَراحِمُهُ عُقَيْبَ َذلِكَ السُّمِّ أَسْرَعَ تَخليصًا من الدِّرْيانِ، وجَاءَتِ الْبُشْرى بِمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ بِصَدَقَاتِ سُلْطَانِنا المَلِكِ الصّالِحِ لا بِسَبَبٍ من الأسباب، ولا بِالسَّعْي إِلَى أَحَدٍ، ولا بالوقوفِ لأَحَدٍ على باب، ولا بِإِبْدَاءِ عُذَرٍ بِقَوْلٍ ولا بِكِتَابِ، بل جَاءَ هذا من عندِ اللهِ بِمِئَتِهِ لَا بِمَنَّةِ مَخْلُوقٍ، ولا بِسَعْيِ سابِقٍ ولا مَسْبوقٍ، حَتَّى أَذْكَرَهُ كلمةَ عَائِشَةَ
_________
(١) سورة يوسف: الآية ٩٩.
стр. 56
﵂ نَوْبَةَ الإِفْكِ، وَأَذْكَرَتْهُ هَذِهِ القَضِيَّةُ تِلْكَ القَضِيَّةَ، وَتَمَّتِ الأُمُورُ بِحَمْدِ اللَّهِ على أَكْمَل الوُجُوهِ المَرْضِيَّةِ.
اللَّهُمَّ ما أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لا شريكَ لَكَ، اعتقادًا هو الذي لم نَزَلْ نَرْجِعُ إِليهِ، وَنَنْجَعُ ولا نُعَرِّجُ إِلا عليه، ونَهْجَعُ ثم نَنْتَبِهُ بِتَذكيره، ونُفْجَعُ ثم نُسَرُّ بِمَقادِيْرِهِ، ولم يَبْقَ بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يُصْرَفَ إِليهِ وَجْهُ السُّرى، ويُصْدَفَ فِي طَلَبِ السُّرْعَةِ المَقْدوم عليه عائِقُ الكَرى، ويُسْعِفَ اللقاءُ بِهِ وَبِالْأَوْطَانِ، وَيُنْصِفَ الزَّمَنُ الجائِرُ بِلُطْفِ اللهِ وعَدَّلِ السُّلطانِ، ويُتْحِفَ القَدَرُ بِجَمْعِ الشَّمْلِ، وَيَعْلَمَ أَنَّهَا كَانَتْ نَزْعَةً من نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ؛ ومَولانا يَعذرُ في التَّقصير، فَما هو وَقْتُ الإِطالة، وهذا كثيرٌ على الرَّاكِبِ المُجِد في ما يُقَدَّمُ لَهُ من العُجالة.
فكتبتُ أَنا الجواب إليه عن ذلك: [من السريع]
وَنِعْمَةٍ جَاءَتْ كَمَا نَشْتَهِي … مِنْ عِنْدِ رَبِّ العَرْشِ مَسْراها
أَتَتْ وقد جَرَّتْ ذُيول الهنا … بِأَيِّ شُكْرٍ نَتَلَقَّاها
رَوَتْ فَرَوَّتْ أَنْفُسًا تَلْتَظي … مِنْ حَذَر قد كانَ عَنَّاها
فَالحَمْدُ للهِ على أنَّنا … نَحْمَدُ أُولاها وأُخراها
فاللُّطْفُ في مَبْدَئِها كامِنٌ … والسَّعْدُ في مَضْمُونِ عُقْباها
فَقُلْ لِمَنْ قَدْ وَلِعَتْ بالمُنى … مُهْجَتُهُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ
إِنَّكَ إِنْ أَبْصَرْتَها مَرَّةً … أَكْبَرْتَها أَنْ تَتَمَنَّاها
يُقَبِّلُ الأَرْضَ أَوَّلًا على هذِهِ النِّعْمَةِ شُكْرًا، وثانيًا على عادَةِ خِدَمِهِ مُسْتَمِرًا، وثالثًا ورابعًا وخامسًا وهَلُمَّ جَرًَّا، حَتَّى يَسْتَغْرِقَ الواوَ العَطْفُ ويَنْفَدَ فِي السَّجَعِ حَرْفَ الرَّا.
ويُنهي ورود المثال الكريم، الذي كانَ أمانًا من الحَذَرِ، وَمُخَلِّصًا لِقَلْبِ المُحِبِّ الذي افْتَتَحَ الحُزْنَ واخْتَتَمَهُ وما شَعَرَ، وبَراءَةً من الخَطْبِ الذي لو عالَجَهُ اللَّيْلُ لا نُصَدَعَ أَوْ الصُّبْحُ لانْفَجَرَ، وفَكًَّا لأَنْفُسِ الأَوْلِياءِ من الجَزَعِ الذي لو حَلَّ بِالجِبالِ حَجَّرَ فِي الصَّبْرِ على الحَجَرِ، وشَدْوًا لأَصْواتِ البَلاغَةِ التي مَنْ لم يَطْرَبْ لَها قُلْنَا لَهُ ما قَالَتْهُ النِّسْوَةُ من قُريش: (١) أَنْتَ أَغْلَظُ وَأَفَةٌ يَا عُمَرُ: [من الطويل]
أَلَيْسَ لأَخْبَارِ الأَحِبَّةِ فَرْحَةٌ … ولا فَرْحَةَ العَطْشَانِ فَاجَأَهُ القَطْرُ
فَقَبَّلَ المَملوكُ شَفَتيْ عُنوانِهِ، وتَخَيَّلَ لَعَسَ مِدادِهِما إِثْمِدًا فَكَحَلَ بِهِ رَمَدَ أَجْفانِهِ،
_________
(١) من حديث أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ٩٦ و ١٩٩ و ٧/ ٩٣ ومسلم (٢٣٩٦) وأحمد في مسنده ١/ ١٧١ و ١٨٢.
стр. 57
وكَرَّرَ السُّجود حتَّى قيل: هذا هُدْهُدٌ بينَ يَدَيْ سُليمان زَمانِهِ (١)؛ وفَضَّهُ فَلَمَّا لَمَحَ تاج اسْمِهِ، قامَ لَهُ وَلَبَّسَهُ لَثْمًا، وعَلِمَ أَنَّ البَرَكَاتِ تَنَزَّلَتْ عليهِ لَمَّا سَمَّى، وَأَحَبَّ جَمْعَ مَا فِيهِ من مال البَلاغَةِ حُبًَّا جَمًَّا، وأَكَلَ تُراثَ أَشْواقِهِ المُخَلَّفَةِ من حُروفِهِ أَكْلًا لَمَّا، وَذَكَرَ من حديقته اليانعة ما أَنْساهُ نَخْلَتَيْ حُلوانَ (٢) وَمَحَلَّتَيْ سَلْمَى: [من البسيط]
وَرُحْتُ أَسْقِيهِ مِنْ دَمْعِي وَأَلْتُمُهُ … وكادَ يَذْهَبُ بَيْنَ الدَّمْعِ والقُبَلِ
ثم تَأَمَّلَ مَا اشْتَمَلَ عليهِ من جَنَّاتٍ تَزَخْرَفَتْ، وبُروقِ مَعَانٍ تَأَلَّقَتْ، وسَحَائِبِ سُطُورٍ تَأَلَّفَتْ، وَنَزَعَاتٍ فَاضِلِيَّةٍ اقْتَدَرَتْ على الكَلامِ فَتَصَرَّفَتْ؛ أَسْتَغْفِرُ الله، بل في كَلامِ الفَاضِلِ جُزَئِيَّاتٌ تُشْبِهُ هَذِهِ الكُلِّيَّاتِ، ومَعابِرُ كَانَ يَغوصُ فِكْرُهُ فِي لُجَّةِ بَيانِها على هذه الكَلِماتِ اللُّؤْلُويَّاتِ، وَزَهَراتٌ كَانَ يَقْتَطِفُها من هَذِهِ الرِّياضِ، وقَطَراتٌ كَانَ يَرْتَشِفُها فَمُ قَلَمِهِ من هذِهِ الحِياض، فلقد أتى وادي مولانا فَطَمَّ على قَرِيهِ، وجَاءَتْ جِيادُهُ وغُبار سَبْقِها يُنْفَضُ من هوادي مَطِيِّهِ: [من الطويل]
وما زال يُنْبِي النَّاسَ فَضْلُ كلامِهِ … بأن كلام العالمينَ فُضُول
فاتَّخَذَها مَقامًا، وحنا على جَواهِرِها لأَنَّها يَتامى، وتَحَقَّقَ بَرَكَتَها فَإِنَّ نَارَ الخَلِيلِ رَجَعَتْ بِها بَرْدًا وسلامًا، وَرَشَفَ من أَلْفَاظِها مُدامًا يُسَمِّيهِ النَّاسُ كَلامًا، وخَلَبَ لُبَّهُ سِحْرُها الحَلالُ، وَكَانَ يَظُنُّ السِّحْرَ حَرامًا، وفَهِمَ مِنْهَا ما وَقَرَ فِي قَلْبِهِ فَسَبَقَ النَّاسَ إِلَى البُشْرَى، وصَحا قَلْبُهُ وَصَحَّ لَمَّا تَفَرَّقَ عَمامُ غَمِّهِ وَتَفَرَّى، وَوَدَّ لَو شَهِدَ بَطْنَ خَبْتٍ وقَد لاقى الهِزَبْرُ أَخاهُ بِشْرًا (٣)، وعَلِمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرادَ لِمَولانا أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ عَزيزًا، ويَجْعَلَ طِيْنَها الإِبْلِيزَ مِثْلَ كلامِهِ إِبْريزًا، وأَنْ لا يَرى فيها ما يُرَوِّعُ رُوْعَهُ، وَأَنْ لا يَرى
_________
(١) يضرب المثل بسجود الهدهد، فيقال: أَسْجَدُ من هدهد. (مجمع الأمثال ١/ ٣٥٦ وثمار القلوب ٢/ ٧٠٧).
(٢) نخلتا حلوان كانتا بعقبة حلوان [= حلوان العراق] من غرس الأكاسرة، فضرب بهما المثل في طول الصحبة وقِدَمِ المجاورة. (الميداني ١/ ٤٣٨ وثمار القلوب ٢/ ٨٤٢ وفي حاشيته مزيد تخريج).
ومحلتا سلمى: عبارة وردت في شعر جرير: [معجم البلدان ٥/ ٢٥٢]
أمنزلتي سلمي بناظرة أسلما … وما راجع العرفان إلا توهما
وفي ديوانه ٢/ ٩٧٩: أمنزلتي هند …
وفي شعر البحتري: [ديوانه ٣/ ١٩٥٤]
أمحلتي سلمى بكاظمة أسلما … وتعلما أن الجوى ما هجتما
(٣) من قول بشر بن عوانة: [مقامات البديع ٢٥٠ ومنتهى الطلب ٨/ ٢٥٦ وحياة الحيوان «الهزبر»]
أفاطم لو شهدت ببطن خَبْت … وقد لاقى الهِزَيْرُ أَخاك بشرا
стр. 58
نَجْمَ اسْتِقَامَتِهِ يُخالِفُ رُجوعَهُ، فَحَفِظَهُ بِمُعَقِّباتٍ من بَيْنِ يَدَيْهِ ومن خَلْفِهِ، ولم يُحْوِجْهُ إِلَى غَيْرِ مَا يَعْهَدُهُ من خَفِي لُطْفِهِ (١): [من الخفيف]
رُبَّ أَمْرٍ أَتَاكَ لَم تَحْمَدِ الْفُعْ … عال فيهِ وتَحْمَدُ الأَفعالا
فاللهُ يُوزِعُنا - مَعاشِرَ الأَوْلِياءِ - شُكْرَ هذهِ النِّعَم التي تَخَيَّلْنا وُقوعها، وتَحَيَّلْنا بِصِحَّةِ اليَقِينِ على عَوْدِها فَنِلْنا رُجوعها، وما لَنا إِلا الدُّعاءُ إِلَى اللَّهِ بِأَنْ نَرَى بَدْرَ وَجْهِهِ وقد طَلَعَ من ثَنِيَّاتِ الوَداعِ، وقد تَوَجَّهَ يَحُثُ سُعودَهُ وانْقَطَعَ الخَصْمُ وَبَطَلَ النَّزاعُ: [من البسيط]
مَنْ كانَ ذا أَمَلٍ فِي الدَّهْرِ يَقْصِدُهُ … فَإِنَّما أَمَلي في أَنْ تَرى أَمَلَكْ
وما أَمْرُ بِلْبِيْسَ مِمَّا يُلْتَبَسُ، ولا تَحْبِيسُ عادَةِ السَّعادَةِ مِمَّا يُحْتَبَسُ، وما بَقِيَ إِلا عَوْدُ رِكَابِهِ إِلَى وَطَنِهِ، ورُجوعُ دُرِّهِ إِلى لُجِّهِ، وَذَهَبِهِ إِلى مَعْدِنِهِ، لِنَأْمَنَ تَوَثَّبَ الباغي وَنَزَواتِهِ، ونَغْنَمَ الصَّفَاءَ من وُدّ يَحْمِيهِ اللهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَنَزَعَاتِهِ: [من الطويل]
وَكَمْ لِظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدِي مِنْ يَدِ … تُخَبِّرُ أنَّ المانَوِيَّةَ تَكْذِبُ (٢)
والمَملُوكُ يَسأَلُ بَسْطَ العُذْرِ عن جُرْأَتِهِ في هذا الجَوابِ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّيْثَ الأَغْلَبَ من وَقاحَةِ الذِّئاب، لا بَلْ لَجاجَةِ الذُّبابِ، فَأَيْنَ عُجَالَةُ ذَلِكَ الرَّاكِبِ من مُهْلَةِ هذا المُطْمَئِنٌ؛ وَأَيْنَ ذَلكَ الرُّوحُ الطَّاهِرُ من هذا الجَسَدِ المُسْتَجِنِّ؟ وأَيْنَ مَنِ ارْتَحَلَ مِمَّنْ تَرَوَّى؟ وَأَيْنَ قَلْبُ الأَسَدِ مِنَ العَوَّا (٣): [من الخفيف]
قَدْ أَجَبْنا قَوْلَ الشَّرِيفِ بِقَوْلٍ … فَأَثَبْنا الحَصى عن المَرْجَانِ
التخريج:
ألحان المواجع ١/ ١٨٢ - ١٨٧.
وكَتبتُ أَنا إِليهِ من الدِّيارِ المِصْرِيَّةِ في سنة ٧٢٧ وهو بالشام المَحروسِ، جَوابًا عن كتابٍ وَرَدَ منهُ، وَأُهَنِّئُهُ بوِلايَةِ والِدِهِ القاضي مُحيي الدين كِتابَةَ السِّرِّ الشَّريفِ: [من الطويل]
أيا سيِّدًا حازَ العُلا وحواها … وجاز نهايات النُّهى ومداهَا
_________
(١) البيت للمتنبي، في ديوانه ٣/ ١٣٨.
(٢) البيت للمتنبي، في ديوانه ١/ ١٧٨.
(٣) البيت لأبي العلاء المعري في شروح سقط الزند ١/ ٤٥٦.
стр. 59
وَغَبَّرَ في وَجْهِ الأَوائِلِ سَبْقُهُ … فَفَاتَ مَدى غاياتها وشاها
وجَاءَتْهُ أَسْرَابُ النُّجوم حواسِرًا … بِكَفِّ الثَّرَيَّا تَسْتَعيرُ حُلاها
فَأَبْهَجَها حتَّى أَضَاءَ بِجَوِّها … وَأَلْحَفَها إشراقها وسناها
أَتاني مثالٌ مِنْكَ مِثْلُ خَرِيدَةٍ … تَضَوَّعَ في صُبْحِ الوِصالِ شَذاها
وَأَلْطَفُ مِنْ نَفْسٍ بَراهَا الهَوَى وَقَدْ … غَدَتْ تَتَشكَّى لِلحَبِيبِ عَناها
وَأَلْعَبُ بِالأَلْبَابِ مِنْ بِنْتِ كَرْمَةٍ … يَحُنُّكَ مَحْبُوبٌ لِحَسْوِ طَلاها
تُطِيلُ إليه الزَّاهِرَاتُ تَأَمُّلًا … وتَعْجَبُ من أَلْفاظِه وبناها
فوا أَسَفًا إِذْ لم أَحُلَّ بِجِلَّقٍ … وأَقْضِ بقايا مُدَّتي بحماها
أُشاهِدُها في دَوْلَةٍ مُحْيَوِيَّةٍ … سقاها الحيا وَسْمِيَّهُ ورَعاها
لَئِنْ كانَتِ الآدابُ أُحْمِلَ قَدْرُها … فَقَدْ عَادَ مَنْ كَانَتْ بِهِ تَتَباهى
وإِنْ كانَ قِدْمًا قد عراها كَسادها … فَها هي قد شَدَّ الزَّمانُ عُراها
وَيُعْمِلُ في داجي المُهِمَّاتِ فِكْرَهُ … فَيُطْلِعُ فيها شَمْسَها وضُحاها
أَنامَ بِها عَيْنَ الأنام فَرَدَّها … مُوَسَّنَةٌ من بَعْدِ فَقْدِ كراها
إِذا رَأْيُهُ أَغْناكَ عن نَشَرِ رَايَةٍ … لأية حال تَسْتَطِيلُ قَناها
فَيا فَوْزَ عَصْرٍ أَنْتُمُ ذُخْرُ أَهْلِهِ … وبشرى ليالينا بِكُمْ وهَناها
يُقَبِّلُ الأَرْضَ لا زالَتْ مَرْكَزًا لِدائِرَةِ التهاني، وقُطْبًا لِفَلَكِ تَرِدُ المَسَرَّةُ فِي مَجَرَّتِهِ على الدقائِقِ والثواني، ومَعْقِلًا يَعْصِمُ بِهِ وَسائِلُ الآمالِ وعَقَائِلُ الأماني، وحَرَمًا تُحَثُّ إِلَيْهِ نَجَائِبُ البَشَائِرِ فَلا يَكُونُ لَهُ عَنْهَا تَواري ولا لَها عَنْهُ تَواني: [من الوافر]
إِلى أَنْ يَجْتَنِي منها قُطوف الـ … ـمَسَرَّةِ وهي طَيِّبَةُ المَجاني
ويُبْدِعُ في عُلاها كُلَّ مَعنى … فَنَظْفَرُ بِالمعالي والمعاني
تَقبِيلَ مَنْ أُجِيبَتْ دَعَواتُهُ، وشُغِلَتْ بِذلكَ لَهَ، لَهَواتُهُ، ومُلِئَتْ بِمَا يُمْلِيهِ مِنْهَا خَلَواتُهُ، وَيَسْتَمِرُّ على وَلائِهِ الذي لم يَحْتَجْ - إِذْ يُحْتَجَّ بِهِ - إلى دليل، ولم يَجِدْ - إِذْ يَجِدُّ - في سُلُوكِهِ مَشَقَّةَ سَبيل، ويَصِفُ ما يَجِدُهُ من شَوْقٍ شُقَّتْ لَهُ بِالجَوَى جَوانِحُهُ، وَمَلأَتِ الفُؤَادَ فَوادِحُهُ، وَأَذَابَتِ القُوى قَوادِحُهُ.
ويُنهي ما عِنْدَهُ من هذا الهَناء الذي عَمَّتِ الوُجودَ بَشائِرُهُ، وَحَقَّقَ اللهُ بِهِ ظَنَّ كُلِّ مُؤَمِّلٍ فَما خَانَتْ ضَمَائِرُهُ، وَوَجَدَتِ القُلوبُ لأَخْبَارِهِ ما يَجِدُهُ المَشُوقُ إِذا تَرَنَّمَ فَوقَ الأَيْكِ طَائِرُهُ، فالآنَ أَعْطى اللهُ القَوْسَ بَارِيْها، وَأَنْزَلَ الدَّارَ بِالطَّالِعِ السَّعيد بانيها، وَتَقَلَّدَتِ المَمَالِكُ عُقودَ الجَواهِرِ مِنْ بَحْرِ مُنْشيها، فَيا لَهُ يَومًا حَتَّى بِهِ الدَّهْرُ جِيْدَهُ من عَطَلِهِ، وَظَفِرَ المُلْكُ بِالرَّأْي البَريء من خَطَائِهِ وخَطَلِهِ، وعَلِمَ أَنَّ البَدْرَ فِي الوَهْنِ كما هو
стр. 60
في سَحَرِهِ، وَأَنَّ الشَّمْسَ فِي رَأْدِ نَهارِها كما هيَ في طَفَلِهِ؛ ولا أَقولُ إِلا أَنَّ السَّيْفَ قد عاد إلى قِرابِهِ، والمالَ خَرَجَتْ مِنْهُ زَكاتُهُ وعادَ إِلى نِصابِهِ، والأَسَدَ آبَ بَعْدَما غَابَ إِلَى غابِهِ، والدُّرَّ تَرَقَى إِلى التَّاجِ بعدَ أَنْ تَحَدَّرَ من سَحابِهِ، والهِلالَ تَنَقَّلَ فِي مَنازِلِ السُّعودِ حتَّى طَلَعَ بَدْرًا فِي ارْتِقابِهِ؛ فاللهُ يُمْتِعُ الأَيَّامَ والأَنامَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الكُبرى، والمَسَرَّةِ التي أَضْحَتْ بعدَ فَتْرَةٍ وَرُسُلُها تَتْرى، ويُوزِعُ الأَوْلِياءَ شُكْرَ هَذِهِ المانَّةِ الجَمَّةِ واليَدَ الطُّولى، ويُعَرِّفُهُم قَدْرَ هَذِهِ الكَرَّةِ، فَإِنَّ الأُخْرى خَيْرٌ لهم من الأولى؛ بِمَنْهِ وَكَرَمِهِ.
فكتب هو إليَّ الجواب (١): [من الطويل]
رَدَدْتَ على عَيني لَذِينَ كَراها … إلخ القطعة
يُقَبِّلُ كذا، مَتَّعَ اللهُ بِبَيانِ قَلَمِها المُؤازِرِ، وحِكَمِها التي تَرْمُقْهَا النُّجُومُ بِطَرْفِ مُتَحَازِرٍ، وكَلِمِها التي تَبيتُ القَرائِحُ دُونَ أَبْكَارِها مَشْدُودَةَ المَازِرِ.
ويُنْهِي وُرُودَ مُشَرَّفِهِ بل مُشَنَّفِهِ، فَأَطْنَبَ في نِعَمِهِ، وَأَطْرَبَ بِنَغَمِهِ، وَأَطْرَفَ بِمَا تَحَلَّى مِنْ صِيَاغَةِ قَلَمِهِ، فَاجْتَنى المَعاني من ثَمَرَاتِ غَرْسِهِ، وَاجْتَلَى مِنْهُ نِيْلَ مِصْرَ فِي عُرْسِهِ، وَالْتَقَحَ بِهِ ذِهْنُهُ فَأَحْسَنَ التَّوليد، والْتَمَحَ مِنْهُ عَجائِبَ بَيانٍ شَيَّبَتِ الوَلِيدَ، وَانْتَهى إلى عُهودِهِ الَّتِي اهْتَزَّ بِها لِذِكْرِ إِلْفِهِ، واعْتَرَّ بِها ثُمَّ بَرَّ بالانْعِطافِ إِلَى عِطْفِهِ، وَحَمِدَ اللَّهَ على هذِهِ الهَبَّةِ من رَقْدَتِها، وَحَلَّ هَذِهِ الهِبَّةِ من عُقْدَتِها، واسْتَثْبَتَ أَنَّ صَحِيفَتَهُ مَحْمُورَةٌ بِلُطْفِهِ فَوَفَّاهَا حَدًَّا من القُبَلِ، مَسْحُورَةٌ بِبَيانِهِ فَلَمَّا تَمَثَّلَها ذَرَّتْ على أَعْطَافِهِ فَتْرَةَ الكَسَلِ، فَقَعَدَ لا يُجارِيها ولا يُباريها، ثم أَخَذَ مِنْها وشَكَرَها بمعانيها.
التخريج:
ألحان المواجع ١/ ١٨٧ - ١٨٩.
* * *
_________
(١) انظر: القطعة رقم (٣٤) في موضوع شعره.
стр. 61
مصادر الترجمة والمقدمة
- آداب اللغة العربية ٣/ ٢٢٦.
- الأدب في العصر المملوكي ٢/ ٦٧ - ٧١.
- الأعلام ١/ ٢٦٨.
- أعلام الجغرافيين، د. حميدة ٥٥٨٥٤٨.
- أعلام الحضارة العربية الإسلامية ٣/ ١٢٢ - ١٢٣.
- أعيان العصر وأعوان النصر ١/ ٤١٧ - ٤٣٤.
- ألحان السواجع ١/ ١٤٩ - ١٩١.
- بدائع الزهور ١/¬ق ١/¬٥٣٣.
- البداية والنهاية ١٤/ ٢٢٩.
- بروكلمن ٢/ ١٤١، ملحق ٢/ ١٧٥ - ١٧٦.
- تاريخ الأدب الجغرافي العربي لكراتشكوفسكي ١/ ٤١٠.
- تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف ٦/ ٤٢٠ - ٤٢٣.
- تاريخ ابن قاضي شهبة ١/ ٥٧٠.
- تاريخ النبات عند العرب ١١٦ - ١١٧.
- تاريخ ابن الوردي ٢/ ٢٥٤.
- تذكرة النبيه ٣/ ١٢٥.
- تعريف ذوي العلا ٦٤ - ٦٥.
- حسن المحاضرة ٢٧٣.
- دائرة المعارف الإسلامية ط ٢، ٣/ ٧٨١.
- درر العقود الفريدة ط عالم الكتب ٢/ ٤٠٧، ٢١٨.
- الدرر الكامنة ١/ ٣٥٢_٣٥٤.
- الدليل الشافي ١/ ٩٦.
- ذخائر التراث العربي الإسلامي ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
- الذيل التام ١٠٥.
стр. 62
- ذيول العبر ٢٧٥.
- الرحلة والرحالون المسلمون، د. أحمد رمضان ٢٠٩ - ٢٢٠.
- الرد الوافر لابن ناصر الدين ٤٢ - ٤٤.
- السلوك للمقريزي ٢/¬٣/¬٤٦٤ - ٤٦٦، و ٤٨٧، ٧٨٧، ٧٩٢.
- شذرات الذهب ٦/ ١٦٠ أو ٨/ ٢٧٣.
- طبقات الأسدي ٧٤.
- الفوائد البهية للكنوي ١٨.
- فوات الوفيات ١/ ١٥٧ - ١٦١.
- قلائد الجمان للقلقشندي ١٣٩ - ١٤٠.
- كشف الظنون ٣٨٥ وصفحات كثيرة.
- كنوز الأجداد ٣٧٥ - ٣٨٠.
- مسالك الأبصار، تحقيق: أحمد زكي باشا.
- المستشرقون ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥، ٢/ ٧٩١، ١/ ٢٨٥.
- مصادر تاريخ اليمن في العصر الإسلامي ١٤٤ - ١٤٦.
- معجم الشعراء للجبوري ١/ ٢٤١.
- المعجم المختص بالمحدثين ٤٥ - ٤٦، ٤٩.
- معجم المطبوعات العربية والمعربة ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
- معجم المؤلفين ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
- المقفى الكبير للمقريزي ١/ ٧٣٢ - ٧٣٥.
- المنهل الصافي ٢/ ٢٦١ - ٢٦٦.
- مؤرخو مصر الإسلامية ٦٨ - ٧٥.
- النجوم الزاهرة ١٠/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
- الوافي بالوفيات ٨/ ٢٥٢ - ٢٧٠.
- وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام ١/¬٤٢، ٦٨.
- وفيات ابن رافع ١/ ٢٨٣.
- ابن فضل العمري مؤرخًا - رسالة ماجستير - سامي عبد الرؤوف أحمد، قسم
стр. 63
التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية - كلية دار العلوم - جامعة القاهرة، بإشراف د. طاهر راغب ١٩٩٨.
- مقدمة كتاب (مسالك الأبصار) قسم مصر والشام والحجاز واليمن - تحقيق: أيمن فؤاد سيد ط القاهرة ١٩٨٥.
- مقدمة كتاب (التعريف بالمصطلح الشريف) بقلم: محمد حسين شمس الدين ص ٣ - ١١.
- حول تراثنا المبعثر في مكتبات العالم - ق ٣ - مجلة العرب ع ٤ السنة ٢ شوال ١٣٨٧ هـ/ كانون الثاني ١٩٦٨ م.
- مجلة المجمع العلمي العراقي ج ٢ مج ٤٠ ص ٣٣٧.
- مجلة المورد البغدادية ع ١ مج ٥ ص ٧٩، ع ٤ مج ٦ ص ٤١٠ - ٤١٢.
- فهرس مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، لعمر رضا كحالة ٣٣/ ٣٥٣، ٣٥/¬١٧٠. ٣١٥، ٣٨/ ٢٢٧، ٣٩/¬١١٣، ٤٠/¬٤٩٩.
Brock.C.GAL.II، ١٧٧ - ١٧٨،
وراجع أيضًا:
Hartmann، R.، (Politische Geographie des Mamlukenreichs)، ZDMG ٧٠ (١٩١٦)، pp، ١ - ٤، Salibi، K.S.، El.، art (lbn Fadillah al-Umari) III، pp. ٧٨١ - ٧٨٢; Little، D.، An Introduction to Mamluk historiography.Wiesbaden ١٩٧٠، p. ٤٠; Blachère، R.، (Quelques relfexions sur les formes de I'Encyclo- pédisme en Egypte et en Syrie du VIII/ XIV siècle à la fin du IX/ XV siecle).BEO XXIII (١٩٧٠).PP. ١٤ - ١٧.
- De Slane: Catalogue des Manuscrits Arabes ٤٠٧.
Mingana: Cataloge of Arabic Manuscripts - ٥٣٢.
стр. 64
مَسَالِكُ الأَبْصَارِ فِي مَمَالِكِ الأَمْصَار
تُعَدُّ هذه الموسوعة التي كتبها ابن فَضْل الله العُمري في النصف الأول من القرن الثامن الهجري من أهم ما أنتجه عصر سلاطين المماليك، رغم أنها لم تلق ما يناسبها من الشهرة. ووصفها الصفدي - معاصر العُمَري - بأنها «كتاب حافل ما يعلم أن لأحد مثله» (١).
مَنْهَجُ الكتاب:
بين العُمَري في مقدمته الخطة التي أتبعها في تأليف هذا الكتاب، والغرض الذي ألفه من أجله فقال إنه أراد بذلك:
«إثبات نبذة دالة على المقصود في ذكر الأرض وما فيها ومن فيها … وحال كل مملكة، وما هي عليه، وأهلها في وقتنا هذا، مما ضَمَّه نطاق هذه المملكة، واجتمع عليه طرفا تلك الدائرة. لأقرّب إلى الأفهام البعيدة غالب ما هي عليه أُمُّ كل مملكة من المصطلح والمعاملات، وما يوجد فيها غالبًا: ليبصر أهل كل قطر القُطر الآخر، وبينته بالتصوير: ليُعْرَف كيف هو، كأنه قُدَّام عيونهم بالمشاهدة والعيان مما اعتمدت في ذلك على تحقيق معرفتي له، فيما رأيته بالمشاهدة، وفيما لم أره بالنقل مِمَّنْ يعرف أحوال المملكة المنقول عنه أخبارها، مما رآه بعينه أو سمعه من الثقات بأذنه.
ولم أنقل إلا عن أعيان الثقات، ومن ذوي التدقيق في النظر والتحقيق للرواية.
واستكثرت ما أمكنني من السؤال عن كل مملكة، لآمَنَ من تَغفل الغفلاء، وتخيل الجهالات الضالة، وتحريف الأفهام الفاسدة (٢).
فإن نقلت عن بعض الكتب المصنفة في هذا الشأن، فهو من الموثوق به فيما لا بد منه: كتقسيم الأقاليم، وما فيها من أقوال القدماء … ولم أقتصر بذكر الأقاليم، عند ذكري الممالك، مقصد الجغرافيا، كالأول والثاني والثالث، ولا بما نطلق عليه المسميات، كالعِرَاق وخُراسان وأَذَرْبيجان، بل أذكر ما اشتملت عليه مملكة كل
_________
(١) الوافي بالوفيات ٨/ ٢٥٥.
(٢) اتبع العمري في ذلك منهجًا علميًا بدائيًا ذكره في مقدمة النوع الثاني من القسم الأول.
стр. 65
سلطان، جملة لا تفصيلًا، على ما هي عليه المدينة التي هي قاعدة الملك … أو ما لا بد من ذكره معها، والغالب في تلك المملكة من أوضاعها، والأكثر من مصطلح أهلها.
ولم أقصد في المعمورة سوى الممالك العظيمة، … وقَنِعت بما بلغه ملك هذه الأمة، وتمت بكلمة الإسلام على أهله النعمة. ولم أتجاوز حدها، ولا مشيت خطوة بعدها … وإن كان في العُمْر فُسْحَة، وفي الجسم صحة .. لأُذَيْلَنَّ بممالك الكفار هذا التصنيف … لكنني لم آت في هذا الكتاب بذكر ممالكهم - على اتساع بلادها - إلا عرضًا، ولا سطرت من تفصيلها إلا جُمَلًا: توفيرًا للمادة، وتيسيرًا للجادة … على أنني ربما ذكرت في مكانٍ ما قاربه من بلاد الكُفَّار، وذكرته للمجاورة رجاء أن يؤخذ بشُفْعة الجوار.
ولم أذكر عجيبة حتى فحصت عنها، ولا غريبة حتى ذكرت الناقل، لتكون عهدتها عليه، وتبرأت منها.
وأول ما أبدأ بالمشرق، لأن منه ينفتح نوار الأنوار، وتجري أنهار النهار. إلى أن أختمه بنهاية المغرب إلى البحر المحيط، لأنه الغاية وإليه النهاية.
وقطعت فيه عمر الأيام والليالي، وأثبت فيه بالأقلام أخبار العوالي، وشغلت به الحين بعد الحين، وأشتغلت ولم أسمع قول اللاحين، وحرصت عليه حرص الضنين، وخَلَصتُ إليه بعد أن أجريت ورائي السنين.
وشرعت فيه في أيام من مَانَنَا بإحسانه، وأمننا في سلطانه: سيدنا ومولانا، ومالك رقابنا، السلطان ابن السلطان السيد الكبير الملك الناصر، العالم العادل المجاهد المرابط المثاغر، المؤيَّد المُظَفَّر المنصور، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، سيّد الملوك والسلاطين، وارث الملك ملك العرب والعجم والترك، نائب الله في أرضه القائم بسُنَّته وفَرْضه، ملك البحرين، خادم الحرمين، حامى القِبْلَتَيْن، مبايع الخليفتين، بهلوان جهان اسكندر الزمان، ناشر علم العدل والإحسان، مُمَلك أصحاب المنابر والأسرة والتخوت والتيجان، جامع ذيول الأقطار، مبيد البغاة والطغاة والكُفَّار، هازم الرُّوم والفِرِنْج والكُرْج والأرمن والتتار، سلطان البسيطة، مُثَبِّت أركان المحيطة، إمام المتقين، ولي أمور المؤمنين، متعهد حج بيت الله الحرام وزيارة سيّد المرسلين، أبي المعالي محمد ابن مولانا السلطان الكبير الشهيد أبي المُظَفَّر قلاوون سيد ملوك الأرض على الإجماع، المخصوص بمُلْك أَشْرَف البقاع …
وسميته:
стр. 66
مسالك الأَبْصَار في مَمَالِك الأَمْصَار (١)
تقسيم الكتاب:
قسم العمري كتابه إلى قسمين كبيرين جعل أحدهما: «في ذكر الأرض وما أشتملت عليه برًا وبحرًا، والثاني: «في سُكّان الأرض من طوائف الأمم». وكل من القسمين ينقسم بدوره إلى أقسام أطلق عليها العُمري اصطلاحًا «النوع».
فالقسم الأول الذي خَصّصه للأرض ينقسم إلى نوعين:
النوع الأول - في ذكر المسالك.
النوع الثاني - في ذكر الممالك.
والنوع الأول المشتمل على ذِكْر المَسالِك يقع في خمسة أبواب. بينما يقع النوع الثاني المشتمل على ذِكْر المَمَالِك» في خمسة عشر بابًا.
أما القسم الثاني من الكتاب الذي خصَّصه العُمري لسكان الأرض من مختلف الشعوب فينقسم بدوره إلى أربعة أنواع:
النوع الأول - في الإنصاف بين المشرق والمغرب.
النوع الثاني - في الكلام على الديانات: وهي ست نِحَلٍ، وأربع ملل.
النوع الثالث - في الكلام على طوائف المتدينين.
النوع الرابع - في ذكر التاريخ.
وفيه بابان:
الباب الأول - في ذكر الدول التي كانت قبل الإسلام.
الباب الثاني - في ذكر الدول الكائنة في الإسلام (٢).
مادة الكتاب:
١ - رغم أن مادة موسوعة العمري تقتصر على الجغرافيا والتاريخ فقط - كما يدلُّ على ذلك عنوانها - بعكس موسوعتي الوطواط والنويري اللتين عالجتا فنونًا أخرى غير
_________
(١) العمري: مسالك الأبصار ١/ ١٩ - ١٢٥.
(٢) مسالك الأبصار ١/ ١٢٥ - ١٣٠.
стр. 67
الجغرافيا والتاريخ، فإن ثقافة العُمري تبدو أكثر وضوحًا في موسوعته وفي كتابه «التعريف» (١) عن الوطواط (٢) والنُّوَيري (٣) اللذين يمثل مؤلفاهما مؤلفين نقليين بمعنى الكلمة. فمصنفا العُمري «المسالك» و «التعريف» يُعدًا من أهم آثار عهده بالنسبة لنظم دولة سلاطين المماليك ورسومها واعتمد عليهما كثيرًا مؤرخو عصر سلاطين المماليك في القرن التاسع كما يبدو واضحًا في مؤلفات القلقشندي والمقريزي وابن شاهين والسيوطي.
ومع أن مُصنَّف العمري يظفر بأهمية أكثر من مصنف معاصره النويري، إلا أنه لم تبلغ سمعته في الدوائر العلمية سمعة النويري، فموسوعة العمري مصدر من الدرجة الأولى لدراسة عصر المماليك وعلى الأخص المعلومات التي يوردها عن البلاد التي ربطتها صلات دبلوماسية منتظمة أو متقطعة بدولة المماليك. فقد هيأ له عمله الحكومي الاطلاع على الوثائق ولقاء الكثير من الرجال والسفراء، كما أن مصادر أخباره ومعلوماته متعددة للغاية مما مكنه من إخراج لوحة مفصَّلة في وصف العالم المعاصر له.
أما القسم الثاني الذي خصصه العمري للحديث عن سكان الأرض فيتمتع نوعه
_________
(١) حول كتاب «التعريف بالمصطلح الشريف» انظر بحثنا عن المؤلف في المقدمة، تحت عنوان «مصنفاته».
(٢) محمد بن ابراهيم بن يحيى بن علي الأنصاري الكتبي جمال الدين، المعروف بالوطواط: أديب مترسل من العلماء، من أهل مصر ولد سنة ٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥ م، كانت صناعته الوراقة وبيع الكتب، وصنف كتبًا منها «غرر الخصائص الواضحة - ط» و «مناهج الفكر ومباهج العبر - خ» في الكيمياء والطبيعة، والحيوان والنبات، ستة مجلدات الجزأين الأخيرين بخطه في الرباط (١١٥ أوقاف). توفي بالقاهرة سنة ٧١٨ هـ/ ١٣١٨ م.
وهو غير «رشيد الدين الوطواط، محمد بن محمد المتوفى سنة ٥٧٣ هـ».
ترجمته في: الدرر الكامنة ٣/ ٢٩٨، آداب اللغة ٣/ ١٣٢، الفهرس التمهيدي ٥٢٠، كشف الظنون ١٨٤٦، معجم المطبوعات ١٩٢٠، الأعلام ٥/ ٢٩٧.
(٣) أحمد بن عبد الوهاب بن محمد عبد الدائم القرشي التيمي البكري، شهاب الدين النويري: عالم بحاث غزير الإطلاع، نسبته إلى نويرة (من قرى بني سويف بمصر) ولد بقوص سنة ٦٧٧ هـ/ ١٢٧٨ م ونشأ بها، اتصل بالسلطان الملك الناصر ووكله السلطان في بعض أموره، وتقلب في الخدم الديوانية، وباشر نظر الجيش في طرابلس، وتولى نظر الديوان بالدقهلية والمرتاحية، وكان ذكي الفطرة، حسن الشكل … فيه أريحية وود لأصحابه، وله نظم يسير ونثر جيد، صنف موسوعته «نهاية الإرب في فنون الأدب - ط» وهو دائرة معارف لما وصل إليه العلم عند العرب في عصره. توفي بالقاهرة سنة ٧٣٣ هـ/ ١٣٣٣ م.
ترجمته في: الطالع السعيد ٤٦، الدرر الكامنة ١/ ١٩٧، النجوم الزاهرة ٩/ ٢٩٩، البداية والنهاية ١٤/ ١٦٤، الأعلام ١/ ١٦٥.
стр. 68
الأول الذي تحدث فيه عن الإنصاف بين المشرق والمغرب، ونوعه الرابع الخاص بالتاريخ بأهمية خاصة. فبالنسبة للنوع الأول فقد ضمّنه العُمري تراجم على درجة كبيرة من الأهمية لطبقات: القُرَّاء، وأهل الحديث الشريف، والفقهاء، وأهل اللغة، وأهل النحو، وأرباب المعاني والبيان، وفقراء الصوفية، والأطباء، والحكماء، والوزراء، والشعراء، والأذكياء، وعقلاء المجانين والحمقى والمغفلين.
وترجع قيمة هذا القسم إلى أنه انفرد فيه بالترجمة لنفر لا نجد لهم ذكرًا في غير ما أورده العمري في هذا القسم.
أما القسم التاريخي من الكتاب فلا يرقى بأي حال إلى قيمة القسم التاريخي في موسوعة النويري خاصة إذ وجدناه ينقل أحداث كتاب «دول الإسلام» للذهبي عن الفترة الواقعة بين سنة ٦٩٣ وسنة ٧٤٤ هـ. فبذلك لم يضف إلى معلوماتنا التاريخية شيئًا جديدًا.
نقول المتأخرين مِنَ الكِتَابِ:
مثل الباب السادس من النوع الثاني من القسم الأول من موسوعة العمري «مَسَالِك الأَبْصار» مصدرًا كبير الأهمية للمؤرخين المصريين المتأخرين.
كان أول هؤلاء المؤرخين هو القلقشندي وقد عالجت منذ قليل الصلة بين كتابه «صبح الأعشى» ومصنف العُمري.
والمؤرخ الثاني هو المؤرخ المصري الشهير تقي الدين أحمد بن علي المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ، فكما سبق وأن أوضح كازانوفا، فإن العُمري هو المؤرخ الثاني بعد ابن عبد الظاهر الذي نقل عنه المقريزي أكثر معلوماته عن عصور سلاطين المماليك السابقة لزمنه، فهو الأصل الذي نقل عنه المقريزي أكثر عباراته وضوحًا في وصف القلعة (١). ونقل عنه كذلك أكثر معلوماته عن خلع المماليك وأزيائهم حتى عصر الناصر محمد بن قلاوون. وكما فعل المقريزي في مواضع كثيرة من كتابه، فلم يشر المقريزي البتة إلى العمري في صفحات كتابه «الخطط» رغم أنه لم يتورع أن ينسخ وصفه للقلعة وللخلع كلمة كلمة. فقارن ذلك بما فعله القلقشندي الذي تميز كتابه بالأمانة في النقل عن العُمري بحيث أمكن لنا التعرف على ما ذكره العمري. وما أضافه
_________
(١) Casanova، p.Historie et descroption de la Citadelle du Caire، MMAF VI (١٨٩١)، p. ٦٦٧.
стр. 69
القلقشندي إلى ما نقله نتيجة المشاهدة وما أضيف بالفعل من عمائر أو تغير من رسوم منذ عصر الناصر محمد بن قلاوون الذي دَوَّن فيه العمري وَصْفَه.
أما المؤرخ الثالث فهو الحافظ المؤرخ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ. الذي اعتمد على كتاب «المسالك» للعمري كثيرًا في كتابه «حُسن المُحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة» ونقل عنه كل معلوماته عن مملكة مصر في زمن المماليك (١) وأسند كل خبر أخذه عن العمري إليه، والغريب أن السيوطي وهو يكتب في أواخر القرن التاسع الهجري لا يشير في كتابه إلى مصنف القلقشندي «صبح الأعشى» وهو الشيء نفسه عند المقريزي في «الخطط».
وسيتضح للقارئ الكريم من الهوامش حجم استفادة كل من القلقشندي والمقريزي والسيوطي من مُصَنَّف العمري.
مخطوطات الكتاب:
في مقدمته التي صدر بها ترجمته للأبواب السبعة الأخيرة من القسم الخاص بالممالك من موسوعة العُمري، أشار جودفري دي مومبين إلى تاريخ الاهتمام بهذا الكتاب (٢). فذكر أن أول من أشار إليه كان العالم Deguignes في سنة ١٧٥٨ م (٣)، ثم ترجم كاترمير في سنة ١٨٣٨ الأبواب المتعلقة بآسيا من قسم الممالك وهي الأبواب من الأول إلى أثناء الخامس (٤)، ثم استعان كاترمير بما جاء في الباب السادس في تعليقاته الغنية على الأجزاء الأولى من كتاب «السلوك» للمقريزي (٥).
كما روجعت مخطوطات المسالك بفائدة كبيرة من جانب عدد كبير من
_________
(١) حسن المحاضرة ١/ ٣.
(٢) Gaudefroy- Demombynes، L'Afrique moins l'Egypte، L'-Masalik al-absar fimamalik al- amsar par Ibn fadi Allah al - Omari، BGA II، Paris ١٩٢٧، pp.I-VI.
(٣) Deguignes dans Journal des savants (١٧٥٨).
(٤) Quatremere، M. (Notice de louvrage qui a pour titre Mesalek al- Absar fi Memalek al- Amsars Manuscrit، no. (٥٨٣) ٢٣٢٥ dans Notices et Extraits des manuscrits de la Bibliotheque du Roi et aurtes Bibliotheques ١٣ (١٨٣٨) pp. ١٥١ - ٣٨٤.
(٥) Quatremere، M.Historire des Sultans Mamluks d Egypte، (trad.par)، ١ - ٣، Paris ١٨٣٧ - ١٨٤٢.
стр. 70
العلماء وعلى الأخص آماري وفان برشم.
والمخطوطات التي وصلت إلينا من هذا الكتاب ليست كثيرة وقد أحصاها هوروفيتس في سنة ١٩٠٧ وقدم عرضًا تحليليًا لمخطوطة آيا صوفيا (١).
ويكفي، كما يقول دي مومبين أن نستكمل العرض الذي قدمه هوروفيتس بما عند بروكلمان (٢) مع إضافة نسخة المكتبة الصادقية في تونس ومخطوطة أحمد الثالث التي اكتشفها أحمد زكي باشا وأهدى منها مصورة إلى دار الكتب المصرية.
ولبيان النسخ المخطوطة من هذا الكتاب نبدأ أولًا بذكر نسخ الكتاب الموجودة في مكتبات تركيا ففي مكتبة آيا صوفيا باستامبول نسخة في ٢٤ مجلدًا تحمل الأرقام من ٣٤١٥ إلى ٣٤٣٩ وهي نسخة ملفقة من نسختين مختلفتين تنقص الجزء الأول. وهذه النسخة هي التي عرضها هوروفيتس في مقاله السابق الإشارة إليه.
وفي سنة ١٩١٠ قادت الصدفة أحمد زكي باشا، ﵀، إلى العثور على نسخة من الكتاب في مكتبة أحمد الثالث طوب قبو سراي باستامبول حملت بعد ذلك الرقم ٢٧٩٧ وهي نسخة خزائنية كتبت برسم خزانة السلطان الملك المؤيد شيخ المحمودي، وقد أهدى أحمد زكي باشا صورة من هذه النسخة إلى دار الكتب المصرية كانت وما تزال النسخة الكاملة الوحيدة لهذا الكتاب.
وتوجد أجزاء متفرقة من الكتاب في مكتبات استامبول الأخرى فهناك جزء يحمل الرقم ١٠٣٧ بمكتبة لاله لي. وجزء فيه الكلام على الحيوان والمعارف والنبات كتب بخط نسخ جميل وموضحة برسوم وصور متقنة للحيوانات والأشخاص والنبات في مكتبة روان كشك تحمل الرقم ١٦٦٨ (مصورة بمعهد المخطوطات العربية برقم ٢٥ معارف عامة).
وفي باريس يوجد مجلد يحوي وصف أقاليم آسيا ومصر والشام يبدو أنه نقل عن نسخة آيا صوفيا ويحمل الرقم ٢٣٢٥، وجزء آخر به الحوليات من سنة ٥٤١ - ٧٤٤ هـ وهي آخر القسم التاريخي برقم ٢٣٢٨. وبالمكتبة الأهلية بباريس قطع أخرى تحمل الأرقام ٢٣٢٦ و ٢٣٢٩ و ٤٩٦٢ و ٥٨٧٠ (وفيه تراجم الموسيقيين) و ٥٨٦٧ و ٥٨٦٨ (٣).
وفي المتحف البريطاني جزء من القسم التاريخي ينتهي بنهاية الكتاب برقم ٣٧٣
_________
(١) Horowitz، J.MSOS ١٠ (Berlin ١٩٠٧)، ٢ partie، p. ٤٣ et ٥
(٢) Brock .. C.GAL II. ١٧٧ - ١٧٨، S II، ١٧٥.
(٣) Sezgin، F.GAS II. ٩٧.
стр. 71
وجزء آخر برقم ١٢٩٣. وجزء بمكتبة مانشستر برقم ٣٤٤.
وفي مكتبة الاسكوريال قطعة من الجزء ١٥ تقع في ٣١٧ ورقة برقم ٢٨٨ (مصورة بمعهد المخطوطات العربية فيما لم يفهرس).
وفي المغرب نسخة في مكتبة القرويين بفاس برقم ١٣٢٤، وأخرى تحوي القسم الخاص بالممالك محفوظة في مكتبة العلامة محمد المنوني بالرباط برقم ٤٨٦ (مصورة بمعهد المخطوطات العربية فيما لم يفهرس).
أما في مصر فتملك دار الكتب المصرية نسخًا من هذا الكتاب الهام أهمها مصورة مخطوطة أحمد الثالث وهي محفوظة بالدار تحت رقم ٥٥٩ معارف عامة (١)، ومصورة مخطوطة آيا صوفيا وهي محفوظة بالدار تحت رقم ٥٦٠ معارف عامة، ومصورة الجزء المحفوظ في مكتبة البودليان بأكسفورد وهي تحت رقم ٥٦٢ معارف عامة، ونسخة حديثة تحوي القسم الخاص بالممالك وتحمل الرقم ٨ م معارف عامة بالإضافة إلى قطع أخرى متفرقة تحمل الأرقام ٥٥٦ و ٥٥٧ و ٥٦١ معارف عامة.
وفي الخزانة التيمورية المضافة إلى الدار قطعة تحوي الباب السادس الذي ننشره اليوم وهي برقم ٥٣٥ تاريخ تيمور ويبدو أنها منقولة عن النسخة رقم ٨ م معارف عامة أو أن الاثنين نقلا عن أصل واحد. وبالخزانة نفسها جزء يحوي النوع الأول من القسم الثاني الخاص بسكان الأرض فيه تراجم فقراء الصوفية والزهاد، ثم تراجم الحكماء والمتكلمين والأطباء، ثم تراجم أهل الموسيقى وأعيان الوزراء والكتاب وينتهي بترجمة خالد بن برمك وابنه يحيى وهي محفوظة برقم ١٢٧٧ تاريخ تيمور (ومنها مصورة بمعهد المخطوطات العربية برقم ٢٦ معارف عامة).
وفي مكتبة بلدية الإسكندرية قطعة تحمل الرقم/ ٣٣٥٥٥ - ج وهي ج ١٢ تقع بـ ٢٥٠ ورقة بها جميع أشكال النبات مصورة بالألوان.
وفي مكتبة سوهاج قطعة تبدأ بتراجم الوزراء والكتاب تحمل رقم ١٨٥ تاريخ (مصورة بمعهد المخطوطات العربية برقم ٤٧٣ تاريخ).
ونشر حسن حسني باشا عبد الوهاب ﵀ وصف إفريقية والأندلس اعتمادًا على نسخة تحوي ذكر الممالك كانت في خزانة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور
_________
(١) وعن هذه المصورة توجد صورة أخرى بمعهد المخطوطات العربية تحمل الأرقام من ١٣ - ٢٤ معارف عامة.
стр. 72
في تونس وهي غير نسخة المكتبة الصادقية رقم ١٢١.
هذا عرض لأهم مخطوطات كتاب «مسالك الأبصار» وهناك مخطوطات أُخرى معظمها حديثة العهد، وخاصة في مكتبات العراق يغلب على الظن أنها نقلت من النسخ المذكورة آنفًا.
وللدكتورة دوريتا كرافولسكي الباحثة في الدراسات الإسلامية بجامعة توبنغن - ألمانيا، دراسة توثيقية تناولت فيها مخطوطات الكتاب المودعة في المكتبات، والتي تمثل في مجموعات هي: سلسلة آيا صوفيا.
سلسلة طوب قبو سراي.
السلسلة الأيوبية.
سلسلة ابن أبي جرادة.
إضافة إلى تبيان أجزاء كل سلسلة، وما يتبعها من أجزاء متناثرة في المكتبات العامة، والتي قد اطلعت على أغلب النسخ التي ذكرتها الباحثة ..
ولأهمية هذه الدراسة ارتأيت أن أنقلها بنصها في مقدمتنا هذه لاستكمال حديثنا عن الكتاب بعد أن تحدثنا بإسهاب عن مؤلفه، شاكرًا للباحثة الكريمة دقتها ومتابعتها (١).
«اطلع المهتمون بأدب الشرق الإسلامي وتاريخه على كتاب ابن فضل الله العمري الضخم المعروف بمسالك الأبصار في ممالك الأمصار» للمرة الأولى من خلال الترجمات التي قام بها كاترمير (Quaremere) عن مخطوطة «المسالك» الناقصة الموجودة بالمكتبة الملكية الفرنسية بباريس (Bibliotheque du Roi) تحت رقم ٥٨٣. ويبدو أن هذه المخطوطة اقتناها سكرتير الملك لويس الرابع عشر واسمه (Petis de la Croix) (٢) (المتوفى عام ١٩٦٥) (٣).
_________
(١) مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله العمري (٧٠٠ - ٧٤٩ هـ/ ١٣٠١ - ١٣٤٩ م) محاولة في سيرة تأريخية لمخطوطاته. مجلة دراسات (العلوم الإنسانية) الصادرة عن عمادة البحث العلمي في الجامعة الأردنية - عمان - المجلد ١٧/ أ العدد ٢/ ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م، ص ١٦٩ - ١٨٥.
(٢) قارن: Allgemeines Gelehrten- Lexikon، Christian Gottleib Joche، de.Leipzig ١٧٥٠ ٢٢٠٩.
(٣) يظهر اسم سكرتير الملك باعتباره المشتري للمخطوطة بحلب على ورق العنوان. وأول المخطوطة ظهرت في ١٧٥٨، Journal des Savants.Annee لكن الملاحظة أخطأت في اسم المؤلف. وقد =
стр. 73
وقد دفع عمل كاترمير هذا شارل شيفر (Ch.Schefer) المترجم الأول بالسفارة الفرنسية بالقسطنطينية للبحث عن مخطوطات أخرى للكتاب. ويبدو أن سعيه قد تكلل بالنجاح لأنه يذكر في رسالة بتاريخ ٢٨ فبراير ١٨٥٥ م نشر جزء منها بجملة الجمعية الآسيوية (١) أنه وجد نسخة من مسالك الأبصار مؤلفة من ستة وعشرين مجلدًا بآيا صوفيا. كما وجد أخرى بطوب قبو سراي تقع في اثني عشر مجلدًا (٢). ويقترح شيفر على الجمعية الآسيوية في الرسالة نفسها تبني نشر الكتاب كله. ولم يؤد اقتراح شيفر إلى طبع الكتاب لكن يظهر أن هذه الفكرة التي لقيت عقبات جمة كانت وراء إقدام غودفري دي مومبين (Gaudofroy - De- mombynes) على ترجمة القسم الخاص بإفريقية من الكتاب والتعليق عليه تعليقات إضافية (٣).
وفي عشرينات القرن العشرين أخذت «دار الكتب المصرية» على عاتقها أمر إصدار نشرة كاملة من الكتاب، بإشراف أحمد زكي باشا، الذي كان قد صور في إحدى رحلاته إلى القسطنطينية عام ١٩١٠ م نسخة من مخطوطات الكتاب وعاد بها إلى القاهرة (٤). أما في مصر نفسها فإنه لم تكن قد بقيت من الكتاب غير أجزاء قليلة في مكتبات خاصة (٥) وكانت محتويات مخطوطة آيا صوفيا قد صارت معروفة بعد أن نشر
_________
قام كاترمير كما ذكرنا بترجمة أقسام كبيرة من المخطوطة ونشرها في Notices et Extratis des Manuscrits de la Bibliotheque du Roi، ١٨٣٨، ١٣ فنشر (ص ١٦٦ - ٢٢١). القسم الخاص بالهند. ونشر (ص ٢٢١ - ٢٩١) القسم الخاص بالدول المغولية، وص (٢٩٢ - ٣٠٠) فصل مملكة جيل، وص (٣٠٠ - ٣٢٩) الفصل الخاص بالأكراد، وص (٣٣٠ - ٣٣٢). الفقرات المتعلقة باللور، وص (٣٣٣٠٣٣٢) الفقرة المتعلقة بالشول، وص (٣٣٣ - ٣٣٤) الفقرة المتعلقة بشبنكاره، وص (٣٣٤ - ٣٨١) الفصل الخامس بآسية الصغرى.
Journal Asiatique، v.Serie، Tome ٥، ١٨٥٥، ٣٩٧ - ٣٩٨. (١)
(٢) العدد الحقيقي لمجلدات طوب قبو سراي هو ١٧ مجلدًا.
(٣) Masalik el absar fi mamalik el amsar، Tome I، L'Afrique moins l'Egypte Traduit et annote avec une introduction et ٥ cartes par Gaudefroy- Demombynes، Paris، ١٩٢٧، III-V (introduction).
(٤) Ibn Fadlallah al Umari، Masalik al-absar، Tome I، Ahmad Zeki Pasha، de، Cairo: ١٩٢٤: ٢ (introd)، Ahmed Zeki Bey، Memoire sur les moyens propres a little، determiner en Egypte une renaiss ancedes letteres Arabes، Le Caire: ١٩١٠: ١٢: D.Little، An Introduction to Mamluk Historiography، p. ١٤٥. L'ouvrage d El-Omari … dont ١ Egypte ne possede que ٦ volumes appartenant a
(٥) = وهذه المجلدات diverses copies de second ordre، (v.Ahmed Zeki Bey.Memoire، p. ١١) .
стр. 74
يوسف هورويتز (J.Horovitz) مقالة عنها عام ١٩٠٧ (١). وصدر قسم أول من الكتاب بتحقيق أحمد زكي باشا عام ١٩٢٤ م ضمن مشروع دار الكتب وعن مطبعتها (٢). ويتضمن الجزء الصادر حوالي نصف النص الموجود بالمجلد الأول من مخطوطة آيا صوفيا. ثم ما لبث أحمد زكي أن توفي عام ١٩٣٢، وتوقف العمل في الكتاب (٣).
في العهود اللاحقة ظهرت أجزاء صغيرة من الكتاب؛ محققة أو مترجمة. كما أن فكرة نشر الكتاب كله لم تتم حتى اليوم. بيد أن أيًا من الخطط الموضوعة من جهات
_________
الستة كانت بمكتبة نائب الخديوي بمصر مصطفى فاضل باشا المتوفى عام ١٨٧٦ م. وهي اليوم بدار الكتب المصرية تحت رقم ٣٣٦ و ٣٣٧. تاريخ قارن بفهرس دار الكتب المصرية م ٥/ ١٤٩ - ١٥٠. ويذكر أحمد تيمور باشا مجلدًا سابقًا من مسالك الأبصار بمصر موضوعه النباتات والأعشاب، قارن أحمد تيمور باشا: نوادر المخطوطات العربية وأماكن وجودها، نشر صلاح الدين المنجد، بيروت ١٩٨٠ وقارن عن ذلك كله: - W.Spitta، Die Bibliothek Mustafa Pascha s ZDMG، ١٨٧٦: ٣٠، ٣١٨ - ٣١٩، K Vollers، Aus der vicekoniglichen Bibliothek in Kairo، ZAMG، ١٨٨٩، ٤٣، ١٠١ - ١٠٢ ..
(١) J.Horovitz، MSOS، ١٩٠٧: ١٠، ٤٣ - ٤٥.
(٢) مسالك الأبصار في ممالك الأمصار المجلد الأول. تحقيق أحمد زكي باشا، القاهرة ١٩٢٤.
(٣) W.Bjorkman، OLZ، ١٩٢٦: ٢٩، ٨٣٦ - ٨٣٧.
Quatremere، M.E، Notice de ١ ouvrage qui a pour titre، Mesalek el absar fi memalek al amsar (Manuscr.Arabe de la Bibl.du Roi، No. ٥٨٣).v.Notices et Extraits des Manu- scrits de la Bibliotheque du Roi، ١٨٣٨: ١٣، ١٥١ - ٣٨٤، Tiesenhausen، W.de، Recueil de materiaux relative a I histoire de la Horde d Or، Tome I، St.Patersburg، ١٨٨٤، Ibn Fa- dlallah al Umari، Masalik al- absar fi mamalik al-amsar، I، Ahmed Zeki Pasha، ed، Cairo: ١٩٢٤.Hartmann، R.Die Beschreibung des Jordan- Laufes durch Al- Omari.v.Westostliche Abhandlungen، Fritz Merer، rd، weisbaden: ١٩٥٤: ١٧٥ - ١٨٠، Ibn Fadlallah al- Umari، Bericth uber indien، O.Spies، ed.and transl.Leipzig. ١٩٤٣.Inb Fadlallah al- Umari، Wasf al- Andalus wal- Maghrib، Hasan، Husni Abdalwahhab، ed، Tunis: ١٩٢٢، Gaudefroy- Demombynes، Masalik al- absar fi mamalik al- amsar، Tome I، L Afriquemoins I Egypte.Trad، etannoteavec une introduction et ٥ cartes، Paris: ١٩٢٧، Ibn Fadlallah al- Umari، Bericht uber Weltrich، by Ibn Fadlallah al- Umari، ed.and transl، Wiesbaden: ١٩٦٨، Ibn Fadlallah al- Umari، Wasf mamlakat al- Yaman، Ayman Fu ad Sayyid ed، al- musliman، Beirut: ١٩٨٢، ٤١ - ٧٠، Fariq، kursheed Ahmad، Indien unter Sultan Muh.b.Tughluq، form Masalik al- absar (transl.and ed.) Delhi: ١٩٦١، Siddiqi، I، H، et، al.A Fourteenth Century Arab Account of India under Sultan Mu- hammad bin Tughlug.English translation of the chapters on Inbia from Masalik al- absar، Aligarh: ١٩٧١ ..
стр. 75
متباينة لم تتحقق. فقد اعتزمت الجامعة الأميركية ببيروت أن تصدر الكتاب عام ١٩٦٦ م بمناسبة مرور مائة عام على تأسيسها. وفي عام ١٩٨٥ م أعلن مركز البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود عن عزمه على نشر الكتاب. وفي العام نفسه جددت «دار الكتب المصرية الإعلان عن إحياء خطتها القديمة للنشر (١). وفي عام ١٩٨٨ م بدأ معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بجامعة فرانكفورت بألمانيا الغربية بإصدار مصورة كاملة عن العمل كله تعتمد المخطوطات المعروفة كلها، بإشراف مدير المعهد الأستاذ فؤاد سركين (٢). وقد اكتمل إصدار المصورة عام ١٩٨٩ م في سبعة وعشرين مجلدًا.
واليوم وقد مضى على تعرفنا على كتاب العمري الضخم زهاء قرن ونيف، يحسن بنا السؤال عما إذا كان من الضروري أو من المفيد نشر مسالك الأبصار» بشكل كامل. ذلك أن القسم الثاني من الكتاب المتضمن لتراجم المشهورين في سائر فنون العالم الإسلامي، والأدب والشعر والإدارة، والذي يشكل أكثر من ثلثي الكتاب مجموع كله من مصادر قليلة معروفة، ولا يمثل أصالة معينة، كما أنه لا يعرض جديدًا في هذه المجالات. وعلى العكس من ذلك القسم الأول من الكتاب، وهو الذي يتضمن الجانب الجغرافي إذ تحتوي أجزاؤه على جديد معتبر وبخاصة ما يتعلق بالقرنين السابع والثامن للهجرة اللذين أولاهما العمري في مجال الجغرافية السياسية «عناية» ظاهرة.
وما دام الأمر كذلك، أفليس الأجدى الانصراف للاهتمام بالقسم الجغرافي من «مسالك الأبصار» عن طريق النشر العلمي، وتحليل المضامين؟ والواقع أن هذا هو ما كان حتى الآن، فجل العمل على مسالك الأبصار طول قرن من الزمان انصب على نشر أجزاء من القسم الجغرافي، أو ترجمتها إلى اللغات الأوروبية. وقد تتابع الناشرون والمترجمون على الشكوى من سوء المخطوطات المتوافرة من الكتاب. وكنت قد تمكنت من الاطلاع على مخطوطتي الكتاب الرئيستين الموجودتين بآيا صوفيا، وطوب قبو سراي أثناء عملي في نشر بعض أجزاء القسم الجغرافي. ثم قارنت هاتين المخطوطتين بالأجزاء المتناثرة من الكتاب والمنتشرة في مكتبات أوروبا. ونتيجة لذلك تكونت لدي نظرة شاملة في مخطوطات الكتاب، سلاسله وأجزائه والعلائق فيما
_________
(١) مجلة أخبار التراث العربي، جامعة معهد المخطوطات العربية - الكويت ع ١٧، ١٤٠٥ هـ؛. ١٩٨٥.
(٢) رجع الأستاذ سزكين إلى كل المخطوطات المتوافرة من الكتاب، لكنه لم يراع - ربما لأسباب تتعلق بالخط - مسألة السلاسل التي درستها في هذا المقال «سيد».
следующие страницы →