قد زُرتنا مرّةً في الدّهرِ واحِدَةً … ثَنّي ولا تجعليها بَيْضَةَ الدِّيكِ (١)
وزعموا أنّ الشيطان لا يدخل بيتًا فيه ديك أبيض أفرق، ولهذا قيل: إن أي رجل ذبحه أصيب في ماله وأهله.
قال في كتاب العجائب (٢): إذا جفّف عرفه وسقي لمن يبول في الفراش، أذهب ذلك عنه، وعُرف الأبيض والأحمر يجفف ويبخر به المجنون ينفعه نفعًا بينًا، ومرارته تنفع بياض العين والغشاوة وتجلو البصر كحلًا، وذكر بعض الحكماء أن مرارة الديك تجعل في إناء فضة ويداوم على الإكتحال بها فإنها تقلع البياض من العين.
وذكر بلنياس الحكيم: إن مرارته تخلق بمرق صائن، وتؤكل على الريق فإنها تذكر المنسي وتذهب النسيان، وإذا شدّ جناحه على صاحب حمى الربع ذهبت، وإذا شدها الفارس على وسطه لم يتعب من السوق، والترك تفعل ذلك، وإذا اكتحل بدمه نفع من بياض العين، وإذا وقع بينه وبين ديك آخر مهارشة أو مناقرة، فسال منه دم فيجعل ذلك في طعام ويطعم أقوامًا فمن أكل منه منهم وقعت بينهم الخصومة، ويؤخذ دم ديك وعسل ويعرض على النار، فإذا طلي به القضيب قوى على الباه وزاد في اللذة، وإذا أخذ من لحمه المجفف مع عفص وسماق بالسوية، ويتخذ على قدر الحمص، فإنّه إذا سقي منه المبطون حبّة برئ، وقد يوجد في بطن الديك حصاة لونها اسمانجوني أو لون ألمها إذا علقت على المجنون برئ، أو على إنسان زادت شهوته.
٥٩ - رخمة
طائر يشبه النسر في خلقه (٣)، يختار لبيضه أطراف الجبال الشاهقة ليصعب الوصول إليها، فإذا حان أوان بيضها ذهبت إلى أرض الهند، فجاءت بحجر اسمه أبو طافيون، وهو حجر مدور مثل الخرزة إذا حركته تقعقع في جوفه حجر آخر، فتجعل
стр. 6897
ذلك الحجر تحتها فتبيض فيه من غير وجع.
والرخم لا يزال يطير من حول العساكر لطمعها في جثث القتلى، وتطير مع الحجاج لطمعها في جيف الموتى، وتتبع أيضًا الغنم زمن ولادتها لطمعها في المخيض، وهذا يدل على الذكاء، وهي منسوبة إلى الحمق!؟.
قال ابن البيطار (١): يقطر مرارة الرخم بدهن بنفسج في الجانب المخالف للشقيقة والمخالف لوجع الأذن، ويسعط بها الصبيان أو تقطر في آذانهم لما يكون بهم من الرياح، ويكتحل بها بالماء البارد للبياض في العين، وقيل: إن زبله يسقط الجنين بخورًا، ويخلط بزيت ويقطر في الأذن الثقيلة السمع والتي بها طرش، وإذا جففت مرارته في إناء زجاج في الظل ويكتحل بها في جانب لسعة الأفعى - ولم أجربه وذكر بعضهم أنه جرب ذلك لسم العقرب والحية والزنبور فنفع - وأحسبه لطوخًا، ولحم الرحم إذا خلط بخردل وجفف وبخر به المعقود عن النساء سبع مرات، أطلقه ذلك، وإذا أخذت ريشة من جناحها الأيمن ووضعت بين رجلي المُطْلِقَة، سهل ولادها، وإذا بخر بريشها البيت، طرد الهوام الدنانية، وإذا ديف زبلها بخل خمر وطلي به البرص غير لونه، وإذا شوي كبدها وسحق وديف بخل وسقي من به جنون كل يوم ثلاث مرات متوالية برئ، والجلد الأصفر الذي على قانصة الرحمة إن جفف وسحق وشرب بطلًا، نفع من كل سم، وإن علق رأسها على المرأة سهل ولادها.
٦٠ - زاغ
هو الأسود الكبير، يقال له: الغداف (٢)، قالوا: إنّه يعيش أكثر من ألف سنة، وبينه وبين البوم معاداة، وهو يختطف بيض البوم نهارًا، والبوم يختطف بيضه ليلًا، والبوم دليل بالنهار، ولكن بالليل لا يقوى عليه الغداف.
قال الجاحظ (٣): جميع أصناف الطير تطرد فرخها إذا كبر ولا تعرفه إلا الغداف فإنه لا يزال يتفقد حاله. قالوا: وإذا أحرق الغداف وسحق وطلي به موضع من الجسد، ينبت فيه الشعر.
قال في كتاب العجائب (٤): عين الغداف والبوم إذا دخن بهما بين اثنين وقعت العداوة بينهما بحيث لا يقبل العلاج، وإذا جفف قلبه وديف بالماء وسقي إنسان وسافر
стр. 6898
في الصيف، لم يعطش؛ لأنه لم يشرب الماء في تموز، وقيل: إن حمل قلبه، فعل ذلك، وإن خلطت مرارته مع مرارة الديك بالعسل واكتحل بها أذهبت ظلمة العين ولا ترجع أبدًا، وتسود الشعر إذا طلي بها سوادًا عجيبًا، وإذا سحق لحمه وحوصلته بعد الجفاف ويخلطان بعسل ويسقى منه من به بهق ثلاثة أيام ثلاثة قراريط أزاله، وإذا كان يرى بين عينيه شبه الذباب يطير وهو منذر بنزول الماء، فشرب منه كما تقدم أزاله.
قال بلنياس الحكيم: إذا خلط [إنسان] شحم الغداف بدهن الورد، وطلى جبهته ودخل على أي سلطان أراد؛ قضى حاجته، وإذا جفف دمه وذرّ على البواسير نفعها، وإذا طلي البواسير ببيضه أزالها، وإن أكل من بيضه إنسان يشرب، أبغض الخمر ولم يعد إليه، وإذا طلي بذرقه على موضع الطحال نفعه نفعًا بينًا، ويضمد به حلق من به شرقه.
فائدة:
ذكر أبو سعيد السيرافي (١) قال: حكى لي بعض الكتاب. قال: دخلت على القاضي يحيى بن أكثم (٢) فإذا على جانبه طائر في قَمِطْرٍ على شكل الزاغ ورأسه كرأس
الإنسان، وعلى ظهره وصدره سلعتان، فقلت: ما هذا أصلح الله القاضي؟
فقال: سَلْهُ، فقلت: ما أنت؟ فنهض وأنشد بلسان فصيح: [من الهزج]
أنا الزّاعُ أبو عَجْوَه … أنا ابنُ الليثِ واللُّبْوَه
أحِبُّ الرّاحَ والريحا … ن والنَّوَّهُ والقَهْوَه
ولي أشياءُ تُسْتَطْرَ … فُ يومَ العَرْضِ والدَّعْوَه
فمنها سِلْعَةُ في الظَّهْـ … رِ لا تَسْترها الفروه
وأما السلعة الأخرى … فلو كان لها عُرْوَه
لماشك جميع النا … س فيها أنّها رَكْوَه
ثم صاح وقال: زاغ زاغ، وانطرح في القمطر، فقلت: أصلحك الله أو عاشق هو؟
قال: هو ما ترى لا علم لي به، إلا أنه حُمِل إلى أمير المؤمنين كتاب مختوم فيه ذكر حاله.
٦١ - زرزور
طائر يتبع الربيع، وينتقل إلى بلاد العراق من الهند (١)، ويقع منه شيئًا كثيرًا في البحر، والأمواج تذهب بها إلى السواحل، فتجمعها وتحرقها مكان الحطب. قال أبقراط: يؤخذ من فراخ الزرزور ويطلى بالزعفران ويترك في الوكر، فإذا رجعت الأم حسبت أن به يرقانًا، فتذهب فتأتي بحجر أصفر اللون تعالجه
стр. 6901
به، فتؤخذ وتحك وتسقى صاحب اليرقان فإنّه يبرأ، واكل لحمه يزيد في ضوء البصر، وإذا جفّف لحمه وسحق واستف منه صاحب الخناق على الريق، انفتح في الحال، ورماده يذر على الجراحات فينفعها نفعًا بينًا.
قال ابن سينا: ذرق الزرزور المعتلف بالأوز نافع للقوابي. والله أعلم.
٦٢ - زمج
مرارته تجعل في الأكحال فتنفع من غشاوة العين (١) وظلمة البصر. ذكروا أنه مجرب عظيم جدًا.
قال ابن البيطار (٢): هو طائر يُصاد، ينفع إدمان أكل لحمه من ضعف القلب وخفقانه، ومرارته إذا صيّرت في الأكحال نفعت من الغشاوة وظلمة البصر، وزبله يزيل الكلف والنمش طلاء.
٦٣ - سمان
يقال له: السلوى (٣)، وهو الطير الذي أنزله الله على بني إسرائيل في التيه، ومن عجيب شأنه أنه سكيت طول الشتاء، فإذا أقبل الربيع يصيح آخر الليل عند انبلاج الصبح.
قيل: إنه يغتذي بالبيش وهو سم قاتل ولا يضره.
٦٤ - شفنين
قال الجاحظ (٤): من عجائبه أنه لا يزاوج إلا أنثاه، فإن هلكت لا يزاوج أبدًا وكذلك الأنثى، وشحمه يذاب بالشيرج ويقطر في الأذن يزيل طرشها، وكذلك يزيل الرمد وجراحات العين والغشاوة اكتحالًا، وإذا سحق ذرقه وديف بدهن ورد واحتملته المرأة بصوفة نفع من أوجاع الرحم (٥).
٦٥ - شقراق
طائر أخضر اللون (٦)، أحمر المنقار وقد يكون أصفر، عدوّ النحل، يأكل منها ويقتل ما لا يأكل.
стр. 6902
ذكر في كتاب «الحيل»: أنه إذا كان الذهب ناقص العيار يذاب ويفرغ في مرارة الشقراق فإنه يحسن ويطيب ويزيد عياره.
٦٦ - صافر
طائر لا ينام شيئا من الليل أصلا (١)، فإذا أظلم الليل يتدلى من شجرة ويقبض على شيء من أغصانها برجليه منكسا، ولا يزال يصيح حتى يبدو الصباح، قالوا: إنه يخاف من وقوع السماء عليه.! والله أعلم.
٦٧ - طاووس
أحسن الطير جمالا وحسنا، وأزوقها لونا (٢)، ولله في خلقه حكمة عجيبة في اختلاف ألوانه واتساق تلوناته، وله في وسط كل ريشة دائرة من الذهب مختلطة بالزرقة والخضرة وغيرها من الألوان الملائمة بعضها بعضا، فإن الذهب إذا جعلته على البياض والحمرة والصفرة لا يحسن مثل حسنه على الزرقة والخضرة والكحلية، فانظر إلى قدرة الصانع كيف خلق في بيضة تلك النقوش العجيبة والألوان المختلفة، ثم إن الذهب إنما تولده في الرمل ولا يصلح للتزويق إلا بعد أن يعمل فيه صناع كثيرون مختلفو الصناعات والأعمال، فخلق الله في تلك البيضة خاصية تبين منها لون الذهب، فسبحانه ما أعظم شأنه، وأوسع قدرته ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (٣)، قالوا: عمر الطاووس خمس وعشرون سنة، وفي هذه المدة يتلون بألوان كثيرة، وفي كل خريف يلقي ريشه، وإذا بدأ الشجر يكتسي بورقه فالطاووس يكتسي بريشه.
قال الشيخ الرئيس ابن سينا: إذا كان الطاووس في مكان لم يقربه شيء من الهوام.
قال ابن البيطار (٤): طائر معروف يطير بعد ثلاث سنين، وفيها يكمل ريشه، ويفرخ مرة في العام، إذا طبخ لحمه وشحمه اسفيذ باجا وتحسى مرقه من به ذات الجنب نفعه، وإذا ديف لحمه مع ماء وسذاب وعسل، نفع أوجاع المعدة، ولحمه وشحمه يزيد في الجماع، ومرارته إن خلطت بخل ثقيف نفعت من نهش الهوام.
ولحوم الطواويس رديئة المزاج، وأجودها الحديثة السن، حارة تصلح للمعدة
стр. 6903
الحارة الجيدة الهضم، ويُحَبُّ أن يترك بعد ذبحه يومين أو ثلاثة، ويشدّ في أرجلها الحجارة وتعلق وتُنقل وتطبخ بالخلّ، والطاووس إذا رأى طعامًا فيه السم يرقص ويصيح، ونظره إلى السمّ يكسر سورة السم، وإن سقي المبطنون من مرارته بالسكنجبين والماء الحار أبرأه، وإن خلط دمه بالأنزروت والملح وطلي على القروح الرديئة الرطبة التي يخاف منها الآكلة أبرأها، وإن طلي الثآليل بزبلها قلعها، وإن سحقت بعد الحريق عظامه وطلي بها الكلف أبرأه، وإن [وضع] ذلك منها على البرص غير لونه.
٦٨ - طرغلوذيس
قال الرازي في كتاب «الكافي» (١): هو عصفور صغير متوسط بين لون الرماد والصفرة، وفي جناحيه ريش ذهبي، ومنقاره دقيق، وفي ذنبه نُقط بيض، له حركات متواترة، وهو دائم الصفير قليل الطيران، له خاصية عجيبة في تفتيت الحصى المتكون في المثانة، ومنع ما لم يتكوّن، ويسمّى بالإفرنجية صغراغون.
٦٩ - طيهوج
طائر معروف (٢)، لحمه يسمن، ويزيد في الباه.
قال ابن البيطار (٣): هو طائر يعرف في الأندلس بالضُّرَّيْس شبيه بالحجل الصغير، غير أن عنقه أحمر، ورجلاه ومنقاره أحمران [وما تحت جناحيه أسود وأبيض] وهو صنف مثل الدراج ينفع من إسهال البطن إذا جعل مصوصًا بخل، وهو ينفع الناقهين، ولا يصلح لمن يعالج الأثقال، ولا ينبغي أن يدمن عليه الأصحاء خصوصًا أصحاب الرياضة، وينبغي أن يطبخ لمثل هؤلاء هريسة ليغلظ غذاؤها.
٧٠ - عصفور
قالوا: الطير ضربان أحدهما بهائم الطير (٤)، وهي التي تلقط الحبّ، والثاني سباع الطير، وهي التي تتغذى باللحم، والعصفور يشبههما جميعًا؛ لأنه يلقط الحبّ ويصطاد الجراد والصرصر، والعصفور لا يتخذ وكرًا إلا في العمران تحت السقوف خوفًا من جوارح الطير، ولا يقيم إلا في الدور الآهلة، ولو خلت مدينة من أهلها
стр. 6904
ذهب العصافير أيضًا عنها، ولو عاد أهلها عاد العصافير أيضًا، وبين العصفور والحية عداوة، فإذا قصدت الحيّة وكر العصفور لتأكل فراخه، فللعصافير صياح وشقاشق، وكل عصفور يسمع صوتها يأتي إليها ويصيح معها، وربما وجد العصفور فرصة فيقرض الحية بمنقاره، فإذا جرحها كان سببًا لهلاك الحيّة؛ لأنَّ النمل والذباب يجتمع على جراحتها فتهلك الحية، والعصفور يعادي الحمار أيضًا؛ لأن الحمار إذا نهق، فسد بيض العصفور، والعصفور يعترض الحمار بمنقاره ليجتمع عليه البق والذباب، وإذا مرض العصفور، أكل لحم الحمار فيبرًا.
وليس شيء من الحيوانات أكثر سفادًا من العصفور فلهذا قالوا: عمره قصير.
قال ابن البيطار (١): العصافير الأهلية والجبلية والمرجية كلها مجففة قليلة الغذاء، والعصافير الأهلية تسخن البدن، وتزيد في الإنعاظ والباه، ولا سيما أدمغتها وفراخها إذا اتخذت منها عجة بصفرة البيض والزيت، ولا يوافق المحرورين، ويوافق المبرودين ومن سكنته الرياح، ويشرب المحرورين عليها السكنجبين الحامض، والمطجنة منها بالمرئ أسرع خروجًا، والمشوية عسرة الخروج، وربما أورثت عظام العصافير إذا أكلت بنهم وابتلعت عظامها خدوشًا في المريء وفي الأمعاء والمقعدة، فينبغي أن يتقى من عظامها ويجاد هضمها ومضغها وطبخها لئلا تلصق قطع العظام الحادة الأطراف؛ فيمكن أن يحدث عنها هذا العارض.
وأمراق أكثر العصافير تلين البطن إذا طبخت بماء وملح، ولحومها تعقله، ولا سيما أمراق القنابر ولحومها، فإنّ للحومها قوة في إمساك البطن ولأمراقها في إطلاقه، وأما السودانيات وهي الزرازير فإنها أردأ لحمًا من القنابر وأقل غذاءً وينبغي [أن] تصلح بالدهن الطثير فإن [في] لحومها حدة من أكل الجراد والحشرات، وما كان من العصافير سمينًا بالطبع فهو أجود غذاءً، وينبغي أن يصلح بالدهن الكثير، وهو أسرع نزولًا، ولا ينبغي أن يؤكل منها ما لم تجر العادة والتجربة بأكله، فإن فيها عصافير تأكل الهوام السمينة، وأكثر هذه جبلية، وقلّما تكون في المروج، وللحومها روائح وألوان منكرة. والعصافير كلها نافعة من الاسترخاء والفالج واللقوة وأنواع الاستسقاء، وتزيد في قوة الجماع، وأما الزرازير والسماني، فإنها تأكل حيوانات سمية، فربما ضرت بأكلها، ولذلك يجب إمساكها يومين وثلاثة ثم تستعمل؛ لأنَّ الله تعالى جعل فيها قوة على هضم الرديء حتى يكون محمودًا. ولحم عصفور الشوك حار يابس قليل الغذاء، وزبل الزرازير
стр. 6905
إذا علفت الأرز وحده، فإنه يجلو الكلف جلاء قويًا، وخرء العصافير يجلو وينقي ويذهب بالآثار الحادثة في الوجه، وإذا ديف بلعاب الإنسان وطليت به الثآليل قلعها.
٧١ - عُقاب
من صعاب جوارح الطير (١)، يصيد الطير والسباع الصغار كالأرنب والثعلب، ويأكل من كلّ حيوان كبده؛ لأنّ الكبد ينفعه من أمراضه، قالوا: وفي بعض الأوقات يطول منقاره فلا يقدر على الصيد فيكون سببًا لهلاكه.
قال صاحب الفلاحة (٢)، العقاب والحدأة يتبدلان فيصير العقاب حدأة وعكسه.
قال الجاحظ (٣): ولمخالب العقاب خاصية في تقطيع الذئب الأطلس، يقدّ ما بين صلاه وكاهله، ولا يزال يتتبع العساكر طمعًا في لحوم القتلى، وقال أصحاب القنص: إنّ العقاب لا يراوغ الصيد ولا يعاني ذلك: إلا أنه لا يزال على مرقب عالٍ، فإذا رأى شيئًا من سباع الطير قد اصطاد شيئًا انقض إليه، فإذا رأى الطير العقاب لم يكن همه إلا أن ينجو بنفسه ويترك الصيد له، قالوا: إذا هرمت، يربيها فراخها، وإذا أظلم ضوء عينها من الهرم وضعفت قوتها، صعدت إلى الهواء إلى أن تحرق ريشها من الحرارة، ثم تنزل وتغوص في عين ماء مرارًا وتخرج منها طرية وقد ذهب ضعف الهرم منها، وهو طويل العمر بعيد الشأو، وربما يتغذى بالعراق،
стр. 6906
ويتعشَّى باليمن، ويقول العرب: «فلان أحزم من فرخ العقاب»، وذلك أنّ العقاب وجوارح الطَّير تتخذ أوكارها في عروض الجبال، فربّما كان أملس بحيث لو تحرّك الفرخ من مَجْثَمِهِ، لهوى من رأس الجبل إلى حَضِيْضِهِ، فالفرخ يعرف ذلك مع صغره وقلّة تجربته أنّ الصواب في ترك الحركة، ولو وضع فرخ من فراخ الأهليّات كالدجاج والحجل والقطا في أوكار الوحشيّات، لتهافتت في الحال ووقعت عنها فهلكت. وأعجب من هذا أنّ الفرخ لا يطير حتى يستوي قصب ريشه فعند ذلك يشرع في الطيران، فسبحان من ألهم كلّ حيوان مصالح نفسه ومفاسدها.
قال ابن البيطار (١): لحمه حارّ يابس إذا أكل بمنزلة لحم البقر، وإذا اكتحل بمرارته نفعت من إبتداء الماء النازل في العين، ويحدّ البصر، وإذا بخّر بريشه، نفع اختناق الأرحام، وإذا خلط بزبله الكلف وبثور الوجه أذهبه.
٧٢ - عقعق (٢)
طائر معروف في نفسه الخيانة، يسرق الأشياء النفيسة كالحلي والجواهر، ويرميها في موضع آخر، ولا يتخذ الوكر إلا تحت شيء مرتفع أو تحت سقف، ويأتي بورق الذُّلَّب، ويتركه تحت وكره ليلًا. يقصد الخفّاش بيضه وفراخه، وكثيرًا ما ينسى بيضه وفراخه وعشه. قال ابن البيطار: لحمه حارّ يابس رديء الكيموس.
٧٣ - عنقاء
أكبر الطيور جثّة وأعظمها خلقة، تختطف الفيل والجاموس كما تختطف الحدأة الفأرة (٣)، وذكروا أنّها كانت من قديم الزمان بين الناس، فكانت جناياتها تكثر عليهم إلى أن خطفت يومًا عروسًا مجلّية، فدعا عليها حنظلة (٤) النبي ﷺ فذهب بها إلى بعض الجزائر في البحر المحيط تحت خطّ الاستواء، ولا يصل إليها الناس، وهناك حيوانات كثيرة كالفيل والجاموس والكركدّن والببر وسباع الجوارح، والعنقاء تصيد منها؛ لأنها تحت طاعتها، فإذا اصطادت العنقاء شيئًا تأكل منه، وتترك الباقي للحيوانات التي تحت طاعتها، ولا يصيد إلا فيلًا أو حوتًا عظيمًا أو تنينًا، وإذا فرغ من أكله صعد إلى مكانه ويخلي الباقي بين
стр. 6907
الحيوان الذي تحت طاعته. وعند طيرانه يسمع من جناحه شبيه هجوم السيل؛ أو صوت الأشجار عند هبوب الرياح العواصف.
وذكر أن عمر العنقاء ألف وسبعمائة سنة، ويزاوج إذا أتى عليه خمسمائة سنة، فإذا حان وقت بيضها وَجَدَ لذلك ألمًا شديدًا، فيأتي الذكر بماء البحر في منقاره فيحقنها به فيخرج البيض بسهولة، فيحضن الذكر البيض، والأنثى تصيد، ويفرخ البيض بمئة وخمس وعشرين سنة، فإذا كبر الفرخ فإن كان أنثى فالعنقاء الأنثى تجمع حطبًا كثيرًا والذكر يحتك منقاره على منقار الأنثى حتى يتوقد منه النار ويضرم في ذلك الحطب، والأنثى تدخل تحت النار حتى تحترق، ويبقى الفرخ زوج الذكر، وإن كان الفرخ ذكرًا فعل كذلك ويبقى الفرخ زوج الأنثى. وقد ذكرت في العنقاء أقوال كثيرة لكنها لم تكن مسندة إلى من يعتمد عليه، فاقتصرت على هذا القدر. والله أعلم.
٧٤ - غراب
هو الطائر المشهور (١)، البعيد الأسفار الكثير الطواف، أول طير يسرع في الطيران بعد انبلاج الفجر يجتمع تحت الجوز منه عدد كثير. منقاره صلب جدًا، ويجتمع على الحيوانات الكبار كالجمل والفرس والآدمي، ويقصد قلع أعينها، ولا تمتنع بالضرب لشدّة جزعها، وينقر ظهر السلحفاة ويأكلها، والبعير إذا عُقر ظهره، وحدث فيه لحم فاسد فأرسل إلى الصحراء لتجتمع عليه الغربان وتأكل اللحم الميت من ظهره، وإذا مات ذكر الغراب، فالأنثى لا تتزوج آخر، وكذلك الأنثى، وإذا أفرخ البيض، يكون الفرخ أبيض بلا ريش، فتفزع منه الأم وتتركه، فيرسل الله تعالى عليه ذبابًا وبقًا كثيرًا يأكل الفرخ منه حتى ينبت ريشه ويسود.
قال مكحول: من دعاء داود ﵇: «يا رازق النِّعَابِ في عُشْهِ». ثم إِنَّ الفرخ ترجع إليه أمه فتجده قد أسود فتحن عليه، فحينئذ يذهب عنه الذباب والبق.
قال خلف الأحمر (٢): رأيت فرخ الغراب فلم أر صورة أقبح منه، ولا أسمج ولا اقذر منه، ولا أنتن، مع عِظَم رأس وصغر بدن، وطول منقار، وقصر جناح، أمرط منتن
стр. 6908
الريح أنتن من الهدهد.
وإذا مرض الغراب يأكل رجيع الإنسان فيبرأ، وبعض الغربان يأتي بألفاظ فصيحة لا يتهيأ مثلها للببغاء.
قال في كتاب العجائب: إنّ عينه وعين البوم إذا دُخّن بها بين قوم وقعت بينهم العداوة والبغض العظيم.
قال بلنياس الحكيم: إذا جفف قلبه وسحق وسقي [منه] الإنسان لم يعطش في تموز، ومن سقي من مرارته في خمر سكر بالقدح الأول، وإذا علّق طحاله على إنسان، هاج به العشق، وإذا طبخ رأس الأبقع منه حتى ينضح ويأكله من به صداع عتيق، يسكن وجعه، ودمه إذا خلط بالنورة وسقي إنسان في نبيذ أبغضها ولم يعد إليها، وإذا لف ذرقه في قطعة عهن ودفع إلى صاحب السعال، فإذا أخذه بيده، انقطع سعاله.
٧٥ - غرنيق
من طيور الماء (١).
قال صاحب المنطق: إنّ الغرانيق من الطيور القواطع، وإذا أحست بتغيير الزمان، رجعت إلى بلادها، وعند ذلك تتخذ قائدًا أو حارسًا وتنهض معًا، فإذا طارت ترفعت في الهواء جدًا كيلا يتعرض لها شيء من سباع الطير، وإن رأت غيمًا أو غشيها ليل أو سقطت للطعم، أمسكت عن الصياح كيلا يحس بها العدوّ، وإن أرادت النوم، أدخل كل واحد منها رأسه في جناحه؛ لأن الجناح أحمل للصدمة من الرأس، فإنّ الرأس فيه العين التي هي أشرف الأعضاء، والدماغ الذي هو قوام البدن وينام كل واحد منها وهو قائم على رجله الواحدة؛ لأنه يخاف إن مكنهما أن ينام نومًا ثقيلًا، وأما قائدها وحارسها فلا ينامان أبدًا، ولا يدخل واحد منهما رأسه تحت جناحه، ولا يزال ينظر من جميع الجوانب؛ فإن أحس بعدو صاح بأعلى صوته وأخبر أصحابه عنه.
стр. 6909
قيل: إن ذرقه يسحق بالماء وتُبَلُّ به فتيلة وتجعل في الأنف، فإنها تصلح كل قرحة تكون في الخيشوم. والله أعلم.
٧٦ - غواص
يوجد في أرض البصرة وغيرها كثيرًا على طرف الأنهار (١)، وكيفية صيده أنه يغوص في الماء معكوسًا بقوة شديدة، ويلبث تحت الماء إلى أن يرى شيئًا من السمك فيأخذه ويصعد به، ومن العجب لبثه تحت الماء، والماء لا يغلبه مع خفة بدنه.
قال بعضهم: رأيت غواصًا غاص وطلع بسمكة، فغلبه غراب وأخذ السمكة منه، فغاص مرّة أخرى وطلع بسمكة أخرى وقربها إلى الغراب، فلما أخذ الغراب السمكة واستقل بها، وثب الغواص وأخذ برجل الغراب وغاص به، ووقف تحت الماء حتى اختنق الغراب وخرج هو سالمًا.
قالوا: دمه يجفّف ويحرق مع شعر الإنسان، فإنه لا يصبر عن هذا الطالب ساعة، وعظمه أيضًا يفعل هذا الفعل.
٧٧ - فاختة
هذا الطائر المشهور الذي يتبرك به الناس (٢)، زعموا أن الحيات تهرب من صوته، وحكي أنّ الحيّات استولت على أرض، وكثرت جناياتها، فراجعوا بعض الحكماء فأمرهم بنقل الفواخت إليها ففعلوا؛ فانقطعت الحيّات عنها، وقالوا: دمه مع دم الحمام والزيت والقطران يدخن به، فمن شمه لا ينام البتة.
قال ابن البيطار (٣): لحم الفواخت حار يابس، وزبلها إذا علق على صبي يصرع بالليل نفعه.
٧٨ - فراخ الحمام
قال ابن البيطار (٤): ينبغي أن يأكلها المحرورون بماء الحصرم والكزبرة ولب الخيار، ويعالج بالفراخ خاصة من استولى على بدنه برد من طول المرض، وأحرّ من لحوم الطير المألوفة مع عسر انهضامه وكثرة توليد الدم ورطوبته، ولحوم الفراخ تهيج الخوانيق إلا مصوصًا، وتنفع من الفالج أكلًا، ولحمها كثير الفضول، سريع العفونة،
стр. 6910
وربما أحدث سهرًا، ولشحومها حرارة ظاهرة، ولذلك لا يوافق المحرورين؛ لأنها أسهل خروجًا من البطن من لحوم الدجاج ولا سيما إذا طبخت بماء وحمص وشبت وملح؛ فإنها عند ذلك مسهلة للخروج من البطن، وتوافق أمراقها المبرودين وأصحاب البطون المعتقلة، وتنفع من وجع الظهر المزمن، وتسمن الكلى، وتزيد في الباه، وخاصة الفراخ مضرة الدماغ والعين، وخاصة المشوية، ويدفع ذلك أن يشرب عليه بعض ما ذكرنا من الأشربة المانعة من صعود البخار إلى الرأس، وجوذاباتها إذا أكثر فيها من شحومها، أوفق للكلى وأشدّ زيادة في الباه، وإدمان أكل الفراخ محشوة بالأفاويه يحل الدم ويحرقه، وربّما أدت إلى الجذام، ولا سيما في الأطفال الصغار وأُولي الأمزجة الحارة، وإذا طبخ فرخا حمام في قدر في غمرها من الشيرج بلا ملح ولا توابل، وإذا نضجت وأكلها صاحب الحصاة فيبرًا.
٧٩ - قبج
طائر حسن الصورة والوشي يسكن الجبال (١). قالوا: إذا قصده الصياد يجعل رأسه تحت الثلج بحيث إن الصياد لا يراه، كما أنه لا يرى الصياد، وذكر أنها شديدة الغيرة على الإناث، فإذا اجتمع ذكران على أنثى تهارشا وتصارعا إلى أن يغلب أحدهما، فإذا هرب المغلوب تبع الأنثى الغالب.
ومن عجيب شأنه أن الذكر إذا صاح وحمل في الهواء صوته إلى الأنثى، يتولد البيض في ظهرها، كالنحلة تلقح من رائحة طلع الفحال إذا كانت تحت الريح، وتبيض خمس عشرة بيضة، وتجعلها في موضعين أحدهما يحضنه الذكر، والآخر تحضنه الأنثى.
والقبج لا يتسافد في البيوت، بل إنما يتسافد في الجبال، وهو يحب الغناء والأصوات الطيبة، فربّما وقع جائما عند السماع شوقًا حتى يأتيه الصياد ويأخذه.
قال في كتاب العجائب (٢): إن مرارته إذا سعط بها إنسان في كل هلال، جاد ذهنه واحتدّ بصره، وإذا اكتحل بها، نفع من إبتداء الماء، وإذا أضيف إلى المرارة ذرق الحجل والمرجان الغير مثقوب أجزاء سواء، وسحق واكتحل به، أذهب البياض من العين، وإذا شويت كبده وأطعمته لصبي أمن الصرع، وإذا اكتحل بدمه، نفع الجراحات في العين والعشي، ولحمه يسمن وينفع من الاستسقاء ويزيد في الباه، ويؤكل بيضه بخل العنصل فينفع من المرض وأوجاع العين (٣).
стр. 6911
٨٠ - قُبَّرة
طائر يحب الأصوات المطربة والنغمات اللذيذة. على رأسه قنزعة شبيهة بالتي على رأس الطاووس (١)، وهو شديد الاحتياط، إذا وقع على شيء ينظر على يمينه وعلى شماله وورائه، وهو مع كثرة احتياطه كثير الوقوع في الفخ، ويتخذ عشًا عجيبًا، له تأليف وتنضيد معجب فيعمد إلى ثلاثة أعواد من شجرة الكرم أو نحوها عريضة الورق فيشدها ويأتي بحشيش في غاية اللطافة؛ وينسجه بين تلك الأعواد كهيأة السلة اللطيفة؛ لا يمكن لبشر أن يحسن مثلها، ويدع البيضة فيها، ثم يسترها بأوراق الشجر بحيث لا يرى مكانها شيء من جوارح الطير، فيكون موضعه مخفيًا عنهم. ولحمه إذا أكل مشويًا أبرأ القولنج برءًا تامًا.
قال ابن البيطار (٢): على رأسه قنزعة إذا شويت وأكلت نفعت من القولنج، وإذا طبخت إسفيذ باجًا نفعت من القولنج أيضًا، وينبغي لمن يعالج بها أن يدمن أكلها مرارًا كثيرة مع مرقها، ومرقها يطلق البطن، ولحمها يحبسه، وكذلك غيرها من العصافير، إلا أن هذه لها فضل قوة على الأمرين جميعا، وإذا أخذ فؤاده فوضع على موضع وجع شفاه.
٨١ - قطا
طائر معروف يسمّى بصوته (٣)، يقال: «فلان أصدق من القطا».
قال الشاعر (٤): [من البسيط]
لا تكذب القول إن قالت قَطًا صَدَقَت … إذ كلُّ ذي نِسبَةٍ لا بُدَّ يَنتَحِلُ
وتقول العرب: «فلان أهدى من القطا»، قال الشاعر (٥): [من الطويل]
تميم بطرق اللؤم أهدى منَ القَطا … ولو سَلَكَت سُبْلَ المكارم ضلَّتِ
وذلك أنه يبيض في البرية؛ ويدفن بيضه أيامًا، فإذا رجع نزل على الموضع الذي فيه البيض. وللقطا حسن المشية يمشي كمشي المرأة المتبخترة المعجبة، ولها أفحوصة على الأرض عجيبة في وسط الحشيش.
وقد مثل بها النبي ﷺ في اختصارها حيث قال (٦): «من بنى
стр. 6912
الله تعالى مسجدًا ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتًا في الجنّة».
قال ابن البيطار (١): لحمه نافع لمن به سدد وضعف في الكبد، وفساد مزاج والاستسقاء، ويولد السوداء، وهي عسرة الهضم رديئة الغذاء، ويقلل ضررها الدهن الكثير، والخلّ يصلحها، وأكثر ما تؤكل مصوصًا، وإذا أحرقت عظام القطاة وأغلي رمادها بزيت أنفاق وطلي به رأس الأقرع وموضع داء الثعلب، ينبت فيه الشعر. مجرّب.
٨٢ - قُمَري
طائر معروف (٢) يقتنى لأجل صوته، قالوا: إناث القماري إذا مات ذكورها، لا تقارب ذكرًا غيره، ولا تزال تنوح عليه إلى أن تموت، ومن العجب أنَّ بيض القماري تجعل تحت الفواخت وعكسه، وكلتاهما تخرج قماري كافورية، ويقال: إنّ الهوام تهرب من أصواتها. والله أعلم.
٨٣ - كُرَوان
قيل: إنّ شحمه ولحمه يحرّك الباه تحريكًا شديدًا (٣).
٨٤ - لقلق
طائر معروف (٤)، لا يزال يأكل الحيات ويتبع الربيع، وله وكران أحدهما ببلاد الصرود؛ والآخر بالجروم، ويتحول من أحدهما إلى الآخر رحلة الشتاء والصيف، ولا يجعل الوكر إلا على موضع عال كمنارة أو شجرة عالية، فيأتي بالأعواد والحشائش ويركب بعضها في بعض تركيبًا عجيبًا، لو أراد الإنسان أن يجربه بِمِعْوَل لصعب عليه ..
قال في كتاب العجائب (٥): قال الشيخ الرئيس ابن سينا: من ذكاء هذا الطير أنه إذا أحس بتغيير الهواء عند حدوث الوباء، فيترك عشه في أوائل التغيير، ويهرب من تلك الديار، وربما ترك بيضه ولا يعود عليه، وقال أيضًا: ومما تستظهر به اللقلق أنّ الهوام تهرب منه وتفزع؛ لأنها إن ظهرت أكلها، وقال أيضًا: أجمعوا على أن بيضه خضاب جيد.
٨٥ - مالك الحزين
قال الجاحظ (٦): من عجائب الدنيا أمر مالك الحزين؛ فإنه لا يزال يقعد ببثوق
стр. 6913
المياه من الأنهار إذا انخرقت ويحزن عليها، لظنه ضياعها، وتمتنع من الشرب خوفًا من فراغه من الأرض مكتئبًا حزينًا، وربما يموت عطشًا.
٨٦ - مكاء
طائر من طيور البادية (١)، يتخذ أفحوصة عجيبة من الشيح ويبيض فيها.
وروي أنه رأى بعض الأعراب مكاء مسافرًا فحنّ إلى وطنه وقال: [من الطويل]
فدى لك يا مكاء ما لَكَ ههنا … إلاء ولا شيخ فكيف تبيض؟
وبينه وبين الحية معاداة؛ لأنّ الحيّة تأكل بيضها وفراخها.
وحدث هشام بن سالم أنّ حيّة أكلت بيضة مكاء فجعلت المكاء تنثر التراب على رأسها وتدنو حتى إذا فتحت الحية فاها لتأخذ [ها] ألقت في فمها حسكة فأخذت بحلق الحية فماتت.
٨٧ - نسر
طائر حريص على الأكل (٢)، إذا وقع بالجيفة أكل حتى لا يقدر على الطيران. قالوا: إنه يعيش ألف سنة وأكثر، وإذا باضت تأتي بورق الدّلف، وتتركه حول وكرها لئلا يأكل الخفاش بيضها. قال جالينوس: من علّم النسر ذلك فإن أكثر الأطباء لا تعرف هذا، وإذا حان وقت بيضها، فالنسر الذكر يأتي إلى بلاد الهند ويأتي بحجر يوجد في بعض تلك الجبال؛ فيتركه تحت الأنثى ليخف عنها الألم.
ولا يتخذ الوكر إلا في مكان لا يصل إليه أحد لارتفاعه وصعوبة مسلكه، وإذا مرض يأكل من لحم الناس، وإذا أظلم بصره مسحه بمرارة الإنسان. ورائحة الورد الطيب تضر النسر، ولا يزال يتبع العساكر طمعًا في لحوم القتلى، ومع الحاج أيضًا لطمعها فيما يسقط من الدواب، ويتبع الأنعام زمن حملها طمعًا فيما تجهضه من حملها.
قال ابن البيطار (٣): هو من أقدر الطير على العلو، وربما طار من المشرق إلى المغرب، وانصرف من يومه، ويقصد المقتلة من المكان البعيد فيأكل وينصرف إلى فراخه فيزقها، ولحمه حار يابس ينفع من التشنج، وهو زفر بطيء الانهضام، والكيموس المتولد منه رديء جدًا يولد مرّة سوداء، وفيه مع حرارته شيء من رطوبة، وإذا اكتحل بمرارته سبع مرات مع ماء بارد وطلي منها حول العين نفع من نزول الماء
стр. 6914
فيها، وإذا خلط بمثل ذلك [عصارة النَّدَفَة] وعسل واكتحل به، نفع من ظلمة البصر وأذهب غلظ الجفن وجربها، وإذا أذيب شحمه وقطر في الأذن حارًا، نفع من الصمم إذا وإلى على ذلك.
٨٨ - نَعَامٌ
حيوان مركب من خلقة الطير والجمل، أخذ من البعير العنق والوظِيف والمِنْسَم، ومن الطير المنقار والجناح والريش (١)، ويأكل الحصى والرمل ويُذيبه حتى يجعله كالماء لخاصية خلقها الله فيه، كما أن جوف الكلب يُذيب العظام دون النوى وهي أصلب، وكذلك يأكل جمر النار ولا يضره، وإذا أُحميت صنجة مئة دينار حتى تصير كالجمر بحيث لو وضعت على الحجر، لنزلت فيه، ثم ترمي إلى النعامة فتبتلعها وتستمرئها، وإذا باضت تدفن بيضها تحت التراب، وتبيض عشرين بيضة أو أكثر، فتدفن ثلثها في موضع، وتحضن ثلثيها، فإذا خرجت الفراخ كسرت ما بقي وغذت به الفراريج، وإذا قويت الفراريج، أخرجت ما دفنته وكسرته وتركته على الأرض ليجتمع عليه الذباب والبق والنحل والهوام، فتأكل منه إلى أن تقدر على الرعي، فانظر إلى هذه التربية العجيبة من غير توقيف.
وإذا عدت النعامة، أرخت جناحها إلى رجليها، فلا يسبقها شيء من الحيوانات، ومن العجب أنها إذا استقبلت الريح، كان عدوها أشد مما إذا استدبرتها، وتفرغ من ظلّ نفسها، وتقول العرب: «فلان أحمق من نعامة»؛ لأنها إذا ذهبت عن بيضها ورأت بيض غيرها حضنته وتركت بيض نفسها.
قال ابن البيطار (٢): البط والنعام كثير الفضول؛ غليظ جدًا، فيصلح بما يصلح به لحم البط وقد جُرب، [و] شحم النعام إذا أخذ منه في أول الصيف وآخر الربيع وجعل في موضع، هربت منه الحيات والأفاعي، وإذا شمته، غُشِيَ عليها. مجرّب، وهو يخدر الأورام الجاسية البلغمية تخديرًا قويًا، وإذا طلي به الحبى أضمره، وكذلك تهيج الأطراف، وينفع لسعة العقرب شربًا وضمادًا، وينفع الأوجاع الباردة كلها.
٨٩ - هُدْهُد
طائر عجيب الصورة، حسن اللون، نتن الرائحة (٣)، وروي عن النبي صلى الله
стр. 6915
عليه وسلم: «لا تقتلوا الهدهد، فإنه كان دليل سليمان على قُرب الماء وبعده، وأحبّ أن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، ويمشي في أقطار الأرض».
ونقل أيضًا أن الهدهد قال لسليمان ﵇: أريد أن تكون في ضيافتي فقال: أنا وحدي؟ فقال: بل العسكر كله، في جزيرة كذا في يوم كذا، فحضر سليمان وجنوده إلى ذلك المكان - حملتهم الريح - فصاد الهدهد جرادة، وخنقها، ورماها في البحر وقال: كلوا يا نبي الله، من فاته اللحم نال من المرق، فكان سليمان وجنوده يتعجبون من صنعة ذلك، ويضحكون حولًا كاملًا.
وكل مكان يكون فيه الهدهد لا تكون فيه الأرضة، وإذا مرض يأكل العقاب الجبلي فيزول مرضه، وفراخ الهدهد حية توضع على اللسعة التي يقال لها السرطان فتحلله.
قال ابن البيطار (١): إذا طبخ لحم الهدهد بماء وشبت، وسقي من مائه وأطعم من لحمه نفع من القولنج، وإذا علّقت عينه على صاحب النسيان ذكر ما نسيه، وكذلك أمِنَ من داء الجذام ما دام معلقًا عليه، وإن كان قد بدأ أوقفه، وإذا بخر البيت بريشه، طرد الهوام، وإذا حمله من يخاصم، قهر خصمه؛ وقضيت حوائجه؛ وظفر بما يريد، وإذا قطر دمه على البياض الذي في العين أذهبه، وإن بخر برأسه برج حمام، لم يقربه شيء يؤذيه، وإن عُلق بجملته مذبوحًا على باب بيت أمن كلّ من فيه من السحر وعين العاين، وإن أطعم المصاب من لحمه وأسعط من دماغه بدهن الخل أبرأه، وإن يُبّس معاء الهدهد، وسُحِق مع السوس، وخلط بدهن الخل ساعة أن يعصر ودهن به الشعر سوده وجعده، ومن علق عليه لَحْيُهُ الأسفل أحبّه الناس، وإن بخّر بجناحه قرية النمل ذهب بهن، وإن بخر المجنون بعرف الهدهد نفعه، وإذا بخر المسحور بلحمه أو المعقود عن النساء أبرأه.
٩٠ - وطواط
قيل: هو الخفاش (٢)، وقيل: هو غيره.
قال بلنياس: إذا أخذ وطواط، وعلق على عنقه من شعر إنسان، وأرسل حتى طار، فإن ذلك الإنسان لا يستطيع النوم حتى يؤخذ الشعر من عنق الوطواط، وإذا جعل رأسه في حشو المخدة، فمن وضع رأسه عليها غلبه النوم، ودماغه مع العسل يبرئ نزول الماء إذا اكتحل به، ويطبخ بدهن ورد ويدهن به عرق النسا يسكن وجعه، والله أعلم.
стр. 6916
٩١ - يَرَاعَة
طائر صغير إن طار بالنهار كان كبعض الطيور، وإن طار بالليل فكأنه شهاب ثاقب أو مصباح طيار (١)، قال الشاعر: [من الكامل]
أو طائر مثل اليراعة أو يُرى … في حِنْدَس كضياء نور مُنَوّر
٩٢ - يَمَامَة
هو الحمام المُسَروَل، وهو الشفنين - وقد تقدم ذكره - وهكذا قال ابن البيطار (٢). وهو أكثر الطيور بيضًا وفرخًا؛ لأنها تبيض في السنة عشر مرات وأكثر، ويجري بين هذا النوع وأنثاه - كما ذكرنا في الحمام - جميع ما يجري بين الرجل والمرأة من القبلة والمعانقة والغنج والدلال وغيرها، والأنثى تبيض وتحضن وتتولى تربية الفراخ، [أما] الزَّق فعلى الذكر كعادة بني آدم، وإذا سمعت صوت الرعد، تقوم على بيضها، وإذا كان الصوت شديدًا، فسد بيضها.
ومن العجب أنها أولًا تكسر البيضة التي فيها الذكر؛ لأن الذكور في جميع الحيوانات أقوى من الإناث، فيتم خلق الذكر منهن قبل خلق الإناث، فسبحان من ألهمها كسر البيضة، لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَه.
قال ابن البيطار (٣): الشفنين هو الطائر المعروف باليمام، وهي فاضلة الغذاء، مائلة إلى الحرّ، وهي أنفع وأصلح للمشايخ والناقهين بعد فراخ الحمام، ولها قوة في صرف الدم على القليلي الدماء، وخاصيته تقوية القوة الماسكة، وهي في ذلك أبلغ من القبج وهو الحجل، وأجودها الصغار، وهي حارة يابسة، ويُبسها قوي ينفع من الفالج، ويحدث سهرًا، ويصلحها الخل والكزبرة، ولا ينبغي أن يؤكل منها ما جاوز السنة؛ فإنّه شديد الضرر، وينبغي أن تترك بعد ذبحها يومًا ثم تؤكل، ولحمها يزيد في الحفظ، ويذكي الذهن، ويقوي الحواس.
* * *
стр. 6917
[الطيور بالجانب الشرقي]
أما المختصة بالشرق من الطيور فمنها:
٩٣ - بازي
وهو أشدُّ الجوارح تكبُّرًا وأضيقها خلقًا، يوجد بأرض الترك، ولا يكون البازي إلا أنثى (١)، وهذا النوع لم يُخلق له ذكر على ما ذُكر إنما يكون من نوع آخر؛ إما من الحدأة أو من الشاهين أو غيرهما، ولهذا يكون الاختلاف في أشكال البزاة كثيرًا، وذلك بحسب حال الذكر، فإن كان الغالب على لونه البياض فهو أحسن البزاة وأملأها جسمًا، وأجرأها قلبًا، وأسهلها رياضة، والأشهب لا يوجد إلا بأرض أرمينية وأرض الخزر.
والبازي لا تتخذ الوكر إلا على شجرة أغصانها مشتبكة لدفع ألم الحر والبرد، وإذا أرادت أن تبيض جعلت لوكرها سقفًا حتى لا يقع فرخها [أثناء] المطر والثلج، وإذا مرض أكل لحم العصفور فيبرأ، وإذا كان في التحسير وهو القرناص يعطى لحم الفأر فينبت ريشه سريعًا.
قال في كتاب العجائب (٢): إذا اكتحل بمرارته أبرأ من الماء النازل في العين وجلا نور البصر، ويسعط صاحب اللقوة بقدر حبة منها يبرأ. قال ابن سينا: مرارة الجوارح كلها تنفع من ظلمة البصر اكتحالًا، وإذا علق مخلبه على شجر لم يصبه ضرر من الطير ما دام معلقًا.
٩٤ - تنوط
طائر عجيب، يتخذ من لحاء الأشجار شبه الليف، ويعمل منه قفّة، ويفتل منه خيطًا، ويشدّ القفّة بالخيط، ويدليها في بعض أغصان الشجر، ثم يفرّخ فيها (٣).
قال في كتاب العجائب (٤): مرارته مع شيء من سكر يُطعم منها الصبي تُحسّن خلقه ويزيد في أعين الناس قدره، ويكون ذلك في زيادة القمر، ويكون محبوبًا إلى الناس وإن كان قبيحًا.
стр. 6918
٩٥ - تَدْرُج
طائر يغني في البساتين بين الأشجار بالأصوات والألحان، قالوا: ويسمن عند صفاء الهواء وهبوب الشمال، ويهزل عند هبوب الجنوب ويسوء حاله، وإذا قرب ولادها اتخذت شبه دائرة من التراب اللين وتضع البيض فيها لئلا يتعرض للآفات (١)، وفرخها كفرج الدجاج كما يخرج من البيض تلقط الحب.
فائدة: قيل: إذا رأيت التدرج أو الدراريج تجتمع وتصيح: فانتظر الزلزلة بعد ساعة على قدر الصياح. والله أعلم.
٩٦ - سُنْقُر
طائر من جوارح الطير في حجم الشاهين.
قالوا (٢): إنه يكون ببلاد الترك، ولا يعيش إلا بالبلاد الباردة، إذا أرسل على الصيد يشرف عليه، ويطير حوله على شكل دائرة، فإذا رجع إلى المكان الذي بدأ منه وأنْوَصَل أول الخط بآخره يبقى الطير في وسط الدائرة لا يقدر على الخروج منها، ولو كان ألفًا، ثم لا يزال الذي في الدائرة يجتنب المحيط ويقرب من المركز، فعند ذلك يقف الجارح عليها، وينزل يسيرًا يسيرًا، وينزل الطير بنزوله حتى يلتصق بالتراب، فيأخذها البازيارية لا ينقلب شيء منها.
٩٧ - شاهين
طائر من جوارح الطير عدوّ الحمام، إذا رآه الحمام اعتراه ما يعتري الحمار من الأسد والشاة من الذئب، والفأر من السنّور (٣)، والحمام أسرع طيرانًا إلا أنه إذا خاف، ضعف طيرانه، وإذا رأت السلحفاة الشاهين، تقنعت وأعطته ظهرها، ومنقار الشاهين لا يعمل فيها، فيحملها الشاهين ويصعد بها نحو الجو، ويرميها على صخرة صلدة لكي تتكسر، فعند ذلك يأكلها، وإذا مرض الشاهين أكل الدراريج فيزول مرضه.
٩٨ - صقر
هو الجارح المعروف، وصيده أعجب من صيد جميع الجوارح، فإذا أرسل
стр. 6919
صقران على ظبي أو حمار وحش، نزل أحدهما على رأسه ويضرب بجناحيه عينيه، ثم يقوم، وينزل الآخر، يفعلان ذلك حتى يشغلانه عن المشي حتى يدركه من يبطش به. ومن العجب أن الصقر مع صغر جثته يثب على الكركي مع ضخامته، وذلك لشجاعة خلقها الله في الصقر يغلب بها الكركي (١).
٩٩ - طائر البحر
لا يزال يطير في البحر ولا يرى اليبس أبدًا، أخبر البحريون أنه ربما يجعل البيضة أدحيًا من زبد البحر يبيض فيه، وغير هذا الوقت يطير في الهواء أبدًا حتى يموت، والذكر والأنثى يتسافدان في الهواء، وبيضه يتفقص بنفسه عند إنتهاء المدة، فإذا قدر فرخه على الطيران، يكون كأبويه. والله أعلم.
١٠٠ - قوقنس
طائر يوجد بالهند. قال صاحب تحفة الغرائب (٢): هذا الطير عند الزواج يجمع حطبًا كثيرًا، ولا يزال الذكر يحك منقار الأنثى إلى أن يتأجج النار من حكاكهما في ذلك الحطب وتشعل عليهما فيحترقان، ثم إذا وقع المطر على الرماد الناشيء منهما يتولد فيه دود، ثم يتولد جناج ويكبر ويصير طائرًا كما كان أصله ثم يفعل كما فعل أصله وهكذا. والله أعلم.
١٠١ - كُرْكِيُّ
طائر له اجتماع في الطيران، لا يخالف بعضهم بعضًا البتة، ولهم المقدم الذي يتبعه الجمع، وذلك بالنوبة، ولها رئيس، والرئاسة أيضًا بالنوبة، فإذا انتهت قام غيره مكانه. وجماعة الكركي لا تثبت إلا في مكان بعيد عن الناس والوحش والحارس يقوم عليها، ويضع إحدى رجليه ويرفع الأخرى لئلا يغلبه النوم حتى يستوفي نوبته.
قال الجاحظ (٣): من عجائب الدنيا أمر الكراكي، وهو أنه لا يطأ الأرض برجليه، بل بأحدهما، وإذا أوطأهما، لم يعتمد عليهما اعتمادًا قويًا خوفًا من إنخساف الأرض به (٤).
قال ابن البيطار (٥): لحمه عضلي ليفي، لذلك يؤكل بعد ذبحه بأيام، ويصلحه
стр. 6920
الطبخ بالخل مرّةً، وبالماء والملح أخرى، فإن كانت تشوى فتلقى بسرعة إخراجها من البطن بما يسهل خروج الأثفال بما ذكرناه، أو يؤخذ عليها فانيد وحلواء متخذة بفانيد، وكذلك على شوي الأوز وما عظم من البط، وإن أخذ من دماغ الكركي ومرارته وخلطا بدهن زنبق وسعط بها من كثر نسيانه ذهب ذلك عنه ولم ينس شيئًا، ومن اكتحل بمخ كركي، نفعه من العشو وامتناع النظر بالليل، وإذا خلطت مرارة الكركي مع ماء ورق السلق وسعط بها صاحب اللقوة ثلاثة أيام متوالية، أذهبها البتة، ودماغ الكركي إذا ديف بماء الحلبة وطلي به ورم اليدين والرجلين من التخمة نفعه، وإذا مُلِّحَت خصيتاه وجففتا وخلط بها مثلها خرء ضبّ وزبد البحر وسكر أجزاء سواء وكحل به بياض العين العارض عند جدري أو طرفة، أذهبته البتة، وإذا ديف شحمه مع خل عنصل وسقي منه المطحول أيامًا نفعه نفعًا بينًا، وإذا ديفت مرارته مع عصارة مزرنجوش وسعط بها صاحب اللقوة مخالفًا للجانب الذي فيه اللقوة سبعة أيام، ويدهن اللقوة بدهن الجوز، ويمتنع العليل أن يرى الضوء سبعة أيام، فإنه عجيب، ومرارة الكركي تنفع من الجرب المتقرح والأقوبة والبرص لطوخًا.
* * *
стр. 6921
[الطيور بالجانب الغربي]
ومن المخصوص بالمغرب:
١٠٢ - ببغاء
يقال له: طوطي، وهو طائر حسن اللون والصورة وأكثرها أخضر اللون زنجاري، وقد يكون أحمر وأصفر وأبيض (١).
له منقار غليظ أحمر، ولسان عريض، يسمع كلام الناس ويعيده ولا يدري معناه، ويأتي بحروف مستقيمة. وأما كيفية تعليمها، فإنهم يأخذون مرآة ويدعونها في قفصها حتى ترى هي فيها صورة نفسها ويقف خلف المرأة إنسان يتكلم مع الببغاء بحيث تحسب أن المرآة هي التي تتكلم، وإنما فعلوا ذلك؛ لأنها إذا سمعت من مثلها شيئًا تريد أن تأتي بما أتى به مثلها فتتعلم سريعًا.
ومن عجائبها أنها لا تشرب الماء أبدًا، وإن شربت الماء هلكت.
قال في كتاب العجائب (٢): من أكل من لحمها شيئًا، قوي قلبه، وتفصح لسانه ومرارتهابالعكس، وإذا جفف دمها وسحق ونثر بين صديقين، وقعت بينهما العداوة، وإذا ديف ذرقها بماء الحصرم واكتحل به، نفع من الرمد وظلمة العين، والله أعلم.
* * *
стр. 6922
الهوام والحشرات
هذا نوع لا يمكن لبشر حصر أصنافه، وكان بعض أهل العلم من المفسرين يقول: من أراد أن يعلم تحقيق قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) فليوقد نارًا في وسط غيضة بالليل، ثم لينظر ما يغشى تلك النار من الحشرات، فإنه يرى صورًا عجيبة، وأشكالًا غريبة، لم يكن يظن أن الله تعالى خلق شيئًا من ذلك.
على أنَّ الخلق الذي يغشى ناره يختلف باختلاف المواضع من الغياض والجبال والسهول والبراري، فإن في كل بقعة من هذه البقاع أنواعًا من المخلوقات مخالفة لما في البقعة الأخرى.
ومن الناس من يقول: ما فائدة هذه الحشرات والهوام مع كثرة ضررها؟ ولم يدر أنَّ الله تعالى راعى المصالح الكلية، كإرسال الأمطار؛ فإنَّ فيها مصالح العباد وإن كانت سببًا لخراب بيت العجوز، وهكذا خلقت هذه الحشرات، فإن الله تعالى خلقها من المواد الفاسدة والعفونات الكامنة، ليصفو الجو منها ولا يعرض له الفساد الذي هو سبب للوباء وهلاك الحيوان والنبات، وإن كان يتضمن لسع الهوام.
والذي يحقق ذلك أنا نرى الذباب والديدان في دكان القصاب، والدباس، ولا يُرى في دكان البزاز والحداد مثل ذلك، فاقتضت الحكمة الإلهية خلقها من تلك العفونات، لتمتص تلك العفونات، وتغتذي بها فيصفو الهواء منها، ويسلم من الوباء، وجعل صغارها مأكولًا لكبارها، وإلا ملأت وجه الأرض منها، فليس في ملكوته ذرة إلا وفيها من الحكم ما لا يحصى.
وأعجب ما في هذا النوع أن كل ما جعل سُمُّهُ سببًا لضرر حيوان جعل لحمه دافعًا لذلك الضرر، فإن الأطباء الأقدمين وجدوا في لحم الحية قوة تقاوم السموم، فأدخلوها لحمها في الترياق، والتجربة دلت على أن من لدغته العقرب، يقتلها ويُبطل موضع اللدغ برطوبة جوفها فإن الألم يسكن في الحال، ثم إن هذا النوع من الحيوان يختلف حالها في الشتاء، فمنها ما يموت من البرد كالذبان والبق والبراغيث، ومنها ما يمكث أشهر الشتاء في باطن الأرض ولا تأكل شيئًا كالحيات والعقارب، ومنها ما
стр. 6923
يُدَّخر للشتاء كالنمل والقمل؛ فإنها لا تعيش في باطن الأرض بلا طعام، ولنذكر ذلك على العادة على حروف المعجم إن شاء الله تعالى.
* * *
١٠٣ - أرضة
دودة بيضاء صغيرة (١)، تبني على نفسها أزجًا شبه الدهليز خوفًا من أعدائها كالنمل وغيرها، فإذا أتى عليها سنة نَبَتَ لها جناحان طويلان تطير بهما، وهي التي دلت على الشياطين على موت سليمان ﵇ تأكل منسأته، وإن خرجت آزاجها اجتمعت على عادتها وتبنيها، وإن خرب بعضها اجتمعت على بناء ما خرب، وسدّ ما انثلم، يفعل ذلك في أقل زمان.
وأما سبب ذلك الطين فقد قالوا: إنّ طبيعة هذا الحيوان بارد رطب، وبدنه متخلخل ومسامه منفتحة يدخلها الهواء ويُخمد من برودة طبعه، فيصير ما يرشح من بدنه ويقع على الأجزاء الأرضية بالغبار وغيره دائمًا، فيجتمع عليه شبيه الوسخ، فهي تجمع ذلك من بدنها وتبنيه على نفسها كهفًا لها من الآفات، وحصنًا من الأعداء، ولها مشفران حادان تثقب بهما الخشب والآجر والحجارة. والنمل عدوّها يغلبها، وهو أصغر من الأرضة جثة، فيأتي من خلفها ويحملها، وإن أتاها مستقبلًا فلا يقدر عليها، وإذا نبت لها جناح يكون خصب العصافير.
قال صاحب المنطق: إنّ الأرضة أفسدت كثيرًا من منازل أهل القرى؛ حتى سلط الله عليها النمل، وقالوا: إذا بُخّر بالزرنيخ وأخثاء البقر، هلكت الأرضة.
١٠٤ - أفعى
حية قصيرة الذنب، من أخبث الحيّات، عيناها طولانية، مخالفة لعيون سائر الحيوانات، وحدقتاها بارزتان كما الجراد، وإذا فُقِئَت عينها تعود وتصلح، ولا تغمض عينها البتة (٢)، وتختفي في التراب أربعة أشهر من شدة البرد، ثم تخرج وقد أظلمت عينها، فتطلب شجرة الرازيانج وتحك عينيها، فيرجع إليها ضوؤها، وإذا قطع ذنبها نبت سريعًا، وإذا ذُبحت بقيت ثلاثة أيام تتحرك، والبقر الوحشي يأكلها أكلًا ذريعًا، وهي أعدى عدوّ للإنسان.
قال الجاحظ (٣): الأفعى تظهر في الصيف في أول الليل إذا سكن وهج ظاهر
стр. 6924
الأرض، تأتي قارعة الطريق، وتستدير كأنها رحى، وتلصق بطنها بالأرض، وتشخص رأسها متعرضة لمن يطؤها من إنسان أو دابة لتنهشه، وسمّها موت ذريع سريع، وذكر أنها نهشت ناقة في مشفرها ولها فصيل يرضعها، فبقيت الناقة سادرة واقفة ومات الفصيل قبل أمه. وإذا مرضت الأفعى، تأكل ورق الزيتون فتبرأ.
قال ابن البيطار (١): لحوم الأفاعي تسخن وتجفف البدن إذا هي طيبت كما يطيب الجري والمرماهي بالزيت والملح والشبت والكراث والماء بمقدار قصد.
وحكي أن مجذوما أعدى غيره فسمج منظره، فلما كان وقت طلوع الشعرى أحضر قوم شرابًا في جرة وتركوه في إجانة ليمزجوه ويشربوه. فوقع في الشراب أفعى فماتت ولم يعلموا بها، ثم إنهم أرادوا رحمة المجذوم وخلاصه مما هو فيه بالموت، فسقوه الشراب، فبرئ من المرض بأن غلظ جسده وسقط كما يسقط ذوات الجنن الخزفية من الحيوان جلودها، وصار الذي بقي من لحمه من اللين مثل لحم الحلزون والأسداف والسرطانات إذا سقطت جثثها الشبيهة بالأخزاف عنها.
وللحوم الأفاعي من قوة التجفيف ما يفعل مثل هذا، ويتخذ منها أقراص يلقى منها الترياق ويسحق وينخل ناعمًا، ثم يلقى في الملح الذي يتأدم به هؤلاء، ولحوم الأفاعي تجفف وتحلل تجفيفًا وتحليلًا قويًا، وإذا طبخ وأكل يحد البصر ويوافق أوجاع العصب، ويمنع الخنازير في وقت زيادتها من الزيادة، وينبغي أن تسلخ وتقطع رؤوسها وأذنابها؛ لأنهما خلوان من اللحم، ومن قال: إن أطرافها تقطع على التقدير باطل، وينبغي أن يؤخذ الباقي ويغسل ويطبخ بزيت وشراب وملح يسير وشبت، وقيل: من يأكله يطول عمره، ومنهم من يقول: إن أكله يقمل وذلك باطل، وهو يقوي القوة، ويحفظ الحواس والشباب، وإن دقت نيَّة ووضعت على نهشتها سكنت الوجع، وإن وضعت على داء الثعلب نفعته منفعة بليغة، وإن أحرقت حيات البيوت وسحق رمادها مع الزيت وطلي به على الخنازير حللها وأذهبها، مجرّب، ومن أكثر من لحومها قرح وأفسد مزاجه.
فائدة:
حكي أن رجلًا نام في ظل شجرة، فاجتاز به أفعى، فضربه على يده، فانتبه الرجل، وعلم ما حلّ به، فأخذه الكرب والغشي والعطش، وكان بقربه غدير، فشرب منه ماء، فلما شرب الماء، سكن وجعه وبرئ فعجب من ذلك، فأخذ خشبة يقلب بها
стр. 6925
باطن ذلك الغدير، فوجد أفعاوين قد تقاتلا ووقعا في ذلك الماء وتهرءا فيه، فعلم أنّ ذلك بالخاصية. وذكر أنه من أخذ خيطًا اسمانجونيًا وخنق به أفعى ثم شدّ ذلك الخيط في رقبة صاحب الخناق، فإنّه ينفتح في الحال.
١٠٥ - برغوث
هو أسود أحدب، تراه إذا وقع عليه نظر الإنسان يثب تارة من اليمين إلى الشمال، وتارة من الشمال إلى اليمين، حتى يغيب عن نظر الإنسان (١).
قال الجاحظ (٢): البرغوث في صورة الفيل، وأنه يبيض ويفرخ. وفي حديث سفيان الثوري عن أنس بن مالك قال: عمر البرغوث خمسة أيام، وحكى ثمامة عن يحيى بن خالد قال: إنَّ البرغوث من الخلق الذي يعرض لهم الطيران فيصير فراشًا، وذكر أن البرغوث إذا جاع، أكل القمل الذي في الثياب، ويموت من رائحة ورق الدفلى.
١٠٦ - بعوض (٣)
حيوان على صورة الفيل في غاية الصغر، وكل عضو خلق للفيل خلق للبعوض مثله وزيادة جناحين، والبعوض إذا وقع على شيء فالبصر لا يدركه لصغره، هذا حال جميع بدنه، فكم تكون نسبة رأسه إلى بدنه؟ وكم تكون نسبة دماغه إلى رأسه؟ وقد خلق الله في دماغه القوى الباطنة الخمس، فلها الحسّ المشترك؛ لأنها تمشي إلى الحيوان ولا تمشي إلى الحائط، ولها الخيال؛ لأنها إذا طردت عن العضو عادت إليه لما عرف أنه محل الغذاء، ولها الوهم؛ لأنها إذا أحست بحركة اليد هربت؛ لأنها تعرف أن العدو قد قصدها، ولها الحافظة؛ لأن اليد إذا سكنت عن الحركة عادت لمعرفتها أن العدو قد ذهب، ولها المفكرة؛ لأنها إذا غمست خرطومها وهو أدق من الشعر فتمصّ به الدم وهو مجوف، وتفعل ذلك مرارًا.
وقد خلق الله تعالى فيها قوّة تضرب بها جلد الفيل والجاموس ينفذها فيها، والفيل والجاموس يهربان من البعوض في الماء، فهذا الحيوان مع صغره من العجائب كثير، فسبحان من لا يعرف دقائق حكمته غيره. قالوا: يؤخذ ثلاث من البعوض وشيء من الصمغ، يحبب ويجعل في كل حبة بعوضة، ويبلعها صاحب حمى الربع يوم النوبة، ولا يضع قدميه على الأرض، فإن حماه تزول بإذن الله.
стр. 6926
١٠٧ - ثعبان
حيوان عظيم الخلقة، ذو شكل هائل ومنظر مهيب (١).
قال الشيخ الرئيس: أصغرها يكون خمسة أذرع، وأما الكبار فيكون من ثلاثين إلى ما فوق ذلك، وله عينان كبيرتان، وتحت فكه الأسفل نتوء، وله أنياب كثيرة، قال قوم: إنّه كثير بأرض النوبة والهند والهندية كثيرة جدًا، ولها وجوه صفر وسود، وأفواه: شديدة السعة، وحواجب تغطي عيونها وأعناقها مغلسة.
قال الشيخ الرئيس: رأينا من هذا القبيل بأعلى رقبتها وحاجبها شعرًا غليظًا، وذكورها أخبث من إناثها، يبلغ ما يجد من الحيوان، ثم يأتي جذم شجرة أو حجر ساقط فينطوي عليه ليكسر عظام الحيوان الذي ابتلعه، وحرارة باطنه تهضم كل شيء يُبلع.
وربما يعيش في الماء فيصير مائيًا بعد أن كان برّيًا، وبريًا بعد أن كان بحريًا، ويأوي إلى قلل الجبال الشامخة؛ ليتروح بالهواء البارد من شدة وهج حرّ السم.
قال في كتاب العجائب (٢): أن قلبه إذا أكله الشخص أورثه الشجاعة، ويسخر له الحيوانات. وأهل بلاد الهند يأكلون لحمه كثيرًا، وإذا شُدّ جلده على العاشق، زال عشقه وإذا دفن رأسه في موضع، حسن حال أهله وتوجهت إليهم الخيرات.
١٠٨ - جراد
هو صنفان، أحدهما يقال له: الفارس، وهو الذي يطير في الهواء عاليًا، والصنف الآخر يقال له: الراجل، وهو الذي ينزو (٣)، فإذا فرغت أيام الربيع طلبت أرضًا طيبة رخوة، فتنزل هناك، وتحفر بأذنابها حفرًا، وتطرح فيها بيضها وتدفنه وتطير، فتنيها الطيور والحر والبرد، فإذا تم الحول وجاءت أيام الربيع، تفقأ ذلك البيض المدفون وظهر مثل الدبيب الصغار على وجه الأرض. قالوا: كل جرادة تبيض شيئًا كثيرًا، فإذا خرج ذلك من البيض، أكل ما وجد من الزرع والشجر وغيره حتى يقوى ويقدر على الطيران؛ فينهض ويذهب إلى أرض أخرى فيفعل كذلك أبدًا دائمًا ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٤).
قال صاحب الفلاحة (٥): إذا رأيتم الجراد مقبلًا إلى قرية فليختف أهلها في
стр. 6927
بيوتهم ولا يظهر منهم أحد، فإنّ الجراد إذا لم ير الناس بذلك الموضع جاوزه، ولم يقع به منهم شيء، وكذلك إذا أحرقت شيئًا منها فإنّها تهرب عن القرية إذا شمت قتارها؛ أو تموت وتسقط.
قال ابن البيطار (١): إذا تبخر به النساء، نفع من عسر البول، وأرجلها تقلع الثآليل - فيما يقال - وتؤخذ مستديراتها اثنا عشر عددًا، وتنزع رؤوسها وأطرافها، ويجعل معها قليل آس يابس، ويشرب للإستسقاء كما هي، وتنفع لتقطير البول، وتبخر به البواسير، والجراد الطوال العنق إذا علق على من به حمى الربع نفعه، وجوفه وبيضه إذا طلي بهما على الكلف أبرأه.
١٠٩ - حُبَاحِب
قال ابن البيطار (٢): هو حيوان [له جناحان] كالذباب يضيء بالليل كأنه نار، إذا سحق بدهن ورد وقطر في الأذن، جفّف القيح السائل منها، وقيل: هو الدود الذي يضيء بالليل، فيجفّف في الشمس في إناء نحاس، ثم يرمى برأسها ويسقى منها صاحب الحصى دودة واحدة باثني عشر مثقالًا من نقيع الحلتيت ثلاثة أيام فينتفع به، وهي أقوى من الذراريح وأحد.
١١٠ - حرباء
حيوان أعظم من العضاية، ووجهه لا يزال دائرًا مع الشمس كيفما دارت حتى تغرب، فيصير رمادي اللون، ثم أصفر، فإذا أثرت فيه حرارة الشمس يخضر (٣).
وقيل: إنه يختلف باختلاف ساعات النهار، فكل ساعة يتلوّن بلون غير الآخر، فإذا رأى من يقصد كَبُر ويطول أكثر مما يكون من غير ضرر. قال الشاعر (٤): [من الطويل]
يَظَلُّ بِهَا الْحِرْباءُ للشَّمس مائلًا … إلى الجِذْلِ إلا أنه لا يكبر
إذا حول الظل العشيّ رأيتَهُ … حنيفًا وفي وقتِ الضُّحى يَتَنَصَّرُ
غدا أصفر الأعلى وراح كأنه … من الشَّمْسِ واستقباله الشمسَ أَخْضَرُ
قالوا: إنّما يتطاول ويكبر حتى يفزع منه من لا يعرفه.
قال ابن البيطار (٥): دم الحرباء إذا نتف الشعر النابت من العين وجعل في أصوله، لم يتركه أن ينبت.
стр. 6928
١١١ - حرقوص
دويبة أكبر من البرغوث، ينبت لها جناحان عند هلاكها (١)، وعضها أشد من عض البرغوث وزعموا أنها أكثر ما تعض أفراج النساء، كما أن العمل أكثر ما يعض المذاكير والخصى. ذكر أن أعرابية قالت وقد عض الحرقوص ذلك الموضع منها، وتخاطب زوجها: [من الطويل]
يغار على الحُرْقُوصِ أَنْ عَضَّ عَضَّةٌ … بِفَخْذِي فَهَذا بالسني غيور
لقد وقع الحرقوصُ مِنِّي مَوْقِعًا … أَرَى لَذَّةَ الدُّنْيا إليه تصير
١١٢ - حلزون
دودة في جوف أنبوبة حجرية، تنبت تلك الأنبوبة على الصخر الذي في سواحل البحار وشطوط الأنهار (٢)، وتلك الدودة تخرج بنصف بدنها من جوف تلك الأنبوبة الصدفية، وتمشي يمنة ويسرى، وتطلب مادة تغتذي بها، فإذا أحست برطوبة ولين انبسطت إليه، وإذا أحست بخشونة أو صلابة انقبضت وغاصت في جوف تلك الأنبوبة الصدفية حذارًا من المؤذي، وإذا رأى الناظر شكلها اعتقد أنها صدفة.
قال الشيخ الرئيس: تُطلى الجبهة بالحلزون، فتمنع انصباب المواد إلى العين.
١١٣ - حيّة
هي من أعظم الحيوانات خلقة، وأشدّها بأسًا، وأقلها غذاء، وأطولها عمرًا (٣).
قالوا: ليس في حيوانات البر أعظم من التنين، ولا شيء يقتل نهشه أسرع من الحيّة، ولا شيء يتغذى بالتراب غيرها.
والحية من الفواسق اللاتي يقتلن في الحل والحرم.
روي عن النبي ﷺ : «من قتل حية فله عشر حسنات» (٤).
وعن عبد الله بن مسعود: «من قتل حية فكأنما قتل كافرًا» (٥).
وعن ابن عباس: «لئن أقتل حيّة أحب إلي من أن أقتل كافرًا».
стр. 6929
والحية لما عدمت آلة الهرب أعطاها الله تعالى سلاحًا تدفع به عن نفسها، فلأجل ذلك إذا سمع الإنسان بوجودها في بقعة، هرب عنها ولم يقربها البتة، ولولا نابها لا تخذها الناس حبلًا، وللعب بها الصبيان. وذكروا أنّ شعر الإنسان إذا وقع في الماء المكشوف للشمس، يصير حية، وهي من الأمم التي تكثر أصنافها في الصغر والكبر، والتعرض للناس والهرب منهم، فمنها ما لا يؤذي إلا إذا وطئها واطئ، ومنها ما لا يُؤذي إلا إذا وطئ بيضها وفرخها، ومنها ما لا يُؤذي إلا إذا آذاه الناس، ومنها ما يشبه الحيّة ولكنه ليس بحيّة، وله نفخ شديد ووعيد وتوثب، فمن لم يعرفه، كان عليه أشدّ هيبة من الأفاعي والثعابين، وهو لا يضر قليلًا ولا كثيرًا، والحيات تقتله، ومنها حيّة يقال لها: الملك، طولها شبر وأكثر، على رأسها خطوط بيض، فإذا انسابت على الأرض أحرقت كل شيء تمر به، وإن طار طائر فوقها، سقط عليها، وإذا بدأت تنساب هرب بين يديها كل دابة، وإذا صفرت قتلت كل حيوان يسمع صوتها، وإذا نفخت يسيل من فمها الصديد، وإن نهشت حيوانًا مات، وكل من أكل من جيفته مات.
قال أبو الفرج عبد الله المتطبب: الحيّات على ثلاثة أقسام، القوية جدًا، وسمها مهلك بسرعة، والضعيفة، وسمّها يتدارك بالتدبير والمعتدلة، وهي التي تصلح للترياق. ومن عجائب الحية أنها إذا عرفت مقتولة أحرزت رأسها في بدنها، وجعلت بدنها وقاية لرأسها، ولا تزال تنطوي لئلا تقع الضربة على رأسها، فإن رأسها ملاك الحياة، والحية تعيش ألف سنة، وفي كل سنة تسلخ جلدها، فإذا انسلخ يظهر على قفاها نقط، ويكون عددها عدد سني عمرها، وإذا دخل بعضها الجحر وبعضها خارج، لا يمكن جذبها باليمين أبدًا ولو تقطعت، فإن أخذها باليسار خرجت معه.
وتبيض الحيّة ثلاثين بيضة؛ على عدد أضلاعها، فيجتمع عليها النمل والبق والدود، فيفسد أكثرها، ولا يبقى صحيحًا إلا شيء يسير، فإذا لذعتها العقرب، تطلب الملح وتنام عليه لتنجو؛ وإلا ماتت، وروي أن في الحيّات حية إذا ضربها الضارب بالعصا، يموت الضارب، وفي برّية الأهواز حيّة حمراء دقيقة، إذا رأت الإنسان، تثب عليه كالطير وتلسعه فيموت في الحال.
قال أبو جعفر المكفوف النحوي: عندنا حية تصيد الطير بحيلة عجيبة، وذلك أنها إذا انتصف النهار واشتد الحرّ، وامتنعت الأرض من الحافي والمنتعل، غرزت ذنبها في الرمل وانتصبت كأنها عود مركوز أو ثابت، فإذا رأى الطير عودًا قائمًا وقع عليه لشدة الحر فتقبض الحية عليه وتأكله.
стр. 6930
قال صاحب العجائب (١): إذا نزع نابها في حياتها وشدّ على صاحب حمّى الرّبع، تزول حماه.
قال ابن سينا: لحم الحيّة يقوّي القوّة، ويحفظ الشباب والحواس، وينفع من الجذام وداء الثعلب.
وقال محمد بن زكريا (٢): ذكر الأوائل أنّ المستسقي إذا أكل لحم حيّة عتيقة، لها مئين سنين بريء.
стр. 6931
وقال أبقراط: هو نافع من الأمراض الصعبة، وإذا طليت البواسير بشحمها مذابًا مع ملح، نفعها نفعًا بينًا، وإذا طبخ سلخها بالخل وتمضمض به، نفع من وجع الأسنان، وإذا أحرق في إناء نحاس وسحق نفع من أوجاع العين كلها، وسود العين الزرقاء، ومن أكل فلسًا من فلوسها لم يرمد في تلك السنة، ومن أكل فلسين، وكذلك كل فلس سنة، وإن عُلِّق على صاحبة الطلق وضعت، وإذا أحرق جلدها واكتحل برماده، نفع من السِّبَل وتقاطر الماء في العين، وأذهب الظلمة.
وقال جالينوس: مرق الحيّة يقوّي البصر، وإذا سُحِق بيضها في الهاون وطلي به البرص أذهبه.
١١٤ - خراطين
دودة طويلة حمراء، تسمّى شحمة الأرض، توجد في المواضع الندية (١)، تشوى وتؤكل بالخبز، تفتت الحصى في المثانة، وتجفف وتُعطى صاحب اليرقان، تذهب صفرته، وتجفف وتسقى المرأة تضع الولد في الحال، ويخلط رمادها بدهن، ويطلى به رأس الأقرع ينبت فيه الشعر، وإذا تحنّك بها مع العسل، نفع من الخناق، وإذا أخذت منها دودة وشدّت في مقنعة امرأة وهي لا تعلم اغتلمت وطلبت الجماع، وإذا أخذ الخراطين وعاقر قرحا والفربيون أجزاء سواء، ويغلى بالزيت، ويُطلى به القضيب فإنه يقويه ويزيد في الباه.
قال ابن البيطار (٢): الخراطين هي الديدان التي إذا حفر الإنسان أو خرَّب، وجدها تخرج من الأرض، إذا سحقت ووضعت على العصب المقطوع، نفعه من ساعته وألزقته، وينبغي بعد ثلاثة أيام أن تحلّ، وإذا شُربت مع عقيد العنب أدرّت البول، وإذا طبخ بشحم الأوز وقطر في الأذن الوجعة أبرأها، وإذا طبخ في الزيت وقطر في الأذن في الجانب المخالف للسن الوجعة نفعها، وإذا دقت مع غبار الرحى؛ وضمَّد بها على الفسوخ والوثى نفعه نفعًا بليغًا، وإن جففت وسحقت وشربت بماء طبيخ الشبت أبرأت من القولنج، وإن سحقت بدهن اللوز وضمد بها على الرأس الفه، وتقع فيه منفعة لا يعد لها دواء في ذلك، وإذا ضمد بها فتوق الأمعاء ألحمها بقوّة خاصيّة لا توجد في غيرها، وإذا ديفت ودقت ناعمًا وشربت بطلاء، فتت الحصى وأبرأت اليرقان، وإذا غُسلت وجففت وسحقت
стр. 6932
ناعمًا في دهن سمسم، وطلي بها الذكر، فإنها تغلّظه.
١١٥ - خنفساء
هي الدويبة التي تتولد في الأرواث ذات الرائحة المنتنة (١)، تغلى بالزيت ويطلى به البواسير يذهب بها، وإذا كسرت خنفساء نصفين وأخذت الميل وغمسته فيها واكتحلت برطوبتها نفع من الرمد وأبرأه سريعًا، والبعير إذا بلع في عليقه خنفساء مات، وتوجد الخنفساء في وسط الروث في كرش البعير وهي حية، وإذا طرحت الخنفساء على غزال مات الغزال.
ومنها صنف يقال له: الجعل تجمع الزبل وتمشي به إلى بيتها، وإذا جعلتها في الورد سكنت حتى تحسبها ميتة، فإذا أخرجتها وجعلتها في الروث عاشت.
قال ابن البيطار (٢): إذا دفنت رؤوس الخنافس في برج حمام، أو وضعت على الأرض اجتمعن إليه، وإن قطع مؤخّره وغمس فيه ميل واكتحل برطوبته قوى البصر ونفع من ضعفه ومن العشا، وإذا طبخ في زيت وقطر في الأذن الوجعة نفعها، وإذا أديم ذلك، نفع من الصمم الحديث، وإذا فصخ ودلك به القروح في الساقين، نفعها نفعًا عجيبًا، وإذا طبخ في الزيت حتى تخرج قوته فيه، ودهن به البواسير في المقعدة نفعها، وإن أدمن ذلك بها أذهبها، وإن شدخت وربطت على لسعة العقرب أبرأها.
فائدة:
حكي أن رجلًا رأى خنفساء فقال: ماذا أراد الله بخلق هذه، حسن صورتها أو طيب رائحتها؟ فاتفق أن أبتلاه الله بقرحة عجز عنها الأطباء الحذاق، فترك معالجتها حتى سمع يومًا صوت طبيب من الطرقيين ينادي في الدروب، فأمر بإحضاره، فقالوا: ما يصنع شخص طُرُقي بقرحة قد عجز عنها الأطباء الحذاق الماهرون؟ فقال: أحضروه فلا ضرر علينا في ذلك، فأحضروه، فلما شاهد القرحة قال: عَلَيَّ بخنفساء، فأتي بها، فأحرقها وذر رمادها عليها فبرئت، فتذكر الرجل القول الذي سبق منه وقال: إنَّ الله تعالى أراد أن يعرفني أن أخس الأشياء أعزّ الأدوية.
١١٦ - دودة القز
دويبة إذا شبعت من الرعي، طلبت مواضعها من الأشجار والشوك، ومدت من
стр. 6933
لعابها خيوطًا دقاقًا، ونسجت على نفسها كنفًا مثل الكيس؛ ليكون لها حرزًا من الحرّ والبرد والرياح والأمطار، ونامت إلى وقت معلوم، كل ذلك إلهام من الله تعالى (١).
وأما كيفية تربيته، فمن العجائب، وذلك أنهم أول فصل الربيع عند ظهور الورق من التوت يأخذون البزر ويشدونه في خرقة، والمرأة تجعله تحت ثديها لتصل إليه حرارة البدن إلى أسبوع، ثم ينثر على شيء من ورق التوت المقصوص بالمقراض، ليتحرك البزر ويأكل من ذلك الورق، ثم لا يأكل بعد ذلك ثلاث أيام، ويقال: إنه في النوبة الأولى، ثم يرجع إلى الأكل أسبوعًا، ثم يترك الأكل ثلاثة أيام، ويقال: إنه في النوبة الثانية وهكذا في النوبة الأخرى وبعد ذلك يطلق لها من العلف كثيرًا، ويسرع في عمل الفليجة، فحينئذ يظهر على جسمها شيء كنسج العنكبوت، فإذا وقع في هذا الوقت مطر تلين الفليجة، فيثقبها الدود برطوبة الندى؛ ويخرج منها وقد نبت له جناحان، فيطير، ولا يحصل منها شيء من الإبريسم، وإذا فرغت الدودة من عمل الفليجة، عُرضت على الشمس ليموت الدود فيها ويخرج من تلك الفليجة الإبريسم، ويبيض ويحفظ بيضه للسنة الآتية في طرق نقي من الخزف أو الزجاج أو الثياب الإبريسمية، ينفع من الحكة، ولا يتولّد فيها القمل.
قال ابن البيطار (٢): هو دود أصله بزر يلده دود آخر، يؤخذ في شهر أيار، ويوضع في خرقة، وتعلقه المرأة في عنقها بين ثدييها بعد النظافة والزينة ولبس الثياب السَّرِيَّة، وتبقى كذلك تقعد وتنام إلى عشرين يومًا، وتنضده في بيت لا يدخله ريح ولا ضوء كثير، حتى يعلق ما تحرّك منه بورق التوت، ويمسك الباقي معلّقًا عليها إلى أن يتحرك كله، وهي تنقله شيئًا بعد شيء إلى ورق التوت، ويرى في آلات مصنوعة من الحلفاء مطرات بأرواث البقر إلى أن تعمل الحرير الخام، تبنيه على نفسها بنيانًا وتموت داخله، فإذا عزل الحرير، استخرجت وعلفت بها الدجاج فتسمنها، وإذا أخذت هذه الدودة، وضعت في خرقة أرجوان وعلقت على المحموم أبرأته، وإن جففت وسحقت ووضع من سحقها وزن ثلاثة دراهم على حساء حنطة وشرب أيامًا متوالية، حسن الوجه، وأخصب البدن.
١١٧ - ديك الجن
دويبة توجد في البساتين. قال بلنياس الحكيم: تلقى في خمر عتيق حتى تموت،
стр. 6934
وتترك في فخارة؛ ويشدّ رأسها، وتدفن في وسط الدار، فلا ترى فيها بعد ذلك الأرضة (١).
١١٨ - ذباب
أصناف كثيرة تتولد من العفونة، وقيل: إنّها تتولّد من روث الدواب، لم يخلق لها أجفان لصغر عينيها، وفائدة الجفن وقاية الحدقة من الغبار، فخلق الله لها اليدين ليقوما مقام الجفن، فلهذا ترى الذباب لا يزال يمسح حدقتيه بيديه (٢)، وله خرطوم يخرجه إذا أراد مص الدم، ويدخله إذا روي، ومنه يطن ويخرج منه الصوت كما يجري النفس في القصبة عند النفخ، ولا يقدر على المشي إذ ليس لرجليه مفصل بخلاف النمل والقمل، ورؤوس أرجلها خشنة لئلًا تزلق إذا وقعت على شيء أملسن. والذباب يصيد البق، ولأجل ذلك لا ترى البق بالنهار، ويظهر بالليل عند سكون الذباب.
قال الجاحظ (٣): لولا الذباب يأكل البق ويطلبه في زوايا الدار، ما كان لأهلها فيها قرار، وإذا أصاب شيئًا من الحيوانات جراحة، يقع عليها الذباب في الحال، ويكون سببًا لهلاكها، إلا إذا كانت الجراحة في موضع يصل إليه الحيوان بفمه، فينقيه بالحس، وإنّما يكون الذباب سببًا لهلاك الحيوان؛ لأنه إذا وقع على الشيء ونَمَ عليه، والدود يتولّد من ونيم الذباب، ومن عجائبه أنه ينم على الأسود أبيض وعلى الأبيض أسود.
فائدة جليلة:
قال بعض الحكماء: من الناس من هو كالذباب لا يقع إلا على عقر، فنظمه بعض الفضلاء فقال: [من الكامل]
يَدَعُ الذُّبَابُ جميعَ جِسْمِك سالمًا … ووقوعه بالطبع عند قروحه
كالنذل يُعْرِضُ عن جميل صديقه … أبدًا وليس يبث غير قبيحه
قال ابن البيطار (٤): والذباب ألوان للإبل، ذباب، وللبقر ذباب، وللأسد ذباب، وأصله دود صغار يخرج من أبدانهن، وما يخرج من أبدان غير ذلك يتحول ذبابًا وزنابير، وذباب الناس يتولد من الزبل، وإذا أخذ الذباب وقطعت رؤوسه ويحك بجسده على الشعر الذي يكون في الأجفان حكًا شديدًا فإنه يبرئه، وإن أخذ وسحق بصفرة البيض وضمد به العين التي فيها اللحم الأحمر من داخل الملصق الذي يسمّى
стр. 6935
كِرْمَاشِيش، فإنه يسكن من ساعته. وإن مسحت لسعة الزنبور بذباب، سكن وجعه، وإن حكّ بالذباب على موضع داء الثعلب أبرأه.
قلت: قد ثبت فيه الحديث المشهور أن النبي ﷺ قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ثم انقلوه، فإنّ في إحدى جناحيه داء، وفي الآخر دواء، وإنه يتقى بالجناح الذي فيه الداء» (١). والله أعلم.
١١٩ - ذراريح
دويبة مشرّبة بحمرة وسواد، سم ناقع، من سقي منها تقرّحت مثانته؛ واشتد بوله، وأظلم بصره، وتورّم قضيبه وعانته، ويعرض له مع ذلك اختلاط العقل.
قال الشيخ الرئيس: وتجد في فمه طعم القطران والزفت، والذراريح أصناف (٢).
قال ابن البيطار (٣): الذراريح مجرّبة في علاج الأظفار البرصة إذا وضعت عليها مع قيروطي نفعها، أو مرهم قلعها، حتى يسقط الظفر كله، وقد يخلط من الذراريح مرارًا كثيرة مع أدوية الجرب والعلة التي يتقشر معها الجلد، ومع أدوية أخر شأنها التغيير، ومع أدوية تقلع الثآليل المنكوسة المعروفة بالمسامير، وقد كان رجل يلقي منها يسيرًا في أدوية إدرار البول، وبعض الناس يلقي أجنحتها وأرجلها فقط ويزعمون أن الأجنحة والأرجل تنفع من شرب أبدان الذراريح، وقوم يقولون: إنّ أبدانها أنفع من أجنحتها وأرجلها، ويطلب بها ما يطلب بسم الموت.
قال ابن البيطار (٤): وأما أنا فإذا خلطتها ألقيتها كما هي بأجنحتها وأرجلها، ومما ينفع من جميع الوجوه التي جرّبت فيها الذراريح تلك الذراريح الأخر التي تكون على الحنطة، وفي أجنحتها خطوط صفر بالعرض، وهي تتولد من الحنطة، وهي نافعة للجرب، فينبغي أن تصير في إناء غير مقيّر، ويُسدّ فمه بخرقة شفيفة، ويقلب، ويصير الفم على بخار خل ثقيف مغلي، ولا يزال ماسك الإناء على البخار حتى تموت الذراريح، وبعد ذلك تشدّ في خرقة كتان وتخزن، وأقواها فعلًا ما كان مختلف اللون؛ وفي أجنحتها خطوط صفر بالعرض، وأجسامها كبار شبيهة بالعظم ببنات وردان، وما كان منه لونه واحد لا يختلف ففعله ضعيف، وكذلك يخزن الصنف من الذراريح التي