← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

بين الجوهر الجسم الذي يلقاه فيما هو منه رطب حتى لا تدع فيه شيئًا بتة منه، ويجمع باقي جوهره الصلب يقبضه لذلك صار الملح يجفف الأجسام التي تعفن وإنما تعفن من قبل رطوبة، فيها فضل وجوهرها جوهر منحل غير كبير، وبهذا السبب صارت الأجسام التي فيها رطوبة فضل بمنزلة العسل الفائق والأجسام التي جرمها كبير بمنزلة الحجارة ليس يمكن أن تعفن والملح بهذا السبب ليس يمكن أن يستعمل في هذه الأجسام لكن في الأجسام التي يخاف عليها أن تعفن، فأما المحرق من الملح فله من التحليل أكثر ما للملح الذي لم يحرق وجرمه أيضًا يصير ألطف بسبب القوة التي اكتسبها من النار كما يعرض لسائر ما يحرق من جميع الأشياء على ما بينا، ولكنه ليس يمكن فيه أن يجمع ويكثر جوهر الجسم الصلب الذي يلقاه كما يفعل الملح الذي لم يُحرق. وقال في موضع آخر قبله (١): وأما الملح المتولد في البحيرة المنتنة المعروفة ببحيرة الزفت وهي بحيرة مالحة في عود بلاد الشام، ويسمى ملح سدوم باسم الجبال المحيطة بالبحيرة وهي بلاد سدوم، فقوته قوة تجفف تجفيفًا أكثر من سائر أنواع الملح، وهي مع ذلك ملطفة، وذلك أن هذا الملح قد ناله من إحراق الشمس أكثر مما نال غيره من أنواع الملح وليس هو مرّ الطعم فقط لكنّه مرّ المذاق؛ وذلك لأن موضع هذه البحيره غائر تحرق وهو لهذا السبب في الصيف أشد مرارة منه في الشتاء، فإن أبقيت في ماء هذه البحيرة ملحًا لم يذب؛ لأن الذي قد خالط ذلك الماء من الملح مقدار كثير، وإن انغمس فيه إنسان تولّد على بدنه عند خروجه منه غبار رقيق من غبار الملح كالسورج وكذلك صار ماء هذه البحيرة أثقل من كل ماء في مياه البحار ومقدار ثقله على مياه البحار كمقدار ثقل ماء البحر على مياه الأنهار ومن أجل ذلك إن أنت وقعت في ماء هذه البحيرة ثم رمت أن تغوص فيه إلى أسفل، لم تقدر! وإن أنت أخذت حيوانًا فربطت يديه ورجليه وألقيته في ماء تلك البحيرة، لم يغرق ولم يرسب لكثرة ما يخالط ماء هذه البحيرة من جوهر الملح الذي هو أرضي ثقيل. وقال ديسقوريدوس (٢): وقوة الملح قابضة تجلو، وتنقي، وتحلل، وتقلع اللحم الزائد في القروح، وتكوى، وقد يمنع القروح الخبيثة من الانتشار، وقد يقع في أخلاط

стр. 7457

أدوية الجرب، وقد يقلع اللحم النابت ويذيب الظفرة، وقد يصلح للحقن، وإذا خُلط بزيت وتمسح به، أذهب الإعياء والحكة، وهو صالح للأورام البلغمية العارضة للذين بهم الاستسقاء، وإذا تكمد به، سكن الوجع وإذا خلط بالزيت والخل وتلطخ به أحد بقرب النار إلى أن يعرق، سكن الحكة، وكذلك يفعل أيضًا بالجرب المتقرح وغير المتقرح والجذام والقوابي، وإذا خلط بالخل والعسل والزيت، نفع ورم اللهاة والنغانغ وقد يتضمد به مع الشعير محرقًا بالعسل للآكلة والقلاع واللثة المسترخية، وقد يتضمد به أيضًا مع بزر الكتان للدغة العقرب ومع فوتنيج الجبل والزوفاء لنهشه الأفعى الذكر، ومع الزفت والقطران أو العسل لنهشة الحية التي يقال لها: قرسطس، وهي حية لها قرنان، ومع الخل والعسل لمضرة الحيوان المُسمّى أمّ أربعة وأربعين ولدغ الزنابير، ومع شحم العجل للبثور التي يقال لها: سورداقيا إذا خرجت في الرأس واللحم الزائد في ظاهر البدن الذي يقال له: يوميا وإذا تضمد به مع الزبيب والعسل، حلل الدماميل وإذا خلط بفودنج الجبل وخل، أنضج الأورام البلغمية العارضة في الانثيين، وقد ينفع من نهشة التمساح الذي يكون في نيل مصر، وإذا سحق وصير في خرقة كتان وغمس في خل حادق ويضرب به ضربًا رفيقًا العضو المنهوش من بعض الهوام ينفع من النهشة وإذا استعمل بالعسل، نفع من كمنة الدم التي تحت العين وقد ينفع من مضرة الأفيون والفطر القتال إذا شرب بالسكنجبين وإذا خُلِط بالعسل والدقيق، نفع من التواء العصب، وإذا خلط بالزيت ووضع على حرق النار، لم يدعه ينفط، وقد يوضع على النقرس على صفة ما ذكرناه فينتفع به، ويستعمل بالخل لوجع الأذن وإذا تضمد به مع خل ولطخ به مع الزوفاء، منع الحمرة والنملة من الانتشار في البدن، وقد يحرق على هذه الصفة: يؤخذ فيصير في إناء من فخار جديد ويستوثق من تغطية الإناء لئلا يندر الملح منه إذا أصابته حرارة النار ويطمر الإناء في جمر ويترك إلى أن يحمى الملح، ثم يخرج من النار، ومن الناس من يأخذ الملح المعدني ويصيره في عجين ويضعه على الجمر ويتركه إلى أن يحترق العجين، وقد يستقيم بأن يحرق سائر الملح على هذه الصفة، ويؤخذ فيغسل بالماء غسلة واحدة، ثم يترك حتى يجف ثم يصيّر في قدر ويغطى القدر وتوقد تحته النار ويجعل حول القدر من الجمر ولا يزال الملح يحرك إلى أن يسكن من حركته. وقال أبو جريج (١): الملح يابس إذا خلط بالأغذية الباردة كالجبن والسمك

стр. 7458

والكواميخ، أحالها عن طباعها حتى تصير حارة يابسة وتعين على الإسهال والقيء وتحلل الرياح ويقلع البلغم اللزج من المعدة والصدر، ويغسل الأمعاء ويهيج القيء، ويكثره، ويعين الأدوية التي تقلع السوداء على قلعها من أقاصي البدن. وقال الرازي في المنصوري (١): الملح يذهب بوخامة الطبيخ ويُهيج الشهوة ويشحذها، والإكثار منه يحرق لدم ويضعف البصر ويقلل المني، ويورث الحكة والجرب. وقال في الأغذية: الملح يعين على هضم الطعام ويمنع سريان العفونة إلى الدم، ويذهب بوخامة الدسم وهو لأصحاب الأبدان الكثيرة الرطوبة موافق. وأما النحفاء، فضار لهم. وقال غيره (٢): الملح أنواع فمنه ملح العجين، ومنه نوع يحتفر من معدنه، ومنه الاندراني الشبيه بالبلور، ومنه أسود نفطي سواده من أجل نفطية فيه وإذا دخن حتى طارت عنه النفطية صار كالداراني، ومنه أسود ليس سواده لنفطية فيه بل في جوهره، ومنه الهندي الأحمر اللون. وقال البصري (٣): ملح العجين حار في الدرجة الثالثة، وأما الملح الأسود الذي ليس سواده شديدًا ولا رائحته النفط حار في المثانة يسهل البلغم والسوداء، وأما النفطي فيسهل الماء والسوداء والبلغم العفن، والأندراني فحار يابس في الثانية، وأما المر فحار يابس في الثالثة وهو مسهل للسوداء بقوة، وأما الهندي الأحمر فحار يابس في الثانية مسهل للكيموسات المختلفة. وقالت الخوز (٤): الملح الهندي يسهل الماء الأصفر ويطرد الرياح ويلين البطن، ويذهب البلغم ويحدّ الفؤاد، وينفع من وجعه، ويشهي الطعام، ويذهب الصفرة من الوجه. وقال غيره (٥): الملح الداراني يحدُّ الذهن والملح المرّ يُسحق بشيء من صمغ الزيوت ويُحشى به الجرح الغض من ساعته فيلحمه. قال في التجربتين (٦): الملح إذا خُلّ بالخل وتمضمض به، قطع الدم المنبعث من اللثات والمنبعث أيضًا بعد قلع الضرس وإذا سخنا وأمسكا نفعها من وجع الضرس،

стр. 7459

وإذا تغرغر بهما، جلبا بلغمًا ونقيا الدماغ وورم النغانغ، وإذا غمست فيه صوفة ووضعت على الجراحات الطريّة قطعا، دمها المنبعث، وإذا غسل بالخل والملح المذكورين كل يوم الآكلة والنملة الساعية وبثور الأعضاء وتمودي على ذلك أبراها، وإذا خُلِط بالملح وحده مع الأدوية المُسهّلة، قطع الأخلاط وسهلها للاندفاع، وإذا خلط الصافي في القوام منه جدًا - وهو الأندراني - في أدوية العين أحد البصر وأضعف الظفرة ورقق البياض الحادث على العين ونَفَعَ من السبل، وإذا خلط بالصبر ووضع على الدماغ، نفع من النزلات، وإذا سُحِق وسُخّن ووضع على الفسخ والوثى والرض في أول حدوثها بعد أن يدهن الموضع بزيت، أو عسل ويُعصب عليه سكن وجعها، وإذا حل في الخل، نفع من الورم الرخو ومن تهيج الأطراف إذا كمدت بهما حارين، وإذا حل في شراب السكنجبين أو شرب في الماء وحده، فتح السدد حيث كانت، وقلع البلغم اللزج ويؤخذ منه من در همين إلى نحوهما لذلك. ١٩٤ - مها قال في كتاب الأحجار (١): هو صنف من الزجاج غير أنه يصاب في معدنه مجتمعًا بالمغنيسيا، ويوجد في البحر الأخضر، وقد يوجد أيضًا بصعيد مصر وهو حجر أبيض بهي جدًا لا يخالطه لون غير البياض، ومنه صنف أقل صبغًا وحسنًا وأشدّ صلابة إذا نظر إليه الناظر، ظنّ أنه من جنس الملح وإذا قرع به الحديد الصلب، أخرج نارًا كثيرة، والصنف الأول هو البلور يستقبل به عين الشمس فينظر إلى عين الشعاع الذي قد خرج من حجر مما شفته النفس بضوئها فيستقبل بذلك الموضع حرقة سوداء، فيأخذ فيها النار حتى يحرقها، ومن أراد أن يشعل من ذلك نارًا فعل. وقال كسوقيراطيس (٢): المها نافع من الرعدة والارتعاش والسل والعارض للصبيان، ويمسح به ثدي المرأة إذا عسر به لبنها. ويقول دواوسطوس الجوهري (٣): إن دم التيوس إذا كان سخنًا وصير فيه، أذابه وحله.

стр. 7460

وذكر هرمس: أنه جيد لمن ثقل لسانه وكاد كلامه يفسد إذا سحق بخل وملح ومر وزعفران ونشاذر وحل بعسل وعرك به اللسان مرارًا أزاله. وقال أبو طالب بن سليمان (١): يسهل الولادة بخاصة، وإن علقته المرأة في حين الطلق على وركها، سهل الولادة بإذن الله. وقال التميمي: إذا سحق وصوّل بالماء، قلع البياض من العين. ١٩٥ - مولوبدانا قال ديسقوريدوس في الخامسة (٢): أجود ما يكون ما كان لونه شبيهًا بلون المرداسنج وكان إلى الحمرة ما هو، وكانت له صقالة، وإذا سحق كان لونه ياقوتيًا، وإذا طبخ بالزيت كان لونه شبيهًا بلون الكندر، وأما ما كان لونه شبيهًا بلون الهواء ولون الرصاص، كأنه الدخان فإنه رديء، وقد يكون منه أيضًا شيء من الذهب والفضة، ومنه ما يخرج من المعادن هو حريف جوهر معدني موجود في المكان الذي يقال له: سرسطى، والمكان الذي يقال له: قوروفس، وأجود هذا المعدني ما لم يكن خبث الرصاص ولم يكن متحجرًا، وكان لونه أحمر وكانت له صقالة. وقال جالينيوس في التاسعة (٣): قوة هذا شبيهة بقوة المرداسنج، وهو بعيد قليلًا عن المزاح الوسط مائل إلى البرودة؛ لأن فيه أيضًا قوة تجلو، وهذان الدواءان كلاهما يذوبان وينحلان وليسا مما ينحل ولا يذوب كالحجارة، والقليميا والرمل وأسرع ما ينحلان ويذوبان متى وقعا وينحلان في الزيت الذي يذوبان وينحلان به وفيما يذوبان وينحلان أيضًا، وكانت خلطت معهما ماء وطبختهما به فضل طبخ. وقال ديسقوريدوس: وقوة المولوبدانا أصلح؛ لأن تُخلط بالمراهم التي تجلو. ١٩٦ - مومياء (٤) قال ديسقوريدوس في الأولى (٥): ويكون بالبلاد التي يقال لها: قولونيا يتحدر من الجبال التي يقال لها: الصواعيقية مع الماء ويلقيها الماء إلى الشواطيء وقد جمدت

стр. 7461

وصارت قارًا تفوح منه رائحة الزفت المخلوط بالقفر مع نتن. وقوة المومياء مثل قوة الزفت والقفر إذا خلطا. قال ابن البيطار (١): المومياء يقال على هذا الدواء المقدم ذكره وعلى الدواء المعروف بقفر اليهود وعلى المومياء القبوري، وهي موجودة بمصر كثيرًا، وهو خلط كانت الروم قديمًا تلطخ بها موتاها حتى تحفظ أجسادها بحالها لا تتغير، ويقال على حجارة تكون بصنعاء اليمن، وهي حجارة سوداء، وفيها أدنى تجويف وهي [إلى] الخفة ما هي، تكسر فيوجد في ذلك التجويف شيء سيال أسود، وتقلى هذه الحجارة إذا كسرت في الزيت فتقذف جميع ما فيها من الرطوبة السيالة وأكثر ما يوجد منها متوفرة إذا كانت السنة عندهم كثيرة المطر وهذه جميعها تجبر الكسر وهي مجربة في ذلك. وقال الرازي في الحاوي (٢): حكى لي بعض الأطباء عن منافع المومياء. قال: نافع للصداع البلغمي البارد من غير مادة والشقيقة والفالج واللقوة والصرع والدوار يسعط لهذه العلل بحبة منه بماء مرزنجوش، ولوجع الأذن تذيب منه حبة بدهن ياسمين ويُقطر فيه، ولوجع الحلق يُراق منه قيراط بربّ التوت أو بطبيخ العدس والشونيز، ولسيلان القيح من الأذن يذاب شعيرة بدهن ورد وماء حصرم، ويجعل فيه فتيلة، ولثقل اللسان يذاب منه قيراط بماء طبخ فيه صعتر فارسي، وللسعال سطوج بماء عناب وبماء الشعير وسبستان، ويسقى ثلاثة أيام على الريق، وللخفقان قيراط بميسوسن أو بماء النعناع، وللريح والنفخة في المعدة قيراط بماء الكمون أو كراويا أو بماء النانخواه، وللصدمة الواقعة بالمعدة والكبد قيراط مع دانقين طين أرمني ودانق زعفران بماء عنب الثعلب أو خار شنبر، وللفواق حبة بطبيخ بزر الكرفس وكمون كرماني، ولوجع الرأس العتيق يؤخذ منه حبة ومسك وكافور وحد با دستر حبة حبة بدهن حبتان بأن يسعط، وللخناق قيراط بالإسكنجبين، ولوجع الطحال قيراط بماء الكزبرة، وللسموم حسن بماء طبيخ الحسك والانجدان وللعقارب قيراط بخمرة صرف ويوضع على الموضع بسمن بقر. قال أبو جريج: إنه يصلح للكسر والوهن داخل البدن وخارجه، وينفع الصدر والرئة وهو قريب من الاعتدال إلا أنّه له خصوصية في تسكين أوجاع الكسر، وإذا شرب منه أو تمرخ به أو حقن به ينفع قروح الإحليل والمثانة وإذا سُقي منه قيراط باللبن.

стр. 7462

وقال الطبري (١): المومياء حار لطيف جيد للسقطة والضربة والرياح، وخُبرت أن رجلًا نفث الدم فلم ينقطع بشيء من أدويته، وكان قد سقيها كلها حتى سقيناه مومياء ثلاث شعيرات نبيذ فانقطع ذلك عنه. وقال: إنه أبلغ دواء في نفث الدم، وإنه إن حل بزئبق وتحمل به، نفع من قلة الصبر على البول. وقال غيره (٢): للفالج واللقوة والبرد والرياح ويتمرخ به لذلك نافع، والخلع والهتك في الأعصاب الباطنة ويشرب مع طين مختوم بشراب قابض للسقطة الشديدة. وقال ابن سينا في الأدوية القلبية (٣): المومياء حار في آخر الثانية يابس - كما أظن في الأولى - أما خاصيته فتقويه الروح كله وتعينها لزوجية الممتنة. ١٩٧ - نَصْرُون قال أرسطو (٤): إن النطرون وإن كان من جنس البورق فإن فعله غير فعل البورق فإنه يغسل الأجسام من الوسخ، ويقيم أودها، ويحسن وجوهها، وبنورها وهو نافع الأرحام النساء المرطبة ينشفها ويقويها، والبورق الأرمني ينفع من القولنج الشديد المبرح ويقلع بياض القرنية، وإذا ألقيته في العجين يبيض الخبز ويطيبه، وإذا ألقيته في القدر يهريء اللحم ويُنضّجه، وقد تقدم في ذكر البورق ما فيه كفاية. ١٩٨ - نفط قال ديسقوريدوس في الأولى (٥): وهو صفوة القفر الياباني، ولونه أبيض وقد يوجد أيضًا ما هو أسود، وللنفط قوة تسلب بها النار، فإنه يستوقد من النار وإن لم يمسها وهو نافع من الماء النازل من العين والبياض. وقال مسيح بن الحكم (٦): النفط حار في الدرجة الرابعة يدر الطمث والبول وينفع من السعال العتيق والبهر، واللهب، ووجع الوركين، ولسع الهوام طلاءً. وقال الطبري (٧): النفط لونان أسود وأبيض وكلاهما حاران، والأبيض أقوى فعلًا،

стр. 7463

وهو صالح للشقيقة من الديدان الكائنة في الشرج إذا استعمل بفرزجة والأسود أضعف. وقال في موضع آخر (١): أنهما محللان نافعان من برد المثانة والأعضاء ورياحها. وقال ابن سينا (٢): النفط لطيف وخصوصًا الأبيض محلل مذيب مفتح للسدد، نافع من أوجاع المفاصل، ويسكّن المغص ويكسر من برد الرحم ورياحها، والنفط الأزرق ينفع من أوجاع الأذن الباردة قطورًا. وقال غيره (٣): يخرج المشيمة والأجنة الموتى ويدخن به لاختناق الرحم. وقال الرازي (٤): وبدلهما ثلثا وزنهما دهن بلسان وثلثا وزنهما من حب الصنوبر ودرنه من صمغ الجاوشير. ١٩٩ - نورة من الأجسام الحجرية المحترقة (٥) تقطع نزف الدم إذا جعلت على الموضع، وينفع من حرق النار جدًا، وإذا طلي بها بالحمام لإزالة الشعر، أبرزت ما تحت الشعر والجلد فينبغي إن يدهن بعدها بدهن البنفسج والماء ورد، وقد حكي إن إزالة الشعر بالنورة مما علم من الجن، وذلك أن سليمان بن داود ﵉ لما تزوج بلقيس ملكة اليمن وجدها كاملة الصورة إلا أن ساقيها كانتا كثيرتي الشعر، فسأل الجن هل هناك من حيلة؟ فذكروا له استعمال النورة في مكان لم يقربه البراغيث البتة. وذكرنا في الكلس ما فيه كفاية. ٢٠٠ - نوشادر قال ابن التلميذ (٦): إن النوشادر، نوعان: طبيعي وصناعي فالطبيعي ينبع من

стр. 7464

عيون حمئة في جبال بخراسان، يقال: إنّ مياهها تغلي غليًا شديدًا، وأجود النوشادر الطبيعي الخراساني وهو الصافي كالبلور. وقال الغافقي (١): وهو صنف من الملح منه محتفر يستخرج من معدنه حصى صلب، ومنه شديد الملوحة يحذي اللسان حذيًا شديدًا، ومنه ما يكون من دخان الحمامات التي يحرق فيها الزبل خاصة، وأصناف النشادر كثيرة، فمنه المنكت بسواد وببياض، ومنه الأغبر ومنه الأبيض الصافي التنكاري الذي يعرف من شبه المها، وهو أجودها والنوشادر حار يابس في آخر الثلاثة ملطف مذيب، ينفع من بياض العين ويشد اللهاة الساقطة إذا نفخ في الحلق، وينفع من الخوانيق ويلطف الحواس، وخاصيته الجذب من عمق البدن إلى ظاهره فهو لذلك لا يجلو ظاهر البدن ولا يغسله، وإذا حلّ بماء ورش في بيت، لم تقربه حية، وإن صبّ في كوها ماتت، وإذا سحق بماء السذاب وتجرع منه قتل العلق. وقال الشريف الإدريسي (٢): وإذا أذيب بدهن ولطخ به على الجرب السوداوي

стр. 7465

في الحمام جلاه وأذهبه، وإذا مضغ النوشادر وتقل في أفواه الحيات والأفاعي، قتلها وحيًّا، وإذا خلط بدهن البيض ودهن به البرص بعد الانقاء أبرأه، ونفع منه نفعًا بينًا لا سيما إذا أدمن عليه. قال الرازي (١): وبدله وزنه شبت، ووزنه بورق، ووزنه ملح أندراني. ٢٠١ - نوبي قال أرسطو (٢): إنه حجر لين المجس، ومعنى النوني، النافي للجسم، وهو نافع من سائر السموم إلا أنه يعمد إلى القلب والكبد فيذوبهما وإلى العروق فيفسد كيفية ما فيهما من الدم، وقد يسد مجاري الروح الحيواني فيخشى على الإنسان، إلا أنه يدفع غائلة السم قبل تفشيها في البدن نفعًا بينًا، وإن كان بعد ذلك أضر. والله أعلم. ٢٠٢ - هادي قال أرسطو (٣): هذا الحجر يوجد بناحية الجنوب والشمال جميعًا ولونه لون الطحال، إذا عُلق على إنسان لم ينبح عليه الكلاب، وإذا كلس وألقي عليه زاج منقى، عقد الزئبق ولم يدعه يفر من النار. ٢٠٣ - ودع قال الخليل (٤) بن أحمد (٥): الودع، واحده ودعة، وهي مناقف صغار، يخرج

стр. 7466

من البحر يزين به العثاكيل وهي بيضاء في بطونها مشق كَشِقُّ النواة، وهي جوفاء يكون في جوفها دويبة كالحلمة. وقال بعض الأطباء (١): الوَدْع صنف من المحار يشبه الحلزون الكبير إلا أن خزفه أصلب، وكلاهما يدخل في علاج الطب مُحرقًا وغير مُحرق. وبعض الناس يسمي الودع سوار السند. وقال مسيح بن الحكم (٢): الودع والحلزون إذا أحرقا، جففا البلة ونفعا من حروق العين وقطعا الدم. وقال البصري: لحم الودع صلب عسر الانهضام فإذا انهضم، غدا جيدًا ولين الطبيعة، وإذا أحرق الودع، تولّدت فيه حرارة ويبوسة وحلل البهق والقوابي، وجلا البياض من العين وجلا البصر، وإذا دق لحمه دقًا ناعمًا واستعمل، نشف الرطوبات الحادثة في الأعضاء المترهلة وهو لأصحاب الحبن ولرماده تجفيف كثير وتسخين يسير، وإذا شرب بشراب أبيض، نفع القروح الكائنة في الأمعاء قبل أن يحدث فيها عفونة. [٢٠٤ - ياقوت] قال ابن البيطار والشيخ أيضًا (٣): من جملة الودع الياقوت، لم يذكره ديسقور ولا جالينوس.

стр. 7467

وقال أرسطوطاليس (١): الياقوت ثلاثة أجناس أصفر وأحمر وكحلي، فالأحمر أشرقها وأنفسها وهو حجر إذا نفخ عليه النار، ازداد حسنًا وحمرة، وإن كانت فيه نكتة شديدة الحمرة وأدخل النار، أنبسطت في الحجر فسقته من تلك الحمرة وحسنته وإن كانت فيه نقطة سوداء، نقص سوادها، والأصفر منه أقل صبرًا على النار من الأحمر فأما الكحلي فلا صبر له على النار البتة وجميع أنواع اليواقيت لا تعمل فيه المبارد. ويقال: إن الياقوت يمنع جمود الدم إذا علق. وقال في كتاب الأحجار: إنّ الياقوت طبعه الحرارة واليبس، ويجب أن يختار منه ما كان شرق اللون شديد الصبغ جدًا متناسب الأجزاء ليست فيه كدورة ولا نكتة ولا زجاحية ولا تضريس. وأصنافه خمسة: أحمر ورمادي وأصفر وأكحل وأبيض، ولهذا الحجر أشباه كثيرة تقارب لونه وجنسه ولكن ليس تبلغ مبلغه، والفرق بينه وبين أشباهه أن الياقوت إذا دخل النار. ازداد حسنًا ولم تضره النار شيئًا وإن سُحِل بالمبارد. لم تؤثر فيه وأشباهه ليست كذلك وذكر أرسطا طاليس في بعض كتبه أن من الياقوت ما يكون أخضر وطبعه مثل طبعهم وفعله مثل فعلهم ويُؤتى من أقصى جبال الهند. وقال الشيخ الرئيس في كتابه الأدوية القلبية (٢): أما طبعه فيشبه أن يكون معتدلًا، وأما خاصيته في تفريح القلب وتقويته ومقاومة السموم فأمر عظيم ويشبه أن تكون هذه الخاصية قوة غير مقتصرة على جزئية فيه بل فائضة منه كفيضانها من المغناطيس في جذبه الحديد من بعيد. قال (٣): ومما يقنع فيه في هذا الباب في أمر الياقوت أنه يبعد أن يقول: إن حرارتنا الغريزية يفعل في الياقوت المشروب إحالة وتحليلًا وتمزيجًا بجوهرة البخار الروحي كما تفعل في الزعفران وغيره. وبالجملة فبعيد أيضًا أن يقول إن الياقوت ينفعل في صورته عن الحار الغريزي ثم تحدث منه فعله فإن جوهره كما يظهر جوهر بعيد جدًا عن الانفعال فيشبه أن يكون فعل الحرارة الغريزية غير مؤثر في جوهره ولا في أعراضه اللازمة لصورته ولكن في آنيه ومكانه العرضيين، أما في آنيه فبأن تنفذه مع الدم إلى

стр. 7468

ناحية القلب فيصير أقرب من المنفعل فيفعل فعلًا أقوى وأما في كيفيته فتسخنه ومن شأن السخونة أن تثير الخواص وتنبه القوى كالكهرباء، فإنه إذا قصر في جذب التبن خُلّ حتى يسخن، ثم قوبل به التبن فيجذبه فبشبه في أن يكون غاية تأثير طبيعتنا في الياقوت هذا، ويكون فعله زيادة إضافة كما يفيض منه طبعًا وزيادة تقريب وما شهد به الأولون من تفريح الياقوت إمساكًا في الفم دليل على أنه لا يحتاج في تفريحه إلى استحالة في جوهره وإعراضه اللازمة ولا إلى مماسة المنفعل عنه بل قوته المفرحة قابضة عنه إلا أنّ أقوى فعلها بالتسخين والتقريب كما في سائر الخواص ويشبه أن تعلل هذه الخاصية بما فيه من التنوير نشفه والتعديل بمزاجه. وقال أرسطو (١): إن الياقوت حجر صلب، شديد اليبس عزيز صاف شفاف مختلف الألوان واصل ذلك كله ماء عذب صاف وقف في معادنها بين الحجارة الصلدة زمانًا طويلًا فغلظ وصفا وثقل وانضجته حرارة المعدن بطول وقوفه فيصير صلبًا لا تذيبه النار لقلة دهنيته ولا يتفتت لغلظ رطوبته بل يزداد لونه حُسْنًا وصفاء ولا تعمل فيه المبارد لصلابته ويبسه إلا الماس والسبادج، ومعدنه بالبلاد الجنوبية عند خط الاستواء وزعموا أن من تختم به ووقع في بلاده طاعون ووباء، لم يتعلق به وسلم منه، ونبل في أعين الناس، وسهلت عليه أمور المعاش، وقيل: إنه يمنع الماء من الجمود، ومن ترك تحت لسانه حجرًا من الياقوت الأزرق أمن من العطش في شدة هيجان الحر الشديد خاصية فيه لتبريده الكبد. ٢٠٥ - يَشْب (٢) ويقال: يشف (٣). وقال ديقوريدوس في الخامسة (٤): أناسيس زعم قوم أنه جنس من الزبرجد، ومنه ما لونه شبيه بلون الزبرجد، ومنه ما لونه شبيه بلون الدخان كأنه شيء مدخن، ومنه ما

стр. 7469

فيه عروق بيض صقيلة. ويقال له: أسطروس ومعناه: الكوبي، ومنه ما يقال له: طرمينون ومعناه الشبيه في لونه بالحبة الخضراء: قال: وقد يظن أن هذه الأصناف تصلح أن تعلق على الرقبة أو على العضد للتعويذ أو على الفخذ لعسر الولادة. وقال جالينوس في التاسعة (١): وقد شهد قوم بان في الحجارة خاصيات مثل هذه الخواص التي في حجر اليشب الأخضر؛ لأنه ينفع المريء وفم المعدة إذا علق في الرقبة، وقوم ينقشون عليه ذلك النقش الذي له شعاع على ما وصف تاجاسيوس، وقد امتحنت أنا هذا الحجر واختبرت بالتجربة اختبارًا شافيًا، وذلك أني اتخذت مخنقة من حجيرات حالها هذه الحال وعلقتها في العنق، وجعلت طولها طولًا معتدلًا لا يبلغ إلى فم المعدة، فوجدته ينفع نفعًا ليس بدون ما ينفع إذا كان منقوشًا عليه تاجاسيوس. وقال الغافقي (٢): زعم قوم أنه ياقوت حبشي ملوّن ويسمونه: أبا قلمون، وقوم يصحفونه يقولون حجر السيد وهو خطأ. وقال أرسطو (٣): وهو حجر أبيض مشهور، قيل: إنه شفاء لأمراض المعدة، وهو حجر الغلبة لمن استصحبه لم يُغلب في الحرب ولا بالحجة، ولهذا المعنى يجعله الملوك في مناطقهم؛ زعموا أن العطشان إذا أمسكه في فمه، سكن عطشه. وقال في كتاب الأحجار: قال هرمس: إنّ هذا الحجر طبعه الحرارة والرطوبة، مائل إلى الحر ويجب أن يختار منه ما كان معتدل البياض حسن البريق، متناسب الاجزاء ليست فيه كدورة. وأصناف هذا الحجر أربعة: أبيض وأخضر فيه سواد؛ ورمادي؛ وزمردي. قال: ولهذا الحجر أشباه كثيرة تقارب لونه وجسمه ولا تبلغ مبلغه، والفرق بينه وبين أشباهه أن اليشب له رائحة كرائحة الدخان وإن علق على امرأة، سهلت ولادتها، ويؤتى به من بلاد الهند ومن بلاد قبرس وأفضله القبرسي - ومن خواصه أن من لبسه، هيج عليه الجماع وحرك شهوة العشق، ومن وضعه تحت رأسه جامع ما شاء ولم يرَ في منامه ما يكره قلبه ويضيق صدره.

стр. 7470

٢٠٦ - يَقْظَان قال أرسطو (١): هو حجر يتحرك ولا يهدأ حتى يمسه إنسان فعند ذلك يسكن، وهو صالح لخفقان الفؤاد والارتعاش واسترخاء المعدة والأعضاء، وإذا عُلِّق على الإنسان لم ينس شيئًا، والفلاسفة قد رمزوا إليه وستروه عن العامة. فائدة: اعلم أن العزيز من هذه الأحجار الغالي الثمن القليل الوقوع، قد يعرض له ما يفسده فيحتاج إلى إصلاحه وتدبير مرضه ليرجع إلى الصحة والحسن، أما اليواقيت جميعها فإذا تغيرت ألوانها، وفسدت أفعالها، فإنها تُترك في النار لحظة يسيرة لكل حجر منها على قدر ثبوته في النار، ولا ينفخ عليه نفخًا شديدًا لكن لينًا يسيرًا في نار لينة غير قوية وأقواها على النار الأحمر ثم الرماني ثم الأصفر، ثم الأكحل، ثم الأبيض، فأما أشباه الياقوت؛ فإنها إذا شمت النار تفتت لساعتها، وأما إصلاح ما يفسد من الجواهر أجمع إذا استحالت ألوانها، وضعت أفعالها، فإنها تؤخذ وتترك في بصلة بيضاء، ثم تجعل البصلة في شيء من خمر، وتلصق في تنور حتى خمر، ثم يُخرج فهو برؤه وصلاحه، وأما الدر فإنّه إذا تغير فإنه يُنقع في ماء النطرون، ثم يُجلى في خرقة صوف خشنة بيضاء مرارًا، فإنه ينصلح، وإما البادزهر والزمرد والزبرجد والدهنج والفيروزج، فإذا استحالت ألوانها وضعفت أفعالها، فإنها تزفر بلحوم الضأن والمعز والدجاج صغيرة وكبيرة، ثم يغسل على العادة، وأما الماس، فإنه إذا فسد فعله وضعف لونه، فإنه يلقى في دم إنسان حار ويبقى فيه أيامًا فإنه ينصلح، وأما المغناطيس فإنه إذا تغيّر لونه وفسد وضعف عمله، فإنه يلقى في دم تيس كبير حين النحر لوقته يفعل به ذلك مرارًا؛ فإنه ينصلح، وأما الذهب فإنه إذا تغير لونه وفسد وضعف فعله واضطرب حاله، فإنه يدخل النار ويلقى عليه التنكار والزاج والكبريت فإنه إصلاحه. * * *

стр. 7471

النوع الثالث: في الأجسام الدهنية زعموا (١) أنّ الرطوبات المحتقنة تحت الأرض تسخن في الشتاء وتبرد في الصيف بسبب أن الحرارة والبرودة ضدان فلا يجتمعان في مكان واحد؛ فإذا جاء الشتاء وبرد الجو، فرّت الحرارة وأسخنت باطن الأرض وكهوف الجبال، فاكتسبت الرطوبات المنصبة إلى تلك المواضع بواسطة الحرارة دهنية، فإذا أصابها نسيم الهواء أو برودة الجو، فربما انعقدت وربما بقيت على ميعانها، فتصير كبريتًا أو زئبقًا أو قيرًا أو نفطًا أو ما شاكل ذلك بحسب اختلاف البقاع، وتغيرات الأهوية، وزعموا أنّ أوّل هذه القوى - أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة في تكوين المعادن ٢٠٧ - الزئبق وذلك أن الرطوبة المخفية التي في باطن الأجسام الأرضية والبخارات المحتبسة فيها إذا تعاقب عليها حر الصيف وحرارة المعدن، لطفت وخفت وتصاعدت إلى سقوف الأهوية والمغارات وتعلقت هناك زمانًا فإذا تعاقب عليها برد الشتاء، غلظت وجمدت وتقاطرت إلى أسفل تلك المغارات والأهوية، واختلطت بتربة تلك البقاع، ومكثت زمانًا هناك، وحرارة المعدن تعمل دائمًا في إنضاجها وطبخها وتصفيتها، فتصير تلك الرطوبة الماسة بما يختلط بها من الأجزاء الترابية وما يكتسب من ثقلها وغلظها بطول الوقوف وإنضاج الحرارة لها كبريتًا محرقًا فإذا اختلط الزئبق والكبريت مرة ثانية وتمازجا والتدبير بها يتركب من مزجهما الجواهر المعدنية، وأنواعها كما ذكرناه من قبل ولا نعيد. أما الزئبق (٢)، فإنه يتولد (٣) من أجزاء مائية اختلطت بأجزاء أرضية لطيفة كبريتية اختلاطًا شديدًا حيث لا يتميز أحدهما من الآخر وعليه غشاء ترابية، فإذا اتصلت إحدى القطعتين بالأخرى، انفتح الغشاء وصارت القطعتان واحدة والغشاء محيط بها كقطرة الماء إذا وقعت على التراب؛ فإنها تبقى مدوّرة وتحيط بها الأجزاء الترابية وربما أصاب

стр. 7472

تلك القطرة قطرة أخرى وانشق ذلك الغلاف وصارت القطرتان واحدة، وأحاط بها الغلاف البراني، وأما بياضه فبسبب صفاء ذلك الماء ونقاء التراب الكبريتي الذي ذكرناه. قال أرسطو: الزئبق من جنس الفضة إلا أن الآفات دخلت عليه في معدنه، الآفات ما ذكرناه في الرصاص. وقال في بعض كتبه (١): حجر الزئبق حجر ينحل في تركيبه ويكون في معدنه كما تكون سائر الأحجار، وهو جنس من الفضة لولا آفات دخلت عليه في أصل تكوينه منها تخلخله، وأنه شبيه بالمفلوج، وله أيضًا صرير ورائحة ورعدة، وهو يحل أجسام الأحجار كلها إلا الذهب فإنه يغوص فيه. وقال الطبري: الزئبق من أذربيجان من كورة تدعى السين. وقال المسعودي: وبالأندلس معدن للزئبق ليس بالجيد. وقال ابن سينا: منه ما يسقى من معدنه، ومنه ما هو مستخرج من حجارة معدنه بالنار كاستخراج الذهب والفضة وحجارة معدنه كالزنجفر. قال ديقوريدوس وجالينوس: إنه مصنوع كالمرتك؛ لأنه يستخرج بالنار فيجب أن يكون الذهب مصنوعًا أيضًا. وقال ديقوريدوس: الزئبق يصنع من الجوهر الذي يقال له: متينون على هذه الصفة: تؤخذ طَنْجَهارَة من حديد ويصير في قدر من نحاس، وتجعل في أتون في الطَنْجَهارَة فساماراي ويركب عليه بنيق ويُطيّن حول الأنبيق، وتوضع القدر على جمرٍ فأن الدخان الذي يتصاعد إلى الأنبيق إذا أجتمع، يكون زئبقًا وقد يوجد أيضًا زئبق في سقوف معادن الفضة مُدوّرًا جامدًا، كأنه قطر الماء إذا تعلق. ومن الناس من يزعم أنه يوجد في الزئبق في معادن له خاصة، وقد يوعى الزئبق في أوان متخذة من الزجاج والرصاص والآنك والفضة فإنه إن أوعي في أوان غير هذه الجواهر أكلها وأفناها. وقال جالينوس: لم أجربه أنه يقتل إذا شرب أم لا وأما الذي يفعل إذا وضع من خارج البدن.

стр. 7473

وقال الرازي: الزئبق بارد مائي غليظ، فيه حدة وقبض ويدل على ذلك جمعه للأجساد وأنه يصلح ريحه، فإذا صعد استحال فصار حارًا حريفًا محللًا مقطعًا، والدليل على ذلك إذهابه للجرب والقمل. قال ماسرجويه: تراب الزئبق ينفع من الجرب والحكة إذا طلي عليهما مع الخل. وقال أرسطا طاليس: تراب الزئبق يقتل الفأر إذا عجن له في شيء من طعامه ودخان الزئبق يحدث أقسامًا رديئة مثل الفالج، ورعدة الأعضاء، وذهاب السمع والعقل، والغشاوة، وصفرة اللون، والرعشة، وتشبيك الأعضاء، وتبخر الفم، ويبس الدماغ، والموضع الذي يرتفع فيه دخانه يهرب منه الهوام من الحيات والعقارب وما أقام منها قتلها، والزئبق له خصوصية في قتل القمل والقردان المتعلقة بالحيوان. وقال بلوس: أما الزئبق فقلما يستعمل في أمور الطب؛ لأنه من الأشياء القتالة، ومن الناس من يحرقه حتى يصير كالرماد، ويخلط مع أنواع أخر ويسقيه أصحاب القولنج، وأصحاب العلة التي تسمى إبلاوس. ديسقوريدوس: وإذا شُرب قبل الثقلة؛ لأنّه يأكل ما يلقاه من الأعضاء الباطنة بثقله وقد ينفع من مضرته اللبن إذا شرب منه مقدار كثير وتقيأ، والخمر أيضًا ينفع من مضرته إذا شرب بالأفسنتين وبرز الكرفس أو برز النبات الذي يقال له: بياض. وإذا شرب الخمر أيضًا مع الفوتنج الجبلي أو مع الزرقاء، ينفع من مضرته. وقال الرازي: أما الزئبق العبيط فلا أحسبه كثير مضرة إذا شُرب أكثر من وجع شديد في البطن والأمعاء، ثم يخرج كهيئته لا سيما إن تحرك الإنسان، وقد سقيت منه قردًا كان عندي فلم أره عرض له إلا ما ذكرت، وعلمت ذلك من تلويه وقبضه بفمه ويديه على بطنه، وقد ذكر بعض الأطباء أنه يعرض مثل أعراض المرتك؛ فإنه ينبغي أن يعالج بعلاجه، وأما إذا صب منه في الأذن فإنّ له نكاية شديدة، فأما المقتول منه والمصاعد خاصة، فإنه قاتل رديء حاد جدًا يهيج منه وجع شديد في البطن ومغص وخلفه الدم. قال أرسطو: ومن صبّ في أذنه زئبق، فإنه يختلط ويحس بثقل عظيم في جانبيه، وربما أدى إلى الصرع والسكتة، وطريق إخراجه أن يحجل على فرد رجل يميل رأسه إلى الشق الذي فيه الزئبق.

стр. 7474

٢٠٨ - الكبريت وأما الكبريت (١) فإنه يتولّد من أجزاء مائية وهوائية وأرضية إذا اشتد اختلاط بعضها بالبعض بسبب حرارة قوية ونضج تام، حتى يصير مثل الدهن وينعقد بسبب برودة جزئية. قال: الكبريت له ألوان فمنه الأحمر الجيد الجوهر وليس هو بصافي اللون، ومنه الأبيض الذي هو كالغبار، فأما الأحمر، فمعدنه في مغرب الشمس لا ساكن في موضعه بقرب بحر إقيانوس على فراسخ فإذا أخذ من موضعه، لم تر له خاصية في الحال، وهو نافع من الفزع والسكتات والشقيقة، ويدخل في أعمال الذهب كثيرًا. والأبيض منه يسود الأجسام البيض وقد يكون كامنًا في العيون التي يجري منها الماء الجاري مشوبًا بالماء، ويوجد لتلك المياه رائحة منتنة، فمن اغتمس في هذه المياه في أيام معتدلة الهواء، بريء من الدماميل والجراحات كلها والأورام والجرب والسلع التي تكون من المرة السوداء وينفع من رياح الأرحام. وقال الشيخ الرئيس: إن الكبريت من أدوية البرص ما لم تمسه النار، وإذا خُلط بصمغ البطم قطع الآثار التي على الأظفار، وبالخل على البهق، ويجلو القوباء خصوصًا مع علك البطم، وهو دواء للنقرس مع النطرون والماء ويحبس الزكام بخورًا، وتهرب من رائحته البراغيث والحيات والعقارب سيما مع شيء من الدهن وحافر حمار وهو يبيض الشعر بخورًا، وإذا دهن به تحت شجرة الأترج يسقط الأترج، كله من الشجرة. وقال ابن سمجون (٢): قال الخليل بن أحمد: الكبريت عين تجري فإذا جمد ماؤها، صار كبريتًا أصفر وأبيض وأكدر. ويقال: إن الكبريت الأحمر هو من الجوهر في وادي النمل الذي مر به سليمان بن داود ﵉ وتلك النمل أمثال الدواب تحفر سرابًا، فتمر على الكبريت الأحمر. وقال ارسطاطاليس: الكبريت ألوان كثيرة، فمنه الأحمر الجيد الحمرة الذي ليس بصافٍ، ومنه الأصفر الشديد الصفرة الصافي اللون، ومنه الأبيض القليل البياض الحاد الريح ومنه المختلط بألوان كثيرة والكبريت يكون كامنًا في عيون يجري منها ماء حار

стр. 7475

يُصاب في ذلك الماء رائحة الكبريت، والكبريت الأحمر يُسْرج بالليل في معدنه كما تسرج النار يضيء ما حوله على فراسخ، وإذا أُخذ من معدنه، ارتفعت تلك الخاصية، ويدخل في أعمال الذهب كثيرًا ويحمر البياض جدًا ويصبغه. وقال ماسرجويه (١): هو ثلاثة ضروب أحمر وأبيض وأصفر، وكلها حار يابس لطيف. وقال إسحاق بن عمران (٢): هو ثلاثة ضروب أحمر وأسود وأبيض، وهو حجر رخو من جواهر الأرض والمطبوخ منه أسود. وقال الرازي (٣): الكبريت حار يتولّد من البخار اليابس الدخاني إذا ماس شيء من البخار الرطب؛ لأن البخار الرطب كطبخ حرارة الشمس لرطوبة الماء حتى يحيله قارًا أو نفطًا أو ما شابه ذلك، والكبريت من البخار الدخاني والرطب امتزجا وطبخهما حر الشمس حتى صار ما فيه من الرطوبة دهنًا لطيفًا حارًا خفيفًا؛ ولذلك أسرع نفاده؛ لأنه شديد الحر فتسرع إليه النار بمرة؛ لأنّ النار تطلب من الرطوبة آخرها لقربها منه بطريق واحد، والدليل على ذلك أن الأشياء الرطبة الباردة اليابسة لا تحترق لمضادتها النار بطرفيها والأشياء الباردة لا تحترق؛ لأنها لا رطوبة فيها، وإنما غذاء النار الرطوبة، لأنها صاعدة لا تقيم في أسفل إلا معلقة بما يجذبها إلى الأسفل كما لا يقيم الحجر في الجو إلا بما يعمده. وقال جالينوس في كتاب الأدوية (٤): الموجوده بكل مكان الكبريت النهري هو كبريت القصارين. وقال مرة أخرى (٥): كبريت القصارين هو كبريت الماء. وقال في المقالة السابقة من مفرداته: كل كبريت قوّته قوة جلائه؛ لأن مزاجه و جوهره لطيف؛ ولذلك صار يقاوم ويضاد سم ذات السموم والهوام، واستعماله بأن يُسحق ويذر على موضع

стр. 7476

اللسعة، أو يعجن بالدقيق ويوضع عليه، أو يعجن بالبول بزبل عتيق أو عسل أو علك البطم وقد يسقى منه للجرب وللعلة التي ينقشر معها الجلد والقوابي إذا عولجت به مع علك البطم بشربها مرارًا كثيرة، فإنه يجلو ويقلع هذه العلل كلها من غير أن يدفع شيئًا منها إلى عمق البدن. وقال ديسقوريدوس في الخامسة (١): يعلم أن أجوده ما لم يقرب من النار وكان صافي اللون صقيلًا ليس بمتحجر، وأما ذا قرب من النار فينبغي أن تختار منه الأحمر الذي فيه دهنية، وقد يكون الكثير من المواضع التي يقال لها: موم ملصق، والمواضع التي يقال لها: لينارا والصنف الأول يسخن ويحلل وينضج السعال ويخرج القيح الذي في الصدر سريعًا، وإذا صيّر في بيضة وشُرِب أو تدخن به، نفع من الربو، وإذا تدخنت به المرأة طرح الجنين، وإذا خُلِط بصمغ البطم، قلع الجرب والقوابي والبهق، وإذا خلط بالراتينج أبرأ لسعة العقرب، وإذا خلط بالخل، نفع من مضرة سم التنين البحري ولسعة العقرب، وإذا خُلط بالنطرون وغسل به البدن، سكن الحكة العارضة فيه وإذا أخذ مقدار فوجلياريوس وشرب بماء أو بيضة حسوًا، نفع من اليرقان، ويصلح الزكام والنزلة وإذا ذرّ على البدن، قطع العروق، وإذا لطخ على النقرس مع النطرون والماء، نفع منه، وإذا تدخن به نفع من الطرش؛ وقد يقطع النزيف، وإذا خلط بالعسل والخمر ولطخ على شدخ الأذن أبراها. وقال ارسطو طاليس (٢): والكبريت الأحمر ينفع من داء الصرع والسكتات والشقيقة إذا سعط به. وقال الدمشقي (٣): وقوة الكبريت في الحرارة واليبوسة من الدرجة الرابعة يذهب بالبرص، ويجلو الكلف، ويذهب بضربان الأذن. وقال في التجربتين: الكبريت إذا خُلِط بأدوية قروح الرأس العتيقة، جلاها وأدملها، وإذا حُلّ في زيت قد غلي فيه أسقيل وغلظ بشيء من الشمع، نفع من نوعي الجرب الرطب واليابس ومن الحكة منفعة بالغة، وإذا خلط بالطفل وحل بالخل أو بحماص الأترج وطلي على السعفة العتيقة، حللها وأدملها إذا واظب عليها وإذا عُجِن

стр. 7477

بالحناء أو بسائر أدوية القوابي جَلاهَا وأذهبها وكذلك إذا خلط بعصارة ورق المر ثم فعل ذلك فعلًا قويًا، وإذا خلط بالقطران، نفع من القروح الوسخة جدًا والمترهلة، وخُلط بالعاقر قرحا وعجنا بعسل ثم حلّ بالخل وطليت به القروح المتولدة غي أجسام بدت بها العلة الكبرى وفي قروح تشبه القوابي يحذر بها الجلد ويذهب حسه، نفع منه منفعة عجيبة. ٢٠٩ - القير وأما القير فقد ذكرناه (١) - فيما تقدم - ما فيه كفاية وذكرنا أن منه ينبع في بعض الجبال، ومنه ما ينبع في الماء فيفور مع الماء الحار في العين، ويطفو كالدهن فما دام مع الماء يكون لينًا فإذا فارق الماء، جف فيعرف بالقفاف، ويطرح على الأرض، ثم يطرح في القدر ويطرح عليه من الرمل مقدار معلوم ليختلط به - كما ذُكر - ويحركونه تحريكًا شديدًا متداركًا فإذا بلغ حد استخدامه، صب على وجه الأرض قطعًا فيجمد وتُقيّر به السفن والحمامات ٢١٠ - النفط وأما النفط (٢) فقد ذكرناه قريبًا أنه يطفو على الماء، وأن منه أبيض، ومنه أسود. قيل: وقد يصاعد الأسود بالقرع والأنبيق، فيخرج أبيض وينفع إذ ذاك من أوجاع المفاصل واللقوة والفالج وبياض العين والماء النازل فيها، وإذا شرب منه نصف مثقال، نفع من المغص والمياه ويخرج الأجنة الموتى ويقتل الدود وحب القرع، وينفع الملسوع طلاءً فلينظر ما قيل فيه قبل. ٢١١ - المومياني وأما المومياني (٣) فقد ذكرناه في ما تقدم وهو شبيه بالزفت والقير إلا أنه عزيز جدًا، قيل ومعدنه بأرض الموصل، وبأرض فارس بأرجان - فيما زعم بعضهم - وقد ذكرنا أنه ينفع من الوهن والضربة والسقطة والفالج واللقوة شربًا وتمريخًا ومن الشقيقة والصداع البارد والصرع والدوار سعوطًا بماء المرزنجوش، ويشرب قيراط منه لثقل اللسان والخناق والخفقان، وزعموا أنه يخلط بالسم ويجعل على موضع اللسع فيبرأ.

стр. 7478

٢١٢ - العنبر وأما العنبر فقد ذكرناه أيضًا (١) وذكرنا الخلاف فيه، وقد زعم بعض التجار: أن بحر الزنج قذف في بعض السنين قطعة عظيمة شبيه تل أو أكثر ما يرى قدر الجمجمة أكبرها زنة ألف مثقال، وكثيرًا ما يبتلعه الحيتان فيموتون وتلك الدابة تدعى العنبر، وقد ورد ذكر هذا الحوت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وهو معروف. خاتمة تتعلق بما تقدم اعلم أن الأرض جسم بسيط قام البرهان على أن طبعها بارد يابس، وهي كما زعموا متحركة إلى الوسط، وزعموا أن شكل الأرض قريب من الكرة والقدر الخارج محدب؛ لأنهم اعتبروا خسوفًا واحدًا فوجدوا في البلاد الشرقية والغربية في أوقات مختلفة فلو كان طلوعه وغروبه دفعة واحدة لما اختلف بالنسبة إلى البلاد، وإنما خلقت باردة لأجل الغلظ والتماسك، إذ لولاها لما أمكن قرار الحيوان على ظهرها وحدوث المعادن والنبات في بطنها، وزعموا أنها ثلاث طبقات طبقة قريبة من المركز - وهي الأرض الصرفة - وهي أرض طينية وأرض انكشف بعضها وأحاط البحر بالبعض الآخر، وهي مركز الأفلاك واقفة في الوسط بإذن الله تعالى، والهواء والماء يحيطان بها من جميع الجهات، والإنسان في أي موضع وقف على سطح الأرض يكون رأسه مما يلي السماء ورجلاه مما يلي الأرض، وهو يرى من السماء نصفها، وإذا انتقل إلى موضع آخر، ظهر له من السماء مقدار ما خفي له من الجانب الآخر لكل تسعة عشر فرسخًا درجة، ثم البحر المحيط أحاط بأكثر وجه الأرض والمكشوف منها قليل ناتئ عن الماء على هيأة بيضة غاطسة في الماء يخرج من الماء محدبها وليست منظمة ملساء ولا مستديرة بل كثيرة الارتفاع والانخفاض، أما باطنها فكثير الأودية والأهوية والكهوف والمغارات، ولها منافذ وخلجان كلها ممتلئة مياهًا وبخارات ورطوبات دهنية، ينعقد منها الجواهر المعدنية، وتلك الأبخرة والرطوبات دائمًا في الاستحالة والتغيير والكون والفساد، أما ظاهرة فإنها كثيرة الجبال والأودية والجداول والبطائح والآجام والدحال والغدران، وفيها منافذ وخلجان تجري بعضها إلى بعض في دائم الأوقات والرياح والغيوم والأمطار لا تنقطع عنها في شتى من الأوقات ولكن في أماكن مختلفة البقاع شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا مثل الليل والنهار والصيف والشتاء وفي بلدان شتى والمعادن والنبات والحيوان قائمة في الكون والفساد فما في الأرض موضع إلا وهناك معدن أو نبات أو حيوان باختلاف

стр. 7479

صورتها ومزاجها وأجناسها وألوانها وأنواعها، لا يعلم تفصيلها إلا الله وهو صانعها ومدبرها: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (١). تتمة لا تقطع السياق فالذي يعتمد عليه جماهيرهم أن الأرض كالكرة موضوعة في جوف الفلك كالمح في البيضة، وأنها في الوسط ولا ينكر هذا إلا جاهل بالبرهان والعقل هكذا وضعها الحكيم العليم، وبعدها في الفلك من جميع الجوانب على التساوي هذا هو الحق. وزعم هشام بن الحكم المتكلم (٢): أن تحت الأرض جسمًا من شأنه الارتفاع. قال: وهو المانع للأرض من الانحدار بل الارتفاع وهو ليس محتاجًا إلى ما يعمده؛ لأنه ليس يطلب الارتفاع. وقال أبو الهند: إنّ الله وقفها بلا عماد، وعلله ديمقراطيس بأنها تقوم على الماء وقد حصر الماء تحتها حتى لا تجد مخرجًا فتضطر إلى استقلال، وهذا قريب من رأي هشام بن الحكم. وقال بعض المتكلمين: إنها واقفة على الوسط على مقدار واحد من كل جانب والفلك يجذبها من كل وجه، فلذلك لا تميل إلى ناحية من الفلك دون أخرى؛ ولأن قوة الأجزاء مكافئة مثال ذلك حجر المغناطيس وجذبه الحديد، فإن الفلك بالطبع مغناطيس للأرض فهو يجذبها فإذا كانت كذلك، فهي واقفة في الوسط كقنديل النصارى. ومنهم من قال: إنها واقفة في الوسط، وسبب وقوفها سرعة تدوير الفلك

стр. 7480

ودفعه إياها من كل جهة إلى الوسط يبين ذلك أنك إذا جعلت ترابًا وحجرًا في قارورة وأديرت بقوة في الخرط والتدوير فإن التراب والحجر المذكورين يقوم في الوسط. وقال محمد بن أحمد الخوارزمي (١): الأرض في وسط السماء والوسط هو السفل بالحقيقة، وأنها مدورة ومضرسة من جهة الجبال البارزة والوهاد الغائرة وذلك لا يخرجها عن الكرة إذا اعتبرت جملتها، لأن مقادير الجبال وإن شمخت يسيرة بالقياس إلى كرة الأرض، فإن الكرة التي قطرها ذراع أو ذراعان إذا نتأ منها شيء أو غار فيها، لا يخرجها عن الكرة ولا هذه التضاريس لإحاطة الماء بها من جميع جوانبها وغمرها بحيث لا يظهر منها شيء فحينئذ تبطل الحكمة المودعة في المعادن والنبات والحيوان، فسبحان من لا يعلم أسرار حكمه إلا هو. إشارة غير مقصودة: قال وهب بن منبه (٢): كانت الأرض كالسفينة تذهب وتجيء، فخلق الله ملكًا في

стр. 7481

نهاية العظم والقوة، وأمره أن يدخل تحتها ويجعلها على منكبه وأخرج يدًا من المشرق ويدًا من المغرب، وقبض على أطراف الأرض فأمسكها ثم لم يكن لقدميه قرار، فخلق الله تعالى صخرة مربعة من ياقوتة خضراء في وسطها سبعة آلاف ثقبة، يخرج من كل ثقبة بحر لا يعلم عظمه إلا الله، ثم أمر الصخرة حتى دخلت تحت قدمي الملك، ثم لم يكن للصخرة قرار فخلق الله تعالى ثورًا عظيمًا له أربعون ألف عين، ومثلهما آذان وأنوف وأفواه وألسنة وقوائم ما بين كل اثنين منهما مسيرة خمسمائة عام، فأمر الله تعالى الثور فدخل تحت الصخرة فحملها على ظهره وقرونه، واسم هذا الثور كيونان، ثم لم يكن للثور قرار فخلق الله تعالى صوتًا عظيمًا لا يقدر أحد أن ينظر إليه لعظمه وبريق عينيه وكبرهما، حتى قيل لو وضعت لبحار كلها في إحدى مناخره لكانت كخردلة في فلاة، فأمر الله تعالى الحوت أن يكون قوامًا لقوائم الثور، واسم هذا الحوت بهموت، ثم جعل قراره الماء، وتحت الماء هواء وتحت الهواء ماء، وتحت الماء ظلمات، ثم انقطع علم الخلائق على ما تحت الظلمات. هذا آخر كلامه. وينبغي أن يعلم أن هذا من الاسرائيلات وعلى تقدير أن وهبًا نقله عمن يوثق به لكن البراهين تقتضي ترجيح أحد

стр. 7482

القولين في ردّه بدليل نص القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (١) ونحوه من الآيات الكريمة التي تدل على أن الأرض إنما كان سبب ثباتها على الحال التي عليه من السكون وعدم الاضطراب والحركة هو أن الله تعالى أرسى بها الجبال فسكنها عن الاضطراب نعم إن التحقيق أقرب إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٢) وإذا كان قد قال سبحانه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (٣) فالأرض كذلك، وإنما دخل الداخل بين المسلمين مما نقلته اليهود، وتلقاه من [في] قلبه مرض ممن يعتقد أن الله في جهة فانشرح صدره لمثل هذه الأحاديث. ونقلها عن المسلمين فتقبلها العامة حتى النساء والصبيان ينقلون معتقدين صحتها فنسأل الله العفو والعافية من البدع المضلة. عاد الكلام ورجع إذا تقرر ما تقدّم، فقد زعموا أن الأبخرة والأدخنة الكثيرة إذا اجتمعت تحت الأرض، فلا تقاومها برودة حتى تصير ماءً، وقد تكون مادتها كثيرة لا تقبل التحليل بأدنى حرارة ويكون وجه الأرض صلبًا لا يكون فيه منافذ ولا مسام فالبخارات إذا قصدت الصعود لا تجد المسام والمنافذ فتهتز منها بقلع الأرض وتضطرب كما عندما يرتعد بدن المحموم عند شدة الحمى بسبب رطوبات عتيقة اختبأت في خلل أجزاء البدن فيستغل بها الحرارة الغريزية فتذيبها وتحللها وتصيرها دخانًا وبخارًا، فتخرج من مسام جلد الإنسان فيهتز من ذلك البدن ويرتعد، ولا يزال كذلك إلى أن تخرج تلك المواد كلها، فإذا خرجت سكن البدن ورجع إلى حال الصحة فهكذا حركات بقاع الأرض بالزلازل فربما ينشق وجه الأرض فيخرج من ذلك الشق المواد المختنقة المختبئة دفعة واحدة، وقد يكون خروجها ببلدة فتسخنها وذلك بأن تكون تحت الأرض، تجاويف فعند انشقاق الأرض ينزل فيها الجبال والبلاد الظاهرة على وجه الأرض مما يشاء الله تعالى. قالوا: إذا امتزج الماء بالطين وفي الطين لزوجة وأثرت فيه حرارة الشمس مدة طويلة، صار حجرًا كما ترى أن النار إذا أثرت في الطين جعلته أجرًا - والآجر من

стр. 7483

الحجر - وكلما كانت النار فيه كانت أصلب، وأشبه بالحجر. فزعموا أن تولد بعض الجبال من اجتماع الماء والطين وحرارة الشمس، وأما سبب ارتفاع بعضها وشموخه على تقدير أن يكون مما ذكر، فهو أنه يجوز أن يكون بسبب زلزلة فيها خسف فينخفض بعض الأرض ويرتفع بعضها، ثم [إنّ] ذلك البعض المرتفع يصير حجرًا لما ذكرنا وجاز أن يكون بسبب أن الرياح تنقل التراب إلى مكان فتجذب تلال ووهاد ثم تتحجر بسبب ما قلنا. ثم قد زعم صاحب كتاب المجسطي (١): أنّ في كل ستة وثلاثين ألف سنة تنتقل أوجات الكواكب ويدور في البروج الاثني عشر دورة واحدة فإذا انتقلت من الشمال إلى الجنوب تختلف مسامتات الكواكب ومطارح شعاعاتها على بقاع الأرض فيختلف بها الليل والنهار والصيف والشتاء والحر والبرد وتتغير أرباع الأرض فيصير العمران خرابًا والخراب عمرانًا، والبراري بحارًا، والبحار براري، والجبال سهولًا، والسهول جبالًا. أما صيرورة الجبال سهولًا فإن الجبال من شدة إشراق الشمس والقمر وسائر الكواكب عليها بطول الزمان تنشف رطوبتها وتزداد جفافًا ويبسًا وتتكسر عند الصواعق فتصير أحجارًا وصخورًا ورمالًا، ثم إن السيول تحملها إلى بطون الأودية والأنهار، ولشدة جريان الماء تحملها إلى البحار فتنبسط في قعر البحار جبالًا وتلالًا، كما يتولد من هبوب الرياح دعاص الرمال في البر، وكذلك قد يوجد في أجواف الأحجار إذا كسرت أنواع من الأصداف والعظام، وذلك بسبب اختلاط طين هذا الموضع بالصدف والعظم، وأيضًا فقد يوجد في بعض الجبال ذو أطباق بعضها فوق بعض، وسبب ذلك وصول السيول إليه بالطين مرة فإن ماء السيل إذا انتقل من موضع إلى موضع يحمل معه طين الموضع الذي مر عليه فتصير كل طبقة من ذلك بمرور الزمن حجرًا بالسبب الذي قلناه، ولا تزال السيول تأخذ من الجبال وتحط حتى ترتفع من البحر الوهاد، وتنخفض

стр. 7484

في البر الجبال والله أعلم بالحقائق. وأما كيفية صيرورة البحار يُبْسًا واليبس بحرًا، فإنه كلما انضمت من البحر قطعة على الوجه الذي ذكرناه، فالماء يرتفع يطلب الاتساع على سواحله يُغطي بعض البر بالماء، ولا يزال ذلك دأبها بطول الزمان حتى يصير مواضع البر بحرًا وهكذا لا تزال الجبال تتكسر وتصير حصى ورمالًا تحمله السيول إلى قعر البحار مع طين ومُمرّها وينعقد فيها - كما ذكرنا - حتى يستوي مع وجه الأرض فتجف وتنكشف فينبت فيها العشب والأشجار فتصير مكانًا للوحوش والسباع ويقصدها الناس لطلب الصيد والعشب والحطب، فتصير مسكنًا للناس وموضعًا للزرع والغرس والقرى والمدن فسبحان من لا يعتريه التغيير والزوال، وكل ما سواه يتغير من حال إلى حال. واعلم أن هذا المذكور إنما هو في بعض الجبال والأماكن المكتسبة ما ذكرناه. أما الجبال الأصول التي قال الله تعالى في حقها: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (١) فتلك أصول وقواعد لا تتغير للحكمة المودعة فيها التي لولاها لكانت الأرض متحركة. وقال بعضهم: «لولا الجبال لكان وجه الأرض مستديرًا» وكان ماء البخار يغطيها من جميع جهاتها وأحاط بها إحاطة الهواء بالماء وبطلت الحكمة في المعادن والنباتات والحيوان. قال بعضهم: الجبال سبب لوجود الأنهار السائحة على وجه الأرض الذي هو مادة حياة النبات والحيوان؛ وذلك لأن سبب هذا الماء إنما هو انعقاد البخار في الجو سحابًا والجبال الشامخة الطوال الأصول على بسيط الأرض شرقًا وغربًا ويمينًا وشمالًا تمنع الرياح أن تسوق البحار بل تجعلها منحصرة بينها حتى يلحقها برد الشتاء، فيصير مطرًا وثلجًا فلو فرضت الجبال غير مرتفعة عن وجه الأرض، لكانت الأرض كرة لا غور فيها ولا نتوء فالبخار المرتفع لا يبقى في الحصو منحصرًا إلى وقت يضرُّ به البر بل يتحلل ويستحيل هواء، فلا يجري الماء على وجه الأرض إلا قدر ما ينزل من المطر ثم ينشفه الأرض ثم يعرض من ذلك أن النبات والحيوان يعدم لعدم الماء في الصيف عند شدة

стр. 7485

الحاجة إليه، كما في البوادي البعيدة والمفازات المعطشة فاقتضى التدبير الإلهي وجود الجبال لحصر البخار المرتفع من الأرض بين أغوارها ويمنعه من السيلان، ويمنع الرياح أن تسوقها كما يمنع السكر الماء فيبقى محفوظًا إلى أن يلحقه البرد زمان الشتاء فيجمده ويعصره فيصير ماءً، ثم ينزل مطرًا وثلجًا والجبال في أجرامها مغارات وأهوية وأوشال وكهوف فتقع على قللها الأمطار والثلوج فتنصب إلى تلك المغارات والأوشال فتبقى مخزونة وتخرج من أسافلها ضيقة وهي العيون فيسيح منها الماء على وجه الأرض فيحيي بها العباد والبلاد وما فضل ينصب إلى البحر، فإذا فني ما في الجبال من المياه النازلة فيها من الأمطار، لحقتها نوبة الشتاء فعادت إلى ما كانت ولا تزال هكذا دائبًا إلى أن يبلغ الكتاب أجله، فسبحان من لا يطلع على دقائق حكمته ومصنوعاته إلا هو. فإذا وقعت الأمطار والثلوج على الجبال تنصب الأمطار إلى الغارات وتذوب الثلوج وتفيض إلى الأودية التي في الجبال، فتبقى مخزونة فيها وتمتلئ الأوشال منها في الشتاء، فإذا كان في أسفل الجبال منافذ ضيقة، تخرج منها المياه من الأوشال في تلك المنافذ فيحصل منها جداول ويجتمع بعضها إلى بعض فيحصل منها أودية وأنهار، فإذا كانت تلك المياه في أعلى الجبال، يستمر جريانها أبدًا؛ لأن مياهها تنصب إلى سفح الجبال ولا تنقطع ماديتها لوصول مددها من الأمطار، وإن كانت في أسفل الجبال فتجري منها الأنهار عند وصول مددِها، ولا تنقطع عند انقطاع المدد، وتبقى المياه فيها واقفة كما ترى من تلك الأودية التي تجري في بعض الأيام، وتنقطع عند انقطاع مادتها. قال صاحب جغرافيا: إن في هذا الرابع المسكون مقدار مائتين وأربعين نهرًا طوالًا منها ما طوله من خمسين فرسخًا إلى مائة فرسخ إلى ألف فرسخ، فمنها ما يجري من المشرق إلى المغرب ومنها ما يجري من المغرب إلى المشرق، ومنها ما يجري من الجنوب إلى الشمال، ومنها ما يجري من الشمال إلى الجنوب، وكل هذه الأنهار تبتدئ من الجبال وتنتهي إلى البحار أو إلى البطائح وفي ممرها المدن والقرى وما فضل ينصب إلى البحار، ويختلط بالماء الملح، ثم يرق ويلطف ويتصاعد في الهواء بخارًا، وتتراكم منه الغيوم فتسوقه الرياح إلى الجبال والبراري، وينزل هناك ويجري في الأودية والأنهار، ويسقي البلاد ويرجع فاضلها إلى البحر، ولا يزال هذا دأبها وتدور كالدولاب بتقدير العزيز العليم إلى أن بَلَغَ الكتاب أجله، ثم لا يشك في أن في جوف الأرض مسام ومنافذ وفيها إما ماء، وإما هواء - على ما قدمنا ذكره - فإن كان هو هواء، فإنه يصير ماءً يسير ويلحقه أو يغير ذلك من الأسباب، أو ماء على حاله ويأتيه مدد صلبة فتمنعه من جهة أخرى فلا يسع ذلك الأرض فيشقها ويظهر على وجهها

стр. 7486

إن أمكن وله قوة الخروج وليست للأرض. تتميم لما سبق ذكر أبو الريحان الخوارزمي (١) في كتابه الآثار الباقية (٢): إن باليمن ربما حفروا فبلغوا صخرة، فعرفوا أن تحتها ماء فنقروها نقرة، يعرفون بصوتها مقدار الماء، ثم يثقبونها ثقبًا صغيرًا ويرونها فإن كانت سليمة قوّروها، وإن كانت مجوفة عجلوا سدها بالجص والكلس، فإن منها ما يخشى منه مثل سيل العرم. وإن لم يكن لها قوة الخروج أو كانت الأرض صلبة فتحتاج إلى العلاج وهو أن ينحى عنها التراب حتى يظهر كماء الآبار والقنوات هذا إن لم تكن مادتها - كما ذكرنا - من الأوشال بطريق النز، فسببها ظاهر أما سبب اختلاف العيون التي في جوف الأرض وكهوف الجبال من الملوحة والعفوصة والكبريتية والنفطية، فعلة حرارتها أن المياه تسخن في الشتاء تحت الأرض، وتبرد في الصيف بسبب أن الحرارة والبرودة ضدان فلا يجتمعان في مكان واحد في زمان واحد، فإذا جاء الشتاء برد الجو وقرت الحرارة وأسخنت باطن الأرض وكهوف الجبال، فإذا كانت مواضعها كبريتية بأن تنصب إليها رطوبات دهنية - كما قدمنا ذكره - بقيت الحرارة فيها دائمة بواسطة تلك الرطوبات الدهنية فلو جاز بهذه المواضع مياه أو جداول أو عروق نافذة تُسخّن بمرورها هناك وجوازها عليها، ثم تخرج على وجه الأرض حارة حامية وإن أصابها نسيم أو برد الجو، فربما جمدت أو كانت غليظة وانعقدت فصارت زئبقًا أو قيرًا أو نفطًا أو كبريتًا أو ملحًا أو بورقًا أو ما شاكل ذلك بحسب اختلاف تربها، وتغيرات أهوية أماكنها كل ذلك بتدبير الحكيم العليم. * * *

стр. 7487

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين. وبعد: فهذا هو السفر الثالث والعشرون من موسوعة «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين، أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م. وقد اختص بالمواضيع التالية: ١ - الأديان والمذاهب. ٢ - مبدأ العالم ونشوء الخليقة. ٣ - السيرة النبوية. ٤ - آل أبي طالب والخلفاء الراشدون. وقد اعتمد المؤلف على مصادر ومراجع عديدة، كان أهمها: - كتاب الفصل في الملل والنحل: لابن حزم الأندلسي - السيرة النبوية: لعبد الملك بن هشام الحميري - الوفا بأحوال المصطفى لعبد الرحمن بن علي، ابن الجوزي - كنوز المطالب في فضائل آل أبي طالب: لعلي بن سعيد المغربي وكان اعتمادي في تحقيق هذا السفر على ثلاث نسخ: ١ - نسخة أحمد الثالث - طوبقبو سراي - استانبول رقم ١٤/ ٢٧٩٧ (ص ١٧١ - ٦٥٠). وقد كتبت في الأصل برسم خزانة السلطان المملوكي، الملك المؤيد، شيخ ابن

стр. 7488

عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ/ ١٤٢١ م) ووقفها الملك المؤيد على طلبة العلم بجامعه (المؤيدي) في القاهرة. والتي قام بنشرها مصوّرة العلامة الدكتور فؤاد سركين - معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية - فرانكفورت - ألمانيا الاتحادية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م. وكان عليها جل اعتمادنا. ٢ - نسخة أيا صوفيا - مكتبة السليمانية - استانبول - رقم ٣٤٣٥ وهي نسخة قديمة وقفها السلطان العثماني محمود خان، وعليها ختم باسم أحمد شيخ زادة المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين. ٣ - نسخة المكتبة الوطنية - باريس - المخطوطات العربية رقم ٢٣٢٩ أما منهجي في تحقيق هذا السفر فهو كما ذكرته في مقدمتي للسفر الأول من الموسوعة، يضاف إلى ذلك ضبط النص وإملاء الفجوات ومقابلة بعض والكلمات على كتاب السيرة النبوية باعتبارها المصدر الرئيس الذي نقل منه المؤلف، نصًا واختصارًا وبتصرف. كما جرت المقابلة على كتاب الوفا بأخبار المصطفى. كما أفدت من بعض الهوامش والتعليقات التي أوردها د. محمد عيسى الحريري في تحقيقه للفصل الخاص بالسيرة النبوية. أما ما يتعلق بأنساب آل أبي طالب، فلم أتطرق بالتفصيل في فروعهم وأنسابهم، بل اكتفيت بما أورده المؤلف، لأن ذلك يتطلب تفصيلًا يزيد على حجم الكتاب أضعافًا، واكتفيت بالإشارات التي وضعتها في محلها. * * * هذا ما استطعت تقديمه للقارئ الكريم والباحث الفاضل. أرجو أن أكون قد قمت بإحياء جزء من تراثنا الخالد ما استطعت، وحسبي أني كنت مخلصًا فيه. والله من وراء القصد. وهو حسبي ونعم الوكيل جمهورية العراق - الكوفة كامل سلمان الجبوري

стр. 7489

الأديان والمذاهب

стр. 7490

النّوع الثّاني: في الكلام على الدّيانات وهي ستّ نحل وأربع ملل. وإنّما قدّمنا الكلام في هذا النّوع على الكلام على طوائف المتديّنين؛ لأنّه كالتّعريف لأنواع البشر، وأكثر ما اعتمدنا فيه على قول الإمام المتبحّر أبي محمّد، عليّ بن أحمد بن حزم (١)؛

стр. 7491

لأنّه أجمع من ألف في ذلك (١)، ووصفه فيه الغاية وإن كان تعسف البحث في مواضع منه، ووقف مع الظاهر في آخر. والآراء في الديانات والمعتقدات لا تكاد تحطى ولا يقدر أنها تحصر، ومرجعها كلها - على ما ذكر - إلى ست نحل وأربع ملل. فأما النحل الست، فقال أبو محمد (٢): رؤوس الفرق المخالفة لدين الإسلام ست، ثم تتفرق كل فرقة من هذه الفرق على فرق. ثم رتبها على البعد عن أهل الحق، فقال: أوّلها في البعد عنا مبطلو الحقائق؛ وهم السوفسطائية وهم ثلاثة أصناف. ثم القائلون بإثبات الحقائق إلا أنهم قالوا: إنَّ العالم لم يزل، وإنه لا مُحدث له، ولا مدبر. ثم القائلون بإثبات الحقائق وإنَّ العالم لم يزل وإنَّ له مدبرًا لم يزل. ثم القائلون بإثبات الحقائق، واختلفوا، فقال بعضهم: إنَّ العالم لم يزل، وقال

стр. 7492

بعضهم: إنَّ العالم محدث؛ واتفقوا على أنَّ له مدبّرين لم يزالوا وإنهم أكثر من واحد، واختلفوا في عددهم. ثم القائلون بإثبات الحقائق وإنَّ العالم محدث وإنَّ له خالقًا واحدًا ولم يزل وأبطلوا النبوات كلها. ثم القائلون بإثبات الحقائق وإن العالم محدث، وإنَّ له خالقًا واحدًا لم يزل، وأثبتوا النبوات إلا أنهم خالفوا في بعضها فأقرُّوا ببعض الأنبياء وأنكروا بعضهم. قال أبو محمد (١): وقد تحدث في خلال هذه الأقوال آراء هي منتجة من هذه الرؤوس ومركبة منها، فمنها ما قالت به طوائف من الناس مثلما ذهبت إليه فرق من الأمم من القول بتناسخ الأرواح، أو القول بتواتر النبوات في كل وقت، أو إنَّ في كل نوع من أنواع الحيوانات أنبياء، مثل قول بعضهم: إن العالم محدث وإنَّ له مديرًا لم يزل إلا أن النفس والمكان المطلق - وهو الخلاء - والزمان المطلق لم يزل معه. ومثل قول بعضهم: إنَّ الفلك لم يزل وإنَّه غير الله وإنه هو المدبر للعالم الفاعل له إجلالًا بزعمهم الله تعالى عن أن يوصف بأنّه فعل شيئًا، وقد كنى بعضهم عن ذلك بالعرش. وأما الملل الأربع؛ فالمجوسية، ثم اليهودية، ثم النصرانية، ثم الملة الحنيفية الغراء ملة الإسلام وأتباع خاتم الأنبياء، وإمام المرسلين محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد ذكر أبو محمد جميعها في كتابه «الجامع للملل والنحل» (٢) على اختلاف فرقها، ووضوح صحيحها ومختلفها، وزيف أقوال أهل النحل، وحاج أهل الملل وخصم من يجادل في الله بغير هدى ولا كتاب منير. وبين أكاذيب اليهود والنصارى فيما بأيديهم من الكتب المبدلة من التوراة والإنجيل التي سموها بأسمائها وبدلوها في الأرض بخلاف ما نزلت من سمائها. وعد المجوس أهل ملة وكتاب بدليل حديث ورد، ومذهب طائفة من الصحابة كانوا عليه. وأظهر خللهم في الكتاب الذي زعموا أن زرادشت جاءهم به. واليهود خمس فرق وهم: السامرة، والصدوقية، والغانانية، والربانية، وملكيون، والعيسوية.

стр. 7493

والنصارى ست طوائف: ارموسيون، وملكيون، ونسطوريون، ويعاقبة، ومارونيون، وبولقانيون. وأما هذه الأمة فافترقت بعد نبيها ﷺ على فرق كثيرة، واختلفوا في هذا الاختلاف على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قال أبو محمد بن حزم (١): فرق المقرّين بملة الإسلام خمسة وهي: أهل السنة، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والخوارج. ثم افترقت كل فرقة من هذه على فرق. وقال جعفر بن حميد قلت لعبد الله بن المبارك: على كم افترقت هذه الأمة؟ قال: أهل الأصل أربعة فرق: الشيعة، والحرورية، والقدرية، والمرجئة. فالشيعة ثلاث وعشرون فرقة. والحرورية إحدى وعشرون، والقدرية ست عشر، والمرجئة ثلاث عشرة. وهذا ذكرناه على سبيل الإجمال، وأما من حيث التفصيل ففيه فصول: * * * الفصل الأول في الكلام على مبطلي الحقائق وهم السوفسطائية (٢) قال أبو محمد (٣): ذكر من سلف من المتكلمين أنهم ثلاثة أصناف، فصنف منهم نفوا الحقائق جملة، وصنف منهم شكوا فيها، وصنف منهم قالوا: هي حق عند من هي عنده حق، وهي باطل عند من هي عنده باطل. قال (٤): وعمدة ما ذكر من اعتراضهم هو اختلاف الحواس في المحسوسات، وهذا لا معنى له؛ لأنَّ العقل شاهد بالفرق بين ما يخيل إلى النائم، وبين ما يدركه المستيقظ؛ وكذلك يشهد الحس أيضًا بأنَّ تبدل المحسوس عن صفته اللازمة له إنما هي لآفة له في الحس لا في المحسوس، وهذه لا يُطلب عليها برهان، والذي يطلب على ذلك برهانًا فهو مثبت لبرهان ما يلزم الإذعان له، فإن كان لا يثبت برهانًا فلا وجه لطلب ما لا يثبته لو وجده.

стр. 7494

ويكفي من الردّ عليهم أن يقال لهم: قولكم لا حقيقة للأشياء حق هو أم باطل؟ فإن قالوا: حق، أثبتوا حقيقة ما، وإن قالوا: ليس بحقّ أقرُّوا ببطلان قولهم، ويقال للشكاك: أشككم موجود صحيح منكم أم غير صحيح ولا موجود؟ فإن قالوا: هو موجود صحيح أثبتوا أيضًا حقيقة، وإن قالوا: هو غير موجود ولا صحيح نفوا الشك وأبطلوه. ويقال لمن قال: هي حق عند من هي عنده حق وباطل عند من هي عنده باطل، إنّ الشيء لا يكون حقًا باعتقاد من اعتقد أنه حق كما أنه لا يبطل باعتقاد من اعتقد أنه باطل، وإنما يكون الشيء حقًا بكونه موجودًا ثابتًا، ولو كان غير هذا لكان الشيء موجودًا معدومًا في حالة واحدة، وهذا عين المحال. ومن جملة تلك الأشياء التي تُعتقد أنها حق من يعتقد أن الأشياء حق بطلان قول من قال: إنَّ إدراك الحقائق باطل، وهم قد أقرُّوا إنها حق عند من هي عنده حق، وبطلان قولهم من جملة تلك الأشياء؛ فقد أقروا أن بطلان قولهم حق وهذه الأقوال يعتقدها ذو عقل ولا يشك ذو تمييز أنَّ العلم بهذه الأشياء صحيح يشك فيه من دخلت عقله آفة. * * * الفصل الثاني في الكلام على من قال: إنَّ العالم لم يزل وإنه لا مدبر له (١)! قال أبو محمد، لا يخلو العالم من أحد وجهين؛ إما أن يكون لم يزل، أو أن يكون محدثًا لم يكن ثم كان. فذهبت طائفة إلى أنه لم يزل وهم الدهرية، وذهبت سائر الناس إلى أنه محدث. فمما اعترض به الدهرية أن قالوا: تر شيئًا حدث الأمر شيء أو في شيء؛ فمن ادعى غير ذلك فقد ادعى ما لا يشاهد وقالوا: إن كان العالم محدثًا، فلا يخلو أن يكون أحدثه لذاته أو أحدثه لعلة، فإن كان الأول، فالعالم لم يزل؛ لأن محدثه لم يزل، وإن كان الثاني، فتلك العلة لا تخلو من أحد وجهين؛ إما أن تكون لم تزل، وإما أن

стр. 7495

تكون محدثة، فإن كانت لم تزل، فمعلولها لم يزل، وإن كانت محدثة، لزم في حدوثها أن يكون أحدثها لذاته أو لعلة. وقالوا: إنَّ الأجسام محدثة لم يخل من أحد ثلاثة أوجه: إما أن يكون مثلها من جميع الوجوه، وإما أن يكون خلافها من جميع الوجوه، وإما أن يكون مثلها من بعض الوجوه دون بعض، فإن كان مثلها من جميع الوجوه دون بعض، فإن كان مثلها من جميع الوجوه، لزم أن يكون محدثًا، وإن كان مثلها من بعض الوجوه دون بعض، لزم من مماثلتها في ذلك البعض ما يلزمه من مماثلة لها من جميع الوجوه من الحدوث إذ الحدوث لازم للبعض كلزومه للكل، وإن كن خلافها من جميع الوجوه فمحال أن يفعلها؛ لأن الضد لا يفعل خلافه من جميع الوجوه. وقالوا: فاعل العالم إما أن يكون فعله لإحراز منفعة أو دفع مضرة، أو طباعًا، أو لا لشيء من ذلك، فإن كان لمنفعة أو لدفع مضرّة، فهو محل للمنافع والمضار، وهذه صفة للمحدثات، وإن كان طباعًا، فالطباع موجبة لما حدث بها ففعله لم يزل معه، وإن كان لا لشيء من ذلك، فهذا لا يفعل. وقالوا: لو كانت الأجسام محدثة قبل أن يحدثها فاعلًا لتركها، وتركها لا يخلو من أن يكون جسمًا أو عرضًا، وهذا يوجب أنَّ الأجسام والأعراض لم تزل موجودة. أما إفساد الأول، فيقال: هل تدرك حقيقة شيء عندكم من غير طريق الرؤية والمشاهدة أولًا، فإن قالوا: إنها تدرك حقائق من غير طريق الرؤية، تركوا استدلالهم وأفسدوه، وإن قالوا: لا تدرك إلا بطريق المشاهدة، قيل لهم: فهل شاهدتم شيئًا قط لم يزل؟ فلا بد من نعم أو لا؟ فإن قالوا: لا، صدقوا وبطل قولهم، وإن قالوا: نعم، كابروا إذ مشاهدة الأشياء ذات أوّل بلا شك، وذو الأول غير الذي لم يزل. وأما إفساد الثاني، فهذه قسمة ناقصة، وينقص منها القسم الثالث وهو إنه فعل كما شاؤا. وأما إفساد الثالث فنقول: بل هو تعالى خلافها من جميع الوجوه، وإدخالكم عليه أنه حقيقة الضدّ والضدّ لا يفعل ضده فاسد؛ لأنّه تعالى لا يوصف بأنه ضد لخلقه؛ لأن الضد هو ما حمل التضاد والتضاد هو اقتسام الشيئين طرف له في البعد تحت جنس واحد، فإذا وقع أحدهما، ارتفع الآخر عن الباري ﷻ . وأما إفساد الرابع: إنَّ الفعل لإحراز منفعة أو لدفع مضرة فإنما يوصف به المخلوقون غير المختارين، وكلّها منفية عن الله تعالى، وأما القسم الثالث وهو إن فعل لا لشي من ذلك؛ فهذا قولنا. وأما إفساد الخامس: إنها قسمة فاسدة؛ وذلك أنَّ الجسم هو الطويل العريض
следующие страницы →