← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

لأنّه أجمع من ألف في ذلك (١)، ووصفه فيه الغاية وإن كان تعسف البحث في مواضع منه، ووقف مع الظاهر في آخر. والآراء في الديانات والمعتقدات لا تكاد تحطى ولا يقدر أنها تحصر، ومرجعها كلها - على ما ذكر - إلى ست نحل وأربع ملل. فأما النحل الست، فقال أبو محمد (٢): رؤوس الفرق المخالفة لدين الإسلام ست، ثم تتفرق كل فرقة من هذه الفرق على فرق. ثم رتبها على البعد عن أهل الحق، فقال: أوّلها في البعد عنا مبطلو الحقائق؛ وهم السوفسطائية وهم ثلاثة أصناف. ثم القائلون بإثبات الحقائق إلا أنهم قالوا: إنَّ العالم لم يزل، وإنه لا مُحدث له، ولا مدبر. ثم القائلون بإثبات الحقائق وإنَّ العالم لم يزل وإنَّ له مدبرًا لم يزل. ثم القائلون بإثبات الحقائق، واختلفوا، فقال بعضهم: إنَّ العالم لم يزل، وقال

стр. 7492

بعضهم: إنَّ العالم محدث؛ واتفقوا على أنَّ له مدبّرين لم يزالوا وإنهم أكثر من واحد، واختلفوا في عددهم. ثم القائلون بإثبات الحقائق وإنَّ العالم محدث وإنَّ له خالقًا واحدًا ولم يزل وأبطلوا النبوات كلها. ثم القائلون بإثبات الحقائق وإن العالم محدث، وإنَّ له خالقًا واحدًا لم يزل، وأثبتوا النبوات إلا أنهم خالفوا في بعضها فأقرُّوا ببعض الأنبياء وأنكروا بعضهم. قال أبو محمد (١): وقد تحدث في خلال هذه الأقوال آراء هي منتجة من هذه الرؤوس ومركبة منها، فمنها ما قالت به طوائف من الناس مثلما ذهبت إليه فرق من الأمم من القول بتناسخ الأرواح، أو القول بتواتر النبوات في كل وقت، أو إنَّ في كل نوع من أنواع الحيوانات أنبياء، مثل قول بعضهم: إن العالم محدث وإنَّ له مديرًا لم يزل إلا أن النفس والمكان المطلق - وهو الخلاء - والزمان المطلق لم يزل معه. ومثل قول بعضهم: إنَّ الفلك لم يزل وإنَّه غير الله وإنه هو المدبر للعالم الفاعل له إجلالًا بزعمهم الله تعالى عن أن يوصف بأنّه فعل شيئًا، وقد كنى بعضهم عن ذلك بالعرش. وأما الملل الأربع؛ فالمجوسية، ثم اليهودية، ثم النصرانية، ثم الملة الحنيفية الغراء ملة الإسلام وأتباع خاتم الأنبياء، وإمام المرسلين محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد ذكر أبو محمد جميعها في كتابه «الجامع للملل والنحل» (٢) على اختلاف فرقها، ووضوح صحيحها ومختلفها، وزيف أقوال أهل النحل، وحاج أهل الملل وخصم من يجادل في الله بغير هدى ولا كتاب منير. وبين أكاذيب اليهود والنصارى فيما بأيديهم من الكتب المبدلة من التوراة والإنجيل التي سموها بأسمائها وبدلوها في الأرض بخلاف ما نزلت من سمائها. وعد المجوس أهل ملة وكتاب بدليل حديث ورد، ومذهب طائفة من الصحابة كانوا عليه. وأظهر خللهم في الكتاب الذي زعموا أن زرادشت جاءهم به. واليهود خمس فرق وهم: السامرة، والصدوقية، والغانانية، والربانية، وملكيون، والعيسوية.

стр. 7493

والنصارى ست طوائف: ارموسيون، وملكيون، ونسطوريون، ويعاقبة، ومارونيون، وبولقانيون. وأما هذه الأمة فافترقت بعد نبيها ﷺ على فرق كثيرة، واختلفوا في هذا الاختلاف على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قال أبو محمد بن حزم (١): فرق المقرّين بملة الإسلام خمسة وهي: أهل السنة، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والخوارج. ثم افترقت كل فرقة من هذه على فرق. وقال جعفر بن حميد قلت لعبد الله بن المبارك: على كم افترقت هذه الأمة؟ قال: أهل الأصل أربعة فرق: الشيعة، والحرورية، والقدرية، والمرجئة. فالشيعة ثلاث وعشرون فرقة. والحرورية إحدى وعشرون، والقدرية ست عشر، والمرجئة ثلاث عشرة. وهذا ذكرناه على سبيل الإجمال، وأما من حيث التفصيل ففيه فصول: * * * الفصل الأول في الكلام على مبطلي الحقائق وهم السوفسطائية (٢) قال أبو محمد (٣): ذكر من سلف من المتكلمين أنهم ثلاثة أصناف، فصنف منهم نفوا الحقائق جملة، وصنف منهم شكوا فيها، وصنف منهم قالوا: هي حق عند من هي عنده حق، وهي باطل عند من هي عنده باطل. قال (٤): وعمدة ما ذكر من اعتراضهم هو اختلاف الحواس في المحسوسات، وهذا لا معنى له؛ لأنَّ العقل شاهد بالفرق بين ما يخيل إلى النائم، وبين ما يدركه المستيقظ؛ وكذلك يشهد الحس أيضًا بأنَّ تبدل المحسوس عن صفته اللازمة له إنما هي لآفة له في الحس لا في المحسوس، وهذه لا يُطلب عليها برهان، والذي يطلب على ذلك برهانًا فهو مثبت لبرهان ما يلزم الإذعان له، فإن كان لا يثبت برهانًا فلا وجه لطلب ما لا يثبته لو وجده.

стр. 7494

ويكفي من الردّ عليهم أن يقال لهم: قولكم لا حقيقة للأشياء حق هو أم باطل؟ فإن قالوا: حق، أثبتوا حقيقة ما، وإن قالوا: ليس بحقّ أقرُّوا ببطلان قولهم، ويقال للشكاك: أشككم موجود صحيح منكم أم غير صحيح ولا موجود؟ فإن قالوا: هو موجود صحيح أثبتوا أيضًا حقيقة، وإن قالوا: هو غير موجود ولا صحيح نفوا الشك وأبطلوه. ويقال لمن قال: هي حق عند من هي عنده حق وباطل عند من هي عنده باطل، إنّ الشيء لا يكون حقًا باعتقاد من اعتقد أنه حق كما أنه لا يبطل باعتقاد من اعتقد أنه باطل، وإنما يكون الشيء حقًا بكونه موجودًا ثابتًا، ولو كان غير هذا لكان الشيء موجودًا معدومًا في حالة واحدة، وهذا عين المحال. ومن جملة تلك الأشياء التي تُعتقد أنها حق من يعتقد أن الأشياء حق بطلان قول من قال: إنَّ إدراك الحقائق باطل، وهم قد أقرُّوا إنها حق عند من هي عنده حق، وبطلان قولهم من جملة تلك الأشياء؛ فقد أقروا أن بطلان قولهم حق وهذه الأقوال يعتقدها ذو عقل ولا يشك ذو تمييز أنَّ العلم بهذه الأشياء صحيح يشك فيه من دخلت عقله آفة. * * * الفصل الثاني في الكلام على من قال: إنَّ العالم لم يزل وإنه لا مدبر له (١)! قال أبو محمد، لا يخلو العالم من أحد وجهين؛ إما أن يكون لم يزل، أو أن يكون محدثًا لم يكن ثم كان. فذهبت طائفة إلى أنه لم يزل وهم الدهرية، وذهبت سائر الناس إلى أنه محدث. فمما اعترض به الدهرية أن قالوا: تر شيئًا حدث الأمر شيء أو في شيء؛ فمن ادعى غير ذلك فقد ادعى ما لا يشاهد وقالوا: إن كان العالم محدثًا، فلا يخلو أن يكون أحدثه لذاته أو أحدثه لعلة، فإن كان الأول، فالعالم لم يزل؛ لأن محدثه لم يزل، وإن كان الثاني، فتلك العلة لا تخلو من أحد وجهين؛ إما أن تكون لم تزل، وإما أن

стр. 7495

تكون محدثة، فإن كانت لم تزل، فمعلولها لم يزل، وإن كانت محدثة، لزم في حدوثها أن يكون أحدثها لذاته أو لعلة. وقالوا: إنَّ الأجسام محدثة لم يخل من أحد ثلاثة أوجه: إما أن يكون مثلها من جميع الوجوه، وإما أن يكون خلافها من جميع الوجوه، وإما أن يكون مثلها من بعض الوجوه دون بعض، فإن كان مثلها من جميع الوجوه دون بعض، فإن كان مثلها من جميع الوجوه، لزم أن يكون محدثًا، وإن كان مثلها من بعض الوجوه دون بعض، لزم من مماثلتها في ذلك البعض ما يلزمه من مماثلة لها من جميع الوجوه من الحدوث إذ الحدوث لازم للبعض كلزومه للكل، وإن كن خلافها من جميع الوجوه فمحال أن يفعلها؛ لأن الضد لا يفعل خلافه من جميع الوجوه. وقالوا: فاعل العالم إما أن يكون فعله لإحراز منفعة أو دفع مضرة، أو طباعًا، أو لا لشيء من ذلك، فإن كان لمنفعة أو لدفع مضرّة، فهو محل للمنافع والمضار، وهذه صفة للمحدثات، وإن كان طباعًا، فالطباع موجبة لما حدث بها ففعله لم يزل معه، وإن كان لا لشيء من ذلك، فهذا لا يفعل. وقالوا: لو كانت الأجسام محدثة قبل أن يحدثها فاعلًا لتركها، وتركها لا يخلو من أن يكون جسمًا أو عرضًا، وهذا يوجب أنَّ الأجسام والأعراض لم تزل موجودة. أما إفساد الأول، فيقال: هل تدرك حقيقة شيء عندكم من غير طريق الرؤية والمشاهدة أولًا، فإن قالوا: إنها تدرك حقائق من غير طريق الرؤية، تركوا استدلالهم وأفسدوه، وإن قالوا: لا تدرك إلا بطريق المشاهدة، قيل لهم: فهل شاهدتم شيئًا قط لم يزل؟ فلا بد من نعم أو لا؟ فإن قالوا: لا، صدقوا وبطل قولهم، وإن قالوا: نعم، كابروا إذ مشاهدة الأشياء ذات أوّل بلا شك، وذو الأول غير الذي لم يزل. وأما إفساد الثاني، فهذه قسمة ناقصة، وينقص منها القسم الثالث وهو إنه فعل كما شاؤا. وأما إفساد الثالث فنقول: بل هو تعالى خلافها من جميع الوجوه، وإدخالكم عليه أنه حقيقة الضدّ والضدّ لا يفعل ضده فاسد؛ لأنّه تعالى لا يوصف بأنه ضد لخلقه؛ لأن الضد هو ما حمل التضاد والتضاد هو اقتسام الشيئين طرف له في البعد تحت جنس واحد، فإذا وقع أحدهما، ارتفع الآخر عن الباري ﷻ . وأما إفساد الرابع: إنَّ الفعل لإحراز منفعة أو لدفع مضرة فإنما يوصف به المخلوقون غير المختارين، وكلّها منفية عن الله تعالى، وأما القسم الثالث وهو إن فعل لا لشي من ذلك؛ فهذا قولنا. وأما إفساد الخامس: إنها قسمة فاسدة؛ وذلك أنَّ الجسم هو الطويل العريض

стр. 7496

العميق، وترك الفعل ليس واحدًا من ذلك، فترك فعل الله للجسم إنما هو عدم محض، والعدم ليس معنى، وترك الفعل ليس فعلًا بخلاف خلقه؛ لأنَّ الترك من المخلوق للفعل فعل، برهان ذلك أنَّ ترك المخلوق للفعل لا يكون إلا بفعل منه آخر ضرورة كتارك الحركة لا يكون إلا بفعل السكون، وكتارك القيام لا يكون إلا باشتغاله بفعل آخر من قعود أو غيره. ونورد البراهين على إثبات حدوث العالم وأن له محدثًا لا إله إلا هو: «برهان أول»: إن كل شخص في العالم، وكل عرض في شخص وكل زمان فكل ذلك متناه ذو أول يشاهد ذلك حسًّا وعيانًا؛ لأنَّ تناهي الشخص ظاهر بمساحته وأيضًا بزمان وجوده، وتناهي العرض المحمول ظاهر بتناهي الجسم الحامل له، وتناهي الزمان موجود باستئناف ما يأتي منه لعدم الماضي وقتًا قبل وقت بعد وجوده، واستئناف آخر. وكل جملة من جمل الزمان فهي مركبة من أزمنة متناهية، وكل جملة أشخاص فهي مركبة من أشخاص متناهية، وكل مركب فليس هو شيئًا غير أجزائه وأجزاؤه متناهية، فالجمل كلها بلا شك متناهية والعالم إنّما هو أشخاصه ومكانه وأزمانها ومحمولاتها فصح أن العالم أولًا. «برهان ثانٍ»: إنَّ كل موجود بالفعل فقد حصره العدد، واختصته طبيعته، ومعنى الطبيعة، وحدها قوة في الشيء يوجد بها على ما هو عليه وحصر العدد وإحصاء الطبيعة نهاية صحيحة، والعالم كله محصور بالعدد محصى بالطبيعة فالعالم كله ذو نهاية. «برهان ثالث»: إنَّ ما لانهاية له فلا سبيل إلى الزيادة فيه، إذ معنى الزيادة فيه إنما هو أن نضيف إلى ذي النهاية شيئًا من جنسه يزيد ذلك في عدده أو في مساحته، فإن كان الزمان لا أول له، يكون به متناهيًا في عدده الآن، فإذًا كلما زاد فيه ويزيد من الأزمنة مما يأتي فإنه لا يزيد في الزمان شيئًا وفي شهادة الحسّ ان كلما وجد من الأعوام على الأبد إلى زماننا هذا أكثر مما وجد من الأعوام على الأبد إلى وقت هجرة رسول الله ﷺ . ولأن ما لا نهاية له فلا يمكن البتة أن يكون عددًا أكثر منه بوجه من الوجوه، فوجبت النهاية في الزمان من قبل ابتدائه ضرورة، ويجب أيضًا لمن ذلك ان الحس يوجب ضرورة إنَّ أشخاص الإنس مضافة إلى أشخاص الخيل أكثر من أشخاص الإنس مفردة عن أشخاص الخيل، ولو كانت الأشخاص لا نهاية لها، لوجب أنَّ ما له نهاية أكثر مما لا نهاية له، وهذا محال. وأما ما لم يأتِ من زمان أو شخص أو عرض بعد، فليس ذلك شيئًا فلا يقع عليه

стр. 7497

عدد ولا نهاية ولا يوصف بشيء أصلًا، وأيضًا فلا شك في إن ما وقع وجد من الزمان إلى يومنا هذا مساوٍ لما من يومنا هذا إلى ما وقع من الزمان معكوسًا، وواجبه فيه الزيادة بما يأتي من الزمان والمساوي لا يقع إلا في ذي نهاية. قال أبو محمد: وقد ألزمتُ بعض الملحدين هذا البرهان فأراد أن يعكسه في بقاء الباري ووجوده فأخبرته أنَّ هذا شغب؛ لأنَّ الباري ليس في زمان ولا له مدة. برهان رابع: إن كان العالم لا أول له فالاحصاء بالعدد والطبيعة له محال، إذ لو أحصي، لكان له نهاية فإذ لا سبيل إليه، فكذلك أيضًا هو محال أن تكون الطبيعة والعدد أحصيا ما لا نهاية له، فالعدد والطبيعة لم يحصيا ذلك وقد تيقنا وقوع العدد والطبيعة في كل ما خلا من العالم، فإذًا فللعالم أول ضرورة. برهان خامس: لا سبيل إلى وجود ثانٍ إلا بعد أول، ولا إلى وجود ثالث إلا بعد ثان، وهكذا أبدًا، فلو لم يكن لأجزاء العالم أوّل لم يكن ثانٍ ولو كان الأمر هكذا لم يكن عدد ولا معدود، وفي وجودنا جميع مما في العالم معدود إيجاب لما ذكر. وفي صحة هذا وجوب أول ضرورة، وقد نبه الله عليه بقوله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (١)، وأيضًا فالآخر والأول من باب المضاف فلو لم يكن أول، لم يكن آخر، ويومنا هذا بما فيه آخر لكل موجود إذ لم يأت بعد ولا وقع عليه شيء فله أول ضرورة. وقد عارض هذا بعض الملحدين بخلود الجنة والجنة، فقيل له: إنما أخرتا خلود دارين الجزاء على هذا الوجه لكن على أنَّ الله ينشئ لكل ذلك بقاء محدودًا وقتًا بعد وقت، فالأول والآخر جاريان في كل موجود من ذلك فانقطع الملحد، فثبت - بما ذكرنا - أن العالم ذو أوّل وإن كان كذلك فلا بد من ثلاثة أوجه لا رابع لها؛ إما أن يكون أحدث ذاته، وإما يكون حدث بغير أن يحدثه غيره، وبغير أن يحدث نفسه، وإما أن يكون قد أحدثه غيره. فالأول باطل محال؛ لأنَّ ذات الشيء هي هو، وهذا يوجب أن يكون الشيء غير ذاته، والثاني باطل؛ لأنه لا حال أولى بخروجه إلى الوجود من حال أخرى، ولا حال أصلًا هنالك فلا سبيل إلى خروجه، وخروجه مشاهد متيقن، وحال الخروج يلزم في حدثها ما لزم في حدث العالم من التقسيم بين أن يكون خرجت أنفسها، أو أخرجها غيرها إلى آخره، فقد تعيّن الوجه الثالث ضرورة.

стр. 7498

ومن ذلك تراكيب الأفلاك ودورانها على اختلاف مراكزها ودورانها من غرب إلى شرق، ودوران الفلك التاسع بخلاف ذلك من شرق إلى غرب، وإدارته لجميع الأفلاك مع نفسه فحدث من ذلك حركتان متعارضتان في حركة فبالضرورة يعلم أنَّ لها محركًا على هذه الوجوه المختلفة. ومن ذلك تراكيب أعضاء الحيوان وتراكيب عروقه وعصبه لا شك فيه أن له صانعًا. ومن ذلك ما يظهر في الأصباغ الموضوعة على جلود كثير من الحيوان أو ريشه ووبره وشعره، وكونه على رتبة واحدة لا تختلف كأذناب الطواويس وغيرها، وما يرى في ليف النخل من النسج المصنوع، وليس هذا البتة من فعل طبيعة فصح أنه فعل خالق أول واحد. *** الفصل الثالث في الكلام على من قال: إنَّ العالم لم يزل وله مع ذلك فاعل لم يزل (١) قال أبو محمد: اعتمد أهل هذه المقالة على أن قالوا: إن فعل الباري إنما هو جوده وحكمته وقدرته، وهو لم يزل جوادًا حكيمًا قادرًا، فالعالم لم يزل إذ علته لم تزل. فهذا فاسد بالدلالة التي قدمنا في حدوث العالم. ثم نقول: إنما يلزم هذا من أقرَّ بهذه؛ من أنَّ العالم علة، وأما نحن فنقول: إنَّه لا علة لتكوين الله . ثم نقول: إنَّ المفعول هو المنتقل من العدم إلى الوجود، وهذا هو المحدث، وهم يقولون: إنه لم يزل، وهذا خلاف المعقول؛ لأنَّ الذي لم يكن ثم كان هو غير الذي لم يزل، فإن كان قال قائل: لما كان الباري ﷻ غير فاعل على قولكم ثم صار فاعلًا فقد لحقته استحالة وتعالى الله عن ذلك. قلنا هذا السؤال راجع عليكم؛ لأنه إن كان عندكم أنه فعل بعد أن كان غير فاعل يوجب الاستحالة عليه، فإن فعله لما أحدث من الإعراض عندكم بعد أن كان غير محدث، وإعدام ما عدم منها بعد الوجود موجب عليه الاستحالة.

стр. 7499

وأما نحن فنقول: إنَّ الاستحالة ليست ما ذكرتم، وإنما هي حدوث شيء في المستحيل لم تكن فيه قبل ذلك صار به مستحيلًا عن صفته المحمولة فيه إلى غيرها، وهذا منفي عن الله تعالى. * * * الفصل الرابع في الكلام على من قال: إنَّ للعالم خالقًا لم يزل، وإنَّ النفس والمكان المطلق - الذي هو الخلاء - والزمان المطلق - الذي هو المدة - لم تزل موجودة وإنها غير محدثة (١). قال أبو محمد: النفس عند هؤلاء جوهر قائم بنفسه، حامل لأعراض لا متحرك ولا متقسم ولا ممكن في مكان، والمكان المعهود ضدّ ما هو المحيط بالمتمكن من جهاته أو من بعضها والزمان المعهود هو مدة وجود الفلك وما فيه من الحوامل والمحمولات. وهم يقولون: إنَّ الزمان المطلق والمكان المطلق غير ما حددنا وهما شيئان متغايران. ويكفي من بطلان قولهم إقرارهم بما لا يعهد بلا دليل. ولا بد من إيراد البراهين على بطلان دعواهم. فيقال لهم: أخبرونا عن هذا الخلاء الذي أتيتم، وقلتم إنه كان موجودًا قبل حدوث الفلك وما فيه هل بطل بحدوث الفلك ما كان منه في مكان الفلك، أو لم يبطل؟ فإن قالوا: لم يبطل، قيل: فهل انتقل عن ذلك المكان بحدوث الفلك فيه أو لم ينتقل؟ فإن قالوا: لم ينتقل - وهو قولهم - قيل: فأين حدث الفلك وقد كان في موضعه قبل حدوثه معن ثابت موجود قائم بنفسه عندكم؟ فإن كان حدث في غيره فهنا مكان آخر إذا غير الذي سميتموه خلاء، وإن كان الفلك حدث فيه، والفلك ملاء ولم ينقل الخلاء عندكم ولا بطل فالفلك إذا خلاء وملاء وهذا محال.

стр. 7500

فإن قالوا: بطل ما كان فيه في موضع الفلك أو قالوا: انتقل فقد أوجبوا له النهاية ضرورة؛ إما من طريق الوجود بالبطلان، وإما من طريق المساحة بالنقلة. ويُسألون عن هذا الخلاء الذي هو عندهم مكان لا متمكن فيه هل له مبدأ متصل بصفحات الفلك الأعلى أم لا؟ فإن قالوا: لا مبدأ له وهو قولهم، قيل لهم: إنَّ قول القائل مكان إنما يفهم منه ما يتمثل في النفس من المقصود بهذه اللفظة وموضعها في اللغة ليكون عبارة للتفاهم عن المراد بها أنها ساحة ولا بد للساحة من الذرع، ولا بد للذرع من مبدأ. فإن لم يكن له أول، لم يكن عدد، وإذا لم يكن عدد لم يكن ذرع، وإذ لم يكن ذرع لم يكن مساحة. وإن قالوا له مبدأ من هنالك، وجبت له النهاية له ضرورة. ويُسألون أيضًا، أمماس هذا الفلك أم غير مماس، وبائن عنه أم غير بائن. فإن قالوا: لا مماس ولا مباين، فهذا أمرٌ لا يُعقل إلا في الأعراض، وهم لا يقولون: إنَّ الخلاء عرض، وإن أثبتوا المماسة وجب إثبات النهاية. قال أبو محمد (١): ومما يبطل هذا الخلاء أنا نرى الأرض والماء والأجسام الترابية من الصخور ونحو ذلك طباعها السفل أبدًا وطلب المركز، ولا يفارق هذا الطبع فتصعد إلا بقهر يغلبها، ونجد النار والهواء طبعهما الصعود والبعد عن المركز، ولا يفارق هذا الطبع إلا قسرًا فإذا زالت تلك الحركة القسرية، رجعا إلى طبعهما، ونجد الآن المسمى «سارقة الماء» يبقى الماء فيها صعدًا ولأسفل، ونجد الزراقة ترفع التراب والزئبق والماء، ونجد إذا حفرنا بئرًا امتلأ هواء، وسفل الهواء حينئذ، ونجد المحجة تمتص الجسم الأرضي إلى نفسها فليس هذا إلا لأحد وجهين أم عُدَّ الخلاء جملة كما يقول. وأما أن طبع الخلاء يجتذب هذه الأجسام إلى نفسه كما يقول من يثبت الخلاء، وهذه دعوى بلا دليل، وهو عائد عليهم؛ لأنه إذا اجتذب الأجسام ولا بد فقد صار ملاء، والملاء موجود حاضر، والخلاء لا برهان عليه. وقولهم يعلم بالمشاهدة وذلك أننا لم نجد مكانًا يبقى خاليًا فقط دون متمكن فصح بالضرورة. ثم نقول (٢): إن كان خارج الفلك خلاء على قولكم، فلا يخلو من أن يكون من

стр. 7501

جنس هذا الخلاء الذي تدعون إنَّه يجذب الأجسام بطبعه أو من غير جنسه، فإن قالوا: من جنسه، فقد أقرُّوا انَّ طبع هذا الخلاء الغالب لجميع الطبائع هو أن يجذب المتمكنات إلى نفسه فيمتليء بها حتى إنه يحيل قوى العناصر عن طبائعه فوجب أن يكون الخلاء الخارج عن الفلك كذلك ضرورة أيضًا؛ لأنَّ هذه صفة طبعه، وإذا كان هذا هكذا فذلك الخلاء عندهم لا نهاية له، فالجسم المالئ له أيضًا لا نهاية له. وقد تقدم أنه لا يجوز جسم لا نهاية له فالخلاء باطل. * * * الفصل الخامس في الكلام على من قال: إنَّ فاعل العالم ومدبّره أكثر من واحد (١) قال أبو محمد: افترق القائلون بذلك فرقًا، ثم ترجع هذه الفرق إلى فرقتين أحداهما تذهب إلى أنَّ العالم غير مدبر به، وهم القائلون بتدبير الكواكب السبعة وأزليتها، وهم المجوس، وهم يعظمون الأنوار والنيران وقد يضاف إليهم الصابئون الذين يقولون بقدم الأصلين نحو قول المجوس إلا أنَّهم يقولون بتعظيم الكواكب السبعة والبروج الإثنى عشر، ويصوّرونها في هياكلهم، ويقرّبون لها الذبائح وهو كان أصل الأوثان في العرب حتى آل الأمر إلى عبادتهم إياها. ويدخل في هذه الفرقة من وجه وتخرج من وجه النصارى لقولهم بالتثليث، وان خالق الخلق ثلاثة، وأما الذين يخرجون منه فقولهم: إنَّ الثلاثة واحد. وأما الفرقة الثانية، فإنها تذهب إلى أنَّ العالم هم مدبّروه لا غيرهم البتة، وهم الديصانية، والمزقونية، والمنانية، والقائلون بأزلية الطبائع الأربع، وإنها بسائط غير ممتزجة، ثم حدث الامتزاج فحدث العالم بامتزاجها. فأما المنانية، فإنَّهم يقولون بقدم الأصلين النور والظلمة، وإنَّ النور والظلمة حيان، وإنَّهما غير متناهيين إلا من جهة الملاقاة، وقال: ما في الظلمة حياة، وقال ديصان: هي موات، وقالت المرقونية أيضًا كذلك، إلا أنهم قالوا: نور وظلمة لم يزالا وثالث أيضًا بينهما لم يزل.

стр. 7502

فهذه الفرق مطبقة على أنَّ الفاعل أكثر من واحد، وعمدة ما عوّلوا عليه استدلالان أحدهما استدلال المنانية والديصانية والمجوس والصابئة، ومن ذهب مذهبهم، قالوا: وجدنا الحكيم لا يفعل الشر ولا يخلق خلقًا ثم يسلط عليه غيره. وهذا عبث في المعهود. ووجدنا العالم ينقسم إلى قسمين كُلّ قسم ضد الآخر كالخير والشر والحياة والموت والصدق والكذب وغير ذلك، فعلمنا أنّ الحكيم لا يفعل إلا الخير وما يليق به فعله، وأنَّ الشرور لها فاعل يليق بها. والثاني عوّل عليه من قال بتدبير الكواكب، ومن قال بالبطائع. قالوا: لا يفعل الفاعل أفعالا مختلفة إلا بأحد وجوه أربعة؛ إما أن يكون ذا قوى مختلفة، وإما بآلات مختلفة، وإما باستحالة، وإما بفعل في أشياء مختلفة؛ فلما بطلت هذه، علمنا بذلك أنَّ الفاعلين كثير، وأن كل واحد يفعل ما يشاكله. والجواب عن الأول: هل يخلو علمكم بأنَّ هذا شر وعبث من أحد وجهين إما أن تكونون علمتموه بسمع وردّ لكم وخبر، وأما بضرورة العقل؛ فإن كان من الأول، قيل: هل معنى السمع الآتي غير أن مبتدع الخلق سمى هذا الشيء شرًا، وهذا خيرًا، فلا بد من نَعَمْ! إذْ هذا معنى لازم عند كل من قال بالسمع فحينذ إنما صار الشر لنهي الواحد الأول عنه، وكذلك الخير لأمره به فإذا كان هذا، فقد ثبت أن من لا مبدع له، ولا أمر فوقه لا يكون شيء من فعله شرًا إذ السبب في كونه شرًا هو الإخبار ولا مخبر يلزم طاعته إلا الله تعالى. فإن قيل: كيف يفعل هو شيئًا قد أخبر أنه شر؟ قيل: هو - تعالى - ليس يفعل في الجسم فيما يشاهد غير الحركة والسكون، والحركة جنس واحد، والسكون جنس واحد، وإنما أمر ببعضها ونهى عن بعضها ولم يفعل هو - تعالى - الحركة على أنه متحرك بها ولا السكون على أنه ساكن به وإنما فعلها على سبيل الإبداع، وكذلك اعتقادات النفس ما نهيت عنه، وهذا كله غير موصوف به الباري، وإن قالوا: علمنا ذلك ببديهة العقل، قيل: العقل قوة من قوى النفس، وداخلًا تحت الكيفية على الحقيقة أو تحت الجواهر، وإنما يؤثر فيما هو من شكله في باب الكيفيات فيميّز بين خطئها وصوابها، وأما فيما هو فوقه وفيما لم يزل والعقل معدوم، وفي مخترع العقل فلا تأثير فيه له، ويقال لهم: إنَّ التزمتم أن يكون فاعل الشر عابثا وقررتم بذلك منع كون فاعل العالم واحدًا، فقد علمنا فيما بيننا أن تارك الشيء لا يغيّره عابث ظالم ولا يخلو فاعل الخير عندكم من أن يكون قادرًا على تغيير الشر أولا فإن قلتم إنه قادر على تغييره ولم يغيره، فقد صار عندكم عابثًا، وإن قلتم: إنه غير قادر، فهو بلا

стр. 7503

شك عاجز ضعيف وهذه صفة سوء عندكم. قال أبو محمد (١): والمنائية تزعم أنَّ النور كان في العلو إلى ما لا نهاية له، وأنَّ الظلمة في السفل إلى ما لانهاية له، وأنهما متناهيان من جهة الملاقاة وأنَّ اللذة للنور خاصة، وأن الأذى للظلم خاصة. قال أبو محمد (٢): بطلان القول في عدم التناهي فقد أبطلناه، وأما قولهم بالعلو والسفل، ففاسد؛ لأنَّ السفل لا يكون سفلًا إلا بالإضافة، وكذلك العلو فكل علو سفل لما فوقه حتى ينتهي إلى الصفحة العليا، وهم لا يقرون بها، وكل سفل فهو علوّ لما تحته حتى ينتهي إلى المركز، وهم لا يقرون بها، فصح ضرورة أن في الظلمة على قولهم علوًا، وفي النور سفلًا. وأما قولهم في اللذة والأذى ففاسد؛ لأنَّ اللَّذة لا تكون إلا بالإضافة وكذلك الأذى فالإنسان لا يلتذ بما يلتذ به الحمار، ويتأذى بما يتأذى به الأفعى؛ فبطل قولهم. وأما الجواب عن الثاني فهو استدلال فاسد؛ لأنَّهم إنما عولوا فيه على الأقسام الموجودة في العالم، وقد قدمنا البراهين الضرورية على حدث العالم على أنَّ محدثه لا يشبهه في شيء من الأشياء فلا سبيل إلى أن يدخل في شيء تحت هذه الأقسام. وما يدلُّ على تناهي الأصلين أنهما عندهما جسمان، والجسم متناه ضرورة. أن تقول: لا يخلو كل جرم من الأجرام من أن يكون متحركًا أو ساكنًا فإن كان متحرّكًا فقد علمنا أن المسافة التي لا تتناهى لا تقطع أصلًا، لا في زمان متناه، ولا في زمان غير متناه. ثم لا تخلو حركته إما أن تكون باستدارة أو إلى جهة من الجهات، وأيًا ما كان فهو متناه لذلك ضرورة؛ لأنه نقله من مكان إلى مكان. وإن قلتم: هو ساكن، قلنا: اقطعوا من هذا الجرم قطعة بالوهم فإذا توهموا ذلك سألناهم متى كان هذا الجرم أعظم أقبل أن يقطع منه أو بعد؟ فأيا ما قالوا، فقد أثبتوا النهاية إذ لا تقع الكثرة والقلة والتساوي إلا في ذي نهاية. قال أبو محمد (٣): وكلّما ألزمناه من يقول بأنَّ الأجسام لم تزل فهو لازم بعينه لمن يقول: إنَّ الكواكب السبعة والاثنى عشر برجًا لم تزل؛ لأنها أجسام جارية تحت أقسام الفلك وحركته.

стр. 7504

وأما من جعل الفاعل أكثر من واحد، وإنّهم غير العالم كالمجوس والصابئين والمزدقية ومن قال بالتثليث من النصارى فيدخل عليهم من الدلائل الضرورية أيما ما كان أكثر من واحد فهو واقع تحت جنس العدد، وما كان واقعًا تحت جنس العدد، فهو نوع من أنواع العدد، وما كان نوعًا، فهو مركب من جنسه العام له ولغيره، ومن فصل خصه ليس في غيره فله موضوع؛ وهو الجنس القابل لضرورته وصورة غيره من أنواع ذلك الجنس، وله محمول وهو الصورة التي خصته دون غيره من أنواع، فهو ذو موضوع وذو محمول؛ فهو مركب من جنسه وفصله، والمركب مع المركب من باب المضاف الذي لا بد لكل واحد منهما من الآخر فأما المركب، فإنما يقتضي وجود المركب من وقت ركبه، وحينئذ يسمى مركبًا لا قبل ذلك؛ وأما الواحد فليس عددًا. ومن البراهين على أن فاعل العالم ليس إلا واحدًا؛ أنَّ العالم لو كان مخلوقًا لاثنين فصاعدًا، لم يخل من أن يكونا لم يزالا مشتبهين أو مختلفين، فأيًا ما قالوا فقد أثبتوا معنى فيهما، أو في أحدهما به اشتبها أو به اختلفا فإن نفوا ذلك، فقد نفوا الاختلاف والاشتباه معًا، ولا يجوز ارتفاعهما معًا أصلًا؛ لأنَّ ذلك محال وموجب للعدم؛ لأنَّ وجود شيئين لا يشتبهان في شيء ولا يختلفان بوجه من الوجوه محال إذ في ذلك عدمهما؛ لأنَّ هذه الصفة معدومة، وإذا كانت معدومة فحاملها معدوم؛ وهم قد أثبتوا وجودها فيلزمهم القول بوجود معدوم في وقت واحد من وجه واحد، وهذا محال؛ وإذا أثبتوهما موجودين لم يزالا، فقد أثبتوا لهما معاني قد اشتبها فيها، وهي كونهما مشتبهين في الفعل، مشتبهين في الوجود، مشتبهين في أن لا يزالا، ولا يجوز أن تكون هذه الأشياء ليست غيرهما؛ لأنّها صفات عمتهما أعني اشتباههما في المعاني المذكورة، فإن اشتباههما هو هما فهما شيء واحد، وكذلك أيضًا يلزم في كونهما مختلفين في أنَّ كلّ واحد منهما غير صاحبه، فإن كان هذا الاختلاف فيهما هو - غيرهما فههنا ثالث، وهكذا أيضًا أبدًا. وإنَّ التغاير هو هما، والاشتباه هو هما فالتغاير هو الاشتباه وهذا هو عين المحال، وبالله التوفيق. * * * الملل الأربع [المجوس] وأما الملل الأربع فقد قدمنا تعدادها. ونبدأ بالكلام على المجوس إذ كانوا أقدمهم في سكن الأرض، ولسرعة ما هدم

стр. 7505

في مبانيهم النقض، ونختم بالإسلام إذ كان لها من مسك ختام، وبالله التوفيق، وهو يهدي إلى سواء الطريق. قد قدمنا أنهم أهل ملة وكتاب. قال أبو محمد (١): وأما زرادشت، فقد قال كثير من المسلمين بنبوته. ثم قال: وليست النبوة بمدفوعة قبل رسول الله ﷺ لمن صحت معجزته. قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (٣). وقالوا: إنَّ الذي ينسب إليه المجوس من الأكذوبات باطل مفترى منهم. قال (٤): وبرهان ذلك أن المنانية تنسب إليه مقالتهم، والمرقونية تنسب إليه مقالتهم، وأقوال هؤلاء كلها متضادة لا سبيل أن يقول بها قائل واحد صادق ولا كاذب في وقت واحد؛ وكذلك المسيح ﵇ ينسب إليه الملكانية قولهم في التثليث، وتنسب إليه النسطورية قولهم أيضًا، وكذلك اليعقوبية، وهذا برهان ظاهر على كذب جميعهم عليهما بلا شك. قال: وبالجملة فكل كتاب وشريعة كانا مقصورين على رجال من أهلها، وكانا محظورين على من سواها فالتبديل والتحريف مضمون فيهما. وكتاب المجوس وشريعتهم إنما كان طول مدة دولتهم عند الموبذ، وعند ثلاثة وعشرين هربذًا؛ لكل هربذًا سفر قد أفرد به لا يشاركه فيه غيره من الهرابذة ولا من غيرهم ولا يباح شيء من ذلك لأحد سواهم. ثم حصل الخرم بإحراق الإسكندر لكتابهم أيام غلبته على دارا ابن دارا. وهم مقرون - بلا خلاف منهم - أنَّه ذهب منه مقدار الثلث؛ ذكر ذلك سر الناسك وغيره من علمائهم. وقد نقلت كواف المجوس المعجزات عن زرادشت كالصفر الذي أفرغ وهو مذاب على صدره فلم يضره، وقوائم الفرس التي غاصت في بطنه فأخرجها وغير ذلك. قال (٥): وممن قال: إنَّ المجوس أهل كتاب: علي بن أبي طالب، وحذيفة، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وأبو ثور، وجمهور أصحاب الظاهر.

стр. 7506

ويكفي من ذلك صحة أخذ رسول الله ﷺ الجزية منهم وقد حرم الله في نص القرآن في آخر سورة نزلت - وهي براءة - أن تؤخذ الجزية من غير كتابي، فإذا أخذها منهم هم أهل كتاب. فأما من مزدك وكان على عهد أنوشروان بن قباذ، وكان يقول بوجوب تواسي الناس في النساء، والأموال. قلت: ويكفي في بطلان مذهبه أن أنوشروان قبله برأي أهل ملته فإذ كفروه في شرعتهم لمخالفته لها، فنحن أولى بتكفيره، ومن احتج له، أبطلت حجته بتكفير أهل ملّته. *** فصل في الكلام على اليهود (١) وهم خمس فرق كما تقدم. أما السامرية فيقولون: إنَّ مدينة القدس نابلس وهي على ثمانية عشر ميلًا من القدس، ولا يعرفون حرمة لبيت المقدس، والتوراة التي بأيديهم غير التي بأيدي سائر اليهود. وهم يبطلون كل نبوة كانت في بني إسرائيل بعد موسى ﵊ وبعد يوشع ﵇ كشمعون، وداود ﵇ وسليمان، وأشعيا، واليسع، والياس وغيرهم، ولا يقرون بالبعث البتة، وهم بالشام لا يستحلون الخروج عنه. والصدوقية - نسبوا إلى رجل يقال له صدوق - وهم يقولون من بين سائر اليهود. إنَّ العزير ابن الله تعالى الله عن ذلك. وكانوا نجمة اليمن. والغانانية - أصحاب غانان الداودي اليهودي - وتسميهم اليهود العراس والمس، وقولهم: إنهم لا يتعدون شرائع التوراة وما جاء في كتب الأنبياء ﵈ ويتبرأون من قول الأحبار؛ وهذه الفرقة بالعراق ومصر والشام، وهم من الأندلس بطليطلة وطلبيرة. والربانية - وهم الأشعبية - وهم القائلون بأقوال الأحبار، وهو جمهور اليهود. والعيسوية وهم أصحاب أبي عيسى الأصبهاني رجل من اليهود كان بإصبهان. قال ابن حزم (٢): وبلغني أنَّ اسمه كان محمد بن عيسى، وهم يقولون بنبوة عيسى

стр. 7507

ابن مريم، ومحمد ﷺ ويقولون: إنَّ عيسى بعث إلى بني إسرائيل على ما جاء في الإنجيل، وإنَّ محمدًا ﷺ نبي أرسل بشرائع القرآن إلى بني إسماعيل وسائر العرب كما كان أيوب نبيًا، وبلعام نبيًا في بني مولب بإقرار من جميع اليهود. وقال ابن حزم - في مكان آخر: وقدمنا هنا إذ كان منهما يجب تقديمه، (١) ومعناه أن التواتر منقطع عند اليهود والنصارى بخلاف المسلمين، زادهم الله ثباتًا. أما اليهود؛ فلأن نقلهم لشريعة السبت وسائر شرائعهم إنَّما يرجعون فيها إلى التوراة، وينقطع نقل ذلك، وتنقل التوراة أطباقهم على أن أوائلهم كفروا بأجمعهم، وبرئوا من دين موسى ﵇ وعبدوا الأوثان علانية دهورًا طوالًا. ومن المحال أن يكون ملك كافر عابد أوثان هو وأمته كلها معه كذلك يقتلون الأنبياء ويحرقونهم ويقتلون من دعا إلى الله يشتغلون بسبت أو بشريعة مضافة إلى الله تعالى. وأما النصارى، فيقطع بهم عدم نقلهم إلا عن خمسة رجال فقط، فقد ظهر انقطاع التواتر عندهم. وأما المسلمون، فإنَّهم على خلافهم لاتصال حبل التواتر عندهم، ونقل المسلمين ينقسم إلى ستة أقسام فأولها ما ينقله أهل المشرق والمغرب عن أمثالهم جيلًا جيلًا كنقل القرآن العظيم، وأن محمدًا أتى به عن ربه وكذلك الصلوات الخمس في كل يوم من أوقاتها وصيام شهر رمضان والحج في وقته المعروف وكالزكاة، وسائر الشرائع التي نطق بها القرآن، وكآياته من شق القمر، ودعاء اليهود إلى تمني الموت، والنصارى إلى المباهلة، والعرب إلى المجيء بمثل القرآن، وسائر ما هو نص القرآن مقر ومنقول؛ وليس عند اليهود ولا عند النصارى من هذا النقل شيء أصلًا؛ كما تقدم القول. ثم نقل الكافة عن مثلها حتى يبلغ الأمر إليه ﷺ ككثير من آياته ومعجزاته، وكمناسك الحج، وزكاة البر والشعير والتمر وغير ذلك. ثم ما ينقله الثقة عن الثقة عن النبي ﷺ إلينا؛ وكل من النقلة معروف العين والعدالة والزمان والمكان، وهذا شيء خص الله به الإسلام. ثم شيء نقله الكافة أو الواحد الثقة عن أمثالهم إلى أن يبلغ من ليس بينه وبين

стр. 7508

النبي ﷺ إلا واحد فأكثر، فسكت ذلك المبلوغ إليه عمن أخبره عن النبي ﷺ . قال ابن حزم (١): وهذا يأخذ به كثير من المسلمين، ولسنا نأخذ به. قال (٢): ومن هذا النوع كثير من نقل اليهود، وهو أعلى ما عندهم إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى ﵇ بل يقفون، ولا بد بحيث بينهم وبين موسى أزيد من ثلاثين عصرًا في أزيد من ألف وخمسمائة عام، وإنّما يبلغون بالنقل إلى هلال، وشماي، وشمعون، ومرعقيبا وأمثالهم. قال: وأظن أن لهم مسلّة واحدة يرونها عن نبي من متأخري أنبيائهم في نكاح الرجل ابنته إذا مات عنها أخوه. قال: وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده، على أن مخرجه من كذاب صح كذبه. عاد إلى تتمة ما ينقسم إليه نقول المسلمين - وهو الخامس منها - قال: وهو ما ينقله كافة عن كافة، أو ثقة عن ثقة حتى يبلغ إلى النبي ﷺ إلى أن في الطريق رجلًا مجروحًا بكذب أو غفلة أو مجهول الحال. قال: وهذا يقول به بعض المسلمين ولا يحلُّ عندنا القول به ولا تصديقه ولا الأخذ بشيء منه، وهذا صفة نقل اليهود ولا النصارى مما أضافوه إلى أنبيائهم؛ لأنه يقطع أنهم كفار بلا شك ولا مرية. ثم نقل نقل بأحد الوجوه المتقدمة حتى يبلغ ذلك إلى صاحب أو تابع أو إمام دونهما أنه قال: كذا أو حكم بكذا غير مضاف ذلك إلى رسول الله ﷺ كقول أبي بكر ﵁ في سبي أهل الردة، وكضرب عمر الخراج بذلك، فمن المسلمين من يأخذ بهذا، ومنهم من لا يأخذ به، ولا يخلو فاضل من وهم. قلت: وقد ذهب بعض العلماء إلى أن قول الصحابي ليس بحجة فأما إذا أيد بالإجماع كان كالنصّ، وقلَّ أنْ أقر أحد من الأربعة الراشدين بأمر لا نصَّ عنده فيه حتى استشار فإذا حصل الاجتماع عليه، أمر به. قال أبو محمد (٣) - وقد ذكر فرق اليهود المتقدمة -: ثم انقسم اليهود جملة على قسمين؛ قسم أبطل النسخ ولم يجعلوه ممكنًا، وقسم أجازوه إلا أنهم قالوا: إنه لم يقع.

стр. 7509

قال (١): وعمدة حجة من أبطل النسخ أن قالوا: إنَّ الله يستحيل منه أن يأمر بالأمر ثم ينهى عنه، ولو كان كذلك، لعاد الحق باطلًا، والطاعة معصية، وعكس ذلك، قال: لا نعلم له حجة غير هذه، وهي أضعف ما يكون؛ لأنَّ من تدبر أفعال الله تعالى، تيقن بطلان قولهم، لأنَّ الله يحيي ثم يميت ثم يحيي. قال (٢): ثم نقول لهم: ما يقولون فيمن كان من الأمم المقبول دخولها فيكم إذا أضرُّوكم أليس دماؤهم لكم حلالًا، وقتلهم طاعة؟ فلا بد من نعم. فنقول لهم: فإن دخلوا في شريعتكم، أليس قد حرمت دماؤهم عليكم وصار قتلهم عندكم معصية بعد أن كان طاعة؟! فلا بد من نعم؛ ثم إن عدوا في السبت قد عاد قتلهم حلالًا بعد أن كان حرامًا فلا بد من نعم. وهذا إقرار ظاهر منهم ببطلان قولهم، وهكذا القول في جميع شرائعهم؛ لأنها إنما هي أوامر في وقت محدود بعمل محدود فإذا خرج ذلك الوقت عاد ذلك المأمور به منهيًا عنه كالعمل عندهم مباح في الجمعة، محرم في السبت، ثم يعود مباحًا في الأحد، وكالصيام والقرابين وسائر الشرائع كلها، وهذا بعينه هو نسخ الشرائع الذي أنكروه. وأيضًا فإنَّ جميعهم مقرون بأنَّ شريعة يعقوب ﵇ كانت غير الموسوية، وإن يعقوب تزوج، ليا وراحيل ابنتي لابان وجمعهما معًا، وهذا حرام في الموسوية، ولا فرق في العقول بين شيء أحله الله ثم حرَّمه، وبين شيء حرمه ثم أحله. قال (٣): وفي توراتهم «البداء» - وهو أشد من النسخ - وذلك أنَّ الله تعالى، قال لموسى ﵇: سأهلك هذه الأمة وأقدمك على أمة أخرى عظيمة فلم يزل يرغب إلى الله في أن لا يفعل حتى أمسك عنهم؛ وهذا هو «البداء» بعينه، والكذب المقتات عن الله؛ لأنهم ذكروا أن الله أخبر أنه سيهلكهم ويقدمه على غيرهم ثم لم يفعل، تعالى الله عن هذا. قال (٤): وأما الطائفة التي أجازت النسخ إلا أنها أخبرت أنه لم يكن، فيقال لهم: بأي شيء علمتم نبوة موسى، ووجوب طاعته فلا سبيل إلى أن يأتوا بشيء غير أعلامه الظاهرة وبراهينه: فيقال لهم: إذا وجب التصديق له والطاعة لأمره لما أظهر من إحالة الطبائع، فلا فرق بينه وبين آخر أتى بمعجزات غيرها. وبإحالة الطبائع وبضرورة العقل، فعلم انما أوجبه لنوع فإنه واجب لأجزائه كلها، وبهذا يجب تصديق موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.

стр. 7510

قال (١): وأما شغب من شغب منهم بأننا نؤمن بموسى وهم لا يؤمنون بمحمد، ﷺ فهو لا يخلو من أن يكونوا صدّقوا نبوة موسى من أجل تصديقنا نحن، ولولا ذلك لم يصدقوا به، أو يكونوا إنما صدّقوا به لما ظهر من الآيات فقط. فقد كان إنما صدّقوا به من أجل تصديقنا به وإلّا فقد تناقضوا، وإن كان إنما صدّقوا به لما ظهر من الآيات فلا معنى لتصديق من صدقه، ولا لتكذيب من كذّبه، والحق حق صدقه الناس أو كذبوه، والباطل باطل صدقه الناس أو كذبوه. قال (٢): وأيضًا فإنّا آمنا بنبوة موسى الذي أنذر بنبوة محمد ﷺ وبالتوراة التي فيها الإنذار به، وباسمه ونسبه وصفة أصحابه لا بنبوة من لم ينذر بالنبوة المحمدية. قال (٣): فإن قال قائل: إنّ موسى ﵇ قال لهم في التوراة: «لا تقبلوا من نبيّ أتاكم بغير هذه الشريعة». قلنا: لا سبيل أن يقول هذا بوجوه من الوجوه؛ لأنّه لو قال ذلك، لكان مبطلًا لنبوة نفسه، وذلك أنّه لو قال: لا تصدقوا من دعاكم إلى غير شريعتي، فإن جاء بآيات فإنه يلزمه إذا كانت الآيات لا توجب تصديق غيره إذا أتى بها في شيء دعا إليه فهي موجبة تصديق موسى ﵇ فيما أتى به إذ لا فرق بين معجزاته ومعجزات غيره إذ بالآيات صحت الشرائع ولم تصح الآيات بالشرائع. قال (٤): وهذا الكلام المنسوب إلى موسى ﵇ كذب موضوع ليس في التوراة شيء منه، وإنّما: «فيها من أتاكم يدعي نبوة، وهو كاذب، فلا تصدقوه»؟ فإن قلتم من أين نعلم كذبه من صدقه؟، فانظروا فإذا قال عن الله شيئًا ولم يكن كما قال فهو كاذب. قال: وهذا نص التوراة. قال (٥): وقد وجدنا صحة كلّ ما أخبر به النبي ﷺ عن غلبة الروم على كسرى وإنذاره بقتل الكذاب العنسي، ويوم ذي قار وبخلع كسرى وبغير ذلك. قال (٦): فإن قالوا إنّ في التوراة؛ أن هذه الشريعة لازمة لكم في الأبد، قلنا: هذا محال في التأويل؛ لأنّه كذلك أيضًا فيها إنّ هذه البلاد يسكنونها أبدًا وقد خرجوا عنها. قال (٧): فإن قالوا: فقد قال نبيكم: «لا نبي بعدي»، قيل لهم: ليس هذا الكلام

стр. 7511

مما ادعيتموه على موسى؛ لأننا قد علمنا من أخباره أنّه لا سبيل إلى أن يظهر أحد آية بعده أبدًا، ولو جاز ظهورها، لوجب تصديق من أظهرها، ولكنا قد أيقنا أنه لا يظهر آية على يد أحد بعده بوجه من الوجوه. قال: فإن قالوا: كيف تقولون في الدجال وأنتم ترون أنه يظهر له عجائب؟! فلهم أجوبة أظهرها ما قاله أصحاب الكلام. قالوا: إنَّ الدجال إنَّما يدعي الربوبية، وفي نفس قوله بيان كذبه فظهور الآية عليه ليس بموجب ضلال من له عقل. قال أبو محمد (١): وأما قولنا، فهو أنَّ العجائب الظاهرة من الدجال إنما هي حيل من نحو ما سحره فرعون، وأعمال الحلاج وأصحاب العجائب. وقال: وقد أخذ في معارضتهم في إقامة أدلة النبوة المحمدية، قال: مع ما في التوراة من الإنذار البين برسول الله ﷺ من قوله تعالى: «سأقيم لبني إسرائيل نبيًا من إخوتهم أجعل على لسانه كلامي فمن عصاه انتقمت منه». قال: ولم تكن هذه الصفة لأحد غير محمد ﷺ إخوة بني إسرائيل هم بنو إسماعيل. قال: وقوله في السفر الخامس منها: «جاء الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلى من جبال فاران». وسيناء هو موضع مبعث موسى، وساعير موضع مبعث عيسى، وفاران بلا شك هي مكة موضع مبعث محمد ﷺ وعليهم - والرؤيا التي فسرها دانيال في أمر الحجر الذي رأى الملك في نومه الذي دق الصنم الذي كان بعضه ذهبًا، وبعضه فضة، وبعضه نحاسًا، وبعضه حديدًا، وبعضه فخارًا، وخلطه كله وطحنه وجعله شيئًا ثم رمى الحجر حتى ملأ الأرض ففسره بأنه نبي يجمع الأجناس ويبلغ ملك أمره ملء الآفاق فهل كان نبي قط غير محمد ﷺ جمع الأجناس كلها على اختلافها واختلاف لغاتها وأديانها وممالكها وبلادها فجعلهم جنسًا واحدًا ولغةً واحدة وأمة واحدة ودينًا واحدًا، فإن العرب والفرس والنبط والأكراد والترك والديلم والجبل والبربر والقبط، ومن أسلم من الروم والهند والسودان على كثرتهم كلهم ينطقون بلغة واحدة وبها يقرأون القرآن، وقد صار ذلك كله أمة واحدة. قال (٢): وأما العيسوية من اليهود فإنه يقال لهم: إذا صدقتم الكافة في نقل القرآن

стр. 7512

عن النبي ﷺ وفي نقل معجزاته وصحة نبوته، فقد لزمكم الانقياد لما في القرآن من أنه بعث إلى الناس كافة بقوله تعالى فيه آمرًا له أن يقول: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣) وما فيه من دعاء اليهود إلى ترك ما هم عليه والرجوع إلى شريعته وهذا ما لا مخلص منه. قال: فإن اعترضوا بما في القرآن مما حرم عليهم - يعني اليهود - وحضهم على التزام السبت فإنما هو تبكيت لهم فيما سلف من أسلافهم الذين قفوا آثارهم، وتبين هذا نص القرآن في قوله عن عيسى ﵇ إنه رسول الله إلى بني إسرائيل ليحل لهم بعض الذي حرم عليهم (٤). وهذا نص جلي على نسخ شريعتهم وبطلانها. ثم ما لا ينكر من أنه حارب اليهود وقتلهم وسباهم وألزمهم الجزية وسماهم كفارًا إذ لم يرجعوا إلى الإسلام، وقبل إسلام من أسلم منهم، فلو لم يكن دينهم منسوخًا لما اخبرهم على تركه وألزمهم الجزية والصغار. قال: ومن المحال أن يكون عند العيسويين رسولًا نبيًا صادقًا، ثم يجور ويظلم فوضح فساد قولهم وتناقضه بيقين لا شك فيه فصحت النبوة المحمدية بلا إشكال. والحمد لله رب العالمين. [الكلام على النصارى] وأما الكلام على النصارى فقد قال (٥) - تلو ما تقدم - وكلما ذكرنا في هذا الباب يدخل على النصارى الذين يقولون بنبوة عيسى ﵇ فقط من الأريوسية والمقدونية والبولقانية سواء بسواء مع ما في الإنجيل من قول المسيح: «اللهم ابعث البارقليط ليعلم الناس أن ابن البشر إنسان». قال: وهذا غاية البيان؛ لأنَّ المسيح علم أنّه سيغلو قومه فيه فيقولون: إنه الله، وإنه ابن الله؛ فدعا الله ليبعث الذي يبين للناس أنه ليس كذلك؛ وإنَّما هو إنسان ولد امرأة من البشر، فهل أتى بعده نبي بين هذا إلا محمد ﷺ وهم ست طوائف؛ أريوسيون ومليكيون، ونسطوريون، ويعاقبة، ومارونيون، وبولقانيون.

стр. 7513

وقد قال أبو محمد (١): بعد أن تبين أكاذيب اليهود فيما بأيديهم من توريثهم، ثم ذكر النصارى، فقال: وأما فساد دينهم فلا إشكال فيه على من له مسكة عقل، ولسنا نحتاج إلى تكلف برهان في أنَّ الأناجيل وسائر كتب النصارى ليست من عند الله تعالى، ولا من عند المسيح ﵇ كما احتجنا إلى ذلك في توراة اليهود؛ لأنَّ جمهور اليهود يزعمون أن التوراة التي بأيديهم منزلة من عند الله على موسى ﵇. وأما النصارى فقد كفونا هذه المؤنة؛ لأنهم لا يدعون أن الأناجيل منزلة على المسيح، ولا ان المسيح أتاهم بها بل كلهم أولهم عن آخرهم أريوسيهم ومليكهم ونسطوريهم ويعقوبيهم ومارونيهم وبولقانيون لا يختلفون في أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال معروفون في أزمان مختلفة. فأولها: تاريخ ألفه متى اللأواني - تلميذ المسيح - بعد تسع سنين من رفع المسيح ﵇ وكتبه العبرانية في بلد يهوذا بالشام بخط متوسط. والثاني: تاريخ ألفه مارقس الباروني - تلميذ شمعون بن توما - المسمّى باطرة بعد اثنتين وعشرين سنة من رفع المسيح، وكتبه باليونانية في بلد انطاكية من بلاد الروم، ويقولون: إنَّ شمعون ألفه ثم محا اسمه من أوله ونسبه إلى تلميذه مارقس بخط متوسط، وشمعون تلميذ المسيح. والثالث: تاريخ ألفه لوقا الطبيب الأنطاكي - تلميذ شمعون باطرة - بعد مارقس وكتبه باليونانية في بلد أفانة. والرابع: تاريخ ألفه يوحنا بن سبذاي بعد المسيح ببضع وستين سنة، وكتبه باليونانية في بلد آشية بخط متسوط. قال: ويوحنا هذا هو ترجم إنجيل متى صاحبه من العبرانية إلى اليونانية. ثم ليس للنصارى كتاب قديم يعظمونه بعده إلا الافركسيس، وهو كتاب ألفه لوقا الطبيب في أخبار الحواريين وأخبار صاحبه بولس البنياميني وسيرهم وقتلهم يكون نحو خمسين ورقة بخط مجموع. وكتاب الوحي والإعلان ألفه يوحنا بن سبذاي، وهو كتاب في غاية السخف والركاكة، ذكر فيه ما رأى في الأحلام، وإذ أسري به. والرسائل القانونية وهي سبع رسائل فقط منها ثلاث رسائل ليوحنا بن سبذاي،

стр. 7514

ورسالتان لشمعون باطرة، ورسالة ليعقوب بن يوسف النجار، ورسالة ليهوذا بن يوسف - تكون كل رسالة ورقة إلى ورقتين - ورسائل بولس - تلميذ باطرة - وهو خمس عشرة رسالة، تكون أربعين ورقة. ثم كل كتاب لهم بعد ذلك لا خلاف بينهم أنّه تأليف المتأخرين لمجامع البطارقة والأساقفة الكبار الستة وسائر مجامعهم الصغار وفقههم في أحكامهم الذي عمله لهم ركدئد الملك، وبه يعمل نصارى الأندلس، ثم لسائر النصارى أحكام أخر من عمل أساقفتهم ثم أخبار شهدائهم. قال (١): فجميع نقل النصارى راجع إلى ثلاثة: بولس، ومارقس، ولوقا. وهؤلاء لا ينقلون إلا عن خمسة وهم: باطرة، ويوحنا، ومتى، ويعقوب، ويهوذا. قال (٢): وجميع الأناجيل الأربعة وبقية هذه الكتب عند جميع فرق النصاري على نسخة واحدة ورتبة واحدة، لا يمكن أحد أن يزيد فيها كلمة ولا ينقص منها أخرى إلا افتضح عند جميع النصارى. قال (٣): وأمر النصارى أضعف من أمر اليهود بكثير؛ لأن اليهود كانت أهل مملكة وجمع عظيم، وإنّما دخله الداخلة عليهم في التوراة بعد سليمان ﵇ إذ ظهر فيهم الكفر وعبادة الأوثان وقتل الأنبياء، وحرق التوراة فنهب البيت مرة بعد مرة إلى أن تلفت دولتهم على ذلك. وأما النصارى فلا خلاف بينهم أنه لم يؤمن بالمسيح في زمانه إلا مائة وعشرون رجلًا ومساكن يتفقن عليه ثم كانوا إلى ثلاثمائة سنة بعد كل من ظهر منهم قتل، وفي خلال ذلك ذهب الإنجيل المنزل إلا فصولًا يسيرة أبقاها الله حجة عليهم، ولم يظهروا حتى تنصر قسطنطين الملك. قال (٤): وإنما كان أريوسيا هو وابنه بعده يقولان: إنَّ المسيح عبد مخلوق نبي فقط. قال (٥): وكل دين هكذا في حال أن يصح فيه نقل متصل لا لمعجز ولا غيره مما ينقله كافة عن كافة حتى يبلغ المشاهدة. قال (٦): ومعتمد النصارى كله في التثليث، وأنَّ المسيح هو الله وابن الله واتحاد

стр. 7515

اللاهوت بالناسوت، إنما هو كله على أناجيلهم، وألفاظ تعلقوا بها مما في كتب اليهود كالزبور، وكتاب أشعيا، وكتاب إرميا، وكلمات يسيرة من التوراة، وكتب سليمان، وكتاب رحريا، وقد نازعتهم اليهود في تأويلها فحصلت دعوى مقابلة لدعوى، وما كان هكذا فهو باطل، وقد تبين فساد تلك الكتب وأنها مفتعلة مبدلة للاختلاف في نصوصها، وانقطاع الطريق منهم إلى من نسبت إليه تلك الكتب بما لا يمكن لأحد دفعه البتة. ولإقرار النصارى بأن أناجيلهم ليست منزلة، ولكنها كتب موافقة لرجال ألفوها فبطل كل تعلّق لهم. وقال ما معناه: إنهم استندوا إلى التوراة التي بأيدي اليهود مع مخالفتهم لها وتكذيبهم لنصّها، ولا يصح الاحتجاج بتصحيح ما يكذب. قال (١): ادعى علماء النصارى أنهم اعتمدوا على التوراة التي ترجمها السبعون شيخًا لبطليوس لا على التي كتب عزرا الوراق، واليهود مؤمنون بكلتا النسختين والخلاف عند النصارى موجود فيها؛ لأن في توراة اليهود - التي لا اختلاف فيها بين الربانية والعانانية والعيسوية منهم -: إن آدم لما عاش ثلاثين ومائة سنة ولد كشبهه وجنسه وسماه شيت. وفي توراة اليهود: إنّ شيت لما عاش خمسين ومائة سنة ولد أينوش، وفي توراة اليهود: ان إينوش لما عاش تسعين سنة ولد قينان وفي توراة اليهود ان قينان لما عاش سبعين سنة ولد له مهلال. وعند النصارى ان قينان لما عاش مائة سنة وسبعين سنة ولد مهلال، وفي توراة اليهود: «انّ مهلال لما عاش خمسًا وستين سنة ولد يارد». واتفقت الطائفتان في عمر يارد إذ ولد له أخنوخ. وأطال أبو محمد بن حزم في هذا الإظهار تكذيب النصارى بما احتجوا به، وقال - بعد ذلك - (٢): فتولد بين الطائفتين من الاختلاف المذكور زيادة ألف عام وثلاثمائة وخمسين عامًا عند النصارى في تاريخ الدنيا على ما هو عند اليهود في تاريخها؛ وهي تسعة عشر موضعًا فوضح اختلاف التوراة، ومثل هذا من التكاذب لا يجوز أن يكون من عند الله - تعالى - أصلًا، ولا من قول نبي البتة، ولا من قول صادق عالم من عرض الناس فبطل بهذا بلا شك أن تكون التوراة. وتلك منقولة نقلًا يوجب صحة العلم لكن نقلًا فاسدًا مدخولًا مضطربًا. قال (٣): وفي إنجيل متى: ان المسيح، قال لهم: ليكن دعاؤكم على ما أصف: يا أبانا السماوي تقدّس اسمك، ثم قال - بعد ذلك - وقد علم أبوكم أنكم ستحتاجون

стр. 7516

إلى جميع هذا؛ وفي آخر الإنجيل أنه قال لهم: أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم إلهي وإلهكم. قال (١): فما ترى للمسيح من النبوة الله تعالى إلا ما لسائر الناس ولا فرق، فمن أين خصوه بأنه ابن الله دون سائرهم كلهم. إلا أن كذَّبوه في هذا القول فليختاروا أحد الأمرين ولا بد، ثم من أين خصوا كلّ من سوى المسيح بأنَّ الله تعالى إلهه، ولم يقولوا: إنَّ الله إله المسيح كما قال هو بلسانه فلا بد ضرورة من الإقرار بأن الله هو إله المسيح، وإنَّ سائر الناس أبناء الله تعالى، أو يكذِّبوا المسيح في نصف كلامهم وحسبهم بهذا فسادًا وضلالًا. ثم قال (٢): وكثيرًا ما يحكون في جميع الأناجيل في غير ما وضع أنه إذا أخبر المسيح عن نفسه، سمى نفسه ابن الإنسان؛ ومن المحال والحمق أن يكون إله ابن إنسان، أو يكون ابن إله وابن إنسان معًا، وأن يلد إنسان إلهًا. ثم قال (٣): وفي إنجيل يوحنا أنَّ المسيح قال لهم: أنا رجل أديت إليكم الحق الذي سمعته عن الله. فهذا إقرار بأنه رجل مؤدّ ما سمع فقط، مع استشهادهم في إنجيل متى بقول أشعيا النبي في المسيح: إنَّ الله تعالى قال فيه: «هذا غلامي المصطفى وحبيبي الذي تخيرته» فصح أنه نبي من الأنبياء وعبد الله. قال (٤): واعلموا أنهم بأجمعهم متفقون على أن يصوّروا في كنائسهم صورًا ثم يسجدون لها سجود عباد، ويصومون لها تدينًا، وهذا هو عبادة الأوثان بلا شك، وهم ينكرون عبادة الأوثان، ثم يعبدونها علانية وحجتهم في هذا حجة عبّاد الأوثان؛ وهي أنهم يتقربون بهذا إلى أصحاب تلك الصور لا إلى الصور بأعيانها. واعلموا أنهم لم يزالوا بعد المسيح بأزيد من مائة عام يصومون في شهر كانون الآخر إثر عيد الحجيج، أربعين يومًا متصلة ثم يفطرون ثم يعيدون الفصح مع اليهود واقتداء بالمسيح إلى أن أبطل ذلك عليهم خمسة من البطاركة؛ أجمعوا ونقلوا صيامهم وفصحهم إلى ما هم عليه اليوم. فكيف ترون هذا الدين ولعب أهله به وحكمهم بأن ما كان عليه المسيح والحواريون ضلال ولا يختلفون في أن شرائعهم إنما هي من عمل أساقفهم وملوكهم علانية، فكيف يلقى الله تعالى على دين بغير المتدن به بلسانه، ويعلم بقلبه أنه ليس من

стр. 7517

عند الله تعالى، ولا مما جابه. نعوذ بالله من الخذلان. قال أبو محمد (١): وبقي لهم اعتراضان أحدهما: ان قالوا؛ قال الله في كتابكم حكاية عن المسيح ﵇ أنَّه قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ (٢). وقال تعالى مخاطبًا المسيح ﵇ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٣). قلنا: نعم هذا خبر حق ووعد صدق، وإنما أخبر تعالى عن المؤمنين ولم يسمهم ولا شك أن من ثبت عليه الكذب من ناطرة ويوحنا ومتى ويهوذا ويعقوب ليسوا منهم، لكنهم من الكفار المدعين له الربوبية. وأما الموعودون بالنصر إلى يوم القيامة، المؤمنون بالمسيح ﵇ فهم نحن المسلمون المؤمنون به حقًا وبنبوته ورسالاته لا من كفر به، وقال: إنه كذاب!، أو قال: إنه إله أو ابن إله، تعالى الله عن ذلك. والثاني: أنْ قالوا: في كتابكم ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٤)، وفيه ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٥) فهلا قلتم في التوراة والإنجيل كما قلتم في كتابكم؟ قلنا: بين الأمرين فرق ظاهر إذ الذي في القرآن ظاهر لا يحتاج فيه إلى تأويل، إنما معنى: ﴿وجاء ربك﴾ و ﴿يأتيهم الله﴾ هو أمر معلوم في اللغة التي بها نزل القرآن مشهور فيها تقول: جاء الملك، وأتانا الملك، وإنّما أتى جيشه وأمره؛ فليس فيما تلوتم أمر يُنكر وليس كذلك ما في توراتكم وأناجيلكم من التكاذب والتناقض. وقال (٦) - ما معناه - إن قالوا: كيف تحققون نقلكم لكتابكم، وإنكم لمختلفون في قرآنكم، وبعضكم يزيد حروفًا، وبعضكم يسقطها، وقد قال: إنَّ عثمان أسقط ستة أحرف من المصحف جمع الناس عليه، وإن مصحف ابن مسعود خلاف مصحفكم، وإن بعض الصحابة قرأ القرآن بقراءات لا تستحل القراءة بها، والرافضة تدعي تبديل القرآن ثم نقض ذلك كله. قال: أما الاختلاف في القراءات، فإننا وإن اختلفنا فيها فكلها متواترة، وأيها قرأنا به فهي قراءة صحيحة، وكلها مضبوطة معلومة لا زيادة فيها ولا نقص، وإنما

стр. 7518

عثمان فلم يسقط شيئًا، وكيف كان يقدر على ذلك لو أراده وحاشاه، وهو ما ولي إلا والإسلام قد ملأ الحجاز والبحرين وعمان واليمن ومصر والشام والعراق، وملئت بالمصاحف المساجد وكثرت به القراءات، وعلم النساء والصبيان، وإنما خشي ﵁ أن يدس فيه شيئًا، فكتب مصاحف فجمع عليها ليراجع فيما اختلف فيه. وأما مصحف ابن مسعود فلا خلاف فيه، وإنه كقراءاته وهي قراءة عاصم المشهورة المقر بها. وأما قراءة الصحابة مما لا نستحل نحن القراءة به؛ فهذا حق وإن بلغنا الغاية في تعظيمهم فلسنا نبعد عنهم الوهم والخطأ، ولا نقلدهم في شيء مما قالوه وإنّما نأخذ عنهم ما أخبرونا به عن رسول الله ﷺ بما هو عندهم بالمشاهدة والسماع، وأما عصمتهم من الخطأ والزلل، فما قالوه برأي أو بظنّ فلا نقول بذلك، ولو أنكم أنتم فعلتم كذلك بأحباركم وأساقفتكم الذين بينكم وبين الأنبياء ﵈ لكنتم متبعين للحق المنزل مجانبين للخطأ المهمل، لكن لما لم تفعلوا هكذا بل قلدتموه في كل ما شرعوه لكم هلكتم في الدنيا والآخرة. وأما دعوى الروافض، فإنّهم ليسوا من المسلمين (١)، وهم فرقة حدثت بعد النبي

стр. 7519

ﷺ بخمس وعشرين سنة، وهي طوائف أشدّها غلوًّا يقولون بإلهية علي بن أبي طالب ﵁ وأقلهم غُلوًّا يقولون: إنَّ الشمس رُدَّتْ له مرتين (١)، فقوم هذا أقل

стр. 7520

مراتبهم في الكذب واستشنع منهم كذب يأتون به. قال (١): ومما يبين كذب الروافض أن عليًا الذي هو عند أكثرهم إله خالق، وعند بعضهم نبي ناطق، وعند سائرهم إمام معصوم، ولي الأمر وملك فبقي خمسة أعوام وتسعة أشهر خليفة مطاعًا ظاهر الأمر، ساكنًا بالكوفة، مالكًا للدنيا، حاشا الشام والعراق، يقرأ في المساجد وفي كل مكان، وهو يؤم الناس به، والمصاحف معه وبين يديه، فلو رأى فيه تبديلًا كما تقول الرافضة أكان يقرهم على ذلك؟ ثم ولي ابنه الحسن بعده - وهو عندهم كأبيه - فجرى على ذلك؛ فكيف يسوغ لهؤلاء أن يقولوا: إنَّ في المصحف حرفًا زائدًا أو ناقصًا، مع هذا .. ؟ ولقد كان جهاد من حرف القرآن، وبدل الإسلام، أوكَدَ عليه من قتال أهل الشام الذين إنما خالفوه في رأي يسير رأوه، ورأى خلافه فقط؛ فلاح كذب الرافضة ببرهان، والحمد لله تعالى. تتميم لما تقدم في ذكر … قال؛ في الصحاح: الأمة الجماعة هو في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع، وكل جنس من الحيوان أمة، وفي الحديث: لولا أن الكلاب أمة، لأمرت بقتلها. * * * «أمة السريان والصابئين» قال أبو سعيد المغربي: أمة السريان هي أقدم الأمم. وكان كلام آدم وبنيه بالسرياني، وملتهم هي ملة الصابئين. ويذكرون أنهم أخذوا دينهم عن شيت وإدريس، ولهم كتاب يعزونه إلى شيت ويسمونه صحف شيت يذكر فيه مكارم الأخلاق ومحاسنها، مثل الكرم والشجاعة والصدق والتعصب للغريب؛ وما أشبه ذلك، ويذكر الرذائل ويأمر باجتنابها.

стр. 7521

ولهم عبادات منها سبع صلوات منهن خمس توافق صلوات المسلمين، والسادسة صلاة الضحى والسابعة صلاة يكون وقتها في تمام الساعة من ساعات الليل. وصلواتهم كصلوات المسلمين من النية وأن لا يخلطها المصلي بشيء من غيرها، ولهم صلاة على الميت من غير سجود ولا ركوع، ويصومون ثلاثين يومًا، وإن نقص الشهر الهلال صاموا تسعًا وعشرين يومًا. وكان الصابئون يراعون في صومهم الهلال بحيث يكون الفطر وقد دخلت الشمس الحمل، ويصومون من ربع الليل الأخير إلى غروب قرص الشمس. ولهم أعياد عند نزول الكواكب الخمسة المتحيرة بيوت شرفها، والخمسة المتحيرة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد. ويعظمون بيت مكة، ولهم بظاهر حرّان مكان يحجونه ويعظمون إهرام مصر، ويزعمون أن أحدها قبر شيت، والآخر قبر أدريس - وهو خنوخ ـ، والآخر قبر … - وهو ابن إدريس - ينسبون إليه، ويعظمون يوم دخول الشمس برج شرفها. قال ابن حزم (١): والدين الذي انتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر، والغالب على الدنيا إلى أن أحدثوا فيه الحوادث فبعث الله إليهم إبراهيم الخليل ﵇ بالدين الذي نحن عليه الآن. قال الشهرستاني (٢): والصابئون يقايلون الحنيفية، ومدار مذهبهم التعصب للروحانيين، كما أن مذهب الحنفاء التعصب للبشر الجسمانيين. «أمة القبط» ثم أمة القبط وهم من ولد حام بن نوح. وكان سكناهم بديار مصر: وكانوا أصل ملك عظيم، وعزّ قديم واختلط بالقبط طوائف كثيرة من اليونان والعماليق والروم وغيرهم؛ وإنّما صاروا أخلاطًا لكثرة من تداول عليهم، فإن أكثر من يملك مصر الغرباء. وكان القبط في سالف الدهر صابئة يعبدون الهياكل والأصنام. وكان منهم علماء بصيرون من علم الفلسفة وخاصة بعلم الطلسمات والنيرنجات والمزاهي المحرقة والكيمياء. وكانت مدينة ملكهم مدينة مَنْفُ وهي على جانب النيل من غربية. وكانت ملوكهم تلقب بالفراعنة، وقد تقدم ذكرهم.

стр. 7522

«أمة الفرس» ومساكنهم وسط المعمور، ويقال لها: أرض فارس، ومنها كرمان والأهواز وأقاليم يطول ذكرها. وجميع مادون جيحون من تلك الجهات يقال له: إيران؛ وهي أرض الفرس. وأما ما وراء جيحون فيقال له: توران؛ وهي أرض الترك. وقد اختلف في نسب الفرس، فقيل: إنهم من ولد فارس بن ارم بن سام، وقيل: من ولد يافث، والفرس يقولون: إنّهم من ولد كيومرث، وكيومرث عندهم هو الذي ابتدأ منه النسل مثل آدم عندنا، ويذكرون أن الملك لم يزل فيهم من كيومرث - وهو آدم - إلى الإسلام، خلا مقطع حصل من مدد يسيرة لا يعتدون به مثل يغلب الضحاك، وفراسات التركي. وملوك الفرس عند الأمم أعظم ملوك العالم. وكان لهم العقول الوافرة. وكان لهم من ترتيب المملكة ما لم يلحقهم فيه أحد من الملوك. وكانوا لا يولون ساقط البيت شيئًا من أمور الخاصة. / ٣٥/ والفرس فرق كثيرة فمنهم الديلم؛ وهم سكان الجبال، ومنهم الجيل وهم يسكنون الوطأة التي بجبال الديلم وارضهم وساحل طبرستان. ومنهم الكرد ومنازلهم شهرزور، وقيل: إنّ الكرد من العرب وتنبطوا، وقيل: إنهم أعراب العجم. وكان للفرس ملة قديمة، ويقال للدائنين بها الكيومرثية، أثبتوا إلها قديمًا وسموه يزدان، وإلهًا مخلوقًا من الظلمة محدثًا وسموه أهرمن. وزدان عندهم هو الله - تعالى - وأهرمن هو إبليس؛ وظل دينهم مبنيًا على تعظيم النور وهو يزدان، والتحرز من الظلمة وهو أهرمن. ومما عظموا النور عبدوا النيران، وكان الفرس على ذلك حتى ظهر زرادشت وكان على أيام بستاسف ملك الفرس - المقدم الذكر في الفصل الثاني - وأظهر زرادشت المعجزات لبستاسف تقبل دينه ودخل فيه، ثم صارت الفرس على دينه. وذكر لهم زرادشت كتابًا زعم أنَّ الله - تعالى - أنزله عليه. وزرادشت من أهل قرية من قرى أذربيجان، ولهم في خلق زرادشت وولادته كلام طويل أضربنا عنه لعدم فائدته. وقال زرادشت بالناري فإنه خالق النور والظلمة ومبدعهما؛ وهو واحد لا شريك له، وإنَّ الخير والشر والصلاح والفساد إنّما حصل من امتزاج النور بالظلمة، ولو لم يمتزجا، لما كان وجود للعالم، ولا يزال المزاج حتى يغلب النور الظلمة، ثم يتخلص الخير إلى عالمه، والشر إلى عالمه، وقبلة زرادشت إلى المشرق حيث مطلع الأنوار.

стр. 7523

وللفرس أعياد ورسوم فمنها: النوروز، وهو اليوم الأول من فيروزد، سمّاه واسمه «يوم جديد» لكونه غرة الحول الجديد؛ وبعد ايام خمسة كلها أعيادهم. ومن أعيادهم التبركان وهو ثالث عشر تبرماه؛ ولما وافق اسم اليوم الثالث عشر اسم شهره، صار عيدًا؛ وكذلك كل يوم يوافق اسم شهره فهو عيد. ومنها المهرجان وهو سادس عشر مهرماه، وفيه زعموا أنَّ أفيريدون ظفر بالساحر الضحاك وحبسه في جبل سماه سماوند. ومنها الفروردجان وهو الأيام الخمسة الأخيرة من أبان ماه تضع المجوس فيها الأطعمة والأشربة لأرواح موتاهم على زعمهم. ومنها ركوب الكوسج وهو انه كان يأتي في أوّل فصل الربيع رجل كوسج راكب حمارًا وهو قابض على غراب، وهو يتروّح بمروحة، ويودع الشتاء، وله ضريبة يأخذها، ومتى وجد بعد ذلك اليوم ضرب. ومنها السذق وهو العاشر من يهمهاه، ويوقد في ليلته النيران ويشرب حولها. ومنها الكنبهارات وهي أقسام مختلفة لأيام السنة في أول كل قسم منها خمسة ايام هي الكنبهارات، زعم زرادشت أن في كل يوم خلق الله تعالى نوعًا من الخليقة من سماء وأرض وماء ونبات وحيوان وإنس فتم خلق العالم في ستة أيام. «أمة اليونان» قال أبو عيسى: المنقول عن أصحاب السير أن اليونان نجموا من رجل اسمه اللن، ولد سنة أربع وسبعين من مولد موسى ﵇ وكان أوميرس الشاعر اليوناني موجودًا سنة ثمان وستين وخمسمائة لوفاة موسى؛ وهو تاريخ ظهور أمة اليونان واشتهارهم، ولم يعلموا قبل ذلك. قال: وكانوا أهل شعر وفصاحة، ثم صارت فيهم الفلسفة تحصر. قال: وهذا منقول من كتاب كوراس اليوناني الذي ردَّ فيه على الليان الذي ناقض الإنجيل. وقد نقل الشهرستاني (١): ان أنبذقليس كان في زمن داود ﵇ وكذلك فيثاغورس كان في زمن سليمان بن داود، وأخذ الحكمة من معدن النبوة، وكانت وفاة سليمان بن داود لمضي خمسمائة وخمس وستين سنة من وفاة موسى. وكان أنبذقليس وفيثاغورس فيلسوفين مشهورين من اليونانيين؛ فقول أبي عيسى: إنَّ الفلسفة إنما ظهرت من اليونان في زمن بخت نصر غير مطابق لما نقله الشهرستاني؛

стр. 7524

فإن بخت نصر بعد سليمان ﵇ بأربعمائة سنة. وقال ابن سعيد المغربي: إنَّ بلاد اليونان كانت على الخليج القسطنطيني من شرقيه وغربيه إلى البحر القسطنطيني؛ وهو خليج بين بحر الروم وبحر القرم، واشتهر بحر القرم في قديم الزمان ببحر نيطس. قال: واليونان فرقتان؛ فرقة يقال لهم: الإغريقيون وهم اليونانيون الأول، والفرقة الثانية يقال لهم: اللطينيون. وقد اختلف في نسب اليونان، فقيل: إنَّهم من ولد يافث، وقيل: إنهم من جملة الروم من ولد صوفر بين العيص بن يعقوب ﵇. وكانت ملوك اليونان - المقدم ذكرهم - من أعظم الملوك، ودولتهم من أفخم الدول، ولم يزالوا كذلك حتى غلبت عليهم الروم، فدخلت اليونان في الروم، ولم يبق لهم ذكر. قال: وكانت بلادهم في الربع الشمالي المغربي يتوسطها الخليج القسطنطيني، وجميع العلوم العقلية مأخوذة عنهم مثل: العلوم المنطقية والطبيعية والرياضية والإلهية. وكانوا يسمون العلم الرياضي «هومطرا» وهو المشتمل على علم الهيأة والهندسة والحساب واللحون والإيقاع وغير ذلك. فكان العالم بهذه العلوم يسمى فيلسوفًا؛ وتفسيره محب الحكمة؛ لأن فيلو: محب، وسوف: الحكمة. «أمة اليهود» اليهود قوم موسى بن عمران ﵇ وسيأتي ذكره وذكر يعقوب وهو إسرائيل ﵇ وذكر أولاده الاثني عشر الذين هم أسباط بني إسرائيل؛ وكل بني إسرائيل من نسلهم. وأمة اليهود أعم من بني إسرائيل؛ لأنَّ كثيرًا من أجناس العرب والروم والفرس وغيرهم صاروا يهودًا، ولم يكونوا من بني إسرائيل، وإنما بنو إسرائيل هم الأصل في هذه الملة وغيرهم دخيل فلذلك قد يقال لكل يهودي: إسرائيلي. وأما اسم اليهود، فقد قال الشهرستاني في الملل والنحل (١): هذا الرجل - أي رجع وتاب؛ وإنما لزمهم هذا الاسم لقول موسى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (٢). أي رجعنا وتضرعنا. وكتابهم التوراة وقد اشتملت على أسفار فالسفر الاول فيه مبتدأ الخلق، ثم ذكر الأحكام والحدود والأحوال والقصص والمواعظ والأذكار في سفر سفر، وأنزل الله على موسى الألواح أيضًا؛ وهي شبه مختصر مافي التوراة. قال ابن ظفر في خبر البشر بخبر البشر: وليس في التوراة ذكر القيامة ولا الدار الآخرة، ولا فيها ذكر البعث ولا الجنة ولا النار، وكل جزاء فيها فإنّما هو معجل في الدنيا

стр. 7525

فيجزون على الطاعة بالنصر على الأعداء وطول العمر وسعة الرزق؛ ويجزون على الكفر والمعصية بالموت ومنع القطر والحميات، وان ينزل عليهم بدل المطر الغبار والظلمة، وليس فيها ذم الدنيا ولا الزهد فيها ولا صلاة معلومة بل الأمر بالبطالة والقصف واللهو. ومما تضمنته التوراة (١): أنَّ يهوذا بن يعقوب في زمان نبوته زنى بامرأة ابنه وأعطاها عمامته وخاتمه رهنًا على جدي هو اجرة الزنى، وهو لا يعرفها فأمسكت رهنه عندها وأرسل إليها بالجدي فلم تأخذه، وظهر حملها، وأخبر يهوذا بذلك فأمر بها أن تحرق فأرسلت إليه بالرهن تعرّف يهوذا أنه هو الذي زنى بها فتركها، وقال: هي أصدق. ومما تضمنته أيضًا (٢): أنَّ روبيل بن يعقوب وطيء سرية أبيه وعرف بذلك أبوه. ومما تضمنته أيضًا (٣): أنَّ أولاد يعقوب من أمته كأنواع يزنون بنساء أبيهم، وجاء يوسف وعرف أباه بخبر أخوته القبيح. ومما تضمنته أن راحيل أخت ليا. وكان الأختان المذكورتان قد جمع بينهما يعقوب في عقد نكاحه. وكان ذلك حلالًا في ذلك الزمان فاسترت راحيل من أختها وضرتها ليا حبيت ابن ليا - وهو روبيل - ليطأها بنو بنتها من يعقوب. وقد تضمنت من نحو ذلك كثيرًا أضربنا عنه. ورجعنا إلى كلام الشهرستاني قال (٤): واليهود تدعي أن الشريعة لا تكون إلا واحدة، وهي ابتدأت بموسى، وتمت به وأما ما كان قبل موسى فإنّما كان حدودًا عقلية، ولم يجيزوا النسخ أصلًا، ولم يجيزوا بعده شريعة أخرى. قالوا: والنسخ في الأوامر بداء ولا يجوز البداء على الله تعالى وافترقت اليهود فرقًا كثيرة؛ فالربانيون منهم كالمعتزلة فينا، والقرّاءون كالمجبرة والمشبهة فينا. ومن فرق اليهود العانانيون نسبوا إلى رجل منهم، يقال له: عانان بن داود. وكان رأس جالوت - أي الحاكم على اليهود - بعد خراب بيت المقدس الخراب الثاني، فإنه لما ذهب الملك منهم بعد بخت نصر، صار الحاكم في القدس عليهم يسمى بفردوس. وكان واليًا من جهة الفرس ثم صار من جهة اليونان، ثم صار من جهة أغسطس ومن بعده من ملوك الروم حتى غزاهم طبطوس وأبادهم وخرَّبَ بيت المقدس الخراب الثاني - على ما تقدم ذكره -. وتفرقت اليهود في البلاد ولم يعد لهم بعد ذلك رئاسة يعتد بها وصار منهم بالعراق

стр. 7526

وتلك النواحي جماعة. وكان لهم كبير منهم يرجعون إليه فصار اسم ذلك الكبير الذي يرجعون إليه رأس الجالوت؛ فمن مذهب العانانية أنهم يصدّقون المسيح في مواعظه وإشارته ويقولون: إنه لم يخالف التوراة البتة بل قرّرها ودعا الناس إليها، وهو من أنبياء بني إسرائيل المتعبدين بالتوراة، لكنهم لا يقولون برسالته. ومنهم من يقول: إنَّ عيسى لم يدع أنه نبي مرسل، ولا أنه صاحب شريعة ناسخة لشريعة موسى بل هو من أولياء الله تعالى المخلصين، وأن الإنجيل ليس كتابًا منزلًا عليه وحيًا من الله تعالى، بل هو [في] جميع أحواله نسخه أربعة من أصحابه واليهود ظلموه أولًا حيث كذبوه ولم يعرفوا دعواه وقتلوه آخرًا، ولم يعرفوا محله. وقد ورد في التوراة ذكر المشيحا في مواضع كثيرة وهو المسيح. وأما السامرة (١) فمنهم فرقة يقال لها: الدستانية، وتسمى هذه الفرقة أيضًا القانية، ومنهم فرقة يقال لها: كوسانية والدستانية، يقولون: إنما الثواب والعقاب في الدنيا؛ وأما الكوسانية فيقرون بالآخرة وعقابها وثوابها. ولليهود أعياد وصيام فمنها الفسخ وهو الخامس عشر من نيسان وهو العيد الكبير، وهو أول أيام الفطير السبعة، ولا يجوز لهم فيها أكل الخمير: لأنهم أمروا في التوراة أن يأكلوا الفطير فيها، وآخر هذه الأيام الحادي والعشرون من الشهر المذكور. والفسخ يدور من ثاني عشر آذار إلى خامس عشر نيسان، وسبب ذلك أنّ بني إسرائيل لما تخلّصوا من فرعون وحصلوا في التيه اتفق ذلك ليلة الخامس عشر من نيسان اليهود والقمر تام الضوء والزمان زمان ربيع فأمروا بحفظ هذا اليوم في أواخر هذه الأيام غرق فرعون في بحر السوب وهو القلزم. ولهم عيد العنصرة وهو بعد الفطير بخمسين يومًا ويكون في السادس من سعون، وفيه حضر مشايخ بني إسرائيل مع موسى إلى طور سيناء فسمعوا كلام الله من الوعد والوعيد فاتخذوه عيدًا. ومن أعيادهم عيد الحنكة ومعناه: التنظيف، وهو ثمانية أيام أوّلها الخامس والعشرون من كسلين يسرجون في الليلة الأولى سراجًا، والثانية اثنين، وكذلك حتى يسرجوا في الثمانية ثمانية سرج، وهو تذكار أصغر ثمانية أخوة قبل ملوك يونان فإنّهم كان قد تغلب عليهم ملك اليونان ببيت المقدس. وكان يفترع البنات قبل الإهداء إلى أزواجهن. وكان له سرداب قد أخرج منه حبلين عليهما جلجلان فإذا احتاج إلى مرأة، حرك الأيمن فتدخل عليه فإذا فرغ منها، حرّك الأيسر فيخلى سبيلها. وكان في بني إسرائيل رجل له ثمانية بنين وبنت واحدة، فتزوجها إسرائيلي

стр. 7527

وطلبها، فقال له أبوها: إن أهديتها إليك افترعها هذا الملعون، ووبخ بنته بذلك فأنفوا منه، ووثب الصغير منهم فلبس ثياب النساء وخبأ خنجرًا تحت ثيابه، وأتى باب الملك على أنه أخته؛ فلما حرك الجرس أدخل عليه فحين خلا به قتله وأخذ رأسه، وحرّك الحبل الأيسر وخرج فخلى سبيله؛ فلما ظهر قتله للملك، ظهر فرح بني إسرائيل بذلك وسرورهم واتخذه عيدًا في ثمانية أيام تذكرًا بالإخوة الثمانية. ومن أعيادهم المظال وهي سبعة أيام أولها خامس تشري الأول، يستظلون فيه بالخلاف والقصب، وهي فريضة على المقيم دون المسافر، وأمروا بذلك تذكارًا بأظلال الله تعالى إياهم بالغمام في التيه، وآخر المظال وهي حادي عشر تشري تسمى عرابا وتفسيره شجرة الخلاف، وغدا عرابا يسمّى التبريك وتبطل فيه الأعمال ويزعمون أن التوراة فيه استتم نزولها؛ ولذلك يتبركون فيه بالتوراة وليس في صياماتهم فرض غير صوم الكسور وهو عاشر يوم من تشري اليهود، وابتداء الصوم من اليوم التاسع قبل غروب الشمس بنصف ساعة إلى بعد غروبها من اليوم العاشر بنصف ساعة تمام خمس وعشرين ساعة، وكذلك غيره من صياماتهم النوافل والسنن. [أمة المسيح] وأما النصارى وهم أمة المسيح ﵇. قال الشهرستاني في كتاب الملل والنحل (١): وللنصارى في تجسيد الكلمة مذاهب فمنهم من قال: أشرقت على الجسد إشراق النور على الجسم، ومنهم من يقول: انطبعت انطباع النفس في الشمعة، ومنهم من يقول: تدرع اللاهوت بالناسوت، ومنهم من يقول: مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن الماء. واتفقت النصارى على أن المسيح قتلته اليهود وصلبوه، ويقولون: إنَّ المسيح بعد أن قتل وصلب، عاش فرأى شخصه شمعون الصفا وكلمه وأوطى إليه، ثم فارق الدنيا ورفعه الله إلى السماء. قال: وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، وكبارهم ثلاث فرق، الملكانية، والنسطورية، واليعقوبية. أما الملكانية (٢) فهم أصحاب ملكا الذي ظهر ببلاد الروم واستولى عليها فصار غالب الروم ملكانية، وهم يصرحون بالتثليث، وعنهم أخبر الله تعالى بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٣). وصرحت الملكانية: ان المسيح ناسوت كلّي وهو قديم أزلي من قديم أزلي، وقد

стр. 7528

ولدت مريم إلهًا أزليًا، والقتل والصلب وقعا على الناسوت واللاهوت معًا وأطلقوا لفظ الأبوة والنبوة على الله تعالى، وعلى المسيح حقيقة؛ وذلك لما وجدوا في الإنجيل «إنك الابن الوحيد»؛ ولما رووا عن المسيح أنه قال - حين يصلب - «أذهب وآتيكم». وحرموا آرموس (١) لما قال: القديم هو الله تعالى والمسيح مخلوق، واجتمعت البطارقة والمطارنة والأساقفة بالقسطنطينية بمحضر من قسطنطين ملكهم. وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا واتفقوا على هذه الكلمة اعتقادًا ودعوة؛ وذلك قولهم: نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل شيء وصانع ما يرى وما لا يرى، وبالابن يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق كلها وليس بمصنوع إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم، وكل شيء الذي من أجلنا وأجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس وتولد من مريم البتول وصلب ودفن. ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه وهو مستعد للمجيء تارة أخرى بالقضاء بين الأموات والأحياء. ونؤمن بروح القدس روح الحق الذي يخرج من أبيه لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قدسية مسيحية جائليقية، وبقيام أبداننا وبالحياة الدائمة أبدًا. هذا هو الاتفاق الأول على هذه الكلمات، ووضعوا شرائع النصارى عندهم، واسم الشريعة الهيمانوت. وأما النسطورية (٢)، فهم أصحاب نسطورس وهم عند النصارى كالمعتزلة عندنا، وخالفت النسطورية الملكانية في اتحاد الكلمة فلم يقولوها بل إن الكلمة أشرقت على جسد المسيح كإشراق الشمس على البلور. وقالت النسطورية أيضًا، إنَّ القتل وقع على المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته خلافًا للملكانية. وأما اليعقوبية (٣)، فهم أصحاب يعقوب البرذعاني. وكان راهبًا بالقسطنطينية، قالوا: إنَّ الكلمة انقلبت لحمًا ودمًا فصار الإله هو المسيح. قال ابن حزم (٤)؛ واليعقوبية يقولون: إنَّ المسيح هو الله قتل وصلب، وإنَّ العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، وعنهم أخبر القرآن العظيم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٥).

стр. 7529

وقال ابن سعيد في كتابه: البطارقة للنصارى بمنزلة الأئمة أصحاب المذاهب للمسلمين، والمطارنة مثل القضاة، والأساقفة مثل المفتين، والقسيسيون بمنزلة القراء، والجاثليق بمنزلة الإمام الذي يؤم في الصلاة. والشمامسة بمنزلة المؤذنين وقومة المساجد. وأما صلوات النصارى، فهي سبع عند الفجر والضحى والظهر والعصر والمغرب والعشاء ونصف الليل. يقرؤون فيها بالزبور المنزل على داود تبعًا لليهود. والسجود في صلاتهم غير محدود، وقد يسجدون في الركعة الواحدة خمسين سجدة، ولا يتوضأون للصلاة، وينكرون الوضوء على المسلمين؛ واليهود يقولون: الأصل طهارة القلب. وقال الخرقي في نهاية الإدراك في دراية الأفلاك: إنَّ للنصارى أعيادًا وصيامات، فمنها صومهم الكبير وهو تسعة وأربعون يومًا، أولها يوم الاثنين، وهو أقرب اثنين إلى الاجتماع الكائن فيما بين اليوم الثاني من شباط إلى اليوم الثامن من آذار؛ فأي اثنين كان أقرب إليه؛ أما قبل الاجتماع، وأما بعده؛ فهو رأس صومهم. ثم وجدت ضابطًا لرأس صومهم أصح مما ذكر وهو أن ينظر إلى الربح وهو سادس كانون الثاني في أي شهر هو من الشهور العربية، ثم ينتقل إلى سابع وعشرين الشهر العربي الذي يليه من حين رؤية الهلال؛ فإن كان يوم الاثنين، فهو رأس صومهم، وإلى ثاني اثنين كان أقرب إليه قبله أو بعده، فهو رأس صومهم وفطرهم أبدًا يكون يوم الأحد الخمسين من هذا الصوم، وسبب تخصيصهم هذا الوقت بالصوم أنهم يعتقدون أن البعث والقيامة يكونان في مثل يوم الفصح وهو اليوم الذي قام فيه المسيح من قبره بزعمهم. ومن أعيادهم الشعانين الكبير وهو يوم الأحد الثاني والأربعين من الصوم، وتفسير الشعانين التسبيح؛ لأنَّ المسيح دخل في يوم الشعنينة المذكور إلى القدس راكب أتان يتبعها جحش فاستقبله الرجال والنساء والصبيان وبأيديهم ورق الزيتون، وقرأوا بين يديه التوراة إلى أن دخل بيت المقدس واختفى عن اليهود يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، وغسل يوم الأربعاء أيدي أصحابه الحواريين وأرجلهم ومسحها في ثيابه؛ وكذلك يفعله القسيسون بأصحابهم في هذا اليوم، ثم أفصح في يوم الخميس بالخبر وصار إلى منزل واحد من أصحابه. ثم خرج المسيح ليلة الجمعة إلى الجبل فسعى به يهوذا. وكان أحد تلامذته إلى كبار اليهود، وأخذ منهم ثلاثين درهمًا رشوة، ودلهم عليه فألقى الله تعالى شبهه على يهوذا - المذكور - فأخذوه وضربوه ووضعوا على رأسه إكليلًا من الشوك، وأنالوه كل مكروه وعذبوه بقية تلك الليلة - أعني ليلة الجمعة - إلى أن أصبحوا فصلبوه بزعمهم أنه المسيح على ثلاث ساعات من النهار المذكور، وتسمّى جمعة الصلبوت، وصلب معه لصان على جبل يقال له الجمحة واسمه بالعبرانية كاكلة.

стр. 7530

وماتوا - على ما زعموا - في الساعة التاسعة، ثم استوهب يوسف النجار - وهو ابن عم مريم - المسيح من قائد اليهود هيردوس - واسمه قيلاطوس .. وكان ليوسف المذكور منزلة ومكانة عنده فوهبه إياه فدفنه يوسف في قبر كان أعده له. وزعمت النصارى أنه لبث في القبر ليلة السبت ويوم السبت وليلة الأحد، ثم قام صبيحة يوم الأحد - الذي يفطرون فيه - ويسمي النصارى ليلة السبت بشارة الموتى بقدوم المسيح. ولهم الأحد الجديد وهو أول أحد بعد الفطر ويجعلونه مبدأ الأعمال وتاريخًا للشروط والقبالات. ولهم السلاقا ويكون يوم الخميس بعد الفطر بأربعين يومًا فيه تسلق المسيح مصعدًا إلى السماء من طور سيناء. ولهم عيد القبطي قسطي وهو يوم الأحد بعد السلاقا بعشرة أيام، واسمه حسبق بن الخمس بلسانهم، وفيه تجلى المسيح لتلامذته وهي السلحيون، ثم تفرقت ألسنتهم وتوجههت كل فرقة إلى موضع لغتها. ولهم الذبح وهو سادس كانون الثاني، وهو اليوم الذي غمس فيه يحيى بن زكريا للمسيح في نهر الأردن. ولهم عيد الصليب وهو مشهور. ولهم الميلاد، وفي الليلة المذكورة ولدت مريم المسيح في قرية من القدس تسمى بيت لحم. وأما الإنجيل، فهو كتاب يتضمن أخبار المسيح من ولادته إلى وقت خروجه من هذا العالم. كتبه أربعة نفر من أصحابه وهم: متى كتبه بفلسطين بالعبرانية، وسرقوس كتبه بالروم باللغة الرومية، ولوقا كتبه بالاسكندرية باللغة اليونانية، ويوحنا كتبه باسين باليونانية أيضًا. ولهم صوم السلحين وهو ستة وأربعون يومًا، أولها يوم الاثنين إلى القبطي قسطي بعد الفطر الكبير بخمسين يومًا، ولهم فيه خلاف. ولهم صوم نينوى ثلاثة أيام، أولها يوم الاثنين الذي قبل الصوم الكبير باثنين وعشرين يومًا. ولهم صوم العذارى وهو ثلاثة ايام، أولها يوم الاثنين يتلو الذبح، وفطره يوم الخميس. [أمة الروم] وأما الأمم التي دخلت في دين النصارى فمنها أمة الروم. قال أبو عيسى: وهذه الأمة على كثرتها وعظم ملوكها واتساع بلادها، إنما
следующие страницы →