← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، ثم سميه محمدًا. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى، من أرض الشام. ثم مات عبد الله أبوه وأمه حامل به. ولما ولد هتفت الجن على أبي قبيس (١) والحجون (٢)، فقال الذي على أبي قبيس: [من السريع] يا ساكني البطحاء لا تغلطوا … وميزوا الأمر بفعل مضى إنَّ بني زهرةَ مِنْ سِرّكم … في غابر الأمر وعند البدا واحدة منكم فهاتوا لنا … فيمن مضى في الناس أو مَنْ بَقَى واحدة من غيرهم مثلُها … جنينها مثل النبي التقى وقال الذي على الحجون: [من الطويل] فأقسم ما أُنثى مِنَ الناس أنجبت … ولا ولدت أنثى من الناس واحده كما ولدت زهرية ذاتُ مَفْخَرٍ … مُجَنَّبةٌ لؤم القبائل ماجده وقد ولدت خير البرية أحمدا … فأكرم مولدد وأكرم والده فلما ولد حمله عبد المطلب ودخل به الكعبة، وقام يدعو الله ويشكره، ثم ردّه إلى أمه (٣).

стр. 7772

واسترضع له حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية (١)، وظهر عليها آثار بركاته،

стр. 7773

فَدَر ثَديُها، وسَمِنتْ عِجَافُ شِيَاهُهَا، وكَثُرت ألبَانُهَا، وكانَ يَشُبُّ شَبَابًا لا يُشبِهُ الغِلمانَ، فلم يَبلُغ سِنتَيهِ حتى كانَ غُلامًا جَفرًا (١)، ثم أتت به أمه وأرته إياه، وقالت لها: لولا تركتيه عندي حتى يَغلُظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، ولم تزل حتى ردته معها. قالت حليمة: فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه، فهما يسوطانه. قالت: فخرجنا نحوه فوجدناه قائما منتقعا وجهه، فالتزمناه وقلنا له: ما لك يابني، فقال نحو قول أخيه، فرجعنا به إلى خبائنا، فقال زوج حليمة لها: لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله. قالت: فاحتملناه وقدمنا به على أمه فقالت: ما أقدمك به وقد كنت حريصة عليه؟ ولم تدعني حتى أخبرتها. قالت: أفتخافين الشيطان عليه؟ قالت: فقلت: نعم. فقالت: كلا والله، ما للشيطان عليه من سبيل، إن لابني هذا شأنًا، أفلا أخبرك خبره، إني رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل - قط - كان أخف ولا أيسر منه، وقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض، رافعًا رأسه إلى السماء. دعيه عنك وانطلقي راشدة. فكان مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب في كلاءة الله وحفظه. فلما بلغ ست سنين، توفيت أمه وهي بالأبواء (٢) - بين مكة والمدينة - وكانت قد قدمت به على أخوال جدّه عبد المطلب من بني عدي بن النجار تزيره إياهم.

стр. 7774

وبقي عند جده، وكان يوضع لجده عبد المطلب فراش في ظل الكعبة ويجلس بنوه حول فراشه حتى يخرج إليه ولا يجلس أحد منهم معه، وكان يأتي رسول الله ﷺ وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه عليه ويمسح ظهره بيده، ويسره مايراه يصنع. فلما بلغ ثماني سنين، هلك عبد المطلب، ويروى أن عبد المطلب جمع بناته قبل موته وأمرهن أن يبكينه، فقالت كل واحدة شعرا فيه، ورثي بأشعار من أحسنها قول حذيفة بن غانم من بني عدي بن كعب (١): [من الطويل] أعينيَّ جُودا بالدموع على الصدر … ولا تسأما سقيتما سَبَلَ القطر على الماجد البهلول ذي الباع والندى … ربيع لؤي في الفحوط وفي العُسرِ (٢) على شيبة الحمد الذي كان وجهُهُ … يضيء سواد الليل كالقمر البدر طوى زمزمًا عند المقام فأصبحت … سقايته فخرا على كل ذي فخر بنوهُ سَرَاة كلُّهم وشبابهم … تفلّقُ عنهم بيضة الطائرِ الصَّقْرِ فإِنْ تَكُ غالته المنايا وصَرْفُها … فقد عاش ميمون النقيبة والذكر وكذلك قول مطرود بن كعب الخزاعي (٣): [من الكامل] يا أيها الرجلُ المُحوّل رحله … هلا نزلت بآل عبد مناف ثكلتك أمك لو حَلَلْتَ بدارِهِمْ … ضمنوكَ مِنْ جُرم ومن إقراف المنعمين إذا النجوم تغيرت … والظاعنين لرحلة الأضياف والمطعمين إذا الرياح تناوحت … حتى تغيب الشمس في الرجاف (٤) إما هلكت أبا الفعال فما جَرَى … مِنْ فوق مثلكِ عَقْدُ ذاتِ نطاف (٥)

стр. 7775

فلما مات عبد المطلب، صار إلى كفالة عمه أبي طالب (١)؛ لأن أبا طالب وعبد الله أخوان لأب وأم، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم.

стр. 7776

ويقال: إن عبد المطلب كان يوصي [به] عمه أبا طالب. وبقي ﷺ مع عمه أبي طالب، وإليه كانت كفالته، وسافر به عمه أبو طالب إلى الشام، فلما نزل الركب بصرى، وكان بها راهب اسمه بحيرى (١) في صومعة طالما نزلوا به فلم يكلمهم، وكان إليه علم النصرانية، يتوارثونه كابرًا عن كابر، فلما نزلوا به تلك السنة صنع لهم طعاما كثيرا وبعث يقول لهم: إني قد صنعت لكم طعاما يامعشر قريش، وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ الحداثة سنه في رحالهم تحت شجرة هناك. وكان - فيما يقال - إنه قد أشرف عليهم، فرأى الغمامة تظل رسول الله ﷺ من بين القوم، ثم رأى الغمامة قد أظلت الشجرة لما نزل في ظلها، وقد تهصرت أغصانها عليه، فنظر فيهم فلم ير الصفة (التي يعرف ويجد عنه)، فقال: معشر قريش، لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي. قالوا: يا بحيرى، ماتخلف عنك أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا. فقال: [لا] تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقام رجل منهم واحتضنه وأجلسه مع القوم. فلما رآه بحيرى جعل يلحظه وينظر إلى أشياء من جسده كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى وقال: يا غلام، أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه - وإنما أقسم بهما عليه، لأنه سمع قريشا يقسمون بهما - فقال له رسول الله ﷺ : «لا تسألني باللات والعزى شيئًا، فوالله ما أبغضت شيئًا - قط - بغضهما». قال له بحيرا: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك. قال: «سلني عما بدا لك». فجعل يسأله عن أشياء من حاله، من نومه وهيأته وأموره، ورسول الله ﷺ يخبره، فيوافق ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم (٢) النبوة بين كتفيه على موضعه، وكان مثل أثر المحجم (٣). فلما فرغ قال لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. فقال له بحيرى: ما

стр. 7777

هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا. قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليتبعنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم (١). فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة، فلما بلغ ما كان رجلًا، كان أفضل قومه وأجمعهم لمحامد الأوصاف، وأبعدهم من كل ما يدنس الرجال، حتى ما كان اسمه في قومه إلا الأمين. فلما هاجت حرب الفجار (٢)، كان قد بلغ نحو خمس عشرة سنة، وشهد مع قريش بعض أيامهم فيها. وسميت حرب الفجار لاستحلال الحرم؛ لأن البراض بن قيس (٣) - أحد بني

стр. 7778

ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة - قتل عروة الرحال (١) بن (عتبة بن جعفر) بن كلاب في الشهر الحرام؛ لأنه قد أجار لطيمة (٢) للنعمان بن المنذر (٣) على قريش وبني كنانة (٤)، فأتى آت قريشًا فقال: إن البراض قتل عروة في الشهر الحرام بعكاظ (٥)، فارتحلوا وهوزان (٦) لا تشعر بهم، ثم شعرت هوازن فأدركوهم قبل دخول الحرم، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم كانت بينهم أيام. وقال رسول الله ﷺ : كنت أنبل عن أعمامي، أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها. فلما قارب رسول الله ﷺ هـ خمسا وعشرين سنة بعثته خديجة بنت خويلد (٧) بتجارة

стр. 7779

لها إلى الشام ومعه غلامها ميسرة (١)، فنزل في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب، فاطلع الراهب إلى ميسرة وقال له: من هذا؟ فقال له: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: مانزل تحت هذه الشجرة - قط - إلا نبي.

стр. 7780

ثم باعا البضاعة وتَعَوَّضا عنها، وكان مَيْسَرة - فيما يقال - إذا اشتد الحر يرى مَلَكين يُظِلانِهِ من الشمس وهو يسير على بَعيره، فلما عاد إلى مكة أربحت خديجة رِبْحًا كثيرًا، وحدثها ميسرة بما رأى وما قاله له الراهب، وكانت ﵂ امرأة شريفة حازمة لبيبة، فقالت ذلك لورقة بن نوفل (١) - وكان ابن عمها - وكان نصرانيًا قد قرأ الكتب وعلم علم الناس، فقال: لئن كان هذا حقا، إن محمدًا لنبي هذه الأمة، فبعثت إليه (فقالت له): يا ابن عم، إني قد رغبت فيك، وكانت خديجة - يومئذ - أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهُنَّ شرفًا، وأكثرهُنَّ مالًا، وكل قومها كان حريصًا على تزويجها لو يقدر عليه.

стр. 7781

فذكر رسول الله ﷺ قول خديجة لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة (١) حتى دخل على خويلد فخطبها إليه فتزوجها، وأصدقها عشرين بكرة. وولده (٢) كلهم منها إلا إبراهيم (٣). وأولاده منها: القاسم (٤) - وبه كان يكنى، والطاهر، والطيب (٥)،

стр. 7782

وزينب (١)، ورقية (٢)،

стр. 7783

وأم كلثوم (٣). وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (٤).

стр. 7784

صلوات الله وسلامه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين. قال ابن إسحاق (١): فأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا في الجاهلية، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه ﷺ . فلما بلغ خمسًا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبناء الكعبة، فقال لهم أبو وهب بن

стр. 7785

عمرو بن عائذ المخزومي (١): يامعشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. والناس ينحلون هذا الكلام للوليد بن المغيرة، والصحيح أن أبا وهب قائله، وهو الممدوح بقول شاعر من العرب: [من الطويل] ولو بأبي وهب أَنَخْتُ مَطِيتي … غدت من نَدَاهُ رَحْلُها غير خائبِ بأبيض من فرعي لؤي بن غالب … إذا حصلت أنسابها في الذوائب أبي لأخذ الضيم يرتاح للندى … توسطَ جَدَّاهُ فروع الأطايب عظيم رماد القدر تملا جفانه … من الخبز يعلوهنَّ مثل السبائب البيت الأول خَرْمٌ، وهو ذهاب حرف متحرك وتجزئت قريش بناء الكعبة فكان شق لبني عبد مناف (٢) وزهرة (٣)، وما بين وفي أول الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم (٤) وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح (٥) وسهم (٦)، وكان شق الحجر لبني عبد الدار (٧) وبني أسد (٨) وبني عدي (٩)، وهو الحطيم. ووجدوا في الركن كتابا بالسريانية لم يدروا ماهو حتى قرأه لهم رجل من يهود، وإذا هو: «أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض، وصورت الشمس [والقمر]، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا تزول حتى يزول أخشباها. مبارك لأهلها في الماء واللبن».

стр. 7786

ووجدوا في المقام كتابا فيه: «مكة [بيت] الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، لا يحلها أقل من أهلها». وزعم ليث بن أبي سليم أنهم وجدوا حجرًا في الكعبة قبل مبعث النبي ﷺ بأربعين سنة، مكتوبًا فيه: «من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرًا يحصد ندامة، تعملون السيئات وتجزون الحسنات، أجل، كما [لا] يجتني من الشوك العنب». وشرعوا في البنيان، فلما بلغ موضع الركن اختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه، حتى تحالفوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماء ثم تعاقدوا هم وبنو عدي ومن معهم على [الموت]، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم، وذلك حين تحالفت بنو عبد مناف ومن معهم، وقيل: كان التحالف قبل ذلك. ومكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا، ثم تشاوروا وتناصفوا على أن يقضي بينهم أول من يدخل من باب المسجد، فكان أول داخل رسول الله ﷺ ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، فلما انتهى إليهم أخبروه فقال: «[هل] إلي ثوبًا»، فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة ناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا، ففعلوا، حتى إذا أتوا موضعه، وضعه هو بيده ﷺ ، ثم بنى عليه. فقال ابن هشام (١): وكانت الكعبة على عهد رسول الله ﷺ ثمانية عشر ذراعا، وكانت تكسى القباطي (٢)، ثم كسيت البرود (٣)، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف (٤).

стр. 7787

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7788

وكانت قريش قد قالت: لا نعظم شيئا من الحل كالحرم حتى لا تستخف العرب بحرمنا، فتركوا الوقوف بعرفات والإفاضة منها، مع إقرارهم بأنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر العرب الوقوف عليها إلا هم؛ لأنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فما ينبغي لنا أن نخرج منه، إلا رسول الله ﷺ . قال جبير بن مطعم (١): لقد رأيت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي وإنه

стр. 7789

لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها، توفيقا من الله له. وكانت الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى تحدث بأمره قبل مبعثه، لما تجد من ذلك في كتبها وعهدت به أنبياؤها. قال ابن هشام (١): حدثني عاصم بن عمر بن قتادة (٢) عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله وهداه، لما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك، أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث - الآن - نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم. فلما بعث الله

стр. 7790

رسوله ﷺ أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، وآمنا به، وكفروا به، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية فينا وفيهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ (١). قلت (٢): وقد جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾، والمراد: يجدونه بعينه، ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهو مكارم الأخلاق وصلة الأرحام: ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، وهو الشرك: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾، وهو ما كانت العرب تستطيبه: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، وهو ما كانت العرب تأكله من الميتة والدم ولحم الخنزير: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾، هي [الأثقال التي كانت عليهم من] تحريم السبت، والشحوم: ﴿وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، وأن لا تقبل دية في القتل، وأن يقرضوا ما أصابه البول. قاله الزجاج ومن أعلامه في التوراة، في السفر الخامس: «إني أقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك، أجعل كلامي على فمه» (٤). وهذا أوضح الأعلام؛ لأنه (ما) أنشأ إخوة بني إسرائيل إلا بني إسماعيل، كما تقول: فلان أخو بني بكر. فإن قالوا: هذا الموعود به من بني إسرائيل - أيضًا - لأنهم إخوة، أكذبهم النقل والعقل، فأما النقل؛ فلأنه لم يقم فيهم مثل موسى، وأما البرهان؛ فلأنه لو كان المراد من بني إسرائيل، لقال: أقيم لهم من أنفسهم، ولم يقل: من إخوتهم (٥).

стр. 7791

وفي الإنجيل: «أنا أذهب، وسيأتيكم الفارقليط، روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه. إنما هو كما يقال له، وهو يشهد علي وأنتم تشهدون؛ لأنكم معي من قبل الناس، وكل شيء أعده الله لكم يخبركم به». وفي كتاب شعيا: «إنه سيملأ البادية والمدن قصور آل قيدار». وبنو قيدار هم العرب. وفي ذكر شعيا يريد مكة: «سيرى [واهتزي] أيتها العاقر التي لم تلد، وانطقي بالتسبيح وافرحي إذ لم تحبلي، فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي». يعني بأهله [أهل] بيت المقدس؛ لأنه بيت الأنبياء. وفي ذكر شعيا: «قيل لي: قم نظارا فانظر ماترى تخبر به، قلت: أرى راكبين مقبلين، أحدهما على حمار والآخر على جمل يقول أحدهما [للآخر]: سقطت بابل وأصنامها المنجرة». قال ابن الجوزي: فصاحب الحمار عندنا وعند النصارى «المسيح»، فلم لا يكون محمد ﷺ صاحب الجمل!؟ أوليس سقوط بابل والأصنام المنجرة به على يديه لا بالمسيح؟ ولم يزل في إقليم بابل ملوك يعبدون الأوثان من لدن إبراهيم ﵇، أوليس هو بركوب الجمل أشهر من المسيح بركوب الحمار؟ وكذلك كانت الكهان تخبر بما يأتيها به جنها، فلما تقارب بعثه، حجبت الشياطين ومنعت من المقاعد لاستراق السمع، ورمتهم النجوم.

стр. 7792

وأول من فزع من العرب في النجوم «ثقيف» (١)، وجاؤوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية - أحد بني علاج - وكان أدهى العرب وأذكاها رأيا، فقالوا له: ياعمرو، أرأيت ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟ قال: بلى، فانظروا، فإن كانت معالم النجوم التي يهتدي بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء، لما يصلح الناس لمعايشهم، هي التي يُرمى بها، فهو والله طي الدنيا، وهلاك هذا الخلق الذي فيها، وإن كانت نجوما غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق، فما هو (٢)؟ وقال عمر بن الخطاب (٣) ﵁: إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر

стр. 7793

من قريش، قد ذبح له رجل من العرب عجلا، فنحن ننتظر قسمه ليقسم لنا منه، إذ سمعت من جوف العجل صوتا ماسمعت صوتا، - قط - أنفذ منه، وذلك قبل الإسلام بشهر، يقول: يا ذريح، أمر نجيح، ورجل يصيح، بلسان فصيح، يقول: لا إله إلا الله. وسمع بمكة هاتف يقول: [من السريع] عجبت للجن وإبلاسها … وشدَّها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنو الجنّ كأنجاسها (١) * * * الفصل الثاني [البعثة وطلائع الدعوة إلى الله] فلما بلغ ﷺ أربعين سنة، بعثه الله رحمة للعالمين وكافة للناس، وكان الله قد أخذ له الميثاق على كل نبي يبعثه قبله بالإيمان والتصديق له، والنصر له [على] من خالفه، وأن يؤدوا ذلك إلى من آمن بهم. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢).

стр. 7794

وأول ما ابتدئ به ﷺ الرؤيا الصادقة، لا يرى في نومه رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح. وحبب الله إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده. وكان لا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يارسول الله، فيلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الحجارة والشجر. ثم جاءه جبريل ﷺ وهو بحراء (١) في رمضان. قال رسول الله ﷺ : فجاءني وأنا نائم، بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتني (٢) به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: إقرأ - ثلاث مرات كذلك - ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود إلي بمثل ما صنع، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ (٣). قال: فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عني وهبت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا (٤). قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في أفق السماء فلا أنظر [في] ناحية [منها] إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغو (أعلى) مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفا إليها، فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي، ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عم، وأثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجوا أن تكون نبي هذه الأمة.

стр. 7795

ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، فأخبرته بما أخبرها به، أنه رأى وسمع فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، وقولي له: [فليثبت]. فرجعت خديجة فأخبرته بقول ورقة. فلما قضى رسول الله ﷺ جواره بحراء، بدأ بالكعبة فطاف بها على ما كانت عليه عادته، فلقيه ورقة، وقال: يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره، فقال: والذي نفس ورقة بيده إنك لنبي هذه الأمة، لقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه (١)، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله. وقالت له خديجة: يا ابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به. فجاءه جبريل ﵇ فقال رسول الله ﷺ : يا خديجة، هذا جبريل جاءني، قالت: قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى، فجلس فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول، فاجلس على فخذي اليمنى، فتحول فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري فتحول فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله ﷺ في حجرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا، قالت: يا ابن عم، أثبت وابشر، فوالله إنه لملك، ما هذا بشيطان. وابتدئ بالتنزيل في رمضان. قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٢). ثم تتابع الوحي، وهو مؤمن بالله مصدق بما جاءه منه، قد قبله بقبوله، وتحمل منه ما تحمل على رضا العباد وسخطهم، فمضى على أمر الله - سبحانه - على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى. وآمنت به أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂ ووازرته وكانت أول من آمن به وصدقت بما جاء منه، فخفف الله بها عن رسوله، كان لا يجد ما يحزنه إلا

стр. 7796

فرج الله عنه بها إذا رجع إليها تسليه وتخف عليه وتهون عليه أمر الناس، فشكر الله لها هذه السابقة، ورعى لها هذه اليد، ولهذا قد أطال الله نبعتها ومد من الدوحة النبوية فروعها، فجزاها الله عن نبينا محمد صلى الله عليه (وسلم) وعنا أهل الإسلام أفضل الجزاء. قال ﷺ (١): «أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب». والقصب - ههنا - اللؤلؤ المجوف. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به، أن جبريل أتى رسول الله ﷺ فقال: أقرئ خديجة السلام من ربها»، فقال رسول الله ﷺ : «ياخديجة، هذا جبريل يقرئك السلام من ربك»، فقالت خديجة: إليه السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام (٢). فانظر إلى هذا الإيمان المستقر، والجأش الرابط، في مثل هذا المقام الذي يتلجلج فيه المقال. ثم فتر الوحي فترة شقت عليه، فجاءه جبريل ﵇ بسورة الضحى، يقسم ربه بأنه ما ودعه وما قلاه، وجعل رسول الله ﷺ يحدث بما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوة سرًا إلى من يطمئن به من أهله. و افترضت عليه الصلاة، فصلى رسول الله ﷺ . وذكر الحربي (٣) أن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل

стр. 7797

غروبها. ويشهد لهذا القول قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (١). وقالي يحيى بن سلامة (٢) مثله.

стр. 7798

وكان ممّا أنعم الله به على عليّ بن أبي طالب (١) ﵇ أنه كان في حجر

стр. 7799

رسول الله ﷺ فآمن به وعمره عشر سنين - يومئذ - وكان إذا حضرت الصلاة، خرج رسول الله ﷺ إلى شعاب مكة مستخفيا من أعمامه وقومه ومعه علي ﵇ فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال: يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: أي عم، هذا دين الله، ودين الإسلام، ودين ملائكته، ودين رسله ودين أبينا إبراهيم، وبعثني الله [به] رسولا إلى العباد، وأنت أحق من بذلت له النصحية، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه أنت، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي. ثم قال لعليّ: أي شيء هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال له: يا أبت آمنت برسول الله ﷺ وصدقت بما جاء به، وصليت معه الله، واتبعته فقال له: أما أنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه. ثم أسلم زيد بن حارثة (١) مولى رسول الله ﷺ ، ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة (٢)، ﵁.

стр. 7800

فأول من أسلم مطلقًا من النساء خديجة، ومن الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد. والإنصاف أن يقال: أول من أسلم من الناس مطلقًا ومن النساء خاصة خديجة، ومن الرجال أبو بكر، ومن الموالي زيد. فأما علي ﵇ فقد كرم الله وجهه عن السجود لغير الله؛ لأنه كان في حجر رسول الله ﷺ من صغره، فهديه مذ كان من هدى رسول الله ﷺ ، وبعث ولم يبلغ علي ﵁ غير عشر سنين، فآمن به من قبل أن يجري عليه التكليف، فما كلف إلا وهو مؤمن منذ كان. ثم لما أسلم أبو بكر ﵁ أظهر إسلامه، ودعا إلى الله ورسول الله ﷺ ، وكان رجلا محببا، سهلا، أنسب قريش لقريش، وأعلمهم بها، وبما كان فيها، وكان تاجرًا، ذا خلق ومعروف، وكان يألفه قومه لعلمه وتجارته وحسن مجالسته،

стр. 7801

فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه عثمان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله ﵃ فجاء بهم إلى النبي ﷺ فأسلموا وصلوا وكان رسول الله ﷺ يقول: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده فيه كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه». ثم أسلم أبو عبيدة، وأبو سلمة، والأرقم بن أبي الأرقم، وعثمان بن مظعون، وأخواه قدامة، وعبد الله، وعبيدة بن الحارث، وأسماء بنت أبي بكر وعائشة - وهي صغيرة - وخباب بن الأرت، وعمير بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وصهيب الرومي، وسعيد بن زيد وزوجه فاطمة بنت الخطاب - أخت عمر. ولما مضت ثلاث سنين للنبوة أمره الله أن يصدع بما جاءه، قال الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). وقال: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢). فلما صدعهم بما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها. ومضى رسول الله ﷺ فيما أمر به، لا يرده شيء، فلما رأت قريش منه ذلك، وأن عمه أبا طالب لا يسلمه مشى رجال منهم إلى أبي طالب وقالوا: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وردهم ردا جميلا، فانصرفوا، ومضى رسول الله ﷺ . ثم سري الأمر [بينه و] بينهم، حتى تضاغنوا، ثم أتى القوم أبا طالب فقالوا له مثل قولهم الأول، فأتاه أبو طالب فقال: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. وظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه [بداء] فقال: «ياعم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ماتركته»، ثم بكى رسول الله ﷺ وقام. فلما ولى قال له أبو طالب: أقبل يا ابن أخي، فأقبل، ثم قال له: يا ابن أخي، اذهب فقل ما أحببت، والله لا أسلمك لشيء أبدا.

стр. 7802

فلما يئست قريش من خذلان أبي طالب له مشوا إليه بعمارة بن الوليد، فقالوا: هذا أنهد فتى في قريش، خذه فاتخذه ولدًا واسلم إلينا ابن أخيك، فإنما هو رجل برجل. فقال: والله لبئس ما تسومونني! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه، هذا والله ما لا يكون أبدا. فتنابذ القوم، ونادي بعضهم بعضًا. وقال أبو طالب (١): [من الطويل] ألا قل لعمرو والوليد ومطعم … ألا ليتَ حظّي مِنْ حياطتكمْ بِكْرُ أرى أخوينًا من أبينا وأمنا … إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر أخص خصوصا عبد شمس ونوفلًا … هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر هما أشركا في المجد [مَنْ] لا أبا له … مِنَ الناس إلا أن يُرش لهُ ذُكِرُ وتيم ومخزوم وزهرة منهم … وكانوا لنا مولى إذا بُغِي النصر فوالله لا تنفك مِنَّا عداوة … ولا منهم ما كانَ مِنْ نسلنا شَفْر ثم وثبت كل قبيلة [على] من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع رسول الله ﷺ بعمه أبي طالب، واجتمع مع أبي طالب بنو هاشم وبنو المطلب، إلا ما كان من أبي لهب - عدوا الله ورسوله - ولما رأى أبو طالب من عاضده من بني أبيه جعل يمدحهم، ويذكر رسول الله صلى الله عليه (وسلم) فيهم، فقال (٢): [من الطويل] إذا اجتمعت يومًا قريش لمفخرٍ … فعبدُ مَنافِ سوها وصميمها فإن حصلت أشراف عبد منافها … ففي هاشم أشرافها وقديمها وإِنْ فَخَرَتْ يومًا فإنَّ محمدًا … هو المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش عنها وسمينها … علينا فلم تظفر وطاشت حُلُومُها وكنا قديمًا لا نقرُّ ظُلامةً … إذا ما ثَنَوا صُعْرَ الخُدُودِ نُقِيمُها ونحمى حماها كل يوم كريهة … ونضرب عن أحجارها من يرومها بنا انتعش العُودُ الذواء وإنما … بأكنافنا تندى وتنمى أرُومُها وقام الوليد بن المغيرة في قريش، وكان ذا سن فيهم، وقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم في الموسم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم، فاجمعوا فيه رأيا واحدًا لا تختلفوا فيه فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضًا. قالوا: فقل أنت.

стр. 7803

قال: بل أنتم قولوا، أسمع. قالوا: نقول: كاهن. قال: والله ماهو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ماهو بمجنون، لقد رأيت المجنون، فما هو يخنقه، ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول: شاعر. قال: ماهو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، وماهو بالشعر. قالوا: فنقول: ساحر. قال: ماهو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ فقال: والله إن لقوله لحلاوة، ون أصله لمعدق، وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق [به] بين المرء وأبيه، والمرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس في المواسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه. وفي مقال الوليد هذا أنزل الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (١). وأنزل الله في النفر الذين قالوا ما قالوا: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ (٢). وعضين: أي أصناف.

стр. 7804

فلما انتشر قولهم في النبي ﷺ خشي أبو طالب أن تركبه العرب مع قومه، فقال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة ومكانه منه، ويعدد فيها أشراف قومه، ويعرض لهم أنه غير تارك النبي ﷺ لشيء أبدا حتى يهلك دونه، فقال (١): [من الطويل] [و] لما رأيتُ القومَ لا ودَّ فيهمُ … وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعدواة والأذى … وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وقد حالفوا قومًا علينا أظنَّةً … يعضُّونَ غيظًا خلفنا بالأنامل صبرتُ لهم نفسي بسمراء سَمْحةٍ … وابيض عَضْب من تراث المقاول وأحصرتُ عند البيت رهطي وإخوتي … وأمسكتُ مِنْ أثوابه بالوصائل قيامًا معًا مُستقبلين رتاجَهُ … لدى حيثُ يُقضى خلفه كل قافل وحيث يُنيخ الأكثرون ركابهم … بمفضى السيول من إساف ونائل موسمة الأعضاد أو قَصَرَاتُها … مخيسةٌ بين السديس وبازل ترى الوَدْعَ فيها والرخام وزينةً … بأعناقها معقودة كالعشاكل أعوذ برب الناس من كلِّ طاعن … علينا بسوء أو مُلح بباطل ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة … ومن ملحق في الدين ما لم نحاول وثورٍ ومَنْ أرسى تبيرا مكانَه … وراقٍ ليرقى في حراء ونازل وبالبيت، حق البيت، من بطن مكة … وبالله إِنَّ الله ليس بغافل وبالحَجَرِ المُسود إذ يمسحونَهُ … إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبه … على قدميه حافيًا غير ناعل وأشواط بين المروتين إلى الصفا … وما فيهما من صورة وتماثل ومِنْ حَج بيتِ اللهِ مِنْ كُلِّ راكب … ومِنْ كلِّ ذي بذر ومن كل راجل وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له … إلَالًا إلى مفضي السراج القوابل وتوقافهم فوق الجبال عشية … يقيمون بالأيدي صدور الرواحل وليلة جَمْعِ والمنازل مِنْ مِنّى … وهلْ فوقَها مِنْ حُرْمَةٍ وَمَنَازِل وجمع إذا ما المقرباتُ أجزنَهُ … سَرَاعا كما يخرجن من وقع وابل وبالجمرة الكبرى إذا صَمَدُوا لها … يؤمونَ قَذْفا رأسها بالجنادل وكندة إذ هم بالحصابِ عَشِيَّةً … تجيزُ بهمْ حُجَّاجُ بكر بن وائل حلفان شدًّا عَقْدَ ما احتلفاله … وردا عليه عاطفات الوسائل

стр. 7805

وحطمهم سُمْرُ الصفاح وسرحه … وسبرقة وحدْ النعام الجوافل فهل بعد هذا مِنْ مَعاد لعائذ … وهلْ مِنْ مُعيذ يتقي الله عادل يُطاعُ بنا الأعداء وَدُّوا لو أننا … تسدبنا أبواب تُرْكِ وكابل كذبتم وبيت الله نترك مكةً … ونظعنُ إلا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبزى محمدًا … ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نُصَرَّعَ حولَهُ … ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قومٌ في الحديد إليكم … نهوض الروايا تحت ذات الصَّلاصل وحتى ترى ذا الضغن يركب ردعَهُ … مِنَ الطعنِ فِعْلَ الأنكبِ المُتحامل وإنا لعمرُ اللهِ إِنْ جَدَّ ما أرى … لتلتبسن أسيافنا بالأنامل بكفّي فتى مثل الشهاب سميدع … أخي ثقة حامى الحقيقة باسل شهورًا وأيامًا وحولًا مجرمًا … علينا ونأتي حجة بعد قابل وما ترك وقوم، لا أبا لك، سيدًا … يحوط الذمار غير ذرب مواكل وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاكُ مِنْ آلِ هاشم … فهم عنده في نعمة وفواضل لعَمري لقد أجرى أسيد وبكرةً … إلى بغضنا وجزًا بأكلة آكِلِ وعثمان لم يربع علينا وقنفذ … ولكن أطاعا أمر تلك القبائل أطاعا أبيًا وابن عبد يغوثهم … ولم يرقبا فينا مقالة قائل كما قد لقينا من سبيع ونوفل … وكلُّ تولَّى مُعرِضا لم يُجامل فإن يلقينا أو يمكن الله منهما … نَكِلْ لهما صاعا بصاع المكايل وذاك أبو عمرو أبي غيرَ بُغضِنا … ليُضغِننا في أهل شاء وجامل يناجي بنا في كلِّ ممسى ومَصْبَح … فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل ويؤلي لنا بالله ما إن يغشنا … بلى قد نراه جهرة غير حائل لنا أضاق عليه بغضنا كلَّ تلعةٍ … مِنَ الأرضِ بين أخشب فمجادل وسائل أبا الوليد ماذا حَبَوتَنا … بسعيكَ فينا معرضا كالمخاتل وكنت امرًا ممن يُعاش برأيه … ورحمته فينا ولست بجاهل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح … حسود كذوب مبغض ذي دغاول ومر أبو سفيان عنِّي مُعْرضًا … كما مرَّ قَيْلٌ مِنْ عِظام المقاول يفر إلى نجدٍ وَبَرْدٍ مياهه … ويزعم أني لستُ عنكم بغافل ويُخبرنا فعلَ المُناصح أنه … شفيقٌ ويُخفى عارمات الدواخل

стр. 7806

أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة … ولا معظم عند الأمور الجلائل ولا يوم خصم إذ أتوكَ أشدة … أولي جَدَلٍ مِنَ الخُصوم الماسجل أمطعم إنَّ القوم ساموكَ خُطَّةً … وإني متى أوكل فلستُ بوائل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلًا … عقوبةَ شِر عاجلا غير آجل بمزان قسط لا يخيس شعيرةً … له شاهدُ مِنْ نفسه غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا … بني خلف قيضا بنا والغياطل ونحن الصميم مِنْ ذوابَةً هاشم … وآلِ قُصَيّ في الخطوب الأوائل وسهم ومخزوم تمالوا وألبسوا … علينا العدا من كل طمل وحامل فعبد مناف أنتم خير قومِكُمْ … فلا تُشركوا في أمركم كل واغل لَعَمْرِي لقد وهنتُم وعجزتم … جزتم وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل وكنتم حديثًا حطب قدر فأنتم … الآن حطاب أقدر ومراجل ليهنئ بني عبد المناف عقوقنا … وخذلاننا وتركنا في المعاقل فإن نك قومًا نتئر ما صنعتُمُ … وتَخْتَلِبُوها لَقْحَةً غير باهل فأبلغ قصيًّا أنَّ سينشر أمرنا … وبشِّر قصيًا بعدنا بالتخاذل ولو صَدَقُوا ضَرْبًا خلال بيوتهم … لكنا أسى عند النساء المطافل فكل صديق وابن أخت نعدهُ … لَعَمْرِي وجدنا غبه غير طائل / ٢٧٥/ سوى أنَّ رَهْطًا مِنْ كَلابِ بنِ مُرَّةٍ … براء إلينا مِنْ مَعَقَّة خاذل ونِعْمَ ابن أخت القوم غير مكذب … زهير حُساما مفردًا من حمائل أشمُّ مِنَ السُّم البهاليل ينتمي … إلى حَسَبٍ في حَوْمَةِ المجد فاضل لعمري لقد كلفت وجدًا بأحمد … وإخوتِهِ دَابَ المُحب المواصل فَمَنْ مثله في الناسِ أَي مُؤمَّلٍ … إذا قاسَهُ الحُكَّام عند التفاضل حليم رشيد عادل غير طائشِ … يُوالي إلهًا ليس عنه بغافل فوالله لولا أن أجيء بسنةٍ … تجرُّ على أشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حالةٍ … مِنَ الدهرِ جدًا غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مُكَذَّبٌ … لدينا ولا يعبا بقول الأباطل فأصبح فينا أحمد في أرومةٍ … تقتصر عنه سورة المتطاول حَدَبْتُ بنفسي دونَهُ وحميتُهُ ودافعت عنه بالذرا والكلاكل واشتهر أمر رسول الله ﷺ في العرب، وذكر بالمدينة، ولم يكن حي من العرب أعلم بأمره قبل أن يذكر من الأوس والخزرج (١)، لما كانوا يسمعون من أحبار اليهود،

стр. 7807

فلما سمعوا باختلاف قريش فيه، قال أبو قيس بن الأسلت (١)، وكان صهرًا لقريش (٢): [من الطويل] يا راكبا إِمَّا عَرَضْتَ فبلِّغَنْ … مُغَلْغَلَةً عنِّي لؤي بن غالب رسول امرئ قد راعه ذاتُ بينكم … على النأي محزون بذلك ناصب نبيتكم سَرْحين كل قبيلة … لها أزملٌ مِنْ بين مُذكِ وحاطب أعيذُكُمُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ صُنعِكُمْ … وشرّ تباغيكم ودس العقارب وقلَ لَهُمُ والله يحكم حكمه … ذروا الحرب تذهب عنكم في المراجب متى تبعثوها تبعثوها ذميمة … هي الغول للأقصين أو للأقارب ألم تعلموا ما كان في حرب داحس … فتعتبروا أو كان في حرب حاطب يخبركم عنها امرؤ حق عالم … بأيامها والعلم علم التجارب أقيموا لنا دينًا حنيفًا فأنتم … لنا غاية قد يهتدى بالذوائب وأنتم لهذا الناس نورٌ وعصمةٌ … تؤمون، والأحلام غيرُ عَوَارْبِ وأنتم، إذا ما حصل الناسُ، جوهر … لكم سُرَّةُ البطحاء شم الأرانب ترى طالب الحاجات نحو بيوتِكُم … عصائب هَلْكَى تَهْتَدِي بِعَصَائبِ لقد علم الأقوام أنَّ سَرَاتِكُمْ … على كلِّ حال خير أهل الحباحب فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا … بأركان هذا البيت بين الأخاشب فإن تهلكوا نهلك وتهلك مواسم … يُعاش بها، قول امرئ غير كاذب

стр. 7808

ثم إن قريشًا اشتد أمرهم - لما سبق من شقاوتهم - في عداوة رسول الله ﷺ ومن أسلم معه، فأغروا برسول الله ﷺ سفهاءهم، ورسول الله ﷺ مظهر لأمر الله لا يستخفي به، مباد لهم يعيب دينهم، ويحض على اعتزال أوثانهم. ولقد مر بهم يوما بالحجر آخذين في شأنه، فأقبل حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فغمزوه مرات، فقال: «أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح»، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ان فاه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ماكنت جهولا، فانصرف حتى إذا كان الغد، قال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغه منكم وما بلغكم عنه حتى إذا ناداكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك طلع عليهم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول: «نعم، أنا الذي أقول ذلك»، فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه، ورجع أبو بكر إلى بيته وقد صدعوا فرق رأسه مما جبذوه بلحيته. ومر يوما بأبي جهل عند الصفا، فنال منه أبو جهل ورسول الله ﷺ لا يكلمه، ثم عمد أبو جهل إلى ناس من قريش عند الكعبة فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه، راجعا من قنص له، وكان أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة، فأخبرته مولاة لابن جدعان بما كان من أبي جهل، فأقبل واحتمله الغضب حتى أقبل إلى أن وقف على رأس أبي جهل وضربه بالقوس فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه أقول كما يقول؟ فرد ذلك عليّ إن استطعت. فقامت رجال من بني مخزوم لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا، وتم حمزة ﵁ وأرضاه - على إسلامه، فعرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. ثم كان بين رسول الله ﷺ وبين قومه أمور، فقال أبو جهل في آخرها: يا معشر قريش، إن محمدا قد أبى إلا ماترون، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فاسلموني عند ذلك أو فامنعوني، وليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله ما نسلمك لشيء أبدا، فامض لما تريده. فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس الرسول الله ﷺ ، فلما

стр. 7809

سجد، أقبل نحوه بالحجر حتى إذا دنا نحوه، رجع منهزما منتقعا لوله مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال من قريش، وقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل - قط - فهم أن يأكلني. قال ابن إسحاق (١): وذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: «ذلك جبريل، لو دنا منه لأخذه». قال ابن هشام (٢): فقام النضر بن الحارث بن علقمة - ويقال: كلدة بن عبد مناف - وقال: يا معشر قريش، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم، قلتم: ساحر، لا والله ماهو بساحر، وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، وقلتم: مجنون، لا والله ماهو مجنون .. يا معشر قريش، انظروا في أمركم، فإنه والله قد نزل بكم أمر عظيم. وكان النضر من شياطين قريش، ممن يؤذي رسول الله ﷺ ، وينصب (له) بعداوة، وكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسا يذكر فيه الله ويحدث قومه بما أصاب من قبلهم من الأمم يقوم النضر فيقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلم إلي، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار. فلما سمعت قريش مقال النضر بعثته ومعه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة ليسألهم عنه، فقالوا لهما: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم؟ فإنه [قد] كان لهم حديث عجيب، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح، ما هي؟ فإن أخبركم بهن، فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل له مِقْوَلٌ فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبلا حتى قدما مكة، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، وأخبراهم بما قالته أحبار يهود، فجاءوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا، فذكروا الثلاثة، فقال: أخبركم بما سألتم عنه غدا، ولم يستثن، فانصرفوا فمكث ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك أمرا، فأحزن

стр. 7810

رسول الله ﷺ مكث الوحي، وشق عليه ماتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل بسورة الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ماسألوه من أمر الفتية والرجل الطواف والروح. فلما جاءهم رسول الله ﷺ بما عرفوا من الحق وعرفوا صدقة فيما حدث وموقع نبوته فيما جاءهم به رسول الله ﷺ من علم الغيوب حين سألوه، حال الحسد بينهم وبين اتباعه، فعتوا على الله، وقال قائلهم: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون. ودخل أبو جهل على أبي سفيان (١) بيته، فقال: يا أبا الحكم، مارأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا شيء يأتيه الوحي من السماء، فمتى يدرك هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. وعذبت كل قبيلة من فيها من المسلمين، وفتنوا من استضعفوا دينه، وكان بلال (٢)
следующие страницы →