ويونس هذا هو الذي قال الله فيه وفي قومه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ (١).
[يوتام بن عوزيا]
ثم يوتام بن عوزيا (٢)، ملك على آل يهودا، واستمر ملكه بيورشليم ست عشرة سنة. وكان عمره حين ملك خمسًا وعشرين سنة، وأحسن يوتام السيرة وبسط العدل في رعيته وبنى باب البيت الأعلى، وبنى ضياعًا في أرض يهودا ومنتزهات وجواسق.
وكان يحارب بني عمون وقوي عليهم فخافوا منه فاعطوه قطيعة في كل سنة مائة بدرة مالًا، وعشرة آلاف كر حنطة، ومثلها شعيرًا.
وعظم أمر يوتام جدًا؛ لأنه أصلح سيرته. وكان في أيامه عدة أنبياء ومات ودفن في قرية داود ﵇.
[أخازيا بن يوتام]
ثم أخازيا بن يوتام (٣)، ملك آل يهودا ست عشرة ة سنة. وكان عمره حين ملك عشرين سنة، وقيل: خمس وعشرين.
ولم يحسن سيرته وسجد للأصنام وعبدها وسير مالًا لملك الموصل واستنجد به على ملك أدوم فجاء وحضر دمشق فأخذه وسبى كل من بها وعاد إلى بلاده.
وفي زمانه ملك على الروم - الذين هم الإفرنجة - غير اليوناني رومالنس وروبالولس، وهما أول من ملك على الإفرنج. وبنى مدينة عظيمة وسماها رومية باسمه. وكان أخوه روبالس شريكه في الملك فقتله، وحين قتله ظهرت الزلازل في المدينة إلى أن كادت تنقلب فتضرع رومانس إلى الله تعالى أن تسكن الزلازل فرأى في نومه أنَّ الزلازل لا تسكن إلا أن يجلس أخاه معه على كرسي المملكة، فأشار أكابر المملكة أن يعمل صورة أخيه من ذهب ويجلسه معه على سرير المملكة، وصار إذا تكلم بكلام أمر أو نهي تكلم عنه وعن أخيه فيقول: قد أمرنا بكذا ونهينا عن كذا وصارت هذه لغة ملوك الروم إلى الآن.
ولما أجلس الصورة معه على السرير سكنت الزلازل.
стр. 7737
وفي أيام أخزيا - ملك يهودا - كانت أنبياء منهم: هوشع وأشعيا ومنجا المرسامي. ومات أخزيا ودفن في قرية داود ﵇.
[حزقيا بن أخازيا]
ثم حزقيا بن أخازيا (١) ملك آل يهودا بيروشليم تسعة وعشرين. وكان عمره حين ملك خمسًا وعشرين سنة وسار سيرة حسنة وعمل الحسنات كداود أبيه، ورمى الأصنام وقلع مذابحها وقطع حية النحاس التي كان موسى النبي ﵇ صنعها لنبي إسرائيل؛ لأنهم ضلوا بها وعبدوها وسموها حية الظنون.
ولم يكن في ملوك يهودا مثل حزقيا لا قبله ولا بعده وحفظ وصايا الله تعالى لأنبيائه فأعانه الله بسبب ذلك ونصره وظفره. وكان حزقيا شديد الغيرة الله تعالى.
وكان قد بلغه عن جماعة من عبيده أنَّ بيدهم طلسمًا في صورة إنسان؛ وكل من مرض وحصل له ألم في عضو من أعضائه، نظر إلى ذلك العضو من الصنم فيبرأ لوقته، فقال حزقيا في نفسه: إنَّ هذا الطلسم من الشياطين وهؤلاء قد اعتمدوا عليه وتركوا الإعتماد على الله تعالى فلم يزل يحتال إلى أن أخذه وكسره.
ومات حزقيا الملك ودفن مع آبائه بقرية داود ﵇.
[منشا بن حزقيا]
ثم منشا (٢) بن حزقيا ملك بعد أبيه، وكان عمره اثنتين وعشرين سنة. وكان سيء السيرة، مرتكبًا للسيئات وعمل القبائح، وبنى مذابح الأصنام التي هدمها أبوه، وسجد لنجوم السماء وعبدها، وألقى الأصنام في بيت الله - تعالى - فمنعه أشعيا النبي عن هذا الفعل الرديء فقتله وقتل الصالحين وسفك الدماء الزكية.
وقيل: بل نشره بالمنشار نصفين.
وقيل: إنَّ أشعيا النبي هلك من شدة العطش، وإنَّ عين سلوان ظاهر القدس ظهرت له وشرب منها.
وفي أيام منشا بنيت برنيطة بناها قاروس الملك التي كانت قبل ذلك تسمى نيقو، وكان خسف بها؛ وبعد ذلك بسنين كثيرة جددها قسطنطين الكبير وسماها باسمه.
وفي أيا منشا بن حزقيا ملك مدينة رومية قريموس ثلاثة وأربعين سنة، وهو الذي زاد في شهور الروم كانون الثاني وشباط. فإن شهور الروم كانت في ذلك الزمان عشرة
стр. 7738
شهور. وكان كل شهر ستة وثلاثين يومًا.
ومات منشا وصار إلى آبائه بقرية داود ﵇.
[آمون بن منشا]
ثم آمون بن منشا الملك. ملك بعد أبيه سنتين. وكان عمره حين ملك اثنين وعشرين سنة، وعمل الأعمال الرديئة مثل أبيه وعبد الأصنام وسجد لها، وقتله عبيده في بيته، واجتمع الشعب وقتلوا الذين قتلوه.
[يوشيا بن آمون]
ثم يوشيا بن آمون ملك على آل يهودا إحدى وثلاثين سنة. وكان عمره حين ملك ثماني سنين، واصلح طريقه مع الله تعالى وسار بسيرة داود أبيه ورم البيت وسدده بالدخل الذي يدخل إليه.
وفي أيامه ظهر خليقيا الكاهن، وهو والد أرميا، وهو الذي جاءه وقرأ عليه شيئًا من التوراة فجزع يوشيا لما فيها، وأمر بهدم بيت الأصنام وحرقها على الإطلاق، وبقتل جميع كهنة الأصنام، وهدم المذابح، وهدم بيوت الروابي.
وفي ثلاث عشرة سنة من ملكه تنبأ أرميا. وكان في أيامه من الأنبياء، صفونيا.
وأخبرت حلدى - امرأة سالوم - النبية: بأنَّ الله تعالى شكر له فعله، وأنَّ الله ينزل بهم البلاء الشديد؛ لأنهم أسخطوا الله بعبادتهم الأصنام، وأنه سالم من عذابهم وما ينزل بساحتهم؛ وأخبره بذلك أيضًا صفونيا.
وفي أيام يوشيا ملك المجوس بابل ثلاثة وثلاثين سنة.
وفي سنة إحدى وثلاثين من ملك يوشيا ملك فرعون الأعرج على مصر.
وقيل: إن في أيامه كان لقمان الحكيم.
وبعد هذه الأمور جميعها صعد فرعون الأعرج ملك مصر ليحارب أهل منبج بالفرات فخرج يوشيا وعارضه ليحاربه فقتل بسهم وحمل ميتًا ودفن بقرية داود ﵇ مع آبائه.
[ياهوخان بن يوشيا]
ثم ياهو خان (١) - ولد يوشيا - ملك على آل يهودا ثلاثة أشهر. وكان عمره حين ملك ثلاثة وعشرين سنة، وارتكب على ملكه القبائح مثل منشا، فأتى فرعون وأخذه
стр. 7739
ووضع على الأرض خراجًا مائة قنطار فضة وعشر قناطر ذهبًا. وساق باهوخان معه إلى مصر فمات هناك، وترك فرعون الياقيم ملكًا عليهم.
وتنبأ في أيامه ناحوم النبي فحذرهم عذاب الله وانتقامه لأعدائه ووعدهم ثوبه وانعامه لأوليائهم.
[اليواقيم بن يوشيا]
ثم اليواقيم (١) بن يوشيا بن آمون، صيره فرعون ملك مصر ملكًا على آل يهودا، وكان عمره حينئذ خمسة وعشرين سنة، وملك إحدى عشرة سنة.
وكان يواقيم يأخذ الخراج لفرعون ملك مصر من كل واحد على قدر حاله. وارتكب القبيح، وجاءه بختنصر - ملك بابل - فأطاعه ثلاث سنين ثم عصاه.
وسلط الله عليه الغزاة من أدوم ومواب وعمون والكلدانيين على آل يهودا ليهلكوهم كما أخبر به تعالى على لسان أنبياء بني إسرائيل، كما تقدم ذكره.
وفي سنة ثلاث من ملكه غزا بيت المقدس وسبى طائفة منها وحمل جميع متاع البيت وانتهب كما أخبر به الله تعالى. وكان الذي فعل هذا بختنصر.
وكان في جملة من سبى بختنصر في ذلك الوقت دانيال وخينيا وغراريا ومبصائيل.
وفي سنة خمس من ملك يواقيم قاتل بختنصر فرعون الأعراج ملك مصر، وملك على سمرى.
وفي ذلك الزمان خرَّب فرعون مدينة منبج التي كانت على الفرات.
وفي سنة ثمان من ملك يواقيم غزا بختنصر بيت المقدس ثانية ووضع عليهم الخراج، وثبت يواقيم مكانه على ملكه.
وفي أيام يواقيم تنبأ دانيال النبي. ومات يواقيم ودفن مع آبائه في قرية داود ﵇.
[يوناحين بن يواقيم]
ثم يوناحين بن يواقيم (٢) صار بعد أبيه ملكًا. وكان عمره حينئذ ثمان عشرة سنة، وملك ثلاثة أشهر.
وبعد ثلاثة أشهر أخذه بختنصر هو ووالدته وأشراف مملكته وعبيده، وجميع
стр. 7740
قواده وأجناده، وجميع الأقوياء، وأكثر أهل المدينة، ولم يدع غير المساكين والضعفاء، وأخذ ما كان في بيت الملك وما كان في بيت الله. وجعل بختنصر بدل يوناحين منشا عمه ملكًا على الأرض على آل يهودا وسماه صداقيا.
[منشا عم يوناحين]
ثم منشا (١) عم يوناحين صيره بختنصر ملكًا بدل يوناحين. وكان عمره حينئذ إحدى وعشرين سنة. وملك أحدى عشرة سنة فارتكب القبائح وخوفه إرميا النبي فلم يفزع وعرفه أنهم يسبون إلى بابل.
وأقام أرميا ينذر آل يهودا سنين كثيرة فلم يسمعوا منه، وحبسه صداقيا إلى جانب داره وضيق عليه.
ثم عصى صداقيا ملك بابل في السنة التاسعة من ملكه فصعد إليه «بختنصر» وحاصر بيت المقدس حتى لم يقدروا على خبز الخبز، وهدم سورها بالمنجنيقات فهرب الملك وأبطاله ليلًا فأدركه الكلدانيون في أريحا فأخذوهم ومضوا به إلى بختنصر فأحضر صداقيا وحاكمه وذبح ابنيه قدامه وأعمى عينيه وقيده بقيدين وأرسل إلى بابل، وجعله في منزل المطالبات إلى يوم موته، وهو آخر ملوكهم
[بختنصر]
ثم ملك بختنصر أرض إسرائيل في السنة التاسعة عشرة من ملكه، ومدة ملكه عليهم ست وعشرون سنة، فجمع مملكته خمس وأربعون سنة.
وفي السنة الخامسة والعشرين من ملكه مضى إلى مصر فأحرقها وقتل ملوكها وملك مصر والشام وأرض يهودا وأدوم والروم وأرض اليونانيين وفارس وبابل والموصل، وعظمت مملكته.
وغزا بختنصر أيضًا مدينة صور فهرب أهلها في السفن إلى الجزائر فأخذ حيران ملكها وانصرف. وعند ذلك صارت أرض مصر في أيدي جيوش بختنصر.
ولما سبى بختنصر من بني إسرائيل ما سبى أمر صاحب أمانية وكان اسمه متنصر بأن يحضر من أولاد أكابر بني إسرائيل فتيانًا لاعيب فيهم حسان ذوو فطنة وحكمة ليقدمهم على خدمه، ففعل وأمر بتعليمهم الكتاب ولسان أهل بابل وأجرى عليهم من مائدته طعامًا وشرابًا وأمر بتأديبهم ثلاثة سنين وأن يعرضوا عليه بعد ذلك. وكان منهم
стр. 7741
من بني يهودا: دانيال، وحنانيا، وغراريا، وميصائيل، وأعطاهم فهمًا وحكمًا في جميع الكتب. وكان دانيال يفسر الرؤيا.
ولما رأى بختنصر رؤيا في نومه أفزعته، فاستحضر الحكماء فلم يقدروا أن يعرفوه بالرؤيا وتأويلها فأراد قتلهم فدخل دانيال إليه وعرفه بالرؤيا وتفسيرها، وقال: إنَّ الملك رأى تمثالًا عظيمًا قائمًا مرهوب المنظر رأسه ذهب ورأسه وذراعه فضة وبطنه وفخذه نحاس وساقاه حديد وقدماه بعضهما حديد وبعضهما فخار، ورأيت حجرًا قطع من الجبل بغير أيدي البشر فضرب قدمي التمثال فرضهما وصار الحديد والنحاس والفخار والذهب والفضة كالعود اليابس فاحتملته ريح شديدة لم يبق له أثر، وصار الحجر الذي ضرب التمثال جبلًا عظيمًا وامتلأت منه الأرض كلها، وتأويل ذلك إنَّ الله أعطاك ملكًا عظيمًا فأنت رأس التمثال الذي هو ذهب، والملك الثاني هو الفضة وهو الصدر والذراع، والملك الرابع هو الحديد في الحدة والشدة والمدة، وأما القدمان فبعضهما حديد وبعضهما فخار فهو ملك فيه اختلاف وفيه من الحديد الشدة، ومن الطين الضعف، وكما رأيت اختلاط الطين بالحديد كذلك يختلط الناس ولا يلتئم الواحد بالآخر كما لا يلتصق الحديد بالخزف.
وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله الناس ملكًا لا يتغير إلى الأبد، ولا يعطي ملكه لشعب آخر يبيد هؤلاء الملوك جميعهم ويدوم ملكه إلى آخر الدهر، وهو الحجر الذي انقطع من الجبل بغير يدي البشر فضرب الحديد والنحاس والفخار والفضة والذهب، وقد بين الله تعالى ما يكون في آخر الأيام، والرؤيا حق وتأويلها صدق؛ فحسن كلام دانيال عند بختنصر وعظمه وأجزل له العطية وسلطه على جميع أهل بابل وحكمائها وساداتها.
وفي السنة الثامنة عشرة من ملك بختنصر صنع تمثالًا من ذهب طوله ستون ذراعًا وعرضه ستة أذرع، ونصبه في حقل أبرأ من كور بابل، وأمر جميع أهل مملكته بالسجود للصنم فسجدوا ومن لم يسجد، يلقيه في نار موقدة كانت معدة لذلك فسجد جميعهم غير دانيال وأصحابه، فعرفوا الملك: أنَّ دانيال وأصحابه أبوا من السجود للصنم فأمر بأحضارهم، وقال لهم: إن لم تسجدوا وإلا ألقيتكم في النار حتى أنظر إلهكم إن كان يقدر على تخليصكم، فقالوا: إنَّ لنا إلهًا نعبده، وهو يقدر على خلاصنا من النار فإن خلصنا فهو إلهنا، وإن لم يخلصنا فهو إلهنا، فأمر أن يوثقوا ويلقوا في النار فبعث الله ملكًا من السماء فأطفأ النار عنهم من السماء وهم يسبحون الله ويمشون في وسط النار.
стр. 7742
وبلغ الملك أمرهم فجاء إلى النار فرآهم ورأى معهم رجلًا زائدًا فتعجب، وقال: نحن أمرنا أن نلقي ثلاثة رجال في النار وهذا رجل رابع معهم فارتعب الملك وخاف وأمر بنهب مال كل من يستهزئ بهم أو يفتري عليهم.
ومات بختنصر.
[أويل مردوح]
ثم ملك بعده ولده أويل مردوح. ملك بعد أبيه بختنصر على جميع مملكته ثلاثًا وعشرين سنة، وأخرج ناحين ملك آل يهودا - المتقدم ذكره - من السجن وغير ثيابه. وأكل الطعام بحضرته. وكان يجلس عنده ويأكل معه طوال أيام حياته.
ومات ودفن بأرض بابل.
[بطلشاصر بن أويل]
ثم بطلشاصر بن أويل مردوح، ملك بعد أبيه عشرين سنة، وقيل: غير ذلك؛ ولكن الأول هو الصحيح.
قيل: هذا بطلشاصر حين تحارب داريوس الماهي وكورش الفارسي صير هو عسكره فحاربهم وكسرهم، وصنع وليمة عظيمة لأكابر المملكة وأحضر ابنه البيت التي كان أخذها جده بختنصر من بيت الله تعالى وشرب عليها مع عظماء مملكته وسراريه وشيوخ الأصنام.
وفي ذلك الوقت - في حين طغيانه، وسوء سيرته وعصيانه - خرجت أصابع إنسان وكتبت على الحائط كلامًا لم يقدر أحد من الحكماء والعارفين على تفسيره فأخبر الملك أن دانيال كان يفسر لبختنصر الرؤيا فأمر بإحضاره، فلما حضر ورأى المكتوب على الحائط وتأمله وعلم تأويله اغتم كثيرًا، وقال: أيها الملك أما المكتوب فإنَّ تفيسره: ان الله أحصى مدتك وقد انقضت، وانَّ الله نظرك فوجدك ناقصًا؛ لأنه ملكك وظفرك بأعدائك ولم تحمده وسبحت الأصنام، وأنَّ الله قد نقل مملكتك إلى ملوك مادي وفارس وفاغتم بطلشاصر وعظماؤه والأشراف الذين حضروا وليمته، وقام من مجلس شرابه وتفرقوا إلى أماكنهم. وفي تلك الليلة قتل بلطشاصر.
[داريوس بن أحسيوس]
ثم ملك بعده داريوس بن أحسيوس الماهي وكورش الفارسي منها وهما مشتركان في المملكة ست سنين.
ومات داريوس في أول السنة السابعة وصارت المملكة جميعًا لكورش الفارسي.
стр. 7743
وفي أيامه كمل خطاب الله لأرميا النبي ورد السبي، وذلك لتمام سبعين سنة. واختلف المؤرخون في السبعين سنة التي تنبأ عليها إرميا النبي فمنهم من قال: أولها السبي الأول، وهو سبي يهودا حين؛ ومنهم من قال: إنَّ أولها سبي بختنصر.
والصحيح: أن أولها سبي بختنصر فإنَّ مدَّة مملكته على أرض يهودا كانت ستًا وعشرين سنة - كما تقدم - وبعده أويل مردوح ولده ثلاث وعشرين سنة، وبعده بطلشاصر عشرين سنة.
وفي أول سنة من ملك داريوس وكورش تمت السبعين فأنار الله روح كورش، وقال: إنَّ الله تعالى أعطاني كما طلبت وإني نذرت ردّ السبي، وبنى البيت فأمرهم بالمسير إلى بيت المقدس وأن يحملوا الذهب والفضة والمراكب، ورد جميع ما كان عنده من ذخائر البيت. وكانت آلات الذهب والفضة خمسة آلاف وأربعمائة قطعة. وشرع في بناء البيت وتأسيسه.
وفي أيامه كان زكريا - صلوات الله عليه - وفيها تنبأ.
وملك داريوس سنة واحدة. وكان عمره اثنتين وسبعين سنة، ومات كورش.
وملك كورش الفارسي (١) بعده ثلاثين سنة. وقيل: بل ملك كورش ثلاث سنين، وقيل: بل ملك داريوس ثلاث عشرة سنة ملك بعده كورش الفارسي. وكان مهابًا، وكان محبًا في دانيال وقد أدناه إليه وقربه. وكان دانيال يعبد الله ويسجد له، وكورش يعبد سل الصنم ودانيال يمنعه من ذلك، ويقول له: إنه لا يضر ولا ينفع، وكان الكنهة يأخذون رسم الصنم كل يوم اثنى عشر جريبًا من السميد وأربعين كبشًا وست خوابي من الخمر. وقال له: إنَّ الصنم لا يأكل ولا يشرب لكونه حجرًا والكهنة يأخذون ذلك لأنفسهم؛ فأمر الملك بأن يعمل الطعام ويوضع أمام الصنم ويختم الموضع بخاتم الملك وخاتم دانيال النبي، فأمر دانيال غلمانه يفرشوا الرماد على الأرض في بيت الصنم بحيث لا تعلم الكهنة، وفي اليوم جاء الملك ودانيال إلى البيت فلم يجدوا شيئًا من الطعام، فقال الملك لدانيال: انظر إليه فإنه أكل وشرب، فقال له دانيال: انظر إلى الرماد؛ فرأى أثر الأقدام فيه فقصوا الأثر فوجدوا سربًا تحت الأرض كان الكهنة إذا غلق الباب يخرجون منه ويأكلون الطعام هم وأولادهم ونسوانهم.
وتقدمت وفاته وعدة ما هلك.
стр. 7744
[قمنوسيوس بن كورش]
ثم ملك قمنوسيوس بن كورش الفارسي ملك بعد ابنه ثمان سنين.
وذكر بطليموس في كتاب المجسطي:
[داريوس بن ساصيف]
ثم ملك بعده داريوس بن ساصيف ملك خمسًا وعشرين سنة، وهو من جملة الملوك المحمودي السيرة.
[سمرديوس]
ثم ملك بعده سمرديوس المجوسي أول ملوك المجوس، قيل: إنه ملك سنة واحدة، وقيل: ثلاث عشرة سنة.
[أحسوريوس بن داريوس]
ثم ملك أحسوريوس بن داريوس ملك عشرين سنة.
[أرطحشا بن أحسوريوس]
ثم ملك ابنه أرطحشا ابن أحسوريوس ملك أربعين سنة. وكان يلقب بطويل اليدين.
[أرطحشاشت]
ثم ملك بعده ارطحشاشت الكبش ملك ثلاثين سنة. وفي عصره كان أبقراط صاحب صناعة الطب.
[صعد سوس]
ثم ملك صعد سوس ملك سنة واحدة. وكانت به أمراض لازمة له ولم يزل في تعبه إلى أن مات.
[دارا الثاني]
ثم ملك دارا الثاني ملك تسع عشرة سنة. وكان في عصره من الحكماء سقراط وأقليدس.
[أرطحشاشت]
ثم ملك بعده أرطحشاشت - من بني إخوة كورش - ملك أحدى عشرة سنة، وقيل: اثنتين وعشرين سنة.
стр. 7745
[أخشوش]
ثم ملك بعده أخوش عشرين سنة.
[أرسيس بن أرطحشاشت]
ثم ملك أرسيس بن أرطحشاشت. ملك مصر أحد عشر سنة. وكان في عصره من الحكماء إفلاطون.
[الإسكندر اليوناني]
ثم ملك الإسكندر بن فيلبس اليوناني الماقدوني (١)، ويسمى ذا القرنين؛ لأنه ملك قرني الشمس من بعده مشرقها إلى مغربها، وملك بعد أبيه وعمره ست عشرة سنة، وطمع فيه الملوك لصغر سنه، وبعثوا إليه ليدخل في طاعتهم فشاور شيخه أرسطوطاليس - وحزم بالخروج إليهم ومحاربتهم - فكتب له كتاب السياسة في تدبير الرئاسة وضمنه حكمًا وطلسمات وطبا ونجامة فخرج فهابه الملوك وجزعوا منه.
وغزا غزوات كثيرة وملك ممالك عظيمة. ملك جميع ممالك العجم العليا والسفلى وملك العراقين وملك السواحل وجزائر البحر الجوانية، وبلاد بني الأصفر وبلاد الكرج والصقالبة وبلاد المغرب ومصر ووصل إلى جبل قاف عند مطلع الشمس، وعمل السد وحبس يأجوج ومأجوج.
فلما ملك الأقاليم السبعة واتسع له الملك رجع إلى بابل ليكشف أحوالها. سقي سُمًّا. ومملكته عظيمه وأحواله جسمية واستمرت مملكته.
[عدة من ملك بعد الإسكندر]
ثم ملك بعده بطليموس - أخو الإسكندر، وقيل: غلامه - ملك على مصر والإسكندرية والبلاد المغربية بعد أخيه سبع سنين.
ثم ملك بعده الإكسندروس (٢) ملك على مصر والإسكندرية وأرض المغرب أيضًا إحدى وعشرين سنة.
стр. 7746
وكان اطلع على كتب بني إسرائيل وما أخبرت به من إتيان المسيح. وكان يرغب إلى الله تعالى أن يفسح في مدته أن يراه ففسح الله في أجله، وعاش ثلاثمائة وخمسين سنة إلى أن ولد المسيح ﵇ وأخذه في ذراعه ومات لوقته.
ثم ملك بعده بطليموس الملقب بالأرنب ملك تسع عشرة سنة، وقيل: تسعة عشر سنة.
ثم ملك بعده بطليموس أوغسطس. وكان يقال له محب أخيه، ثم ملك بعده بطليموس الطائع، ملك خمسين سنة ومات مخنوقًا على سريره.
ثم ملك بطليموس - محب أبيه - ملك سبعة عشر سنة. وكان ادعى النبوة في زمانه بودس فقتل بالشريعة.
ثم ملك بطليموس المطهر ملك أربعة وعشرين سنة، ثم ملك بطليموس - محب أبيه - ملك خمسًا وعشرين سنة، وقيل: إنه ملك عشرين سنة.
ثم ملك بعده بطليموس الصائغ ثلاثة وعشرين سنة، ثم ملك بعده بطليموس المخلص ملك عشرين سنة، ويقال له أيضًا: بطليموس الفاعل، وقيل: ملك ثمانية وعشرين سنة، وقيل سبع وعشرين سنة.
ثم ملك بطليموس - محب أبيه - ويلقب قسقس، ومدته عشر سنين؛ ثم بطليموس بن قساس ملك ثمانية عشر يومًا، وقيل: إنه ملك ثمان سنين، ويقال له: محب، وبعضهم لم يتعرض لمدة تمليكه ولا ذكره في سياقة تواريخ الملوك.
ثم بعده بطليموس ديونوسيوس ملك إحدى وعشرين سنة، وقيل: ثلاثين سنة وتوفي.
ثم ملكت بعده أكلا وبطرة بنت ديونوسيوس. وتفسير أكلا وبطره: الباكية على الصخرة.
ملكت ثلاثين سنة، وقيل اثنتين وعشرين سنة، وقيل: خمس عشر سنة، وهي التي حفرت خليج الإسكندرية وأجرت فيها الماء الحلو من نيل مصر، وبنت بالإسكندرية أبنية عجيبة، وبنت بمدينة أخميم مقياسًا يقاس فيه الماء في زيادة نيل مصر.
وهي التي بنت الحائط المسمى بمصر حائطًا العجوز بنت حائط من الفرما إلى النوبة من ناحية المشرق على ساحل نيل مصر، وبنت حائطًا آخر من النوبة إلى الإسكندرية على شط النيل من جهة المغرب. وآثار هذا الحائط باقية إلى الآن - وتقدم الكلام عليه .. وكان لها ولدان: اسم أحدهما الشمس، واسم الآخر القمر.
стр. 7747
وغزاها بعض قواد قيصر فقتلها وقتل زوجها وقتل ولديها، وقيل: بل هي قتلت نفسها بسم خشية الفضيحة. وكان مدة ملكها ثلاثين سنة، وبطلت مملكة مصر وصارت تحت يد الروم.
[عدة ملوك الروم بعد أكلا وباطرة]
ثم ملك أوغسطس قيصر ملك ستًا وعشرين سنة ونصف سنة، وملك بعده ملك يسمى عاسوس حكم أربع سنين، ويقال: إنَّ أمه ماتت وهو جنين في بطنها فبقروا بطنها وأخرجوه من بطنها، وربي حتى بلغ وملك على الروم بروحية. وكان يفتخر على الملوك أنه لم يولد من حيث يولد الأولاد.
وأوغسطس هو الذي قتل أكلا وباطرة - على ما تقدم ذكره - ومن حين استقلاله بملك مصر إلى حين مولد المسيح ﵇ خمس عشرة سنة.
وفي زمانه مضى هيرودس بن أنطفير إلى مصر، ومنها إلى رومية إلى أوغسطس قيصر فصيره أوغسطس ملكًا على اليهود بيروشليم، ولم يرض اليهود أن يكون هيرودس ملكًا عليهم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأخذ كتبهم التي كتبها عررة الإمام بأنسابهم وقبائلهم وحرقها بالنار حتى لا يدري أحد منهم من أي سبط هو. وأخذ كل ما كان للكهنة من الآلات، وفتح مدينة القدس.
وفي السنة الثامنة عشرة من ملك هيرودس اهتم لأجل القدس واهتم به بأن بناه على ما كان عليه في أيام سليمان بن داود، وحصل إليه جميع ما يحتاج إليه برسمه في مدة ست سنين، وبناه في ثمان سنين.
وولد السيد المسيح في السنة الثانية والثلاثين من ملكه، وجعل أركلاوس ولده ولي عهده.
ولما دنت وفاته أوصى ولده أركلاوس أن يقتل جميع من في الجيوش. ومات وعمره سبعون سنة.
ثم ملك أركلاوس والده ويسمى باسم أبيه هيرودس، وملك سبع سنين.
وصير أوغسطس قيصر - المتقدم ذكره - فقبض عليه وقيده وحمله إلى رومية.
ومن بعد سنتين من مولد المسيح وافي المجوس من المشرق إلى أرض يهود يسألون: أين ولد الملك العظيم؟ فسمع ذلك هيرودس فاضطرب لأجل ذلك واستدعى المجوس فسألهم عن الخبر فأخبروه، وقالوا له: رأينا نجمًا عظيمًا في المشرق، وعلماؤنا من أرباب صناعة النجامة حكموا: انه ولد في هذه الأرض مولود عظيم فجئنا
стр. 7748
لنسجد له، ونقدم له الهدايا، ولم يزل الكوكب يسير معنا إلى هذا الموضع فخفي عنا؛ فجمع هيرودس أكابر مملكته وعلماءهم وسألهم: هل كانت الكتب أخبرت بهذا؟ فقالوا: لعلَّ هذا هو المسيح، فقال لهم: وأين يولد؟ قالوا: في بيت لحم يهودا، فاستدعى هيرودس المجوس واستخبرهم متى ظهر النجم؟ قالوا له: من مدة سنتين، فقال لهم: امضوا وأسألوا عن هذا المولود واعلموني به حتى أجيء إليه وأسجد له. وكان القول مكرًا منه وخديعة.
فأما المجوس فذهبوا إلى بيت لحم ورأو المسيح مع مريم أمه فسجدوا له، وقدموا له الهدايا التي كانت معهم. وأخبروا في اليوم أن يذهبوا إلى بلادهم ولا يرجعوا إلى هيرودس.
ورأى يوسف النجار - خطيب مريم - في النوم بأن يأخذ الصبي وأمه ويذهب إلى أرض مصر، ففعل كذلك.
فأما هيرودس، فإنه انتظر المجوس فلم يعودوا إليه، فحنق حنقًا شديدًا، وأمر أن يقتل كل مولود في بيت لحم من ابن سنتين فما دونها، فقتل جميع الأطفال بأرض اليهودية حتى لم يبق منهم واحد.
وحين فشا الأمر بمولده بلغ ذلك أوغسطس قيصر فكتب إلى هيرودوس: إنَّ فرسًا من المشرق دخلوا سلطانك وأهدوا الهدايا للمولود الذي ولد بفلسطين؛ فأما من هو؟ وأين هو؟ فلم يبلغنا بعد؛ وبهذا كتب إلينا لوعسوس الحكيم فابحث عن أمره وعن المجوس الذين أتوا إليه، وما سبب ذلك؟ والألطاف التي لاطفوه بها، ولا تخف عني من أمره شيئًا. فكتب هيرودوس الجواب يخبره بأمر الصبي المولود وبخبر المجوس وجميع ما ذكروه من أمره، وأنه أمرهم أن يعرفوه موضعه ولم يرجعوا إليه ومضوا إلى بلادهم بغير علمه، وإنه سير جماعة كثيره من عسكره في أثرهم ليلحقوهم ويأتوا بهم إليه فلم يجدوهم، وأنه قد قتل أطفال بيت لحم جميعهم من ابن سنتين فما دونها، ولا شك أن الصبي قد قتل في جملتهم، ففرح أوغسطس قيصر بذلك.
ومات هيرودوس ثم ملك من بعده أرسلاوس بيت لحم وبيت المقدس؛ فلما سمع يوسف النجار الذي هرب بعيسى وأمه إلى مصر - المتقدم ذكره - بموت هيرودوس خرج من مصر، وقد استوفى عليه ست سنين فمضى وسكن الناصرة.
ومات أرسلاوس، ومدة ملكه تسع سنين، ولم يخلف وارثًا.
ثم ملك طيبرنوس قيصر بن أوغسطس قيصر ملك بعد أبيه على جميع مملكته ثلاثًا وعشرين سنة. وجعل قيلاطس المسطي نائبه على أورشليم واليهودية.
стр. 7749
وفي السابعة من ملك طيبارنوس قيصر بنى مدينة نيطس فطرد اليهود من ناحية طيبارنوس قيصر.
وفي سنة خمس عشرة من مملكة طيباريوس قيصر ظهر يحيى بن زكريا بالنبوة، وكان زاهدًا ناسكًا. وكان إقامته في البراري. وكان طعامه الجراد وعسل البر ولباسه وبر الإبل، وجلد على حقوية وكان يعمد اليهود في الأردن وفي عين نون جانب أورشليم ويأمرهم ويحضّهم على التوبة، وينهاهم عن الإساءة، وأخباره كثيرة عظيمة لاتحصى.
وكان نبيًا وقتله هيردوس؛ والسبب في ذلك أنَّ هيردوس كان قد أخذ زوجة أخيه، فقال له يحيى: هذا لا يحل في شريعة موسى فاعتقله، وبعد ذلك قتله، وحكايته شهيرة وأخباره في زمانه معروفة مأثورة.
[عيسى ﵇]
ثم من بعده ظهر عيسى ﵇ وينبغي أن نذكر هنا شيئًا من حكمه وأخباره الدالة على صدقه ونبوته منها: أنَّه تكلم في المهد صبيًا، وأبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى بإذن الله، وخلق طيرًا بإذن الله.
وكان يطوف في المدن والقرى ويبشر بملكوت الله وانتخب تلاميذه اثني عشر وابتدأ يعلمهم فأول تعليمه لهم، قال: طوبى للمساكين فإنَّ لهم ملكوت السماوات؟ وطوبى لأهل الحزن فإنهم يعزُّون؟ وطوبى للمتواضعين فإنهم يرثون الأرض!، وطوبى للرحماء فإنهم يرحمون، وطوبى للنقية قلوبهم فإنهم يعاينون الله!
وكان يقول: من لطمك على خدك الأيمن، فحول له خدك الأيسر، ومن أراد خصومتك، وأخذ ثوبك، فدع له ردائك، ومن سألك فاعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده.
وكان يقول: اغفروا يُغفر لكم فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم ربكم خطاياكم.
وكان يقول: من نظر إلى امرأة بعينه واشتهاها بقلبه، فقد زني بها.
وكان يقول: أقرضوا ولا تطلبوا العوض، فإن أقرضتم من تطلبون منه العوض، فأي فضل لكم.
وظهرت على يديه خوارق وآيات دلت على صحة نبوته من إحياء الموتى وشفاء المرضى، واخراج الشياطين، وإبراء البرص، وإطلاق المقعدين وإبصار العميان، وإطلاق الألسن الخرس، والمشي على الماء. وكان يصنع ذلك يوم السبت وغيره.
стр. 7750
وكانت اليهود تنكر ذلك عليه لاظهاره ذلك يوم السبت غاية الإنكار. وكان يؤنبهم ويبكتهم ويقول لهم: من منكم يقع حماره أو ثوره في بئر يوم السبت ولا يخرجه منها؟ ولما رأى اليهود أنَّ الشعب كله قد تبعه وآمنوا به، امتلأوا حسدًا واجتمعوا في دار قيافا رئيس الكهنة وتآمروا على قتله، فقال قيافا: موت رجل واحد بدل الشعب خير من أن يهلك الأمة كلها.
واجتمع عيسى ﵇ في ليلة الجمعة مع تلامذته وأخبرهم أن اليهود قد هموا به، وأن واحدًا منهم يريد أن يسلّمه إليهم وهو يهودا الأسحر فخامر الشيطان قلبه، ومضى إلى رؤساء اليهود من ليلته وقرر معهم أنه يسلمه إليهم، وبذلوا له على ذلك مالًا.
وأما المسيح فخرج إلى ظاهر مدينة أورشليم - وهي القدس - فأخذ يصلي ويسجد ويدعو ويبتهل إلى الله تعالى، وقال لهم: قوموا بنا فقد قرب الذي يسلمني.
وأما يهودا فأصبح معه جندًا عظماء الكهنة وشرطًا، وجاء إلى الموضع الذي كان فيه المسيح وأسلمه إليهم، وأسلمهم إلى دار قيافا رئيس الكهنة.
وشهدوا عليه بشهادات زور كثيرة مختلقة أعظموا فيها الافتراء والكذب ومضوا به إلى بلاطس النبطي النائب عن طيباريوس قيصر، وقالوا له: إنَّ هذا الرجل قد أفسد شريعتنا وحل ناموسنا، ويدعي أنه ملك اليهود، ونحن ليس لنا ملك إلا قيصر؛ فلما سمع بلاطس كلامهم خاف جدًا ودخل إلى داره وأحضر المسيح وحده، وقال له: أنت ملك اليهود فقال له: لو كنت ملكًا، لكان عسكري يحارب عني حتى لا أدفع إلى اليهود، لكن الأمر لله، فخرج بلاطس إلى اليهود، وقال: إني لم أجد على هذا الرجل حجة وأنا بريء من دمه؛ فصرخوا جميعًا: اصلبه اصلبه فرأى بلاطس أن موافقتهم أحسن له فوافقهم وأمر بصلبه فألقى الله شبهه على الذي وشى به فرفع الله المسيح إليه كما نطق القرآن الكريم وصلب المشبه به.
وقد كان الأبحر الأسود ملك الرُّها بعث رسلًا إلى أرض العبرانيين في حوائج له فاجتازوا بأورشليم فشاهدوا الآيات التي ظهرت على يد المسيح ﵇ وبعض اليهود له، وأنهم قد أجمع رأيهم على قتله.
ولما عادوا إلى الأبحر أخبروه بذلك وعرَّفوه أنه يبرئ المرضى وذوي الأسقام من غير علاج. وكان بالأبحر أمراض مزمنة؛ فلما سمع بذلك اشتهى أن يراه ويشاهد أفعاله والأمور التي تصدر عنه، ولم يمكنه أن يتجاوز مملكته خوفًا من الأعداء فأرسل حنان المصور، وكتب معه كتابًا إلى المسيح ﵇ يسأله القدوم عليه والمقام عنده ليستريح من معاندة اليهود، ويكون معه ليبرئه من أمراضه، فأرسل إليه بالسلام
стр. 7751
والتحية والتبركة، وقال له: إنما جئت لهذا الأمر الذي اجتمع اليهود إليه، وأنا أبعث إليك من تلاميذي فيبرؤون أوجاعك وأسقامك؛ فلما أخذ حنان الجواب أخذ صورة المسيح في منديل.
ويقال: إنَّ حنان رسول الأبحر قال لعيسى ﵇: إنَّ الأبحر يشتهي أن يراك، وإنَّ المسيح أخذ منديلًا ومسح به وجهه المكرم فأخذ حنان المنديل ومضى به إلى الأبحر فقبله بكرامة عظيمة وجعله في خزانته. ويقال: إنه في خزائن الملوك إلى هذه الغاية.
وبعد الصعود وانتشار التلاميذ في أقطار الأرض مضى يومًا إلى الرُّها فلما رآه الأبحر، عظمه وأكرمه وآمن هو وأهل بيته، وقال له: لولا مواثيق بيني وبين الروم لا يمكنني نقضها، لكنت قد غزوت اليهود الذين صلبوا المسيح، وغزوتهم وأهلكتهم، قال: هذا لظنه أنه صلب.
قال المؤرخ: وإن يومًا أبرأ الأبحر ملك الرها من جميع أمراضه.
ولما صلب الذي ألقي عليه شبه المسيح ﵇ وهم يظنونه هو؛ كتب الأبحر إلى طيباريوس قيصر صاحب الروم بما نسخته: أما بعد فاعلم أيها الملك أنَّ اليهود الذين في سلطانك صلبوا المسيح من غير ذنب أوجب ذلك؛ ولما صلبوه، أظلمت الشمس وتزلزلت الأرض وحدثت أمور كثيرة جدًا؛ فكتب قيصر في جوابه: إني عرفت كل شيء عمل اليهود بالرجل الذي ذكرت وأردت الانتقام منهم فأشغلتني الحروب، وإن تفرغت قليلًا، أنزلت بهم النقمة والعذاب، وأما فيلاطس الذي جعلته قاضيًا عليهم، فقد عزلته بذل شديد وهوان عظيم؛ لأنه أطاعهم وعمل بقولهم.
فلما قرأ الأبحر ملك الرُّها الكتاب، فرح وسُرَّ به، وبعد ذلك أرسل عسكرًا من جهة طيباريوس قيصر فأهلك رؤساء اليهود.
وقيل: إن أمه مريم ﵉ ماتت بعد صعود ولدها بخمس سنين، وقد كمل عمرها إحدى وخمسين سنة؛ لأنها ولدته وعمرها ثلاث عشرة سنة، وأقام على الأرض ثلاث وثلاثين سنة، وأقامت أمه مريم بعد الصعود خمس سنين، ثم توفيت بأرض القدس ودفنت بها، فقيل: إنها دفنت في الجبل المطل على المسجد من شرقيه، وهو المعروف.
وبني على قبرها الدير الأكبر المسمى بالمصعد، ويقال: إن منه كان عروج المسيح ﵇.
وهذا الدير جليل البناء دخلته ورأيت بناءه واحكام عقوده، وهو من محاسن الأبنية، وقد اتخذ مسجدًا، وأسكنه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب -
стр. 7752
﵀ قومًا من الأكراد يعرفون الآن بالطورية هم كبراء القدس وأعيانه.
وقيل: إنها دفنت بالوادي بين الطور والمسجد، وقيل: دفنت في الكنيسة التي داخل باب المدينة الشرقي، وهي المعروفة بالصلاحية، وفيها قبر تزوره النصارى إلى اليوم ولا يمنع منه.
ومن الناس من يقول: إنما هو قبر أم مريم ابنة عمران لاقبر مريم بنفسها.
وحدثني الحافظ العلامة صلاح الدين أبو سعيد خليل بن العلايي - نفع الله به وهو مدرس هذه المدرسة في وقتنا هذا: أنَّ النصارى تكثر إتيان هذا القبر وزيارته، وتقول: هو قبر أم مريم.
قال: والذي لا تشك فيه النصارى أن قبر مريم بالوادي وعليه بناء، وهو معروف هناك.
فهؤلاء مشاهير سكان الأرض من ولد إسحاق ﵇ وسنتلوه بذكر أخيه إسماعيل ﵇ وولده ومن جاء من العرب من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - لأنهم وأممهم سكان الأرض، أو غالب سكان الأرض وبقية الناس كالتبع، وقدمنا هنا ذكر ولد إسحاق ﷺ لتقدم دولتهم في الزمان.
[إسماعيل بن إبراهيم ﵉]
وأما إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ فهو أبو العرب المستعربة، ومن ولده سيد ولد آدم خاتم الأنبياء سيدنا ونبينا محمد ﷺ فكفى به ولد إسماعيل فخرًا على الأمم، وذكرًا تضيء به حنادس الظلم، ولو عدت بنو إسرائيل ماعدت فضلها بنو إسماعيل بمولد سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وسلم.
وفي العرب أنبياء كرام وملوك عظام، ولا بد أن نطرز بشيء من ذكرهم حلل هذا الباب، ونذهب صفحات هذا الكتاب، وأول ما نبدأ منهم إسماعيل - صلوات الله عليه - لأنَّ إليه ينتهي عمود نسب هذه الأمة، ومن ولده سيدنا محمد ﷺ نبي الرحمة فنقول:
إنَّ إسماعيل أمه هاجر القبطية كان قد أخدمها فرعون مصر لسارة زوجة إبراهيم الخليل ﵇ على ماهو مشهور.
قال وهب: يقال له: صادوف. وكان سبب إخدامه هاجر لسارة أنه ذكر له حسن سارة فتشوق إليها، فأرسل إلى إبراهيم فسأله عنها، فقال: هي أختي وخاف أن يقتله عليها لو قال زوجتي، فقال: زينها وارسل بها أنظر إليها فمر بيده إليها فيبست يد فرعون
стр. 7753
إلى صدره، فقال لها: ادعي لي ربك أن يطلق يدي ولا أمسك ففعلت، واطلق الله يده فوهب لها هاجر، ثم وهبتها سارة لإبراهيم فولدت منه إسماعيل ﵉ وعمره يومئذ ست وثمانون سنة.
فلما بلغ إسماعيل ثلاث عشرة سنة، ختنه أبوه، وضاقت سارة من هاجر وابنها إسماعيل فحملهما إبراهيم ﵇ إلى أرض مكة المعظمة، وعمر إسماعيل يومئذ ست عشرة سنة، ودعا إبراهيم الله لهما. قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (١).
وأمضهما الظمأ حتى فحص إسماعيل برجله فانفجرت زمزم فجعلت هاجر تحوط. بيدها عليه، قيل: ولولا هذا لكان عينًا معينًا.
وأنزل الله جرهمًا إلى جانبهم ورزقهم من الثمرات، وتقبل دعوة إبراهيم، ثم بنى إبراهيم واسماعيل البيت.
قيل: كان إسماعيل ينقل الحجارة وإبراهيم يبني، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢).
واختلف في الذبيح من هو؟ فإن قيل: إنَّ قصة الذبيح كانت بمنى فهو إسماعيل؛ لأنَّ إسحاق ﵇ لم يأت منى؛ والصحيح: أنَّ إسحاق كان هو الذبيح وعليه الأكثر.
ثم ان إسماعيل تزوج من جرهم، وقد كان إبراهيم اشتاق إلى إسماعيل فاستأذن سارة أن يأتيه، فأخذت عليه العهد أن لا ينزل غيرةً على هاجر فركب البراق.
ثم أقبل وقد ماتت أم إسماعيل، وتزوج إسماعيل امرأة من جرهم فلم يجد إسماعيل في منزله، ورأى المرأة فظة غليظة، فقال: إذا جاء زوجك فقولي له جاء هنا شيخ من صفته كذا وكذا، وقولي لا يرضى عتبة بابك، ففعلت؛ فلما أخبرته طلقها، وتزوج ثانية فجاء إبراهيم مرة أخرى فلم [يجد] إسماعيل ووجد امرأة سهلة طلقة فأتته باللحم واللبن فدعا لهما بالبركة وجاءته بالمقام فوضعته تحت شقه الأيمن فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه فيه، فغسلت شقَّ رأسه الأيمن ثم حولت المقام إلى شقة الأيسر فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه وغسلت شقة الأيسر، قم قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: قد استقامت عتبة بابك!
стр. 7754
واسم هذه السيدة … بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، وهي التي رضي عنها أبوه إبراهيم ﵇ وهي التي ولدت له اثنى عشر ولدًا ذكورًا.
وبعث الله تعالى إسماعيل إلى العماليق وإلى قبائل اليمن. وإسماعيل ﵇ أول من ذلل الخيل وركبها، وكانت قبل وحوشا نافرة وإلى بنيه ينسب جيادها، فيقال: خيل عراب وعربيات.
وقال أبو عبيد البكري: إنَّه أول من صنع القوس العربية ورمى بها، والذي لا شك فيه أنه كان يجيد الرماية بالقوس، وقد قال النبي ﷺ : ارموا يا بني إسماعيل فإنَّ أباكم كان راميًا. وكان صاحب صيد وقنص وكرم. وكانت العربية لسانه ولسان ولده، وتوفي بمكة المعظمة ودفن على ما يقال بالحجر، قيل: ولهذا يقال: حجر إسماعيل نسب إليه - لدفنه، ومن كان في العرب من مشاهير الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين.
[هود صلوات الله عليه]
قيل: إنه هود بن عبد الله بن الجلود بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح ﵉.
ورأيتُ بخط الشريف النسابة الحسن بن علي بن أبي كاسب الحسني: أنَّ هودًا هو عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وقد ساق في المشجر نسب إبراهيم الخليل ﵇ إليه فقال: إبراهيم بن تارح - وهو آزر - بن ناحور بن شاروغ بن آرغو بن فالغ بن عابر، وقال: وعابر هو نبي الله هود.
وذكر في المشجر: أنه أولد ثلاثة: هذا فالغ وعليه عمود النسب إلى إبراهيم ﵇ ويقطان وقحطان المنسوب إليه القحطانية، وقال: إليه ينسب كل اليمانية. قال: وولد قحطان يعرب، وولد يعرب يشجب وولد يشجب سبأ، وولد سبأ حمير؛ وإليه ينسب كل حميري، ومنهم الملوك التبابعة؛ وكهلان هو أخو حمير. ولم يذكر: إن كان كهلان أعقب أم لا، انتهى ما ذكره النسابة مما رأيته في خطه.
وقد ذكر أبو عبيد البكري: أنه هود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح؛ وكذلك ذكر ما ذكرناه أولًا، والذي رأيت البكري صححه في نسب صالح ﵇ ما ذكرناه آخرًا، فقال: صالح بن عبيد بن جابر بن هود بن عابر بني إرم بن سام بن نوح.
والبكري ذو تعقيب، وعلى هذا نسوق نسب صالح إلى نوح ﵉ والله أعلم.
أرسله الله إلى عاد وكانوا ثلاث عشرة قبيلة. وكان الملك بعد نوح قد تأثل في عاد
стр. 7755
الأولى قبل انتشار الملوك؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ (١).
ويقال: إنهم كانوا كالنخل طولًا. والأقرب - والله أعلم - أنهم كانوا ذوي هيآت وأشكال، وإنما قيل كالنخل من باب المجاز لا الحقيقة لموضع التنبية.
قال أبو عبيد البكري: كان عاد رجلًا جبارًا بعيد الغور وتزوج بألف امرأة، ورأى من صلبه أربعة آلاف ولد وعاش ألف سنة ومائتي سنة.
ثم ملك بعده إبنه شداد، وهو الذي بني إرم ذات العماد. وفي زمانه كانت عاد الثانية.
قال: وقد بين هلاك الأولى قوله تعالى: ﴿أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ (٢) وبين هلاك الثانية بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ (٣).
قال البكري: ولشداد هذا مسير في الأرض وحروب، ويقال: إنه تغلب على ممالك الأرض. وكان أكثر مساكن عاد الدو، والدهناء، وعالج، ويبرين، ووبار، وعمان، والشجر، وحضرموت، والأحقاف. وكانت الأحقاف مقر ملكهم ومكان ساداتهم وكبرائهم. قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ (٤).
وكانت بلادهم أخصب بلاد الله - تعالى - وأكثرها أنيسًا، إلى أن أحل الله بها غضبه - نعوذ بالله من غضبه - فصارت قفارًا موحشة، ولحق هو ومن تبعه بمكة وأقاموا بها حتى ماتوا.
ويزعم أهل دمشق: أنه مات بدمشق ودفن في الجدار القبلي بمسجدها الجامع.
ويزعم أهل حضرموت: أن قبره بها، وقيل: بمهرة.
وقال أبو الطفيل: سمعتُ عليًا ﵇ يقول: أرأيت كثيبًا أحمر يخالطه مدرة حمراء إلى أراك وسدر بآخر كذا وكذا من أرض حضرموت، هل رأيته؟ فقلت: نعم والله إنك لتنعته نعت رجل رآه، فقال: لا، ولكن حدثت عنه، وفيه قبر هود ﵇.
وفي كتاب الوافدين: إنَّ رجلًا من أهل حضرموت أتى على عهد أبي بكر ﵁ يريد الإسلام فوجد عليًا - كرم الله وجهه - فأسلم على يده، ثم أتى به أبا بكر ثم كان الرجل يأتي نادي علي فأتى إليه يومًا فجلس إليه، فقال له علي: أعالم أنت بحضرموت؟ قال: إذا جهلتها لم أعرف غيرها. قال: أتعرف موضع الأحقاف ورأيت
стр. 7756
الكُتيبُ الأَحمرُ الذي عليهِ أراكَ يقطرُ دمًا؟ قال: كأنك تسألُني عن قبرِ هود ﵇؟ قال له علي: نعم لله درُّكَ ما أخطأت! قال: إذا أُخبرك يا أبا الحسن: خرجت وأنا في عنفوان شبيبتي في أُغُيلمة من الحي نُريد أن نأتي قبره لبعدِ صوتهِ فينا وكثرة من يذكره، ومعنا شيخ كبير عالم بالمكان، فسرنا في وادي الأحقافِ أيامًا حتى انتهينا إلى الكثيب الأحمرِ فانتهى بنا ذلك الرجلُ إلى كهفٍ في جبلٍ فدخلناه فأمعنا طويلًا وجعلنا نجول في دهاس تسيخ الأرجلُ فيه إلى الركبِ حتى هالنا ذلك فانتهينا إلى حجرين أحدهما دون الآخر فيه خُلل، يدخلُ فيه النحيف متجانفًا، فدخلته فرأيت رجلًا على سرير، شديد الأُدمة، طويل الوجه، كُثَّ اللحية، قد يبس على سريره فإذا مسستُ جسده أصبتُه صلبًا لم يتغير، ورأيتُ عند رأسه كتابًا بالعبرانية: أنا هود آمنتُ بالله وشقيت بكفرها. وما كان لأمر الله - جل وعز - من مرد، فقال علي: هكذا سمعت من أبي القاسم ﷺ .
وكانت عاد أصحاب أصنام ثلاثة يقال لها: صمود، وصدا، والحنا، ولم يزل بهم هود ﵇ حتى يئس منهم. قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾ (١)، فحبس الله القطر ثلاث سنين فأوفدوا وفدًا لهم ليستسقوا لهم بمكة وهم: قيل بن عمرو، ولقيم بن هزال، ومزيد بن سعد. وكان ممن آمن بهود - وهو يكتم أيمانه - ولقمان بن عاد، وحارثة بن الحنين فساروا في سبعين رجلًا؛ فلما قربوا من مكة نزلوا على معاوية بن بكر، وكانت عاد أخواله وأصهاره فأكرمهم وأقاموا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتا معاوية شهرًا كاملًا؛ فلما رأى معاوية مكثهم شق عليه، وقال: هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون، واستحيا أن يأمرهم بالخروج فظنوا أنه ضاق منهم لمقامهم عليه فأمر الجرادتين أن تغنياهم بأبيات قالها وهي: [من الوافر]
أَلا يَاقِيلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيِّنِمْ … لَعَلَّ اللهَ يُصْبِحُنَا غَمَاما
فَيَسْقِ أَرْضَ عَادٍ إِنَّ عادًا … خُفُوتُ لَا يُبَيِّنُونَ الكَلَامَا
مِنَ الجَهْدِ الشَّدِيدِ وَلَيْسَ يَرْجُو … لَهُ الشَّيْخُ الكَبِيرُ وَلَا الغُلَامَا
وأَنتُمْ هَهُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُمْ … نَهَارُكُمْ وَلَيْلُكُمْ التَّمَامَا
فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمٍ … وَلَا بَلَغُوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلامَا
فأجمعوا على الاستسقاء، فقال لهم مزيد: إنكم والله لا تستسقون بدعائكم ولكنكم إن أطعتم نبيكم، سقيتم وأظهر إسلامه، فقال معاوية بن بكر حين سمع ذلك منه: [من الوافر]
стр. 7757
أبا سعد فإنَّكَ مِنْ قَبيلِ … ذَوِي كَرَم وأُمُّكَ مِنْ ثَمُودِ
فإنا لنْ نُطيعَكَ ما بَقِينَا … ولَسْنَا فاعِلِينَ لما تُرِيدُ
أتترُك دِين آباء كرام … ذَوِي رأي وتتبع دين هودِ
وقالوا لمعاوية: احبس عنا مزيد بن سعد لا يخرج معنا فإنه قد ترك ديننا، وخرجوا ليستسقوا، فقالوا: اللهم إن كان هودا صادقًا فاسقنا فإنا قد هلكنا فأنشأ الله تعالى سحائب بيضا وحمرًا وسودًا، ثم نادى مناد من السحاب: ياقيل إختر لقومك، فقال: إخترت السحابة السوداء فناداه مناد: اخترت رمادًا رمددًا لا يبقي من عاد أحدًا، لا والدًا ولا ولدًا إلا جعلته همدًا.
وبعث الله السحابة السوداء بالنقمة؛ فلما رأوها قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (١) فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ (٢) ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ (٣) أي دائمة.
ولم يصب هودًا ومن تبعه منها إلا ما تلين عليه الجلود وتلتذ به الأنفس.
قال ابن إسحاق: لما سخرت الريح على عاد، قال سبعة رهط منهم أحدهم الخلجان: تعالوا حتى نقوم على شفير الوادي فنردها فجعلت الريح تدقهم وتسفيهم حتى تركتهم صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فلم يبق إلا الخلجان، فقال له هود: ويحك أسلم تسلم، فقال: وما لي إن أسلمت؟ قال: الجنة، قال: فما هؤلاء الذين أراهم في السحاب كأنَّهم النجب؟ قال: الملائكة. قال: فإن أسلمت أيقعدني ربك منهم؟ قال: ويلك هل رأيت ملكًا من يقتد من جنده؟ قال: ولو فعل ما رضيت؛ ثم جاءت الريح فألحقته بأصحابه.
وفي سابعهم يقول الأول، وهو التهبل بن الخليل: [من الرجز]
لو أنَّ عادًا سمعت من هود … ما أصبحت عاشرة الجُدُودِ
هامدة الأجسام بالوصيدِ … صَرْعى على الأنوف والخُدُودِ
ماذا جنى الوفد على الوفود … أحدوثة للأبد الأبيد
وروى عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن الحارث بن حسان. قال: مررت على عجوز بالربذة فسألتني الصحبة، وأنا أريد رسول الله ﷺ ففعلت، قال: فدخلت
стр. 7758
المسجد وهو غاص بالناس، وإذا راية سوداء تخفق وبلال متقلد السيف قائم بين يدي رسول الله ﷺ . قال: فلما دخل رسول الله ﷺ رحله أذن لي. قال: فقعدت في المسجد وقد خلا، فقال: كان بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم يا رسول الله، فكانت لنا الدائرة عليهم، وقد مررت على عجوز منهم بالربذة منقطع بها، فقالت: إنَّ لي إلى رسول الله ﷺ حاجة، فحملتها، وهاهي ذه على الباب. قال: فأذن لها رسول الله ﷺ فدخلت؛ فلما قعدت قلت يا رسول الله إن رأيت أن تجعل الدهناء حجازًا بيننا وبين بني تميم فافعل؛ فإنها كانت لنا مرَّة فاستوفزته العجوز وأخذتها الحمية، فقالت: يا رسول الله قد تضطر مصرك. قال: فقلت: يا رسول الله أنا كما قال الأول: معزى حملت حتفها! حملت هذه وأنا لا أشعر بها. وكانت لي خصمًا أعوذ بالله يا رسول الله أن أكون كوافد عاد! قال رسول الله ﷺ : وما وافد عاد؟ قال: قلت: على الخبير سقطت فقال رسول الله ﷺ إيه يستعظم الحديث، فقال: إنَّ عادًا قحطوا فبعثوا وافدهم قبلًا فنزل على بكر بن معاوية شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه الجرادتان. قال: ثم مضى حتى أتى جبال مهرة فقال: اللهم إنك تعلم أني لم آت لأسي فأفديه، ولا لمريض فأداويه، فاسق عبدك ماكنت تسقيه فمرت سحائب سودًا فنودي منها أن خذها رمادًا رمددا، ولا تدع من عاد أحدًا. قال: قلت: يا رسول الله، والله لبلغني أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر ما يجري من حلقة خاتم.
ومن عجائب أرض عاد أنَّ هناك منارة من نحاس عليها تمثال من نحاس فإذا كانت الأشهر الحرم سالت ماء في حياضهم.
[خبر صالح وقومه]
ثم صالح بن عبيد بن جابر بن هود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح ﵇ وكان يمشي حافيًا ولا يتخذ حذاءً ولا مسكنًا، ولا يزال مع ناقة ربه حيث ما توجهت.
وأرسل إلى ثمود ومنازلهم الحجر، وبينه وبين فرح - وهو المسمى بوادي القرى - ثمانية عشر ميلًا، وبيوتهم منحوتة في الجبال ورممهم وآثارهم باقية. وقد دخلتها أربع مرات في حجي فوجدتها بيوتًا صغارًا متطامنة الأبواب، وبها قبور نفر في الحجر لا يزيد طول القبر منها على ثلاثة أذرع. وهذا دليل على أنهم كانوا في مثل قدودنا لا كعاد الأولى.
وكانوا أصحاب إبل؛ فلما أرسل إليهم صالح، قال له زعيم من زعمائهم اسمه حديج بن عمرو: إن كنت صادقًا، فأت من هذه الهضبة بناقة سوداء عشراء ذات عرف وشعر ووبر فسأل الله فتمخضت الهضبة كالحامل وانشقت عن الناقة ثم أتاه سقيها فآمن
стр. 7759
زعيمهم وطائفة منهم، وكفرت طائفة. وكان الماء بينهم كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١).
وكان ممن كفر تسعة رهط كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (٢).
وكان ممن كفر قدار بن سالف عاقر الناقة. وكان أشقر أزرق سناطًا قصيرًا، ومصيدع بن مهراج مساعده على العقر. وكانا يغشيان قينتين يقال لاحداهما عنيزة، والأخرى صدوف، فطلبتا منهما من لحم الناقة فاستعان قدار ومصيدع بتسعة رهط ممن كفر فأتوا الناقة فضربها قدار بالسيف على عرقوبها الأيسر واستهموا لحمها؛ فلما علم بهم عقلاء ثمود، خرجوا إلى صالح متنصلين مما فعله السفهاء، فقال لهم: أدركوا فصيلها فعسى يرجع عنكم العذاب؛ فلما رأى الفصيل أمه تضطراب صعد جبلًا يسمى القارة وبقي يئن، وجاءه عقلاء ثمود ليلحقوه فنظر إليهم فزعًا ثلاث مرات فسابقهم السفهاء فعقروه، فقال صالح: لكل رغاء يوم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (٣)، وآية ذلك أن تصبح وجوهكم في اليوم الأول مصفرة، ثم في اليوم الثاني محمرة، ثم في اليوم الثالث مسودة. فأرادوا قتل صالح فحال الله بينه وبينهم.
فلما أصبحوا رأوا مصداق قوله، فتحنطوا وتكفنوا وصاحوا وبكوا وانتحبوا وجعلوا يقلبون أبصارهم في السماء مرة وفي الأرض أخرى لا يعرفون من أين يأتيهم العذاب.
فلما كان اليوم الرابع وهو الأحد صبحتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم في صدورهم: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (٤).
وكان صالح قد خرج بمن آمن معه فنزل بمدينة الرملة من بلاد فلسطين.
وقال وهب: إنه ارتحل بمن آمن معه وأهلوا بالحج على قلائص حمر مخطمة بحبال من ليف حتى وردوا مكة فلم يزالوا بها حتى ماتوا وقبورهم غربي الكعبة من الحجر ودار الندوة. وكان ممن آمن معه خباب بن عمرو: فقال: [من البسيط]
كانت ثمود ذوي عزّ ومكرمةٍ … مِنْ أنْ يُضامَ لهم في الناسِ مِنْ جَارِ
فأهلكوا ناقةً كانت لربهم … قد أنذروها وكانوا غير أبرار
وروي عن رسول الله ﷺ أنَّ الله أهلكهم بتلك الصيحة أجمعين إلا رجلًا واحدًا اسمه أبو رغال كان في حرم الله فمنعه الله من العذاب.
واليهود تنكر أخبار عاد وثمود.
стр. 7760
[شعيب ﵇]
ثم شعيب ﵇ وهو شعيب بن عيفي، ويقال فيه: ابن ضيفون، وهو من ذرية إبراهيم ﵇.
قال البكري: هو من ذرية مدين بن إبراهيم وجده شعيب بن لوط، وقيل: بل من ذرية بعض من أمن به إذ ألقي في النار. وكان عربي اللسان.
قال سعيد بن جبير: في قوله تعالى حكاية عما قال قومه: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ (١)، قال: ضرير البصر، ويقال له: خطيب الأنبياء بعثه الله إلى أهل مدين وهم أصحاب الأيكة، وهم من ولد مدين.
قال البكري: وملوك مدين: أبجد، وهو ملك مكة وما يليها، وهوز وحطي ببلاوج، وهي الطائف وما أتصل بها من نجد، وكلمن وسعفص وقرشت ملك بلاد مصر وغيرها.
قال ابن خرداذبة: إنه توفي بمكة ودفن عند المسجد الحرام حيال الحجر الأسود، وأوصى إلى موسى ﵇ وكان قوم شعيب أهل كفر وبخس في الكيل والميزان فسلط الله عليهم حرًا شديدًا أخذ بأنفاسهم، ثم بعث عليهم سحابة وجدوا بردها؛ فلما صاروا تحتها، أرسلها الله عليهم نارًا، وذلك قوله : ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢).
قال: فاحترقوا كما تحترق الجراد في المقلى، ويقال: إنَّ قومه هم جذام.
وروى ابن لهيعة: أن أبا هريرة سأل رجلًا، فقال: من أنت؟ فقال: من جذام، فقال: مرحبًا يا صاحب موسى وقوم شعيب، وإن صح هذا فجذام من مدين من ولد إبراهيم.
قال البكري: وزعم قريظة والنظير أنهم من رهط شعيب. قال: ويزعم قوم أنهم من العرب العاربة، والأمم الدائرة.
وذكر السهيلي: إنَّ من الأنبياء نبي آخر اسمه شعيب بن ذي مهدم.
أرسله الله إلى حضور، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (٣) فقتلوه فسلط الله عليهم بخت نصر فأستأصلهم.
قال: وقبر شعيب هذا بصبير، وهو جبل باليمن.
* * *
стр. 7761
[السيرة النبوية]
стр. 7762
وإذ قد فرغنا من ذكر أنبياء العرب - صلوات الله عليهم - ممن كان قبل سيدنا محمد ﷺ خاتم الأنبياء، فلنذكر أولًا شيئًا من أحوال النبي ﷺ لنضيء هذا الكتاب بمشكاة، ونضيف ما تضمنه إلى بركاته.
стр. 7763
[الفصل الأول: من الولادة إلى البعثة]
ولد سيدنا محمد رسول الله ﷺ (١) في يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خَلَتْ من ربيع الأول، المبارك، عام الفيل. هذا هو الصحيح عند الأكثر (٢).
ولي من قصيدة ذكرت فيها المولد الشريف: [من الكامل]
هَلْ للمُتيَّم في ربيع الأول … إلا صبابة عاشق لا تنجلي؟!
شهر عظيمٌ في الشُّهور لأَنَّهُ … كَشَفَ الضَّلالَ فَبَان كَلُّ مُضَلٍ
لِمَ لا نهيمُ به لمولد من به … يسرى لنا في كل عام مُقبل؟
ولد النبي به فأخصبَ مُمْحِلُ … والغَيْثُ لا يُبقي بقايا مُمْحِلِ
وافي رسول الله بل وافي به … صَوْبُ الحَيَا يمشي بكُم مُسْبَلِ
لم لا يُشَقُّ بهِ الدُّجى أسفًا وقد … طَلَعَ الصباح لوجهه المُتهلل
في شهرِهِ المُوفي بكلِّ مسرة … وافي كبدر التم أشرفُ مُرسل
في بكرة الاثنين ثاني عشرةٍ … مِنْ عام فيل في ربيع الأول
فأتى ربيع في ربيع بالندى … يسعى بأنواء السحاب المهطل
стр. 7764
الله آمنةُ الحَصَانُ فإنَّها … وَلَدَتْ كريمَ الجَدِّ أفضل مُفْضل
الله ما زهريّةٌ حَمَلتْ بهِ … من هاشمي في الفخار مُفضَّل
وَلَدَتْ خيارَ الخَلقِ يُعرف نسبةً … في كلّ ذي نَسَبٍ مُعم مُخول
حملت به لست تُحسُّ بِحَمْلِهِ … مِنْ خفةٍ فكأنها لم تحمل
وضعت نبي الله يرفعُ طَرْفه … نَحوَ السّماء إلى المقام الأفضل
ثم خرجت إلى أنواع من المدح، على أن المطيل هنا ولو أنْفَدَ العبارة مقصر، والمتقدم ولو بلغ الغاية متأخر.
[حديث الفيل]
وكان من حديث الفيل (١) أن أبرهة كان قد غلب على أرياط على ملك اليمن، وكانا من نواب النجاشي - ملك الحبشة - وغضب عليه النجاشي لذلك، ثم رضي عنه، وبنى أبرهة بصنعاء كنيسة تعرف «بالقليس» (٢) وكتب إلى النجاشي: إني بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها العرب، فغضب رجل من النسأة الذين كانوا ينسئون الشهور المنزل فيهم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (٣)، وفي ذلك يقول عمير بن قيس، «جذل الطعان» (٤)، وهو أحد بني فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة (٥) يفخر به: [من الكامل]
لقد علمت مَعَدُّ أَنَّ قومي … كرامُ الناس أن لهم كراما
فأيُّ النّاسِ فأتونا بوتر … وأيُّ الناس لم نعلك لجاما
ألسنا الناسئين على معدٍ … شهورَ الحِلِّ نجعلها حراما
فخرج الكناني فأحدث في القليس، ثم لحق بأرضه، فقيل لأبرهة، فقال: ممن
стр. 7765
هو؟ فقيل له: من أهل هذا البيت الذي يحجه العرب بمكة (١). لما سمع قولك: «أصرف إليها حج العرب»، فغضب، ثم خرج بالفيل، وغضب العرب.
وخرج من أشراف اليمن رجل اسمه «ذو نفر» فقاتل أبرهة فانهزم ذو نفر وأسر وحمل إلى أبرهة فأراد قتله، فقال له: يا أيها الملك لا تقتلني، فعسى أن يكون بقائي معك خيرا لك، فحبسه في وثاق عنده.
ومضى أبرهة على وجهة حتى أتى أرض خَثْعَم (٢)، فخرج إليه نفيل بن حبيب بن فهم (٣) وقاتله، فانهزم نفيل وأسر، وحمله أبرهة وأراد قتله، فقال: أيها الملك [لا] تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، فخلى سبيله، وخرج معه يدله حتى أتى الطائف (٤)، فخرج مسعود بن مُعَتِّب (٥) في ثقيف، وبذلوا له الطاعة وصرفوه عن بيت اللات، وكان
стр. 7766
بالطائف، وكانت ثقيف تعظمه نحو تعظيم الكعبة.
وسار أبرهة حتى نزل المُغَمَّس (١) وبعث رجلا من الحبشة يقال له: الأسود بن مقصود (٢) على خيل حتى انتهى مكة وساق له أموال أهل تهامة (٣)، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم (٤)، وهو - يؤمئذ - سيد قريش.
ثم بعث أبرهة «حُنَاطَة الحِمْيَري» إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد، ثم قل له: إن الملك يقول: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، وإن لم تعرضوا دونه لحرب فلا حاجة لي بدمائكم. فدل حناطة على عبد المطلب فجاءه وقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا منه بذلك طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمته، وإن يخل بينه وبينه، والله ماعندنا دفع عنه.
وخرج حناطة معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتيا العسكر، فأتى عبد
стр. 7767
المطلب «ذا نفر» وكان صديقا له، فقال له: هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقا له ذو نفر: وما غناء أسير بيد ملك يريد أن يقتله غدوا أو عشيا، ما عندي غناء إلا أن سائس الفيل هو صديق لي وسأوصيه بك يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. فقال: حسبي، وبعثه إليه فاستأذن له على أبرهة، وقال: أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عير مكة، وهو يطعم الناس في السهل، والوحوش في رؤوس الجبال، فأذن له.
وكان عبد المطلب وسيمًا جميلًا، فلما رآه أبرهة أجله عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة وجلس معه على البساط، ثم قال بترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال: حاجتي أن يرد علي الملك ما أصابه من إبلي، فقال أبرهة للترجمان: [قل له:] لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه! فقال له عبد المطلب: قل له: إني رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. فقال أبرهة: ما كان ليمتنع مني فقال له: أنت وذاك، فرد عليه الإبل.
ثم عاد عبد المطلب وأخبر قريشًا، الخبر، وأمرهم بالخروج إلى شعف الجبال خوفًا عليهم من معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب ومعه نفر من قريش فأخذ بحلقة باب الكعبة ودعوا الله، وبقي عبد المطلب يقول وهو ماسك بحلقة الباب: [من الرجز]
يارب ما أرجو لهم سواكا
يارب فامنع منهم حماكا
إنَّ عدو البيت من عاداكا
امنعهم أن يُخربوا قراكا
ثم قال: [من الكامل]
لاهم أنَّ المرء يمنع رحله … وحلاله فامنع خلالك
لا يغلبَنَّ صليبهمْ … ومَحالُهُمْ عدوًا محالك
جروا جموع بلادهم … بغيًا وما رقبوا جَلالَك
إن كنت تاركهم وكعبتنا … فأمر مابدا لك
وانصرف عبد المطلب بولده والناس معه إلى شعب الجبال ينظرون ما يصنع أبرهة.
فلما أصبح أبرهة تهيأ للدخول إلى مكة، وعبى جيوشه، وهيأ فيله - واسمه محمود - وأجمع على أنه يهدم الكعبة ثم ينصرف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل إلى
стр. 7768
مكة، قام نفيل بين حبيب إلى جانب الفيل وأخذ بأذنه وقال: ابرك محمود، أو ارجع راشدًا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه وترك الفيل وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل. وضرب السواس الفيل ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا فقام يهرول، ووجهوه إلى مكة فبرك. وفي مبرك الفيل يقول أمية بن أبي الصلت (١): [من الخفيف]
إن آيات ربنا بينَاتٌ … لا يُماري بهُنَّ إلا الكفور
حبس الفيل بالمغمس حتى … ظل يحبو كأنَّهُ معقور (٢)
وأرسل الله عليهم طيرا من البحر، الخطاطيف (٣) والبلسان (٤) مع كل طائر ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره وحجران في رجليه كالحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، فأصابت بعضهم، وتبادر بعضهم الهرب، وبقيت الحبشة تقول: أين نفيل؛ ليدلهم على الطريق؟ فقال نفيل: [من الوافر]
ردينة لو رأيت - ولا تريه … لدى جَنْبِ المُحَصَّب ما رأينا
إذا لعذرتني وحَمِدْتِ أمري … ولم تأسى على ما فات بينا
стр. 7769
حَمِدْتِ الله إذ أبصرت طيرا … وخفت حجارة تلقى علينا
فكلُّ القوم يسألُ عَنْ نفيل … كأنَّ علي للحبشان دينا
وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به يسقط أنملة أنملة حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، ولم يمت حتى انصدع صدره عن قلبه.
وكان مما يعد الله - تعالى - على قريش من نعمه بنبيه ﷺ رد الفيل. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ (١). وكذلك قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ (٢).
ولما ردَّ الله الحبشة عن مكة، وأصابهم بما أصابهم، عظمت العرب قريشًا، وقالوا: أهل بيت الله، قاتل الله عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم، وقالوا في ذلك أشعارًا، ومما قاله طالب بن أبي طالب (٣): [من الطويل]
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس … وجيش أبي يكسوم إذ ملأوا الشعبا
فلولا دفاع الله لا شيء غيره … لأصبحتم لا تمنعونَ لَهُمْ شِرْبَا
وأبو يكسوم: أبرهة، كناية له.
قلت: ورأيت بخط من يوثق به أن أبرهة يسمى يكسوم.
وإذ قد فرغنا من قصة الفيل، فنقول: عن عبد الله بن عبد المطلب (٤) مرّ بكاهنة
стр. 7770
اسمها فاطمة بنت مُرّ الخثعمية (١)، من أهل تبالة (٢)، قد قرأت الكتب، فرأت في وجهه نورا، فقالت لعبد الله: يافتى، هل لك أن تقع عليّ وأعطيك مائة من الإبل؟ فأنشأ يقول: [من الرجز]
أما الحرم فالمماتُ دونَه
والحِلُّ لا حلّ فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه
[يحمي الكريمَ عِرْضُهُ ودينُهُ]
ثم مضى إلى امرأته آمنة (٣) فكان معها، ثم ذكر الخثعمية وجمالها، وماعرضت عليه، فأقبل إليها وقال: [هل لك فيما قلت لي؟]، فقالت: «قد كان ذلك مرة واليوم لا» فذهب مثلًا، وأنشأت تقول: [من الكامل]
إني رأيتُ مَخِيلَةٌ لمعت … فتلألأت بحناتم القطر
فلمائها نُورٌ يضيء لهُ … ما حوله كإضاءة الفجر
وكانت آمنة تحدث حين حملت به [أنها] قيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه
стр. 7771
الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، ثم سميه محمدًا.
ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى، من أرض الشام.
ثم مات عبد الله أبوه وأمه حامل به.
ولما ولد هتفت الجن على أبي قبيس (١) والحجون (٢)، فقال الذي على أبي
قبيس: [من السريع]
يا ساكني البطحاء لا تغلطوا … وميزوا الأمر بفعل مضى
إنَّ بني زهرةَ مِنْ سِرّكم … في غابر الأمر وعند البدا
واحدة منكم فهاتوا لنا … فيمن مضى في الناس أو مَنْ بَقَى
واحدة من غيرهم مثلُها … جنينها مثل النبي التقى
وقال الذي على الحجون: [من الطويل]
فأقسم ما أُنثى مِنَ الناس أنجبت … ولا ولدت أنثى من الناس واحده
كما ولدت زهرية ذاتُ مَفْخَرٍ … مُجَنَّبةٌ لؤم القبائل ماجده
وقد ولدت خير البرية أحمدا … فأكرم مولدد وأكرم والده
فلما ولد حمله عبد المطلب ودخل به الكعبة، وقام يدعو الله ويشكره، ثم ردّه إلى أمه (٣).
стр. 7772
واسترضع له حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية (١)، وظهر عليها آثار بركاته،
стр. 7773
فَدَر ثَديُها، وسَمِنتْ عِجَافُ شِيَاهُهَا، وكَثُرت ألبَانُهَا، وكانَ يَشُبُّ شَبَابًا لا يُشبِهُ الغِلمانَ، فلم يَبلُغ سِنتَيهِ حتى كانَ غُلامًا جَفرًا (١)، ثم أتت به أمه وأرته إياه، وقالت لها: لولا تركتيه عندي حتى يَغلُظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، ولم تزل حتى ردته معها.
قالت حليمة: فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه، فهما يسوطانه. قالت: فخرجنا نحوه فوجدناه قائما منتقعا وجهه، فالتزمناه وقلنا له: ما لك يابني، فقال نحو قول أخيه، فرجعنا به إلى خبائنا، فقال زوج حليمة لها: لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله.
قالت: فاحتملناه وقدمنا به على أمه فقالت: ما أقدمك به وقد كنت حريصة عليه؟ ولم تدعني حتى أخبرتها.
قالت: أفتخافين الشيطان عليه؟
قالت: فقلت: نعم.
فقالت: كلا والله، ما للشيطان عليه من سبيل، إن لابني هذا شأنًا، أفلا أخبرك خبره، إني رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل - قط - كان أخف ولا أيسر منه، وقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض، رافعًا رأسه إلى السماء. دعيه عنك وانطلقي راشدة.
فكان مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب في كلاءة الله وحفظه.
فلما بلغ ست سنين، توفيت أمه وهي بالأبواء (٢) - بين مكة والمدينة - وكانت قد قدمت به على أخوال جدّه عبد المطلب من بني عدي بن النجار تزيره إياهم.
стр. 7774
وبقي عند جده، وكان يوضع لجده عبد المطلب فراش في ظل الكعبة ويجلس بنوه حول فراشه حتى يخرج إليه ولا يجلس أحد منهم معه، وكان يأتي رسول الله ﷺ وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه عليه ويمسح ظهره بيده، ويسره مايراه يصنع.
فلما بلغ ثماني سنين، هلك عبد المطلب، ويروى أن عبد المطلب جمع بناته قبل موته وأمرهن أن يبكينه، فقالت كل واحدة شعرا فيه، ورثي بأشعار من أحسنها قول حذيفة بن غانم من بني عدي بن كعب (١): [من الطويل]
أعينيَّ جُودا بالدموع على الصدر … ولا تسأما سقيتما سَبَلَ القطر
على الماجد البهلول ذي الباع والندى … ربيع لؤي في الفحوط وفي العُسرِ (٢)
على شيبة الحمد الذي كان وجهُهُ … يضيء سواد الليل كالقمر البدر
طوى زمزمًا عند المقام فأصبحت … سقايته فخرا على كل ذي فخر
بنوهُ سَرَاة كلُّهم وشبابهم … تفلّقُ عنهم بيضة الطائرِ الصَّقْرِ
فإِنْ تَكُ غالته المنايا وصَرْفُها … فقد عاش ميمون النقيبة والذكر
وكذلك قول مطرود بن كعب الخزاعي (٣): [من الكامل]
يا أيها الرجلُ المُحوّل رحله … هلا نزلت بآل عبد مناف
ثكلتك أمك لو حَلَلْتَ بدارِهِمْ … ضمنوكَ مِنْ جُرم ومن إقراف
المنعمين إذا النجوم تغيرت … والظاعنين لرحلة الأضياف
والمطعمين إذا الرياح تناوحت … حتى تغيب الشمس في الرجاف (٤)
إما هلكت أبا الفعال فما جَرَى … مِنْ فوق مثلكِ عَقْدُ ذاتِ نطاف (٥)
стр. 7775
فلما مات عبد المطلب، صار إلى كفالة عمه أبي طالب (١)؛ لأن أبا طالب وعبد الله أخوان لأب وأم، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم.