← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يامعشر الخزرج - وكانت العرب تطلق اسم الخزرج على الأوس والخزرج - إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبي إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ماقلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. قال: فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. فأخذ البراء بن معرور بيده (١)، ثم قال: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (٢)، فبايعنا رسول الله ﷺ ونحن والله أبناء أهل الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر. قال: واعترض القول، والبراء يتكلم أبو الهيثم بن التيهان (٣)، فقال: يارسول

стр. 7842

الله، إن بيننا وبين الرجال حِبالًا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسّم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدّم الدّم، والهدم الهدم - أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم - أنا منكم وأنتم [مني]، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم. ثم جعل عليهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وقال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي قالوا: نعم. فلما أتوا المدينة، أظهروا الإسلام بها، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك. ثم هاجر من هاجر إلى المدينة، ولم يتخلف مع رسول الله ﷺ من أصحابه بمكة إلا من حُبس أو فُتن، إلا عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة ﵄ وكان أبو بكر مرارًا يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة، فيقول له: لا تعجل لعل الله يجعل [لك] صاحبًا، فيطمع أبو بكر أن يكونه. ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شُعبة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، حَذِروا خروجه إليهم، فاجتمعوا له في دار النّدوة، وهي دار قصي بن كلاب، وكانت قريش لا تقضي أمرًا إلا فيها، يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه. واعترضهم إبليس في هيأة شيخ جليل، فقالوا: من الشيخ؟ فقال: شيخ من أهل نجد، عسى أن لا يَعدمكم منه رأيًا ونصحا. قالوا: أجل. وتفرقوا على رأي أبي جهل أن يأخذوا من كل قبيلة فتى جليدًا نسيبا ليضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا.

стр. 7843

فقال الشيخ النجدي: القول ماقال الرجل، هذا الرأي، لا أرى غيره. فأتاه جبريل وقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل، اجتمعوا على بابه يرصدونه متى نام، فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي واتشح ببردي هذا الحضرمي، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم. وأخذ رسول الله ﷺ حفنة من تراب في يده، فأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم ويتلو هذه الآيات من يس: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (١)، فلم يبق رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدًا، قال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا في الفراش، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما، عليه برده. حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش، وقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا. وكان أبو بكر ﵁ قد أترع راحلتين فحبسهما في داره يعلفهما اعدادا لذلك، ثم أتى أبا بكر في الهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها. وقال: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يارسول الله، قال: الصحبة. ثم قال: يانبي الله هاتان راحلتان كنت أعددتهما لهذا فاستأجرا عبد الله بن أريقط (٢) من بني الدئل بن بكر (٣) - وكان مشركًا، يدلهما على الطريق، ودفعا

стр. 7844

ﷺ إليه راحلتيهما، وكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. وأمر رسول الله ﷺ عليًا ﵇ أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس. وخرج رسول الله ﷺ وأبو بكر من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته إلى غار بجبل ثور (١)، فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله (٢) أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى به، وأمر مولاه عامر بن فهيرة (٣) أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى. وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما. وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة، لمن رده عليهم. حتى مضت الثلاث ليال وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيرين لهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتها (٤)، ونسيت أن تجعل لها عصامًا (٥)، فلما ارتحلا، ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام، فحلت نطاقها فجعلته عصامًا، ثم علقتها به، فقيل لأسماء: ذات النطاق، وقيل: ذات النطاقين. وقدم أبو بكر أجود المراكب لرسول الله ﷺ ثم قال: اركب، فداك أبي وأمي، فقال: إني لا أركب بعيرًا ليس لي، قال: فهي لك يارسول الله، [بأبي أنت وأمي،

стр. 7845

قال: لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها به]، وركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه ليخدمهما في الطريق. وأخذ أبو بكر ماله كله معه، خمسة آلاف درهم. قالت أسماء: فمكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله ﷺ حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس يتبعونه، يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول: [من الطويل] جزى الله ربُّ الناس خير جزائه … ورفيقَين حَلّا خيمتي أمَّ معبد هما نزلا بالبرِّ ثم تروّحا … فأفلحَ مَنْ أمسى رفيقَ محمد ليهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد وتبعه سراقة بن مالك (١) ليرده ويأخذ المائة ناقة، قال: فبينا يشتد بي فرسي [عثر بي]، فسقطت عنه قال: قلت: ما هذا؟ ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره «لا يضره»، وكذلك ثانية وثالثة، فلما بدا لي القوم ورأيتهم، عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه قال: ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما

стр. 7846

دخان كالإعصار قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني، وأنه ظاهر. قال: فناديت: أنا سراقة بن جعشم، انظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. قال: فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: قل له: وما تبتغي منا؟ فقال لي ذلك أبو بكر. قال: قلت: تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك. قال: اكتب له يا أبا بكر. قال: فكتب لي، ثم ألقاه إليّ، فجعلته في كنانتي، ثم رجعت، فسكت، ولم أذكر شيئًا مما كان إلى أن أتيت رسول الله ﷺ به بعد الفتح، فقال ﷺ : «يوم وفاء وبر، أدنه» فأسلمت. قال ابن هشام: ثم قدما - يعني رسول الله ﷺ وأبا بكرـ بطن [رئم] (١)، ثم قدم [بهما] قباء (٢)، يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، حين اشتد الضحى، وكادت الشمس تعتدل. وكانت الأنصار تخرج كل يوم إلى الحرة (٣) تنتظره، فإذا علت الشمس دخلوا، وكانت أياما حارة، وأول من رآه رجل من يهود، فصاح بأعلى صوته: يابني قيلة (٤)، هذا جدكم [قد] جاء، وكانوا قد انصرفوا من منتظره حين علت الشمس. ونزل على كلثوم بن هدم (٥)، وقيل: بل على سعد بن خيثمة (٦)، وأقام

стр. 7847

أمير المؤمنين عليّ ﵇ بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى إذا فرغ مما أمره به رسول الله ﷺ لحق به، ونزل معه. وأقام رسول الله ﷺ بقباء يوم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وأسس مسجده، ثم خرج يوم الجمعة، فأدرك الجمعة في بني سالم بن عوف (١)، فصلاها في المسجد الذي في بطن وادي رانوناء (٢)، وأتاه رجال من الأنصار يعرضون عليه النزول عليهم، فقال: خلو سبيلها، فإنها مأمورة، [لناقته]، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا أتت دار مالك بن النجار، بركت على باب مسجد رسول الله ﷺ (الآن)، وكان مربدا ليتيمين: سهل وسهيل (٣) ابني عمرو، من بني النجار، وهما في حجر معاذ ابن عفراء (٤)، بركت ورسول الله ﷺ لم ينزل، ثم وثبت وسارت غير بعيد، ورسول الله ﷺ .

стр. 7848

واضع لها زمامها (١) لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها، ورجعت إلى مبركها أول مرة، ثم تحلحلت ورزمت (٢) ووضعت جرانها (٣)، ونزل عنها، واحتمل أبو أيوب خالد بن زيد (٤) رحله فوضعه في بيته، ونزل رسول الله ﷺ [وسأل] عن موضع المسجد، فقال له معاذ: هو ليتيمين في حجري، وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدا، وأمر به أن يبني، وعمل فيه، ودأب فيه المهاجرون الأنصار - رضوان الله عليهم - وقال قائلهم (٥): [من الرجز] لَئِنْ قَعَدْنَا والنَّبِيُّ يَعْمَلُ لَذَاكَ مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّلُ وكان عليٌّ يبني وهو يقول: [من الرجز] لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمَرُ المَسَاجِدَا يَدْأَبُ فِيهِ قَائِمًا وَقَاعِدَا وَمَنْ يُرَى عَنِ الغُبَارِ حَائِدَا ودخل عمار بن ياسر (٦) وقد أثقلوه باللبن، فقال: يارسول الله، قتلوني،

стр. 7849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7850

يحملون عليّ مالا يحملون. قالت أمّ سلمة (١) - أم المؤمنين ﵂: فرأيت رسول الله ﷺ ينفض

стр. 7851

وفرته بيده، وكان رجلا جعدا، وهو يقول: «ويح ابن سمية، ليسوا الذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية». و عرض آخر لعمار وهو يرتجز بما أرتجز به علي ﵇ ظن أنه إنما يعرض به، فقال: قد سمعت ما تقول مذ اليوم يا ابن سمية (١)، والله إني لأراني سأعرض هذه العصا لأنفك. قال: فغضب رسول الله ﷺ ثم قال: «ما لهم ولعمار، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، إن عمار جلدة ما بين عيني وأنفي، فإذا بلغ ذلك من الرجل ولم يستبق فاجتنبوه». وأقام رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه، ثم انتقل إلى مساكنه، وتلاحق المهاجرون برسول الله ﷺ ولم يبق بمكة منهم أحد إلا مفتون أو محبوس. قال ابن هشام: ولم يرغب أهل هجرة من مكة بأموالهم وأهليهم إلى الله ورسوله إلا أهل دور مسمون واستجمع له إسلام هذا الحي من الأنصار، إلا ما كان من خَطَمَة (٢)، وواقف (٣)، ووائل (٤)، وأمية (٥)، كلهم من أوس الله،، حي من الأوس، فإنهم أقاموا على شركهم.

стр. 7852

وكتب رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار [كتابًا] وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم. وآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار. ومما قلت في ذكر المهاجر الشريف وحسن صنيع الأنصار: [من الكامل] وكفاهُ يومَ الغارِ حالُ سُراقةٍ … وجوادُهُ في الأرض ليس يقومُ والعنكبوتُ قد تضاعف نسجها … طللًا عليه وللحمام نئيمُ حتى أتى دار المهاجرِ طيبةً … في غِيلِ غُلْبٍ والمقام كريمُ مِنْ آلِ قيلة ليس يعرفُ قائل … منهم غداة الروع كيف يريمُ شُمُّ غطارفةٌ جحاجحةٌ سمتْ … افعالُهم بهم وتمّ قديمُ صُبُر على كر الحياة عليهم … ما شأنهم سلم ولا تسليمُ قوم إذا هتف الدعاةُ نمتهم … في فرع يعرب جلةٌ وقُرومُ ولهم إذا صرخ الصريخ زعازعٌ … كالطودِ زحزحه أجشُّ هَزيمُ أنصارُ دينِ اللهِ أما جودُهمْ … فَنَدًى وأما بأسهم فسحومُ أبدًا تزود عن النزيل رماحُهم … أممًا وتُحمى في النزال حريمُ فتألفت أشتاتُهم بقدومِهِ … ورست لهم مثل الجبال حلومُ ثم نعود إلى ما كنا فيه. قال ابن هشام: وقال - فيما بلغنا، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل: «تآخوا في الله أخوين أخوين»، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، وقال: «هذا أخي». وقال أبو قيس، صرمة بن أبي أنس (١)، أخو بني عدي بن النجار، وكان ممن ترك الأوثان وهم بالنصرانية، ولم يفعل حتى أكرمه الله بالإسلام: [من الطويل] ثوى في قريش بضع عشرةَ حجةٌ … يذكّرُ لو يلقى صديقًا مؤاتيا ويعرض في أهل المواسم نفسهُ … فلمْ يَرَ من يؤوي ولم ير داعيا فلما أتانا أظهر الله دينَهُ … فأصبح مسرورًا بطيبة راضيا وألفى صديقًا واطمأنت به النوى … وكان له عونًا مِنَ اللهِ باديا يقصُّ لنا ما قال نوح لقومِهِ … وما قال موسى إذ أجاب المناديا

стр. 7853

نعادي الذي عادى مِنَ الناسِ كلّهم … جميعًا وإن كان الحبيب المصافيا أقول إذا جاوزت أرضًا مَخُوفةً … حنانيك لا تظهر علي الأعاديا فطأ معرضًا إنَّ الحتوف كثيرةٌ … وإنك لا تُبقي لنفسك باقيا فوالله ما يدري الفتى كيف يتقي … إذا هو لم يجعل له الله واقيا وفيهم يقول شاعر المهاجرين: [من الطويل] [و] هم أنزلونا في صدور بيوتهم … صدور بيوت أدفأت وأكنتِ أبو أن يملونا ولو أن أمنا … تلاقي الذي لاقوه منَّا لملتِ ونصبت اليهود المعاداة لرسول الله ﷺ وما لأهم عليها جماعة من المنافقين، وكانت أحبار يهود تأتي رسول الله ﷺ بالمسائل ليلبسوا الحق بالباطل، وكان القرآن ينزل فيهم فيما يسلون عنه، وأسلم عبد الله بن سلام (١)، وكان حبرًا عالمًا، وقال: يارسول الله، إن يهود قوم بهت، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك وتغيبني عنهم، ثم تسلهم عني يخبروك كيف أنا فيهم، قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن يعلموا به بهتوني وعابوني. قال: فأدخلني رسول الله ﷺ في بعض بيوته، ودخلوا عليه، فكلموه وسألوه، ثم قال لهم: أي رجل الحصين بن سلام فيكم؟ فقالوا: سيدنا وابن سيدنا، حبرنا وعالمنا. فخرج عليهم. قال ابن سلام: فقلت لهم: يا معشر يهود، اتقوا ﴿الله﴾ واقبلوا ماجاءكم به محمد، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل باسمه وصفته، وإني أشهد أنه رسول الله، وأؤمن به وأصدقه وأعرفه. فقالوا: كذبت، ثم وقعوا بي. وكذلك أسلم مخيريق (٢)، كان عالمًا من أحبارهم، وقتل مع رسول الله ﷺ نوبة

стр. 7854

أحد، وكان أوصى بماله لرسول الله ﷺ فعامة صدقاته منه. ثم صرفت القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة في رجب، على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأتاه أعيان يهود وقالوا له: يا محمد، ما ولاك عن قبلتنا التي كنت عليها، وكنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ [ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها] نتبعك ونصدقك، وإنما يريدون فتنته عن دينه، فأنزل الله - تعالى - فيهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١). *** [الفصل الرابع: الغزوات] وأقام رسول الله ﷺ تكملة السنة الأولى من الهجرة، وبعث عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي (٢) في ثمانين من المهاجرين حتى بلغ ماءً بأسفل ثنية

стр. 7855

المرَّةُ (١)، ولقى جمعًا عظيمًا من قريش، ولم يكن بينهم قتال. ثم استعمل سعد بن عبادة (٢) على المدينة، وخرج في صفر من السنة الثانية غازيًا

стр. 7856

حتى بلغ ودّان (١)، وهي غزوة الأبواء، يريد قريشًا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة (٢)، فوادعه فيها بنو ضمرة، ثم رجع. وبعث حمزة ﵁ إلى سيف البحر، ناحية العيص (٣)، في ثلاثين راكبًا من المهاجرين، فلقي أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب من أهل مكة، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني (٤)، وكان موادعًا للفريقين جميعًا. وبعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية من المهاجرين، حتى بلغ الحرار (٥)، ثم رجع. ثم استعمل رسول الله ﷺ (على المدينة) السائب بن عثمان بن مظعون (٦)، في شهر ربيع الأول، وخرج حتى بلغ بواط (٧)، من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا. ثم استعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وخرج في جمادى الأولى، حتى أتى بطن ينبع (٨)، فأقام بها إلى ليال من جمادى الآخرة، ووادع فيها بني

стр. 7857

مُدْلِجٌ (١) وحلفاءهم من بني ضَمْرَةَ، ثم رجع، وهي غزوة ذي العُشَيرة (٢)، وفيها قال رسول الله ﷺ لعلي ﵇: ما قال. كان هو وعمار بن ياسر مضطجعين في صُورٍ من النخل، وفي دقعاء (٣) من التراب. قال عمار: فنمنا، والله ما أهبنا إلا رسول الله ﷺ يُحَرِّكُنا برجله، وقد تَتَرَّبْنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها - يومئذ - قال لعليّ: مالك يا أبا تراب؟ لما يرى عليه من التراب. ثم قال: ألا أحدثكما بأشقى الناس؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ (٤) الذي عقر الناقة، والذي يضربك ياعلي على هذه، ووضع يده على قرنه، حتى يبل منها هذه، وأخذ بلحيته. ولم يلبث رسول الله ﷺ بالمدينة إلا أيامًا قلائل حتى أغار كرز بن جابر الفهري (٥) على سَرْحِ المدينة، فاستخلف رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، وخرج في طلبه، حتى بلغ سَفَوَانَ (٦) من ناحية بدر - وفاته كرز، وهي بدر الأولى. ثم بعث عبد الله بن جحش الأسدي (٧) في رجب، وكتب له كتابا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه ويمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدًا، فسار يومين ثم فتحه، فإذا فيه: أن ينزل نخلة - بين مكة والطائف - يرصد بها قريشًا ويعلم أخبارهم، ثم مضى هو وأصحابه، لم يرجع أحد منهم، وأصابوا

стр. 7858

بنخلة لقريش عيرا تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارة، ورمى أحد المسلمين عمرو بن الحضرمي (١) بسهم فقتله، وأسر المسلمون اثنين، وساقوا العير حتى قدموا المدينة، وهي أول غنيمة للإسلام. [أ - غزوة بدر] ثم سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلًا من الشام في عير عظيمة لقريش، فيها ثلاثون أو أربعون رجلا، منهم مخرمة بن نوفل (٢)، وعمرو بن العاص. فندب المسلمين إليهم، وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها، فانتدب الناس، فخف بعض وثقل بعض، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربًا. وكان أبو سفيان بن حرب حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان تخوفا عن أمر الناس. حتى أصاب خبرا من بعض الناس الركبان: أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري (٣)، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشًا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن

стр. 7859

محمدًا قد عرض لها في أصحابه فخرج ضمضم سريعًا إلى مكة. وقبل قدوم ضمضم مكة بثلاث رأت عاتكة بنت عبد المطلب (١) رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب، فقالت: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة، رؤيا لقد أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك شر أو مصيبة، فاكتم عني ما أحدثك. قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا أنفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث وثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة، ولا دار منها إلا دخلها منها فلقة (٢). قال العباس: والله إن هذه الرؤيا، وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد. ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة (٣)، وكان له صديقًا، فذكرها له واستكتمه

стр. 7860

إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش. قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة. فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يابني عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة، قال: فقلت: وما رأت؟ قال: يابني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، فقد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يكن حقًا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العباس: فوالله ما كان مني [إليه] كبيرا، [إلا] أني جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئًا، ثم تفرقنا. فلما أمسينا لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما قد سمعت. قال: قلت: قد والله فعلت، وما كان مني إليه كبير، وايم الله لأتعرضن له، وإن عاد لأكفينكنه. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرى أن قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه [أتعرضه]، ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر. إذ خرج نحو باب المسجد يشتد. قال: قلت في نفسي: ماله، لعنه الله، أكل هذا فرقا مني أن أشاتمه! قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره، قد جدع بعيره وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيحة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال: فشغلني عنه وشغله عني ماجاء من الأمر. فتجهز الناس سراعًا، وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن

стр. 7861

الحضرمي، كلا والله ليعلمن غير ذلك. وكانوا بين رجلين، إما خارج وإما باعث مكانه رجلًا، وأوعبت قريش، فلم يتخلف من أشرافها أحد. إلا أن أبا لهب قد تخلف، وبعث مكانه العاص بن هشام، وقد كان لاط به بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها فاستأجره بها، على أن يجزئ عنه، [بعثه] فخرج عنه. وإن أمية بن خلف أجمع القعود، وكان شيخًا جليلًا جسيمًا ثقيلًا، فأتاه عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها فيها نار، ووضعها بين يديه وقال: يا أبا علي استجمر، فإنما أنت من النساء، قال: قبحك الله وقبح ما جئت به. قال: ثم تجهز وخرج مع الناس. ولما فرغوا من جهازهم، وأجمعوا المسير، ذكروا ما كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا إنا نخشى أن يأتونَا من خلفنا، فكاد ذلك يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم، وقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجوا سراعًا. قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله ﷺ في ليال مضت من شهر رمضان، في أصحابه، واستعمل عمرو ابن أم مكتوم (١) على الصلاة بالناس، ثم رد أبا لبابة (٢)

стр. 7862

من الرّوحاء (١)، واستعمله على المدينة. ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، وكان أبيض. وكان أمام رسول الله ﷺ رايتان سوداوان، إحداهما مع علي بن أبي طالب ﵁ والأخرى [مع] بعض الأنصار. وكانت إبل أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ سبعين بعيرًا، فاعتقبوها، فكان رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد (٢) يعتقبون بعيرًا، وكان حمزة وزيد بن

стр. 7863

حارثة وأبو كبشة (١) وأنسة (٢) - موليا رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرًا، وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا. وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة (٣)، وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ (٤) فيما قال ابن هشام.

стр. 7864

فسلك طريقه من المدينة إلى مكة، على نقب المدينة، ثم على العقيق (١)، ثم على ذي الحُلَيْفَة (٢)، ثم على ذات الجيش (٣)، ثم على تُرْبان (٤)، ثم على مُلَل (٥)، ثم على غُمَيْسِ الحَمَام (٦)، ثم على صخيرات اليَمَام (٧)، ثم على السَّيَالَة (٨)، ثم على فَجّ الروحاء، ثم على شَنُوكَة (٩)، وهي الطريق المعتدلة، حتى إذا كان بعرق الظَّبْيَة (١٠) لقوا رجلًا من الأعراب فسألوه عن الناس، فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس: سلم على رسول الله ﷺ فقال: أوفيكم رسول الله ﷺ قالوا: نعم، فسلم عليه، ثم قال: إن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه. فقال له سلمة بن سلامة بن وقش: لا تسل رسول الله ﷺ (وأقبل علي) فأنا أخبرك عن ذلك. نزوت (١١) عليها، ففي بطنها منك سِخْلَة (١٢)، فقال ﵇: «مه، أفحشت على الرجل»، ثم أعرض عن سلمة. ثم ارتحل رسول الله ﷺ وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام

стр. 7865

عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم المقداد بن عمرو (١) وقال: يارسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٢). [ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما قاعدون]، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (٣) لجالدنا معك من دونه، حتى تبغله. فقال له ﵇ خيرًا، ودعا له. ثم قال: سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني - الآن - أنظر إلى مصارع القوم. ثم ارتحل، ونزل قريبا من بدر (٤)، ثم ركب هو وأبو بكر حتى وقفا على شيخ من العرب، فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال ﵇: إذا أخبرتنا أخبرناك. قال له: أو ذاك بذاك؟ قال: نعم، قال الشيخ: بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا،

стр. 7866

فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا، للمكان الذي نزل ﵇، وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا، فإن كان الذي أخبرني صادقا فهم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي قريش فيه. ثم رجع ﵇ إلى أصحابه، فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى بدر يلتمسون الخبر له، فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم وعريض (١)، فأتوا بهما فسألوهما، وهو ﵇ قائم يصلي، فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما فلما أذلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتيه، ثم سلم، [وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما صدقا، والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش؟» قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي بالعَدْوَة القصوى] (٢)، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، وقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها». وأقبل أبو سفيان حتى تقدم العير حذرا، [حتى] ورد الماء وسأل مجدي بن عمرو: هل أحسست أحدًا، قال: ما رأيت أحدًا أنكره إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب (٣). فرجع إلى أصحابه سريعا، فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها، وترك بدرا يسارا، وأسرع. وأقبلت قريش، ونزلوا الجحفة، فلما أحرز أبو سفيان عيره أرسل إلى قريش: أن يرجعوا؛ لأن عيرهم وأموالهم قد سلموا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، ومضوا بعد أن رجع منهم بنو زهرة بأسرهم، حتى نزلوا على مقربة من بدر، فنهض رسول الله ﷺ ومن معه حتى أتى أدنى ماء من القوم ونزل عليه، ثم أمر بالقُلُب (٤) فغورت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه، فملئ ماء.

стр. 7867

وبنى له ﵇ عليه عريشًا، وبإشارة سعد بن معاذ، ﵁. ثم إن قريشًا ارتحلت حين أصبحت، فلما أقبلت رآها ﵇ تصوب، فقال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحِنْهم الغداة». فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله ﷺ فيهم حكيم بن حزام (١)، فقال ﵇: دعوهم، فما شرب منه رجل - يومئذ - إلا قتل،

стр. 7868

إلا ما كان من حكيم بن حزام، وأسلم بعد ذلك، وكان يقول إذا حلف، والذي نجاني (من) يوم بدر. قال: وقد خرج الأسود بن عبد الأسد (١)، وقال: أعاهد الله أني لا أرجع حتى أشرب من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه، فلما خرج [خرج] إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن (٢) قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تَشَخَّب (٣) رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن يبر يمينه، فأتبعه حمزة فضربه حتى قلته في الحوض. ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة، ودعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتيان من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال ﵇: «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي»، فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ. قالوا: نعم، أكفاء كرام، فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة، فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما عليّ فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه (٤)، ثم كر علي وحمزة بأسيافهما على عتبة فذففا عليه (٥)، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابة. ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وأمر ﵇ أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم (٦) عنكم بالنبل»، ومعه أبو بكر في العريش.

стр. 7869

ثم مضى ﵇ وعدل الصفوف، ورجع إلى العريش وهو يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد»، وأبو بكر يقول: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. وخفق (١) ﵇ خفقة في العريش، ثم انتبه، وقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله. هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده، على ثناياه النقع» (٢). وحرّض النبي ﷺ أصحابه على القتال، وبشرهم بالنصر. ولما التقى الناس أخذ ﵇ حفنة من الحصباء، واستقبل بها قريشا، قم قال: «شاهت الوجوه»، ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه وقال: «شدوا»، فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم. وقال ﵇ لأصحابه يومئذ: «إني قد عرفت أن رجلًا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، [لاحاجة لهم بقتالنا] فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي [أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي] العباس بن عبد المطلب، عم نبيكم فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها». فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف، (فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف؟! فقال عمر: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسيف)، فوالله لقد نافق؛ قال عمر: وهو أول يوم كناني فيه ﵇ بأبي حفص، وكان أبو حذيفة [يقول]: ما أنا بأمن من تلك الكلمة التي قلت - يومئذ - ولا أزال منها خائفا، إلا أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدًا. ومر عبد الرحمن بن عوف بأمية بن خلف وابنه علي، فاستجار به فأجاره قال ابن عوف ﵁: قال لي أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما: يا عبد الإله، من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قال: قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل قال: وإني لأقودهما إذ رآهما بلال، وكان أمية هو الذي يعذب بلالًا على ما تقدم ذكره، فقال بلال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجوت. قال: قلت: أي بلال، أبأسيري! قال: لا نجوت إن نجا. قال: ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. قال: فأحاطوا بنا، وأنا أذب عنهما، فأخلف رجل السيف فضرب ابنه فوقع، فصاح أمية

стр. 7870

صيحة ماسمعت مثلها قط، قال: فقلت: انج بنفسك، فوالله ما أغني عنك شيئًا، قال: فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما. وعن ابن عباس قال: لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا فيما سواه مددا وعددا. وقاتل - يومئذ - عكاشة بن محصن (١) بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى النبي ﷺ فأعطاه جذلا من حطب، فقال: «قاتل بهذا يا عكاشة»، فلما أخذه من يده ﵇ هزه فعاد سيفا في يده، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، ويسمى هذا السيف بالعون، ولم يزل عنده يشهد به المشاهد مع النبي ﷺ . وأمر النبي ﷺ أن يطرح القتلى في القليب، فطرحوا، فوقف عليهم رسول الله ﷺ فقال: «يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا»، فقال له المسلمون: أتنادي قومًا قد جيفوا؟ قال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني». وقد ذكرت في كلمة لي القليبين: قليب بدر وقليب الحديبية، فقلت: [من الطويل] أما فيهم قلب تبصَّرَ مِنْ عمّى … فيُبصرُ منه القلب ما يبصر القلب قَلِبان جاشا دافقين لأجله فهذا … مِنَ القتلى وذا ماؤه سكب ثم أمر رسول الله ﷺ بما جمعه أهل العسكر، فجمع، فاختلف فيه المسلمون، فقال من جمعه: هو لنا، وقال الذين قاتلوا العدو: بل هو لنا، وقال الذين جلسوا مع النبي ﵇: هو لنا.

стр. 7871

وسئل عبادة بن الصامت عن الأنفال، فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسوله، فقسمه رسول الله ﷺ على بواء؛ يقول: على سواء. ثم ارتحل رسول الله ﷺ حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين. وأسهم النبي ﷺ لعثمان بن عفان، ولم يشهد بدرًا معهم؛ لأنه كان مشتغلا بابنة رسول الله ﷺ رقية، ﵍. وكان فراغ رسول الله ﷺ من بدر عقب شهر رمضان أو في شوال. مما ذكرت في يوم بدر قولي: [من الوافر] لقد قاد الجيوش إلى الأعادي … فهيَّجَ مِنْ بلائهم بلايا فأسد الله ثائرة غضاب … لدين الله لا ترضى الدنايا أفاض النهي فيهم سابغات … تردُّ البأس لا تخشى النهابا ويغمد في الرؤوس لهم سيوف … تذود الحرب مصلية عرايا وتلعب بالنفوس لهم نبال … تحنُّ مِنَ الضلوع إلى خَبايا وسل بدرا فليس له شبيهٌ … يجيءُ بُمثله مدد العشايا ولما رجع فل قريش من بدر، نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدًا، فخرج في مائتي راكب حتى أتى [سلام] بن مشكم، سيد بني النضير، فقراه وسقاه، وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، وبعث رجالًا، فأتوا العريض (١)، فحرقوا نخلا بها، ووجدوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له في حرث لهما، فقتلوهما، ثم انصرفوا راجعين. وخرج رسول الله ﷺ حتى بلغ قرقرة الكدر (٢)، ثم انصرف راجعًا، وقد فاته أبو سفيان، وغنموا سويقًا (٣) كثيرًا رماه أصحاب أبي سفيان ليتخففوا، فسميت غزوة السويق.

стр. 7872

ثم نقضت بنو قينقاع عهدهم، فحاصرهم، حتى نزلوا على حكمه، ثم (تشبث) عبد الله بن أبي ابن سلول (١) بهم؛ لأنهم كانوا حلفاءه. ثم غزا رسول الله ﷺ نجدًا يريد غطفان، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، ثم رجع ولم يجد كيدا، وهي غزوة ذي أمر (٢). ثم استعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وغزا يريد قريشًا، فبلغ بحران (٣)، ومعدنا بالحجاز من ناحية الفرع (٤)، ثم رجع. [ثم] إن قريشًا خافوا طريقهم إلى الشام، فسلكوا طريق العراق، فخرج أبو سفيان في تجارة، ومعه فضة كثيرة، فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فلقيهم على ذلك الماء، فأصاب تلك العير وما فيها، وأعجزه الرجال قال حسان (٥)

стр. 7873

ابن ثابت (١): [من الطويل] دَعَوا فَلَجَاتِ الشَّامِ قَدْ حَالَ دُونَها … جِلَادٌ كأَفْوَاهِ المُخَاضِ الأَوَارِك

стр. 7874

[بأيدي رجال هاجروا نحو ربِّهم … وأنصارِهِ حقًا وأيدى الملائك] إذا سلكت للغورِ مِنْ بطنِ عالج … فقولا لها ليس الطريق هنالِكِ ثم بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة (١) أخا بني عبد الأشهل إلى كعب بن الأشرف اليهودي (٢) فقتله؛ لأنه كان يبكي قتلى بدر ويناقض شعراء المسلمين، ويشبب بنسائهم، وقال رسول الله ﷺ : «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه»، فوثب محيصة بن مسعود (٣) على ابن سنينة - من تجار يهود - وكان يعاملهم فقتله، فقال له أخوه حويصة: أي عدو الله، أقتلته! أما والله لرب شحم في بطنك من ماله. فقال: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك، وقال: [من الطويل] يلومُ ابنُ أمي لو أمرت بقتلِهِ … لطبقتُ ذِفْراهُ بأبيض قاضبِ

стр. 7875

حُسَامٌ كَلَونِ المِلحِ أُخلِصَ صَقلُهُ … مَتَى مَا أُصَوِّبُهُ فَلَيسَ بِكَاذِبِ وَمَا سَرَّنِي أَنِّي قَتَلتُكَ طَائِعًا … وَأَنَّ لَنَا مَا بَينَ بُصْرَى وَمَأرِبِ فأخذ رسول الله ﷺ بني قريظة. [ب - غزوة أحد] ثم غزته قريش غزوة أحد، وقد جمعت له واستنصرت عليه، وكان رسول الله ﷺ يكره الخروج إليهم، وقال له كثير من المسلمين: اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عن أعدائنا، فخرج في ألف من أصحابه. ثم انخزل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس. والتقى الجمعان، واشتد القتال، وكانت النوبة على المسلمين، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قتل، فانكفأت الصحابة وانكفأت قريش عليهم، وكان يوم بلاء وتمحيص، فترس دونه أبو دجانة (١) بنفسه، ويقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل، ورمى عنه سعد بن أبي وقاص وهو يقول: فداك أبي وأمي، فدف بالحجارة حتى وقع لشقه، فأصيبت رباعيته وشج في وجهه وكلمت شفته، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، وقع في حفرة فأخذه علي - كرم الله وجهه - بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائمًا، ونزع أبو عبيدة الحلقتين فسقطت لأبي عبيدة ثنيتان، ومص أبو سعد الخدري الدم من وجهه، ثم ازدرده، فقال ﷺ : «من مس دمه دمي لم تصبه النار». وأول من عرف رسول الله ﷺ بعد أن قيل: قتل، بسبب الناس، كعب بن مالك، قال: فناديت: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله ﷺ فنهضوا له ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وطلحة بن

стр. 7876

عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة (١) ورهط من الملسمين. فلما أسند في الشعب وأتاه أبي بن خلف (٢) وهو يقول: لا نجوت إن نجا فقال له القوم: يارسول الله، أينعطف عليه رجل منا؟ فقال: «دعوه»، فلما دنا منا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، ثم استقبله وطعنه في عنقه [طعنة] تدأدأ منها عن فرسه مرارا، ورجع إلى قومه فمات بسرف (٣). وفيه يقول حسان (٤)، ﵁: [من الوافر] ألا مَنْ مُبلغ عنّي أبيًا … فقدْ أُلقيت في سحق السعير تمنيك الأماني من بعيد … وقولُ الكفر يرجع في غُرُورِ فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ … كريم البيت ليس بذي فُجُورِ له فضل على الأحياءِ طُرًّا … إذا نابت ملمات الأمور ثم إن عليًا ﵇ خرج من الشعب إلى المهراس (٥) فملأ درقته ماء فغسل وجهه، وصب على رأسه وهو يقول: «اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه». وبينا رسول الله ﷺ فيمن معه في الشعب علت عالية من خيل قريش الجبل، وكان عليها خالد بن الوليد، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أنزلوهم. ونزل رسول الله ﷺ إلى صخرة ليعلوها، وكان بدن، وظاهر بين درعين، فلم يستطع، فجلس تحته طلحة حتى استوى عليها، فقال ﵇: «أوجب طلحة». وأكرم الله يومئذ حمزة بن عبد المطلب بالشهادة، رماه وحشي (٦) بحربة فقتله،

стр. 7877

وبقرت هند بنت عتبة (١) عن كبده فلاكتها، ثم لفظتها، وظلت ترتجز بأراجيز منها: [من الرجز]

стр. 7878

شُفِيتُ مِنْ حَمزَةَ نَفسِي بِأُحُد حَتَّى بَقَرْتُ بطنَهُ عَنِ الكَبِد والحربُ تَعلُوكُم بِشُؤْبُوبِ مُدَد تَقدَّم إِقْدَامًا عَلَيْكُمْ كَالأَسَد ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل وثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت فعال، الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل وهبل - أي ظهر دينك - فقال رسول الله ﷺ : «قم يا عمر فأجبه»، وقل: «الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار»؛ فقال له أبو سفيان: هلم إليّ يا عمر، فقال رسول الله ﷺ : «ائته فانظر ماشأنه»، فجاءه، فقال: أنشدك الله أقتلنا محمدًا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه يسمع كلامك الآن. قال: أنت عندي أصدق من ابن قميئة (١) وأبرّ؛ لأنه كان قال لهم: إنه قتل. ولما انصرف أبو سفيان نادى: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال رسول الله ﷺ

стр. 7879

لِرَجُلٍ من أصحابه: «قل: هو بيننا وبينك موعدا». ثم قال لعلي ﵇: «اخرج في آثارهم فانظر ما يصنعون، فإن جنبوا الخيل وامْتَطَوْا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده لئن أرادوها، لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم»، فامتطوا الإبل، وجنبوا الخيل، وتوجهوا إلى مكة. قلت: وهذه نوبة الخندق: وكان قد أشار سلمان الفارسي (١) بحفره على المدينة، وكانت أول مشهد شهده مع رسول الله ﷺ .

стр. 7880

وفيها عرضت الكدية التي استعصت حتى ضربها رسول الله ﷺ بالمعول، فبرقت برقة رؤيت لها مشارق الأرض ومغاربها، مما وعد أنه سيبلغه ملك أمته، على ماجاء الحديث به. وقد ذكرت ذلك حيث قلت: [من السريع] وسل عن الخندق إذ عارضت … في حفره كدية صوان أزاحها مِنْ يَدِهِ ضربة … تهوي لها أركانُ ثَهلان وأومضت في جنحها رقة … أبدت [له] شاسع بلدان وكل قصر بديني قيصر … أو ساسَهُ مَلْك لساسان من كل ما تفتحه بعدَهُ … أمتُهُ من دار سلطان وصدق الصادق في قوله … فتوح فاروق وعثمان بكل فتح تحت أذيا له … اشتان نران وصلبانِ ثم أذن في ثاني يوم مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج، وخرج معه أصحابه، وكثير ممن كان تأخر، ليرهب الكفار بأنه يتبعهم، حتى بلغ حمراء الأسد (١)، وكان أبو سفيان
следующие страницы →