← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.

стр. 9136

ولم يسلم من المسلمين إلا من سبح ونجا، وأخذ الباقون، فطال الحصار عليها، فرحل السلطان عنها في آخر شوال، وكان أول كانون الأول، وأقام بعكا، وأعطى العساكر الدستور، فسار كل واحد إلى بلده، وبقي السلطان بعكا في حلقته، وأرسل إلى هونين (١) ففتحها بالأمان. وفيها: سار (٢) شمس الدين بن محمد بن عبد الملك المقدم حاجًا، وكان هو أمير الحاج الشامي ليجمع بين الغزاة وزيارة القدس والجليل والحج في عام واحد. فسار ووقف بعرفات، ولما أفاض أرسل إليه مجير الدين طاشتكين أمير الحاج العراقي يمنعه من الإفاضة قبله، فلم يلتفت إليه، فسار العراقيون، وارتفعوا مع الشاميين فقتل منهم جماعة وابن المقدم يمنع أصحابه من القتال، ولو مكنهم لانتصفوا من العراقيين فجرح ابن المقدم ومات شهيدًا، ودفن بمقبرة المعلى. وفيها: قوي (٣) أمر السلطان طغريل ابن أرسلان شاه بن طغريل بن السلطان محمد بن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق وملك كثيرًا من البلاد، وأرسل قزل أرسلان بن الدكز يستنجد الخليفة، وخوفه عاقبة أمر طغريل. وفيها: سار (٤) شهاب الدين الغوري وغزا بلاد الهند. وفيها: قتل (٥) الخليفة الناصر أستاذ داره أبا الفضل مجد الدين بن الصاحب (٦)، ولم يكن للخليفة معه حكم، وظهر له أموال عظيمة، فأخذت جمعها. وفيها: استوزر (٧) الخليفة الناصر جلال الدين أبا المطهر عبيد اله بن يونس (٨)، ومشى أرباب الدولة في ركابه حتى قاضي القضاة.

стр. 9137

وفي سنة أربع وثمانين: شَتّى (١) السلطان في عكا، ثم سار بمن معه إلى كوكب (٢) وجعل على حصارها الأمير قيماز النجمي (٣)، وسار منها في ربيع الأول، ودخل دمشق وفرح الناس بقدومه، وكتب إلى الأطراف باجتماع العساكر، وأقام في دمشق خمسة أيام، وسار منها في ربيع الأول من السنة، ونزل على بحيرة مقدس غربي حمص وأتَتْهُ العساكر بها، فأولهم عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن اقسنقر صاحب سنجار ونصيبين، ولما تكاملت العساكر رَحَل ونزل تحت حصن الأكراد وشنَّ الغارات على بلاد الفرنج، وسار من حصن الأكراد فنزل على انطرسوس (٤) سادس جمادى الأولى (٥)، وتسلّمها ساعة وصوله، فجعل لحفظها الأمير سابق الدين بن عثمان ابن الداية صاحب شيزر، ثم سار السلطان إلى اللاذقية، ووصل إليها في رابع عشرين جمادى الأولى، ولها قلعتان، فحصر القلعتين، وزحف إليها، فطلب أهلها الأمان فأمنهم وتسلّم القلعتين، ولما تسلّمها سلّمها إلى أبن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، فحصنها وعمر قلعتها، وكان تقي الدين عظيم الهمة في تحصين القلاع والغرامة عليها، كما فعل بقلعة حماة، ثم رحل السلطان عن اللاذقية سابع عشرين جمادى الأولى إلى صهيون (٦) وحاصرها

стр. 9138

وضايقها، وطلب أهلها الأمان فلم يجبهم إلا على أمان أهل القدس فيما يودون، فأجابوا إلى ذلك، وتسلّم السلطان قلعة صهيون وسلّمها إلى أمير من أصحابه يقال له ناصر الدين منكورس (١) صاحب قلعة أبي قبيس، ثم فرق عسكره في تلك الجبال، فملكو حصن بلاطنس (٢)، وكان الفرنج الذين به قد هربوا وأخلوه وملكو حصن العبد، وحصن الجماهرتين (٣) ثم سار السلطان عن صهيون ثامن جمادى الآخرة. ووصل إلى قلعة بكاس (٤) وأخلاها أهلها وتحصنوا بقلعة الشُّغر (٥)، فحاصرها السلطان ووجدها منيعة، وضايقها، فأرمى الله في قلوبهم الرعب وطلبوا الأمان، وتسلّمها يوم الجمعة سادس جمادى الآخرة بالأمان، وأرسل السلطان ولده الملك الظاهر غازي صاحب حلب فحصر سرمينية (٦) وضايقها واستنزل أهلها على قطيعة قررها عليهم، وهدم الحصن، وعفى أثره، وكان في هذه وفي جميع الحصون المذكورة من المسلمين الجم الغفير، فأطلقوا وأعطوا الكسوة والنفقة. ثم سار السلطان من الشُّغر إلى برزية (٧)، ورتب عسكره ثلاثة فرق وداومها بالزحف وملكها بالسيف في السابع والعشرين من جمادى الآخرة، وسبى وقتل من أهلها غالبهم، قال ابن الأثير في الكامل (٨): كنت مع السلطان في فتحه لهذه البلاد طلبًا للغزاة، فنحكي ذلك عن مشاهدة، ثم سار السلطان ونزل على جسر الحديد وهو على العاصي بقرب أنطاكية، فأقام عليه أيامًا حتى تلاحق به من تأخر من العسكر، ثم سار إلى دربساك (٩) ونزل عليها من رجب هذه السنة، وحاصرها وضايقها وتسلمها بالأمان.

стр. 9139

على شرط إلا يخرج أحد منها إلا بثيابه فقط، وتسلمها تاسع عشر رجب، ثم سار إلى بغراس (١)، وحصرها وتسلّمها بالأمان على حكم أمان دربساك، وأرسل بيمند صاحب أنطاكية إلى السلطان يطلب منه الهدنة والصلح، وبذل إطلاق كلّ أسير عنده، فأجيب إلى ذلك، واصطلحوا ثمانية أشهر، وكان صاحب أنطاكية «حينئذ أعظم ملوك الفرنج في هذه البلاد، فإن أهل طرابلس سلّموا إليه طرابلس بعد موت القومص صاحبها على ما ذكرناه، فجعل بيمند صاحب أنطاكية» (٢) ابنه في طرابلس. ولما فرغ السلطان من هذه البلاد والهدنة سار إلى حلب ودخلها ثالث شعبان وسار منها إلى دمشق، وأعطى عماد الدين زنكي دستورًا، وكذلك أعطى غيره من العساكر الشرقية، وجعل طريقه لما رحل من حلب على قبر عمر بن عبد العزيز فزاره وزار الشيخ أبا زكريا المغربي، وكان مقيمًا هناك، وكان من عباد الله الصلحاء، وله كرامات ظاهرة، وكان مع السلطان الأمير أبو فليتة قاسم بن مهنا الحسيني (٣)، صاحب مدينة الرسول ﷺ ، وشهد معه مشاهده وفتوحاته، وكان السلطان يتبرك برؤيته، ويتيمن بصحبته، ويرجع إلى قوله. ودخل السلطان دمشق في رمضان فأشير عليه بتفريق العساكر ليريحوا ويستريحوا، فقال السلطان العمر قصير، والأجل غير مأمون، وكان السلطان لما سار إلى البلاد الشمالية قد جَعَل على الكرك وغيرها من يحصرها، وخلا أخاه العادل بتلك الجهات يباشر ذلك فأرسل أهل الكرك يطلبون الأمان، فأمر الملك العادل المباشرين لحصارها بتسلمها، فتسلّموها، وهي الكرك والشوبك (٤) وما بتلك الجهة من البلاد، ثم سار السلطان من دمشق المحروسة في منتصف رمضان إلى صفد وحصرها وتسلمها بالأمان. ثم سار إلى كوكب وعليها قيماز النجمي يحاصرها فضايقها السلطان وتسلّمها بالأمان في منتصف ذي القعدة، سير أهلها إلى صور، وكان اجتماع أهل هذه القلاع في صور من أعظم أسباب الضرر على المسلمين، ظهر ذلك فيما بعد.

стр. 9140

ثم سار إلى القدس فعيّد فيه عيد الأضحى، ثم سار إلى عكا فأقام بها حتى انسلخت السنة. وفيها: أرسل (١) قزل بن الدكز يستنجد بالخليفة الإمام الناصر على طغريل بن أرسلان بن طغريل بن محمد بن السلطان ملكشاه السلجوقي ويحذره عاقبة طغريل، فأرسل الخليفة عسكرًا إلى طغريل والتقوا ثامن ربيع أول هذه السنة، قرب همدان، فانهزم عسكر الخليفة، فغنم طغريل أموالهم وأسر مقدّمهم الوزير جلال الدين (٢). وفي سنة خمس وثمانين: سار (٣) السلطان صلاح الدين ونزل بمرج عيون (٤)، وحضر إليه صاحب شقيف أرنون (٥)، وبذل له تسليم (٦) الشقيف بعد مدة عينها (٧)، خديعة منه، فلما بقي للمدة ثلاثة أيام استحضره السلطان، وكان اسمه أرناط، وقال له في التسليم. فقال: لا يوافقني عليه أهلي وأهل الحصن، فأمسكه السلطان وبعث به إلى دمشق فحبس. وفيها: كان حصار الفرنج عكا (٨). كان قد اجتمع لصور أهل البلاد التي أخذها السلطان بالأمان، فكثر جمعهم حتى صاروا في عدد لا يُحصى، فأرسلوا إلى البحر يبكون ويستنجدون وصوروا المسيح وصوروا عربي يضرب المسيح، وقد أدماه، وقالوا: هذا نبي العرب يضرب المسيح فخرجت النساء من بيوتهنّ، ووصل من البحر عالم لا يُحصى كثرة، وساروا من صور إلى عكا ونازلوها في منتصف رجب هذه السنة، وضايقوا عكا وأحاطوا بسورها من البحر، ولم يبق للمسلمين إليها طريق، فسار السلطان ونزل قرب الفرنج، وقاتلهم في مستهل شعبان، وباتوا على ذلك وأصبحوا، فحمل تقي الدين عمر صاحب حماة من

стр. 9141

ميمنة السلطان على الفرنج، فأزالهم عن موقفهم، والتزق بالسور (١)، وانفتح الطريق إلى المدينة، فأدخل السلطان إلى عكا عسكرًا نجدة، وكان من جملتهم أبو الهيجاء السمين، وبقي المسلمون يغادون القتال ويراوحونه إلى عشرين شعبان، ثم كان بين المسلمين وبينهم الوقعة العظيمة (٢)، فإن الفرنج اجتمعوا وحملوا على السلطان في القلب، فأزالوه عن موقفه، وأخذ الفرنج يقتلون (في) (٣) المسلمين إلى أن بلغوا خيمة السلطان، فانحاز السلطان هو وخاصته إلى جانب «وانضاف إليه جماعة» (٤) وانقطع مدد الفرنج، واشتغلوا بقتال الميمنة فحمل السلطان على الفرنج الذين خرقوا القلب (٥) وعطف الجيش عليهم، فأفنوهم قتلًا، فقتل في ذلك الوقت من الفرنج قريب الثلاثين (٦) ألفًا، ووصل المنهزمون من المسلمين بعضهم إلى طبرية، وبعضهم إلى دمشق، وجافت الأرض بعد هذه الوقعة، ولحق السلطان مرض القولنج، فأشار عليه الأمراء بالانتقال من ذلك الموضع، فوافقهم ورحل عن عكا رابع عشر رمضان هذه السنة إلى الخروبة (٧) فلما دَخَل تمكن الفرنج من حصار عكا وانبسطوا في تلك الأرض، ووصل أسطول المسلمين في البحر مع حسام الدين لؤلؤ الحاجب (٨)، فظفر بأسطول الفرنج وأخذه وأخذ من الفرنج أموالًا عظيمة، ودخل بالكل إلى عكا، فقوي به قلوب المسلمين، وكذلك وصل الملك العادل بعكسر مصر وبالسلاح إلى أخيه السلطان، فقويت قلوب المسلمين بوصوله. وفي سنة ست وثمانين: بعد (٩) دخول صفر رحل السلطان من الخروبة، وعاد إلى قتال الفرنج بعكا، وكان الفرنج قد عملوا قرب سور عكا ثلاثة أبرجة طول البرج ستون ذراعًا، جلبوا خشبها من جزائر البحر وعملوها طبقات، وشحنوها بالسلاح ولبسوها جلود البقر والطين بالخل،

стр. 9142

ولئلا تعمل فيها النار، فتحيل المسلمون وأحرقوا البرج الأول فاحترق بمن فيه من الرجال والسلاح، ثم أحرقوا الثاني والثالث (١)، وانبسطت نفوس المسلمين لذلك بعد الكآبة، ووصلت إلى السلطان عساكر البلاد وبلغ المسلمين وصول ملك (٢) الألمان، وكان قد سار من بلاد وراء القسطنطينية بمائة ألف مقاتل، واغتم المسلمون لذلك وأيسوا من الشام، فسلط الله على الألمان الغلاء والوباء، فهلك أكثرهم في الطريق، ولما وصل ملكهم إلى بلاد الأرمن نزل في نهر هناك يغتسل فهلك غرقًا، وأقاموا ابنه مقامه، فرجع من عسكره طائفة إلى بلادهم وطائفة اختارت أخا ابن الملك المذكور، فرجعوا مع ابن الملك، ووصل مع ابن الملك المتولي أولًا إلى فرنج عكا ألف مقاتل وكفى الله المسلمين شرهم وبقي السلطان وفرنج عكا يتناوشون القتال إلى العشرين من جمادى الآخرة، فخرجت الفرنج بالفارس والراجل من خنادقهم، وأزالوا الملك العادل عن موقفه، وكان معه عسكر مصر، فعطف عليهم المسلمون وقتلوا من الفرنج قريب عشرة آلاف فارس، فرجعوا إلى خنادقهم وحصل للسلطان مغص، فانقطع في خيمة صغيرة، ولولا ذلك لكانت الفيصلة، ولكن إذا أراد الله أمرًا فلا مردّ له. وفيها (٣): لما قوي الشتاء واشتدت الريح، أرسل الفرنج (٤) مراكبهم إلى صور خوفًا أن تنكسر، فانفتحت الطريق إلى عكا في البحر، وأرسل السلطان إليها البدل، فكان العسكر الذي خرجوا منها أضعاف الواصلين إليها، فحصل التفريط لذلك. وفيها (٥): ثامن شوال توفي زين الدين يوسف بن زين الدين علي كوجك صاحب أربل، وكان مع السلطان بعسكره، ولما مات أقطع السلطان أربل أخاه مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين على كوجك، وأضاف إليه شهروز وأعمالها، وارتجع ما كان بيد المظفر وهو حرّان والرها، وسار مظفر الدين إلى أربل وملكها.

стр. 9143

وفيها (١): استولى الخليفة الناصر على حديثة (٢) عانة بعد أن حصرها مدة. وفيها (٣): قطع السلطان ما كان بيد مظفر الدين وهو حرّان والرها وسمسياط الملك المظفر تقي الدين عمر زيادة على ما بيده، وهو ميافارقين ومن الشام حماة والمعرة وسلمية ومنبج وقلعة نجم وجبلة واللاذقية وبلاطنس ومكرابيك. وفي سنة سبع وثمانين: كان استيلاء الفرنج على عكا (٤). واستمر حصار الفرنج لعكا إلى هذه السنة، وكانوا قد أحاطوا من البحر إلى البحر، وحفروا عليهم خندقًا، فلم يتمكن السلطان من الوصول إليهم، وكانوا محاصرين لعكا وهم كالمحصورين من خارج بالسلطان، واشتدَّ حصارهم لعكا وطال وضعف من بها عن حفظ البلد، وعجز السلطان صلاح الدين عن دفع العدو عنهم فخرج الأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب (٥)، وطلب الأمان من الفرنج على مال وأسرى يقومون به للفرنج، فأجابوهم إلى ذلك، وصعدت أعلام الفرنج على عكا يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة وقت الظهر، واستولوا على البلد بما فيه وحبسوا المسلمين في أماكن من البلد، وقالوا: إنما نحبسهم ليقوموا بالمال والأسرى وصليب الصلبوت، وكتبوا إلى السلطان صلاح الدين بذلك، فحصلوا ما أمكن تحصله من ذلك، وطلب منهم إطلاق المسلمين، فلم يجيبوا إلى ذلك، فعلم منهم الغدر واستمر أسرى المسلمين بهم، ثم قتل الفرنج من المسلمين جماعة كثيرة، واستمروا بالباقين في الأسر. وبعد استيلاء الفرنج على عكا وتقرير أمرها، رحلوا عنها مستهل شعبان نحو قيسارية والمسلمون يسايرونهم ويتحفظون منهم، ثم ساروا من قيسارية إلى أرسوف،

стр. 9144

ووقع بينهم وبين المسلمين مصاف (١)، أزالوا المسلمين عن مواقفهم، ووصلوا إلى سوق المسلمين فقتلوا خلقًا كثيرًا، وأكثرهم من السوقة. ثم سار الفرنج إلى يافا وقد أخلاها المسلمون فملكوها، ثم رأى السلطان تخريب عسقلان مصلحة لئلا يحصل لها ما حصل لعكا، فسار إليها وأخلاها ورتب الحجارين في تفليق أسوارها وتخريبها، فدكها إلى الأرض، فلما فرغ من تخريب عسقلان رحل عنها ثاني شهر رمضان إلى الرملة، فخرب حصنها، وخرب كنيسة لد، ثم سار إلى القدس، وقرر أمورها وعاد إلى مخيمه بالنطرون ثامن رمضان، ثم تراسل الفرنج والسلطان في الصلح على أن يتزوج الملك العادل أخو السلطان بأخت ملك الانكتار (٢)، ويكون للملك العادل القدس، ولامرأته عكا، فحضر القسيسون وأنكروا عليها ذلك، إلا أن ينتصر الملك العادل، فلم يتفق بينهم حل، ثم رحل الفرنج من يافا إلى الرملة ثامن ذي القعدة، وبقي في كل يوم تقع بينهم وبين المسلمين مناوشات، ولقوا من ذلك شدةً شديدة وأقبل الشتاء، وحالت الأحوال بينهم، ولما رأى السلطان ذلك وقد ضجرت العساكر، أعطاهم الدستور إلى القدس لتسع بقين من ذي القعدة ونزل داخل البلد، واستراحوا مما كانوا فيه، وأخذ السلطان في تعمير القدس وتحصينه وأمر العسكر بنقل الحجارة، وكان السلطان ينقل الحجارة بنفسه على فرسه ليقتدي به العسكر، فكان يجتمع عند العمالين في اليوم الواحد ما يكفيهم «لعدة» أيام. وفيها: كانت وفاة الملك المظفر تقي الدين عمر (٣). كان تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب قد سار إلى البلاد المرتجعة من كوكبوري، التي زاده إياها عمه السلطان من وراء الفرات، وهي حران وغيرها ما امتدت عين الملك المظفر إلى بلاد مجاوريه، واستولى على السويداء (٤)، وماني (٥)، واتقع (٦)، مع بكتمر صاحب خلاط فكسره وحصره في خلاط، وتملك معظم البلاد، ثم رحل عنها ونازل ملازكرد (٧) وهي لبكتمر وضايقها، وكان في صحبته ولده الملك

стр. 9145

المنصور محمد (١)، فعرض للملك المظفر مرضٌ شديد، وتزايد به حتى توفي في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان هذه السنة، فأخفى ولده المنصور وفاته ورحل عن بلاد ملازكرد، ووصل به إلى حماة ودفنه بظاهرها، وبنى إلى جانب التربة مدرسة وهي مشهورة هناك، وكان المظفر شجاعًا سديد الرأي، ركنًا عظيمًا من أركان بيت أيوب، وكان عنده فضل وأدب وله شعر حسن. واتفق أنه في ليلة الجمعة التي توفي فيها الملك المظفر توفي حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين (٢)، وأمه ست الشام بنت أيوب أخت السلطان فأصيب السلطان في تاريخ واحد بابن أخيه وابن أخته. ولما مات الملك المظفر راسل ابنه الملك المنصور السلطان صلاح الدين واشترط شروطًا نسبه السلطان فيها إلى العصيان فكاد أمره أن يضطرب بالكلية فراسل الملك المنصور عمه الملك العادل في استعطاف خاطر السلطان، فما برح الملك العادل بأخيه السلطان يراجعه ويشفع في الملك المنصور حتى أجابه «السلطان» (٣) وقرر الملك المنصور حماة وسلمية والمعرة وقلعة نجم، ومنبج واسترجع منه البلاد الشرقية وأقطعها أخاه الملك العادل بعد أن شرط السلطان على الملك العادل أن ينزل عن كل ماله من الإقطاع بالشام خلا الكرك والشوبك والصلت (٤) والبلقاء (٥) ونصف خاصته بمصر، وأن يكون عليه في كل سنة خمسة (٦) آلاف غرارة تحمل من الصلت والبلقاء إلى القدس. ولما استقر ذلك سار الملك العادل إلى البلاد الشرقية، وقرر أمورها وعاد إلى خدمة السلطان في آخر جمادى الآخرة من السنة القابلة، أعني سنة ثمان وثمانين ولما قدم الملك العادل، على السلطان، كان الملك المنصور صاحب حماة صحبته، فلما رأى السلطان الملك المنصور بن تقي الدين، نهض واعتنقه وغشيه البكاء

стр. 9146

وأنزله في مقدمة عسكره. وفيها: في (١) شعبان قتل قزل أرسلان عثمان بن الدكز ملك أذريبجان وهمدان والري وأصفهان بعد أخيه محمد البهلوان، وكان قوي عليه السلطان طغريل السلجوقي، وهزم عسكر بغداد كما تقدّم ذكره، ثم إن قزل أرسلان تغلب واعتقل طغريل أرسلان شاه في بعض البلاد، وسار قزل أرسلان بعد ذلك إلى أصبهان وتعصب على الشافعية (٢)، وأخذ جماعة من أعيانهم فصلبهم وعاد إلى همدان. وخطب لنفسه بالسلطنة، ودخل لينام على فراشه، وتفرّق عنه أصحابه، فدخل عليه من قتله على فراشه ولم يعرف مَنْ قَتَلَهُ. وفيها (٣): قدم معز الدين قيصر شاه بن قليج أرسلان صاحب بلاد الروم إلى السلطان صلاح الدين وسببه أن والده فرق مملكته على أولاده، وأعطى ولده هذا ملطية، ثم تغلب بعض أخوته (٤) على أبيه قليج أرسلان وألزمه بأخذ ملطية من أخيه المذكور، فخاف من ذلك وسار إلى السلطان مستجيرًا، فأكرمه السلطان وزوجه بابنة أخيه الملك العادل، وعاد معز الدين إلى ملطية في ذي القعدة وقد انقطعت أطماع أخيه منه، قال ابن الأثير (٥): إن الأمير لما ركب السلطان صلاح الدين ليودع معز الدين قيصر شاه المذكور ترجل معز الدين فترجل السلطان فلما ركب السلطان عضده معز الدين وركبه، وكان علاء الدين بن عز الدين مسعود صاحب الموصل مع السلطان إذ ذاك، فسوّى ثياب السلطان، فقال بعض الحاضرين: ما بقيت تبالي يا ابن أيوب بأي موتة تموت، يركبك ملك سلجوقي، ويصلح ثيابك (٦) ابن أتابك زنكي. وفي سنة ثمان وثمانين: سار الفرنج (٧) إلى عسقلان وشرعوا في عمارتها (٨) والسلطان في القدس.

стр. 9147

وفيها (١): قُتل المركيس صاحب صور، وقتله الباطنية، وكان قد دخلوا في زي الرهبان إلى صور. وفيها: عُقدت (٢) الهدنة مع الفرنج، وعاد السلطان إلى دمشق، وكان سبب ذلك أن ملك الانكتار مرض فطال عليه البيكار (٣)، فكاتب الملك العادل يسأله الدخول على السلطان في الصلح، فلم يجبه السلطان إلى الصلح، ثم اتفق الآراء عليه لطول البيكار وضجر العسكر، فأجاب السلطان واستقر أمر الهدنة يوم السبت ثامن عشر شعبان وتحالفوا على ذلك يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان، ولم يحلف ملك الانكتار، بل أخذوا يَدَهُ وعاهدوه، واعتذر بأن الملوك لا يحلفون، وقنع بذلك السلطان وحلف الكندهري ابن أخيه خليفته في الساحل، وكذلك حلف غيره من عظماء الفرنج ووصل ابن الهنفري وباليان إلى خدمة السلطان ومعهما جماعة من مقدمي الفرنج، فأخذوا يَدَ السُّلطان على الصلح، واستحلفوا الملك العادل أخا السلطان والأفضل والظاهر ابني السلطان والملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر صاحب حماة والملك المجاهد شيركوه (٤) صاحب حمص، والملك الأمجد بهرام (٥) شاه ابن فرخشاه صاحب بعلبك والأمير بدر الدين ايلدروم (٦) الباروقي صاحب تل باشر، والأمير سابق الدين عثمان ابن الداية صاحب شيزر والأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب، وغيرهم من المقدمين الكبار، وعقدت هدنة عامة في البر والبحر، وجعلت مدتها ثلاث سنين وثلاثة أشهر، أولها أيلول الموافق لحادي عشرين شعبان.

стр. 9148

وكانت الهدنة على أن يستقر بيد الفرنج يافا وعملها، وقيسارية وأرسوف وحيفا وعكا بأعمالهم، وأن تكون عسقلان خرابا، واشترط السلطان «دخول بلاد الإسماعيلية في عقد هدنته واشترط الفرنج» (١) دخول صاحب أنطاكية وطرابلس في عقد هدنتهم وان تكون لد والرملة مناصفة بينهم وبين المسلمين، فاستقرّت القاعدة على ذلك، ورحل السلطان إلى القدس في رابع شهر رمضان، وتفقد أحواله، وأمر بتشييد أسواره، وزاد في وقف المدرسة التي عملها بالقدس، وهذه المدرسة كانت قبل الإسلام تعرف بصفد حنة (٢)، يذكرون أن فيها قبر حنّة أم مريم، ثم صارت في الإسلام دار علم قبل أن يتملك الفرنج القدس ثم لما ملك الفرنج القدس سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة أعادوها كنيسة، كما كانت قبل الإسلام، فلما فتح السلطان القدس أعادها مدرسة (٣)، وفوّض تدريسها (٤) إلى القاضي بهاء الدين بن شداد (٥). ولما استقر أمر الهدنة أرسل السلطان مائة حجّار لتخريب عسقلان، وأن يخرج مَنْ بها من الفرنج، وعزم على الحج والإحرام من القدس، وكتب إلى أخيه سيف الإسلام صاحب اليمن بذلك، ثم فَنَّدَهُ الأمراء وقالوا: لا تعتمد على هدنة الفرنج خوفًا من غدرهم، فانتفض عزمه (٦)، ورحل عن القدس لخمس مضين من شوال إلى نابلس، ثم إلى بيسان ثم إلى كوكب، وبات بقلعتها، ثم رحل إلى طبرية، ولقيه بها الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي وقد خلص من الأسر، وكان قد أسر بعكا لما أخذها الفرنج مع من أسر.

стр. 9149

فسار قراقوش مع السلطان إلى دمشق، ثم إلى مصر (١)، ثم سار إلى بيروت ووصل إلى خدمته بيمند صاحب أنطاكية يوم السبت حادي عشرين شوال، فأكرمه السلطان وفارقه غد ذلك اليوم، ودخلها يوم الأربعاء لخمس بقين من شوال، وفرح الناس به لأن غيبته عنهم كانت أربع سنين وأقام العمل والإحسان بدمشق، وأعطى العساكر دستورًا، فودعه الملك الظاهر وداعًا لا لقاء بعده، وسار إلى حلب، وبقي مع السلطان بدمشق ولده الملك الأفضل والقاضي الفاضل وكان الملك العادل قد استأذن السلطان وسار من القدس إلى الكرك لينظر في مصالحه، ثم عاد الملك العادل إلى دمشق طالبًا الديار الشرقية التي صارت له بعد تقي الدين عمر، فوصل إلى دمشق حادي عشرين «ذي» القعدة، وخرج إلى لقائه. وفيها (٢): وقف السلطان ثلث نابلس على مصالح القدس، واقطع الباقي الأمير عماد الدين أحمد بن سيف الدين علي بن المشطوب وأميرين معه، وذلك بعد وفاة سيف الدين علي بن أحمد المشطوب. وفيها (٣): توفي السلطان عز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان ابن سليمان بنم قطلوش بن أرسلان يبغو بن سلجوق، وكان ملكه في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وكان ذا سياسة حسنة وهيبة عظيمة، وعدل وافر وغزوات كبيرة، وكان له عشر بنين وقد ولى كل واحد منهم قطرًا من بلاد الروم، وأكبرهم قطب الدين ملكشاه، وكان أعطاه أبوه سيواس، فسوّلت له نفسه القبض على أبيه واخوته والانفراد السلطنة، وساعده على ذلك صاحب أرزنكان (٤)، فسار قطب الدين ملكشاه، وهجم على والده قليج أرسلان بمدينة قونية وقبض عليه، وقال لوالده وهو في قبضته: أنا بين يديك أنفذ أوامرك، ثم أنه أَشْهَدَ على والده أنه قد جعله ولي عهده، ثم مضى ملكشاه إلى حرب

стр. 9150

أخيه نور الدين سلطان شاه صاحب قيسارية، ووالده في القبضة معه، وهو يُظهر أن ما يفعله إنما هو بأمر والده، فخرج عسكر قيسارية لقتاله، فوجد أبوه عز الدين قليج أرسلان عند اشتغال العسكر بالقتال فرصة فهرب إلى ابنه سلطان شاه صاحب قيسارية، فأكرمه وعظمه كما يجب عليه فرجع قطب الدين إلى قونية، وخطب لنفسه بالسلطنة، وبقى أبوه قليج أرسلان يتردد في بلاده بن أولاده وكلما ضجر منه واحد منهم تنقل إلى أخر حتى حصل عند ولده غياث الدين كيخسرو صاحب برجلو (١)، فقوى أباه قليج أرسلان وأعطاه وجمع له، وحشد، وسارا إلى قونية وملكها وأخذها من ابنه ملكشاه ثم سار إلى أقصر، فاتفق أن عز الدين قليج أرسلان مات في التاريخ المذكور، فأخذه ولده كيخسرو وعاد به إلى قونية، فدفنه بها، وأثبت إنه ولي عهد أبيه قليج أرسلان، ثم إن ركن الدين سليمان أخا غياث الدين كيخسرو قوى على أخيه كيخسرو وأخذ منه قونية، فهرب كيخسرو إلى الشام مستجيرًا بالملك الظاهر صاحب حلب، ثم مات ركن الدين سليمان سنة ستمائة وملك بعده ولده قليج أرسلان فرجع غياث الدين كيخسرو إلى بلاد الروم، وأزال ملك قليج أرسلان بن سليمان، وملك بلاد الروم جميعها واستقرت سلطنته ببلاد الروم وبقي كذلك إلى أن قتل وملك ابنه عز الدين كيكاوس، ثم توفي كيكاوس. وملك بعده أخوه علاء الدين، وتوفي علاء الدين كيقباذ سنة أربع وثلاثين وستمائة وملك بعده ولده غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ، وكَسَرَهُ التتر سنة أربع وأربعين وستمائة، وتضعضع حينئذ ملك السلاجقة ببلاد الروم، ثم مات كيخسرو بن كيقباد بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان بن سلجوق، وانقضى بموت كيخسرو المذكور ملك سلاطين بلاد الروم في الحقيقة، لأن من صار بعده لم يكن له في السلطنة غير مجرد الاسم، وخلف كيخسرو المذكور صبيين هما: ركن الدين وعز الدين، فملكا بعده معًا مديدة، ثم انفرد ركن الدين بالسلطنة وهرب أخوه عز الدين إلى قسطنطينية وتغلب على ركن الدين معين الدولة البرواناه والبلاد في الحقيقة للتتر، ثم أن البرواناه قتل ركن الدين وأقام إبنًا لركن الدين يخطب له بالسلطنة والحكم للبرواناه، وهو نائب التتر على ما سنذكره إن شاء الله. وفيها: غزا (٢) شهاب الدين الغوري الهند، فغنم وقتل ما لا يحصى.

стр. 9151

وفيها: خرج (١) السلطان طغريل بن أرسلان بن طغريل من الحبس بعد قتل قزل أرسلان بن الدكز، وكان قزل قد اعتقله حسبما تقدم ذكره في سنة سبع وثمانين وخمسمائة. وفي سنة تسع وثمانين: كانت وفاة السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن نجم الدين أيوب تغمده الله برحمته (٢). دخلت هذه السنة والسلطان بدمشق على أكمل (ما يكون) من المسرة، وخرج إلى شرقي دمشق متصيدًا، وغاب خمسة عشر يومًا، وصحبته أخوه الملك العادل، ثم عاد إلى دمشق، وودعه أخوه الملك العادل وداعًا لا لقاء بعده، وسار إلى الكرك، وأقام فيه حتى بلغه وفاة السلطان، وأقام السلطان بدمشق، وركب يوم الجمعة خامس عشر صفر، وتلقى الحجاج، وكانت عادته لا يركب إلا وعليه كازغند (٣)، ركب ذلك اليوم وقد اجتمع بسبب اجتماع الحجاج وركوبه عالم كثير، ولم يلبس الكازغند، ثم ذكره وهو راكب فطلبه، فلم يجده لأنه لم يحمل معه (٤)، ولما التقى الحجاج استعبرت عيناه، كيف فاته الحج، ووصل إليه مع الحجاج ولد أخيه سيف الإسلام صاحب اليمن. ثم عاد السلطان بين البساتين على جهة المنيبع، ودخل إلى القلعة على الجسر، وكانت هذه آخر ركباته، فلحقه ليلة السبت سادس عشر صفر كسل عظيم، وغشيه نصف الليل حمى صفراوية، وأخذ المرض في التزايد، وقصده الأطباء في الرابع، فاشتدّ مرضه، وحدث به في التاسع رعشة، وغاب ذهنه، وامتنع من تناول المشروب، واشتدّ الإرجاف في البلد، وغشي الناس من الحزن والبكاء عليه ما لا يمكن حكايته، وحقن في العاشر حقنتين فاستراح بدنه، وتناول من ماء الشعير مقدارًا صالحًا، ثم لحقه عرق عظيم حتى نفذ من الفراش، واشتد المرض ليلة ثاني عشر مرضه، وهي ليلة السابع والعشرين من صفر وحضر عنده الشيخ أبو جعفر إمام

стр. 9152

الكلاسة (١) ليبيت عنده في القلعة، بحيث إن احتضر بالليل لقنه الشهادة، وتوفي السلطان في الليلة المذكورة، وهي المسفرة عن نهار الأربعاء ثامن عشرين صفر بعد صلاة الصبح سنة تسع وثمانين، وبادر القاضي الفاضل بعد صلاة الصبح فحضر وفاته، ووصل القاضي بهاء الدين بن شداد بعد موته، وغسله الخطيب الدولعي (٢) بدمشق، وأخرج بعد صلاة الظهر من نهار الأربعاء المذكور في تابوت مسجّى بثوب، وجميع ما احتاجه من ثياب تكفينه أحضرها القاضي الفاضل من جهات حلّ عرفها، وصلى عليه الناس، ودفن بقلعة دمشق في الدار التي كان مريضًا فيها (٣). وكان نزوله إلى قبره بعد صلاة العصر من النهار المذكور وكان الملك الأفضل ابنه قد حلف الناس له عندما اشتد بوالده المرض، وجَلَسَ للعزاء في القلعة، وأرسل الملك الأفضل الكتب بوفاة والده إلى أخيه الملك العزيز عثمان بمصر، وإلى أخيه الملك الظاهر بحلب، وإلى عمه الملك العادل بالكرك. ثم إنّ الأفضل عمل لوالده تربة قرب الجامع كانت دارًا لرجل صالح، ونقل إليها السلطان يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ومشى الأفضل بين يدي تابوته، وأخرج من باب القلعة على دار الحديث إلى باب البريد، وأدخل الجامع، ووضع قدام الستر، وصلى عليه القاضي محيي الدين بن الزكي (٤)، ثم دفن وجلس ابنه الأفضل في الجامع ثلاثة أيام للعزاء، وأنفقت ست الشام (٥) بنت أيوب أخت السلطان في هذه النوبة أموالًا عظيمة. وكان مولد السلطان صلاح الدين بتكريت في شهور سنة اثنتين وثلاثين

стр. 9153

وخمسمائة، فكان عمره سبعًا وخمسين سنة، وكانت مدة ملكه للديار المصرية نحو أربع وعشرين سنة، وملكه للشام قريبًا من تسع عشرة سنة، وخلّف سبعة عشر ولدًا ذكرًا وبنتًا واحدة (١)، وكان أكبر أولاده الملك الأفضل نور الدين علي، ولد بمصر سنة خمس وستين وخمسمائة، وكان العزيز عثمان أصغر منه بنحو سنتين، وكان الظاهر صاحب حلب أصغر منهما، وبقيت البنت حتى تزوجها ابن عمها الملك الكامل صاحب مصر ولم يخلف السلطان صلاح الدين في خزانته غير سبعة وأربعين درهمًا وجرم (٢) واحد صوري وهذا من رجل له البلاد المصرية والشام واليمن والشرق دليل قاطع على فرط كرمه. ولم يخلف دارًا ولا عقارًا، قال العماد الكاتب (٣): حسبت ما أطلقه السلطان في مدة مقامه بمرج عكا من خيل عراب واكاديش فكان اثني عشر ألف رأس. وذلك غير ما أطلقه من أثمان الخيل المصابة في القتال، ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به، ولم يؤخر صلاةً عن وقتها، ولا صلّى إلا في جماعة، وكان إذا عزم على أمر توكّل على الله، ولا يفضل يوم على يوم. وكان كثير سماع الحديث النبوي، قرأ مختصرًا في الفقه تصنيف سليم الرازي (٤)، وكان حسن الخلق صبورًا على المكاره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يعلمه بذلك، ولا يتغيّر عليه. وكان يومًا جالسًا فرمى بعض المماليك بعضًا بسر موزة (٥)، فأخطأته، ووقعت قريبًا منه. فالتفت إلى الجهة الأخرى ليتغافل عنها. وكان طاهر المجلس، لا يذكر أحدًا في مجلسه إلا بخير، وطاهر اللسان فلا يولع بشتم أحد قط. قال العماد الكاتب (٦): مات بموت السلطان الرجال (٧)، وفات بفواته (٨) الأفضال، وغاضت الأيادي، وفاضت الأعادي، وانقطعت الأرزاق، وادلهمت (٩).

стр. 9154

الآفاق، وفُجع الزمان بواحدِهِ وسلطانِهِ، ورزي الإسلام بمشيد أركانه. ولما توفي السلطان الملك الناصر صلاح الدين استقرّ في الملك بدمشق وبلادها المنسوبة إليها ولده الأفضل نور الدين علي (١). وبالديار المصرية الملك العزيز عماد الدين عثمان، وبحلب الملك الظاهر عماد الدين غازي (٢)، وبالكرك والشوبك والبلاد الشرقية (٣) الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب. وحماة وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر، وببعلبك الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب. وبحمص والرحبة وتدمر الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذي، وبيد الملك الظافر خضر (٤) بن السلطان صلاح الدين بصرى، وهو في خدمة أخيه الملك الأفضل، وبيد جماعة أمراء الدولة بلاد وحصون منهم: سابق الدين عثمان بن الداية، بيدِهِ شيزر وأبو قبيس. وناصر الدين منكورس بن خمارتكين بيده صهيون وحصن بَرْزيّة، وبدر الدين دُلدُرْم (٥) ابن بهاء الدين باروق بيده تل باشر، وعز الدين أسامة (٦) بيده كوكب وعجلون، وعز الدين إبراهيم بن شمس الدين بن المقدم بيده بعرين وكفر طاب وفامية (٧). والملك الأفضل هو الأكبر من أولاد السلطان والمعهود إليه بالسلطنة، واستوزر الملك الأفضل ضياء الدين نصر الدين محمد بن الأثير (٨)، مصنف المثل

стр. 9155

السائر، وهو أخو عز الدين ابن الأثير مصنف الكامل، فحسّن للملك الأفضل طرد أمراء أبيه ففارقوه إلى أخويه العزيز والظاهر. قال العماد (١) الكاتب: وتفرّد الوزير بوزره، ومدّ الجزري في جزره، ولما اجتمعت الأمراء بمصر، حسّنوا للملك العزيز الانفراد بالسلطنة، ووقعوا في أخيه الأفضل، فمال إلى ذلك، وحصلت الوحشة بين الأخوين الأفضل والعزيز. وفيها (٢): بعد موت السلطان قدم الملك العادل من الكرك إلى دمشق، وأقام فيها وظيفة العزاء على أخيه، ثم توجه إلى بلاده التي هي وراء الفرات. وفي هذه السنة: لما (٣) مات السلطان صلاح الدين كاتب عز الدين مسعود بن مودود ابن زنكي صاحب الموصل ملوك البلاد المجاورين للوصل، يستنجدهم، واتفق مع أخيه عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار، وسار إلى حرّان، وغيرها، فلحق عز الدين مسعود إسهال قوي وضعف فترك العسكر مع أخيه عماد الدين وعاد إلى الموصل وصحبته مجاهد الدين قيماز، فخلف العسكر عز الدين لابنه أرسلان شاه بن مسعود، وقوي بعز الدين مسعود المرض، وتوفي (٤) في السابع والعشرين من شعبان هذه السنة .. وكانت مدة ما بين وفاته ووفاة السلطان صلاح الدين نصف سنة. ومدة ملك عز الدين الموصل ثلاث عشرة سنة وتسعة أشهر، وكان دينًا خيرًا عادلًا كثير الإحسان. أسمر مليح الوجه، خفيف العارضين، يشبه جده عماد الدين زنكي بن اقسنقر. واستقر في ملك الموصل بعده ولده أرسلان شاه، وكان القائم بأمره مجاهد الدين قيماز. وفي هذه السنة: أول (٥) جمادى الأولى، قتل سيف الدين محمد صاحب خلاط، وبين قتله وموت صلاح الدين شهران، ولما بلغ بكتمر موت السلطان صلاح الدين أشرف في إظهار الشماتة بموت السلطان، وضرب البشارة ببلاده، وعمل تختًا وجلس عليه، وسمّى نفسه السلطان المعظم، وكان اسمه بكتمر فسمى نفسه (عبد العزيز) (٦).

стр. 9156

وكأنه قد فعل ذلك فلم يمهله الله تعالى، وكان هذا بكتمر من مماليك ظهير الدين شاه أرمن، وكان له خشداش (١) اسمه هزار ديناري واسم هزار ديناري آقسنقر، ولقبه بدر الدين، جلبه تاجر جرجاني اسمه علي الى خلاط، فاشتراه منه شاه أرمن (٢) من سكمان بن إبراهيم وأعجب به شاه أرمن، فجعله ساقيًا له ولقبه هزار ديناري، وبقي على ذلك برهة من الزمان. فلما تولى بكتمر على خلاط، بقى هذا من أكبر الأمراء، وتزوّج ببنت بكتمر عينا خاتون بنت بكتمر وخلّف بكتمر ولدًا، فأخذ هزار ديناري ولد بكتمر وأمه، واعتقلهما بقلعة أرزاس بموش، وعمر ابن بكتمر سبع سنين، واستقر آقسنقر هزار ديناري في مملكة خلاط حتى توفي سنة أربع وتسعين وخمسمائة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها: شتّى (٣) شهاب الدين الغوري في برشاوور، وجهز مملوكه أيبك في عساكر كثيرة إلى بلاد الهند، ففتح وغنم وعاد منصورًا. وفيها: توفي (٤) سلطان شاه بن أرسلان بن خوارزم شاه أطسز بن محمد بن انوشتكين، وكان قد ملك خراسان (٥). ولما مات انفرد أخوه تكش بالمملكة، وقد تقدم ذكرهما في سنة ثمان وستين وخمسمائة. وفيها (٦): مات الأمير داود بن عيسى بن محمد بن أبي هاشم أمير مكة. وما زالت إمارة مكة له تارة ولأخيه مكثر تارةً حتى مات. وفي سنة تسعين وخمسمائة: قتل (٧) طغريل بن أرسلان بن طغريل ابن السلطان محمد ابن ملك شاه بن ألب

стр. 9157

أرسلان بن (١) داود بن ميكائيل بن سلجوق. وكان قد حبسه قزل أرسلان بن الدكز، وخرج طغريل من الحبس سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وملك همدان وغيرها، وجرى بينه وبين مظفر الدين أزبك بن محمد البهلوان بن الدكز حرب، وقيل بل هو قطلع إينانج أخو أزبك المذكور، فانهزم ابن البهلوان، ثم إن البهلوان بعد هزيمته استنجد بخوارزم شاه علاء الدين تكش وخاف منه فلم يجتمع بخوارزم شاه (وسار خوارزم شاه تكش) (٢) وملك الري، وذلك سنة ثمان وثمانين، وبلغ تكش إن أخاه سلطان قصد خوارزم فصالح طغريل السلجوقي، وعاد تكش إلى خوارزم وبقي الأمر كذلك حتى مات سلطان شاه سنة تسع وثمانين، وتسلم تكش مملكة أخيه سلطان شاه وخزائنه، وولي ابنه محمد بن تكش نيسابور، وولي ابنه الأكبر ملكشاه. مرو، فلما دخلت سنة تسعين سار تكش ليحارب طغريل السلجوقي، فسار طغريل إلى لقائه قبل اجتماع عسكره، والتقى العسكران بالقرب من الري، وحمل طغريل بنفسه فقتل، وكان قتله في رابع وعشرين ربيع الأول هذه السنة، وحمل رأس طغريل إلى تكش، فأرسل إلى بغداد، فنصب بها عدة أيام، وسار تكش فملك همدان وتلك البلاد جميعها، وسلم بعضها إلى ابن البهلوان، وأقطع الباقي لمماليكه، ورجع تكش إلى خوارزم. وهذا طغريل هو آخر من ملك بلاد العجم من السلاطين السلجوقية وقد تقدم ذكر ابتداء دولة السلجوقية في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وأوّل من ملك منهم العراق وأزال دولة بني بويه طغرلبك (٣) بن ميكائيل بن سلجوق، ثم ملك بعده (٤) ألب أرسلان (٥) داود بن ميكائيل، ثم ابنه ملكشاه (٦) بن ألب أرسلان، ثم ابنه محمود ابن ملكشاه، وكان طفلًا، فقام بتدبير الدولة والدته تركان خاتون (٧)، ومات محمود وهو ابن سبع سنين، وملك أخوه بركيارق (٨) بن ملكشاه ثم أخوه محمد (٩) بن ملكشاه، ثم ابنه

стр. 9158

محمود (١) بن محمد، ثم ابنه داود (٢) بن محمد مدّة يسيرة، ثم عمه طغرلبك (٣) بن محمد ثم أخوه مسعود (٤) بن محمد، ثم ابن أخيه ملكشاه (٥) بن محمود بن محمد أيامًا يسيرة، ثم أخوه محمد بن محمود، ثم بعد محمد المذكور اختلفت العساكر، وقام من بني سلجوق ثلاثة أحدهم ملكشاه بن محمود أخو محمد المذكور، والثاني سليمان شاه بن محمد ابن السلطان ملكشاه الأكبر، وهو عم محمد المذكور، والثالث أرسلان شاه بن طغريل بن محمد ابن السلطان ملكشاه. وكان الدكز مزوّجًا بأم أرسلان شاه المذكور، فقوي عليهما سليمان شاه، واستقر في همدان سنة خمس وخمسمائة، ثم قبض سليمان شاه وقتل. وسم ملكشاه بن محمود ومات بأصفهان في سنة خمس وخمسين وخمسمائة وانفرد أرسلان شاه بن طغريل ربيب الدكز على السلطنة، ثم ملك ابنه طغريل ابن أرسلان شاه بن طغريل في سنة ست وثمانين وخمسمائة وجرى له ما ذكرناه حتى قتله تكش في هذه السنة، أعني سنة تسعين وخمسمائة، وانقرضت به دولة السلجوقية من تلك البلاد. وفيها (٦): أرسل الخليفة الناصر عسكرًا مع وزيره مؤيد الدين محمد (٧) بن علي المعروف بابن القصاب إلى خورستان وهي بلاد شملة وأولاده من بعده، وكان قد مات صاحبها ابن شملة (٨) واختلف أولاده، فوصل عسكر الخليفة إلى خوزستان وملكوا مدينة تستر في محرم سنة إحدى وتسعين وغيرها من البلاد، وملكوا قلعة الناظر وقلعة كاكرد وقلعة لا موج (٩) وغيرها من البلاد والحصون، وأنفذوا بني شملة أصحاب خوزستان إلى بغداد.

стр. 9159

وفيها (١): أعني سنة تسعين استحكمت الوحشة بين الأخوين العزيز والأفضل ابني السلطان صلاح الدين، وسار العزيز في عسكر مصر، وحَصَرَ أَخاه الأفضل بدمشق، وأرسل الأفضل إلى عمه العادل وأخيه الظاهر وابن عمه المنصور صاحب حماة يستنجدهم، فساروا إلى دمشق وأصلحوا بين الأخوين، ورجع العزيز إلى مصر، ورجع كل ملك إلى بلده، وأقبل الأفضل بدمشق على الشرب وسماع الأغاني ليلًا ونهارًا، وأشاع ندماؤه أن عمه العادل حسَّن له ذلك. فكان يعمله بالخفية، فأنشده العادل: [الطويل] فلا خير باللذات من دونها ستر (٢). فقبل وصية عمه، وتظاهر بذلك، وفوض أمر المملكة إلى وزيره ضياء الدين ابن الأثير الجزري، يديرها برأيه الفاسد، ثم أن الملك الأفضل أظهر التوبة عن ذلك وأزال المنكر وواظب على الصلوات، وشرع في نسخ مصحف بيده. سنة إحدى وتسعين إلى سنة ستمائة في سنة إحدى: سار (٣) ابن القصاب وزير الخليفة بعد تملكه خوزستان إلى همدان وملكها، وأخذ يستولي على تلك البلاد للخليفة، فتوفى مؤيد الدين ابن القصاب في أوائل شعبان سنة اثنتين وتسعين (٤). وفيها: غزا (٥) يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب بالأندلس الفرنج (٦)، وجرى بينهم مصاف عظيم انتصر فيه المسلمون، وقتل من الفرنج ما لا يحصى، وولوا منهزمين وغنم المسلمون ما لا يُحصى. وفيها: جهز (٧) الخليفة الإمام الناصر عسكرًا مع مملوك له اسمه سيف الدين طغريل فاستولى على أصبهان.

стр. 9160

وفيها: قدم (١) مماليك البهلوان عليهم مملوكًا من البهلوانية اسمه كلجا (٢). فعظم أمره واستولى على الري وهمدان. وفيها: عاود (٣) الملك العزيز عثمان قصد الشام ومنازلة أخيه الملك الأفضل. وسار ونزل الفوار من أرض السواد من دمشق، واضطرب بعض أمرائه عليه، وهم طائفة من الأسدية، وفارقوه، فبادر العزيز إلى مصر بمن بقي معه من العسكر. وكان الأفضل قد استنجد بعمه العادل لما قصده أخوه العزيز، فلما رحل العزيز إلى مصر رحل العادل والأفضل ومن انضم إليهما من الأسدية في أثر العزيز طالبين مصر، وساروا حتى نزلوا على بلبيس، وقد ترك العزيز فيها جماعة من الصلاحية، وقصد الأفضل مناجزتهم بالقتال، فمنعه عمه العادل، فقصد الأفضل المسير إلى مصر والاستيلاء عليها فمنعه عمّه العادل أيضًا، وقال: مصر لك متى شئت، وكان (٤) العادل مع العزيز في الباطن، وقال: أرسل إلى القاضي الفاضل ليصلح بين الأخوين وكان القاضي الفاضل قد اعتزل عن ملابستهما بما رأى من فساد أحوالهما، فدخل عليه الملك العزيز وسأله فتوجه القاضي الفاضل من القاهرة إلى عند الملك الأفضل. واجتمع به، واتفقا على أن يصلحا بين الأخوين، فأصلحا بينهما، وأقام العادل بمصر عند العزيز على حسب تقرير أمور المملكة، وعاد الأفضل إلى دمشق: وفيها: كان (٥) بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وبين الفرنج بالأندلس شمالي قرطبة، حروب عظيمة، انتصر فيها يعقوب، وانهزم الفرنج. وفي سنة اثنتين وتسعين: سار (٦) شهاب الدين الغوري صاحب غزنة إلى بلاد الهند، وفتح قلعة عظيمة تسمى بهنكر بالأمان، ثم سار إلى قلعة كواكير (٧) بينهما نحو خمسة أيام، فصَالَحَهُ

стр. 9161

أصحابها على مال حملوه إليه، ثم سار في بلاد الهند فغنم وأسر وعاد إلى غزنة. وفيها: سلم (١) صدر الدين محمد بن عبد اللطيف الخجندي رئيس الشافعية أصفهان إلى عسكر الخليفة، فقتله سنقر الطويل شحنة الخليفة بأصبهان بسبب منافرة جرت بينهما. وفيها: نَقَلَ (٢) الملك الأفضل أباه صلاح الدين من قلعة دمشق إلى التربة بالمدينة، وكان مدة لبثه في القلعة ثلاث سنين، ولزم الملك الأفضل الزهد والقناعة، وأموره مسلمة إلى وزيره ضياء الدين ابن الأثير وقد اختلفت الأحوال به، وكثر شاكوه وقل شاكروه، فلما بلغ العادل والعزيز بمصر اضطراب الأمور على الأفضل، اتفق العادل والعزيز على أن يأخذا دمشق ويسلمها (٣) العزيز إلى العادل، وتكون السكة والخطبة للعزيز بسائر البلاد، كما كانت لأبيه فخرجا وسارا من مصر، فأرسل الملك الأفضل إليهما فلك الدين أحد أمرائه، وكان فلك الدين أخا الملك العادل لأمه، واجتمع فلك الدين بالملك العادل، فأكرمه وأظهر الإجابة إلى ما طلبه، وأتم العادل والعزيز السير حتى نازلا دمشق، وقد حصنها الملك الأفضل، فكاتب بعض الأمراء من داخل البلد (٤): الملك العادل وصاروا معه وإنهم يسلّمون المدينة إليه، فزحف الملك العادل والعزيز ضحى يوم الأربعاء سادس عشرين رجب هذه السنة، فدخل الملك العزيز من باب الفرج، والعادل من باب توما، فأجاب الملك الأفضل إلى تسليم القلعة، وانتقل منها بأهله وأصحابه وأخرج وزيره ضياء الدين ابن الأثير في صندوق خوفًا عليه من القتل. وكان الملك الظافر خضر بن السلطان صلاح الدين صاحب بصرى مع أخيه الملك الأفضل، ومعاضدًا له، فأُخِذَتْ منه بصرى أيضًا، فلحق بأخيه الملك الظاهر فأقام عنده بحلب، وأعطى الملك الأفضل صرخد، فسار إليها بأهله، واستوطنها، ودخل الملك العزيز إلى دمشق يوم الأربعاء رابع شعبان، ثم سلّم دمشق إلى

стр. 9162

عمه الملك العادل، على حكم ما كان وَقَعَ عليه اتفاقهما، وتسلمها الملك العادل ورحل الملك العزيز من دمشق عشية يوم الاثنين تاسع شعبان وكانت مدة ملك الأفضل لدمشق ثلاث سنين وشهرًا، وأبقى الملك العادل السكّة والخطبة بدمشق للملك العزيز. ولما استقر الملك الأفضل بصرخد كتب إلى الخليفة الإمام الناصر يشكو من عمه أبي بكر وأخيه العزيز عثمان، وأول الكتاب (١): مولاي إن أبا بكر وصاحبه عثمان … قد غصبا بالسيف حق علي فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقي … من الأواخر ما لاقى من الأول فكتب (الإمام) (٢) الناصر جوابه: وافي كتابك يا بن يوسف معلنًا … بالصدق يخبر أن أصْلَكَ طاهر غَصَبوا عليًا حقه إذ لم يكن … بعد النبي له بيثرب ناصر فاصبر فإن غدًا عليه حسابهم … وابشر فناصرك الإمام الناصر وفي سنة ثلاث وتسعين (٣): توفي في نيسابور ملكشاه بن تكش، وكان أبوه خوارزم شاه تكش قد جعله فيها، وجعل له الحكم على تلك البلاد، وجَعَلَهُ وليّ عهده وخلف ملكشاه ولدًا اسمه هندوخان، فلما مات ملكشاه جعل تكش بنيسابور ولده الآخر قطب الدين محمد وهو الذي ملك بعد أبيه تكش، وجعل لقبه علاء الدين. وكان بين الأخوين ملكشاه ومحمد عداوة مستحكمة. وفيها (٤): توفي في شوال سيف الإسلام ظهير الدين ظغتكين بن أيوب صاحب اليمن، ولما مات سيف الإسلام كان ولده الملك المعز إسماعيل (٥) بالسرين (٦).

стр. 9163

فبعث إليه جمال الدولة كافور جماعة من الجند، فعرّفوه بوفاة والده، ومضوا به إلى ممالك أبيه، فسلّموها إليه، وكانت وفاة سيف الإسلام بزبيد، وكان شديد السيرة مضيقًا على رعيته يشتري أموال التجار لنفسه ويبيعها كيف شاء، وجمع من الأموال ما لا يحصى حتى أنه كان يسبك الذهب ويجعله كالطاحون ويدخره. وفي سنة (١) أربع وتسعين: في المحرم، توفي عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب سنجار والخابور والرقة، وكان حسن السيرة، متواضعًا، يحب العلم وأهله، إلا أنه كان شديد البخل، وملك بعده ولده قطب الدين محمد (٢)، وتولى تدبير دولته مجاهد الدين برنقش (٣) مملوك أبيه. وفيها (٤): في جمادى الأولى سار نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي صاحب الموصل إلى نصيبين فأخذها من ابن عمه قطب الدين محمد بن زنكي، فأرسل قطب الدين واستنجد الملك العادل، فسار الملك العادل إلى البلاد الجزرية، ففارق نور الدين أرسلان شاه نصيبين وعاد إلى الموصل، فعاد قطب الدن محمد بن زنكي وملك نصيبين. وفيها (٥): سار خوارزم شاه تكش إلى بخارا، وهي للخطا وحاصرها وملكها، وكان تكش أعور، فأخذ أهل بخارا في مدة الحصار كلبًا أعور، وألبسوه قباء وقالوا للخوارزمية، هذا سلطانكم، ورموه في المنجنيق إليهم، فلما ملكها تكش أحْسَنَ إلى أهل بخارا، وفرّق فيهم أموالًا، ولم يؤاخذهم بما فعلوه في حقه. وفيها (٦): وصل جمع عظيم من الفرنج إلى الساحل واستولوا على قلعة بيروت فسار الملك العادل، ونزل على تل العجول، وأتته النجدة، ووصل إليه سنقر الكبير صاحب القدس، وميمون القصري صاحب نابلس، وسار الملك العادل إلى يافا

стр. 9164

وفتحها (١) بالسيف، وقتل مقاتلتها وسبى نساءها وصبيانها، وكان هذا الفتح ثالث فتح لها. ونازلت الفرنج تبنين، فأرسل الملك العادل إلى الملك العزيز صاحب مصر، وسار الملك العزيز بعساكره، واجتمع بعمّه الملك العادل على تبنين، فرحل الفرنج على أعقابهم إلى صور، ثم رحل الملك العزيز إلى مصر، وترك غالب العسكر مع عمه وجعل إليه أمر الحرب والصلح. ومات في هذه المدة سنقر الكبير (٢)، فجعل الملك العادل أمر القدس إلى صارم الدين مطلق (٣) مملوك عز الدين فرخشاه بين شاهنشاه أيوب. ولما عاد الملك العزيز إلى مصر في هذه المرة مدحه القاضي بن سناء الملك بقصيدة (٤) منها: [الكامل] قدمت بالسعد وبالمغنم … كذا قدوم الملك المقدم أغثت تبنين وخلصتها … فريسةً من ماضغي ضيغم شنشنةٌ تُعرف من يوسف … في النصر لا تُعرف من أخزم (٥) مقدمًا صار جمادى به … كمثل ذي الحجة في الموسم ثم طاول الملك العادل الفرنج، وطلبوا الهدنة واستقرت بينهم ثلاث سنين ورجع الملك العادل إلى دمشق، ثم سار الملك العادل من دمشق إلى ماردين وحصرها وصاحبها حينئذ حسام الدين يولق أرسلان بن ألبي (٦) بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، وليس ليولق من الحكم شيء، وإنما الحكم إلى مملوك أبيه البقش. وفيها (٧): توفي بدر الدين (٨) هزار ديناري صاحب خلاط اقسنقر، وقد تقدم ذكر ملكه لخلاط سنة تسع وثمانين وخمسمائة. ولما توفي هزار ديناري استولى على خلاط

стр. 9165

خشداشه قَتْلُغ وكان مملوكًا أرمني الأصل من سناسنة، فملك خلاط سبعة أيام، ثم اجتمع عليه الناس، وأنزلوه من القلعة وقتلوه، واتفق كبراء الدولة وأحضروا محمد بن بكتمر من القلعة التي كان مُعْتَقَلًا فيها، واسمها أرزاس وأقاموا في مملكة خلاط، ولقبوه الملك المنصور، وقام بتدبيره شجاع الدين قَتْلُغ الدوادار، وكان قَتْلُغ المذكور قفجاقي الجنس دوادار شاه أرمن بن سكمان بن إبراهيم، واستقر محمد بن بكتمر كذلك إلى سنة اثنتين وستمائة، فقبض على أتابكه قَتْلُغ الدوادار وحبسه ثم قتله، فخرج عليه مملوك لشاه أرمن يقال له عز الدين بلبان، واتفق العسكر مع بلبان المذكور، وقبضوا على محمد بن بكتمر وحبسوه ثم خنقوه، ورموه من سور القلعة إلى أسفل، وقالوا: وقع، واستمر بلبان في مملكة خلاط دون سنة، وقتله بعض أصحاب طغريل بن قليج ارسلان صاحب أرزن. وقصد طغريل أن يتسلّم خلاط ولم يجبه أهلها، وعصوا عليه فعاد إلى أرزن (١)، ثم وصل الملك الأوحد أيوب (٢) بن الملك العادل بن أبي بكر بن أيوب، وتسلّم خلاط وملكها ثمان سنين. وفي (٣) سنة خمس وتسعين: منتصف ليلة السابع والعشرين من المحرم، توفي الملك العزيز عماد الدين عثمان بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. وكان قد طلع إلى الصيد، فركض خلف ذئب وتقنطر وحُمَّ في سابع المحرم بجهة الفيوم فعاد إلى الأهرام وقد اشتدت حماه، ودخل القاهرة يوم عاشوراء وحدث به يرقان وقرحة في الأمعاء، واحتبس طبعه فمات في التاريخ المذكور، وكانت مدة ملكه ست سنين إلا شهرًا، وعمره سبعًا وعشرين سنة وأشهرًا، وكان في غاية السماحة والكرم والعدل والرفق بالرعية والإحسان إليهم، فَفُجِعَتْ الرعية بموته فجعة عظيمة، وكان الغالب على دولة الملك العزيز فخر الدين جهاركس (٤) فأقام في الملك المنصور محمد بن الملك العزيز

стр. 9166

واتفقت الأمراء على إحضار أحد بني أيوب، وعملوا منشوره بحضور القاضي الفاضل، فأشار بالملك الأفضل، وهو حينئذ بصرخد، فأرسلوا إليه، فسار محثًا، ووصل القاهرة على أنه أتابك الملك المنصور (١) بن الملك العزيز، وكان عمر الملك المنصور حينئذ تسع سنين وشهورًا، وكان مسير الملك الأفضل من صرخد لليلتين بقيتا من صفر في تسعة عشر نفرًا متنكرًا خوفًا من أصحاب عمّه العادل، فإن غالب تلك البلاد كانت له. فوصل بلبيس خامس ربيع الآخر، ثم سار الملك الأفضل إلى القاهرة فخرج الملك المنصور بن العزيز للقائه، فترجل له عمه الملك الأفضل ودخل بين يديه إلى دار الوزارة، وهي كانت مقر السلطنة، ولما وصل الملك الأفضل إلى بلبيس التقاه العسكر فتنكر منه فخر الدين جهاركس، وفارقه فتبعه عدّة من العسكر، وساروا إلى الشام، وكاتبوا الملك العادل وهو محاصر ماردين، وأرسل الملك الظاهر إلى أخيه الملك الأفضل يشير بقصد دمشق وأخذها من عمه الملك العادل وأن ينتهر الفرصة لاشتغال العادل بحصار ماردين، فبرز الملك الأفضل من مصر وسار إلى دمشق، وبلغ الملك العادل وصوله إلى دمشق فترك على ماردين ولده الملك الكامل، وسار الملك العادل وسبق الملك الأفضل إلى دمشق فدخلها قبل نزول الأفضل إليها بيومين، ونزل الملك الأفضل على دمشق ثالث عشر (٢) شعبان هذه السنة. وزحف من الغد على البلد، وجرى بينهم قتال وهجم بعض عسكره إلى المدينة حتى وصلوا إلى باب البريد، ولم يمدهم العسكر فتكاثروا أصحاب الملك العادل، وأخرجوهم من البلد، ثم تخاذل العسكر فتأخر الأفضل (إلى) ذيل عقبة الكسوة، ثم وصل إلى الملك الأفضل أخوه الظاهر صاحب حلب (٣) فعادا إلى مضايقة دمشق ودام الحصار عليها، وقلت الأقوات عند الملك العادل وعلى أهل دمشق، وأشرف الأفضل والظاهر على أخذ دمشق، وعزم العادل على تسليم البلد لولا ما حصل بين الأخوين الأفضل والظاهر من

стр. 9167

الخلف وخرجت السنة وهم على ذلك. وكان منهم ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها: قصد (١) الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر صاحب حماة بارين (٢)، وبها نواب عز الدين إبراهيم بن شمس الدين محمد بن المقدم، وحاصرها وكان الأمير عز الدين بن الملك العادل محصورًا بدمشق، ونصب الملك المنصور عليها المناجيق، وجرح حال الزحف ثم فتحها تاسع عشرين ذي القعدة، وأقام ببارين مدة حتى أصلح أمورها. وفيها: في جمادى الآخرة توفي (٣) أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب والأندلس بمدينة سلا، وكانت ولايته خمس عشرة سنة. وكان يتظاهر بمذهب الظاهرية (٤)، وأعرض عن مذهب مالك، وعمره ثمان وأربعون سنة وتلقب بالمنصور. ولما مات يعقوب ملك ابنه محمد وتلقب بالناصر، ومولد محمد سنة ست وتسعين وخمسمائة، وعبد المؤمن وبنوه جميعهم كانوا يسمون بأمير المؤمنين. وفيها: وَصَل (٥) عسكر الملك العادل مع ابنه الملك الكامل عن حصار ماردين. وفيها: كانت (٦) فتنة عظيمة في عسكر غياث الدين محمد ملك الغورية وهو بفيروزكوه (٧) وسببها أن الإمام فخر الدين الرازي (٨) محمد بن عمر كان قد قدم إلى غياث الدين فبالغ غياث الدين في إكرامه، وبنى له مدرسة بقرب جامع هراة، فعظم

стр. 9168

ذلك على الكرامية (١)، وهم كثيرون بهراة، ومذهبهم التجسيم والتشبيه، وكان الغورية كلهم كرامية، فكرهوا الإمام فخر الدين لكونه شافعي وهو يناقض مذهبهم، واتفق أن فقهاء الكرامية والحنفية والشافعية (٢)، حضروا بفيروزكوه عند غياث الدين للمناظرة، وحضر الإمام فخر الدين الرازي، والقاضي عبد المجيد بن عمر المعروف بابن القدوة، وهو من الكرامية الهيصمية، وله عندهم محل كبير لزهده وعلمه، فتكلم الرازي فاعترض عليه ابن القدوة، وطال الكلام، فقام غياث الدين فاستطال فخرا لدين الرازي على ابن القدوة وشتمه وبالغ في أذاه، وابنُ القدوة لا يزيده على أن يقول: لا يفعل مولانا لا واخذك (٣) الله، فصعب على الملك ضياء الدين وهو ابن عم غياث الدين وزوج ابنته، وشكا إلى غياث الدين من فخر الدين الرازي، ونسبه إلى الزندقة ومذهب الفلاسفة، فلم يصغ إليه غياث الدين، فلما كان الغد، وعظ الناس ابن عمر بن القدوة وقال بعد/ ١٣٣/ حمد الله والصلاة على نبيه محمد ﷺ ، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين، أيها الناس انا لا نقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله صلى الله عليه سلّم، وأما علم أرسطو وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلا نعلمها، فلأي حال يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله وسنة نبيه، وبكى، وبكى الكراميّة معه، واستغاثوا وثار الناس في كل جانب، وامتلأ البلد فتنة، وبلغ ذلك السلطان غياث الدين، فبعث جماعة سكنوا الناس ووعدهم بإخراج فخر الدين الرازي من عندهم، وتقدم إلى فخر الدين بالعود إلى هراة فعاد إليها. وفيها (٤): في ربيع الأول توفي مجاهد الدين قيماز بقلعة الموصل، وهو الحاكم بدولة نور الدين أرسلان صاحب الموصل، وقيماز المذكور، هو الذي كان حاكمًا على عز الدين مسعود والد نور الدين أرسلان، حتى قبض عليه مسعود، ثم أخرجه بعد مدة، وكان قيماز عادلًا أديبًا فاضلًا في الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، وبنى عدة جوامع وربط ومدارس. وفيها (٥): فارق غياث الدين ملك الغورية مذهب الكرامية، وصار شافعي المذهب.

стр. 9169

وفي سنة ست وتسعين: كان في (١) أوائلها الملكان الأفضل والظاهر على دمشق محاصريها، واتفق وقوع الخلف بين الأخوين الأفضل والظاهر وسببه أنه كان للملك الظاهر مملوك يحبّه اسمه أيبك، فَفُقد، وَوَجَدَ عليه الملك الظاهر وجدًا عظيمًا، وتوهم أنه دخل دمشق، فأرسل (مَنْ) (٢) يكشف خبره، واطلع الملك العادل وهو محصور على القضية، فأرسل إلى الظاهر يقول (له) (٣): إن محمود بن الشكري، أفْسَدَ مملوكك وحمله إلى الأفضل أخيك، فقبض الظاهر على ابن الشكري، فظهر المملوك عنده، فتغيّر على أخيه الأفضل، وترك قتال الملك العادل، وظهر الفشل في العسكر، فتأخر الأفضل والظاهر عن دمشق، وأقاما بمرج الصفر إلى أواخر صفر، ثم سارا إلى رأس الماء ليقيما إلى أن ينسلخ الشتاء، ثم انثنى عزمهما، وسار الأفضل إلى مصر والظاهر إلى حلب على القريتين، ولما تفرّقا خرج الملك العادل من دمشق، وسار في أثر الأفضل إلى مصر، فلما وصل العسكر إلى مصر تفرقت عساكره لأجل الربيع، وأدركه عمه العادل، فخرج الأفضل وضرب معه مصافًا (٤)، فانكسر الأفضل، وانهزم إلى القاهرة، ونازل العادل القاهرة ثمانية أيام، فأجاب الأفضل إلى تسليمها على أن يعوّض عنها ميافارقين وحاني وسمياط (٥)، فأجابه العادل إلى ذلك ولم يف له به، وكان دخول العادل إلى القاهرة في حادي عشرين ربيع الآخرة هذه السنة. قال ابن الأثير (٦): كان دخول العادل إلى القاهرة يوم السبت ثامن عشرين ربيع الآخرة، وتوفي القاضي الفاضل في سابع عشره (٧). ثم سافر الملك الأفضل إلى صرخد، وأقام العادل بمصر على أنه أتابك الملك المنصور محمد بن العزيز عثمان، مدّة يسيرة، ثم أزال الملك المنصور محمد واستقل العادل بالسلطنة ولما استقرّت المملكة للملك العادل أرسل إليه الملك المنصور صاحب حماة يعتذر إليه مما وقع منه بسبب أخذه بارين (٨) من ابن المقدم، فقبل الملك.

стр. 9170

العادل عذره وأمره برد بارين (١) إلى ابن المقدم، فاعتذر الملك المنصور عنها بقربها من حماة، ونزل عن منبج وقلعة نجم لابن المقدم عوضًا عن بارين (٢)، فرضي ابن المقدم بذلك لأنهما خير من بعرين (٣) بكثير، وتسلّمها عز الدين إبراهيم بن شمس الدين بن عبد الملك المقدم، وكان له أيضًا فامية وكفر طاب وخمسة وعشرين ضيعة من المعرّة. وكذلك كاتب الملك الظاهر صاحب حلب عمّه الملك العادل وصالحه وخطب له بحلب وبلادها، وضرب السكة باسمه، واشترط الملك العادل على صاحب حلب أن يكون خمسمائة فارس من خيار عسكر حلب في خدمة الملك العادل فلما خرج إلى البيكار، والتزم الملك الظاهر صاحب حلب بذلك. وقصر (٤) النيل في هذه السنة تقصيرًا عظيمًا حتى أنه لم يبلغ أربعة عشر ذراعًا. وفيها (٥): في العشرين من رمضان، توفي خوارزم شاه تكش بن أرسلان بن أطز بن محمد بن أنوش تكين صاحب خوارزم وبعض خراسان والري وغيرها [من البلاد] (٦) الجبلية بشهرستانة، وولي الملك بعده ابنه محمد بن تكش وكان لقبه قطب الدن محمد فغيره إلى علاء الدين، وكان تكش عادلًا حسن السيرة، ويعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة والأصول. ولما بلغ غياث الدين ملك الغورية موت خوارزم شاه تكش [ترك] (٧) ضرب نوبته ثلاثة أيام وجلس للعزاء مع ما كان بينهما من العداوة المستحكمة، وهذا خلاف ما فعله بكتمر بعد موت السلطان صلاح الدين. ولما استقر في المملكة محمد بن تكش هرب ابن أخيه هندوخان بن دلكشاه بن تكش إلى غياث الدين ملك الغورية يستنصره على عمه، فأكرمه غياث الدين ووعده القيام معه. وفي سنة سبع وتسعين: توفي (٨) عز الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الملك المقدم وصارت بلاده بعده

стр. 9171

وهي منبج وقلعة نجم وفامية وكفر طاب لأخيه شمس الدين عبد الملك المقدم، ولما استقر الشمس عبد الملك بمنبج سار إليها الملك الظاهر وحصرها وملك منبج، وعصى عبد الملك بن المقدم بالقلعة فحصره ونزل عبد الملك بالأمان، فاعتقله الملك الظاهر وملك قلعة منبج، وبعد أن فرغ من منبج سار إلى قلعة نجم، وفيها نائب ابن المقدم فحصرها وملكها في آخر رجب هذه السنة. وأرسل (١) الملك الظاهر إلى الملك المنصور صاحب حماة يبذل له منبج وقلعة نجم على أن يصير معه على الملك العادل، فاعتذر الملك المنصور باليمين التي في عنقه للملك العادل، فلما أيس الملك الظاهر منه سار إلى المعرة وأقطع بلادها واستولى على كفر طاب وكانت لابن المقدم، ثم سار إلى فامية وبها قراقوش نائب ابن المقدم، وأرسل الملك الظاهر أحضر ابن المقدم من حلب وكان معتقلًا بها، وأحضر معه أصحابه الذين اعتقلهم وضربهم قدام قراقوش ليسلم فامية، فامتنع فأمر الملك الظاهر بضرب عبد الملك بن المقدم، فضرب ضربًا عظيمًا، وبقى يستغيث، فأمر قراقوش فضربت النقارات على قلعة فامية لئلا يسمع أهل البلد صراخه، ولم يسلّم القلعة، فرحل عنها الملك الظاهر وتوجه إلى حماة، وحاصرها لثلاث بقين من شعبان هذه السنة، ونزل شمالي البلد وشعث التربة التقوية وبعض البساتين، وزحف من جهة الباب الغربي، وقاتل قتالًا شديدًا، ثم زحف في آخر شعبان من الباب الغربي والباب القبلي وباب العميان، وجرى بينهم قتال شديد، وجرح الملك الظاهر بسهم في ساقه واستمرت (٢) الحرب إلى أيام من رمضان، فلما لم يحصل على غرض صالح الملك المنصور على مال حمله إليه، قيل إنه ثلاثون ألف دينار صورية، ثم رحل الملك الظاهر إلى دمشق وبها الملك المعظم بن الملك العادل، فنازلها الملك الظاهر هو وأخوه الملك الأفضل وانضم إليهما فارس الدين ميمون القصري (٣) صاحب نابلس ومَنْ وافقه من الأمراء الصلاحية، واستقرت القاعدة بين الأخوين الأفضل والظاهر أنهما متى تملكا دمشق يتسلمها الملك الأفضل، ثم يسيران إلى الملك العادل بمصر فيأخذاها منه ويتسلمها الأفضل، وتسلم دمشق حينئذ إلى الملك الظاهر صاحب حلب، بحيث تبقى مصر للملك الأفضل ويصير الشام جميعه للظاهر. وكان قد تخلّف من الأمراء الصلاحية عنهما فخر الدين جهاركس وزين الدين

стр. 9172

قراجا (١) فأرسل الملك الأفضل وسلّم صرخد إلى زين الدين قراجا، ونقل الأفضل ولديه وأهله إلى عند الملك المجاهد بحمص، وبلغ الملك العادل حصار الأخوين لدمشق فخرج بعساكر مصر، وأقام بنابلس ولم يجسر على قتالهما، واشتدت مضايقة الملكين الأفضل والظاهر لدمشق، وتعلق النقابون بسورها، فلما شاهد الملك الظاهر صاحب حلب ذلك، حَسَدَ أخاه الأفضل على دمشق، وقال له: أريد أن تسلم دمشق إلي الآن، فقال له الأفضل: إن حريمي وحريمك وهم على الأرض (وليس لنا موضع نقيم فيه) (٢) وهب هذه البلد لك فاجعله لي إلى حين تملك مصر وتأخذه، فامتنع الظاهر من قبول ذلك، وكان قتال العسكر والأمراء الصلاحية إنما هو لأجل الأفضل، فقال لهم الأفضل: إن كان قتالكم لأجلي فاتركوا القتال وصالحوا الملك العادل، وإن كان قتالكم لأجل أخي الملك الظاهر، فها أنتم وإياه. فقالوا: إنما قتالنا لأجلك، وتخلّوا عن القتال، وأرسلوا صالحوا الملك العادل، وخرجت السنة وقد تفرقت العساكر، فرحل الظاهر عن دمشق في أول المحرم سنة ثمان وتسعين وسار الأفضل إلى حمص. وفيها (٣): توفي العماد الكاتب (٤). وفيها (٥): سار غياث الدين ملك الغورية بعساكره واستدعى أخاه شهاب الدين من غزنة، فسار إليه بعساكره أيضًا، وسار غياث الدين إلى خراسان واستولى على ما كان لخوارزم شاه بخراسان، ولما ملك غياث الدين مرو سلمها إلى هندوخان ابن ملكشاه بن خوارزم شاه تكش الذي كان هرب من عمه محمد إلى غياث الدين،، ثم استولى غياث الدين على سرخس وطوس ونيسابور وغيرها، ولما استقرت هذه البلاد

стр. 9173

لغياث الدين عاد إلى بلاده، وتوجه أخوه شهاب الدين إلى بلاد الهند فغنم وفتح نهر والة (وهي) (١) من أعظم بلاد الهند. وفيها: في رمضان ملك (٢) ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان مدينة ملطية وكانت لأخيه معز الدين قيصر شاه بن قليج أرسلان، ثم سار سليمان إلى أرزن الروم وكانت لمحمد بن صليق، وهو من بيت قديم ملكوه أرزن الروم، فخرج صاحب أرزن ليصالح سليمان، فقبض عليه وأخذ البلد منه، وهذا محمد آخر الملوك من أهل بيته. وفيها: توفي (٣) سقمان بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق. وفي سنة ثمان وتسعين: بعد (٤) رحيل الملكين الأفضل والظاهر عن دمشق، قدم الملك العادل، وكان قد سار ميمون القصري مع الملك الظاهر فأقطعه إعزاز. وفيها: خَرَّبَ (٥) الملك الظاهر قلعة منبج خوفًا أن تؤخذ منه، وأقطع منبج بعد ذلك لعماد الدين أحمد بن سيف الدين علي المشطوب. وفيها: أرسل (٦) قراقوش نائب عبد الملك بن محمد بن عبد الملك بن المقدم بفامية إلى الملك الظاهر يبذل له تسليم فامية بشرط أن يُعطى شمس الدين بن المقدم إقطاعًا يرضاه، فأقطعه الملك الظاهر الرواندان (٧) وكفر طاب ومفردة والمعرة وهو عشرون ضيعة معينة من بلاد المعرة، وتسلّم فامية، ثم إن عبد الملك ابن المقدم عصى بالرواندان، فسار إليه الملك الظاهر واستنزله منها وأبعده، فلحق ابن المقدم بالملك العادل فأحسن إليه. وفيها: سار (٨) الملك العادل من دمشق ووصل حماة، ونزل على تل صفرون، وقام الملك المنصور صاحب حماة بجميع وظائفه وكُلَفِهِ (٩)، وبلغ الظاهر صاحب حلب

стр. 9174

وصول عمه إلى حماة بنية قصده ومحاصرته بحلب، فاستعدّ للحصار، وأرسل عمه ولاطفه واستعدّ للصلح، فوقع الصلح، وانتزعت (منه) (١) مفردة المعرة، واستقرت للملك المنصور صاحب حماة، وأخذت من الملك الظاهر أيضًا قلعة نجم وسلّمت إلى الملك الأفضل، وكان له سروج وسمسياط، وسلّم الملك العادل حران وما معها لولده الملك الأشرف مظفر الدين موسى، وسيره إلى الشرق، وكان الملك الأوحد بن الملك العادل بميافارقين، والملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه بن الملك العادل بقلعة جعبر. ولما استقرّ الصلح بين العادل والظاهر رجع العادل إلى دمشق وأقام بها وقد انتظمت الممالك الشامية والشرقية والديار المصرية كلها في سلك ملكه، وخطب له على منابرها، وخطب له فيها باسمه (٢). وفيها: عاد (٣) خوارزم شاه محمد بن تكش واسترجع البلاد التي أخذها منه الغورية من خراسان إلى ملكه. وفي سنة تسع وتسعين: في المحرم: توفي (٤) فلك الدين سلطان أخو الملك العادل لأمه، وهو الذي تنسب إليه المدرسة الفلكية بدمشق. ذكر حوادث باليمن: كان قد تملك اليمن الملك المعز إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب. وكان فيه هوج وخبط، فادعى أنه قرشي، وأنه من بني أمية، ولبس الخضرة وخطب لنفسه بالخلافة، وخطب بنفسه في ذلك الزمان (٥)، ولبس ثياب الخلافة وكان طول الكم عشرون ذراعًا (٦)، وخرج عن طاعته جماعة من مماليك أبيه، واقتتلوا معه، وانتصر عليهم، ثم اتفق معهم جماعة من الأمراء الأكراد، وقتلوا المعز إسماعيل، وأقاموا في مملكة اليمن أخًا له صغيرًا، وسموه الناصر (٧)، وبقي مدةً وأقام بأتابكية

стр. 9175

سيف الدين سُنْقُر (١)، مملوك أبيه، ثم مات سنقر بعد أربع سنين، وتزوج أم الناصر أمير من أمراء الدولة يقال له غازي بن جبريل وقام بأتابكية الناصر، ثم سُمَّ الناصر في كوز فقاع (٢) على ما قيل، وبقي غازي متملكًا للبلاد، ثم قتله جماعة من العرب بسبب قتله للناصر بن طغتكين، وبقيت اليمن خالية بغير سلطان، فتغلبت أم الناصر على زبيد، وأحرزت الأموال وكانت تنتظر وصول أحد من بني أيوب لتتزوج به وتملكه البلاد، وكان للملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه، ولد اسمه سعد الدين شاهنشاه، وكان له ابن اسمه سليمان (٣) بن شاهنشاه بن تقي الدين عمر، فقيرًا يحمل الركوة (٤) على كتفه ويتنقل مع الفقراء من مكان إلى مكان، وكان قد أرسلت أم الناصر بعض غلمانها إلى مكة حرسها الله تعالى في موسم الحاج (٥) ليأتيها بأخبار مصر والشام، فوجد غلمانها سليمان المذكور، فأحضروه إلى اليمن، فاستحضرته أم الناصر وخَلَعَتْ عليه وملكته اليمن، فملأ الأرض ظلمًا وجورًا. وأطرح زوجته التي ملكته البلاد (٦)، وأرسل (٧) إلى السلطان الملك العادل وهو عم جده كتابًا جعل (في أوّله (٨): إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)، فاستقلّ العادل عقله، ثم كان من سليمان المذكور ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها: أرسل (٩) العادل إلى ولده الأشرف وأمره بحصار ماردين، فحصرها وضايقها ثم سعى الملك الظاهر إلى العادل في الصلح، فأجاب على أن يحمل صاحب ماردين مائة ألف وخمسين ألف دينار، ويخطب له ببلاده، وتضرب السكة باسمه، ويكون بخدمته (١٠) متى طلبه، فأجيب إلى ذلك، واستقر الصلح عليه. وفيها: أخرج (١١) الملك العادل الملك المنصور محمد بن الملك العزيز
следующие страницы →