← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.

стр. 9101

من عبد الله ووليه الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين، إلى السيد الأجل الملك المنصور سلطان الجيوش، ولي الأئمة، مجير الأمة أبي الحارث شيركوه العاضدي عضد الله به الدين وامتع بطوله أمير المؤمنين، وأدام قدرته وأعلى كلمته، سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله أن يصلي على محمد خاتم النبيين، وسيّد المرسلين، وعلى آله الطاهرين، والأئمة المهديين وسلم تسليما. ثم ذكر تفويض أمور الخلافة إليه ووصايا، وكتب العاضد بخطه على طرة المنشور، هذا عهد لم يعهد لوزير بمثله، فتقلّد أمانة رآك أمير المؤمنين أهلًا لحملها (١)، وخذ كتاب أمير المؤمنين بقوّة، واسحب ذيل الفخار بأن اعتزت خدمتك إلى بنوة النبوة. ومدحت الشعراء أسد الدين ووصل إليه من الشام مديح العماد (٢) الكاتب، قصيدة أولها (٣): [البسيط] بالجد أدركت ما أدركت لا اللعب … كم راحةٍ جُنيت من دوحة التعب يا شيركوه بن شاذي دعوة مَنْ … نادى، فعرّف خير ابن لخير أب جرى الملوك وما حازوا بركضهم … من المدى في العلى ما حزت بالخبب تَمَلَّ مِنْ ملك مصر رتبةً قَصُرت … عنها الملوك فطالت سائر الرتب قد أنكئت أسد الدين الفريسة … من فتح البلاد فبادر نحوها وثبِ وفي شيركوه وقتل شاور يقول عرقلة (٤) الدمشقي: [الطويل] لقد فاز بالملك العقيم خليفة … له شيركوه العاضدي وزير هو الأسد الضاري الذي جلّ خطبُهُ … على مثلها كان اللعين يدور

стр. 9102

فلا رحم الرحمن تربة قبره … ولا زال فيها منكرًا ونكير وأما الكامل بن شاور، فلما قُتل أبوه دخل القصر وكان آخر العهد به، ولما لم يبق لأسد الدين شيركوه منازع أتاه أجَلُه ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]. فتوفي يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة وكانت ولايته شهرين وخمسة أيام، وكان شيركوه وأيوب ابني شاذي من بلد دوين (١). قال ابن الأثير (٢): وأهلهما من الأكراد الروادية، فقصدا العراق وخدما بهروز شحنة السلجوقية ببغداد، وكان أيوب أكبر من شيركوه، فجعله بهروز مستحفظًا قلعة تكريت، ولما انكسر عماد الدين زنكي من عسكر الخليفة ومر على تكريت خدمه أيوب وشيركوه، ثم إن شيركوه قتل إنسانًا بتكريت فأخرجهما بهروز من تكريت، فلحقا بخدمة علاء الدين زنكي، فأحسن إليهما، وأعطاهما إقطاعات جليلة، ولما ملك عماد الدين قلعة بعلبك جعل أيوب مستحفظًا عليها، فلما حاصره عسكر دمشق بعد موت زنكي سلّمها أيوب إليهم على إقطاع كبير، وبقى أيوب من أكبر أمراء عسكر دمشق، وبقى شيركوه نور الدين محمود بعد قتل أبيه زنكي وأقطعه نور الدين حمص والرحبة لما رأى من شجاعته، وزاده عليهما، وجعله مقدم عسكره، فلما أراد نور الدين ملك دمشق أمر شيركوه فكاتب أخاه أيوب فساعد نور الدين على فتح دمشق. وبقيا معه إلى أن أرسل شيركوه إلى مصر مرةً بعد أخرى حتى ملكها. وتوفى هذه السنة على ما ذكرناه. ولما توفي شيركوه كان معه صلاح الدين يوسف ابن أخيه أيوب، وكان قد سار معه على كره، قال صلاح الدين: أمرني نور الدين المسير مع عمي شيركوه، وكان قد قال شيركوه بحضرته لي: تجهز يا يوسف للمسير فقلت: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرتُ إليها فلقد قاسيت بالإسكندرية ما لا أنساه أبدًا فقال لنور الدين: لابد من مسيره معي، فأمر نور الدين وأنا أستقيل، فقال نور الدين لا بد من مسيرك مع عمك، فشكوت الضائقة، فأعطاني ما تجهزت به فكأنما أساق إلى الموت، ولما مات شركوه طلب جماعة من الأمراء النورية التقدم على العسكر وولاية الوزارة العاضدية منهم: عين الدين الياروقي، وقطب الدين ينال (٣) المنبجي، وسيف الدين علي بن أحمد المشطوب الهكاري، وشهاب الدين محمود الحارمي، خال صلاح الدين، فأرسل العاضد طلب صلاح الدين وولاه الوزارة، ولقبه الملك الناصر. فلم يطعه

стр. 9103

الأمراء المذكورون وكان مع صلاح الدين الفقيه عيسى الهكاري (١). فسعى مع المشطوب حتى أماله صلاح الدين ثم قصد الحارمي فقال هذا ابن أختك، وعزه وملكه لك، فمال إليه أيضًا، ثم فعل بالباقين كذلك فكلّهم أطاع غير عين الدولة الياروقي فإنه قال: لا أخدم يوسف وعاد إلى نور الدين بالشام، وثبت قدم صلاح الدين على أنه نائب لنور الدين، وكان نور الدين يكاتبه بالأمير الاسفهسلار (٢). ويكتب علامته على رأس الكتاب تعظيمًا (عن) أن يكتب اسمه، وكان لا يفرده بكتاب، بل الأمير صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية، يفعلون كذا وكذا، ثم أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أباه أيوب وأهله فأرسلهم إليه نور الدين، فأعطاهم صلاح الدين الاقطاعات بمصر، وتمكّن من البلاد، وضعف أمر العاضد، ولما فوّض الأمر إلى صلاح الدين تاب عن شرب الخمر وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص لباس الجد، ودام على ذلك إلى أن توفاه الله .. قال ابن الأثير في الكامل (٣): رأيت أكثر ما يقع ممن ابتدئ الملك منه ينتقل إلى غير عقبه، فإن معاوية تغلب على الشام وملك فانتقل الملك إلى بني مروان بعده، ثم ملك السفاح من بني العباس فانتقل الملك إلى بني أخيه المنصور، ثم السامانية أول من استبدّ (٤) بالملك منهم نصر بن أحمد، فانتقل الملك إلى عقب أخيه إسماعيل، ثم عماد الدين بن بويه ملك فانتقل الملك إلى بني أخيه ركن الدين ثم ملك طغرل السلجوقي فانتقل الملك إلى بني أخيه داود، ثم شيركوه ملك فانتقل الملك إلى ابن أخيه صلاح الدين. ولما قام صلاح الدين بالملك لم يبق في عقبه بل انتقل إلى بني العادل أبي محمد، ولم يبق لأولاد صلاح الدين غير حلب، وكان سبب ذلك كثرة قتل من يتولى أولًا وأخذه الملك وعيون أصحابه فيه، فيحرم على عقبه ذلك. ولما استقر قدم صلاح الدين في الوزارة قتل موتمن الخلافة (٥)، وهو مقدم السودان، فاجتمعت السودان وهم حفاظ القصر في عدد كبير، وجرى بينهم وبين صلاح الدين وعسكره وقعة عظيمة بين القصرين، فانهزم السودان وقتل منهم خلق كثير، وتبعهم صلاح الدين فأجلاهم قتلًا وتهجيجًا، وحكم

стр. 9104

صلاح الدين على القصر، وأقام فيه بهاء الدين قراقوش (١) الأسدي، وكان خصيًا أبيض وبقي لا يجري في القصر صغيرة ولا كبيرة إلا بأمر صلاح الدين. وفيها (٢): كان بين إينانج السجزي (٣) صاحب الري وبين الدكز حرب انتصر فيها الذكز وملك الري، وهرب إينانج وانحصر في بعض القلاع (٤)، فبعث الذكز ورغب غلمان إينانج في الاقطاعات إن قتلوا إينانج، فقتلوه ولحقوا بالذكز (فلم يف لهم وقال (٥)): مثل هؤلاء لا ينبغي الإبقاء عليهم، فهربوا إلى خارج البلاد ولحقوا بخوارزم شاه، فصلب الذي تولى منهم قتل إينانج، لخيانته أستاذه. وفيها (٦): توفي ياروق بن (٧) أرسلان التركماني، وكان مقدمًا كبيرًا وإليه تنسب الطائفة الياروقية من التركمان، وكان عظيم الخلقة يسكن بظاهر حلب، وبني على شاطئ قويق (٨) هو وأتباعه عمائر كثيرة. وتعرف الآن بالياروقية (٩) مشهورة هناك. وفي سنة خمس وستين: سارت (١٠) الفرنج إلى دمياط وحصروها، وشحنها صلاح الدين بالرجال والسلاح والذخائر وأخرج على ذلك أموالًا عظيمة، فحصروها خمسين يومًا، وخرج نور الدين فأغار على بلادهم بالشام، فرحلوا عائدين على أعقابهم ولم يظفروا بشيء منها. قال صلاح الدين: ما رأيت أكرم من العاضد أرسل إلي مدة مقام الفرنج دمياط ألف ألف دينار مصرية سوى الدواب (١١) وغيرها.

стр. 9105

وفيها (١): سار نور الدين وحاصر الكرك مدة، ثم رحل عنها. وفيها (٢): كانت زلزلة عظيمة خربت الشام، فقام نور الدين في عمارة الأسوار وحفظ البلاد أتم قيام، وكذلك خربت بلاد الفرنج فخافوا من نور الدين واشتغل كل منهم بعمارة ما يليه من بلاده عن قصد بلاد غيره. وفيها (٣): في ذي الحجة مات قطب الدين مودود بن زنكي بن أقسنقر، صاحب الموصل. وكان مرضه حمى حادة، ولما صرف أرباب الدولة الملك عن أبنه الأكبر عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي إلى أخيه الذي هو أصغر منه سيف الدين (٤) غازي بن مودود، فسار عماد الدين زنكي إلى عمه نور الدين مستنصرًا به. وتوفي نور الدين وعمره أربعون سنة، وكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفًا، وكان من أحسن الملوك سيرة. وفيها (٥): توفي الملك طغرلبك بن قاروت بيك صاحب كرمان، واختلف أولاده بهرام شاه وأرسلان شاه وهو الأكبر، واستنجد كل منهما وطلب الملك فأتفق موت أرسلان شاه في تلك المدة واستقر بهرام شاه في ملك كرمان. وفيها (٦): توفي مجد الدين أبو بكر بن الداية رضيع نور الدين، وكانت حلب وحارم وقلعة جعبر إقطاعه، فأمر نور الدين أخاه عليًا على إقطاعه. وفي (٧) سنة ست وستين: في تاسع ربيع الآخر، توفي الخليفة المستنجد أبو المظفر يوسف بن المقتفي، وكان سبب موته أنه مرض واشتد مرضه، وكان قد خاف منه أستاذ داره عضد الدين أبو

стр. 9106

الفرج بن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قيماز المقتفوي وهو حينئذ أكبر أمراء بغداد، فاتفقا ووضعا للطبيب أن يضع له ما يهلكه فوصف له دخول الحمام فامتنع منه لضعفه ثم أنه دخلها وغلق عليه الباب فمات، فلما مات أحضر عضد الدولة وقطب الدين، المستضيء بالله أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله ثالث ثلاثين خلفاء بني العباس ﵏. وشرط عليه شروطًا أن يكون عضد الدين وزيرًا وابنه كمال الدين أستاذ دار وقطب الدين أمير العسكر، وأجابهم إلى ذلك ولم يل الخلافة من اسمه الحسن غيره وغير الحسن بن علي ﵄. وبايعوا المستضيء بالله بالخلافة يوم موت أبيه بيعة خاصة، وفي غده بيعة عامة. وفيها (١): سار نور الدين محمود بن زنكي إلى الموصل، وهي بيد ابن أخيه غازي ابن مودود، فاستولى عليها نور الدين وملكها، فلما ملكها أطلق المكوس منها، وقرّر أمورها ثم وهبها لابن أخيه سيف الدين غازي، وأعطى سنجار لعماد الدين زنكي ابن مودود وهو أكبر من أخيه سيف الدين غازي، فقال كمال الدين الشهرزوي: (هذا طريق) (٢) إلى أذى يحصل للبيت الأتابكي، لأن عماد الدين كبير لا يرى طاعة أخيه غازي وهو صغير وسيف الدين هو الملك لا يرى الإغضاء لعماد الدين فيحصل الخلف ويطمع الأعداء. وفيها (٣): سار صلاح الدين عن مصر فغزا الفرنج قرب عسقلان والرملة وعاد إلى مصر، ثم رجع إلى أيلة وحصرها، وهي للفرنج على ساحل البحر الشرقي، ونقل إليها المراكب وحصرها برًا وبحرًا وفتحها في العشر الأول من ربيع الأول واستباح أهلها وما فيها، وعاد إلى مصر ولما استقر بمصر كان بها دار للشحنة يسمى دار المعونة يجلس فيها فهدمها صلاح الدين وبناها مدرسة للشافعية. وكذلك بنى دار الغزل مدرسة للشافعية وعزل قضاة المصريين وكانوا شيعة ورتب قضاة شافعية، وذلك في العشرين من جمادى الآخرة. وكذلك اشترى تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين منازل الغزّ (٤) وبناها مدرسة للشافعية. وفي سنة سبع وستين، ثاني جمعة من المحرم قطعت (٥) خطبة العاضد لدين الله أبي محمد عبد الله وكان سبب الخطبة العباسية بمصر إنه لما تمكن

стр. 9107

صلاح الدين من مصر وحكم على القصر وأقام فيه قراقوش الأسدي، وكان خصيًا أبيض وبلغ نور الدين ذلك فأرسل إلى صلاح الدين يأمره بقطع الخطبة العلوية وإقامة الخطبة العباسية، فراجعه صلاح الدين في ذلك خوف الفتنة فلم يلتفت نور الدين إلى ذلك وأصر عليه، وكان العاضد قد مرض فأمر صلاح الدين الخطباء أن يخطبوا للمستضيء ويقطعوا خطبة العاضد، فامتثلوا ذلك ولم ينتطح فيها عنزان، وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أحد من أهله بقطع خطبته، فتوفى العاضد يوم عاشوراء ولم يعلم بقطع خطبته. ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على قصر الخلافة وعلى جميع ما فيه وكان كثرته تخرج عن الإحصاء وكان فيه أشياء نفيسة من الأعلاق الثمينة والكتب والتحف فمن ذلك الحبل الياقوت، وكان وزنه سبع عشرة (١) درهمًا. قال ابن الأثير في الكامل (٢): أنا رأيته ووزنته، ومما حكى أنه كان بالقصر طبل للقولنج إذا ضُرب به الإنسان ضرط فكسر، ولم يعلموا به إلا بعد ذلك، ونقل صلاح الدين أهل العاضد إلى موضع من القصر، ووكّل بهم من يحفظهم، وأخرج جميع من فيه من عبد وأمة فباع البعض وأعتق (٣) البعض وَوَهَب البعض وخلا القصر من سكانه، كأن لم يغن بالأمس. ولما اشتد مرض العاضد أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه فظنّ ذلك خديعة، فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه وندم على تخلفه عنه. وجميع مدة خلافتهم في حين ظهر المهدي بسجلماسة في ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين إلى أن توفي العاضد في هذه السنة، سنة سبع وستين وخمسمائة: مائتان واثنان وسبعون سنة تقريبًا. وهذا دأب الدنيا لم تعط إلا واستردت، ولم تحل إلا وتمررت، ولم تصف إلا وتكدرت، بل صفوها لا يخلو من الكدر. ولما وصل خبر الخطبة العباسية بمصر إلى بغداد ضربت البشائر ستة أيام وسُيّرت الخلع مع عماد الدين صندل وهو من خواص الخدم المقتفوية إلى نور الدين وصلاح الدين، والخطباء، وسيرت الأعلام السود. وكان العاضد قد رأى منامًا أن عقربًا خرجت من مسجد بمصر معروف ذلك المسجد للعاضد ولدغته، فأستيقظ العاضد مرعوبًا، واستدعى من يعبر الرؤيا، وقصه عليه، فعبر له بوصول أذى إليه من شخص بذلك المسجد، فتقدم العاضد إلى والي مصر بإحضار أهل ذلك المسجد، فأحضر إليه شخصًا صوفيا يقال له نجم الدين

стр. 9108

الخويشاني، فاستخبره العاضد عن مقدمه وسبب مقامه بذلك المسجد، فأخبره بالصحيح في ذلك، ورآه العاضد أضعف من أن يناله بمكروه، فأمر له بمال وقال: أُدعُ لنا يا شيخ، وأمره بالانصراف، فلما أراد السلطان صلاح الدين إزالة الدولة العلوية استفتى الفقهاء. وكان نجم الدين الخويشاني المذكور من جملتهم، فبالغ في الفتيا، وصرّح بتعدد مساويهم، وسَلَبَ عنهم الإيمان، وأطال الكلام في ذلك، فصح (بذلك) رؤيا العاضد. وفيها (١): وقع بين نور الدين وصلاح الدين وحشة في الباطن، فإن صلاح الدين سار ونازل الشوبك وهي للفرنج ثم رحل عنه خوفًا أن يأخذه، فلم يبق ما يعوق نور الدين عن مصر، فتركه ولم يفتحه لذلك وبلغ نور الدين ذلك فكتمه وتوحش خاطره لذلك، ولما استقرّ صلاح الدين في مصر جمع أقاربه وكبراء دولته، وقال: بلغني أن نور الدين يقصدنا، فما الرأي؟ فقال تقي الدين عمر ابن أخيه: نقاتله ونصده، وكان ذلك بمحضر أبيهم نجم الدين أيوب فأنكر على تقي الدين ذلك وقال: أنا والدكم، لو رأيت نور الدين (لنزلت) وقبلت الأرض بين يديه، بل أكتب وقل لنور الدين لو جاءني إنسان واحد من عندك وربط المنديل في عنقي وجرني إليك سارعت إليك وانفضوا على ذلك، ثم اجتمع أيوب بابنه صلاح الدين خلوة وقال: لو قصدنا نور الدين كنت أول من يمنعه ويقاتله. ولكن لو أظهرنا ذلك يترك نور الدين جميع ما هو فيه ويقصدنا، ولا ندري ما يكون من ذلك، فإن جميع عسكرنا إنما هم أمراء نور الدين وغلمانه، وإن أظهرنا الطاعة تمادى الوقت بما يحصل به الكفاية من عند الله تعالى فكان كما قال. وفيها: توفي الأمير محمد بن مردنيش صاحب شرقي بلاد الأندلس وهي: مرسية وبلنسية وغيرهما، فقصد أولاده أبا يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك الغرب وسلموا إليه بلادهم، فَسُرَّ بذلك يوسف وتسلمها منهم، وتزوج أختهم وأكرمهم ووصلهم بالأموال الجزيلة. وكان قد قصدهم يوسف المذكور في مائة ألف مقاتل فأجابوا بدون قتال كما ذكرنا. وفيها (٢): عبر الخطا نهر جيحون، فجمع خوارزم شاه أرسلان بن أطسز بن محمد بن أنوش تكين، عساكره وسار إلى لقائهم فمرض ورجع مريضًا، وأرسل عسكرًا مع بعض المقدمين، فقاتلوا الخطا، وانهزم عسكر خوارزم شاه وأسر مقدمهم، ورجع الخطا إلى بلادهم بعد ذلك.

стр. 9109

وفيها (١): اتخذ نور الدين بالشام الحمام الهوادي وتسمى المناسيب لنقل البطائق والأخبار. وفيها: عزل المستضيء وزيره عضد الدولة بن رئيس الرؤساء مكرهًا، لأن قطب الدين قيماز ألزمه بعزله، فلم يمكنه مخالفته. وفي سنة ثمان وستين: توفي خوارزم شاه أرسلان بن أطسز بن أنوش تكين. وكان قد عاد مريضًا. ولما مات ملك بعده ابنه الصغير سلطان شاه محمود. ودبرت والدته المملكة وكان ابنه الأكبر علاء الدين تكين مقيمًا في جند قد أقطعه أبوه إياها، فلما بَلَغَهُ موت أبيه وولاية أخيه أنف عن ذلك واستنجد بالخطا، وسار إلى أخيه الصغير سلطان شاه وطرده، ثم إن سلطان شاه قصد ملوك الأطراف واستنجدهم على أخيه تكين وطرده، وكانت الحرب بينهم سجالًا، حتى مات سلطان شاه في سنة تسع وثمانين وخمسمائة. واستقر تكش في خوارزم. وفي تلك الحروب بين الأخوين قتل المؤيد (أي به) السجزي (٢) قتله تكش صبرًا. وملك ابنه طغا شاه ابن المؤيد (أي به). وفيها: سار (٣) شمس الدولة توران شاه بن أيوب أخي صلاح الدين الأكبر من مصر إلى النوبة للتغلب عليها، ولم تعجبه تلك البلاد فغنم وعاد إلى مصر. وفيها: توفي شمس الدين الدكز بهمدان، وملك بعده ابنه محمد البهلوان ولم يختلف عليه أحد، وكان (٤) الدكز (هذا) (٥) مملوكًا للكمال السميري وزير السلطان محمود، ثم صار للسلطان محمود، فلما ولي مسعود ولاه وكبره حتى صار ملك أذربيجان وغيرها من بلاد الجبل أصبهان الري، وكان عسكره خمسين ألف فارس. وكان يخطب في بلاده بالسلطنة للسلطان أرسلان بن طغرل، ولم يكن لأرسلان معه حكم، وكان الدكز حسن السيرة. وفيها (٦): سارت طائفة من الترك من ديار مصر مع مملوك لتقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب اسمه قراقوش إلى إفريقية (٧) واستولى عليها، وملك كثيرًا من بلاد إفريقية. وفيها (٨): غزا أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بلاد الفرنج من الأندلس.

стр. 9110

وفيها (١): سار نور الدين محمود بن زنكي إلى بلاد قيلج أرسلان بن مسعود واستولى على مرعش وبهنسا ومرزبان وسيواس، فأرسل إليه قيلج أرسلان يستعطفه ويسأل الصلح، فقال نور الدين: لا أرضى إلا أن تردّ ملطية على ذي النون بن الداشمند وكان قيلج أرسلان قد أخذها منه، فبذل له سيواس، واصطلح مع نور الدين فلما مات نور الدين عاد قيلج أرسلان واستولى على سيواس وطرد عنها ذا النون بن الداشمند. وفيها (٢): سار صلاح الدين من مصر إلى الكرك وحصرها. وكان قد واعد نور الدين أن يجتمعا على الكرك، فخاف صلاح الدين من الاجتماع، و كان نور الدين قد وصل إلى الرقيم، وهو بالقرب من الكرك فرحل صلاح الدين عن الكرك عائدًا إلى مصر وأرسل تحفًا إلى نور الدين، واعتذر إن أباه مرض وهو يخشى موته، فتذهب مصر، فقبل نور الدين عذره في الظاهر وعلم المقصود في الباطن. ولما وصل صلاح الدين إلى مصر وَجَدَ أباه نجم الدين أيوب بن شاذي قد مات. وقد كان سبب موته أنه ركب بمصر فنفرت به فرسه فوقع وحمل إلى قصره فبقي أيامًا ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة (٣). وفي سنة تسع وستين: ملك (٤) توران شاه اليمن، وكان صلاح الدين وأهله خائفين من نور الدين، فاتفق رأيهم على تحصيل مملكة غير مصر حيث أن قصدهم نور الدين قاتلوه، فإن هزمهم التجأوا إلى تلك المملكة. فجهز صلاح الدين أخاه شمس الدولة توران شاه بن أيوب إلى النوبة فلم تعجبه بلادها، ثم سيره في هذه السنة بعسكره إلى اليمن، وكان صاحب اليمن حينئذ عبد النبي المقدم ذكره في سنة أربع وخمسين وخمسمائة فتجهز توران شاه ووصل اليمن، وجرى بينه وبين عبد النبي قتال فانتصر توران شاه وهزم عبد النبي. وهجم زبيد وملكها وأسر عبد النبي، ثم قصد عدن وكان صاحبها اسمه ياسر فخرج لقتال توران شاه فهزمه توران شان وهجم عدن وملكها وأسَرَ ياسر. واستولى توران شاه على بلاد اليمن، واستقر في ملك صلاح الدين. واستولى على أموال عظيمة من عبد النبي وكذلك من عدن.

стр. 9111

وفيها (١): في رمضان صلب صلاح الدين جماعة من أعيان المصريين فإنهم قصدوا الوثوب عليه، وإعادة الدولة العلوية، فعلم بهم وصلبهم عن آخرهم. فمنهم: عبد الصمد الكاتب، والقاضي العويرس، وداعي الدعاة، وعمارة بن علي اليمني. وفي هذه السنة: توفي (٢) الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن اقسنقر صاحب الشام وديار الجزيرة وغيرهم ذلك يوم الأربعاء حادي عشر شوال بعلة الخوانيق بقلعة دمشق المحروسة. وكان نور الدين قد شرع بتجهيز الدخول إلى مصر وأخذها من صلاح الدين، وكان يريد أن يخلي ابن أخيه سيف الدين غازي بالشام ويسير هو بنفسه إلى مصر فأتاه أمر الله لا يردّ. وكان نور الدين أسمر طويل القامة ليس له لحية إلا في حنكه، حسن الصورة، وكان قد اتسع ملكه جدًا، وخطب له في الحرمين واليمن لما ملكهما توران شاه بن أيوب، وكذلك كان يخطب له بمصر، وكان مولد نور الدين سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وطبق الأرض ذكره بحسن السيرة والعمل وكان من الزهد والعبادة على قدر عظيم، وكان يصلي غالب الليل كما قيل: [الكامل] جمع الشجاعة والخشوع لربه … ما أحسن المحراب في المحراب وكان عارفًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة وليس عنده فيه تعصب. وهو الذي بنى أسوار مدن الشام مثل دمشق وحماة وحمص وشيزر وبعلبك وغيرها، لما تهدمت بالزلازل، وبنى المدارس الكبيرة الحنفية والشافعية، ولا يحتمل هذا المختصر ذكر فضائله. ولما توفي نور الدين قام ابنه الملك الصالح إسماعيل بعده وعمره إحدى عشرة سنة، وخلف له العسكر بدمشق، وأقام بها وأطاعه صلاح الدين بمصر وخطب له بها، وضربت له السكة، وكان المتولي لتدبير دولته الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم، ولما مات نور الدين وتولى ولده الملك الصالح. سار سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود صاحب الموصل، وملك جميع البلاد الجزرية. وفي سنة سبعين: في أولها اجتمع (٣) على رجل من أهل الصعيد يقال له الكنز جمع عظيم، وأظهر الخلاف على صلاح الدين، فأرسل إليه صلاح الدين عسكرًا، فقتل الكنز وجماعة معه، وانهزم الباقون.

стр. 9112

في سلخ ربيع الأول: ملك (١) صلاح الدين يوسف بن أيوب مدينة دمشق وحمص وحماة، وسببه أن شمس الدين بن الداية (٢) المقيم بحلب أرسل سعد الدين (٣) كمشتكين يستدعي الملك الصالح نور الدين من دمشق إلى حلب ليكون مقامه بها فسار الملك الصالح مع سعد الدين إلى حلب. ولما استقر بحلب تمكن كمشتكين وقبض على شمس الدين بن الداية وإخوته وقبض على الرئيس ابن الخشاب وإخوته، وهو رئيس حلب، واستبد سعد الدين بن الداية بتدبير الملك الصالح، فخافه ابن المقدم وغيره من أمراء دمشق. وكاتبوا صلاح الدين بن أيوب صاحب مصر واستدعوه ليملكوه عليهم، فسار صلاح الدين جريدة (٤) في سبعمائة، فارس، ولم يلبث فوصل دمشق فخرج كل من بها من العسكر والتقوه وخدموه ونزل بدار والده أيوب المعروفة بدار العقيقي (٥). وعصت عليه القلعة، وكان فيها من جهة الملك الصالح خادم اسمه ريحان، فراسله صلاح الدين واستماله فسلّم القلعة إليه، فصعد إليها صلاح الدين وأخذ منها ما فيها من أموال، ولما ثبتت قدمه في دمشق استخلف بها أخاه سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، وسار إلى حمص مستهل جمادى الأولى، وكانت حمص و وحماة وقلعة بارين (٦)، وسلمية وتل خالد (٧) والرها (٨) من بلد الجزيرة في إقطاع فخر الدين مسعود بن الزعفراني، فلما مات نور الدين لم يمكن فخر الدين مسعود المقام بحمص وحماة لسوء تدبيره مع الناس، وكانت هذه البلاد له بغير قلاعها، فإن قلاعها كان فيها ولاة لنور الدين وليس لفخر الدين معهم في القلاع حكم إلا بارين فإن قلعتها كانت له أيضًا، فنزل صلاح الدين على حمص في حادي عشر جمادى الأولى، وملك المدينة، وعَصَت عليه

стр. 9113

القلعة، فنزل عليها من يضيق عليها ورحل إلى حماة فملك مدينتها مستهل جمادى الآخر من السنة، وكان بقلعتها الأمير عز الدين جرديك (١) أحد المماليك النورية فأمتنع في القلعة، فذكر له صلاح الدين أنه ليس له غرض سوى حفظ بلاد الملك الصالح عليه، وإنما هو نائبه وقصده من جرديك المسير إلى حلب في رسالة، فاستحلفه جرديك على ذلك وسار جرديك إلى حلب برسالة من صلاح الدين، واستخلف في قلعة حماة أخاه فلما وصل جرديك إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه، فلما علم أخاه بذاك سلم قلعة حماة إلى صلاح الدين فملكها ثم سار صلاح الدين إلى حلب وحصرها وبها الملك الصالح بن نور الدين، فجمع أهل حلب وقاتلوا صلاح الدين وصدوه عن حلب، وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان (٢) مقدم الإسماعيلية أموالًا عظيمة ليقتلوا صلاح الدين، ووثبوا على صلاح الدين فقتلوا دونه. واستمر صلاح الدين محاصرًا لحلب مستهل رجب، ورحل عنها بسبب نزول الفرنج على حمص ووصل صلاح الدين إلى حماة ثامن رجب، وسارا إلى حمص، فرحل الفرنج عنها. ووصل صلاح الدين إلى حمص وحصر قلعتها في حادي عشر من شعبان ثم أرسل إلى بعلبك فملكها، فلما استقر ملك صلاح الدين لهذه البلاد أرسل الملك الصالح إلى ابن عمه سيف الدين غازي يستنجده على صلاح الدين فجهز جيشه صحبة أخيه مسعود بن مودود بن زنكي، ومقدم الجيش عز الدين محمود المعروف بسلقندار وطلب أخاه الأكبر عماد الدين بن زنكي بن مودود ليسير في الصحبة فامتنع مصالحة لصلاح الدين، فسار سيف الدين وحصره بسنجار، ووصل الموصل صحبة عز الدين بن مسعود بن مودود وسلقندار إلى حلب، وانضم إليهم عسكر حلب وساروا إلى صلاح الدين يبذل حمص وحماة، وأن تفرد له دمشق ويكون فيها نائبًا للملك الصالح فلم يجيبوه إلى ذلك، وساروا لقتاله، واقتتلوا عند قرون حماة، فانهزم عسكر الموصل وحلب، وغنم صلاح الدين وعسكره أموالهم، وتبعهم صلاح الدين حتى حصرهم بحلب، وقطع

стр. 9114

صلاح الدين حينئذٍ خِطْبَة الصالح بن نور الدين، وانزل اسمه عن السكة، واستبد بالسلطة، فراسلوا صلاح الدين في الصلح على أن يكون له ما بيده من الشام ويكون لملك الصالح ما تبقى بيده منه فصالحهم على ذلك، ورحل من حلب في العشر الأول من شوال هذه السنة، أعني سنة سبعين وخمسمائة وفي العشر من شوال ملك السلطان صلاح الدين بارين وأخذها من صاحبها فخر الدين مسعود بن الزعفراني وكان فخر الدين من أكابر الأمراء النورية. وفيها (١): ملك البهلوان بن الدكز مدينة تبريز وأخذها من ابن اقسنقر الأحمد يَلي. وفيها (٢): مات شملة التركماني صاحب خورستان، وتولى ولده. وفيها (٣): وقع بين الخليفة وبين قطب الدين قيماز مقدم عسكر الخليفة ببغداد فتنة. فَنُهِبَتْ دار قيماز وهرب إلى الحلة، ثم الموصل فلحقه في الطريق عطش شديد، وهلك أكثر أصحابه ومات هو قبل وصوله إلى الموصل فحُمِل ودُفن بظاهر باب العمادي، ولما هرب قيماز خَلَع الخليفة عضد الدين وأعادوه إلى الوزارة. سنة إحدى وسبعين إلى سنة ثمانين وخمسمائة وفي سنة إحدى وسبعين: في عاشر شوال كان المصاف بين السلطان صلاح الدين وبين (٤) غازي صاحب الموصل بتل السلطان، فهرب سيف الدين غازي والعساكر التي كانت معهم، فإنه كان قد استنجد بصاحب حصن كيفا وصاحب ماردين وغيرهما وتمت على سيف الدين الهزيمة حتى وصل إلى الموصل مرعوبًا، وقصد الهروب منها إلى بعض القلاع، فسكنه وزيره، وأقام بالموصل واستولى صلاح الدين على أثقال عسكر الموصل وغيرها، وغنم ما فيها، ثم سار صلاح الدين إلى بزاعة (٥)، فحصرها وتسلمها، ثم سار إلى منبج (٦) فحصرها في آخر شوال وصاحبها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي (٧). وكان شديد البغض لصلاح

стр. 9115

الدين وفتحها عنوةً وأسر ينال وأخذ جميع موجوده، ثم أطلقه فسار ينال إلى الموصل، فأقطعه سيف الدين غازي مدينة الرقة، ثم سار السلطان صلاح الدين إلى إعزاز، ونازلها ثالث ذي القعدة وتسلمها حادي عشر ذي القعدة، فوثب إسماعيلي على صلاح الدين فضربه بسكين في رأسه وجرحه، فمسك صلاح الدين يد الإسماعيلي على تلك الحال، ووثب آخر عليه وقتله، وثالث فقتل، وجاء السلطان إلى خيمته مذعورًا وأعرض جنده. وأبعد عنه من أنكره منهم. ولما ملك السلطان إعزاز رحل عنها ونازل في حلب في منتصف ذي الحجة وحصرها وبها الملك الصالح بن نور الدين، وانقضت هذه السنة وهو محاصر لحلب، فسألوا صلاح الدين في الصلح، فأجابهم واخرج إليه بنتًا صغيرة لنور الدين، فأكرمها وأعطاها شيئًا كثيرًا، قال لها: ما تريدين؟ قالت: قلعة إعزاز، وكانوا قد علموها ذلك، فسلمها السلطان إليها، واستقر الصلح ورحل السلطان عن حلب في العشرين من المحرم سنة اثنين وسبعين. وفيها (١): نازل طشتكين (٢) أمير الحج العراقي مكة. وكان قد أمره الخليفة بعزل مكثر بن عيسى صاحب مكة، فجرى بين الحجاج وبينه قتال، فأنهزم مكثر في البرية وأقام طاشتكين أخاه داود مقامه بمكة. وفيها: في القعدة قدم توران شاه بن أيوب من اليمن إلى الشام، وأرسل إلى أخيه صلاح الدين يعلمه بالحال، وكتب إليه أبياتًا من شعر ابن المنجم المصري: [الكامل] وإلى صلاح الدين أشكو إنني … من بعده مضنى الجوانح مولع (٣) جزعًا لبعد الدار عنه ولم أكن … لولا هواه لبعد دار أجزع ولأركبن إليه متن عزائمي … ويخب بي ركب الغرام ويوسع (٤) ولأسرين الليل لا يسري به … طيف الخيال ولا البروق اللمع وأقدمن إليه قلبي مخبرًا … إني بجسمي عن قريب أتبع

стр. 9116

حتى أُشاهد منه أسعدَ طلعةً … من أفقِها صُبحَ السعادةِ يَطْلُعُ وفي سنة اثنين وسبعين: قصد (١) صلاح الدين بلد الإسماعيلية في المحرم فنهبه وخربه وأحرقه. وحصر قلعة مصياف (٢) فأرسل سنان مُقدَّم الإسماعيلية إلى خال صلاح الدين، وهو شهاب الدين الحارمي صاحب حماة يسأل أن يسعى في الصلح (٣)، فسأل الحارمي الصفع عنهم، فأجابهم صلاح الدين وصالحهم ورحل عنهم، وأتم السلطان صلاح الدين مسيره إلى مصر، فإنه كان قد بعد عهده بها بعد أن استقر له ملك الشام. ولما وصل إلى مصر في هذه السنة أمر ببناء السور الدائر على مصر والقاهرة والقلعة التي على الجبل المقطم، ودور ذلك تسعة وعشرون ألف ذراع (٤) بالهاشمي، ولم يزل العمل فيه إلى أن مات صلاح الدين. وفيها (٥): أمر صلاح الدين ببناء المدرسة التي على قبر الإمام الشافعي بالقرافة وعمل بالقاهرة مارستان. وفي سنة ثلاث وسبعين: في جمادى الأولى سار (٦) السلطان صلاح الدين من مصر إلى الساحل لغزو الفرنج، فوصل إلى عسقلان (٧) في رابع عشرين فنهب وتفرق عسكره في الإغارة. وبقي

стр. 9117

السلطان وبعض العسكر، ولم يشعر إلا الفرنج قد طلعت عليه، فقاتلهم أشد القتال، وكان لتقي الدين بن شاهنشاه بن أيوب ولد اسمه أحمد من أحسن الشباب. أول ما تكاملت لحيته، فقال له أبوه تقي الدين احمل على الفرنج وقاتلهم، فأثر فيهم أثرًا جميلًا وعاد سالمًا، فأمره أبوه بالعود فقتل رجلًا من الإفرنج وقتل شهيدًا، وتمت الهزيمة على المسلمين، وقاربت حملات الفرنج السلطان فولى منهزمًا إلى مصر، على البرية ومعه من سلم، ولقوا في طريقهم مشقة العطش، وهلك كثير من الدواب، وأخذت الفرنج العسكر الذين كانوا تفرقوا للإغارة وأسر الفقيه عيسى (١). وكان من أكبر أصحاب السلطان فافتداه السلطان من الأسر بعد سنتين بستين ألف دينار، ووَصَلَ السلطان إلى القاهرة. قال الأمير (٢): رأيت كتابًا بخط صلاح الدين إلى أخيه توران شاه نائبه بدمشق، فذكر له الموقعة وأوله (٣): [الطويل] ذِكْرتُكَ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيننا … وقَدْ نَهَلَتْ منّا المُثَقَّفَةُ السُمْرُ ويقول فيه لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة، وما نجانا الله تعالى منه إلا لأمر يريده . «وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر» وفيها: سار (٤) الفرنج وحصروا مدينة حماة في جمادى الأولى وطمعت الفرنج بسبب بعد صلاح الدين بمصر وهزيمته من الفرنج، ولم يكن غير توران شاه بدمشق ينوب عن أخيه صلاح الدين، وليس عنده كثير من العسكر، وكان توران شاه أيضًا كثير الانهماك في اللذات، مائلًا إلى الراحات ولما حصروا حماة كان بها صاحبها شهاب الدين الحارمي. خال صلاح الدين وهو مريض، واشتد حصار الفرنج لحماة وطال زحفهم عليها، حتى أنهم هجموا بعض أطراف المدينة (٥). وكادوا يملكون البلد قهرًا بالسيف، ثم جدّ المسلمون في القتال، وأخرجوا الفرنج إلى ظاهر السور، وأقام الفرنج كذلك على حماة أربعة أيام، ثم رحلوا عنها إلى حارم. وعقيب رحيلهم مات صاحبها

стр. 9118

شهاب الدين الحارمي، وكان له ابن من أحسن الناس شبابًا فمات قبله بثلاثة أيام. وفيها (١): قبض السلطان الصالح بن نور الدين صاحب حلب على سعد الدين كمشتكين، وكان قد تغلّب على الأمر، وكانت حارم لكمشتكين فأرسل الملك الصالح إليهم فلم يسلّموها إليه، فأمر كمشتكين أن يسلّمها، فأمرهم بذلك فلم يقبلوا منه، فأمر بتعذيب كمشتكين ليسلموا القلعة، فعذب وأصحابه يرونه لا يرحمونه. حتى مات في العذاب، وأَصَرَّ (الحال) بأصحابه (٢) على الامتناع. ووصل الفرنج إلى حارم بعد رحيلهم عن حماة، وحصروا حارم أربعة أشهر، فأرسل الملك الصالح مالًا للفرنج وصالحهم فرحلوا عن حارم، وبلغ أهلها الجهد. وبعد أن رحل الفرنج عنها أرسل إليها الملك الصالح عسكرًا وحصرها. فلم يبق بأهلها ممانعة فسلموها إلى الملك الصالح، فاستناب بها مملوكًا كان لأبيه اسمه سرخك. وفيها: في (٣) المحرم خطب للسلطان طغريل بن ارسلان بن السلطان محمد بن السلطان ملكشاه المقيم ببلاد الدكز وكان أبوه ارسلان الذي تقدم ذكره قد توفي. وفيها: في ذي الحجة قتل (٤) عضد الدين محمد بن عبد الله بن هبة الله وزير الخليفة وكان قد عبر دجلة عازمًا على الحج فقتله الإسماعيلية وحمل مجروحًا إلى منزله فمات به، وكان مولده جمادى الأولى سنة أربع عشرة وخمسمائة. وفي سنة أربع وسبعين: طلب (٥) توران شاه من أخيه صلاح الدين بعلبك وكان السلطان أعطاها شمس الدين محمد بن عبد الملك المقدم لما سلّم دمشق إلى صلاح الدين فلم يمكن صلاح الدين منع أخيه عن ذلك، فأرسل إلى ابن المقدم ليسلم بعلبك، فعصى بها ولم يسلمها، فأرسل السلطان وحصر بعلبك فطال حصارها، فعوّض عنها وتسلّمها السلطان فأقطعها أخاه توران شاه.

стр. 9119

وفيها: كان (١) بالبلاد غلاء عام وتبعه وباء عام. وفيها: سير (٢) السلطان صلاح الدين ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه إلى حماة وابن عمه محمد شيركوه إلى حمص. وأمرهما بحفظ بلادهما فاستقر كل واحد منهما بحفظ بلاده. وفي سنة خمس وسبعين: سار (٣) صلاح الدين وفتح حصنًا كان قد بناه الفرنج عند مخاضة الأحزان (٤) بالقرب من بانياس عند بيت يعقوب. وفي ذلك يقول علي بن محمد الساعاتي الدمشقي (٥): [الطويل] أتسكن أوطان النبيين عصبةٌ … تمين لدى إيمانها وهي تحلف نصحتكم والنصح للدين واجب … ذروا بيت يعقوب فقد جاء يوسف وفيها: كانت حرب (٦) بين عسكر السلطان صلاح الدين ومقدمهم ابن أخيه تقي الدين عمر وبيت عسكر قيلج (٧) أرسلان بن مسعود صاحب بلاد الروم، وسببها أن حصن رعبان (٨) كان بيد شمس الدين بن المقدم، فطمع (٩) فيه قيلج أرسلان وأرسل إليه عسكرًا ليحصروه، وكانوا قرب عشرين ألفًا فسار إليهم تقي الدين في ألف فارس، هزمهم، وكان تقي الدين (١٠) يقول: هزمت بألف عشرين ألفًا. وفيها: في (١١) ثاني ذي الحجة توفي المستضيء بأمر الله أبو محمد

стр. 9120

الحسن (١) بن يوسف (٢)، وكان قد حكم في دولته ظهير الدين أبو بكر منصور المعروف بابن العطار (٣) بعد قتل عضد الدين الوزير، فلما مات المستضيئ قام ظهير الدين بن العطار واخذ البيعة لولده الناصر لدين الله. خلافة الناصر لدين الله بن المستضيء رابع ثلاثين خلفاء بني العباس (٤): ولما استقرت بيعة الناصر حكم أستاذ دار مجد الدين أبو الفضل، وقبض على ظهير الدين بن العطار في سابع ذي القعدة، ونقل إلى التاج (٥)، واخرج ظهير الدين المذكور ميتًا على رأس حمال ليلة الأربعاء ثاني عشر (ذي) القعدة فثارت به العامة وألقوه عن رأس الحمال. وشدّوا في ذكره حبلًا وجروه في البلد، وكانوا يضعون في يده مغرفة، يعني أنها قلم. وقد غمّست في العذرة. ويقولون: وقع لنا يا مولانا. هذا فعلهم به مع حسن سيرته وكفه عن أموالهم ثم خلص منهم ودفن. وفيها: في ذي القعدة نزل (٦) توران شاه أخو صلاح الدين عن بعلبك فطلب عوضها الإسكندرية، فأجابه السلطان صلاح الدين إلى ذلك واقطع بعلبك لعز الدين فرخشاه بن (٧) شاهنشاه بن أيوب، فسار فرخشاه إلى بعلبك وسار شمس الدولة توران شاه إلى الإسكندرية وأقام بها إلى أن مات. وفي سنة ست وسبعين: في ثالث صفر توفي (٨) سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي صاحب الموصل

стр. 9121

والديار الجزرية، وكان مرضه السلّ وطال. وكان عمره نحو ثلاثين سنة وكانت ولايته عشر سنين ونحو ثلاثة أشهر، وكان حسن الصورة مليح الشباب، تام القامة، أبيض اللون، عاقلًا عادلًا عفيفًا شديد الغيرة لا يدخل بيته غير الخدم إذا كانوا صغارًا، فإذا كبر أحدهم منعه، وكان عفيفًا عن أموال الرعية مع شح كان فيه، وأوصى بالمملكة بعده إلى أخيه عز الدين مسعود بن مودود (١). وأعطى جزيرة ابن عمر وقلاعها لولده سنجر شاه (٢)، فاستقر ذلك بعد موته حسبما قرره وكان مدبّر الدولة والحاكم فيها مجاهد الدين قيماز. وفيها: سار (٣) السلطان صلاح الدين إلى جهة قليج أرسلان بن مسعود صاحب بلاد الروم ووصل إلى رعبان، ثم اصطلحوا، فقصد صلاح الدين إلى جهة بلاد ابن ليون (٤) الأرمني، وشنّ فيها الغارات فصالحه ابن ليون على مال حمله وأسرى أطلقهم. وفيها: توفي (٥) شمس الدولة توران شاه ابن أيوب أخوه صلاح الدين الأكبر في الإسكندرية، وكان له معها أكثر بلاد اليمن، ونوابه هناك يحملون إليه الأموال من زبيد وعدن وغيرها، وكان أجود الناس وأسخاهم كفًا، يخرج كلما يحمل إليه من الأموال الثمينة. ودخل الإسكندرية ومع ذلك فلما مات كان عليه مائتي ألف دينار مصرية، فوفاها أخوه صلاح الدين عنه. ولما وصل إلى مصر هذه السنة في شعبان واستخلف بالشام ابن أخيه عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك. وفي سنة سبع وسبعين: عزم (٦) البرنس (٧) صاحب الكرك على المسير إلى مدينة الرسول صلى عليه وسلم

стр. 9122

والاستيلاء على تلك النواحي الشريفة وسمع بذلك عز الدين فرخشاه نائب عمه صلاح الدين في دمشق، فجمع وقصد بلاد الكرك وأغار عليها، وأقام في مقاتلة البرنس، ففرق البرنس جموعه، وانقطع عزمه عن الحركة. وفيها: وقع (١) بين نواب توران شاه باليمن بعد موته اختلاف كثير، فخشي السلطان صلاح الدين، فجهز إليه جيشًا مع جماعة من أمرائه، فوصلوا إلى اليمن وأسرعوا واستولوا عليه، وكان نائب/ ٧٦/ توران شاه على عدن عز الدين عثمان بن الزنجبيلي وعلى زبيد حطّان (٢) بن كامل بن منقذ الكناني، من بيت صاحب شيزر. وفيها: في رجب توفي (٣) الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكي ابن أقسنقر صاحب حلب وعمره نحو تسع عشرة سنة. ولما اشتد به مرض القولنج وصف له الأطباء الخمر، فمات ولم يستعمله، وكان حليمًا عفيف اليد والفرج واللسان وملازمًا لأمور الدين. لا يعرف شيئًا مما يتعاطاه الشباب، وأوصى بملك حلب إلى عمه عز الدين مسعود بن مودود ابن زنكي صاحب الموصل، فلما مات سار مسعود ومجاهد الدين قيماز من الموصل إلى حلب واستقرّ في ملكها، وكاتبه أخوه عماد الدين بن زنكي بن مودود صاحب سنجار في أن يعطيه حلب ويأخذ منه سنجار فأشار قيماز بذلك، فلم يمكن مسعود إلا موافقته، وأجاب إلى ذلك، فسار عماد الدين إلى حلب وتسلمها، وسلم سنجار إلى أخيه مسعود وعاد مسعود إلى الموصل. وفي سنة ثمان وسبعين: خامس المحرم سار (٤) السلطان صلاح الدين عن مصر إلى الشام ومن عجيب الاتفاق أنه لما برز من القاهرة وخرجت أعيان الناس لوداعه أخذ كل يقول شيئًا في الوداع وفراقه وفي الجماعة معلم لبعض أولاد السلطان، فأخرج رأسه بين الحاضرين وأنشد: [الوافر] تمتّع من شميم عرار نجد … فما بعد العشيّة من عرار (٥)

стр. 9123

فتطير صلاح الدين وانقبض بعد انبساطه، وتنكد المجلس على الحاضرين فلم يعد بعدها صلاح الدين إلى مصر مع طول المدة، وسار السلطان صلاح الدين وأغار في طريقه على بلاد الفرنج وغنم، ووصل إلى دمشق في حادي عشر صفر، ولما سار السلطان إلى الشام واجتمعت الفرنج قرب الكرك ليكونوا على طريقه، فانتهز فرخشاه ابن أخي السلطان الفرصة وسار إلى الشقيف بعساكر الشام وفتحه وغار على ما يجاوره من بلاد الفرنج، وأرسل إلى السلطان وبشره بذلك. وفيها: سير (١) السلطان أخاه سيف الإسلام طغتكين إلى بلاد اليمن ليملكها، ويقطع الفتن عنها، وكان بها حطان (٢) بن منقذ الكناني، وعز الدين عثمان الزنجبيلي. وقد عادا إلى ولايتها فإن الأمير الذي كان قد سيره السلطان نائبًا إلى اليمن تولى وعزلهما ثم توفي فعاد بين حطان وعثمان الفتن قائمة، فوصل سيف الإسلام إلى زبيد، فتحصن حطان في بعض القلاع، فلم يزل سيف الإسلام يتلطف به حتى نزل إليه، فأحسن صحبته. ثم إن حطان طلب دستورًا ليسير إلى الشام، فلم يجبه إلا بعد جهد فجهز حطان أثقاله قدامه ودخل حطان ليودع سيف الإسلام، فقبض عليه وأرسل استرجع أثقاله، وأخذ جميع ماله، وكان فيما أَخَذَه سيف الإسلام من حطان سبعين غلاف زردية مملوءة ذهبًا عينًا، ثم سجن حطان في بعض قلاع اليمن فكان آخر العهد به. وأما عثمان الزنجبيلي، فأنه لما جرى لحطان ذلك خاف وسار نحو الشام وسير أمواله في البحر، فصادفها مراكب سيف الإسلام فأخذوا كلما لعثمان الزنجبيلي وصَفَتْ اليمن لسيف الإسلام. وفيها: سار (٣) السلطان صلاح الدين من دمشق في ربيع الأول ونزل قرب طبرية، وشن الإغارة على بلاد الفرنج مثل بيسان (٤) وجنين والغور، فغنم وقتل وعاد إلى دمشق. ثم سار إلى بيروت وحصرها وأغار على بلادها ثم عاد إلى دمشق، ثم سار إلى البلاد الجزرية وعبر الفرات (٥) من البيرة فصار معه مظفر الدين كوكبري ابن زين الدين علي كوجك (٦) بن بكتكين، وكان حينئذ صاحب حران وكاتب السلطان صلاح الدين ملوك

стр. 9124

تلك الأطراف واستمالهم، فأجابه نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا وصار معه وحاصر السلطان الرها وملكها وسلّمها إلى مظفر الدين كوكبري صاحب حران. ثم سار السلطان إلى الرقة وأخذها من صاحبها قطب الدين ينال بن حسان المنجبي، فسار معه إلى عز الدين مسعود صاحب الموصل، ثم سار السلطان إلى الخابور (١) وملك قرقيسياء (٢) وماكسين (٣) وعربان (٤) واستولى على الخابور جميعه. ثم سار إلى نصيبين وحاصرها وملك المدينة، ثم ملك القلعة، وأقطع نصيبين أميرًا كان معه يقال له أبو الهجاء السمين. ثم سار عن نصيبين، وقَصَدَ الموصل، وقد استعد صاحبها عز الدين مسعود ومجاهد الدين قيماز للحصار وشحنوها بالرجال والسلاح، فحصر صلاح الدين الموصل وأقام عليها منجنيقًا، فأقاموا من داخل المدينة تسعة مناجيق، وضايق الموصل، فنزل السلطان محاذيًا باب كندة، ونزل صاحب حصن كيفا (على) باب الجسر. ونزل تاج الملوك بوري أخو صلاح الدين على باب العمادي، وجرى القتال بينهم، وكان ذلك في شهر رجب، فلما رأى حصارها يطول رحل عن الموصل إلى سنجار وحاصرها وملكها واستناب بها سعد الدين بن معين الدين أنز، وكان من أكابر الأمراء وأحسنهم صورة ومعنى، ثم سار السلطان إلى حران وعزل في طريقه أبا الهيجاء السمين عن نصيبين. وفيها (٥): عمل البرنس صاحب الكرك (٦) أسطولًا في بحر أيلة، وساروا في البحر فرقتين فرقة أقامت على حصن أيلة يحصرونه، وفرقة سارت نحو عيذاب (٧) يفسدون السواحل، وبغتوا المسلمين بتلك النواحي، فإنهم لم يعهدوا بذلك البحر فرنجيًا قط، وكان بمصر الملك العادل أبو (٨) بكر نائبًا عن أخيه السلطان صلاح الدين فعمل أسطولًا في بحر عيذاب، وأرسله مع حسام الدين لؤلؤ الحاجب وهو متولي

стр. 9125

الأسطول بمصر، وكان مظفرًا فيه شجاعة، فسار حسام الدين مجدًا في طلبهم وأوقع بالذين يحاصرون أيلة فقتلهم وأسرهم، ثم سار في طلب الفرقة الثانية وكانوا قد عزموا على الدخول إلى الحجاز الشريف مكة والمدينة (١) حرسهما الله تعالى، وسار لؤلؤ يقفوا أثرهم، فبلغ رابغ (٢) فأدركهم بساحل الحوراء، وقاتلوا في البحر أشد قتال، وظفر الله تعالى المسلمين بهم. وقتل لؤلؤ أكثرهم وأخذ الباقين أسرى. وأرسل منهم ألفي رجل إلى منى ليسخروا بها، وعادوا بالباقين إلى مصر، فقتلوا عن أخرهم. وفيها (٣) توفي عز الدين بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك وكان ينوب عن صلاح الدين بدمشق. وهو ثقته من بين أهله. وكان فرخشاه شجاعًا كريمًا فاضلًا وله شعر جيد. ووصل خبر موته إلى صلاح الدين وهو في البلاد الجزرية، فأرسل إلى دمشق شمس الأئمة محمد بن عبد الملك المقدم ليكون بها، وأقرّ بعلبك عل بهرام شاه بن فرخشاه المذكور. وفي سنة تسع وسبعين: ملك (٤) صلاح الدين حصن آمد بعد حصار وقتال في العشر الأول من المحرم وسلّمها إلى نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا، ثم سار إلى الشام وقصد تل خالد من أعمال حلب وملكها وسار إلى عين تاب، وحصرها، وبها ناصر الدين محمد أخو الشيخ إسماعيل الذي كان خازن نور الدين محمود بن زنكي، وكان قد سلّم نور الدين عين تاب إلى إسماعيل المذكور، فبقيت معه إلى الآن فحصرها وملكها بتسليم صاحبها إليه، فأقره صلاح الدين عليها، وبقي في جملة أمراء السلطان، ثم سار السلطان إلى حلب وحصرها، وبها عماد الدين زنكي بن مودود بن عماد الدين زنكي اقسنقر، فطال الحصار عليه، وكان قد كثرت اقتراحات أمراء حلب وأهلها عليه، وقد كره حلب لذلك، فأجاب السلطان صلاح الدين إلى تسليم حلب على أن يعوّض عنها سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج (٥).

стр. 9126

واتفقوا على ذلك، وسلّم حلب إلى السلطان في صفر هذه السنة، فكان أهل حلب ينادون على عماد الدين: يا حمار بعْتَ حَلَبْ بسنجار، وشرط السلطان على عماد الدين زنكي الحضور إلى خدمته بنفسه، وعسكره متى استدعاه لا يحتج بحجة عن ذلك، ومن عجيب الاتفاق أن محيي الدين بن الزكي (١) قاضي دمشق، مدح السلطان بقصيدة منها: [الطويل] وفتحكم حلبًا بالسيف في صفر … مبشر (٢) بفتوح القدس في رجب فوافق فتح القدس في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وكان من جملة من قتل على حلب تاج الدين بوري أخو السلطان الأصغر، وكان شجاعًا كريمًا طعن في ركبته فانفكت، فمات منها. ولما استقر الصلح عمل زنكي دعوة للسلطان، واحتفل فيها، فبيناهم في سرورهم إذ جاء إنسان فأسر للسلطان بموت أخيه بوري، فوجد عليه في قلبه وجدًا عظيمًا وأمر بتجهيزه سرًّا، ولم يعلم السلطان في ذلك الوقت أحدًا ممن كان في تلك الدعوة لئلا يتنكد عليهم ما هم فيه، وكان السلطان يقول: ما وقعت علينا حلب رخيصة بموت بوري، وكان هذا من السلطان من الصبر العظيم. ولما ملك السلطان حلب أرسل إلى حارم وبها سَرْخِك الذي ولاه الملك الصالح بن نور الدين في تسليم حارم، وجرت (٣) بينهما مراسلات، فلم ينتظم بينهما حال، وكاتب سرخك الفرنج، فوثب عليه أهل القلعة، وقبضوا عليه (٤)، وسلّموا حارم إلى السلطان، فتسلمها وقرّر أمر بلاد حلب، واقطع أعزاز أميرًا يقال له سليمان بن جندر (٥). وفيها (٦): لما فرغ السلطان من تقرير أمر حلب جعل فيها ولده الملك الصالح (٧) غازي وسار إلى دمشق وتجهز منها للغزو وعبر نهر الأردن تاسع جمادى الآخرة من هذه

стр. 9127

السنة، وأغار على بيسان وأحرقها، وشنَّ الإغارة على تلك النواحي، ثم تجهز السلطان إلى الكرك، وأرسل إلى أخيه العادل أبي بكر بمصر يأمره أن يلاقيه إليها فسارا جميعًا عليها (١)، وحصر الكرك وضيق عليها، ثم رحل عنها في منتصف شعبان وسار معه أخوه العادل، وأرسل السلطان ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر إلى مصر نائبًا له موضع العادل، ووصل السلطان إلى دمشق وأعطى أخاه (٢) العادل مدينة حلب وقلعتها وأعمالها، وسيره إليها في شهر رمضان، وأحضر ولده الظاهر (٣) منها إلى دمشق. وفيها (٤): توفي شاه أرمن بن سكمان بن ظهير الدين إبراهيم بن سكمان القطبي صاحب خلاط، وكان عمره لما توفي أربعًا وستين سنة، ولما توفي شاه أرمن كان بكتمر مملوك أبيه بميافارقين، فلما سمع بكتمر بموته سار من ميافارقين إلى خلاط، وكان أهلها يريدونه، ومماليك شاه أرمن متفقين معه، فأول وصوله تملك خلاط وجلس على كرسي شاه أرمن، واستقر في مملكة خلاط حتى قتل سنة تسع وثمانين. وفي سنة ثمانين وخمسمائة: سار (٥) أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ملك العرب إلى بلاد الأندلس وعبر البحر في جمع عظيم من عساكره، وقصد بلاد الفرنج وحصر شنترين من غرب الأندلس، وأصابه مرض فمات منه في ربيع الأول، وحمل في تابوت إلى مدينة إشبيلية، وكان حسن السيرة، واستقامت له المملكة لحسن تدبيره ولما مات بايع الناس ولده يعقوب بن يوسف، وكنيته أبو يوسف، وملكوه عليهم، في الوقت الذي مات فيه أبوه لئلا يكونوا بغير ملك يجمع كلمتهم لقربهم من العدوّ، فقام يعقوب بالملك أحسن قيام، وأقام راية الجهاد، وأحسن السيرة. وفيها: في ربيع الآخر سار (٦) السلطان صلاح الدين من دمشق للغزاة، وكتب

стр. 9128

إلى مصر فسارت عساكره إليها، ونازل الكرك، وضيّق عليه وملك ربضه، وبقيت القلعة، وليس بين القلعة والربض إلا خندق حسب، وقصد السلطان طَمَّهُ فلم يمكنه لكثرة المقاتلة فجمعت (١) الفرنج فارسها وراجلها، وقصدوه، فلم يمكن السلطان إلا الرحيل، فرحل «عن الكرك وسار» (٢) إليهم، فأقاموا في أماكن وعرة، وأقام السلطان قبالتهم، وسار من الفرنج جماعة ودخلوا الكرك، فعلم ما امتناعه عليهم، فسار إلى نابلس (٣)، وأحرقها ونهب ما يتلك النواحي، وقَتَل وسبى فأكثر، فسار إلى صبصطية (٤)، وبها مشهد زكريا فاستنقذ من بها من أسرى المسلمين، ثم سار إلى جنين وعاد إلى دمشق. وفيها (٥): مات قطب الدين إيلغازي (٦) بن نجم الدين ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي ابن ارتق صاحب ماردين، وقد تقدم في سنة سبع وخمسمائة ملك ألبي تمرتاش، وبقي ألبي في ملك ماردين حتى مات وملك ولده قطب الدين إيلغازي، ولما مات إيلغازي المذكور كان له أولاد أطفال، فأقيم في الملك بعده ولده حسام الدين بولق أرسلان، وقام بتدبير المملكة مملوك والده نظام الدين البقش حتى كبر بولق أرسلان، وكان به هوج وخبط فمات بولق «أرسلان» (٧) وأقام البقش بعده أخاه «الأصغر» (٨) أرتق أرسلان (٩) ولقبه ناصر الدين، ولم يكن له حكم بل الحكم إلى البقش وإلى مملوك لألبقش اسمه لؤلؤ، وكان قد تغلّب على أستاذه البقش، بحيث كان لا يخرج البقش عن رأي لؤلؤ المذكور، وبقي الأمر كذلك إلى سنة إحدى وستمائة، فمرض النظام البقش، وأتاه ناصر الدين صاحب ماردين يعوده، فلما خرج من عنده خرج معه لؤلؤ، فضربه ناصر الدين بسكين فقتله وعاد إلى البقش فضربه بسكين قتله

стр. 9129

أيضًا، واستقل ناصر الدين أرتق أرسلان بملك ماردين من غير منازع. وفيها (١): سار الشيخ صدر الدين عبد الرحيم (٢) من عند الخليفة إلى صلاح الدين في رسالة ومعه شهاب الدين بشير الخادم، ليصلحا بين السلطان صلاح الدين وبين عز الدين مسعود صاحب الموصل، فلم ينتظم حال، واتفق أنهما مرضا بدمشق وطلبا المسير إلى العراق، وسارا في الحر فمات بشير بالسخنة (٣)، ومات صدر الدين شيخ الشيوخ بالرحبة (٤)، ودفن بمشهد البوق (٥)، وكان أوحد زمانه، وقد جمع بين رئاسة الدين والدنيا. وفيها: في المحرم أطلق (٦) عز الدين مسعود صاحب الموصل مجاهد الدين قيماز من الحبس وأحْسَنَ إليه. سنة إحدى وثمانين إلى سنة تسعين وخمسمائة في سنة إحدى وثمانين: حصر (٧) السلطان صلاح الدين الموصل، وهو حصاره الثاني، فأرسل إليه عز الدين مسعود والدته وابنه عمه (٨) نور الدين محمود بن زنكي وغيرهما من النساء يطلبون منه ترك الموصل وما بأيديهم، فردّهم، واستقبح الناس ذلك من صلاح الدين لا سيما والشفعاء بنت نور الدين وأخوها ووالدة عز الدين (٩)، وحاصر الموصل وضايقها وبلغه وفاة شاه أرمن صاحب خلاط في ربيع الآخرة هذه السنة (١٠)، فسار عن الموصل إلى جهة خلاط وملكها.

стр. 9130

وفيها: توفي (١) نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا وآمد، ملك بعده ولده قطب الدين سقمان، وكان صغيرًا فقام بتدبيره القوام بن سماقا الأسعردي، وحضر سقمان إلى السلطان صلاح الدين وهو نازل على ميافارقين، فأقره على ما كان بيد والده نور الدين محمد بن قرا أرسلان، وأقام معه أميرًا من أصحاب والده. ملك صلاح الدين ميافارقين (٢): لما سار السلطان عن الموصل إلى خلاط، جعل طريقه على ميافارقين، وكانت لصاحب ماردين الذي توفي، وبها من يحفظها من جهة شاه أرمن صاحب خلاط المتوفى، فحاصرها السلطان وملكها في سلخ جمادى الأولى، ثم إن السلطان رجع عن قصد أخلاط إلى الموصل، فجاءته رسل عز الدين مسعود، يسأل الصلح، واتفق إنّ السلطان مرض ورجع من كفر زمار (٣) إلى حران، فلحقته رسل صاحب الموصل بالإجابة إلى ما طلب وهو أن يسلم صاحب الموصل إلى السلطان شهرزور (٤) وأعمالها، وولاية القرابلي وجميع ما وراء الزاب، وأن يخطب للسلطان صلاح الدين على جمع منابر الموصل، وان يُضرب اسمه على الدراهم والدنانير، وتسلم السلطان ذلك، واستقر الصلح، وأمنت البلاد، ووصل السلطان حران، وأقام بها مريضًا، واشتدَّ به المرض، حتى أنهم أيسوا منه ثم إنه عوفي، وعاد إلى دمشق في المحرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. ولما اشتد مرض السلطان سار ابن عمه محمد بن شيركوه صاحب حمص إلى حمص وكاتب بعض أكابر دمشق في أن يسلموا إليه دمشق إذا مات السلطان. وفيها (٥): ليلة عيد الأضحى شرب بحمص صاحبها ناصر الدين محمد بن شركوه بن شاذي، فأصبح ميتًا، قيل إن السلطان صلاح الدين دس عليه مَنْ سقاه سمًّا فمات لما بَلَغَهُ مكاتبة أهل دمشق في مرضه، ولما مات أقرّ السلطان حمص وما بيد

стр. 9131

محمد على ولده شيركوه، وعمره اثنا عشر سنة، وخلّف صاحب حمص شيئًا كثيرًا من الدواب والآلات وغيرها، فاستعرضها السلطان عند نزوله بحمص في عودته من حران، وأخذ أكثرها، ولم يترك إلا ما لا خير فيه. وفي سنة اثنتين وثمانين: أخضر (١) السلطان ولده الملك الأفضل (٢) من مصر وأقطعه دمشق، وسببه: أن الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخي السلطان كان نائب عمه بمصر، ومعه الملك الأفضل فأرسل الملك المظفر يشتكي من الأفضل: أنني لا أتمكن من استخراج الخراج لأنني إذا أَحْضَرْتُ مَنْ عليه الخراج وأردتُ عقوبته يطلقه الملك الأفضل، فأخرج السلطان ولده من مصر، وأقطعه دمشق، وتغيّر السلطان على تقي الدين في الباطن لأنه ظنّ أنّه أخرج الأفضل من مصر ليتملكها إذا مات السلطان، ثم أخضر أخاه العادل من حلب، وجعل معه العزيز عثمان (٣) ولده نائبًا عنه بمصر واستدعى تقي الدين من مصر، فتوقف عن الحضور، وقصد اللحوق بمملوكه قراقوش المستولي على بلاد برقة وإفريقية من المغرب، وبلغ السلطان ذلك فساءه، وأرسل يستدعي تقي الدين ويلاطفه، فحضر إليه ولما حضر تقي الدين عند السلطان زاده حماة وعليها (٤) منبج والمعرة (٥)، وكفر طاب (٦) وميافارقين وجبل جور (٧) بجميع أعمالها، واستقر العزيز عثمان ولد السلطان بمصر هو والعادل.

стр. 9132

ولما أخذ السلطان حلب من أخيه العادل عوّضه عنها حران والرها. وفيها: غَدَر (١) البرنس صاحب الكرك، وأخذ قافلة عظيمة من المسلمين وأسرهم، وأرسل السلطان يطلب منه إطلاقهم بحكم الهدنة التي كانت بينهم على ذلك فلم يفعل، فنذر (٢) السلطان أنّه أن ظفر الله به قتله بيده. وفيها: توفي البهلوان (٣) محمد بن الدكز صاحب بلد الجبل همدان والري وأصفهان وأذريبجان وأرانية، وغيرها من البلاد، وكان عادلًا حسن السيرة. وملك البلاد بعده أخوه قزل (٤) أرسلان «واسمه» (٥) عثمان، وكان السلطان طغريل بن محمد بن ملكشاه السلجوقي مع البهلوان، وله الخطبة في بلاده، وليس له من الأمر شيء، فلما مات البهلوان خرج طغريل عن حكم قزل، وكثر جمعه واستولى على بعض البلاد، وجرى بينه وبين قزل أرسلان حروب. وفي سنة ثلاث وثمانين: كانت مبادئ غزوات صلاح الدين وفتوحه ففيها جمع السلطان العساكر، وسار (٦) بفرقة من العسكر، وضايق الكرك، خوفًا على الحجاج من صاحب الكرك، وأرسل فرقة أخرى مع ولده الملك الأفضل، فأغاروا على بلاد عكا وتلك الناحية، وغنموا شيئًا كثيرًا، ثم سار السلطان ونزل على طبرية وحصر مدينتها وفتحها عنوةً بالسيف، وتأخرت القلعة، وكانت طبرية للقومص (٧) صاحب طرابلس وكان قد هادن السلطان، ودخل في طاعته، فأرسلت الفرنج إلى القومص القسوس والبطرك ينهونه على موافقة السلطان ويوبخونه، فصار معهم واجتمع الفرنج لملتقى السلطان

стр. 9133

فكانت وقعة حطين (١) وهي الوقعة العظيمة التي فتح الله بها الساحل وبيت المقدس. لما فتح السلطان طبرية اجتمعت الفرنج بفارسهم وراجلهم وساروا إلى السلطان، فركب السلطان من طبرية وسار إليهم يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر، والتقى الجمعان. واشتد بينهم القتال، فلما رأى القومص شدّة الأمر حمل على من قبله من المسلمين وكان هناك تقي الدين عمر صاحب حماة، فأفرج له ثم عطف عليه، فقتل ألف فارس من أصحابه، ونجا القومص من المعركة ووصل إلى طرابلس، وبقي مدة ومات غبنًا، ونصر الله المسلمين، وأحدقوا بالفرنج من كل جانب، وأبادوهم قتلًا وأسرًا، وكان من جملة من أسر ملك الفرنج الكبير (٢) والبنس أرناط صاحب الكرك، وصاحب جبيل «والهنفري بن الهنفري» (٣) ومقدم الدوية (٤)، وجماعة من الاسبتارية (٥)، وما أصيب الفرنج من حين خرجوا إلى الشام وهي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة بمصيبة مثل هذه الوقعة، ولما انقضى المصاف جلس السلطان، واحضر ملك الفرنج وأجلسه إلى جانبه، وكان الحر والعطش به شديدًا فسقاه ماءً مثلوجًا، فسقى ملك الفرنج منه البرنس أرناط صاحب الكرك، فقال له السلطان: إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فيكون أمانًا له، ثم كلّم السلطان البرنس ووبخه وقرّعه على غَدْرِهِ، وقصده الحرمين الشريفين، وقام السلطان بنفسه لضرب عنقه بيده فارتعدت فرائص ملك الفرنج فسكنه السلطان. ثم عاد السلطان إلى طبرية وفتح قلعتها بالأمان، ثم سار إلى عكا وحاصرها وفتحها بالأمان، ثم أرسل أخاه الملك العادل محاصر مجدل يابا (٦) وفتحه عنوة بالسيف ثم فرّق السلطان عساكره، ففتحوا الناصرة (٧) وقيسارية (٨).

стр. 9134

وحيفا (١) وصفورية (٢) ومعليا (٣) والفولة (٤) وغيرها من البلاد المجاورة لعكا بالسيف، وغنموا وقتلوا وأسروا أهل هذه الأماكن. وأرسل فرقة إلى نابلس ففتحوا قلعتها بالأمان، ثم سار الملك العادل بعد فتح مجدل يابا إلى يافا وفتحها بالسيف، وسار السلطان إلى تبنين (٥) وفتحها بالأمان، ثم سار السلطان الملك الناصر صلاح الدين صيدا (٦) فأخلاها صاحبها وتسلّمها السلطان ساعة وصوله لسبع بقين من جمادى الأولى هذه السنة، ثم سار إلى بيروت وحصرها وتسلّمها في التاسع والعشرين من جمادى الأولى بالأمان، وكان حصرها مدة ثمانية أيام، وكان صاحب جبيل من أعظم الفرنج وأشدّهم عداوة للمسلمين، ولم تكن عاقبة إطلاقه حميدة وأرسل السلطان من تسلّم جبيل وأطلقه (٧). وفيها: حضر (٨) المركيس في سفينة إلى عكا وهي للمسلمين، ولم يعلم المركيس بذلك واتفق هجوم (٩) الهواء، فراسل المركيس الملك الأفضل، وهو بعكا يقترح أمانًا (١٠)، فكتب له الملك الأفضل أمانًا فردّه يشترط فيه شروطًا، فأجيب إليها «فراسل الملك الأفضل يعلمه أن يدوس بساطه في يوم معلوم فيصير عليه الملك الأفضل» (١١)، فاتفق في ذلك اليوم تحرك الهواء، فأقلع المركيس إلى صور واجتمعت عليه الفرنج الذين بها، وملك صور، وكان وصول المركيس إلى صور وإطلاق الفرنج الذين أخذ السلطان بلادهم بالأمان ويطلقهم من أعظم أسباب الضرر التي حصلت حتى راحت عكا، وقوي الفرنج بذلك. ثم سار السلطان إلى عسقلان وحاصرها أربعة عشر يومًا وتسلّمها بالأمان، سلخ

стр. 9135

جمادى الآخرة، ثم بث السلطان عسكره ففتحوا الرملة والدارون (١) وغزّة وبيت لحم (٢) والنطرون (٣) وغير ذلك. ثم سار السلطان ونازل القدس، وبه من النصارى عدد يفوق الحصر، وضايق السلطان السور (٤) بالنقابين، واشتد القتال بينهم، وغلقوا السور، فطلب الإفرنج الأمان فلم يجيبهم السلطان إليه، وقال: لا آخذها إلا بالسيف، مثل ما أخذها الفرنج من المسلين فعاودوه بالأمان وعرفوه ماهم عليه من الكثرة، وأنهم أن أيسوا من الأمان قاتلوا خلاف ذلك، فأجابهم السلطان إليه بشرط أن يؤدي كل من بها من الرجال عشرة دنانير ومن النساء خمسة ومن الطفل دينارين، ومن عجز عن الأداء كان أسيرًا، فأجيب إلى ذلك وسلّمت إليه المدينة يوم الجمعة سابع وعشرين رجب، وكان يومًا مشهودًا. ورفعت الأعلام الإسلامية على أسواره، ورتب السلطان على أبواب البلد من يقبض منهم المال المذكور، فخان المرتبون في ذلك ولم يقبضوا (٥) منه إلا القليل، وكان على رأس قبة الصخرة صليب كبير مذهب، فتسلّق المسلمون، وقلعوه، وسمع بذلك ضجة عظيمة لم يُعهد مثلها المسلمين من الفرح والسرور، ومن الكفار التفجع والتوجع وكان الفرنج قد عملوا في الجامع الأقصى مستراحًا (٦)، فأمر السلطان إزالة ذلك وإعادة الجامع على ما كان عليه، وكان نور الدين محمود بن زنكي قد عمل منبرًا بحلب وتعب عليه مدة، وقال: هذا لأجل القدس، فأرسل صلاح الدين، أحضره من حلب وجعله في الجامع الأقصى، وأقام السلطان بعد فتوح القدس بظاهره إلى الخامس والعشرين من شعبان يدبر أمور البلد وأحواله، وتقدم بعمل الربط والمدارس للشافعية، ثم رحل إلى عكا، ومنها إلى صور، وصاحبها المركيس قد حصنها بالرجال وحفر خنادقها ونزل السلطان على صور تاسع شهر رمضان، وحاصرها وضايقها، وطلب الأصطول فوصل إليه في عشرة شوان (٧) فاتفق أن الفرنج كبسوهم وأخذوا خمسة شوان

стр. 9136

ولم يسلم من المسلمين إلا من سبح ونجا، وأخذ الباقون، فطال الحصار عليها، فرحل السلطان عنها في آخر شوال، وكان أول كانون الأول، وأقام بعكا، وأعطى العساكر الدستور، فسار كل واحد إلى بلده، وبقي السلطان بعكا في حلقته، وأرسل إلى هونين (١) ففتحها بالأمان. وفيها: سار (٢) شمس الدين بن محمد بن عبد الملك المقدم حاجًا، وكان هو أمير الحاج الشامي ليجمع بين الغزاة وزيارة القدس والجليل والحج في عام واحد. فسار ووقف بعرفات، ولما أفاض أرسل إليه مجير الدين طاشتكين أمير الحاج العراقي يمنعه من الإفاضة قبله، فلم يلتفت إليه، فسار العراقيون، وارتفعوا مع الشاميين فقتل منهم جماعة وابن المقدم يمنع أصحابه من القتال، ولو مكنهم لانتصفوا من العراقيين فجرح ابن المقدم ومات شهيدًا، ودفن بمقبرة المعلى. وفيها: قوي (٣) أمر السلطان طغريل ابن أرسلان شاه بن طغريل بن السلطان محمد بن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق وملك كثيرًا من البلاد، وأرسل قزل أرسلان بن الدكز يستنجد الخليفة، وخوفه عاقبة أمر طغريل. وفيها: سار (٤) شهاب الدين الغوري وغزا بلاد الهند. وفيها: قتل (٥) الخليفة الناصر أستاذ داره أبا الفضل مجد الدين بن الصاحب (٦)، ولم يكن للخليفة معه حكم، وظهر له أموال عظيمة، فأخذت جمعها. وفيها: استوزر (٧) الخليفة الناصر جلال الدين أبا المطهر عبيد اله بن يونس (٨)، ومشى أرباب الدولة في ركابه حتى قاضي القضاة.

стр. 9137

وفي سنة أربع وثمانين: شَتّى (١) السلطان في عكا، ثم سار بمن معه إلى كوكب (٢) وجعل على حصارها الأمير قيماز النجمي (٣)، وسار منها في ربيع الأول، ودخل دمشق وفرح الناس بقدومه، وكتب إلى الأطراف باجتماع العساكر، وأقام في دمشق خمسة أيام، وسار منها في ربيع الأول من السنة، ونزل على بحيرة مقدس غربي حمص وأتَتْهُ العساكر بها، فأولهم عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن اقسنقر صاحب سنجار ونصيبين، ولما تكاملت العساكر رَحَل ونزل تحت حصن الأكراد وشنَّ الغارات على بلاد الفرنج، وسار من حصن الأكراد فنزل على انطرسوس (٤) سادس جمادى الأولى (٥)، وتسلّمها ساعة وصوله، فجعل لحفظها الأمير سابق الدين بن عثمان ابن الداية صاحب شيزر، ثم سار السلطان إلى اللاذقية، ووصل إليها في رابع عشرين جمادى الأولى، ولها قلعتان، فحصر القلعتين، وزحف إليها، فطلب أهلها الأمان فأمنهم وتسلّم القلعتين، ولما تسلّمها سلّمها إلى أبن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، فحصنها وعمر قلعتها، وكان تقي الدين عظيم الهمة في تحصين القلاع والغرامة عليها، كما فعل بقلعة حماة، ثم رحل السلطان عن اللاذقية سابع عشرين جمادى الأولى إلى صهيون (٦) وحاصرها

стр. 9138

وضايقها، وطلب أهلها الأمان فلم يجبهم إلا على أمان أهل القدس فيما يودون، فأجابوا إلى ذلك، وتسلّم السلطان قلعة صهيون وسلّمها إلى أمير من أصحابه يقال له ناصر الدين منكورس (١) صاحب قلعة أبي قبيس، ثم فرق عسكره في تلك الجبال، فملكو حصن بلاطنس (٢)، وكان الفرنج الذين به قد هربوا وأخلوه وملكو حصن العبد، وحصن الجماهرتين (٣) ثم سار السلطان عن صهيون ثامن جمادى الآخرة. ووصل إلى قلعة بكاس (٤) وأخلاها أهلها وتحصنوا بقلعة الشُّغر (٥)، فحاصرها السلطان ووجدها منيعة، وضايقها، فأرمى الله في قلوبهم الرعب وطلبوا الأمان، وتسلّمها يوم الجمعة سادس جمادى الآخرة بالأمان، وأرسل السلطان ولده الملك الظاهر غازي صاحب حلب فحصر سرمينية (٦) وضايقها واستنزل أهلها على قطيعة قررها عليهم، وهدم الحصن، وعفى أثره، وكان في هذه وفي جميع الحصون المذكورة من المسلمين الجم الغفير، فأطلقوا وأعطوا الكسوة والنفقة. ثم سار السلطان من الشُّغر إلى برزية (٧)، ورتب عسكره ثلاثة فرق وداومها بالزحف وملكها بالسيف في السابع والعشرين من جمادى الآخرة، وسبى وقتل من أهلها غالبهم، قال ابن الأثير في الكامل (٨): كنت مع السلطان في فتحه لهذه البلاد طلبًا للغزاة، فنحكي ذلك عن مشاهدة، ثم سار السلطان ونزل على جسر الحديد وهو على العاصي بقرب أنطاكية، فأقام عليه أيامًا حتى تلاحق به من تأخر من العسكر، ثم سار إلى دربساك (٩) ونزل عليها من رجب هذه السنة، وحاصرها وضايقها وتسلمها بالأمان.

стр. 9139

على شرط إلا يخرج أحد منها إلا بثيابه فقط، وتسلمها تاسع عشر رجب، ثم سار إلى بغراس (١)، وحصرها وتسلّمها بالأمان على حكم أمان دربساك، وأرسل بيمند صاحب أنطاكية إلى السلطان يطلب منه الهدنة والصلح، وبذل إطلاق كلّ أسير عنده، فأجيب إلى ذلك، واصطلحوا ثمانية أشهر، وكان صاحب أنطاكية «حينئذ أعظم ملوك الفرنج في هذه البلاد، فإن أهل طرابلس سلّموا إليه طرابلس بعد موت القومص صاحبها على ما ذكرناه، فجعل بيمند صاحب أنطاكية» (٢) ابنه في طرابلس. ولما فرغ السلطان من هذه البلاد والهدنة سار إلى حلب ودخلها ثالث شعبان وسار منها إلى دمشق، وأعطى عماد الدين زنكي دستورًا، وكذلك أعطى غيره من العساكر الشرقية، وجعل طريقه لما رحل من حلب على قبر عمر بن عبد العزيز فزاره وزار الشيخ أبا زكريا المغربي، وكان مقيمًا هناك، وكان من عباد الله الصلحاء، وله كرامات ظاهرة، وكان مع السلطان الأمير أبو فليتة قاسم بن مهنا الحسيني (٣)، صاحب مدينة الرسول ﷺ ، وشهد معه مشاهده وفتوحاته، وكان السلطان يتبرك برؤيته، ويتيمن بصحبته، ويرجع إلى قوله. ودخل السلطان دمشق في رمضان فأشير عليه بتفريق العساكر ليريحوا ويستريحوا، فقال السلطان العمر قصير، والأجل غير مأمون، وكان السلطان لما سار إلى البلاد الشمالية قد جَعَل على الكرك وغيرها من يحصرها، وخلا أخاه العادل بتلك الجهات يباشر ذلك فأرسل أهل الكرك يطلبون الأمان، فأمر الملك العادل المباشرين لحصارها بتسلمها، فتسلّموها، وهي الكرك والشوبك (٤) وما بتلك الجهة من البلاد، ثم سار السلطان من دمشق المحروسة في منتصف رمضان إلى صفد وحصرها وتسلمها بالأمان. ثم سار إلى كوكب وعليها قيماز النجمي يحاصرها فضايقها السلطان وتسلّمها بالأمان في منتصف ذي القعدة، سير أهلها إلى صور، وكان اجتماع أهل هذه القلاع في صور من أعظم أسباب الضرر على المسلمين، ظهر ذلك فيما بعد.

стр. 9140

ثم سار إلى القدس فعيّد فيه عيد الأضحى، ثم سار إلى عكا فأقام بها حتى انسلخت السنة. وفيها: أرسل (١) قزل بن الدكز يستنجد بالخليفة الإمام الناصر على طغريل بن أرسلان بن طغريل بن محمد بن السلطان ملكشاه السلجوقي ويحذره عاقبة طغريل، فأرسل الخليفة عسكرًا إلى طغريل والتقوا ثامن ربيع أول هذه السنة، قرب همدان، فانهزم عسكر الخليفة، فغنم طغريل أموالهم وأسر مقدّمهم الوزير جلال الدين (٢). وفي سنة خمس وثمانين: سار (٣) السلطان صلاح الدين ونزل بمرج عيون (٤)، وحضر إليه صاحب شقيف أرنون (٥)، وبذل له تسليم (٦) الشقيف بعد مدة عينها (٧)، خديعة منه، فلما بقي للمدة ثلاثة أيام استحضره السلطان، وكان اسمه أرناط، وقال له في التسليم. فقال: لا يوافقني عليه أهلي وأهل الحصن، فأمسكه السلطان وبعث به إلى دمشق فحبس. وفيها: كان حصار الفرنج عكا (٨). كان قد اجتمع لصور أهل البلاد التي أخذها السلطان بالأمان، فكثر جمعهم حتى صاروا في عدد لا يُحصى، فأرسلوا إلى البحر يبكون ويستنجدون وصوروا المسيح وصوروا عربي يضرب المسيح، وقد أدماه، وقالوا: هذا نبي العرب يضرب المسيح فخرجت النساء من بيوتهنّ، ووصل من البحر عالم لا يُحصى كثرة، وساروا من صور إلى عكا ونازلوها في منتصف رجب هذه السنة، وضايقوا عكا وأحاطوا بسورها من البحر، ولم يبق للمسلمين إليها طريق، فسار السلطان ونزل قرب الفرنج، وقاتلهم في مستهل شعبان، وباتوا على ذلك وأصبحوا، فحمل تقي الدين عمر صاحب حماة من
следующие страницы →