← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

إطلاق أرغون وإقراره على خراسان فلم يجب أحمد إلى ذلك (وكانت) (١) خواطر المغُل قد تغيرت على أحمد بسبب إسلامه وإلزامه لهم بالإسلام، فاتفقوا على قتله، وقصدوا أرغون بالموضع الذي معتقل فيه. وأطلقوه، وكبسوا النَّاق (٢) نائب أحمد فقتلوه، ثم قصدوا الأردو فأحس بهم السلطان أحمد فركب وهرب فاتبعوه وقتلوه، وملكوا أرغون بن أبغا بن هولاكو، وذلك في جمادى الأول من هذه السنة. وفيها (٣): قتل أرغون الصبي سلطان الروم الذي أقامه البرواناه بعد قتله أباه حسبما تقدم ذكره في سنة ست وستين وستمائة، وكان اسم الصبي المذكور غياث الدين كيخسرو بن ركن الدين قليج أرسلان بن كيخسرو بن كيقباذ، وفوض اسم سلطنة الروم إلى مسعود بن عز الدين كيكاوس، وهو الذي جرى له مع الأشكري صاحب قسطنطينية ما قدمنا ذكره في سنة اثنين وستين، واستمر اسم سلطنة الروم باسم مسعود المذكور إلى قرب سنة ثمان وسبعمائة، وهو مسعود بن كيكاوس ابن كخسرو ابن كيقباذ ابن كخسرو ابن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان (بن سليمان) (٤) بن قطلومش بن أرسلان بيغو بن سلجوق، وهو آخر من سمي بالسلطنة من السلجوقية ببلاد الروم، وافتقر مسعود المذكور وانكشف حاله جدًا حتى قيل إنه تناول سمًا فمات لكثرة المطالبات من أرباب الديون (٥) والتتر. وفيها (٦): ولى أرغون سعد الدولة اليهودي، وعظمه ومكنه، وكان سعد الدولة في مبتدأ أمره دلالًا بسوق الصاغة بالموصل فحكم بسائر بلاد التتر فيها (٧): قرر أرغون ولديه قازان وخربندة بخراسان، وجعل أتابكهما، أميرًا كبيرًا من أصحابه اسمه نورود. وفيها (٨): مات الأشكري صاحب قسطنطينية، واسمه ميخائيل، وملك بعده ماندوسكوس (٩)، وتلقب بالدوقس. وفيها (١٠): كاتب الحكام بقلعة الكحنا قراسنقر نائب السلطنة بحلب، وسلموا الكحنا إليه، فجهز قراسنقر عسكرًا، وتسلموها، وقرر فيها نواب السلطنة وحصنها وصارت من أعظم الثغور الإسلامية نفعًا. وفي (١١) رجب: قدم السلطان إلى دمشق، وكان السيل العظيم في العشر الأول

стр. 9347

من شعبان، والسلطان قلاوون بدمشق، فأخذ السيل ما مر به من العمارات والآلات ما لا يحصى، فتوجه السلطان بعد ذلك إلى الديار المصرية، وذهب للعسكر النازلين على جوانب بردى من الخيل والخيم والجمال والرجال ما لا يحصى. وفي سنة ثلاث وثمانين: توفي (١) الملك المنصور، أبو المعالي محمد بن الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بعد عوده من خدمة السلطان من دمشق، وكان مرضه حمّى صفراوية داخل العروق، ثم صلح مزاجه بعض الصلاح، فأشار الأطباء بدخول الحمام فدخلها فعاده المرض، فأحضر الأطباء من دمشق، واشتدَّ به ذات الجنب وعالجته الأطباء فلم يفد شيئًا، وفي مدة مرضه عتق مماليكه، وتاب توبة نصوحة، وكتب إلى السلطان المنصور في إقرار ابنه الملك المظفر محمود في مملكته على قاعدته، واشتد مرضه، حتى توفي بكرة حادي عشر شوال من هذه السنة. وكانت ولادته في الساعة الخامسة من يوم الخميس لليلتين بقيتا من ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وستمائة فيكون عمره إحدى وخمسين سنة وستة أشهر وأربعة وعشرين يومًا، وملك حماه يوم السبت ثامن جمادى الأولى سنة اثنتين أربعين وستمائة، وهو (اليوم) (٢) الذي توفي فيه والده الملك المظفر محمود، فيكون مدة ملكه إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر وأربعة أيام. وكان أكبر أمانيه أن يعيش حتى يسمع جوابه من السلطان فيما سأله من إقرار حماة على ولده الملك المظفر محمود، فاتفق وفاته قبل وصول الجواب. وكان قد أرسل في ذلك على البريد مملوكه سنقر أمير أخور، فوصل بالجواب بعد موت الملك المنصور بستة أيام، ونسخة الجواب (٣) من السلطان بعد البسملة: المملوك قلاوون، أعز الله أنصار المقام العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري الناصري، ولا عدمه الأنام، ولا فقدته السيوف والأقلام، وحماه من أذى داء، وعود عواد وإلمام (آلام) (٤)، المملوك يجدد الخدمة التي كان يود تجديدها

стр. 9348

شفاهًا، ويصف ما عنده من الآلام لما ألم بمزاجه (الكريم) (١) حتى أنه لم يكد يفتح بحديث (٢) فاها، ولما وقفنا على كتاب المولى (٣)، المتضمن مرض الجسد المحروس، وما انتهى إليه الحال، كادت القلوب تنشق، والنفوس تذوب حزنًا، والرجاء من الله أن يتداركه بلطفه، وأن يمن بعافيته التي رفع بها يديه، وبَسَطَ بها كفّه، وهو يرجو من كرم الله تعالى معاجلة الشفاء ومداركة العافية، الموردة بعد الكَدَر مورد الصفاء، والله تعالى يفسح في عمر (٤) المولى، ويهبه العمر الطويل. وأما الإشارة الكريمة إلى ما ذكره من الحقوق التي يوجبها الإقرار (٥)، والعقود التي آمن بدورها من الأسرار (٦)، نحن بحمد الله فعندنا تلك العهود ملحوظة، وتلك المودات محفوظة فالمولى يعيش قرير العين، فما ثم إلا ما يسره من إقامة مقامه، ولا يحول ولا يزول ولا يرى على ذلك ذلّة، ولا ذهول، ويكون المولى طيب النفس مستديم الأنس، بصدق العهد القديم، وبكل ما يؤثر من خير مقيم. ولما وصل الكتاب اجتمع لقراءته الملك الأفضل والملك المظفر، وعلم الدين سنجر المعروف بأبي خوص وقرئ عليهم، فتضاعف سرورهم بذلك (٧). وكان الملك المنصور صاحب حماة المذكور ذكيًا فطنًا محبوب الصورة، وكان له قبول عظيم عند ملوك الترك، وكان حليمًا إلى الغاية، يتجاوز عما يكره (ويكتمه) (٨) ولا يفضح قائله. من ذلك أن الظاهر بيبرس قدم مرة إلى حماة ونزل بالديار المعروفة الآن بدار المبارز، فرفع إليه أهل حماة عدة قصص يشكون على الملك المنصور، فأمر الملك الظاهر دواداره سيف الدين بلبان الرومي أن يجمع القصص ولا يقرأها ويضعها في منديل ويحملها إلى الملك المنصور صاحب حماة، فحملها الدوادار المذكور، وأعطاها للملك المنصور، قال: إنه والله لم يطلع السلطان (يعني) (٩) الملك الظاهر على قصة منها، وقد حملتها إليك، فتضاعف دعاء الملك المنصور لصدقات الملك الظاهر، وأخذ القصص، فقال بعض الجماعة سوف نرى من تكلم بما لا ينبغي ما لا

стр. 9349

يلقى، وتكلّموا بمثل ذلك، فأمر الملك المنصور بإحضارنا، وحرق جميع تلك القصص، ولم يقف على شيء منها، لئلا يتغيّر خاطره على رافعيها وله مثل ذلك كثير ﵀. ولما (١) بلغ السلطان الملك المنصور قلاوون وفاة الملك المنصور صاحب حماة قرر ابنه الملك المظفر محمود (٢) ملك حماة على قاعدة والده، وأرسل إلى عمه الأفضل وإلى أولاده التشاريف مكاتبة إلى الملك المظفر بذلك. وَوَصلَتْ التشاريف، ولبست في العشر الأخير من شوال في هذه السنة. وكانت نسخة الكتاب بعد البسملة (٣): المملوك قلاوون أعز الله نصرة المقام العالي المولوي السلطاني الملكي المظفري التقوي، ونزع عنه لباس البأس، وأَلْبَسَهُ حلل السعد المجلوة على أعين الناس، وهو يخدم خدمه بولاء قد تببّسَتْ عُيُونه وتأسست مبانيه، وتناسبت ظنونه، وحلت رهونه وحلت ديونه، وأثمرت غصونه وزهت أفنانه. ومنها: وقد سيرنا المجلس السامي جمال الدين أقوش الموصلي الحاجب، وأصحبناه في الملبوس الشريف ما يغير به لباس الحزن وتنجلي في مطالعه ضياء وجه الحسن، وينجلي بذلك غيوم تلك الغموم، وأرسلنا أيضًا صحبته ما يلبسه هو وذووه كما يبدو البدر بين النجوم. وآخر الكتاب: وكتب في عشرين شوال سنة ثلاث وثمانين وستمائة. وكان وقع الاتفاق عند موت الملك المنصور على إرسال علم الدين سنجر أبي خرص الحموي لأجل هذا المهم فلاقى سنجر المذكور جمال الدين الموصلي بالخلع في أثناء الطريق، فاستمر أبو خرص واصلًا إلى الأبواب العالية وتلقاه السلطان بالقبول وأعاده بكل ما يجب، وقال: نحن واصلون إلى الشام ونفعل مع الملك المظفر فوق ما في نفسه، فعاد سنجر أبو خرص إلى حماة ومعه هذا الجواب.

стр. 9350

وفي صفر سنة أربع وثمانين: كان (١) ركوب الملك المظفر صاحب حماة بشعار السلطنة بدمشق المحروسة، وذلك إن السلطان الملك المنصور قلاوون وصل في أواخر المحرم إلى دمشق وسار الملك المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل ووصلا إليه إلى دمشق فأكرمهما السلطان إكراما كثيرا، وأرسل إلى الملك المظفر في اليوم الثالث من وصوله التقليد بسلطنة حماة والمعرة وبارين والتشريف، وهو أطلس (٢) أحمر فوقاني بطراز زركش وسنجاب ودايرة قندس (٣) وقباء (٤) أطلس أصفر تحتاني وشاش تساعي وكلوته (٥) زركش وحياصة (٦) ذهب، وسيف محلى بالذهب، وتلكش (٧) وعنبرينا وثوب بطرز مذهبة، ولباس وأرسل شعار السلطنة وهو سنجق (٨) بعصائب سلطانية، وفرس بسرج مذهب، ورقبة وكنبوش، وأرسل الغاشية السلطانية فركب الملك المظفر، ولبس شعار السلطنة، وحضرت أمراء السلطان، ومقدموا عساكره، وساروا معه من الموضع الذي كان فيه، وهو داره المعروفة بالحافظية داخل باب الفراديس بدمشق المحروسة إلى أن وصل إلى قلعة دمشق، ومشت الأمراء في خدمته، ودخل الملك المظفر إلى عند السلطان، وأكرمه وأجلسه إلى جانبه على الصراحة، وطيب خاطره، وقال له: أنت ولدي، وأعز من الملك الصالح عندي، فتوجه إلى بلادك، وتأهب لهذه الغزاة المباركة، فأنتم من بيت مبارك، ما حضرتم مكانا إلا وكان النصر معكم. فعاد الملك المظفر وعمه الأفضل إلى حماة وعملا أشغالهما، وتأهبا للسير إلى خدمة السلطان ثانيا. ثم (٩) سار السلطان بعد وصوله إلى دمشق بالعساكر المصرية والشامية ونازل حصن المرقب في أوائل ربيع الأول هذه السنة، وهو حصن للاسبتار في غاية العلو والحصانة، لم يطمع أحد من الملوك الماضين في فتحه، ولما زحف العسكر عليه أخذ.

стр. 9351

الحجارون النقوب، ونصبت عليه عدة مجانيق كبارًا وصغارًا، ولما تمكنت النقوب من أسوار (١) القلعة طلب أهلها الأمان فأجابهم السلطان إلى ذلك رغبة في إبقاء عمارته، فإنه لو هدمه وأخذه بالسيف كان حصل التعب في عمارته، فأعطاهم الأمان على أن يتوجهوا بما يقدرون على حمله غير السلاح، وصعدت السناجق السلطانية (٢) على حصن المرقب المذكور، وتسلّمه في الساعة الثامنة من يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول من سنة أربع وثمانين، وكان يومًا مشهودًا أخذ فيه الثأر من بيت الاسبتار، ومميت آية الليل بآية النهار. ومن كتاب كتبه شيخنا أبو الثناء (٣) في فتح المرقب: وقد علم المجلس أمر هذا الحصن، فإنه طالما (٤) شحت الأحلام أن تخيله (٥) لمن سلف من الملوك في المنام، فكم قصده ذو جنود ماه الفرق، وما بلله دونه الغمام، فلولا سرعة عودِهِ أَدركه الغرق. قد سما في السماء بمناكبه ونازع فلك علوي الرياح ولا يخاف الجناح في العجز ما لدى على الغمام، ولفح مثل السهام، فكان بها مثل الحنون، فأصبحت وهن جثث القتلى عليها تمام وصبت عليها المجانيق أبعد من أمسها وأسد العدى، فأعلمتهم أنها لا تطيق الدفاع عن غيرها فكيف عن نفسها، وبسطت أكفها إمارة على الإذعان. ورفعت أصابعها إما إجابة إلى التشهد، وإما إنابة إلى طلب الأمان، فخاف الفرنج من ظفر هذا الاستظهار، وعلموا أن المجانيق المنصورة فحول تثبت لها الإناث التي بأيديهم، فاستعانوا عليهن مع العدى لطول الخدار، فجعل كمن يكون الأراقم وساسان الضراغم، هذا إلى ( … ). ومذ دبّت في هذا الحصن دبيب السقام، وتمشت في مفاصله كما يتمشى في مفاصل شاربها المدام، وحسد طالعه نارًا

стр. 9352

تشبه نار النوى تحرق الأحشاء ولا تبدوا ضِرام، وهجمت عليه الجيوش هجوم الحتوف وأسرعت (المصا والانفصا) (١)، فلم ير العدى أهم أم أم بأيديهم السيوف، فعاذوا عن نسيمها ذات الجناح، وحوله من الأودية خنادق لا تُعلَمُ منها الشهور إلا بأنصافها، ولا تُعرف فيها الأهلة إلا بأوصافها، وقد تقرَّط (٢) بالنجوم وتَقَرْطَقَ (٣) بالغيوم، وسما فرْعُهُ إلى السماء، ورَسَى أَصْلُهُ في النجوم، مرر عليه الجو عجيب غمامه، ويفتر ثغره كلما حزر (٤) عنه البرق فاضل لثامه فحين بر الله الجيوش المنصور، ذلت صعابه واسحلت عقابه، فتبادرت إليه تختال من دروعها في أبهى حلل، وتسارعت نحوه تسبق سهامها التي هي أسرى وأسرع من الأجل، ففي الحال، ضربت عليه من الحتومات سورًا باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب. ووصدت حوله من الأسنة ثغورًا براقة المنايا ولكنها غير عذاب. وأرسلت من القلعة من سهامها بالأمان. ولسبوا بساحل العفو حين ظنوا أنهم أحيط بهم وجاءهم الموج من كل مكان. وساعة تسطيرها، علت الأعلام المنصورة على ذلك المرقب الذي لا تتطاول إليه … وأحان الله لفتحه الأيام، فنصر أهل الجمعة يوم الجمعة على أهل الأحد. وأمر (٥) السلطان فحمل أهل المرقب إلى مأمنهم، ثم قرر أموره ورحل عنه إلى الوطأة بالساحل، وأقام بمروج بالقرب من موضع ويسمى برج القرفيص، ثم سار السلطان، ونزل تحت حصن الأكراد، ثم سار ونزل على بحيرة حمص وهي بحيرة قدس. وفي (٦) نزوله على حمص جاءت البشارة بمولد مولانا السلطان الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين محمد بن قلاوون من زوجة السلطان، وهي بنت سكتاي بن قراجين بن جنعان، وسكتاي المذكور ورد الديار المصرية هو وأخوه قرمشي سنة خمس وسبعين وستمائة، صحبة بيجار الرومي في الدولة الظاهرية، فتزوج الملك المنصور قلاوون ابنة سكتاي المذكور في سنة ثمانين وستمائة بعد موت أبيها المذكور بولاية عمها القرمشي وتضاعف السرور بذلك، ثم عاد السلطان إلى الديار المصرية، وأعطى للملك المظفر عند رحيله من حمص دستورًا فعاد إلى حماة.

стр. 9353

وفي سنة خمس وثمانين: أرسل (١) السلطان عسكرًا كثيفًا مع نائب السلطنة حسام الدين طرنطاي (٢) المنصوري، وأمر بمنازلة الكرك، فسار إليها وحاصرها وتسلمها بالأمان، وأقام فيها نواب السلطنة، وعاد وصحبته أصحاب الكرك نجم الدين خضر وبدر الدين سلامش، ولدا الملك الظاهر بيبرس، فأحسن السلطان إليهما، ووفى لهما بأمانه، وبقيا على ذلك مدة، ثم بلغه عنهما ماكره واعتقلهما، وبقيا في الحبس حتى توفي، فنقل خضر وسلامش إلى قسطنطينية. وفي سنة ست وثمانين: كان (٣) السلطان قد جهز عسكرًا مع مملوكه حسام الدين طرنطاي فنزلوا على صهيون، فنصب المجانيق وحاصرها، فأجاب صاحبها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى تسليمها بالأمان، وحلف له حسام الدين طرنطاي، فنزل سنقر الأشقر، وسلم صهيون في ربيع الأول. فتسلمها طرنطاي، وأكرم سنقر الأشقر غاية الإكرام، ثم سار حسام الدين طرنطاي إلى اللاذقية، وكان فيها برج الافرنج يحيط به البحر من جميع جهاته، فركب طريقًا في البحر بالحجار إليه، وحاصر البرج المذكور، وتسلّمه بالأمان وهدمه، ثم بعد ذلك توجّه إلى الديار المصرية، وصحبته سنقر الأشقر، ولما وصلا إلى قرب قلعة الجبل ركب السلطان الملك المنصور قلاوون، والتقى مملوكه حسام الدين طرنطاي وسنقر الأشقر، وأكرمه، ووفى له بالأمان، وبقى سنقر الأشقر محترمًا مع السلطان إلى أن توفي السلطان وملك بعده ولده الأشرف. وفيها: نزل (٤) تدان منكو بن طغان بن باطو بن دوش خان بن جنكيز خان عن مملكة التتر الشمالية، وأظهر التزهد والانقطاع إلى الصلحاء، وأشار أن يملكوا ابن أخيه تلابغا بن منكوتمر بن طغان المذكور، فملكوه.

стр. 9354

وفيها: أرسل (١) السلطان الملك المنصور عسكرًا مع علم الدين سنجر المسروري المعروف بالخياط، متولي (٢) القاهرة إلى النوبة، فساروا إليها، وغزوا وغنموا وعادوا. وفي سنة سبع وثمانين: توفي (٣) الصالح علاء الدين علي بن الملك المنصور، وهو الذي جعله ولي عهد وسَلْطَنَه في حياته، فوجد عليه وجدًا عظيمًا، وكان مرضه بالدوسنطرية، وخلف ولدًا اسمه موسى. وفي سنة ثمان وثمانين: خرج (٤) السلطان بالعساكر المصرية في المحرم، وسار إلى أن نازل مدينة طرابلس الشام يوم الجمعة، مستهل ربيع الأول، ويحيط البحر بغالب هذه المدينة، وليس عليها قتال في البر إلا من جهة الشرق، وهو مقدار قليل. ولما نازلها السلطان نصب عليها عدّة مجانيق كبارًا وصغارًا، ولازمها بالحصار، واشتد عليها القتال، حتى فتحها يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر بالسيف، ودخلها العسكر عنوة، وهرب أهلها إلى الميناء فنجى أقلهم في المركب، وقتل غالب رجالها، وسبيت ذراريهم، وغنم منها المسلمون غنيمة عظيمة، ولما فرغ حصار الطرابلس المذكور، أمر بها السلطان فهدمت، ودكت إلى الأرض، وكان في البحر قريبًا من طرابلس جزيرة وفيها كنيسة تسمى كنيسة سنطماس وبينها وبين طرابلس المينا، فلما أخذت طرابلس هرب إلى الجزيرة المذكورة وإلى الكنيسة التي بها عالم عظيم من الفرنج، فاقتحم العسكر الإسلامي البحر وعبروا بخيولهم سباحة إلى الجزيرة فقتلوا الجميع من بها من الرجال، وسبوا النساء والصغار، وأخذوا المال، ثم عاد السلطان إلى الديار المصرية، وأعطى صاحب حماة دستورًا فعاد إلى بلده. وفيها: مات (٥) قتلاي خان بن طلو بن جنكيز خان، وكانت قد طالت مدته، وجلس بعده ولده شرمون في ملك التتر بالصين.

стр. 9355

وفي سنة تسع وثمانين: في سادس ذي القعدة: توفي (١) الملك المنصور قلاوون، وذلك أنه خرج من مصر بالعساكر عازمًا على فتح عكا، وبرز إلى مسجد التبن (٢) فابتدى مرضه بالعشر الأخير من شوال بعد نزوله في الدهليز، وأخذ المرض يتزايد به حتى توفي يوم السبت سادس ذي القعدة بالدهليز. وكان جلوسه في الملك يوم الأحد ثاني عشرين رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة، فيكون مدة ملكه نحو أحد عشر سنة وثلاث شهور وأيامًا، وخلف ولدين وهما الملك الأشرف صلاح الدين خليل والسلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد، وكان الملك المنصور رجلًا مهيبًا حليمًا قليل سفك الدماء، كثير العفو، شجاعًا، فتح الفتوحات الجليلة، مثل المرقب وطرابلس التي لم يخسر أحد من الملوك مثل صلاح الدين وغيره على التعرض إليهما لحصانتهما، وكسر جيش التتر على حمص وكانوا في مائتي ألف فارس (٣). ولما توفي السلطان جَلَسَ في الملك بعده ولده السلطان الملك الأشرف وذلك في سابع ذي القعدة صبيحة اليوم الذي توفي فيه والده، ولما استقر الملك الأشرف في المملكة قَبَضَ على حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة في يوم الجمعة ثاني عشر ذي القعدة فكان آخر العهد به (٤)، وفوّض نيابة السلطنة إلى بدر الدين بيدرا (٥) والوزارة إلى شمس الدين (محمد) بن السلعوس (٦).

стр. 9356

ودخلت سنة تسعين: فسار (١) السلطان الملك الملك الأشرف بالعساكر إلى عكا فتوجه المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل صحبته إلى حصن الأكراد، وساقوا منه منجنيقًا عظيمًا يسمى المنصوري حمل مائة عجلة، وكان المسير (٢) بالعجل في أواخر فصل الشتاء، واتفق وقوع الأمطار والثلوج بين حصن الأكراد ودمشق، فحصل بسبب ذلك شدّة عظيمة، والحاصل إنه اجتمع على عكا من المجانيق الصغار والكبار ما لم يجتمع على غيرها، وكان نزول العساكر الإسلامية عليها في أوائل جمادى الأولى. واشتد عليها القتال، ولم يغلق الفرنج غالب أبوابها، بل كانت مفتوحة، وهم يقاتلون فيها، وكانت منزلة الحمويين برأس الميمنة. وكانت على جانب البحر على اليمين (٣) إذا واجه الشخص عكا، فكان يحضر المراكب المقببة بالخشب. الملبس جلود الجواميس، والفرنج من تحتها يرمون بالنشاب والجروخ، وأحضروا بطسة، وفيها منجنيق يرمي به على المسلمين وعلى خيامهم من جهة البحر حتى اتفق في بعض الليالي هبوب رياح قوية، فاندفع المركب وانحط بسبب الموج، فانكسر المنجنيق الذي في المركب، فانحطم، وكان المسلمون قد قاسوا منه شدّة عظيمة وخرج الفرنج في أثناء مدة الحصار بالليل وكبسوا العسكر، فهزموا اليزكية واتصلوا إلى الخيام، وتعلقوا (٤) بالأطناب، ووقع منهم فارس في جوة (٥) مستراح بعض الأمراء، فقتل هناك، وتكاثرت عليهم العساكر فولى الفرنج منهزمين إلى البلد، وقتل عسكر حماة عدة منهم م (٦)، فلما أصبح الصباح علق الملك المظفر (٧) من رؤوس الفرنج في رقاب خيولهم التي كسبها العسكر منهم، وأحضر ذلك إلى السلطان الملك الأشرف واشتدت مضايقة العسكر لعكا، حتى فتحها الله لهم في يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الآخرة بالسيف. ولما هجمها المسلمون هرب من أهلها جماعة في المركب وكان بداخل البلدة عدة أبرجة عاصية بمنزلة قلاع دَخَلَها عالم عظيم من الفرنج، وتحصنوا بها، وقتل المسلمون وغنموا من عكا شيء يفوت الحصر من كثرته، ثم استنزل السلطان جميع من عصي

стр. 9357

بالأبرجة، ولم يتأخر منهم أحد وأمر بهم فضربت أعناقهم عن آخرهم حول عكا، وأمر بمدينة عكا فهدمت إلى الأرض ودكت دكًا (١). وفي هذا الفتح يقول شيخنا أبو الثناء (٢) يمدح الملك الأشرف: [البسيط] الحمد لله ذلت دولة الصلب … وعز بالنصر (٣) دين المصطفى العربي هذا الذي كانت الأملاك (٤) لو طلبت … رؤياه في النوم لاستحيت من الطلب ما بعد عكا وقد هُدَّتْ قواعِدُها … في البحر للشرك عن البر من إرب (٥) عقيلةٌ ذَهَبَتْ أيدي الخطوب بها … دَهْرًا وشدّت عليها كف مغتصب لم يبق بعدها للكفر إذْ (٦) خَرُبَتْ … في البر والبحر ما ينجي سوى الهرب كانت تخيلها (٧) آمالنا وترى … أن التفكر فيها غاية (٨) العجب أمّ الحروب فكم قد أنْشَأَتْ فِتَنًا … شاب الوليد بها هولًا ولم تشب سوران بر و بحر حول ساحتها … دار وادناهما أنا من القطب خرفاء أمْنَع سُرَيْها وأَحْصَنَهُ … غلب (٩) الكماة وأقواه (١٠) على النوب مصفح بصفاح حولها شرفٌ … من الرماح وأبراج من اليلبِ مثل الغمائم تهدى من صواعقها … بالنبل أضعاف ما تهدي من السحب كأنما كل برج حوله فَلَك … من المجانيق ترمي الأرض بالشهب ففاجأتها جنود الله يَقْدِمُها … غضبانُ لله لا للملك والنشب كيت أبي أنْ يَرُدّ الوجه عن أُمَمٍ … يَدعون ربَّ الورى (١١) سبحانه بأب (١٢) تسنحوها فلم يترك ثباتهم … في ذلك الأفق برجًا غير منقلب

стр. 9358

تسلَّمُوها فلم تخلُ الرّقابُ بها … من فتكِ مُنتَقِمٍ أو كفُّ مُنتَخَبِ (١) أموا (٢) حماها، فلم تمنع، وقد وثبوا عنها مَجانيقُهم شيئًا ولم يثب يا يوم عكا (لقد) (٣) أُنسيتَ ما سَبَقَتْ … به الفتوح (٤) وما قد خُطَّ في الكُتُبِ لم يبلغ الخلق (٥) حدَّ الشُّكرِ فيك فما … عسى (٦) (يقوم به) (٧) ذو الشِّعرِ والخُطَبِ كانت تُبْنى بك الأحكام عن أُمَمٍ (٨) … والحمدُ للهِ شاهدناك عن كُتُبِ أَغْضَبْتَ عِبادَ عيسى إذْ أَبَدْتَهُمُ … وكم له (٩) من رضا في ذلك الغَضَبِ وأَطْلَعَ الله جيش النصر فابتدَرَتْ طلائع الفتح بين السُمُر (١٠) والقُضُبِ وأشرف المُصطفى الهادي البَشيرُ على … ما أسلف الأشرفُ السلطان من قُرُبِ فقرَّ عينًا بهذا الفتح وابتَهجَتْ ببُشرِهِ (١١) الكعبةُ الغَرّاء في الحُجُبِ وسار في الأرض مَسْرَى الرّيحِ سَمِعْتُهُ … فالبَرُّ في طَرَبٍ والبحرُ في حَرْبِ (١٢) وخاضت البيض في بحر الدماء فما أيدت من البيض الأساق (١٣) مُختَضِب وغاض زُرْقُ القَنا في زُرْقِ أَعْيُنِهِمُ … كأنها شَطَنٌ (١٤) تَهْوى إلى قُلُبِ توقدت وهي توري (١٥) في نحورِهمُ … فزادَها الرَّيُّ في الإِشراق واللهب أَجْرَتْ إلى البحر بحرًا من دمائِهمُ … فراح كالراحِ إذْ غُرْقاهُ كالحَبَبِ (١٦) وذاب في حَرِّها عنهم حَدِيدُهُمُ … فقيدتهم بهِ ذُعْرًا يَدُ الرَّهَبِ تَحَكَّمَتْ (١٧) فَسَطَتْ (١٨) فيهم قَواضِبُها … قتلًا (١٩) وعَفَتْ (٢٠) لِحاديها عن (٢١) السَّلَبِ كم أَبْرَكَتْ (٢٢) بَطَلًا كَالطَّودِ قد بَطَلَتْ (٢٣) إقعاده فغدا كالمنزل الخَرِب كأَنهُ وسِنانُ الريحِ (٢٤) يطْلُبُهُ … بُرجٌ هوى ووارَه كوكبُ الذَّنَبِ

стр. 9359

بشراك يا ملك الدنيا لَقَدْ شَرُفَتْ … بك الممالك واستعلت (١) على الرتب مابعد عكا وقد لانَتْ عريكتها … لديك شيء تلاقيه على تعب فانهض إلى الأرض فالدنيا بأجمعها … مدّت إليك نواصيها بلا نَصَبِ كم قد دَعَتْ وهي في أَسْرِ (٢) العدى زمنًا (٣) … صيد الملوكِ فَلَمْ تُسْمَعْ ولم تجبِ أتيتها (٤) يا صلاح الدين معتقدًا … بأنَّ ظن (٥) صلاح الدين لم يخب أسَلْتَ فيها كما سالت دماؤهم … قبل إحرازها نهرًا (٦) من الذهب أدركت ثأر صلاح الدين عندهم (٧) … منه بسر طواه الله في اللقب (٨) وجئتها بجيوش كالسيول على … أمثالها بين أجام من القصب وحطتها (٩) بالمجانيق التي وقَفَتْ … أمام أسوارها في جَحْفَل لجب مرفوعة (١٠) نصبوا أضعافها فغدا (١١) … للكسر والحكم منها كلّ منتصب (١٢) وبعد صيحتها بالزحف فاضطربت … رعبًا وأبْدَتْ بخديها إلى الترب (١٣) وغنت البيض في الأعناق فارتَقَصَتْ … أبراجها (١٤) لَعِبًا منها مع اللعب وخَلَّقَتْ (١٥) بالدم الأسوار فابْتَهَجَتْ … طيبًا ولولا دماء القوم لم تطب وأبرزت كل خُود كاعب نثرت … لها الرؤوس (١٦) وقد زُفَتْ بلا طَرَب (١٧) ظنوا بيوت البروج (١٨) الشمّ تَعْقلهم … فاستَعْقَلْتهم فلم تطلق من النوب (١٩) فأحرزتهم (٢٠) ولكن للسيوف لكي .. لا يلتجي أحد منهم إلى الهرب وجالت (النار) (٢١) في أبراجها وغلَتْ … فأطْفَأَتْ ما بصدر الدين من كرب أضْحَتْ أبا لهب تلك البروج وقد … كانت بتعليقها حمالة الحطب وأفلت البحر منهم من يخير من (٢٢) … يلقاه من قومه بالويل والحرب

стр. 9360

وتمت النعمة العظمى وقد كملت (١) … بفتح صور بلا حصر ولا نصب أختان في أن كلا منهما جمعت … أختان بالكفر لا أختان في النسب (٢) لما رأت أختها بالأمس قد خربت … كان الخراب لها أعدى من الجرب إن لم يكن تم لون البحر منصبغا … بها إليها وإلا ألسن اللهب فالله أعطاك ملك البحر وابتدأت (٣) … لك السعادة ملك البر فارتقب (٤) من كان مبدأه عكا وصور معا … فالصين أدنى إلى كفيه من حلب فلا برحت عزيز النصر (٥) مبتهجا … بكل فتح قريب المنح مرتقب وكتب ابن عبد الظاهر (٦) إلى الملك الأشرف في فتح عكا من قصيدة: أيها السامعون فتح صلاح الدين … هذا فتوحه قد أعيدا قد رعى في فتوحها لأبيه … ولكل من في الأنام عهودا أنجدته ملائك وملوك … كثرت عسكرا له وجنودا تجعل الكفر في العقوب دفينا … وتعيد الإيمان خلقا جديدا كم بها غلاظ شداد تجعل … الناس والحجارة وقودا ومجانيق لا تمل صدودا … وثقوب ما إن تمل ورودا كم لهم أرسلت وقالت ملو … أو قد تكونوا حجارة أو وقودا لم يكن للصليب نطق لنادى … أنت يا منجنيق أصلب عودا كل هذا بسعد أشرف ملك … زانه الله بسطه وسعودا ولما فتحت (٧) عكا ألقى الله في قلوب الفرنج الذين بساحل الشام رعبا، فأخلوا صيدا وبيروت، وتسلمها الشجاعي في أواخر رجب. وكذلك هرب أهل مدينة صور، فأرسل السلطان وتسلمها، ثم تسلم عثليث (٨) في مستهل شعبان، ثم تسلم

стр. 9361

أنطرسوس في خامس شعبان. واتفق لهذا السلطان من السعادة ما لم يتفق (لغيره) (١) من فتح هذه البلاد العظيمة الحصينة بغير قتال ولا تعب، وأمر بها فهدمت عن آخرها، وتكاملت (٢) بهذه الفتوحات جميع البلاد الساحلية، وكان أمرًا عجيبًا لا يُطْمَعُ فيه ولا يرام (٣)، وتطهر الشام والسواحل من الفرنج بعد أن كانوا قد أشرفوا على أخذ الديار المصرية وعلى ملك دمشق وغيرها من الشام، فلله الحمد والمنة على ذلك. ثم رحل (٤) الملك الأشرف ودخل دمشق وأقام مدةً، ثم عاد إلى الديار المصرية، ودخلها في هذه السنة. ولما (٥) كان الحصار لعكا سعى علم الدين سنجر الحموي المعروف بأبي خرص بين السلطان وبين حسام الدين لاجين (٦) نائب السلطنة بالشام، وقصد أن يهرب وعلم به السلطان، فقبض عليه وعلى أبي خرص، وقيدهما وأرسلهما محبسًا. وفيها: ولى (٧) الملك الأشرف علم الدين الشجاعي نيابة السلطنة بالشام موضع حسام الدين لاجين. وفي ربيع الأول: مات (٨) أرغون بن أبغا ابن هولاكو بن طلو بن جنكيز خان ملك التتر، وكان مدة ملكه سبع سنين. ولما مات ملك بعده أخوه كيختو بن أبغا، وخلّف أرغون ولدين هما قازان وخربندا، وكانا بخراسان. ولما تولّى كيختو فحش في الفسق واللواط بأبناء المغل بأبغضوه على ذلك. وفسدت نياتهم عليه. وفيها: قتل (٩) تلابغا بن منكوتمر بن طغان بن باطو بن دوشي خان بن جنكيز

стр. 9362

خان وقد تقدم ذكر ملكه في سنة ست وثمانين وستمائة. قته نغية وجلس بن مُغل بن ططو بن دوشي خان بن جنكيز خان. ولما قتل تلابغا، أقام نغيه بعده طقطغا بن منكوتمر أخا تلابغا المذكور، ورتب نغية أخوة طقطغا بن منكوتمر معه، وهم (برلك) (١) وصراي بغا وتدان. وفي أوائل سنة تسعين: تكملت (٢) عمارة قلعة حلب، وكان قد شرع قراسنقر في عمارتها في أيام المنصور، فتمت في أيام الأشرف (فكتب عليها اسمه، وكان قد ضربها هولاكو لما استولى على حلب في) (٣) سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكان لبثها على التخريب نحو ثلاث وثلاثين (سنة) بالتقريب. سنة إحدى وتسعين وست مئة إلى سنة سبع مئة وفي سنة إحدى وتسعين: سار (٤) الأشرف من مصر إلى الشام، وسار المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل إلى خدمته (والتقياه بدمشق، وسارا في خدمته) (٥) وسبقاه إلى حماة، واهتم الملك المظفر في أمر الضيافة والإقامة والتقدمة. ووصل السلطان إلى حماة، وضرب دهليزه بشماليها عند ساقية سلمية، ومدَّ له المظفر سماطًا عظيمًا بالميدان، ونَصَبَ خيامًا تليق بالسلطان، ونزل السلطان بالميدان، وبسط بين يدي فرسه عدّة كثيرة من الشقق الفاخرة ثم دخل السلطان الملك الأشرف إلى دار الملك المظفر، بمدينة حماة، فبسط الملك المظفر بين يدي فرسه بساطًا ثانيًا، وقعد السلطان بالدار، ثم دخل الحمام، وخرج، وجلس على جانب العاصي، ثم راح إلى الطيارة التي على سور باب النقفي المعروفة بالطيارة الحمراء، فقعد فيها، ثم توجه من حماه، وصاحب حماة وعمه في خدمته إلى المشهد، ثم إلى الحمام والزرقا بالبرية، فصاد شيئًا كثيرًا من الغزلان وحمير الوحش، وأما العساكر فسارت على السكة إلى حلب، ثم وصل السلطان إلى حلب، وتوجه منها

стр. 9363

إلى قلعة الروم، ونازلها في العشر الأول من جمادى الآخرة من هذه السنة، وهي حصن على جانب الفرات في غاية الحصانة، ونصب عليه المجانيق، وهذا الحصار أيضًا من جملة الحصارات التي كانت منزلة الحمويين على رأس الجبل المطل على القلعة من شرقيها، واشتدت مضايقتها ودام حصارها حتى فتحت بالسيف في يوم السبت حادي عشر رجب هذه السنة، ونهب ذراريهم، واعتصم كيناغيلوس خليفة الأرمن المقيم فيها في القلعة، وكذلك اجتمع بها من هرب من أهل القلعة، فبرز مرسوم السلطان، إلى صاحب حماة أن يرمى عليهم بالمنجنيق لإشرافه عليهم، فلما وتر (١) المنجنيق ليرمي عليهم طلبوا الأمان من السلطان، فلم يؤمنهم إلا على أرواحهم خاصة، وأن يكونوا أسرى، فأجابوا إلى ذلك، وأخذ كيناغيلوس خليفة الأرمن وجميع من كان (بقلة القلعة) أسرى عن آخرهم. ورتب السلطان علم الدين سنجر الشجاعي، وعمرها وحصنها إلى الغاية. وفي هذا الفتح يقول شيخنا أبو الثناء (٢) الكاتب الحلبي يمدح الملك الأشرف (٣): [الطويل] لك الراية الصفراء يقدمها النصر … فمن كيقباذ إن رآها وكيخسرو إذا (٤) خَفَقَتْ في الأفق هدب بنودها هوى (٥) … الشرك واستعلى الهدى وانجلى الكفر وإن نشرت مثل الأصائل في وغى … جلا الفَقْعُ من لألاء طلعتها البدر وإن يُممت زُرْقُ العدى سار تَحْتها … كتائب خضر دوحها البيض والسمر كأن مثار النقع ليل وخفقها … بروقٌ وأنت البدر والفلك والجتر لها كل يوم أين ساروا لواؤها … هدية تأييد يقدمها النصر وفتح أتى في إثر فتح كأنما … سماء بَدَتْ تترى كواكبها الزهر فكم وطئت طوعًا وكرهًا معاقلًا … مضى الدهر عنها وهي عانسة بكر بذلت لها عزمًا فلولا مهابة … كستها (٦) الحيا جاءتك تسعى ولا مهر (٧) فإن رمت حصنًا سابقتك كتائب … من الرعب أو جيش يقدمه النصر (٨)

стр. 9364

ففي كل قطر للعدى وحصونهم … من الخوف أسياف تجرّد أو خضر فلا حصن إلا وهو سجن لأهْلِهِ … ولا جَسَدٌ إِلا لأَرْواحِهِمْ قَبْرُ يظنُّون أن الصبح في طُرَّةِ الدجى … عجاج تراءت فيه أسيافك الحُمْرُ قصدت حمى من قلعة الروم لم تُبحْ … لغيرك إذ غرتهم المغل فاغتروا ووالوهم سرًا ليخفوا أذاهم … وفي آخر الأمر استوى السر والجهر وما المغلُ أكفاء فكيف سواهم … ولكنّه غزو وكلّهم كفر (١) وأيضًا لارغام التتار الذي بهم … بمسكهم إذ فهرهم لهم قهر صرفت إليهم همةً لو صرفتها … إلى البحر لاستولى على مده الجزر ففروا ومن كان يرجو نصرهم … والوالقد غروهم ولقد بروا (٢) ووالوا وقد ضاق الفضاء عليهم … إلى أن غدوا في الضيق كالخاتم البر تخطفهم (٣) أطراف جيشك كلما سروا … وأسروا وعاينوا عَلَمًا فسروا (٤) وما قلعةُ الرُّوم التي حُزْتَ فَتْحَها … وإنْ عَظُمَتْ إلا إلى غيرها جسر طليعة ما يأتي من الفتح بعدها … كما لاح قبل الشمس في الأفق الفجر محجبة بين الجبال كأنّها … إذا ما تَبَدَّى (٥) في ظهائرها سر تفاوت وصفاها (٦) فللموت فيهما … مجال (٧) وللنسرين بينهما وكر (٨) فبعض رسا حتى علا الماء فوقه … وبعض سما حتى همى دونه القطر يحيط بها نهران تبرز فيهما … كما لاح يومًا في قلائده النحر وبعضهما العذب الفراتُ وإنه … لتحصينها كالبحر دونه البحر سريع يفوت الطرف جريًا وعده … كريح سليمان التي يومها شهر لها قلّة لم نرض سقيًا فراتها … وفي روضها ماء المجرة ينجر مخاض (٩) منون السحب فيها كأنها … إذا ما استدارت حول أبراجها نَهْرُ على هضب صم (١٠) يكلّم صخرها ال … سديد وفيها عن إجابَتِهِ وَقْرُ لها طرق كالوهم أعيا سلوكها … على الكفر حتى ما يخيلها الفكر (١١)

стр. 9365

إذا خَطَرتْ فيها الرياح تعثّرتْ … أو الذرُّ يومًا زل عن متنها الذرُّ يظلُّ القطا فيها ويخشى عقابها العقاب … ويَهْفُوا في مراقيها النسر (١) فصبحتها بالجيش كالروض زهرة (٢) … صوارِمُهُ أنهاره والقنا الزهر وأبْعَدْتَ بل كالبحر والبيض موجة … وجرد المذاكي (السفن) والخود الدر (٣) وأَغْرَبْتَ بل كالليل عوج سيوفُهُ … إهلتُهُ والنبل أنْجُمُهُ الزهر وأخطأت لا بل كالنهار شموسُهُ … محيّاك والآصال راياتك الصفر ليون من الأتراك أجامها (٤) القنا … لها في كل يوم في ذرى ظفر ظفر فلا الريح تسري بينهم لاشتباكها … عليهم ولا ينهل من فوقهم قطر غيوث إذا الحرب العوان تعرضت … لخطابها بالنفس لم يُغْلِها مَهْرُ ترى الموت معقود بهدب نبالهم … إذا ما رماها القوس والنظر الشزر ففي كل سرح غصن مهفهف … وفي كل قوس مده ساعد بدر إذا صدموا (٥) شم (٦) الجبال تزلزلَتْ … وأصْبَحَ سهلًا تحت خيلهم الوعر ولو وَرَدَتْ ماء الفرات خيولُهُم … لقيل هُنا قد كان فيما مضى نَهْرُ إذا رأوا بها (٧) سورًا فأضحت كخنصر … لذي خاتم أو تحت منطقة خَصْرُ وأرخوا إليها من بحار أكفّهم … سحاب ردى لم يخل من قطره قطر كأن المجانيق التي قمن حولها … رواعد سخط وَيْلُها النار والصَخْرُ أقامت صلاة الحرب ليلًا صخورها … فأكثرها شفع وأقلها (٨) وتر لهم أسهم مثل الأفاعي طوالُها … قواتِلُ إلا أن أكثرها (٩) البتر سهام حَلَتْ سهم اللحاظ لفتكها … وما فارقت جفنًا وهذا هو السحر تزور كناسًا عندهم أو كنيسةً … فلادمية تبدي حذارًا ولا حذر ودارت (١٠) بها تلك النقوب فأشْرَقَتْ … وليس عليها في الذي فَعَلَتْ حَجْرُ فأضحت بها كالصب يخفي غرامه … حذار أعاديه وفي قلبه جمرُ

стр. 9366

وشبَّتْ بها النيران حتى تمزَّقَتْ … وباحث بما أَخْفَتْهُ وانهتك الستر ولاذوا بذيل العفو منك ولم يَخِب … رجاؤهم لو لم يكن قصدهم مكر (١) أَمَرْتَ اقتدارًا منك بالكف عَنْهُمُ … ليلًا يرى في غدرهم لهم عذر (٢) فراموا به أمرين تستر ما وهي (٣) … من السُّور أو عود التتار وقد فَرُّوا لهم ويلهم إنَّ التتار الذين رجوا … إعانتهم لم يحو هاربهم فقر (٤) ألم يسمعوا أَوَلَمْ يروا حال فعلهم … بحمص وقد أفناهم القتل والأسر إن اندملت تلك الجروح فإنهم … إذا (٥) ذكروا ما مر ينقضها الذكر وما كره الملك (٦) اشتغالك عنهم … بما عندنا فروا ولكنهم سروا فأحرزتهم (٧) بالسيف قهرًا وهكذا … فتوحك فيما قد مضى كله قَسْرُ غَدَتْ بشعار الأشرف الملك الذي … له الأرض دارًا وهي من حُسْنِهَا قَصْرُ فأَضْحَتْ بحمد الله ثغرًا ممتعًا … تبيد الليالي بالعدى وهو يَفْتَرُّ (٨) وكانت قذى في ناظر الدين فانجلى … وَذُخْرًا لأهل الشرك فانعكس الأمر فيا أشرف الأملاك بشراك غزوة … يخصك منها الفتح والذكر والأجر ليهنك عنه المصطفى إن دينَهُ … توالى له في يمن دولتك النصر وبشراك أرضَيْتَ المسيح وأحمدًا … وإن غَضَبَ التكفور من ذاك والكفر فَسِرْ حيثما تختار فالأرض كلُّها … بحكمِكَ والأمصار أجمعها مصر ودم وابق للدنيا ليحيى بك الهدى … ويزهى على ماضي العصور بك العصر (٩) فلله في تخليد ملكك نعمة … عليك وآلاء يضيق بها الشكر ورجع (١٠) الملك الأشرف إلى حلب، ثم إلى حماة، وقام الملك المظفر بوظائف خدمته، ثم توجه السلطان إلى دمشق، وأعطى الملك المظفر صاحب حماة الدستور، فأقام ببلده، ودخل السلطان دمشق، وصام بها رمضان ثم سار بعد العيد إلى الديار المصرية. وفيها: هرب (١١) حسام لاجين المنصوري الذي كان نائبًا بالشام من دمشق لما

стр. 9367

وصل السلطان (عائدًا) (١) من قلعة الروم، وكان السلطان قد اعتقله لما كان نازلًا على حصار عكا، ثم أفرج عنه في أوائل هذه السنة. وسار مع السلطان إلى قلعة الروم، ثم عاد معه إلى دمشق، فحصل بينهما وحشة، فهرب منه إلى جهة الغرب، فَقَبَضُوهُ وأَحْضَرُوهُ إلى السلطان، فبعث به إلى قلعة الجبل بديار مصر، فحبس بها. وفيها (٢): استناب السلطان بدمشق عز الدين أيبك (٣) الحموي، وعزل علم الدين سنجر الشجاعي. وفيها (٤): عزل قراسنقر المنصوري من نيابة حلب، واستصحبه معه عند عوده من قلعة الروم، وولى موضِعَهُ على حلب سيف الدين بلبان الطباخي، وكان المذكور نائبًا بالفتوحات، ومقامه بحصن الأكراد، وولى الفتوحات والحصون طغريل الإيغاني، ثم عزله بعد مدة، وولى موضعه عز الدين أيبك الخازندار المنصوري. ولما وصل (٥) الأشرف إلى مصر قبض على شمس الدين سنقر الأشقر وجرمك وكان قد قبض على طقصو (٦) بدمشق فخنقهم عن آخرهم (٧). في سنة اثنتين وتسعين: أرسل الأشرف (٨)، أحضر المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل على خيل البريد، فتوجهما وعندهما خوف عظيم بسبب ذلك، ووصلا إلى قلعة الجبل في اليوم الثامن فشملتهما الصدقات السلطانية، وأمر بهما فأدخلا إلى الحمام بقلعة الجبل وخلع عليهما ملابس كثيرة، غير ثياب الطريق، وأقاما في الخدمة أيامًا، ثم خرج السلطان على

стр. 9368

الهجن إلى جهة الكرك، وسارَتْ العساكر على الطريق إلى دمشق، وأركب صاحب حماة وعمه الهجن، ورسم لها (بما يليق بهما)، وسارا في خدمته إلى الكرك ولاقتهما تقادمهما إلى بركة زيراء (فقدماها) وقبلها السلطان، وأنعم عليهما ودخل دمشق، ثم سار منها إلى البرية متصيدًا، ووصل إلى الفرقلس، وهو جفار في طريق حمص من الشرق، ونزل عليه، وحضر إلى الخدمة هناك مهنا بن عيسى أمير العرب وأخواه محمد وفضل وولده موسى بن مهنا، فقبض السلطان على الجميع وأرسلهم إلى مصر، فحبسوا (١) بقلعة الجبل،، ووصل السلطان إلى القصب وأعطى صاحب حماة الدستور، فحضر إلى بلده، وأما عمه الأفضل، فإنه كان قد حصل له تشويش لما كان السلطان بحنيجل وما حواليها (فأعطاه السلطان الدستور، وأرسل إلى السلطان) تقدمةً ثانية، ولم يقدر على الحضور بسبب مرضه، فأحضرت والسلطان نازل على القصب، فقبلها وارتحل عائدًا إلى مصر فوصل إليها في رجب. وفي هذه السنة (٢): [كان] قد أحضر بعد العسكر المصري إلى حمص فتقدم إليهم [والي] صاحب حماة وعمه [الملك الأفضل] (٣) بالمسير إلى حلب والمقام بها، لما في ذلك من إرهاب العدو، فسارت [العساكر] (٤) إليها، وخرج المظفر وعمه الأفضل من حماة يوم الجمعة خامس عشرين شعبان ودخلوا حلب يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شعبان (٥)، الموافق الرابع شهر آب، وأقاموا بها في أوائل ذي الحجة هذه السنة أعني سنة اثنين وتسعين وستمائة) (٦). سنة ثلاث وتسعين وستمائة في ثاني المحرم: فتكوا (٧) بالسلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون بتروجة (٨) وهو يتصيّد وليس معه سيف، ولا معه أحد سوى أمير شكار (٩)، فتعامل نائبه بيدرا ولاجين، فشدّ بيدرا وأفصله لاجين، ثم سموا بيدرا الملك القاهر، وأقبلوا به

стр. 9369

يملكوه، فحمل عليه كتبغا بالخاصكية، فقتلوه من الغد واختفى لاجين، وقراسنقر وجماعة وخلفوا لمولانا السلطان الملك الناصر ناصر الدين خلد الله (ملكه) (١) وهو ابن تسع سنين، وأهلك الوزير ابن السعلوس (٢) تحت الضرب، وقتل الشجاعي (٣)، وكان قد عزم على أن يتملّك، فلم يتم له، وعمل نائبه السلطان أيده الله تعالى زين الدين كتبغا، وركب في دست السلطنة، وتدبير البلاد، ثم بعد أشهر ظهر حسام الدين بن لاجين (٤)، وشفع فيه كتبغا، فأنعم عليه السلطان وأعطاه خبز مكتوب العلائي. وكانت دولة الأشرف ثلاث سنين وشهرين، وعاش أزيد من ثلاثين سنة بقليل، وكان بديع الجمال، تام الشكل ضخمًا، مهيبًا، مستدير اللحية، كامل الشجاعة، عالي الهمة، يملأ العين، ويُرجف القلب، خَضَعَتْ لَهُ الملوك ودانت له الأمم. وكان بيدرا من أكبر (أمراء) (٥) دولة السلطان الملك المنصور، ومن أعز الناس على أستاذه، ثم اتخذه الأشرف الشهيد نائبًا فكافأه. وكان بيدرا يرجع في الجملة إلى دين وعدل، عاش نيفًا وثلاثين سنة. وكان الشجاعي طويلًا تام الهيئة، أبيض، أسود اللحية، ومهيبًا وقورًا، فيه عَسْف وجبروت، وعنده خبرة بالأمور وفطنة، ودخل طلبة في غزاة قلعة الروم وهو في محمل عظيم لا ينبغي أن يكون إلا لسلطان. وفيها: مات ابن ابغا (٦) بن هولاكو طاغية التتار. تسلطن بعد موت أرغون سنة تسعين، ومالت طائفة إلى بيدرو ابن أخيه ما هو بن أخيه بل لسبب له بعده فملكوه، ووقع الخلف بينهم، ثم قوي بيدو، وقاد الجيوش، فالتقى الجمعان، فقتل كيختو، واستقل بيدو بالممالك. فخرج عليه نائب خراسان غازان بن أرغون، وجمع الجيوش، فَطَلَبَ المُلْكَ. وفيها: مات قاضي القضاة بدمشق، شهاب الدين، أحد الأعلام، محمد بن (٧)

стр. 9370

قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن الخليل، الخويي الشافعي، وله سبع وستون سنة. سنة أربع وتسعين وستمائة: في المحرم: ذهب مولانا السلطان ناصر الدين إلى الكرك، وأعرض عن الملك وتسلطن (١) زين الدين كتبغا التركي، المغلي، المنصوري، ولقب بالملك العادل، وزينت البلاد، وقد جاوزت الأربعين، وهو من سبي وقعة حمص الأولى في سنة تسع وخمسين. وكان من أكابر أمراء المنصورية، وصيّر نائبه حسام الدين لاجين المنصوري، وكسر النيل السنة عن نقص كبير، فخاف الناس، وغَلَتِ الأسعار. وفيها: دخل (٢) ملك التتار غازان بن أرغون في الإسلام، وتلفظ بالشهادتين بإشارة نائبه نوروز، ونثر الذهب واللؤلؤ على الخلق، وكان يومًا مشهودًا ثم لقيه نوروز شاه من العراق ودخل رمضان فصامه وفشا الإسلام في التتار. وفيها: توفي خطيب دمشق ومفتيها أحمد (٣) بن أحمد المقدسي، وقد نيف عن السبعين. وشيخ المشايخ عز الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي، الفاروقي (٤)، المقرئ المفسر الواعظ، الخطيب في (ذي) الحجة بواسط، وله ثمانون سنة. وشيخ الحرم الفقيه الحافظ، محب الدين أحمد (٥) بن عبد الله الطبري، وصنف الأحكام عن تسع وسبعين سنة. وسلطان إفريقية المستنصر بالله عمر بن يحيى بن عبد الواحد الخفقاتي وكان ملكه

стр. 9371

أحد عشر سنة (١). وفيها: توفي صاحب اليمن السلطان الملك المظفر شمس الدين يوسف (٢) ابن السلطان عمر بن علي بن رسول التركماني، وكانت دولته تسعًا وأربعين سنة، وعاش أزيد من ثمانين سنة. سنة خمس وتسعين وستمائة: كان القحط المفرط (٣) بمصر، وبلغ الأردب مائة وستون درهمًا. وأكلوا الجيف، وعظم الوباء، ومات الخلق في الطرق جوعًا وهلاكًا. وبلغ الخبز كل خمس أواق بالدمشقي بدرهم، وكان الغلاء بدمشق بَلَغَتْ الغرارة مائة وخمسين درهمًا، ويقال: أحصى من مات بمصر والقاهر في مدة شهر صفر فزادوا مائة ألف، ثم بلغت الغرارة مائة وثلاثين درهمًا، وانصلح أمر مصر في جمادى الأولى (٤)، الناس (٥) وانحطت الأسعار. وفي ذي القعدة: قدم (٦) السلطان الملك العادل، زين الدين، وزينت دمشق، وصلى الجمعة بالمقصورة، وكان أسمرًا، مغليًا قصيرًا، في ذقنه شعرات قليلة، وعنقه قصير، وكان يوصف بالشجاعة والإقدام والدين التام، وسلامة الباطن، ذو رأي وحزم، وخلع على الخطيب بدر الدين بن جماعة، وزار المصحف العثماني، وصلى على يمينه الشيخ حسن (٧) بن الحريري وعن شماله صاحب حماة (٨)، وتلى ابن الحريري نائب المملكة حسام الدين لاجين، ثم نائب دمشق عز الدين الحموي، ثم بدر الدين بيسري، ثم قراسنقر المنصوري. ثم لعب بالكرة، واستناب على دمشق مملوكه غرلو. وفيها: مات شيخ الحنابل بمصر العلامة نجم الدين أحمد (٩) بن حمدان الحراني

стр. 9372

في صفرن وله اثنان وتسعون سنة. وقاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن (١) ابن قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز الشافعي بمصر كهلًا. وشيخ الحنفية الصاحب العلامة محي الدين محمد (٢) بن يعقوب بن النحاس الأسدي الحلبي بالمزة، وله إحدى وثمانين سنة. وشيخ الحنابلة العلامة زين الدين المنجا، (٣) التنوخي، وله أربع وستون سنة. سنة ست وتسعين وستمائة: في أولها (٤) رجع السلطان العادل من حمص وجلس بدار العدل، وتناول من الناس القصص بيده، وصلى الجمعة، وزار قبر هود، ثم زار قبر مغارة الدم، ثم سافر، فلما كان آخر المحرم، غلقت قلعة دمشق وتهيأ غرلو، وجمع الأمراء وركبوا من باب النصر، فوصل قبل العصر السلطان في خمس مماليك، وقد زالت دولته فدخل القلعة، وضربت البشائر، وصوده القلعة بوادي فحمة أن نائب السلطنة الحسام لاجين ركب وقتل الأميرين بتحاص وبكتوك الأزرق وكانا جناحي العادل، فلما سمع بخطبه ركب فرس النوبة وساق إلى دمشق وتبعه خمسة فقط، وساق حسام الدين الخزائن والجيش، وركب تحت العصائب في دست السلطنة، فبايعوه كلهم، ودخل إلى مصر، وزينت البلاد. وأما العادل، فإنه أقام ثلاثة عشر يومًا، ثم صحت بدمشق الأخبار بسلطنة حسام الدين، ثم بعد ذلك بعشرة أيام قدم كجكُنْ (٥)، فنزل بالصات (٦)، وأعلن باسم المولى

стр. 9373

السلطان حسام الدين، فسارع إليه أمراء دمشق، وأذعن العادل بالطاعة، وسلّم نفسه، فاعتقلوه، في مكان بالقلعة، وضُرِبت البشائر، ثم اجتمعت القضاة والنائب غرلو وأظهر السرور أنا (١) السلطان حسام الدين هو الذي عينني لنيابة دمشق، وإلا فأستاذي استصغرني عن ذلك. وفي تاسع عشر صفر: ركب السلطان بمصر بقلعة الحاكم بأمر الله، ثم حرك كتبغا إلى صرخد، ثم في ربيع الأول وصل قبجق (٢) على نيابة دمشق، وناب بمصر قراسنقر المنصوري، ثم بعد أشهر أمسك وناب منكوتمر الحسامي وعمل وزارة مصر والشد (٣) شمس الدين الأعسر (٤)، ثم في أواخر العام أمسك وصودر. وفيها: مات محدث، مصر، جمال الدين أحمد (٥) بن محمد بن الظاهري، الحافظ وله سبعون سنة. والقاضي تاج الدين عبد الخالق (٦) بن عبد السلام الشافعي، ببعلبك وله ثلاث وسبعون سنة. سنة سبع وتسعين وستمائة: فيها: قبض على البيسري أكبر أمراء الدولة. وفيها: قَدِم الدواداري (٧) بعسكر، فسار ببعض الشاميين، فنزلوا حصون سيس، فأخذوا قلعة مرعش في رمضان، ودقت البشائر. وفي شوال: فتحو قلعة خميص وقلعة بخيمة. وفيها: قبض بمصر على عزل الدين أيبك الحموي، الذي كان نائب دمشق.

стр. 9374

وفيها: مات مسند العراق الكمال عبد الرحمن (١) بن عبد اللطيف المقري المكثر شيخ المستنصرية/ ٣٨٠/. ولد ثمان وتسعون سنة. سنة ثمان وتسعين وستمائة: توجست نفوس الدولة بما يفعله منكوتمر من إمساك وسقى بعضهم وذهب نائب دمشق قبجق بالعساكر فنزلوا بأرض حمص وهناك بكتمر السلحدار بطائفة من المصريين فتكلموا في مصلحتهم (٢)، وأن منكوتمر لا يفتر منهم، فاتفقوا على المسير إلى قازان ملك التتار لعلمهم بإسلامه فسار من حمص المذكوران والبكي ونزلا نحو أصهم فأخذوا على ناحية سلمية وعبروا الفرات، فلم يكن بعد عشرة أيام من مسيرهم إلا وقد جاء البريد لصلة السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري، وقتله منكوتمر، وعلم الأمراء المخامرون بقتلهما وهم بأرض سنجار، وفات الأمر وأحضروا (٣) مولانا السلطان من الكرك وله أربع عشر سنة، وتسلم السلطنة وخلعوا له، ثم قتل طغجي وكرجي، وكان ممن قتل المنصور ونائبه ثم ناب بمصر سيف الدين سلار والأتابك هو حسام الدين استاددار، وركب السلطان أيده الله في دست المملكة بالخلعة وتقليد الخليفة. وجاء على نيابة دمشق جمال الدين أقوش الأفرم، ثم أخرج الأعسر وولي الوزارة، وأخرج قراسنقر وأعطي قلعة الصبيبة، ومات بالحبس البيسري الصالحي (٤)، وكان كبير الشأن، موصوفًا بالشجاعة، وممن يذكر للسلطان وعمل له العزاء تحت قبة النسر، فحضره سند دمشق ناصر الدين عمر بن القواس، وله ثلاث وتسعون سنة (٥)، وشيخ العربية بمصر بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن النحاس الحلبي (٦) عن إحدى وسبعين سنة والعلامة جمال الدين محمد (٧) بن سليمان بن النقيب، البلخي ثم

стр. 9375

المقدسي، صاحب التفسير الكبير. وصاحب حماة الملك المظفر محمود (١) بن المنصور، وكانت دولته خمس عشرة سنة، مات في ذي القعدة، فأعطيت جمال الدين قراسنقر، فسار إليها من الصبيبة. وكان حسام الدين لاجين أشقرًا روميًا، طويلًا، مهيبًا، موصوفًا بالشجاعة والإقدام فيه دين وعقل. وكانت دولته سنتين وثلاث شهور. ركب (٢) يوم الخميس وهو صائم، فلما كان بعد العشاء وهو على السجادة يلعب بالشطرنج مع أمير وعنده بريد البدوي والقاضي حسام الدين الحنفي، فحكى القاضي قال: رفعت رأسي، فإذا ستة أسياف نازلة على السلطان. قلت: بدأ كرجي مقدم فضربه بالسيف حل كتفه، وأسرعوا إلى منكوتمر فقتلوه. وكان السلطان من أبناء الخميسين سنة. وفيها: مات ببغداد ياقوت المستعصمي (٣) الرومي صاحب الخط البديع. سنة تسع وتسعين وستمائة: وصل الأمراء قبجق وبكتمر السلحدار والبكي إلى خدمة قازان، فأكرمهم وقصد الشام، وعلم بقتل صاحب مصر ونائبه، واضطراب الأمور، فأقبل (٤) في جيش عظيم وعدا الفرات، وخرج السلطان أيده الله فكان المصاف في السابع والعشرين من ربيع الأول بوادي الخزندار على ثلاثة فراسخ من حمص وكانت ملحمة عظيمة قتل فيها فوق عشرة آلاف من التتار. ولاحت أمارات النصر، وثبت السلطان بمماليكه ثباتًا كليًا، ثم انكسرت ميمنة المسلمين وكان العدو ثلاثة أضعافهم، فتحيز السلطان بمن ثبت معه، وساروا على ناحية البقاع، واستولى قازان، وقضي الأمر. ثم دخلت التتار دمشق، وشرعوا في المصادرة والعسف ونهبوا الصالحية، وسبوا أهلها، وتغير الخلق، ووقع الحريق من صاحب سيس والكفرة، فأحرقوا جامع العُقَيْبيّة وعدة أماكن، وحاصروا القلعة، وعملوا المجانيق والنقوب. فأحرق أهل القلعة دار السعادة، ودار الحديث،

стр. 9376

والعادلية والنورية، وخربت تلك الناحية كلها، فهرب أهلها، وبقي باب البريد اصطبلًا فيه الزبل نحو ذراع، ثم أذن/ ٣٨٢/ قازان وكان نازلًا بالمرج بجيشه في نهب دمشق، وبات الخلق في ليلة الله بهم عليم، ثم أن الله لطف وألقى في قلب قازان أن أمر بالكف عن دمشق، وصمم على ذلك وأخَذَ من مثل الوجيه بن المنجا وطبقته سبعون ألفًا، ويلحقها من الترسيم للمغل تتمة مائة ألف. وعلى الطبقة الثانية من الرؤساء ثلاثون ألفًا، حتى أخذ من الفاملة واللحامين، فحكى الوجيه بن منجا (١): إن الذي حمل إلى خزانة قازان ثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف سوى التراسيم فيكون نحو الربع من ذلك، واتصل إلى () (٢) شيخ الشيوخ فرتب الستمائة ألف، وأسروا من الصالحية نحو الأربعة آلاف نسمة، وقتلوا بها نحو الثلثماية أكثرهم في التعذيب على المال، ودخل الباقون في جوع وعري وبرد مفرط، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلقد جرى ما لا يُعَبَّر عنه، وَغَلَتْ الأسعار، وافتقر خلق، ثم ترخَّلَتْ التتار من الشام بالسبي والمكاسب وقد استغنوا، وجعلوا قبجق نائبهم بدمشق، ومعه بكتمر السلحدار، وعجزوا عن القلعة سلّمها الله بعزم متوليها الأمير علم الدين أرجواش (٣) والله يرحمه ودامت التتار بالشام نحو أربعة أشهر، ثم إن السلطان أيده الله دَخَل مصر بجيوشه المصرية والشامية، وقد ذهب رخم (٤) وأثقالهم وتلفت أكثر خيلهم وتضعضعوا كثيرًا، ونقصوا وتفرقوا، ففتح بيوت الأموال، وأنفق في الجيش نفقة ما سمع بمثلها قط، كان يعطي الجندي خمسين دينارًا، فشرعوا في شراء ما يصلحهم من الخيل والعدد حتى بيع الشيء بأضعاف أمثاله، ثم خرجت العساكر إلى الشام مع سلار، فبادر إلى خدمته قبجق وبكتمر والبكي، فصفح عنهم السلطان، وأعطى قبجق الشوبك، فذهب إليها، وقدم جيش دمشق ونائبها الأفرم في عاشر شعبان، ثم قدمت جيوش مصر مع سلار والحسام استاددار وأمير سلاح/ ٣٨٣/ فنزلوا بالمرج، ثم إنهم رجعوا بعد شهر. وفيها: مات خلق من مشايخ دمشق منهم: المسند شرف الدين أحمد (٥) بن هبة الله بن عساكر وله خمس وثمانون سنة.

стр. 9377

وقاضي الشام إمام الدين عمر (١) بن عبد الرحمن القزويني الشافعي، مات منجفلًا بمصر وله ست وأربعون سنة. والأمير الكبير فخر المحدثين مقدم الجيوش، علم الدين سنجر (٢) الدواداري الصالحي وهو في عشر الثمانين. ونائب طرابلس سيف الدين (٣) كرت المنصورين استشهد بوادي الخزندار. وشيخ المغرب الواعظ القدوة أبو محمد عبد الله (٤) بن محمد المرجاني بتونس. سنة سبعمائة كثرت (٥) الأراجيف لمجيء التتار وانجفل الناس، واشتد الأمر ووصل السلطان إلى العريش، ووصل غازان إلى حلب، مستهل جمادى الأولى، والناس في حال لا يعلمها إلا الله، ثم وصل بكتمر السلحدار بألف فارس ورجع السلطان، وانجفل الغني والفقير، ومروا إلى دمشق في الأسواق، ويقول (٦): لعودكم؟ من قدر على السفر فليبادر، ثم نودي بذلك في دمشق، وصاح النساء والأطفال، وأغلق البلد، وازدحم الخلق بالقلعة، واقتسموا طرقها بالسير، ثم بعد يومين خرجوا من شدة الحرج والضنك، وسافر أعيان البلد. وفي تاسع عشر الشهر: وقع نزل حماة عبارة التتار فكسروهم، وقتلوا نحو مائة، وصَحّتْ الأخبار برجوع قازان من حلب، فَبَلُغَ الناس ريقهم. وترجوا كشف الضر من الله. وهلك عدد كبير من التتار بحلب من الثلج والغلاء وغلا اللحم بدمشق حتى بيع الرطل بتسعة دراهم، ثم دخل الأفرم والأمراء من المرج بعد أن أقاموا به أربعة أشهر. وفي شعبان: ألبس النصارى واليهود بمصر والشام العمائم الزرق والصفر واستمر ذلك. وفيها: توفي بدمشق المسندون: عز الدين إسماعيل بن عبد الرحمن بن

стр. 9378

الفراء المرادي (١)، وعز الدين أحمد بن العماد بن عبد الحميد المقدسي (٢)، وأبو الحجاج يوسف بن أحمد الغسولي (٣). والأمير عز الدين أيدمر (٤) الذي كان نائب دمشق في دولة الظاهر. سنة إحدى وسبع مائة إلى سنة عشر وسبع مئة سنة إحدى وسبعمائة: في صفر: خُنق شيخ الحنفية العلامة ركن الدين عبد الله بن محمد السمرقندي مدرس الظاهرية، وأُلقي في بركتها، وأخذ ماله، ثم ظهر قاتله أنه قيم الظاهرية فشنق على حائطها. وفي ربيع الأول: ثبت على قاضي مادين ونقل ثبوته إلى قاضي حماة أنه وقع هناك برد عظيم على صورة حيات وعقارب وطيور ورجال وسباع. وفي جمادى الأولى: مات أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العباس، ودفن عند السيدة نفيسة، وكان خلافته أربعين سنة وأشهرًا (٥). خلافة المستكفي بالله (٦): أمير المؤمنين عهد إليه بالأمر، أبوه الحاكم بأمر الله وقرأ تقليده بعد عزاء والده، وخطب له على المنابر. وفي جمادى الآخرة: توفي المسند الفقيه تقي الدين أحمد (٧) المحدث بن عبد الرحمن بن موسى الصالحي، وله أربع وثمانون سنة.

стр. 9379

وفي رمضان: توفي المحدث الإمام أبو الحسين عليّ (١) بن محمد اليونيني ببعلبك شهيدًا من جرح في دماغه، وثَبَ عليه مجنون بسكين، وعاش إحدى وثمانين سنة. وفيها: جاء جراد إلى دمشق لم يسمع بمثله ترك غالب الغوطة عصا مجردة ويبست أشجار لا تحصى. وفي ذي الحجة: مات مسند الديار المصرية أبو المعالي أحمد (٢) بن إسحاق الأبرقوهي بعد قضاء نسكه، وله أربع وثمانون سنة. سنة اثنين وسبعمائة: في صفر: فتحت (٣) جزيرة أرواد، وهي بقرب أنطرسوس، وحوصرت يومًا وقتل بها عدة من الفرنج نحو الألفين ومروا على دمشق بالأسرى قريبًا من خمسمائة أسير. وفي صفر: مات قاضي القضاة، بقية الأعلام محمد (٤) بن علي بن دقيق العيد بالقاهرة وله سبع وسبعون سنة. وفي شعبان: عدت (٥) التتار الفرات، وانجفل الناس، وخرج السلطان أيده الله بجيوشه المنصورة من مصر. وفي عاشره (٦): كان المصاف بعُرْض (٧) بين التتار وبين المسلمين. كان المسلمون ألفًا وخمسمائة وعليهم اسندمر (٨)، وغرلو (٩) العادلي وبهادراص. وكان التتار نحو من أربعة آلاف، فانكسروا، وقُتل منهم خلق كبير، وأُسر مقدمهم.

стр. 9380

ثم دخل من المصريين خمس تقادم عليهم الجاشنكيز والحسام استاذدار. ثم دخل بعدهم ثلاثة آلاف عليهم أمير سلاح ويعقوبا وأيبك الخزندار، ثم أتى عسكر حلب وحماة تقهقر من التتار، وجمعت العساكر إلى الحسودة واختبط الناس، واختنق في باب دمشق غير واحد، وهرب الخلق، وبلغت القلوب الخناجر، ووصل السلطان إلى الغور، وامتلأت الطرقات والأزقة بأهل البر ومواشيهم، وغلقت الأبواب، واشتدَّ الخطب، وضَلَّ الخلق إلى الله، وأيسوا من الحياة واستهل رمضان ليلة الجمعة، وتعلقت الآمال ببركة الشهر، وأصبح الناس وأخبار الجيوش معماة عليهم، ثم بعد الجمعة وصلت إلى المرج، وساروا إلى جهة الكسوة، وبعدوا عن دمشق بكرة السبت، وغلب على الظنون أن اليوم تكون الوقعة، فابتهل الناس بالدعاء والاستغاثة بالله في الأسواق والجامع، وطلعت النساء والأطفال إلى الأسطحة مكشفين الرؤوس يجأرون إلى الله، ويبكون ويسألونه ويتذلّلون وهم صائمون، قمت ساعة قبل الظهر لا يمكن أن يُعبر عنها، وليس الخبر كالمعاينة، ثم بعدها حَصَلَ في النفوس سكينة وثقة بالله بأن الله لا يردهم خائبين، ونزل بالحال مطر عظيم ثم بعد الظهر وقعت البطاقة بوصول الركاب الشريف، واجتماع الجيوش المحمدية بمرج الصفر، ثم وقعت بطاقة تتضمن طلب الدعاء وحفظ أسوار البلد، وبعد الظهر وقع المصاف، والتحم الحرب، فحملت التتار على الميمنة فكسرتها، واستشهد مقدمها الحسام، وثبت السلطان كعوائده، ومن العصر استمر القتال والنزال حتى دخل الليل. وردّت التتار من حملتها على الميمنة بغلس، وقد كلّ حدّهم، فتعلّقوا بالجبل المانع. وطلع الضوء من بكرة الأحد والمسلمون محدقون بالتتار. فلم يكن ضحوة إلا وقد ركن التتار إلى الفرار وولوا الأدبار، ونزل النصر، ودقت البشائر، وزيّن البلد فأين غمرة السبت من سرور يوم الأحد. فوالله ما ذقنا يومًا أحلى منه، ولا أمر من الذي قبله، وكان التتار نحوًا من خمسين ألفًا عليهم قتلغ شاه نائب قازان، ورجع قازان من حلب في ضيق صدره من كسرة أصحابه يوم عرض، ثم أخزاه الله بهذه الكائنة العظمى التي رجع فيها إليه من جيوشه نحو الثلث في حفاء وجوع وذل لا يُعبّر عنه، وتمزقوا لبعد المسافة، ويخطفهم أهل الحصون. ووصل السلطان والخليفة بالنصر والظفر، وساق وراء المنهزمين سلار وقبجق إلى القريتين، واستشهد حسام الدين لاجين الرومي استاددار وكان شهمًا مهيبًا مليح الشيبة، من أبناء السبعين، والأمير علاء الدين الجالي (١) شيخ، مهيب، كردي، من أمراء دمشق، والأمير حسام الدين بن قرمان وسنقر الشمسي الحاجب، وشمس

стр. 9381

ـالدين سنقر الكافري، وكانا من أمراء الميمنة وعز الدين محمود بن يعقوبا، وصلاح الدين ولد الملك الكامل. وسافر السلطان في حفظ الله بعد العيد، وفي يوم الأضحى توفي الملك العادل زين الدين كتبغا (١) المنصوري صاحب حماة ثم نقل إلى تربته بسفح قاسيون، وعاش بضعًا وخمسين سنة. وكان فيه شجاعة ودين وخير، وحسن خلق. وفي ذي الحجة: كانت الزلزلة العظمى (٢) بمصر والشام، وكان تأثيرها بالإسكندرية أعظم من غيرها، ذهب تحت الردم بها عدد كثير، وطلع البحر إلى نصف البلد، وأخذ الجمال والرجال، وغرقت المراكب، وسقطت بمصر دور لا تحصى. سنة ثلاث وسبعمائة في المحرم: توفي الشيخ الإمام القدوة الزاهد الكبير، ولي الله الشيخ إبراهيم (٣) بن أحمد الرقي بدمشق، وكانت جنازته مشهودة، وحُمل على الرؤوس وعاش بضعًا وخمسين سنة. وفي صفر: مات خطيب دمشق (٤)، شيخ دار الحديث زين الدين عبد الله بن مروان الفارقي، وله سبعون سنة. وفيها: قدم (٥) أمير سلاح في ثلاثة آلاف، وسار معه عسكر من دمشق، وقجق في عسكر حماة، واسندمر في عسكر الساحل، وقراسنقر في عسكر حلب، فنازلوا تل حمدون (٦)، وأخذوها، ودخل بعضهم الدربند وأغاروا نهبوا وأسروا خَلْقًا، وضربت البشائر. وفي شوال: مات (٧) صاحب العراق غازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بقرب همدان مسمومًا، وكان شابًا لم يكتهل، وتملك بعده أخوه خربندا محمد.

стр. 9382

سنة أربع وسبعمائة: توفي المسند المعمر ركن الدين أحمد (١) بن عبد المنعم الطاووسي القزويني الصوفي، وله مائة سنة وثلاث سنين. ومحدث الإسكندرية تاج الدين علي (٢) بن أحمد الحسيني العراقي وله سبع وسبعون سنة. سنة خمس وسبعمائة: فيها: نازل نائب دمشق (٣) بعساكره جبل الجرد (٤) وقهرهم وأذلهم، وهم روافض فتكوا بالجيش وقت الهزيمة، وعملوا كل قبيح. وفي شوال: توفي خطيب دمشق ونحويها الشيخ شرف الدين أحمد (٥) بن إبراهيم بن سباع الفزاري أخو شيخنا تاج الدين وله خمس وسبعون سنة. وحافظ العصر العلامة شرف الدين عبد المؤمن (٦) بن خلف الدمياطي بالقاهرة وله إثنان وسبعون سنة. سنة ست وسبعمائة: فيها: توفي مقدم الجيوش قائد الغزاة بدر الدين بكتاش (٧) الصالحي أمير سلاح وقد نيف على السبعين أو الثمانين، وكان موصوفًا بالشجاعة والخير. وخطيب دمشق شمس الدن محمد (٨) بن أحمد بن عثمان الخلاطي ابن إمام

стр. 9383

الكلاسة فجأة وله اثنان وستون عامًا، وكان طيب الصوت إلى الغاية في المحراب وفيه صلاح وتعبد. سنة سبع وسبعمائة: في أولها: ظلم (١) ملك التتار أهل جيلان، وألزمهم بفتح الطريق إلى بلادهم فامتنعوا، فجهز لحربهم أربعين ألفًا مع خطلوشاه. وعشرون ألفًا مع جوبان فنزل خطلوشاه بعسكره في صحراء الجيلان، ففتح أهلها سكرًا يعرفونه من البحر على التتار. وألقوا النيران في تلك الشعاب، فكادوا يغرقون ويحرقون، وثارت عليهم شطار الجيلانيين فقتلوا أيضًا منهم مقتلة عظيمة، وجاء في خطلوشاه سهم قتله فلله الحمد. سنة ثمان وسبعمائة: في رمضان: ذهب (٢) السلطان أيده الله إلى الكرك مظهرًا للحج، فأقام بالكرك وأمر نائبها بالتحوّل إلى مصر، وعند دخوله انكسر جسرها، فوقع نحو خمسين مملوكًا (٣) إلى الوادي، مات منهم أربعة (٤)، وتكسر جماعة، وأعرض السلطان عن أمر مصر، فوثب بها بعد أيام ركن الدين الجاشنكير على السلطنة، وخطب له وركب بخلعة الخلافة والتقليد بمشورة الأمراء عندما جاءهم كتاب الملك الناصر يأمرهم باجتماع الكلمة، ولقب الجاشنكير بالملك المظفر. وفيها: مات في ذي الحجة مسند دمشق أبو جعفر محمد (٥) بن علي الموازيني وله أربع وسبعون سنة. سنة تسع وسبعمائة: في رجب: خرج (٦) مولانا السلطان من الكرك قاصدًا إلى دمشق ليعود إلى ملكه وكان قد ساق إليه من مصر مائة وسبعون فارسًا، مساس أهل دمشق ودخلوا من

стр. 9384

الحواضر، فوصل مملوك السلطان إلى الأفرم بأن السلطان قد وصل إلى الخمان (١) فقوى ملك الأمراء نفسه معرفة، فأسرع إلى خدمة السلطان بيبرس المجنون وبيبرس العلمي. ثم ذهب بهادراص إلى السلطان ليكشف القضية، فوجد السلطان قد ردّ. ثم بعد أيام ركب السلطان، وقَصَدَ دمشق، وكان قد مضى إليه سيف الدين قطلبك والحاج بهادر فخاف نائب دمشق جمال الدين الأفرم، وهمّ بالهرب، ثم أرسل الجاولي والزردكاش، إلى باب السلطان لإصلاح أمره، والاعتذار عما بدأ منه، ثم قلق الأفرم ونزح بخواصه عن دمشق وسلك إلى شقيف أربون، وخلا قصر السلطان، فبادر بيبرس العلالي وامتحنا المشد وأمير علم في إصلاح الخير والعصاب واهبة السلطنة الشريفة فإن السلطان كان قد ردّ جميع هذا إلى مصر، ثم جاء الأمان إلى الأفرم، وتسارع الأمراء لتلقي الركاب الشريف، ودعي له على المنابر، وزينت البلد، واكريت الأسطحة للفرجة على دخول السلطان بأغلى ما يمكن. وحصل لأهل دمشق من السرور أمر كبير، فعبر مولانا السلطان قبل الظهر في دست السلطنة بحسب الإمكان، وفتح له باب السر (٢) وقبل الأرض نائب القلعة (٣) فولى رأس فرسه إلى ناحية القصر، فنزل. وبعد أربعة أيام جاء إلى الخدمة الأفرم فأكرمه السلطان. وأمره بمباشرة السلطنة، ثم بعد يومين وصل نائب حماة قفجاق. ونائب طرابلس اسندمر، فتلقاهما السلطان. وأعاد السلطان قاضي القضاة تقي الدين الحلبي وخلع عليه، وكان قد عزله الجاشنكير من نحو ثلاثة أشهر بشهاب الدين ابن الحافظ. وفي ثامن وعشرين شعبان: وصل نائب حلب إلى الخدمة وهو قراسنقر وتواصلت عساكر الشام كلها إلى الركاب الشريف، ثم خرج السلطان لقصد الديار المصرية في تاسع رمضان ومعه القضاة والأكابر ونواب الشام في هيئة عظيمة ثم دخل غزة، وكان يوم دخوله يومًا مشهودًا، وجاء عدة أمراء وأخبروا بنزول الجاشنكير عن السلطنة،، إنّه طلب مكانًا يأوي إليه، وهرب من مصر مغربًا، وهرب عنها نائب السلطنة سلار مشرقًا، وضربت البشائر ببلاد الإسلام، وعملت الزينة، وجلس السلطان على تخت ملكه يوم عيد الفطر ولله الحمد بلا ضربة ولا طعنة، وقبض على عدة أمراء أُولي طيش وذعارة كل واحد منهم لا يقع إلا بالملك، فأهلك بعضهم كالمخلوع ونائبه، ولم

стр. 9385

ينتطح فيها عنزان، وقرر الأفرم بصرخد، واستناب بمصر سيف الدين بكتمر أمير جندار وبدمشق قراسنقر المنصوري. وفي شوال: هاجت (١) القيسية واليمانية بحوران، وحشدوا، وبَلَغَتْ المقتلة ألف نفس مقرب السويداء. وقدم (٢) قفجق المنصوري على نيابة حلب والحاج بهادر على نيابة طرابلس. سنة عشرة وسبعمائة في المحرم: وصل اسندمر على نيابة حماة. وفيها: صرف (٣) ابن جماعة عن قضاء الديار المصرية، وولى جمال الدين/ الزرعي، وصرف السروجي (٤)، وطلب القاضي شمس الدين بن الحريري فولي به قضاء الحنفية. فتوفي شمس الدين السروجي بعد أيام قليلة، ومات بطرابلس الحاج بهادر (٥) وقد شاخ، ومات بحلب نائبها قفجق المنصوري بإسهال مفرط، ثم ناب بحلب اسندمر، وناب بحماة عماد الدين إسماعيل (٦) بن علي بن صاحب حماة المظفر محمود، وناب بطرابلس الأفرم وتحوّل من صرخد إليها. وفي رمضان: مات بتبريز عالم تلك الديار الشيخ قطب الدن محمود (٧) بن مسعود الشيرازي صاحب التصانيف وهو في عشر الثمانين. ومسند مصر العمر بهاء الدين علي (٨) بن عيسى بن رمضان بن القيم وله سبع
следующие страницы →