← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30190

مجالس رمضانية

نجيب الشرعبي

Полный текст (342 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

• وَلَقَدْ كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ ﵏ أُولِي هِمَمٍ عَلِيَّةٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي غَيْرِهِ، فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيْهِ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ فِي ثَلَاثٍ، وَفِي غَيْرِ رَمَضَانَ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ. (١) • وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيْدَ النَّخَعِيُّ ﵀ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ لَيْلَتَيْنِ، وَكَانَ يَخْتِمُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فِي سِتَّةٍ. (٢) • وَكَانَ عَلْقَمَةُ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ خَمْسٍ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ يَخْتِمُهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ. (٣) • وَعَنْ عَلْقَمَةَ: أَنَّهُ قَرَأَهُ فِي لَيْلَةٍ بِمَكَّةَ. (٤) • وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، أَنَّهُ: كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، فَإِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ خَتَمَ فِي لَيْلَتَيْنِ، وَاغْتَسَلَ كُلَّ لَيْلَةٍ. (٥) • وَكَانَ سَعِيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِيْمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. (٦) • وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِي الْكَعْبَةِ فِي رَكْعَةٍ. (٧) • وعَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَلِيٍّ الأَزْدِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ. (٨)

стр. 142

• وَعَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَ: «صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَبَلَغَ بِالثَّانِيَةِ إِلَى النَّحْلِ». (١) • وَكَانَ عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَبْعٍ. (٢) • وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّ الْحَيَّ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ يَخْتِمُ فِي سَبْعٍ. (٣) • وَكَانَ الْمُسَيَّبُ بْنُ رَافِعٍ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، ثُمَّ يُصْبِحُ الْيَوْمَ الَّذِي يَخْتِمُ فِيهِ صَائِمًا. (٤) • وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى مَسْرُوقٍ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي جُمُعَةٍ؟ فَقَالَ مَسْرُوقٌ: حَسَنٌ، لَوْ أَخَذْتَ مُصْحَفًا كُلَّ جُمُعَةٍ فَأَدْخَلْتَهُ بَيْتًا لأَوْشَكَ أَنْ تَمْلأَهُ. (٥) • وَقَالَ خَالِدُ بْنِ دُرَيْكٍ - وَهُوَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِيْنَ -: كَانَ لَنَا إِمَامٌ بِالْبَصْرَةِ، يَخْتِمُ بِنَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، فَمَرِضَ، فَأَمَّنَا غَيْرُهُ، فَخَتَمَ بِنَا فِي كُلِّ أَرْبَعٍ، فَرَأَيْنَا أَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ. (٦) • وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: «كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَخْتِمُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سِتِّينَ خَتْمَةً، مَا مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا فِي صَلَاةٍ». (٧) • وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، فَعَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ ﵁، قَالَ: قُمْتُ خَلْفَ الْمَقَامِ أُصَلِّي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا

стр. 143

يَغْلِبَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي يَغْمِزُنِي، فَلَمْ أَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ثُمَّ غَمَزَنِي، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁، فَتَنَحَّيْتُ، وَتَقَدَّمَ، فَقَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ. (١) • وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نَهْيُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يَفْقَهْهُ». (٢) • قَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي "أَصْلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ" (ج ٢/ صـ: ٥٢١): وَهَذَا نَصٌّ عَامٌّ شَامِلٌ لِجَمِيْعِ الْأَشْخَاصِ، وَفِيْهِ التَّقْدِيْرُ بِثَلَاثِ لَيَالٍ. • وَقَالَ: فَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ. • قُلْتُ: وَهُوَ - أَيْضًا - قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ ﵀، في "الْمُحَلَّى" (ج ٢/ صـ: ٩٦). • قَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ فِي "فَضَائِلِ الْقُرْآنِ" (صـ: ١٧٢): وَقَدْ كَرِهَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْخَلَفِ أَيْضًا، وَثَبَتَ عَنْ كَثِيْرِ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَرَؤُوا

стр. 144

الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَا بَلَغَهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيْثٌ مِمَّا تَقَدَّمَ، أَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْهَمُونَ وَيَتَفَكَّرُونَ فِيْمَا يَقْرَؤُونَهُ مَعَ هَذِهِ السُّرْعَةِ. • قَالَ الْأَلْبَانِيُّ: وَالْجَوَابُ الصَّحِيْحُ هُوَ الْأَوَّلُ. ا. هـ. يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْحَدِيْثُ. • وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْح. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٧٤٦ - ١٣٩). • وَذَكَرَ الْأَلْبَانِيُّ فِي "الصَّحِيْحَةِ" (رَقْم: ٢٤٦٦) حَدِيْثَ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ». رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ (ج ١/ صـ: ٢٨٤)، وَغَيْرُهُ. • قَالَ الْأَلْبَانِيُّ: وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا ثَبَتَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِمَّا هُوَ خِلَافُ هَذِهِ السُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْهُمْ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ رَحَمِهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَرْجَمَةِ الْحَافِظِ وَكِيْعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، فِي كِتَابِهِ الْعَظِيْمِ "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ" (ج ٩/ صـ: ١٤٣) وَقَدْ رُوِىَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ وَيَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ: قُلْتُ: هَذِهِ عِبَادَةٌ يُخضَعُ لَهَا، وَلَكِنَّهَا مِنْ مِثْلِ إِمَامٍ مِنَ الأَئِمَّةِ الأَثَرِيَّةِ مَفضُولَةٌ، فَقَدْ صَحَّ نَهْيُه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنْ صَومِ الدَّهْرِ (١)، وَصَحَّ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقْرَأَ القُرْآنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَالدِّيْنُ يُسْرٌ، وَمُتَابَعَةُ السُّنَّةِ أَوْلَى، فَرَضِيَ اللهُ عَنْ وَكِيْعٍ، وَأَيْنَ مِثْلُ وَكِيْعٍ؟!. ا. هـ. • وَقَوْلُهُ: «لَمْ يَفْقَهْهُ»، أَيْ: لَمْ يَفْهَمْهُ، وَلَمْ يَتَدَبَّرْهُ، وَلَمْ يَتَأَمَّلْ فِي مَعَانِيْهِ، هَذَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا يَنجُمُ عَنْ هَذَا الْإِسْرَاعِ مِنَ الْإِخْلَالِ بِأَحْكَامِ التِّلَاوَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. • وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَهُوَ رَاجِزٌ، [هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَنَثْرًا كَنَثْرِ الدَّقَلِ!]». (٢)

стр. 145

• وَقَالَ: «لَا تَقْرَءُوا الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، اقْرَءُوهُ فِي سَبْعٍ، وَيُحَافِظُ الرَّجُلُ يَوْمًا وَلَيْلَةً عَلَى جُزْئِهِ». رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (رَقْم: ٥٩٤٨) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. • وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَقَالَ: قَرَأْتُ المُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ: «هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ! لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ»، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٧٧٥)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ٨٢٢). • زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ، فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ». • وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: «لأَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَهُ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ، وَلأَنْ أَقْرَأَهُ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَهُ فِي عَشْرٍ، وَلأَنْ أَقْرَأَهُ فِي عَشْرٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَهُ فِي سَبْعٍ؛ أَقِفُ وَأَدْعُو». (١) مَنَعَ الْقُرَانُ بِوَعْدِهِ وَوَعِيْدِهِ … مُقَلَ الْعُيُونِ بِلَيْلِهَا لَا تَهْجَعُ فَهِمُوا عَنِ الْمَلِكِ الْعَظِيْمِ كَلَامَهُ … فَهْمًا تَذِلُّ لَهُ الرِّقَابُ وَتَخْضَعُ • إِخْوَانِي: [هَذِهِ أَيَّامٌ تُصَانُ، هِيَ كَالتَّاجِ عَلَى رَأْسِ الزَّمَانِ، وَهَذَا تَنزِيْلٌ مِنَ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. • يَا لَهُ مِنْ وَقْتٍ عَظِيمِ الشَّانِ، تَجِبُ حِرَاسَتُهُ مِمَّا إِذَا حَلَّ شَانَ، كَأَنَّكُمْ بِهِ قَدْ رَحَلَ وَبَانَ، وَوَجْهُ الصُّلْحِ مَا بَانَ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].

стр. 146

• مِنَ اللَّازِمِ فِيهِ أَنْ تُحْرَسَ الْعَيْنَانِ، وَمِنَ الْوَاجِبِ أَنْ يُحْفَظَ اللِّسَانُ، وَمِنَ الْمُتَعَيِّنِ أَنْ تُمْنَعَ مِنَ الْخُطَى فِي الْخَطَا الْقَدَمَانِ، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. • زِنُوا أَفْعَالَكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ بِمِيزَانٍ، وَاشْتَرُوا خَلاصَكُمْ بِمَا عَزَّ وَهَانَ، فَإِنْ عَجَزْتُمْ فَسَلُوا مَنْ يُعِينُ وَقَدْ أَعَانَ، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. • قَدْ ذَهَبَ نِصْفُ الْبِضَاعَةِ، فِي التَّفْرِيطِ وَالإِضَاعَةِ، وَالتَّسْوِيفُ يَمْحَقُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، وَ ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. • يَا وَاقِفًا فِي مَقَامِ التَّحَيُّرِ! هَلْ أَنْتَ عَلَى عَزْمِ التَّغَيُّرِ؟ إِلَى مَتَى تَرْضَى بِالنُّزُولِ فِي مَنْزِلِ الْهَوَانِ؟! • هَلْ مَضَى مِنْ يَوْمِكَ يَوْمٌ صَالِحٌ؟! سَلِمْتَ فِيهِ مِنْ جَرَائِمِ الْقَبَائِحِ؟! لَقَدْ سَبَقَ الْمُتَّقِي الرَّابِحُ، وَأَنْتَ رَاضٍ بِالْخُسْرَانِ! • عَيْنُكَ مُطْلَقَةٌ فِي الْحَرَامِ، وَلِسَانُكَ مُنبَسِطٌ فِي الْآثَامِ، وَلأَقْدَامِكَ عَلَى الذُّنُوبِ إِقْدَامٌ، وَالْكُلُّ مُثْبَتٌ فِي الدِّيوَانِ. • قَلْبُكَ غَائِبٌ فِي صَلَوَاتِكَ، وَفِكْرُكَ يَنْقَضِي فِي شَهَوَاتِكَ، فَإِنْ رَكَنَ إِلَيْكَ مُعَامِلٌ فِي مُعَامَلاتِكَ، أَدْخَلْتَ عَلَيْهِ: (خَانَ مَنْ خَانَ!). • أَكْثَرُ كَلَامِكَ لَغْوٌ وَهَذَرٌ، وَالْوَقْتُ بِالتَّفْرِيطِ شَذَرَ مَذَرَ، وَإِنِ اغْتَبْتَ مُسْلِمًا لَمْ تُبْقِ وَلَمْ تَذَرْ، الأَمَانَ مِنْكَ الأَمَانَ! • تَاللَّهِ لَوْ عَقَلْتَ حَالَكَ، أَوْ ذَكَرْتَ ارْتِحَالَكَ، أَوْ تَصَوَّرْتَ أَعْمَالَكَ، لَبَنَيْتَ بَيْتَ الأَحْزَانِ. • فِي كُلِّ لَحْظَةٍ تَقْرُبُ مِنْ قَبْرِكَ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ فِي تَدْبِيرِ أَمْرِكَ، وَمَا أُرَاكَ إِلا كَأَوَّلِ

стр. 147

شَهْرِكَ!، الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ سِيَّانِ!. • قَدْ ذَهَبَ مِنَ الشَّهْرِ النِّصْفُ، وَمَا أَرَى مِنْ عَمَلِكَ النَّصْفَ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَاضِي قَدْ قَبُحَ الْوَصْفُ، فَقُمِ الْآنَ.] (١) وَهذَا زَمَانُ الصَّبْرِ مَنْ لَكَ بِالَّتِي … كَقَبْضٍ عَلَى جَمْرٍ فَتَنْجُو مِنَ الْبَلَا وَلَوْ أَنَّ عَيْنًا سَاعَدتْ لتَوَكَّفَتْ … سَحَائِبُهَا بِالدَّمْعِ دِيْمًا وَهُطَّلَا وَلكِنَّها عَنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ قَحْطُهَا … فَيَا ضَيْعَةَ الأَعْمَارِ تَمْشِى سَبَهْلَلَا بِنَفسِي مَنِ اسْتَهْدَىَ إلَى اللهِ وَحْدَهُ … وَكانَ لَهُ الْقُرْآنُ شِرْبًا وَمَغْسَلَا وَطَابَتْ عَلَيْهِ أَرْضُهُ فَتفَتَّقَتْ … بِكُلِّ عَبِيرٍ حِينَ أَصْبَحَ مُخْضَلَا فَطُوْبَى لَهُ وَالشَّوْقُ يَبْعَثُ هَمَّهُ … وَزَندُ الْأَسَى يَهْتَاجُ فِي الْقَلْبِ مُشْعِلَا هُوَ المُجْتَبَى يَغْدُو عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ … قَرِيباً غَرِيباً مُسْتَمَالًا مُؤَمَّلَا يَعُدُّ جَمِيعَ النَّاسِ مَوْلَى لأَنَّهُمْ … عَلَى مَا قَضَاهُ اللهُ يُجْرُونَ أَفْعُلَا يَرَى نَفْسَهُ بِالذَّمِّ أَوْلَى لأَنَّهَا … عَلَى المَجْدِ لَمْ تَلْعقْ مِنَ الصَّبْرِ وَالْأَلَا • اللَّهُمَّ إِنَّا عَبِيْدُكَ بَنُو عَبِيْدِكَ، بَنُو إِمَائِكَ، نَوَاصِيْنَا بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيْنَا حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيْنَا قَضَاؤُكَ، نَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قُلُوْبِنَا، وَنُورَ صُدُورِنَا، وَجَلَاءَ أَحزانِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ * * *

стр. 148

المَجْلِسُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ فِي رَمَضَانَ • الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَكْمَلَ لَنَا الدِّيْنَ الْقَوِيْمَ وَشَرَعَهُ، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا بِشَهْرِ رَمَضَانَ، فَمَا أَعْظَمَ فَضْلَهُ عَلَيْنَا وَأَوْسَعَهُ! وَأَوْدَعَ لَنَا فِيْهِ مِنْ أَصْنَافِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَنَوَّعَهُ، فَالْمُفْلِحُ فِيْهِ مَنْ بَادَرَ بِالْأَعْمَالِ وَحَرَصَ عَلَى الْمَنفَعَةِ، وَالْمَحْرُومُ مَنْ غُبِنَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ وَضَيَّعَهُ، أَحْمَدُهُ حَمْدَ عَبْدٍ أَبْدَى فِي عَفْوِ رَبِّهِ وَرَحْمَتِهِ رَجَاءَهُ وَمَطْمَعَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ أَحَدٌ مَعَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، حَوَى حُسْنَ الْخُلُقِ أَجْمَعَهُ، مَا كَانَ أَعْظَمَ تَقْوَاهُ لِرَبِّهِ وَأَوْرَعَهُ، وَأَسْبَقَهُ إِلَى الْخَيْر وَأَسْرَعَهُ، لَا جَرَمَ أَنَّ اللهَ رَفَعَهُ وَشَفَّعَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْمُقْتَفِيْنَ خُطَاهُ، وَالْمُقْتَدِيْنَ بِهُدَاهُ، فَلَا غَرْوَ إِنْ كَانُوا مَعْدِنَ الشَّرَفِ وَمَنبَعَهُ، وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ حَازُوا مِنْ قَصَبِ السَّبْقِ مَا لَا قُدْرَةَ لِمُنصِفٍ أَنْ يَدْفَعَهُ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا تَوَالَتِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ، أَمَّا بَعْدُ: • [إِخْوَانِي: هَا هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَدْ مَضَى مِنْهُ الشَّطْرُ، فَاسْتَدْرِكُوا بَاقِيَ الشَّهْرِ؛ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَوْقَاتِ الدَّهْرِ، وَاحْصُرُوا النُّفُوسَ عَنْ هَوَاهَا بِالْقَهْرِ، وَقَدْ سَمِعْتُمْ بِالْحُورِ الْعِينِ، فَاهْتَمُّوا بِالْمَهْرِ. • وَاعْلَمُوا أَنَّ النِّصْفَ الأَخِيرَ أَفْضَلُ مِنَ الأَوَّلِ؛ لأَنَّ فِيهِ الْعَشْرَ وَلَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَالأَعْمَالُ تُضَاعَفُ بِشَرَفِ وَقْتِهَا وَمَكَانِهَا. قَدْ بَلَغَ الشَّهْرُ إِلَى نِصْفِهِ … وَلَيْسَ عَنِّي الشَّهْرُ بِالرَّاضِي ظَلَمْتُ صَوْمَ الشَّهْرِ فِي حَقِّهِ … يَا وَيْلَتَا! إِنْ عَدَلَ الْقَاضِي أَتُرَى صَحَّ لَكَ صَوْمُ يَوْم؟! أَتُرَى تَسْلَمُ فِي شَهْرِكَ مِنْ لَوْمٍ؟! أَيُّهَا الرَّاقِدُ عَنْ فُرْصَتِهِ … مَا يَرُوعُ السَّيْفَ حَتَّى يُشْهَرَا

стр. 149

وَأَبَي الْمَجْدَ لَقَدْ فَازَ بِهِ … سَالِكٌ فِيهِ الطَّرِيقَ الأَوْعَرَا] (١) • فَيَنبَغِيْ لَكَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ أَنْ تَسْتَغِلَّ أَوْقَاتَ هَذَا الشَّهْرِ بِالْمُبَادَرَةِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالحِةِ، وَهَذِهِ وَقْفَةٌ مَعَ بَعْضِهَا: الأُولى: التَّوْبةُ: وَهِيَ وَاجِبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنبٍ فِي كُلِّ أَوَانٍ، لَا سِيَّمَا فِي رَمَضَانَ، قَالَ : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. وَقَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]. • وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٢٧٠٢) عَنِ الْأَغَرِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ». الثَّانِيَةُ: المحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا وَأَدَاؤُهَا مَعَ الجَمَاعَةِ فِي المسَاجِدِ؛ قَالَ اللهُ : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. • وَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيْثِ مُعَاذٍ ﵁. (٢) • وَقَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٨٢) مِنْ حَدِيْثِ جَابِرٍ ﵁. • وَأَدَاؤُهَا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَاجِبٌ، وَيَأْثَمُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. (٣)

стр. 150

• وَالصَّلَاةُ أَعْظَمُ شَأْنًا مِنَ الصِّيَامِ، فَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَصُومُ وَهُوَ لَا يُصَلِّي! لَوْ كَانَ صِيَامُهُ نَافِعًا لَحَمَلَهُ عَلَى التَّقْوَى، وَمِنْ أَعْظَمِ التَّقْوَى وَأَوْجَبِهَا: أَدَاءُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ. الثَّالِثَةُ: الصِّيَامُ. الرَّابِعَةُ: حِفْظُ اللِّسَانِ وَسَائِرِ الجَوَارِحِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالآثَامِ. الخَامِسَةُ: القِيَامُ (صَلاةُ التراويح). السَّادِسَةُ: تَعْجِيْلُ الْفِطْرِ وَالصَّلاةِ بَعْدَ التَّحَقُّقِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ. السَّابِعَةُ: السِّوَاكُ. • وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ. الثَّامِنَةُ: تِلاوَةُ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرُهُ. التَّاسِعَةُ: الْبَذْلُ وَالإنفَاقُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ. • وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَاتَيْنِ أيضًا، وَسَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللهُ - مَزِيْدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ. الْعَاشِرَةُ: تَفْطِيْرُ الصَّائِمِ، قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ١٧٠٣٣، و ٢١٦٧٦)، وَالتِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٨٠٧)، وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ١٧٤٦)، مِنْ حَدِيْثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁. (١) • قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: «يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ الصَّائِمَ وَيُفَطِّرَهُ فِي وَقْتِ الْفِطْرِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهِ؛ لِلْحَدِيثِ». (٢)

стр. 151

• وَسُئِلَ الْإِمَامُ ابْنُ بَازٍ ﵀: هَلِ الْمَقْصُودُ بِالصَّائِمِ: الْفَقِيْرُ؟ أَوْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْأَقَارِبُ وَالْأَصْدِقَاءُ؟ وَهَلْ صِيَامُ التَّطَوُّعِ فِيْهِ نَفْسُ الْأَجْرِ إِذَا فَطَّرَ صَائِمًا؟ • فَأَجَابَ ﵀: الْحَدِيْثُ عَامٌّ، يَعُمٌّ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيْرَ، وَالْفَرْضَ وَالنَّفْلَ، وَفَضْلُ اللهِ وَاسِعٌ، . ا. هـ. (١) • وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: ظَاهِرُ الْحَدِيْثِ: أَنَّهُ إِذَا فَطَّرَ صَائِمًا وَلَوْ بِتَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أَجْرِهِ، وَلِهَذَا يَنبَغِيْ لِلْإِنسَانِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى تَفْطِيْرِ الصُّوَّامِ بِقَدْرِ الْمُسْتَطَاعِ، لَاسِيَّما مَعَ حَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ. ا. هـ. (٢) • وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى رُطَبٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى مَاءٍ؛ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِثُبُوتِ حَدِيْثِ أَنَسِ بْنَ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ، فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَأَعَلَّهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَأَبُوْ زُرْعَةَ الرَّازِيَّانِ. (٣)

стр. 152

الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الْعُمْرَةُ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. (١) الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْقُعُودُ فِي المَسْجِدِ بَعْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ، وَالاشْتِغَالُ بِذِكْرِ اللَّهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ». (٢) الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: السُّحُورُ وَتَأْخِيْرُهُ، قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيْثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁. (٣) • وَهَذَا الْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ، بِالْإِجْمَاعِ، فَقَدْ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِحْبَابِ السُّحُورِ، وَعَدَمِ وُجُوبِهِ، مِنْهُم: ابْنُ الْمُنذِرِ، وَابْنُ قُدَامَةَ، وَالنَّوَوِيُّ. (٤) • وَالصَّارِفُ لِلْأَمْر الْمَذْكُورِ فِي حَدِيْثِ أَنَسٍ ﵁ هُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُوَاصِلُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدتُّكُمْ». كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. (٥)

стр. 153

• قَالَ الْحَافِظُ ﵀: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السُّحُورَ لَيْسَ بِحَتْمٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ حَتْمًا مَا وَاصَلَ بِهِمْ؛ فَإِنَّ الْوِصَالَ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ السُّحُورِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: الْوِصَالُ حَرَامٌ، أَوْ لَا. ا. هـ. • قُلْتُ: وَالْوِصَالُ فِي حَقِّ غَيْرِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنزِيْهٍ، فِي أَصَحِّ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا وَاصَلَ بِهِمْ، وَلَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَوْ فَهِمُوا مِنْهُ التَّحْرِيمَ لَمَا اسْتَجَازُوا فِعْلَهُ. ا. هـ. (١) • وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نَهَى عَنِ الحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا؛ إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٣٠٧١)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٢٣٧٤) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ، وَالْجَهَالَةُ بِالصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عُدُولٌ. • قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَحَقِيقَةُ الْوِصَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أن يَصُومَ يَوْمَيْنِ فَصَاعِدًا، وَلَا يَتَنَاوَلَ فِي اللَّيْلِ شَيْئًا، لَا مَاءً وَلَا مَأْكُولًا، فَإِنْ أَكَلَ شَيْئًا يَسِيرًا أَوْ شَرِبَ فَلَيْسَ وِصَالًا، وَكَذَا إنْ أَخَّرَ الْأَكْلَ إلَى السَّحَرِ لِمَقْصُودٍ صَحِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِوِصَالٍ. ا. هـ. (٢) • وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ: شَفَقَتُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَلَى أُمَّتِهِ؛ لِئَلَّا يَتَكَلَّفُوا مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وَيَضُرُّ بِأَبْدَانِهِمْ؛ وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْوِصَالِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ، وَهِيَ: الْمَلَلُ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَالتَّعَرُّضُ لِلتَّقْصِيرِ فِي بَعْضِ وَظَائِفِ الدِّينِ، مِنْ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ بِخُشُوعِهَا وَأَذْكَارِهَا وَآدَابِهَا، وَمُلَازَمَةِ الْأَذْكَارِ، وَسَائِرِ الْوَظَائِفِ الْمَشْرُوعَةِ فِي نَهَارِهِ وَلَيْلِه، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ. (٣)

стр. 154

• وَيَجُوزُ الْوِصَالُ إِلَى السَّحَرِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٦٣، و ١٩٦٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ»، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي، وَسَاقٍ يَسْقِينِ». • وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَلَا فَضِيْلَةَ فِيْهِ، بَلْ يُفَوِّتُ مُسْتَحَبًّا، وَهُوَ تَعْجِيْلُ الْفِطْرِ. • قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبرِّ: الْمُوَاصِلُ لَا يَنْتَفِعُ بِوِصَالِهِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلصِّيَامِ. • قاَلَ: وَلَا مَعْنَى لِطَلَبِ الْفَضْلِ فِي الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ». ا. هـ. (١) • وَقَوْلُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»، مَعْنَاهُ: أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ فِيْهِ قُوَّةَ مَنْ طَعِمَ وَشَرِبَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ مُّوَاصِلًا. • وَفِي حَدِيْثِ أَنَسٍ ﵁: «إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) • وَهَذَا مِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَيَقْطَعُ كُلَّ نِزَاعٍ، فَإِنَّ (ظَلَّ) لَا يَكُونُ إِلَّا فِي النَّهَارِ، وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ الْحَقِيقِيُّ فِي النَّهَارِ، بِلَا شَكٍّ. قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀. • وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: الْمُرَادُ بِهِ: مَا يُغَذِّيهِ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَعَارِفِهِ، وَمَا يُفِيضُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَذَّةِ مُنَاجَاتِهِ، وَقُرَّةِ عَيْنِهِ بِقُرْبِهِ، وَتَنَعُّمِهِ بِحُبِّهِ وَالشَّوْقِ إِلَيْهِ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ. • قَالَ: وَقَدْ يُقَوِّي هَذَا الْغِذَاءُ حَتَّى يُغْنِيَ عَنْ غِذَاءِ الْأَجْسَامِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، كَمَا قِيلَ: لَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا … عَنِ الشَّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ

стр. 155

لَهَا بِوَجْهِكَ نُورٌ تَسْتَضِيءُ بِهِ … وَمِنْ حَدِيثِكَ فِي أَعْقَابِهَا حَادِي إِذَا شَكَتْ مِنْ كَلَالِ السَّيْرِ أَوْعَدَهَا … رُوحُ الْقُدُومِ فَتَحْيَا عِنْدَ مِيعَادِ • وَمَنْ لَهُ أَدْنَى تَجْرِبَةٍ وَشَوْقٍ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ بِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْغِذَاءِ الْحَيَوَانِيِّ، وَلَا سِيَّمَا الْمَسْرُورُ الْفَرْحَانُ الظَّافِرُ بِمَطْلُوبِهِ الَّذِي قَدْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ، وَتَنَعَّمَ بِقُرْبِهِ، وَالرِّضَى عَنْهُ، وَأَلْطَافُ مَحْبُوبِهِ وَهَدَايَاهُ وَتُحَفُهُ تَصِلُ إِلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ، وَمَحْبُوبُهُ حَفِيٌّ بِهِ، مُعْتَنٍ بِأَمْرِهِ، مُكْرِمٌ لَهُ غَايَةَ الْإِكْرَامِ، مَعَ الْمَحَبَّةِ التَّامَّةِ لَهُ، أَفَلَيْسَ فِي هَذَا أَعْظَمُ غِذَاءٍ لِهَذَا الْمُحِبِّ؟ فَكَيْفَ بِالْحَبِيبِ الَّذِي لَا شَيْءَ أَجَلُّ مِنْهُ وَلَا أَعْظَمُ وَلَا أَجْمَلُ وَلَا أَكْمَلُ وَلَا أَعْظَمُ إِحْسَانًا إِذَا امْتَلَأَ قَلْبُ الْمُحِبِّ بِحُبِّهِ، وَمَلَكَ حُبُّهُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ، وَتَمَكَّنَ حُبُّهُ مِنْهُ أَعْظَمَ تَمَكُّنٍ، أَفَلَيْسَ هَذَا الْمُحِبُّ عِنْدَ حَبِيبِهِ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا؟. ا. هـ. (١) • وَمِمَّا وَرَدَ فِي فَضْلِ السُّحُورِ أَيْضًا: قَوْلُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَكْلَةُ السَّحَرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ١٠٩٦) مِنْ حَدِيثِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ ﵁. • وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الْحَدِيْثِ عَلَى أَنَّ السُّحُورَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. (٢) • وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَهُوَ يَتَسَحَّرُ، فَقَالَ: «إِنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَلَا تَدَعُوهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٣١١٣، و ٢٣١٤٢)، وَالنَّسَائِيُّ (رَقْم: ٢١٦٢). (٣)

стр. 156

• وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ١١٠٨٦، و ١١٣٩٦). (١) • وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٢٣٤٥). (٢) • قَالَ النَّوَوِيُّ: «يَحْصُلُ السُّحُورُ بِكَثِيرِ الْمَأْكُولِ وَقَلِيلِهِ، وَيَحْصُلُ بِالْمَاءِ أَيْضًا». (٣) • وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: «يَحْصُلُ السُّحُورُ بِأَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْمَرْءُ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ». ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيْثَ. (٤) • وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيْرُ السُّحُورِ، فَعَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ». قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسُّحُورِ؟ قَالَ: «قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٥) • قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: «وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَأْخِيرِ السُّحُورِ إِلَى قُبَيْلِ الْفَجْرِ». • وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُؤَخِّرَ سُحُورَنَا، وَنُعَجِّلَ فِطْرَنَا، وَأَنْ نُمْسِكَ بِأَيْمَانِنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي صَلَاتِنَا». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَجْلِسِ السَّادِسِ. • وَاسْتِحْبَابُ تَأْخِيْرِ السُّحُورِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ (٦)، مَا لَمْ يُخْشَ طُلُوعُ الْفَجْرِ؛ فَإن خَشِيَ طُلُوعَهُ فَلْيُبَادِرْ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: فَمَثَلًا إِذَا كَانَ يَكْفِيْهِ رُبُعُ سَاعَةٍ فِي

стр. 157

السُّحُورِ فَيَتسَحَّرُ إِذَا بَقِيَ رُبُعُ سَاعَةٍ، وَإِذَا كَانَ يَكْفِيْهِ خَمْسُ دَقَائِقَ فَيَتَسَحَّرُ إِذَا بَقِيَ خَمْسُ دَقَائِقَ؛ أَيْ: يَكُونُ مَا بَيْنَ ابْتِدَائِهِ إِلَى انتِهَائِهِ كَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَقْتِ الْفَجْرِ. ا. هـ. (١) • قُلْتُ: وَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ فَرَاغِهِمْ مِنَ السُّحُورِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِنَحْوِ سَاعَةٍ وَنِصْفٍ!، أَوْ سَاعَةٍ!، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ يُفَوِّتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْفَضِيْلَةَ. • وَالْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيْرِهِ كَوْنُ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْمَقْصُود؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسُّحُورِ التَّقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ، وَمَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْفَجْرِ كَانَ أَعْوَنَ عَلَى الصَّوْمِ؛ فَتَقِلُّ الْمُدَّةُ الَّتِي يُمْسِكُ فِيْهَا. (٢) • أَمَّا إِيْقَاعُ الْأَذَانِ قَبْلَ دُخُولِ الْفَجْرِ، وَتَعْجِيْلُ السُّحُورِ بِزَعْمِ الْاحْتِيَاطِ للصَّوْمِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ مُنكَرَةٌ، تَقَدَّمَ التَّنبِيْهُ عَلَيْهَا. • وَلْيُعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ السُّحُورِ يَبْدَأُ بِدُخُولِ آخْرِ اللَّيْلِ، قُبَيْلَ الصُّبْحِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُشْرَعُ فِيْهِ إِيْقَاعُ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ؛ وَالسُّحُورُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّحَرِ، وَالسَّحَرُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ: آخِرُ اللَّيْلِ، وَحَدَّهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالسُّدُسِ الْأَخِيْرِ، فَيَكُونُ بِتَقْدِيْرِ سَاعَاتِنَا هَذِهِ: قَبْلَ الْفَجْرِ بِنَحْوِ سَاعَةٍ وَخَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ دَقِيْقَةً، أَوْ سَاعَةٍ وَنِصْفٍ، تَقْرِيْبًا، أَوْ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. • وَمَنْ خَشِيَ أَنْ يَنَامَ عَنْ سَحُورِهِ اسْتُحِبَّ لَهُ اتِّخَاذُ مُنَبِّهٍ؛ لِإِيْقَاظِهِ؛ فَعَن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ؛ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢١٦٧٩)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٥١٠١). (٣)

стр. 158

• وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ (رَقْم: ١٧٠٣٤): قَالَ: لَعَنَ رَجُلٌ دِيكًا صَاحَ عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا تَلْعَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاةِ». • قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَفِي هَذَا الْحَدِيْثِ دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنبَغِي لِلْإِنسَانِ أَنْ يَتَّخِذَ مَا يُوقِظُهُ للصَّلَاةِ، وَذلِكَ مِثْلُ السَّاعَاتِ الْمُنَبِّهَةِ؛ فَإِنَّ الْإِنسَانَ يَنبَغِي لَهُ أَنْ يَقْتَنِيَ مِنْ هَذِهِ السَّاعَاتِ؛ حَتَّى تُنَبِّهَهُ للصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُدْرِكُ فِيهِ الصَّلَاةَ، وَكَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ يَتَهَاوَنُ فِي هَذَا الْأَمْرِ، يَنَامُ مُعْتَمِدًا عَلَى أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ، وَلَكِن يَغْلِبُهُ النَّوْمُ، فَإِذَا عَلِمْتَ مِنْ نَفْسِكَ هَذَا فَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ مُنَبِّهًا يُنَبِّهُكَ للصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْمَأْمُورُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَأَنْتَ مُثَابٌ عَلَى هَذَا. (١) • وَقَالَ شيْخُنَا زَائِدٌ الْوُصَابِيُّ - سَدَّدَهُ اللهُ وَحَفِظَهُ -: وَمِثْلُ هَذَا السُّحُورُ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ، فَكَم مِنَ النَّاسِ مَنْ يَنَامُ، وَلَا يَسْتَيْقِظُ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَيَصُومُ بِدُونِ سُحُورٍ، فَاقْتِنَاءُ مِثْلِ هَذِهِ الْمُنَبِّهَاتِ أَمْرٌ طَيِّبٌ، يُعِيْنُكَ عَلَى فِعْلِ هَذِهِ السُّنَّةِ، وَهُوَ تَنَاوُلُ السَّحُورِ، لَكِن يَجْتَنِبُ الْمُنَبِّهَاتِ الَّتِي فِيْهَا جَرَسٌ. ا. هـ. (٢) • قُلْتُ: وَسَوَاءٌ آلَاتُ التَّنبِيْهِ، أَوِ الْمُنَبِّهَاتُ الَّتِي فِي الْجَوَّالَاتِ، وَأَشَدُّ مِنَ الْجَرَسِ: الْأَغَانِي، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ الْأَغَانِي نَغَمَاتٍ لِلتَّنبِيْهِ. وَلَا يَنبَغِي كَذَلِكَ اتِّخَاذُ الْأَذَانِ أَوِ الْقُرْآنِ مُنَبِّهًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ شَعَائِرُ، يَجِبُ تَعْظِيْمُهَا. تَنبِيْهٌ: السُّحُورُ بِضَمِّ السِّيْنِ، هُوَ الْفِعْلُ نَفْسُهُ، أَيِ: التَّسَحُّرُ، وَالسَّحُورُ بِفَتْحِ السِّيْنِ: اسْمُ الَّذِي يُتَسَحَّرُ بِهِ، أَيْ: مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ. (٣)

стр. 159

• وَيُسَمَّيَ السُّحُورُ أَيْضًا فَلَاحًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيْثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ فِي قِيَامِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْمُتَسَحِّرَ تَبْقَى مَعَهُ قُوَّتُهُ عَلَى الصَّوْمِ. (١) الرَّابعَةَ عَشْرَةَ: الدُّعَاءُ: لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ثَلَاثَةٌ لَا يُرَدُّ دُعَاؤُهُمْ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُوم». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٩٧٤٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٣٥٩٨) وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ١٧٥٢) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. (٢) • وَقَوْلُهُ: «حَتَّى يُفْطِرَ»: أَيْ: مَادَامَ صَائِمًا، بِخِلَافِ مَا يَظُنُّهُ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّ وَقْتَ إِجَابَةِ دَعْوَةِ الصَّائِمِ حَالَ إِفْطَارِهِ!. • وَلَمْ يَثْبُتْ ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ يُقَالُ عِنْدَ إْفْطَارِ الصَّائِمِ، وَأَمْثَلُ مَا وَرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيْثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَسَّنَهُ بَعْضُهُمْ، وفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ. (٣)

стр. 160

الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: الاجْتِهَادُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ. السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الاعْتِكَافُ فِي الْعَشْرِ الأَواخِر أيضًا. السَّابعَةَ عَشْرَةَ: تحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ. • وَسَيَأْتِي - إِن شَاءَ اللهُ- بَسْطُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيْرَةِ. قُلْ لِّلْمُؤَمِّل إِنَّ الْمَوْتَ فِي أَثَرِكْ … وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكَ الأَمْرُ مِنْ نَظَرِكْ فِيمَنْ مَضَى لَكَ إِنْ فَكَّرْتَ مُعْتَبَرٌ … وَمَنْ يَمُتْ كُلَّ يَوْمٍ فَهْوَ مِنْ نُذُرِكْ دَارٌ تُسَافِرُ عَنْهَا مِنْ غَدٍ سَفَرًا … فَلَا تَؤُوْبُ إِذَا سَافَرْتَ مِنْ سَفَرِكْ تُمْسِي غَدًا سَمَرًا لِلذَّاكِرِينَ كَمَا … كَانَ الَّذِينَ مَضَوْا بِالأَمْسِ مِنْ سَمَرِكْ • [يَا مُضَيِّعَ الزَّمَانِ فِيمَا يَنْقُصُ الْإِيمَانَ، مَا أُرَاكَ فِي رَمَضَانَ إِلَّا كَجُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَمَا يَشُوقُكَ إِلَى الْخَيْرِ مَا يَشُوقُ، أَمَا يَعُوقُكَ عَنِ الضَّيْرِ مَا يَعُوقُ، مَتَى تَصِيرُ سَابِقًا يَا مَسْبُوقُ؟!]. • [أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا قَدِ انْتَصَفَ، فَهَلْ فِيكُمْ مَنْ قَهَرَ نَفْسَهُ وَانْتَصَفَ، وَهَلْ فِيكُمْ مَنْ قَامَ فِيهِ بِمَا عَرَفَ، وَهَلْ تَشَوَّفَتْ هِمَمُكُمْ إِلَى نَيْلِ الشَّرَفِ، أَيُّهَا الْمُحْسِنُ فِيمَا

стр. 161

مَضَى مِنْهُ دُمْ، أَيُّهَا الْمُسِيءُ وَبِّخْ نَفْسَكَ عَلَى التَّفْرِيطِ وَلُمْ، إِذَا خَسِرْتَ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَمَتَى تَرْبَحُ؟! وَإِذَا لَمْ تُسَافِرْ فِيْهِ نَحْوَ الْفَوَائِدِ فَمَتَى تَبْرَحُ؟! • يَا هَذَا، قَدِّمْ دُسْتُورَ الْحِسَابِ قَبْلَ الْغُرُوبِ، فَإِنْ وَجَدْتَ خَلَلًا فَارْقَعْهُ بِرُقْعَةِ اسْتِغْفَارٍ، فَإِذَا جَاءَ السَّحَرُ فَاعْقِدْ عُقَدَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا عِنْدَ نِيَّةِ الصَّوْمِ، وَتَجَرَّعْ جُرْعَةَ دَمْعَةٍ فِي إِنَاءِ رَكْعَةٍ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَطَّلِعْ عَلَى خَفَايَا مَا أُعِدَّ لِلصَّائِمِينَ مِنْ مَسْتُورٍ، ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].] (١) • يَا هَذَا، [كَمْ مَأْخُوذٍ عَلَى الزَّلَلِ خُتِمَ لَهُ بِسُوءِ الْعَمَلِ، نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَيَا هَوْلَ مَا نَزَلَ، فَأَسْكَنَهُ الْقَبْرَ فَكَأَنْ لَمْ يَزَلْ، وَهَذَا مَصِيرُ الْغَافِلِ لَوْ غَفَلَ، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣]. • كَمْ نَائِمٍ عَلَى فِرَاشِ التَّقْصِيرِ، مُغْتَرٍّ بِعُمُرٍ قَصِيرٍ، صَاحَ بِهِ النَّذِيرُ، فَاسْتَلَبَهُ الْخَطَأَ وَالتَّبْذِيرَ، فَلَمَّا أَحَسَّ الْبَأسَ ثَارَتْ مِنْ نِيرَانِ النَّدَمِ شُعَلٌ، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣]. • كَمْ مُسْتَحِلٍّ شَرَابَ الْهَوَى، شَرِبَ مِنْ كَأْسِهِ حَتَّى ارْتَوَى، بَيْنَا هُوَ عَلَى جَادَّةِ إِعْرَاضِهِ هَوَى، فَمَا نَفَعَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مَا حَوَى، وَلَا مَا شَرِبَ وَلَا مَا أَكَلَ، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣]. • لَا تَغْتَرَّ بِنَعِيمِ الْقَوْمِ، فَإِنَّ غَدًا بَعْدَ الْيَوْمِ، دَعْهُمْ فَمَا يُؤَثِّرُ فِيهِمُ اللَّوْمُ، وَهَلْ يَنْفَعُ التَّحْرِيْكُ مَيْتًا وَهَلْ؟! ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣]. • يَجْمَعُونَ الْحُطَامَ بِكَسْبِ الْحَرَامِ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي نَصْبِ شَرَكِ الآثَامِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، يَرْقُدُونَ فِي اللَّيْلِ وَفِكْرُهُمْ فِي الْوَيْلِ طَوِيلٌ لَا يَنَامُ، وَلِلأَقْدَامِ فِيمَا لَا يَحِلُّ إِقْدَامٌ، تَسْعَى فِي هَوَاهَا سَعْيَ الرَّمَلِ، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣].

стр. 162

• مَا عِنْدَهُمْ خَبَرٌ مِنَ السَّاعَةِ، وَالْعُمْرُ يَمْضِي سَاعَةً فَسَاعَةً، خَسِرُوا فِي أَشْرَفِ تِجَارَةٍ وَأَغْلَى بِضَاعَةٍ، يَتَثَاقَلُونَ تَثَاقُلَ عُطَارِدَ فِي الطَّاعَةِ، فَإِذَا لَاحَ الذَّنْبُ فَزُحَلُ، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣]. • كَيْفَ بِكَفٍّ يَعْيَا وَيَعِيثُ!، كَيْفَ بِنَفْسٍ نُحَذِّرُهَا شَرَّ الْخَطَايَا وَفِعْلُهَا خَبِيثٌ!، كَيْفَ نُخَوِّفُهَا قَلِيلَ الذَّنْبِ وَلِسَانُ الْحَالِ يَسْتَغِيثُ: أَنَا الْغَرِيقُ فَمَا خَوْفِي مِنَ الْبَلَلِ!، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣].] (١) اللهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. * * *

стр. 163

الْمَجْلِسُ السَّادِسَ عَشَرَ: فِي التَّحْذِيْرِ مِنْ فِتْنَةِ التِّلْفَازِ • الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيْرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيْهِ، لَا نُوَفِّي حَمْدَهُ بِهَذَا الْإِيْجَازِ، وَلَا نُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْهِ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، زَيَّلَ بَيْنَ الطَّيِّبِ وَالْخَبِيْثِ وَمَازَ، وَفَصَّل لِعِبَادِهِ مَا حُظِر عَلَيْهِمْ حَرَامًا، وَمَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ لِزَامًا، وَمَا نُدِبُوا إِلَيْهِ وَمَا جَازَ، وَدَعَا إِلَى دَارِ السَّلَامِ، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، عَلَّمَنَا بَعْدَ الْجَهَالَةِ، وَهَدَانَا مِنَ الضَّلَالَةِ، وَأَغْنَانَا مِنَ الْإِعْوَازِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، المَبْعُوثُ لِلنَّاسِ كَافَّةً فِي أُمِّ الْقُرَى مِنَ الْحِجَازِ، وَالْمُؤَيَّدُ بِالْبَيَانِ وَالْإِعْجَازِ، حَوَى خِصَالَ الْخَيْر وَحَازَ، وَدَلَّ عَلَى طَرِيْقِ النَّجَاةِ وَالْفَلَاحِ، بِأَعْظَمِ بَيَانٍ مِنْ رَبِّهِ وَأَتَمِّ إِيْضَاحٍ، مُجَانِبًا كُلَّ إِبْهَامٍ وَإِلْغَازِ، فَأَجْرَى اللهُ عَلَى يَدَيْهِ أَعْظَمَ إِنجَازٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان، مَا اجْتَازَ دَرْبَ الْخَيْرِ وَالْهُدَى مُجْتَازٌ، أَمَّا بَعْدُ: • فَهَا هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ تَمْضِي سَاعَاتُهُ، وَتَمُرُّ أَوْقَاتُهُ، [فَللَّهِ دَرُّ أَقْوَامٍ تَفَكَّرُوا فَأَبْصَرُوا، وَلاحَتْ لَهُمُ الْغَايَةُ فَمَا قَصَّرُوا، وَجَعَلُوا اللَّيْلَ رُوحَ قُلُوبِهِمْ وَالصِّيَامَ غِذَاءَ أَبْدَانِهِمْ، وَالصِّدْقَ عَادَةَ أَلْسِنَتِهِمْ وَالْمَوْتَ نَصْبَ أَعْيُنِهِمْ، جَعَلُوا الدُّنْيَا كَيَوْمٍ صَامُوهُ عَنْ شَهَوَاتِهم، وَجَعَلُوا فِطْرَهُمُ الْمَوْتَ، فَكَأَنْ قَدْ صَارُوا إِلَيْهِ، وَرَضُوا مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ مَعَ سَلامَةِ دِينِهم، كَمَا رَضِيَ أَقْوَامٌ بِالْكَثِيرِ مَعَ ذَهَابِ دِينِهِمْ.] (١) • [طُوبَى لِعَبْدٍ بَالَغَ فِي حِذَارِهِ، وَاحْتَفَرَ بِكَفِّ فِكْرِهِ قَبْرَهُ قَبْلَ احْتِفَارِهِ، وَانْتَهَبَ زَمَانَهُ بِأَيْدِي بِدَارِهِ، وَأَعْذَرَ فِي الأَمْرِ قَبْلَ شَيْبِ عِذَارِهِ، وَلَمْ يَرْضَ فِي زَادِهِ بِتَقْلِيلِهِ وَاخْتِصَارِهِ، وَرَأَى عَيْبَ الْهَوَى فَلَمْ يَصْطَلِ بِنَارِهِ، وَدَافَعَ الشَّهَوَاتِ وَصَابَرَ الْمَكَارِهَ، إِنْ

стр. 164

بَحَثْتَ عَنْهُ رَأَيْتَهُ صَائِمٌ نَهَارَهُ، وَإِنْ سَأَلْتَ عَنْ لَيْلِهِ فَقَائِمٌ أَسْحَارَهُ، وَإِنْ تَلَمَّحْتَهُ فَالزَّفِيرُ فِي إِصْعَادِهِ وَالدَّمْعُ فِي انْحِدَارِهِ، وَلَا يَتَنَاوَلُ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا قَدْرَ اضْطِرَارِهِ، بَاعَهَا، فَاشْتَرَى بِهَا مَا يَبْقَى بِاخْتِيَارِهِ، هَلْ فِيكُمْ مُتَشَبِّهٌ بِهَذَا أَوْ عَلَى نِجَارِهِ؟ • يَا حُسْنَهُ وَمَصَابِيحُ النُّجُومِ تُزْهِرُ، وَالنَّاسُ قَدْ نَامُوا وَهُوَ فِي الْخَيْرِ يَسْهَرُ، غَسَلَ وَجْهَهُ مِنْ مَاءِ عَيْنِهِ وَعَيْنُ الْعَيْنِ أَطْهَرُ، فَلَمَّا قَضَى وِرْدَ الدُّجَى جَلَسَ يَتَفَكَّرُ، فَخَطَرَ عَلَى قَلْبِهِ كَيْفَ يَمُوتُ وَكَيْفَ يُقْبَرُ، وَتَصَوَّرَ صَحَائِفَهُ كَيْفَ تُطْوَى وَكَيْفَ تُنشَرُ، فَهَامَ قَلْبُهُ فِي بَوَادِي الْقَلَقِ وَتَحَيَّرَ، فَطَلَّقَ الدُّنْيَا ثَلاثًا، وَهَلْ يُسْتَوْطَنُ مَعْبَرٌ؟! • يَا مَنْ عُمْرُهُ قَدْ وَهَى فِي سِلْكِ الْهَوَى فَهُوَ مُتَهَافِتٌ، مَتَى تَسْتَدْرِكُ فِي هَذِهِ الْبَقِيَّةِ الْفَائِتَ؟! مَتَى يَذْهَبُ النَّوْمُ فَتَجْتَمِعُ الْهُمُومُ الشَّتَائِتُ؟! أَمَا رَأَيْتَ الْمَنَايَا تَحْصِدُ الْمُنَى فِي الْمَنَابِتِ؟! كَمْ مُقَهْقِهٍ رَجَعَ الْقَهْقَرَى إِلَى حُزْنٍ بَاكِتٍ؟! كَأَنَّكَ بِالْمَوْتِ إِذْ ثَوَى قَدْ فَزَّعَ الثَّوَابِتَ، وَنَزَلَ بِكَ إِذْ نَزَلَ إِلَى حَيْرَةِ بَاهِتٍ، يَا جَاهِلًا قَدْ غُرَّ لَقَدْ سُرَّ بِفِعْلِكَ الشَّامِتُ: كَأَنَّكَ بِالْمُضِيِّ إِلَى سَبِيلِكْ … وَقَدْ جَدَّ الْمُجَهِّزُ فِي رَحِيلِكْ وَجِيءَ بِغَاسِلٍ فَاسْتَعْجَلُوهُ … بِقَوْلِهِمُ لَهُ: افْرُغْ مِنْ غَسِيلِكْ وَلَمْ تَحْمِلْ سِوَى خِرَقٍ وَقُطْنٍ … إِلَيْهِمْ مِنْ كَثِيرِكَ أَوْ قَلِيلِكْ وَقَدْ مَدَّ الرِّجَالُ إِلَيْكَ نَعْشًا … فَأَنْتَ عَلَيْهِ مُمْتَدٌّ بِطُوْلِكْ وَصَلَّوْا ثُمَّ إِنَّهُمْ تَدَاعَوْا … بِحَمْلِكَ فِي بُكُورِكَ أَوْ أَصِيلِكْ فَلَمَّا أَسْلَكُوكَ نَزَلْتَ قَبْرًا … وَمَنْ لَكَ بِالسَّلامَةِ فِي نُزُولِكْ أَعَانَكَ يَوْمَ تَدْخُلُهُ رَحِيْمٌ … رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ عَلَى دُخُولِكْ فَسَوْفَ تُجَاوِرُ الْمَوْتَى نَزيلًا … فَدَعْنِي مِنْ قَصِيرِكَ أَوْ طَوِيلِكْ أَخِي إِنِّي نَصَحْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِي … وَبِاللَّهِ اسْتَعَنْتُ عَلَى قَبُولِكْ أَلَسْتَ تَرَى الْمَنَايَا كُلَّ يَوْمٍ … تُصِيبُكَ فِي أَخِيكَ وَفِي خَلِيلِكْ] (١)

стр. 165

• إِخْوَانِي فِي اللهِ: رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ١١٨) فِي صَحِيْحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». • زَادَ أَحْمَدُ (رَقْم: ٨٠٣٠) وَغَيْرُهُ: «قَلِيلٍ». • وَرَوَى مُسْلِمٌ (رَقْم: ١٨٤٤) أَيْضًا مِنْ حَدِيْثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ، فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ». • وَنَحْنُ فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيْهِ الْفِتَنُ وَأَلَمَّتْ، وَعَظُمَتْ وَطَمَّتْ، وَتَتَابَعَتْ وَادلَهَمَّتْ، وَمِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْفِتَنِ الْخَطِيْرَةِ، وَالشُّرُورِ الْمُسْتَطِيْرَةِ: فِتْنَةُ التِّلْفَازِ، وَبِئْسَ الْجِهَازُ، فَفِيْهِ إِلَى الْخَنَا إِيْعَازٌ، وَعَلَى الْوَقْتِ وَالْعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ إِجْهَازٌ. • وَسَأَقِفُ فِي هَذَا الْمَجْلِسْ - إِنْ شَاءَ اللهُ - مَعَ بَعْضِ أَضْرَارِهِ وَمَفَاسِدِهِ، وَهِيَ كَثِيْرَةٌ؛ نُصْحًا وَتَحْذِيرًا، وَتَنبِيْهًا وَتَذْكِيرًا، فَأَقُولُ - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيْقُ، وَعَلَى اللهِ قَصْدُ الطَّرِيْقِ -: • المَفْسَدَةُ الأُولَى مِنْ مَفَاسِدِ التلْفَازِ: الَترْوِيْجُ لِلشِّرْكِ باللهِ بَأَنْوَاعِهِ وَصُوَرِهِ، وَإِضْعَافُ عَقِيْدَةِ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ لَدَى الْمُسْلِمِ شَيْئًا، فَشَيْئًا، فَلَرُبَّمَا انسَلَخَ مِنْ

стр. 166

دِيْنِهِ، وَنَقَضَ تَوْحِيْدَهُ، بِحَيْثُ يَقَعُ فِي شِرْكٍ أَكْبَرَ مُخْرِجٍ مِنَ الْمِلَّةِ، وَيَتَرَسَّخُ فِي ذِهْنِهِ الْإِعْجَابُ بِأَحْوَالِ الْكَافِرِيْنَ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهِمْ بِنَظَرِ إِجْلَالٍ وَإِعْزَازٍ، وَأَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ!، وَيَسْتَثْقِلُ هَذَا الدِّيْنَ وَأَحْكَامَهُ وَأَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ، وَرُبَّمَا رَآهُ سَبَبَ تَخَلُّفِ الْمُسْلِمِيْنَ وَضَعْفِهِمْ وَتَبَعِيَّتِهِمْ وَعَدَمِ لَحَاقِهِمْ بِرَكْبِ الْحَضَارَةِ الْغَرْبِيَّةِ الْمَادِيَّةِ الْمَقِيْتَةِ الَّتِي صَارَ أَهْلُهَا شَرًّا مِنَ الدَّوَابِّ، لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِيْنُونَ دِيْنَ الْحَقِّ، وَلَا يَتَوَرَّعُونَ عَنْ مُحَرَّمِ، مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ، أَوْ شُرْبِ الْمُسْكِرَاتِ، أَوْ أَكْلِ الرِّبَا، أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، صُدُورُهُمْ تَغْلِي بِفِتَنِ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ كَمَراجِلِ النِّيْرَانِ، قَالَ : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وَقَالَ : ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣ - ٤٤]، وقال : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]، وَقَالَ : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٥٥]، وَقَالَ : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]، وَقَالَ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦]. • أَفَيُعْجَبُ بِهَؤُلَاءِ، وَيُتْرَكُ مَصْدَرُ عِزِّ الْمُسْلِمِيْنَ وَفَلَاحِهِمْ وَسَعَادَتِهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، الَّذِي هُوَ تَمَسُّكُهُمْ بِهَذَا الدِّيْنِ، فَوَاعَجَبَاهُ!. • إِنَّ التِّلْفَازَ مِنْ أَخْطَرِ الْوَسَائِلِ الَّتِي يَسْعَى مِنْ خِلَالِهَا الْكُفَّارُ إِلَى الصَّدِّ عَنْ سَبِيْلِ اللهِ وَصَرْفِ الْمُسْلِمِيْنَ عَنْ دِيْنِهِمْ، وَقَدْ أَصْبَحَ فِي عَامَّةِ بُيُوتِ الْمُسْلِمِيْنَ، فَالْبُيُوتُ الَّتِيْ تَخْلُو مِنْهُ قَلِيْلَةٌ، جِدُّ قَلِيْلَةٍ، فَهَلْ يَتَفَطَّنُ هَؤُلَاءِ لِهَذَا الْأَمْرِ؟!. • المَفْسَدَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مَفَاسِدِ التِّلْفَازِ: أَنَّهُ أَصْبَحَ مِنْ أَخْطَرِ الْوَسَائِلِ الَّتِي تُرَوِّجُ لِلْبِدَعِ

стр. 167

وَالْعَقَائِدِ الْمُنحَرِفَةِ، وَتَدْعُوا إِلَيْهَا، سَوَاءٌ الْبِدَعُ الْمُكَفِّرَةُ، كَالْبَاطِنِيَّةِ، وَالْحُلُوْلِيَّةِ وَالِاتِّحَادِيَّةِ، وَالْقُبُورِيَّةِ، وَالسِّحْرِ، أَوِ الْمُفَسِّقَةُ، كَالْحِزْبِيَّةِ، وَشُبَهُ أَهْلِ الضَّلَالِ خَطَّافَةٌ، وَالْقُلُوبُ ضَعِيْفَةٌ، لَا سِيَّمَا مَعَ قِلَّةِ الْعِنَايَةِ بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْفِقْهِ فِي الدِّيْنِ الَّذِيْ هُوَ عِصْمَةٌ مِنَ الْفِتَنِ. • المَفْسَدَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ مَفَاسِدِ التِّلْفَازِ: أَنَّهُ أَصْبَحَ دَاعِيَةَ الْعَصْرِ إِلَى الرَّذِيْلَةِ، وَالْخَنَا، وَالدَّعَارَةِ، وَالتَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ، وَالانحِطَاطِ الْأَخْلَاقِيِّ، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ!. • فَفِيْهِ تُبَثُّ الْمَنَاظِرُ الْمُحَرَّمَةُ وَالْمَشَاهِدُ الْفَاتِنَةُ الَّتِي يَذْهَبُ مَعَهَا الْحَيَاءُ، وَتُبَثُّ صُوَرُ الْكَاسِيَاتِ الْعَارِيَاتِ، سَوَاءٌ فِي نَشْرَةِ الْأَخْبَارِ، أَوِ الْمُسَلْسَلَاتِ وَالتَّمْثِيْلِيَّاتِ أَوِ الْمَسْرَحِيَّاتِ، أَوِالْأَفْلَامِ!. • فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٢١٢٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا، قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيْحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيْرَةِ كَذَا وَكَذَا». • وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا مَا تَبُثُّهُ الْقَنَوَاتُ الْإِبَاحِيَّةُ مِنْ مَشَاهِدِ الْخَنَا وَالزِّنَا وَاللِّوَاطِ!، رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ يَنزُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ!، وَكَذَا مَشَاهِدُ الرَّقْصِ وَالْمُجُونِ!. لِمِثْلِ هَذَا يَذُوبُ الْقَلْبُ مِنْ كَمَدٍ … إِنْ كَانَ فِي الْقَلْبِ إِسْلَامٌ وَإِيْمَانُ • وَكَذَا مَا هُوَ فِي الْمَوَاقِعِ الْإِبَاحِيَّةِ عَلَى شَبَكَةِ الْإِنتَرْنِت، وَمَا يَتَنَاقَلُهُ الْفُسَّاقُ وَمَنْ لَا عِنَايَةَ لَهُ بِدِيْنِهِ عَنْ طَرِيْقِ ذَوَاكِرِ الْجَوَّالَاتِ، الَّتِي تُشَارِكُ التِّلْفَازَ فِي هَذِهِ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا، بَلْ رُبَّما زَادَتْ عَلَيْهَا، إِذَا أُسِيْءَ اسْتِعْمَالُهَا، هَكَذَا يُقَالُ فِي حَقِّ الْجَوَّالَاتِ: إِذَا أُسِيْءَ اسْتِخْدَامُهَا. • أَمَّا التِّلْفَازُ فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ أَصْلًا، وَبَعْضُهُمْ يَجْلِبُهُ إِلَى بَيْتِهِ بِحُجَّةِ مُتَابَعَةِ الْأَخْبَارِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَنْ يَقْرَأُ الْأَخْبَارَ امْرَأَةٌ مُتَبَرِّجَةٌ!، وَيُمْكِنُ مُتَابَعَةُ مَا يُرَادُ مِنْ أَخْبَارٍ

стр. 168

غَيْرِ مَحْذُورَةٍ عَنْ طَرِيْقِ الْإذَاعَةِ الَّتِي تُؤْمَنُ فِيْهَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ، أَوْ عَنْ طَرِيقِ النِّت. • وَبَعْضُهُمْ يَجْلِبُ التِّلْفَازَ بِحُجَّةِ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْمُحَاضَرَاتِ، وَهَذَا أَيْضًا مِنِ اسْتِدْرَاجِ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّ بِإِمْكَانِ هَؤُلَاءِ الاسْتِمَاعَ لِلْقُرْآنِ وَالْمُحَاضَرَاتِ مِنْ غَيْرِ التِّلْفَازِ، عَنْ طَرِيقِ الْجَوَّالَاتِ، أَوِ الـ: (إم. بي. ثري). • ثُمَّ إِنَّ الْأَوْلَادَ وَالنِّسَاءَ لَا يُرِيْدُونَ فِي الْغَالِبِ مِنَ التِّلْفَازِ إِلَّا الْبَرَامِجَ الْمُسَلِّيَةَ وَالْمُرَفِّهَةَ، كَأَفْلَامِ الْكَرْتُونِ، وَالْقَصَصِ الْغَرَامِيَّةِ! وَالْأَفْلَامِ الْهِندِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ وَالتُّرَّهَاتِ الشَّرْقِيَّةِ وَالْغَرْبِيَّةِ، فَالَّذِيْ يَحْرِصُ عَلَى الْخَيْرِ لَهُ وَلِذَوِيْهِ، وَيَنصَحُ لِهُمْ يَرَى حَتْمًا عَلَيْهِ أَنْ يُجَنِّبَهُمْ هَذِهِ الْفِتْنَةَ. • قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. • وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». (١) • وَفِيْهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيْثِ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». (٢) • وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (رَقْم: ٧١٥٠): «مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ».

стр. 169

• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: أُحَذِّرُ صَاحِبَ كُلِّ بَيْتٍ مِنْ أَنْ يَضَعَ فِي بَيْتِهِ مِثْلَ هَذَا الدُّشِّ؛ لِأَنَّهُ سَوْفَ يُخَلِّفُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيَكُونُ وَبَالًا عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، وَإِنِّي أَسْأَلُ وَاضِعَ الدُّشِّ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ يَرَى هَذِهِ الْمَنَاكِيْرِ الَّتِي تُبَثُّ مِنْهُ، هَلْ هُوَ بِهَذَا نَاصِحٌ لِأَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ غَاشٌّ لَهُمْ؟ وَالْجَوَابُ - وَلَابُدَّ - أَنَّهُ غَاشٌّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ، فَلَا يُحِسُّ، لَكِن سَيَقُولُ: إِنَّهُ غَاشٌّ. فَأَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ قَوْلَ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». (١) • فَأَنْتَ الْآنَ إِذَا مُتَّ وَقَدْ وَضَعْتَ لِأَهْلِكَ هَذَا الدُّشَّ الَّذِيْ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ غِشٌّ فِي الْبَيْتِ، لِأَنَّ الْبَيْتَ فِيْهِ نِسَاءٌ، وَفِيْهِ سُفَهَاءُ صِغَارٌ، لَا يَتَحَاشَوْنَ الشَّيْءَ الْمُحَرَّمَ، فَأَنْتَ بِهَذَا مِمَّنْ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، فَتَكُونُ أَهْلًا لِلْوَعِيْدِ الشَّدِيْدِ الَّذِيْ جَاءَ فِي الْحَدِيْثِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَلِيْقُ بِالْإِنسَانِ أَنْ يُدَمِّرَ أَخْلَاقَهُ وَأَخْلَاقَ أَهْلِهِ. ا. هـ. • وَالْمَقْصُودُ أَنَّ إِطْلَاقَ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي تُبَثُّ عَبْرَ التِّلْفَازِ وَعَبْرَ شَاشَاتِ الْجَوَّالَاتِ مِنْ أَخْصَرِ الطُّرُقِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى خَرَابِ الْقُلُوبِ وَفَسَادِ الطَّوِيَّةِ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قِيْلَ: كُلُّ الْحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ … وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ كَمْ نَظْرَةٍ فَتَكَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا … فَتْكَ السِّهَامِ بِلَا قَوْسٍ وَلَا وَتَرِ وَالْمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُهَا … فِي أَعْيُنِ الْغِيْدِ مَوْقُوفٌ عَلَى خَطَرِ يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَهُ … لَا مَرْحَبًا بِسُرُورٍ عَادَ بِالضَّرَرِ • وَسَدَّا لِذَرَائِعِ الْفِتْنَةِ فَقَدْ أَمَرَ اللهُ عِبَادَهُ بِالْغَضِّ مِنَ الْأَبْصَارِ، فَقَالَ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١].

стр. 170

• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٢٦٥٧). وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٦٢٤٣، و ٦٦١٢) دُونَ ذِكْرِ الْأُذُنَيْنِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ. • وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٢١٥٩) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁، قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي». • فَرُبَّ نَظْرَةٍ مُحَرَّمَةٍ جَرَّتْ إِلَى ارْتِكَابِ الزِّنَا أَوِ اللِّوَاطِ، أَوْ الْقُرْبِ مِنْهُمَا، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللهُ بِاجْتِنَابِ الزِّنَا وَاجْتِنَابِ مُقَدِّمَاتِهِ، وَالَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا: النَّظَرُ الْمُحَرَّمُ، فَقَالَ : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. • وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يُمَكِّنُ نِسَاءَهُ وَأَوْلَادَهُ مِنْ هَذَا الْجِهَازِ الْهَدَّامِ، وَرُبَّمَا تَغَرَّبَ، وَتَرَكَ لَهُمُ الْحَبْلَ عَلَى الْغَارِبِ، فَأَصْبَحُوا أَسْرَى لِفِتَنِهِ وَفَرِيْسَةً لِبَوَائِقِهِ. • وَقَدْ حَصَلَ أَنْ وَقَعَ بَعْضُ الْأَوْلَادِ عَلَى بَعْضِ أَخَوَاتِهِ؛ مُحَاكِيًا مَا يُشَاهِدُهُ مِنَ الْخَنَا!. أَلْقَاهُ فِي الْيَمِّ مَكْتُوفًا وَقَالَ لَهُ … إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَبْتَلَّ بِالْمَاءِ • المَفْسَدَةُ الرَّابعَةُ مِن مَفَاسِدِ التِّلْفَازِ: صُوَرُ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ، أيًّا كَانَتْ؛ وَهِيَ تَمْنَعُ الْمَلَائِكَةَ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ. • فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي طَلْحَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ». (١)

стр. 171

• المَفْسَدَةُ الخَامِسَةُ مِنْ مَفَاسِدِ التِّلْفَازِ: تَأْثِيْرُهُ عَلَى السُّلُوكِ وَطَرِيْقَةِ التَّفْكِيْرِ، لَا سِيَّما عِنْدَ الْأَطْفَالِ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْ مَشَاهِدِ الْمُسَلْسَلَاتِ وَالْأَفْلَامِ: السَّرِقَةَ وَالْغِشَّ وَالْخِدَاعَ وَالِاحْتِيَالَ وَالْكَذِبَ، وَيَتَلَقَّوْنَهَا عَلَى أَنَّهَا ذَكَاءٌ وَبُطُولَاتٌ، وَقَدْ قَتَلَ بَعْضُ الْأَوْلَادِ عَدَدًا مِنَ النَّاسِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، مُتَأَثِّرًا بِمَشَاهِدِ أَفْلَامِ الرُّعْبِ، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ. • المَفْسَدَةُ السَّادِسَةُ مِنْ مَفَاسِدِ التِّلْفَازِ: تَأْثِيْرُهُ عَلَى الْبَدَنِ، فَقَدْ ذَكَرَتْ بَعْضُ الدِّرَاسَاتِ الْإِحْصَائِيَّةِ أَنَّ الْأَطْفَالَ الَّذِيْنَ يَقْضُونَ أَكْثَرَ مِنْ سَاعَتَيْنِ فِي مُشَاهَدَةِ التِّلْفَازِ مُعَرَّضُونَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ لِلْإِصَابَةِ بِمَرَضِ ارْتِفَاعِ ضَغْطِ الدَّمِ، بِنِسْبَةٍ تَصِلُ إِلَى (٣٠%) مُقَارَنَةً بِغَيْرِهِمْ، كَمَا أَنَّ قِلَّةَ النَّشَاطِ الْبَدَنِيِّ لِلطِّفْلِ تَرْفَعُ هَذِهِ النِّسْبَةَ إِلَى (٥٠%). • وَهَذَا الارْتِفَاعُ فِي ضَغْطِ الدَّمِ قَدْ يُسَبِّبُ مَشَاكِلَ مُسْتَقْبَلِيَّةً فِي الْقَلْبِ وَالْأَوْعِيَةِ الدَّمَوِيَّةِ وَقَدْ يُسَبِّبُ الذَّبْحَةَ الصَّدْرِيَّةَ وَالْجَلْطَةَ الدِّمَاغِيَّةَ. • وَذَكَرَتْ بَعْضُ الدِّرَاسَاتِ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ سَاعَةٍ يُشَاهِدُ فِيْهَا الْأَطْفَالُ التِّلْفَازَ يَوْمِيًّا تُعَرِّضُهم لاحْتِمَالِ الْإِصَابَةِ بِقُصُورٍ فِي الِانتِبَاهِ مُسْتَقْبَلًا، بِنِسْبَةِ: (١٠%)، كَمَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَسَبَّبَ أَشِعَّةُ التِّلْفَازِ بِالْإِضْرَارِ بِصِحَّةِ الْعَيْنَيْنِ، وَتَعْوِيْدِ الْكَسَلِ وَالْخُمُولِ. • المَفْسَدَةُ السَّابِعَةُ مِنْ مَفَاسِدِ التِّلْفَازِ: تَشْوِيْهُ التَّارِيْخِ الْإِسْلَامِيِّ النَّاصِعِ، فَتَرَى بَعْضَ الْفُسَّاقِ مِنَ الْمُمَثِّلِيْنَ يُحَاكِي شَخْصِيَّةَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيْدِ، أَوْ شَخْصِيَّةَ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ، أَوْ شَخْصِيَّةَ صَلَاحِ الدِّيْنِ الْأَيُّوبِيِّ، وَيُجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ فِيْمَا يُعْرَفُ بِالْمُسَلْسَلَاتِ التَّارِيْخِيَّةِ؛ يُجْعَلُ لَهُ عَشِيْقَةٌ مُتَبَرِّجَةٌ!، تُعَاكِسُهُ!، وَتُغَازِلُهُ!، وَهَذَا - وَاللَّهِ - عَيْنُ الْجِنَايَةِ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَعَلَى تَارِيْخِ الْأُمَّةِ. • وَمِثْلُ هَذَا وَأَطَمُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ مَثَّلَ بَعْضَ الْأَنبِيَاءِ، كَنَبِيِّ اللهِ يُوسُفَ، هَذَا مَعَ مَا يَتَخَلَّلُ هَذِهِ الْمَشَاهِدَ مِنْ إِيْحَاآتٍ شَيْطَانِيَّةٍ، وَإِمْلَاآتٍ شَهْوَانِيَّةٍ، لَا تَمُتُّ إِلَى التَّارِيْخِ الصَّحِيْحِ بِصِلَةٍ، تَبْقَى عَالِقَةً فِي أَذْهَانِ مَنْ يُشَاهِدُهَا!، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. • وَالتَّمْثِيْلُ مُحَرَّمٌ مِنْ أَصْلِهِ، لَا يَجُوزُ مُحَاكَاةُ وَلَا تَمْثِيْلُ بَرٍّ وَلَا فَاجِرٍ.

стр. 172

• هَذَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى تَشْوِيْهِ أَهْلِ التَّدَيُّنِ الْحَقِّ! وَخَلْطِ الْأَوْرَاقِ! وَإِلَى اللَّهِ الْمُشْتَكَى. • المَفْسَدَةُ الثَّامِنَةُ مِنْ مَفَاسِدِ التِّلْفَازِ: إِهْدَارُ الْأَوْقَاتِ، وَتَضْيِيْعُهَا، فَلَوْ كَانَ إِهْدَارُهَا فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ لَكَانَ وَاللَّهِ غَبْنًا، فَكَيْفَ بِإهْدَارِهَا فِي أُمُورٍ مَحْظُورَةٍ، لَا سِيَّما فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ مُؤَسَّسَاتِ الْإِنتَاجِ الْإِعْلَامِيَّةَ وَالسَّيْنَمَائِيَّةَ - لَا بَارَكَ اللهُ فِيْهَا وَلَا كَثَّرَهَا - تَظَلُّ طِيْلَةَ الْعَامِ تُحَضِّرُ وَتُعِدُّ الْبَرَامِجَ لِشَهْرِ رَمَضَانَ؛ فَهُوَ مَوْسِمٌ لِتَرْوِيْجِ مُنتَجَاتِهَا، تَجْنِى مِنْهُ الْعَوَائِدَ وَالْأَرْبَاحَ!. • فَالْوَقْتَ الْوَقْتَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الْفَاضِلِ، لَا تُضَيِّعُوهُ فِي مُشَاهَدَةِ التُّرَّهَاتِ وَالْمُسَابَقَاتِ، وَالْمُسَلْسَلَاتِ، وَالْمُبَارَيَاتِ؛ فَتَقَعُوا فِي الْحَسَرَاتِ، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٦ - ٥٨]. • رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيْحِهِ (رَقْم: ٦٤١٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ». • وَ «مَغْبُونٌ» هُوَ: مِنَ الْغَبْنِ، وَهُوَ النَّقْصُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ كَثِيْرًا مِنَ النَّاسِ يُفَرِّطُونَ فِي هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ، فَلَا يَسْتَغِلُّونَهُمَا فِيْمَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالنَّفْعِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ. • وَقْتَكَ وَقْتَكَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ؛ فَإِنَّهُ رَأْسُ مَالِكَ. وَالْوَقْتُ أَغْلَى مَا عُنِيْتَ بِحِفْظِهِ … وَأُرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَلَيْكَ يَضِيْعُ • وَقْتَكَ وَقْتَكَ؛ فَإِنَّكَ سَتُسْأَلُ عَنْهُ، فَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ

стр. 173

أَبْلَاهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٢٤١٧)، وَلَهُ شَوَاهِدُ، وَهُوَ فِي "الصَّحِيْحَةِ" (رَقْم: ٩٤٦). • فَلَا تُضَيِّعْ أَكْثَرَ أَوْقَاتِكَ بِالنَّهَارِ فِي النَّوْمِ، أَوِ الْغَفْلَةِ، وَلَا تُضَيِّعْ أَكْثَرَ وَقْتِكَ مِنَ اللَّيْلِ فِي مَضْغِ الْقَاتِ وَشُرْبِ الدُّخَانِ وَالْعُكُوفِ عَلَى مَا يُبَثُّ عَلَى شَاشَاتِ التِّلْفَازِ!. • احْفَظْ عَلَيْكَ صِيَامَكَ، وَحَافِظْ عَلَى الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةِ، وَعَلَى القِيَامِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ. إذا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى … وَأَبْصَرْتَ يَوْمَ الْحَشْر مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ كَمِثْلِهِ … وَأَنَّكَ لَمْ تَرْصُدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا • [يَا عَجَبًا لِلْمَشْغُولِينَ بِأَوْطَارِهِمْ عَنْ ذِكْرِ أَخْطَارِهِمْ، لَوْ تَفَكَّرُوا فِي حَالِ صَفَائِهِمْ فِي أَكْدَارِهِمْ، لَمَا سَلَكُوا طَرِيْقَ اغْتِرَارِهِمْ، أَمَا يَكْفِي فِي وَعْظِهِمْ وَازْدِجَارِهِمْ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. • الدُّنْيَا دَارُ الآفَاتِ وَالْفِتَنِ، كَمْ غَرَّتْ غِرًّا وَمَا فَطَنَ!، أَرَتْهُ ظَاهِرَهَا وَالظَّاهِرُ حَسَنٌ!، فَلَمَّا فَتَحَ عَيْنَ الْفِكْرِ مِنَ الْوَسَنِ، قَالَ: رَبِّ ارْجِعُونِ! وَلَنْ، وَيْحَ الْمَقْتُولِينَ بِسَيْفِ اغْتِرَارِهِمْ، وَالشَّرْعُ يَنْهَاهُمْ عَنْ أَوْزَارِهِمْ، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. • أَيْنَ أَرْبَابَ الْهَوَى وَالشَّهَوَاتِ، ذَهَبَتْ - وَاللَّهِ - اللَّذَّاتُ دُونَ التَّبِعَاتِ، وَنَدِمُوا إِذْ قَدِمُوا عَلَى مَا فَاتَ، وَتَمَنَّوْا بَعْدَ يُبْسِ الْعُودِ الْعَوْدَ وَهَيْهَاتَ، فَتَلَمَّحْ فِي الآثَارِ سُوءَ أَذْكَارِهِمْ، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. • نَازَلَهُمُ الْمَوْتُ عَلَى الذُّنُوبِ، فَأُسِرُوا فِي قُيُودِ الْجَهْلِ وَالْعُيُوبِ، فَرَحَلَتْ لَذَّاتٌ خَلَتْ عَنِ الأَفْوَاهِ وَالْقُلُوبِ، وَحَزِنُوا عَلَى الْفَائِتِ وَلَا حُزْنَ يَعْقُوبَ، حِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فِي ثِيَابِ إِدْبَارِهِمْ، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. • احْذَرُوا نَظْرَةً تُفْسِدُ الْقُلُوبَ، وَتَجْنِي عَلَيْكُمُ الذَّمَّ وَالْعُيُوبَ، تُسْخِطُ مَوْلاكُمْ عَالِمَ الْغُيُوبِ، لَقَدْ وَصَفَ الطَّبِيبُ حِمْيَةً لِلْمَطْبُوبِ، فَلَوِ اسْتَعْمَلُوا الْحِمْيَةَ لَمْ تَتَعَرَّضِ

стр. 174

الْحُمَّى بِأَبْشَارِهِمْ، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. • وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِلْهُدَى، وَعَصَمَنَا مِنْ أَسْبَابِ الْجَهْلِ وَالرَّدَى، وَسَلَّمَنَا مِنْ شَرِّ النُّفُوسِ فَإِنَّهَا شَرُّ الْعِدَى، وَجَعَلَنَا مِنَ الْمُنْتَفِعِينَ بِوَعْظِ أَخْيَارِهِمْ، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠].] (١) وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ * * *

стр. 175

الْمَجْلِسُ السَّابِعَ عَشَرَ: فِي ذِكْرِ أَسْبَابِ النَّصْرِ وَالتَّمْكِيْنِ فِي الأَرْضِ وَنَمَاذِجَ مِنِ انتِصَارَاتِ الْمُسْلِمِيْنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ • الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ لِسُلُوكِ سَبِيْلِهِ أَقْدَامَ السَّالِكِيْنَ، وَأَزَاغَ عَنْهَا الْأَشْقِيَاءَ الْهَالِكِيْنَ، وَعَدَ الْمُؤْمِنِيْنَ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِيْنِ، وَتَوَعَّدَ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ الْمُشْرِكِيْنَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ لِلنَّصْر أَسْبَابًا، وَلِلتَّمْكِيْنِ فِي الْأَرْضِ أَبْوَابًا، وَجَعَلَ الْقِيَامَ بِنَصْرِهِ جِمَاعَ ذَلِكَ وَرُكْنَهُ الرَّكِيْنَ، وَجَعَلَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ دَعَوَاتِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِيْنِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً لَسْنَا مُرْتَابِيْنَ فِيْهَا وَلَا شَاكِّيْنَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْمُؤَيَّدُ بِالْوَحْيِ مِنْ رَبِّهِ، عَلَّمَهُ شَدِيْدُ الْقُوَى مَكِيْنٌ، مَضَى يَدْعُو وَيُجَاهِدُ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ، لَا يَهِنُ وَلَا يَضْعُفُ وَلَا يَسْتَكِيْنُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ كَانُوا بِسُنَّتِهِ مُتَمَسِّكِيْنَ، هَبُّوا لِنُصْرَةِ الدِّيْنِ كَالْبَرَاكِيْنِ، وَكَانُوا فِي حُلُوقِ أَعْدَاءِ اللهِ شَجًا وَسَكَاكِيْنَ، وَأَغَاظَ اللهُ بِهِمُ الْخَرَّاصِيْنَ الْأَفَّاكِيْنَ، أَمَّا بَعْد: • فَإِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦]. • وَقَدْ وَعَدَ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمُؤْمِنَةَ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِيْنِ وَالِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]. • وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٢٨٨٩) عَنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا». • وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ

стр. 176

-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. (١) • وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ، وَالدِّينِ، وَالنَّصْرِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. (٢) • وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلنَّصْرِ أَسْبَابًا، مَنْ أَخَذَ بِهَا نَصَرَهُ اللهُ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا؛ تَخَلَّفَ عَنْهُ النَّصْرُ، وَهَذِهِ أَهَمُّ أَسْبَابِ النَّصْرِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيْمِ: الأَوَّلُ: الإِخْلاصُ، وَتحْقِيقُ التوْحِيْدِ، وَعِبَادَةُ اللهِ، وَعَدَمُ الإِشْرَاكِ به، قَالَ : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].

стр. 177

الثَّانِي: تَحْقِيْقُ الإيمَانِ، قَالَ : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]. • وَقَالَ : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. • وَقَالَ : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. • وَقَالَ : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. • وَقَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٤]. • وَأنصَارُ اللهِ هُمْ: أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَمَنْ وَالَاهُمْ وَأَحَبَّهُمْ، وَسَلَكَ طَرِيْقَتَهُمْ فِي التَّأَسِّي بِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. الثَّالِثُ: تَقْوَى اللهِ ؛ فَإِنَّهُ الْقَائلُ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]، وَقَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]. الرَّابِعُ: نُصْرَةُ اللَّهِ، قَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وَقَالَ : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ

стр. 178

إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. • وَنُصْرَةُ اللهِ تَكُونُ بِتَقْوَاهُ وَاتِّبَاعِ رِضَاهُ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ عِبَادِهِ، لَا تَنفَعُهُ طاَعَةُ الْمُطِيْعِيْنَ، وَلَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ الْعَاصِيْنَ، وَإِنَّمَا يَنفَعُونَ أَنفُسَهُمْ أَوْ يَضُرُّونَهَا، قَالَ : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وَقَالَ : ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦]، وَقَالَ فِي الْحَدِيْثِ الْقُدْسِيِّ: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُوني». (١) الخَامِسُ: الصَّبْرُ، قَالَ : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥ - ٦]، وَقَالَ : ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وَقَالَ : ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٥]، وَقَالَ : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وَقَالَ : ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]. السَّادِسُ: ذِكْرُ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ الْقَائِلُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].

стр. 179

السَّابِعُ: الدُّعَاءُ، قال : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨]. • وَقَالَ فِي شَأْنِ طَالُوتَ وَمَنْ مَعَهُ: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠ - ٢٥١]. • وَقَالَ : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٢]. • وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ١٧٦٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ،

стр. 180

كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ. • قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ، فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»، فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ. • وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، يَنْتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ»، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَقَالَ: «اللهُمَّ، مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ». (١) الثَّامِنُ: لُزُومُ السُّنَّةِ، وَتَرْكُ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ، وَالتَّوْبةُ إِلَى اللهِ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ، قَالَ : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]. • وَقَالَ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
следующие страницы →