Полный текст (342 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
• وَاخْتَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀ أَنْ يُرَدَّ ذَلِكَ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ؛ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
• وَعَلَىْهِ فَإِنَّ الْمُدَّ مِنَ الْبُرِّ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، كَالْأَرُزِّ الَّذِي هُوَ غَالِبُ طَعَامِ كَثِيْرِ مِنَ النَّاسِ الْآنَ يَكْفِي لِإشْبَاعِ الْمِسْكِيْنِ الْوَاحِدِ وَيَزِيْدُ، عَلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ؛ فَيُجْزِئُ بِلَا شَكٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (١)
• وَلَا يُشْتَرَطُ تَمْلِيْكُ الْمَسَاكِيْنِ طَعَامَ الْكَفَّارَةِ، عَلَى الصَّحِيْحِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيْثَ فِيْهِ ذِكْرُ الْإِطْعَامِ. قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: إِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا لَهُ صُوْرَتَانِ:
الأُولى: أَنْ يَصْنَعَ طَعَامًا، غَدَاءً أَوْ عَشَاءً، وَيَدْعُو الْمَسَاكِيْنَ إِلَيْهِ، فَيَأْكُلُوا، وَينصَرِفُوا.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْطَي كُلُّ وَاحِدٍ طَعَامًا، وَيُصْلِحَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَكِن مِمَّا يُؤْكَلُ عَادَةً. ا. هـ. (٢)
• وَلَا يَلْزَمُهُ مَعَ الْإِطْعَامِ إِدَامٌ، بَلْ يُسْتَحَبُّ، عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
• وَلَوْ جَعَلَ مَعَ الطَّعَامِ إِدَامًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَأَحْوَطُ، بِلَا شَكٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٣)
تَاسِعًا: لَا يُجْزِئُ إِلَّا أَنْ يُطْعِمَ مِسْكِيْنًا يَأْكُلُ الطَّعَامَ، صَغِيْرًا كَانَ أَمْ كَبِيرًا، فَلَوْ صَرَفَهَا إِلَى غَنِيٍّ لَمْ تُجْزِئْهُ.
• وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى قَرَابَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ؛ فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رقم: ١٠٧٢) عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ». стр. 107
• وَلَا يُجْزِئُ أَيْضًا إِخْرَاجُ الْقِيْمَةِ فِي الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ فِي النُّصُوصِ طَعَامًا.
عَاشِرًا: أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهَا تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيْحِ؛ إِذْ لَا دَلِيْلَ عَلَى سُقُوطِهَا عَنْهُ، وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الدُّيُونِ وَالْحُقُوقِ وَالْمُؤَاخَذَاتِ. (١)
تَنبِيْهٌ: قَوْلُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لِلْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ»، فِيْهِ أَنَّهُ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ؛ لِيُنفِقَهُ عَلَى أَهْلِهِ؛ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ، وَتَبْقَى الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى مَيْسَرَةٍ.
• وَلَا دَلَالَةَ فِيْهِ عَلَى سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ.
• وَلَيْسَ فِيْهِ أَيْضًا أَنَّهَا كَفَّارَةٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ فَقَدْ سَلَكَ مَسْلَكًا غَرِيْبًا، ضَعِيْفًا، كَمَا قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀؛ وَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ:
أَوَّلاً: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَصْرِفًا لِكَفَّارَتِهِ، كَمَا لَا يَكُونُ مَصْرِفًا لِزَكَاتِهِ.
ثَانِيًا: أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا، وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ عِندَهُ سِتُّونَ شَخْصًا يَعُولُهُمْ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنْ ذَلِكَ. (٢)
• [يَا مُعْرِضًا عَنِ الْهُدَى لَا يَسْعَى فِي طَلَبِهِ، يَا مَشْغُولًا بِلَهْوُهِ مَفْتُونًا بِلَعِبِهِ، يَا مَنْ قَدْ صَاحَ بِهِ الْمَوْتُ عِنْدَ أَخْذِ صَاحِبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• جُزْ عَلَى قَبْرِ الصَّدِيقِ، وَتَلَمَّحْ آثَارَ الرَّفِيقِ، يُخْبِرْكَ عَنْ حُسْنِهِ الأَنِيقِ، أَنَّهُ اسْتُلِبَ بِكَفِّ التَّمْزِيقِ!، هَذَا لَحْدُهُ وَأَنْتَ غَدًا بِهِ!، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• كَمْ نُهِيَ عَنِ الْخَطَايَا وَمَا انْتَهَى، وَكَمْ زَجَرَتْهُ الدُّنْيَا وَهُوَ يَسْعَى لَهَا، هَذَا رُكْنُهُ الْقَوِيمُ قَدْ وَهَى، وَهَا أَنْتَ فِي سَلَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. стр. 108
• أَيْنَ مَنْ عَتَا وَظَلَمَ، وَلَقِيَ النَّاسُ مِنْهُ الأَلَمَ، اقْتَطَعَهُ الرَّدَى اقْتِطَاعَ الْجَلَمِ، فَمَا نَفَعَهُ مَا جَمَعَهُ، لَا وَاللَّهِ وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ عِزُّ مَنْصِبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• بَاتَ فِي لَحْدِهِ أَسِيرًا، لَا يَمْلِكُ مِنَ الدُّنْيَا نَقِيرًا، بَلْ عَادَ بِوِزْرِ ذَنْبِهِ عَقِيرًا، وَأَصْبَحَ مِنْ مَالِهِ فَقِيرًا، عَلَى عِزِّ نَسَبِهِ وَكَثْرَةِ نَشَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• اللَّذَّاتُ تَفْنَى عَنْ قَلِيلٍ وَتَمُرُّ، وَآخِرُ الْهَوَى الْحُلْوِ مُرٌّ، وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ يَسُرُّ إِلَّا يَغُرُّ وَيَضُّرُ، ثُمَّ يَخْلُو ذُو الزَّلَلِ بِمُكْتَسَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• الْكِتَابُ يَحْوِي حَتَّى النَّظْرَة، وَالْحِسَابُ يَأْتِي عَلَى الذَّرَّةِ، وَخَاتِمَةُ كَأْسِ اللَّذَّاتِ مُرَّةٌ، وَالأَمْرُ جَلِيٌّ لِلْفُهُومِ مَا يَشْتَبِهُ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• تَقُومُ فِي حَشْرِكَ ذَلِيلًا، وَتَبْكِي عَلَى الذُّنُوبِ طَوِيلًا، وَتَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِكَ وِزْرًا ثَقِيلًا، وَالْوَيْلُ لِلْعَاصِي مِنْ قَبِيحِ مُنْقَلَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ، وَيَنْقَسِمُونَ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ، فَقَوْمٌ قَدْ حَلَّ بِهِمُ الْوَعِيدُ، وَقَوْمٌ قِيَامَتُهُمْ نُزْهَةٌ وَعِيدٌ، وَكُلُّ عَامِلٍ يَغْتَرِفُ مِنْ مَشْرَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• إِنَّمَا يَقَعُ الْجَزَاءُ عَلَى أَعْمَالِكَ، وَإِنَّمَا تَلْقَى غَدًا غِبَّ أَفْعَالِكَ، وَقَدْ قَصَدْنَا إِصْلاحَ حَالِكَ، فَإِنْ كُنْتَ مُتَيَقِّظًا فَاعْمَلْ لِذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَائِمًا فَانْتَبِهْ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.] (١)
• [فَاللَّهَ اللهَ مَعْشَرَ الْمُذْنِبِيْنَ مِثْلِي، لَا تُضَيِّعُوا أَيَّامَكُمْ بِالْقَبَائِح، وَلَا تُهْمِلُوا أَعْمَارَكُمْ فِي الذُّنُوب وَالْفَضَائِحِ؛ فَإِنْ جَمِيعَ أَعْمَالِكُمْ قَدْ أُحْصِيَتْ عَلَيْكُمْ فِي الصَّحَائِفِ وَالصَّحَائِحِ، وَسَتَقْرَؤُونَهَا بَين يَدي مَوْلَاكُمْ وَتَشْهَدُ عَلَيْكُم الْجَوَارِح بِالْقَبِيْحِ وَالْحَسَنِ مِنْ أَعَمَالِكُمْ. стр. 109
سَوف تَأْتِي عَلَيْك سَاعَةُ خَوْفٍ … حِين تُعْطى صَحَائِفَ الْأَعْمَالِ
وَكَأَنِّي أَرَى فَضَائِحَ قَوْمٍ … قَدْ تَجَلَّى لِكَشْفِهَا ذُو الْجلَال
لَيْتَ شِعْرِي إِذَا قَرَأْتُ كِتَابِي … بِيَمِيْنِي أُعْطَاهُ أَمْ بِشِمَالِي] (١)
اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ وَالْأَدْوَاءِ، وَأَعِذْنَا مِنْ جَهْدِ البَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، وَارْزُقْنَا الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى، وآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ،
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * * стр. 110
الْمَجْلِسُ الْحَادِي عَشَرَ: ذِكْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصِّيَامِ مِنْ مَسَائِلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ والرِّدّةِ عَنِ الإسْلامِ
• الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَا زَالَ يُسْبِغُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ خِزَائِنِ رَحْمَتِهِ ويُفِيْضُ، لَا يُهِيْضُ النَّاسُ مَا يَجْبُرُهُ، وَلَا يَجْبُرُونَ مَا يُهِيْضُ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَيْسَ لِمَا قَضَاهُ نَقْضٌ وَلَا تَقْوِيْضٌ، يَعْلَمُ مَا تَزْدَادُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَغِيْضُ، كَتَبَ عَلَى بِنتِ آدَمَ أَنْ تَحِيْضَ، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامًا، وَرَكَّبَ فِيْنَا عُقُولًا وَأَفْهَامًا، فَلَكَمْ أُورِدَ عَلَى الْفِقْهِ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَضٍّ وَتَحْرِيْضٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، عَالِمُ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، عَظُمَ لُطْفُهُ بِعِبَادِهِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَفْرَدَ أَحْكَامًا لِذَوِي الْأَعْذَارِ، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمُسَافِر وَالْمَرِيضِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَنَارَ اللهُ بِهِ السَّبِيْلَ الْمُوْصِلَةَ إِلَيْهِ، فَهِي بِنُورِ هَدْيِهِ لَوَامِعُ بِيْضٌ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ أُولِي الْمَنَاقِبِ الْمَشْهُورَةِ، وَالْفَضَائِلِ الْمَنشُورَةِ الَّتِي أَغْنَاهُمُ اللهُ بِهَا عَنْ كُلِّ مَدْحٍ وَتَقْرِيْضِ، فَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا كُلُّ بَغِيْضٍ تَرَدَّى فِي الْحَضِيْضِ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان، مَا جَرَى عَلَى الْأَلْسُنِ نَثْرٌ أَوْ قَرِيْضٌ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصِّيَامِ، وَهَذِهِ أَهَمُّ مَسَائِلِهِمَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصِّيَامِ:
الأُولى: أَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ يُبْطِلَانِ الصِّيَامَ وَيَمْنَعَانِهِ، وَأَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ تَقْضِيَانِ الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِيَانِ الصَّلَاةَ، وَهَذَا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
• أما النصُّ فَحَدِيْثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: ٣٠٤، و ١٩٥١).
• وعَنْ مُعَاذَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵄، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟! فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي
стр. 111
أَسْأَلُ. قَالَتْ: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رقم: ٣٣٥)، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ (رقم: ٣٢١) نَحْوَهُ دُونَ ذِكْرِ الصَّوْمِ.
• وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ: التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ جَرِيْرٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ قُدَامَةَ، وَالنَّوَوِيُّ ﵏. (١)
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا يَحِلُّ لَهُمَا الصَّوْمُ، وَأَنَّهُمَا يُفْطِرَانِ رَمَضَانَ، وَيَقْضِيَانِ، وَأَنَّهُمَا إذَا صَامَتَا لَمْ يُجْزِئْهُمَا الصَّوْمُ.
• وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: لَا يَصِحُّ صَوْمُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا، وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَمْسَكَتْ لَا بِنِيَّةِ الصَّوْمِ لَمْ تَأْثَمْ، وَإِنَّمَا تَأْثَمُ إذَا نَوَتْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْعَقِدُ. ا. هـ.
• وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: وَحُكْمُ النُّفَسَاءِ حُكْمُ الْحَائِضِ فِي جَمِيعِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا، وَيَسْقُطُ عَنْهَا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. ا. هـ. (٢)
• قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: وَأَمَّا إيجَابُ الصَّوْمِ - يَعْنِي قَضَاءَهُ - عَلَى الْحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ فَمِنْ تَمَامِ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَحِكْمَتِهَا وَرِعَايَتِهَا لِمَصَالِحِ الْمُكَلَّفِينَ؛ فَإِنَّ الْحَيْضَ لَمَّا كَانَ مُنَافِيًا لِلْعِبَادَةِ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ فِعْلُهَا، وَكَانَ فِي صَلَاتِهَا أَيَّامَ الطُّهْرِ مَا يُغْنِيهَا عَنْ صَلَاةِ أَيَّامِ الْحَيْضِ، فَيَحْصُلُ لَهَا مَصْلَحَةُ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الطُّهْرِ؛ لِتَكَرُّرِهَا كُلَّ يَوْمٍ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ، وَهُوَ شَهْرٌ وَاحِدٌ فِي الْعَامِ، فَلَوْ سَقَطَ عَنْهَا فِعْلُهُ بِالْحَيْضِ لَمْ يَكُنْ لَهَا سَبِيلٌ إلَى تَدَارُكِ نَظِيرِهِ، وَفَاتَتْ عَلَيْهَا مَصْلَحَتُهُ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَصُومَ شَهْرًا فِي стр. 112
طُهْرِهَا؛ لِتُحَصِّلَ مَصْلَحَةَ الصَّوْمِ الَّتِي هِيَ مِنْ تَمَامِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعَبْدِهِ وَإِحْسَانِهِ إلَيْهِ بِشَرْعِهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ا. هـ. (١)
الثَّانِيَةُ: إذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ أَوِ النُّفَسَاءُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَلَا يَلْزَمُهَا إمْسَاكُ بَقِيَّتِهِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
• قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ مِنَ الْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا مِنَ الْفَجْرِ، وَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ يُبَاحُ لَهُمُ الْفِطْرُ أَوَّلَ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ رَمَضَانُ، وَاللَّهُ إِنَّمَا أَوْجَبَ الْإِمْسَاكَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ مِنَ الْفَجْرِ، وَهَؤُلَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، فَلَمْ يَكُونُوا مُطَالَبِيْنَ بِالْإِمْسَاكِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
• وَلِأَنَّ اللهَ إِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى الْمُسَافِرِ وَكَذَلِكَ الْحَائِضِ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، بَدَلًا عَنِ الَّتِي أَفْطَرَهَا، وَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْإِمْسَاكَ لَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللهُ؛ لِأَنَّنَا حِينَئِذٍ أَوْجَبْنَا إِمْسَاكَ هَذَا الْيَوْمِ مَعَ وُجُوبِ قَضَائِهِ، فَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ أَمْرَيْنِ مَعَ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الْقَضَاءُ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْأَدِلَّةِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ. (٢)
الثَّالِثَةُ: إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ أَوِ النُّفَسَاءُ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَخَّرَتْ غُسْلَهَا إِلَى مَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ عَلَى صِيَامِهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيْرُهُ فِي الْجُنُبِ إِذَا أَصْبَحَ مِنْ جِمَاعٍ أَوِ احْتِلَامٍ.
الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ لِلْمَرَأَةِ أَنْ تَسْتَعْمِلَ دَوَاءً يَقْطَعُ حَيْضَهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ تَصُومَ، جَاءَ في "فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ" (الْمَجْمُوعَةِ الْأُوْلَى) (ج ٥/ صـ: ٤٤): يَجُوزُ أَنْ تَسْتَعْمِلَ الْمَرْأَةُ أَدْوِيَةً فِي رَمَضَانَ؛ لِمَنْعِ الْحَيْضِ، إِذَا قَرَّرَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ الْأُمَنَاءُ مِنَ الْأَطِبَّاءِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ стр. 113
أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهَا، وَلَا يُؤَثِّرُ عَلَى جِهَازِ حَمْلِهَا، وَخَيْرٌ لَهَا أَنْ تَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهَا رُخْصَةً فِي الْفِطْرِ إِذَا جَاءَهَا الْحَيْضُ فِي رَمَضَانَ، وَشَرَعَ لَهَا قَضَاءَ الْأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَتْهَا، وَرَضِيَ لَهَا بِذَلِكَ دِيْنًا.
• فَإِذَا اسْتَعْمَلَتْهُ وَانقَطَعَ حَيْضُهَا وَجَبَ عَلَيْهَا مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الطَّاهِرَةِ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَغَيْرِهِمَا، وَأُبِيْحَ لَهَا مَا أُبِيْحَ للطَّاهِرَةِ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ أَصْحَابُنَا - يَعْنِي: الشَّافِعِيَّةَ -: شُرُوطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ أَرْبَعَةٌ: النَّقَاءُ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَالْإِسْلَامُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَالْوَقْتُ الْقَابِلُ لِلصَّوْمِ.
• قَالَ: وَالْوَقْتُ الْقَابِلُ للصَّوْمِ احْتِرَازًا عَنْ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ. ا. هـ. (١)
• قُلْتُ: وَخَامِسُهَا تَبْيِيْتُ النِّيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، فَلَا يَنبَغِي إِغْفَالُهَا.
وَسَادِسُهَا: الْعَقْلُ، فَتِلْكَ سِتَّةٌ كَامِلَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسَةُ: أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ كَالطَّاهِرَةِ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، لَا تَمْتَنِعُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ، نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ. (٢)
• والتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْحَيْضَةِ وَالاسْتِحَاضَةِ أَمْرٌ يُشْكِلُ عَلَى كَثِيْرٍ مِنَ النِّسَاءِ؛ بِسَبَبِ الْجَهْلِ وَعَدَمِ السُّؤَالِ، وَالْوَاجِبُ الْعِنَايَةُ بِهَذَا الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِهِ يَقُودُ إِلَى مَحَاذِيْرَ شَرْعِيَّةٍ عِدَّةٍ، مِنْهَا تَرْكُ الْمُسْتَحَاضَةِ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ بغير عُذْرٍ، أَوْ إِحْدَاثُهُمَا فِي وَقْتِ الْحَيْضَةِ.
• وَمِمَّا يَنبَغِي مَعْرِفَتُهُ فِي هَذَا الْبَابِ:
• أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ، وَلَا لِأَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ، وَإِن كَانَ للْمَرْأَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ عَادَةٌ مَكَثَتْ قَدْرَهَا، ثُمَّ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَصَامَتْ إِنْ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمٌ، أَوْ أَرَادَتِ التَّنَفُّلَ. стр. 114
• فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي». (١)
• وَيُمْكِنُ التَّمْيِيْزُ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَبَيْنَ دَمِ الاسْتِحَاضَةِ بِأَرْبَعِ عَلَامَاتٍ:
١) اللَّوْنُ، فَدَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ، وَدَمُ الاسْتِحَاضَةِ أَحْمَرُ.
٢) وَالرَّائِحَةُ، فَدَمُ الْحَيْضِ مُنتِنٌ، وَدَمُ الاسْتِحَاضَةِ رِيْحُهُ رِيْحُ الدَّمِ الْمُعْتَادِ.
٣) وَاللُّزُوجَةُ، فَدَمُ الْحَيْضِ ثَخِيْنٌ، غَلِيْظٌ، وَدَمُ الاسْتِحَاضَةِ رَقِيْقٌ، كَالدَّمِ الْمُعْتَادِ.
٤) وَالتَّجَمُّدُ، فَدَمُ الْحَيْضِ يَتَجَمَّدُ بِبُطْءٍ، وَدَمُ الاسْتِحَاضَةِ سَرِيْعُ التَّجَمُّدِ. (٢)
السَّابِعَةُ: أَنَّ أَقْصَى مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إِلَّا أَنْ تَطْهُرَ قَبْلَ ذَلِكَ، هَذَا هُوَ الصَّحِيْحُ؛ لِحَدِيْثِ أَبِي سَهْلٍ، عَنْ مُسَّةَ الأَزْدِيَّةِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَتْ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَرْبَعِينَ يَوْمًا». (٣) стр. 115
• قَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. ا. هـ.
• وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀: وَالْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا مُتَعَاضِدَةٌ، بَالِغَةٌ إلَى حَدِّ الصَّلَاحِيَّةِ وَالِاعْتِبَارِ، فَالْمَصِيرُ إلَيْهَا مُتَعَيِّنٌ، فَالْوَاجِبُ عَلَى النُّفَسَاءِ وُقُوفُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ. ا. هـ. (١)
• وَأَمَّا أَقَلُّ النِّفَاسِ، فَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ.
• وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَإِنَّهَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ وَتُحْبِطُ الْعِبَادَةَ إِذَا اتَّصَلَتْ بَالْمَوْتِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. (٢) стр. 116
• أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
• وقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مِنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ أَنَّهُ يُفْسِدُ صَوْمَهُ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ رِدَّتُهُ بِاعْتِقَادِهِ مَا يَكْفُرُ بِهِ، أَوْ شَكِّهِ فِيمَا يَكْفُرُ بِالشَّكِّ فِيهِ، أَوْ بِالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، مُسْتَهْزِئًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَهْزِئٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، فَأَبْطَلَتْهَا الرِّدَّةُ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَنَافَاهَا الْكُفْرُ، كَالصَّلَاةِ. ا. هـ. (١)
• إِخْوَانِي، احْرِصُوا عَلَى أَوْقَاتِ هَذَا الشَّهْرِ وَاغْتَنِمُوهَا، وَاعْرِفُوا حَقَّهَا وَلَا تُضَيِّعُوهَا.
• [آهٍ لِنَفْسِ لَا تَعْقِلُ أَمْرَهَا، ثُمَّ قَدْ جَهِلَتْ قَدْرَهَا، تُضَيِّعُ فِي الْمَعَاصِي عُمْرَهَا، وَتَخُوضُ مِنَ الذُّنُوبِ غَمْرَهَا، أَسَفًا لأَيَّامٍ مَضَتْ فِي الذُّنُوبِ وَتَوَلَّتْ، تَحَكَّمَتْ فِيهَا النَّفْسُ فَأَفْسَدَتْهَا إِذْ تَوَلَّتْ، وَعَلَى سَاعَاتٍ فِي طِلابِ الْهَوَى هَوَتْ وَاضْمَحَلَّتْ، حَسْرَةٌ عَنْ حَسِيرٍ ذَهَبَتْ وَحَلَّتْ، آهٍ لِشَيْبٍ كَانَ الشَّبَابُ مِنْهُ أَصْلَحَ، وَلِذِي عَيْبٍ مَا قَرَمَهُ الْعِتَابُ وَلَا أَصْلَحَ، وَلِمُفَرِّطٍ يَخْسَرُ كُلَّ يَوْمٍ وَلا يَرْبَحُ، وَلِمُتَخَبِّطٍ فِي ظَلامِ الظُّلْمِ وَالصَّبَاحُ قَدْ أَصْبَحَ.
قَدْ تَنَاهَتْ فِي بَلائِي حِيلَتِي … وَبَلائِي كُلُّهُ مِنْ قِبَلِي
كُلَّمَا قُلْتُ تَجَلَّتْ غُمَّتِي … عُدْتُ فِي ثَانِيَةٍ لا تَنْجَلِي
لَعِبَتْ بِي شَهَوَاتِي وَانْقَضَتْ … لِي حَيَاتِي فِي غُرُورِ الأَمَلِ стр. 117
وَأَحَلَّتْ بِي ذُنُوبِي سَقَمًا … كَيْفَ لِي بِالْبُرْءِ مِنْهُ كَيْفَ لِي
قَدْ رَمَتْنِي سَيِّئَاتِي وَالْهَوَى … بِسِهَام فَأَصَابَتْ مَقْتَلِي
وَأَتَى شَيْبِي وَحَالِي كَالَّذِي … كُنْتُ فِيهِ فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ] (١)
• اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا خَطِيئَاتِنَا وَجَهْلَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرنَا، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا، اللهُمَّ اغْفِرْ لَنَا جِدَّنا وَهَزْلَنَا، وَخَطَئَنَا وَعَمْدَنَا، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا، اللهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا، وَمَا أَسْرَرْنَا وَمَا أَعْلَنَّا، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّا، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * * стр. 118
الْمَجْلِسُ الثَّانِي عَشَر: فِي ذِكْرِ بَعْضِ أَحْكَام الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصِّيَامِ
• الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، وَأَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ بِإِكْمَالِ الدِّيْنِ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَى عِبَادِهِ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ القَيِّمَةِ إِصْرًا وَلَا حَرَجًا، فَأَنْعِمْ بِالْحَنِيْفِيَّةِ السَّمْحَةِ شَرِيْعَةً وَمَنْهَجًا، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ، مَنِ اسْتَهْدَاهُ هَدَاهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ رَجَاهُ كَانَ حَيْثُ رَجَا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً شَهِدَ اللهُ بِهَا وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا مَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ الْعِلْمِ أُولِي الْبَصَائِرِ وَالْحِجَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْبَشِيْرُ النَّذِيْرُ، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيْرُ، وَبَدْرُ الدُّجَى، الَّذِي بدَّدَ اللهُ بِهِ ظَلَامَ الشِّرْكِ وَالْجَهْلِ حِيْنَ سَجَى، مَنْ أَطَاعَهُ أَفْلَحَ وَنَجَا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، أَعْذِبِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَشْرَبًا، فَبِهِمْ نَفَّسَ اللهُ عَنِ رَسُولِهِ كُرَبًا، وَأَنشَأَ لَهُ فَرَجًا، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا تَتَابَعَ الدَّهْرُ شُهُورًا وَحِجَجًا، أَمَّا بَعْدُ:
• فَيَقُولُ اللهُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيْمِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥].
• فَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ أَنْ رَّخَّصَ لِلْمَرِيْضِ وَالْمُسَافِرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يُفْطِرَا،
стр. 119
وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمَا قَضَاءَ مَا أَفْطَرا مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَهَذِهِ أَهَمُّ مَسَائِلِ وَأَحْكَامِ هَذَا الْبَابِ:
الأُولى: أَنَّ هَذِهِ الرُّخْصَةَ لِلْمَرِيْضِ وَالْمُسَافِرِ في الْجُمْلَةِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا مِنَ الْكِتَابِ فَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَفِي السُّنَّةِ أَحَادِيْثُ كَثِيْرَةٌ فِي التَّرْخِيْصِ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ، مِنْهَا مَا سَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ.
• وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ: ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ رُشْدٍ، وابْنُ قُدَامَةَ، والنَّوَوِيُّ ﵏. (١)
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمَرَضَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ رُخْصَةً فِي الْفِطْرِ مِنْ عَدَمِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
١) الْمَرَضُ الْيَسِيْرُ، الَّذِي لَا يَشُقُّ مَعَهُ الصِّيَامُ مَشَقَّةً ظَاهِرَةً، وَلَا يُخْشَى مَعَهُ إبْطَاءُ بُرْءٍ وَلَا زِيَادَةُ أَلَمٍ، كَصُدَاعٍ يَسِيْرٍ، وَوَجَعِ ضِرْسٍ يَسِيْرٍ، وَحُمَّى خَفِيفَةٍ، وَشِبْهِهَا، فَلَا يَجُوزُ فِيْهِ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ عَنِ الْمَرِيْضِ، وَهِيَ مُنتَفِيَةٌ هُنَا.
٢) وَالْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ الصَّوْمُ، لَكِن لَا يَضُرُّهُ، وَلَا يَتَسَبَّبُ فِي زِيَادَةَ الْمَرَضِ، وَلَا تَأْخِيْرِ البُرْءِ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِطْرُ؛ أَخْذًا بِالرُّخْصَةِ، وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّوْمُ.
• فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ. (٢)
٣) وَالْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ الصَّوْمُ، وَيَضُرُّهُ، وَيُسَبِّبُ لَهُ زِيَادَةَ الْمَرَضِ، أَوْ تَأْخِيْرَ الْبُرْءِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. стр. 120
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «وَالنَّهْيُ هُنَا يَشْمَلُ إِزْهَاقَ الرُّوحِ، وَيَشْمَلُ مَا فِيْهِ الضَّرَرُ». (١)
• قُلْتُ: وَكَذَا عُمُومُ قَوْلِهِ : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وَقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
٤) وَالْمَرَضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَيْ: لَا يُؤَمَّلُ شِفَاؤُهُ، فَحُكْمُ صَاحِبِهِ حُكْمُ الشَّيْخِ الْكَبِيْرِ، وَالْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ اللَّذَيْنِ لَا يَسْتَطِيْعَانِ الصَّوْمَ؛ لِكِبَرِهِمَا، فَلِهَؤُلَاءِ الْفِطْرُ؛ لِقَوْلِ اللهِ : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• وَقَدْ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا، مِنْهُمُ: ابْنُ الْمُنذِرِ، وَالنَّوَوِيُّ. (٣)
• وَفِي وُجُوبِ الْإِطْعَامِ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ - أَعْنِي الشَّيْخَ الْكَبِيْرَ، وَالْمَرْأَةَ الْعَجُوزَ، وَالْمَرِيْضَ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، - خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
• فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِطْعَامُ مِسْكِيْنٍ عَنْ كُلِّ يَوْمِ يُفْطِرُ فِيْهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
• فَعَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقْرَأُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ، وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: ٤٥٠٥). стр. 121
• ومعنى: (يُطَوَّقُونَهُ)، أي: يُكَلَّفُونَهُ، أَيْ: يُكَلَّفُونَ إِطَاقَتَهُ.
• قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: «وَهَذِه قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ».
• قُلْتُ: وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقْرَأُ كَذَلِكَ، وَكَذَا نَقَلَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ: وَكُلُّهُمْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَحْكَمَةٌ فِي الشَّيْخِ وَالْعَجُوزِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الَّذِينَ يُكَلَّفُونَ الصِّيَامَ وَلَا يُطِيقُونَهُ. ا. هـ. (١)
• قُلْتُ: وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ شَاذَّةٌ، غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ، مُخَالِفَةٌ لِرَسْمِ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ.
• وَالصَّوَابُ فِي الآيَةِ أَنَّهَا مَنسُوخَةٌ، خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، وَفَهِمَهُ، وَقَدْ خَالَفَهُ الْأَكْثَرُ، فَقَالُوا بِالنَّسْخِ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ ﵄، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: ١٩٤٩، و ٤٥٠٦)، وَكذا قَالَ بِنَسْخِهَا سَلَمَةُ ابْنُ الْأَكْوَعِ ﵁، وَحَدِيْثُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ الْأَوَّلِ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
• فَمَا دَامَ الْقَوْلُ بِنَسْخِهَا هُوَ الصَّحِيْحَ الثَّابِتَ؛ فَلَا دَلَالَةَ فِيْهَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ؛ فَيَبْقَى الْأَصْلُ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ إِطْعَامٌ، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِيْنَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْمُنذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ حَزْمٍ. (٢)
• قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ﵀: وَأَمَّا الْفِدْيَةُ فَلَمْ تَجِبْ بِكِتَابٍ مُجْتَمَعٍ عَلَى تَأْوِيلِهِ، وَلَا سُنَّةٍ يَفْقَهُهَا مَنْ تَجِبُ الْحُجَّةُ بِفِقْهِهِ، وَلَا إِجْمَاعٍ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَلَا عَنْ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَالْفَرَائِضُ لَا تَجِبُ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَالذِّمَّةُ بَرِيئَةٌ. ا. هـ. стр. 122
• وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أنه لَمَّا ضَعُفَ عَنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَبِرَ عَنْهُ، فَأَمَرَ بِمَسَاكِينَ، فَأُطْعِمُوا خُبْزًا وَلَحْمًا، حَتَّى أُشْبِعُوا. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ: ضَعُفَ عَامًا قَبْلَ مَوْتِهِ، فَأَفْطَرَ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُطْعِمُوا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، فَأَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا. (٢)
• فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحِيطَةِ، وَيُطْعِمَ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ - مِنْ غَيْرِ إِيْجَابٍ عَلَيْهِ - فَهُوَ مَسْلَكٌ حَسَنٌ، واللهُ أَعْلَمُ.
• وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْإِطْعَامِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَلَى الصَّحِيْحِ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْمَسَاكِيْنِ بِقَدْرِ الْأَيَّامِ، ثَلَاثِيْنَ، أَوْ تِسْعَةً وَعِشْرِيْنَ، فَيَجُوزُ دَفْعُهَا لِأَقَلَّ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ، أَوْ لِمِسْكِيْنٍ وَاحِدٍ؛ إِذْ لَا دَلِيْلَ عَلَى الِاشْتِرَاطِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِيْنِ، وَكَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٣)
• وَأَمَّا قِرَاءَةُ: ﴿مَسَاكِيْنَ﴾ بِالْجَمْعِ (٤) فَإِنَّهَا كَمَا قَالَ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" (ج ٨/ صـ: ١٨١): «لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، وَمَنْ أَفْرَدَ فَمَعْنَاهُ: فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يُطِيقُ стр. 123
الصَّوْمَ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْإِفْرَادِ أَنَّ الْحُكْمَ لِكُلِّ يَوْمٍ يُفْطَرُ فِيهِ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ، وَلَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ الْجَمْعِ».
الثَّالِثَةُ: لِلْمَرِيْضِ الَّذِيْ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ تَرْكُ تَبْيِيْتِ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَإِنْ كَانَ مَرَضُهُ يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ فَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، فَإِنْ كَانَ صَحِيْحًا وَقْتَ الشُّرُوعِ لَزِمَتْهُ النِّيَّةُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَأَمَّا مَنْ أَصْبَحَ صَحِيْحًا، ثُمَّ مَرِضَ، فَلَهُ الْفِطْرُ بِلَا خِلَافٍ. (١)
الرَّابِعَةُ: يَلْحقُ بِالْمَرِيْضِ: الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ، إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، فَلَهُمَا الْفِطْرُ، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِلَافًا؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ. ا. هـ. (٢)
• وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا إِطْعَامُ؛ إِذْ لَا دَلِيْلَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ، فَقَطْ.
الخامِسَةُ: أَنَّ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ:
الحالُ الأَوَّلُ: أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَشَقَّةً ظَاهِرَةً، بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ؛ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ؛ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ١١١٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ».
• وَفِي رِوَايَةٍ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمِ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ. стр. 124
الحالُ الثاني: عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، فَيَجِبُ أَيْضًا الْفِطْرُ، وَيَحْرُمُ الصَّوْمُ؛ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (رقم: ١١٢٠) عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ». فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوا». وَكَانَتْ عَزْمَةً، فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ، مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ.
الحالُ الثالِثُ: أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَشَقَّةً يَحْتَمِلُهَا، وَلَا يَلْحَقُهُ مَعَهَا الضَّرَرُ؛ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِطْرُ؛ أَخْذًا بِالرُّخْصَةِ، وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّوْمُ؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرْيْبًا.
• وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟»، فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٤٦)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١١٥).
• وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، أَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ، وَسَقَوُا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الحالُ الرَّابعُ: أَنْ لَا يَشُقَّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ، فَالصَّوْمُ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ مِنَ الْفِطْرِ، عَلَى الصَّحِيْحِ، وَقَدْ رَجَّحَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ مِنْ أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: стр. 125
١. أَنَّهُ فِعْلُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٢. وَأَنَّهُ أَسْرَعُ فِي إِبْرَاءِ الذِّمَّةِ.
٣. وَأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَأَنشَطُ لَهُ إِذَا صَامَ مَعَ النَّاسِ، وَمَا كَانَ أَيْسَرَ فَهُوَ أَوْلَى.
٤. وَأَنَّهُ يُصَادِفُ صِيَامُهُ رَمَضَانَ، وَرَمَضَانُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ. (٢)
السَّادِسَةُ: أَنَّهُ لَا يَنبَغِي أَنْ يَعِيْبَ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ؛ فَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٤٧)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١١٨).
• وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٤٨، و ٤٢٧٩)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١١٣).
• وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِهِ: «لَا تَعِبْ عَلَى مَنْ صَامَ، وَلَا عَلَى مَنْ أَفْطَرَ».
• وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ١١١٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً، فَصَامَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا، فَأَفْطَرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ».
• قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀: وَيَجُوزُ الْفِطْرُ لِلْمُسَافِرِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا عَلَى الصِّيَامِ أَوْ عَاجِزًا، وَسَوَاءٌ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ لَمْ يَشُقَّ، بِحَيْثُ لَوْ стр. 126
كَانَ مُسَافِرًا فِي الظِّلِّ وَالْمَاءِ وَمَعَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ وَالْقَصْرُ، وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْفِطْرَ لَا يَجُوزُ إلَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنْ الصِّيَامِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ عَلَى الْمُفْطِرِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْمُفْطِرَ عَلَيْهِ إثْمٌ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحْوَالَ خِلَافُ كِتَابِ اللَّهِ، وَخِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَخِلَافُ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ. ا. هـ. (١)
• وَسَوَاءٌ فِي الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ: مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، أَوْ مَنْ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ، أَوْ مَنْ أَصْبَحَ فِي الْحَضَرِ صَائِمًا، ثُمَّ سَافَرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
• أَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى، فَقَدْ نُقِلَ فِيْهَا الْإِجْمَاعُ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَعَلَى الصَّحِيْحِ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ، وَفِيْهَا خِلَافٌ يَسِيْرٌ، مَنقُولٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَقَدْ خَالَفَ فِيْهَا الْجُمْهُورُ، وَالصَّحِيْحُ خِلَافُ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. (٢)
السَّابِعَةُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَبْرُزَ عَنْ مَكَانِ إِقَامَتِهِ وتَغِيبَ عنه بُيُوتُ الْقَرْيَة أَوِ الْمَحِلَّةِ الَّتِي هُوَ فِيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ﵀: وَالْمُقِيمُ إِذَا نَوَى السَّفَرَ لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا حَتَّى يَأْخُذَ فِي سَفَرِهِ وَيَبْرُزَ عَنِ الْحَضَرِ. ا. هـ.
• وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا، وَقَدْ رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأَكَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟ قَالَ: «سُنَّةٌ». ثُمَّ رَكِبَ. فَهُوَ حَدِيْثٌ مُعَلٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٣) стр. 127
• نَقَلَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ عَنْ بَعْضِهِمْ قَوْلَهُ: وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيْهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيْهِ أَنَّهُ خَرَجَ بَعْدَ الصُّبْحِ، فَرَكِبَ، ثُمَّ أَكَلَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَبْلِ الْفَجْرِ وَرَكِبَ السَّفِيْنَةَ، فَجَازَ لَهُ الْأَكْلُ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ مَنْ خَرَجَ قَبْلَ الْفَجْرِ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ فِي نَفْسِ ذَلِكَ النَّهَارِ. ا. هـ.
الثَّامِنَةُ: اتَّفَقُوا فِي الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَيِّتَ الْفِطْرَ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُسَافِرًا بِالنُّهُوضِ فِي سَفَرِهِ، أَوِ الْأَخْذِ فِي أُهْبَتِهِ، وَلَيْسَتِ النِّيَّةُ فِي السَّفَرِ كَالنِّيَّةِ فِي الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ كَانَ مُقِيمًا فِي الْحِينِ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى عَمَلٍ. قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ﵀. (١)
التَّاسِعَةُ: وَمَتَى أَفْطَرَ الْمُسَافِرُ فَلَهُ فِعْلُ جَمِيعِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ، مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا بِالصَّوْمِ، فَتَزُولُ بِزَوَالِهِ، كَمَا لَوْ زَالَ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ. قَالَهُ ابْنُ قُدَامَةَ. (٢)
• وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا مِنْ سَفَرٍ أَفْطَرَ فِيْهِ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَّهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا فَلَهُ أَنْ يَأْتِيَهَا.
• قَالَ الشَّافِعِيُّ: أُحِبُّ لَهُمَا أَنْ يَسْتَتِرَا بِالْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ؛ خَوْفَ التُّهَمَةِ. ا. هـ. (٣) стр. 128
العَاشِرَةُ: إنَّ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ صِغَرِهِ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ. (١)
الحادِيةَ عَشْرَةَ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ وَلَا لِلْمَرِيضِ أَنْ يَصُومَا فِي رَمَضَانَ غَيْرَهُ مِنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ صَامَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ لَا عَنْ رَمَضَانَ وَلَا عَمَّا نَوَى وَلَا غَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيْفَةَ. (٢)
الثَّانِيَة عَشْرَة: يُفْطِرُ مَنْ عَادَتُهُ السَّفَرُ إذَا كَانَ لَهُ بَلَدٌ يَأْوِي إلَيْهِ، كَالتَّاجِرِ الْجَلَّابِ الَّذِي يَجْلِبُ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ مِنْ السِّلَعِ، وَكَالْمُكَارِي الَّذِي يَكْرِي دَوَابَّهُ مِنْ الْجُلَّابِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَالْبَرِيدِ الَّذِي يُسَافِرُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْمَلَّاحُ الَّذِي لَهُ مَكَانٌ فِي الْبَرِّ يَسْكُنُهُ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ امْرَأَتُهُ وَجَمِيعُ مَصَالِحِهِ وَلَا يَزَالُ مُسَافِرًا فَهَذَا لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ. قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀. (٣)
• وَقَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: أَصْحَابُ سَيَّارَاتِ الْأُجْرَةِ الَّذِيْنَ دَائِمَا فِي الْبَرِّ نَقُولُ: إِنْ كَانَ أَهْلُهُمْ مَعَهُمْ وَلَا يَنْوُونَ الْإِقَامَةَ بِبَلَدٍ فَهُمْ غَيْرُ مُسَافِرِيْنَ، لَا يَقْصُرُونَ وَلَا يُفْطِرُونَ فِي رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَهْلٌ فِي بَلَدٍ فَإِنَّهُمْ إِذَا غَادَرُوا بَلَدَ أَهْلِهِمْ فَهُمْ مُسَافِرُونَ يُفْطِرُونَ وَيَقْصُرُونَ.
• وَقَالَ ﵀: فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هَؤُلَاءِ الْمَلَّاحُونَ أَوِ السَّائِقُونَ لِسَيَّارَاتِ الْأُجْرَةِ دَائِمًا فِي سَفَرٍ، فَإِذَا قُلْنَا: أَنتُمْ مُسَافِرُونَ لَكُمُ الْفِطْرُ، فَمَتَى يَصُومُونَ؟
نَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يَصُومُوا فِي سَفَرِهِمْ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ؛ لِأَنَّها أَيَّامٌ قَصِيْرَةٌ وَبَارِدَةٌ، فَالصَّوْمُ فِيْهَا لَا يَشُقُّ. ا. هـ. (٤) стр. 129
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ السَّفَرَ الَّذِي يُبِيْحُ الْفِطْرَ يَشْمَلُ كُلَّ سَفَرٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ سَفَرَ طَاعَةٍ، كَالسَّفَرِ إِلَى الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، أَوِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، أَوْ سَفَرًا مُبَاحًا، كَالسَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ، أَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ.
• أَمَّا السَّفَرُ الَّذِيْ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ: فَإِن كَانَ فِي طَاعَةٍ فَالْإِجْمَاعُ مُنعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ الْفِطْرِ فِيْهِ. (١)
• وَإِنْ كَانَ فِي مُبَاحٍ أَوْمعْصِيَةِ؛ فَلِعُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيْفَةَ وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ.
• قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀: فَعَمَّ تَعَالَى الْأَسْفَارَ كُلَّهَا، وَلَمْ يَخُصَّ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. ا. هـ. (٢)
• وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀: وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ جَعَلَ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ مَشْرُوعًا فِي جِنْسِ السَّفَرِ، وَلَمْ يَخُصَّ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَدْ أَطْلَقَا السَّفَرَ. ا. هـ. (٣)
• وَلَمْ يَردْ فِي تَحْدِيْدِ مَسَافَةِ السَّفَرِ الَّذِي يُبِيْحُ الْقَصَرَ وَالْفِطْرَ شَيْءٌ، فَالصَّوَابُ أَنَّ مَرَدَّهُ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَا كَانَ سَفَرًا فِي عُرْفِ النَّاسِ فَهُوَ سَفَرٌ، وَهَذَا قَوْلُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَابْنُ قُدَامَةَ، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيةَ، وَابْنُ الْقَيِّمِ، وَابْنُ عُثَيْمِيْنٍ، وَالْأَلْبَانِيُّ، وَالْوَادِعِيُّ، وَشَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْحَجُوْرِيُّ حَفِظَهُ اللهُ، وَجَمَاعَةٌ. (٤) стр. 130
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَنْ قَصَدَ بِسَفَرِهِ التَّحَيُّلَ عَلَى الْفِطْرِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ التَّحَيُّلَ عَلَى فَرَائِضِ اللهِ لَا يُسْقِطُهَا. (١)
الخامِسَةَ عَشْرَةَ: إِنْ تَمَكَّنَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيْضُ مِنَ الصِّيَامِ، وَزَالَ عُذْرُهُمَا لَزِمَهُمَا قَضَاءُ مَا أَفْطَرَاهُ بِالنَّصِّ وِالْإِجْمَاعِ، فَأَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ : ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
• وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ: ابْنُ حَزْمٍ، وَابْنُ رُشْدٍ، وَابْنُ قُدَامَةَ. (٢)
• وإِذَا تَمَاثَلَ الْمَرِيْضُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ وَقَدَرَ عَلَى الصِّيَامِ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَي أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. (٣)
• فَإِنْ مَاتَ هَؤُلَاءِ قَبْلَ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ الْقَضَاءِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ.
• وَإِنْ زَالَ عُذْرُهُمْ وَقَدَرُوا عَلَى قَضَاءِ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الصِّيَامِ، مَعَ تَمَكُّنِهِم مِنْ ذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا؛ اسْتُحِبَّ لِأَوْلِيَاءِهِمُ الصَّوْمُ عَنْهُمْ؛ لِحَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٥٢)، وَمُسْلِمٌ (رِقْم: ١١٤٧).
• وَهَذَا الْحَدِيْثُ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ فِي ذِمَّتِهِ، كَقَضَاءٍ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ نَذْرٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ، عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ.
• وَيُسْتَحَبُّ لِلْوَلِيِّ هذا الصِّيَامُ، وَلَا يَجِبُ عَلَىْهِ؛ لقوله : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، والإسراء: ١٥، وفاطر: ١٨، والزمر: ٧]. стр. 131
• أَيُّهَا النَّاسُ، [لَقَدْ دَعَاكُمْ إِلَى الْبِدَارِ مَوْلاكُمْ، وَفَتَحَ بَابَ الإِجَابَةِ ثُمَّ اسْتَدْعَاكُمْ، وَدَلَّكُمْ عَلَى مَنَافِعِكُمْ وَهُدَاكُمْ، فَالْتَفِتُوا عَنِ الْهَوَى فَقَدْ آذَاكُمْ، وَحُثُّوا حَزْمَ جَزْمِكُمْ، وَصُبُّوا ذَنُوبَ الْحُزْنِ عَلَى ذَنْبِكُمْ، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
• بَابُهُ مَفْتُوحٌ لِلطَّالِبِينَ، وَجَنَابُهُ مَبْذُولٌ لِلرَّاغِبِينَ؛ وَفَضْلُهُ يُنَادِي الْغَافِلِينَ، وَإِحْسَانُهُ يَدْعُو الْجَاهِلِينَ، فَاخْرُجُوا مِنْ دَائِرَةِ الْمُذْنِبِينَ، وَبَادِرُوا مُبَادَرَةَ التَّائِبِينَ، وَتَعَرَّضُوا لِنَسَمَاتِ الرَّحْمَةِ؛ تَخَلَّصُوا مِنْ كَرْبِكُمْ، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
• كَمْ شُغِلْتُمْ بِالْمَعَاصِي فَذَهَبَ الْفَرْضُ، وَبَارَزْتُمْ بِالْخَطَايَا وَنَسِيتُمُ الْعَرْضَ، وَأَعْرَضْتُمْ مَعَ أَنَّ الشَّعْرَ قَدِ ابْيَضَّ، وَحَضَّكُمْ عَلَى اكْتِسَابِ حَظِّكُمْ فَهَلْ نَفَعَ الْحَضُّ؟ وَطَالَتْ آمَالُكُمْ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ الشَّبَابُ الْغَضُّ، وَلَقَدْ أُنْذِرَ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ مِنْ سِجْنِ الْهَوَى فَلَقَدْ ضَاقَ طُولُهُ وَالْعَرْضُ، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. (١)
عَجِبْتُ لمَنْ لَهُ حَدٌّ وَقَدٌّ … وَيَنْبُو نَبْوَةَ القَضْمِ الكَهَامِ
وَمَنْ يَجِدُ الطَّرِيقَ إلى المَعَالي … فَلَا يَذَرُ المَطِيَّ بِلَا سَنَامِ
وَلَمْ أَرَ في عُيُوبِ النَّاسِ عَيْبًا … كَنَقصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * * стр. 132
الْمَجْلِسُ الثَّالِثَ عَشَرَ: فِي ذِكْرِ بَعْضِ حِكَمِ وَفَوَائِدِ الصِّيَامِ
• الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيْ رَفَعَ السَّمَاءَ بِغَيْرِ عَمَدٍ وَلَا عُرُشٍ، وَمَهَدَ الْأَرْضَ وَفَرَشَ، أَخْذُهُ أَلِيْمٌ شَدِيْدٌ إِذَا أَخَذَ وَبَطَشَ، فَلَا يَقُومُ الْعَبْدُ الضَّعِيْفُ لِعَذَابِ اللهِ وَلَا يَقْوَى، وَلَا يُنجِيْهِ مِنْهُ إِلَّا الْإِيْمَانُ وَالتَّقَوَى؛ لَا جَرَمَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ تَحْصِيْلَ تَقْوَاهُ وَإِثَابَتِهِ، هُوَ الْحِكْمَةَ وَالْغَايَةَ مِنْ فَرْضِ الصِّيَامِ وَكَتَابَتِه، فَتَأَمَّلُوا أَيُّهَا الصَّادِقُونَ الْمُشْفِقُونَ! ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ فِي اللَّيْلِ إِذَا غَطَشَ، وَرُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ امْرِئٍ هَوَى بِهِ الْهَوَى وَمَالَ، وَسَاءَ بِهِ الْحَالُ، فَصَارَعَبْدًا لِلْمَالِ، فَتَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَظْهَرَ اللهُ بِهِ الدِّيْنَ، فَارْتَفَعَ شَأْنُهُ وَانتَعَشَ، وَاضْمَحَلَّ بِهِ الْبَاطِلُ وَانكَمَشَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان، مَا تَعَاقَبَ النَّهَارُ وَالْغَبَشُ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ أَنَّ اللهَ إِنَّمَا شَرَعَ الصِّيَامَ لِعِبَادِهِ؛ لِحِكَمٍ وَمَقَاصِدَ، وَثِمَارِ وَفَوَائِدَ، مِنْهَا:
١) أَنَّهُ مِنْ أَعْظِمِ أَسْبَابِ تَحْصِيْلِ تَقْوَى اللهِ ، كَمَا قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤].
• قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: بَعْضُ النَّاسِ عِندَمَا يَتَكَلَّمُونَ عَلَى فَوَائِدِ الْعِبَادَاتِ يُحَوِّلُونَهَا إِلَى فَوَائِدَ دُنْيَوِيَّةٍ، فَمَثَلًا يَقُولُونَ: فِي الصَّلَاةِ رِيَاضَةٌ وَإِفَادَةٌ لِلْأَعْصَابِ، وَفِي الصِّيَامِ فَائِدَةٌ لِإِزَالَةِ الْفَضَلَاتِ وَتَرْتِيْبِ الْوَجَبَاتِ، وَالْمَفْرُوضُ أَلَّا تُجْعَلَ الْفَوَائِدُ الدُّنْيَوِيَّةُ هِيَ الْأَصْلَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى إِضْعَافِ الْإِخْلَاصِ، وَالْغَفْلَةِ
стр. 133
عَنْ إِرَادَةِ الْآخِرَةِ، وَلِذَلِكَ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ حِكْمَةَ الصَّوْمِ: أَنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّقْوَى، فَالْفَوَائِدُ الدِّيْنِيَّةُ هِيَ الْأَصْلُ، وَالدُّنْيَوِيَّةُ ثَانَوِيَّةٌ، وَعِندَمَا نَتَكَلَّمُ عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ فَإِنَّنَا نُخَاطِبُهُمْ بِالنَّوَاحِي الدِّيْنِيَّةِ، وَعِندَمَا نَتَكَلَّمُ عِنْدَ مَنْ لَا يَقْتَنِعُ إِلَّا بِشَيْءٍ مَادِيٍّ فَإِنَّنَا نُخَاطِبُهُ بِالنَّوَاحِي الدِّيْنِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ. ا. هـ. (١)
٢) وَمِنْ فَوَائِدِ الصِّيَامِ: أَنَّهُ يُعِيْنُ عَلَى كَسْرِ النَّفْسِ، وَصَقْلِهَا وَتَهْذِيْبِهَا؛ فَإِنَّ الشِّبَعَ وَالرِّيَّ وَمُبَاشَرَةَ النِّسَاءِ تَحْمِلُ النَّفْسَ عَلَى الْأَشَرِ وَالْبَطَرِ وَالْغَفْلَةِ.
٣) وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُعِيْنُ عَلَى خُلُوِّ الْقَلْبِ لِلْفِكْرِ وَالذِّكْرِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ قَدْ تُقَسِّي الْقَلْبَ وَتُعْمِيْهِ وَتَحُولُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ، وَتَسْتَدْعِي الْغَفْلَةَ؛ وَلِهَذَا قِيْلَ: إِذَا امْتَلَأَتِ الْمَعِدَةُ نَامَتِ الْفِكْرَةُ.
• وَخُلُوُّ الْبَاطِنِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ يُنَوِّرُ الْقَلْبَ وَيُوْجِبُ رِقَّتَهُ وَيُزِيْلُ قَسْوَتَهُ وَيُخْلِيْهِ لِلذِّكْرِ وَالْفِكْرِ.
٤) وَمِنْهَا: لَفْتُ نَظَرِ الْغَنِيِّ إِلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِمَا مَنَعَهُ كَثِيْرًا مِنَ الْفُقَرَاءِ مِنْ فُضُولِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنِّكَاحِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بِالصِّيَامِ، وَحَصَلَتْ لَهُ الْمَشَقَّةُ؛ تَذَكَّرَ مَنْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَيُوجِبُ لَهُ ذَلِكَ شُكْرَ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ بِالْغِنَى، وَيَدْعُوهُ إِلَى رَحْمَةِ إِخْوَانِهِ الْفُقَراءِ وَالْمُحْتَاجِيْنَ وَمُوَاسَاتِهِمْ بِمَا أَمْكَنَهُ.
٥) وَمِنْهَا: أَنَّ الصِّيَامَ يُضَيِّقُ مَجَارِيَ الدَّمِ الَّتِي هِيَ مَجَارِي الشَّيْطَانِ مِنِ ابْنِ آدَمَ.
• فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيْثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِيْنَ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ». (٢)
• فَبِالصِّيَامِ تَسْكُنُ وَسَاوِسُ الشَّيْطَانِ، وَتَنكَسِرُ سَوْرَةُ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ. (٣) стр. 134
• وَلِهَذَا كَانَ الصَّوْمُ وِجَاءً تُكْسَرُ بِهِ شَهْوَةُ النِّكَاحِ لِمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الزَّوَاجَ؛ فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، أن الرَّسُولَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٠٥، و ٥٠٦٦،)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١٤٠٠).
• قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَللصَّوْمِ فَوَائِدُ كَثِيْرَةٌ: دِيْنِيَّةٌ، وَجِسْمِيَّةٌ، وَاجْتِمَاعِيَّةٌ، وَأَخْلَاقِيَّةٌ، وَنَفْسِيَّةٌ، وَفَوَائِدُ الْأُمُورِ تُعْرَفُ بِمِيْزَانِهَا وَشِدَّةِ الْعِنَايَةِ بِهَا، وَكَوْنُ الصِّيَامِ مَفْرُوضًا عَلَى جَمِيْعِ الْأُمَمِ أَكْبَرُ دَلِيْلٍ عَلَى مَا لَهُ مِنْ فَضَائِلَ وَفَوَائِدَ. ا. هـ. (١)
• فَيَا مَنِ ابْتُلِىَ بِتَعَاطِي الشَّمَّةِ وَالدُّخَانِ وَالْقَاتِ، فُرْصَةٌ لَكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ تُقْلِعَ عَنْ هَذِهِ الْمَضَارِّ وَالْآفَاتِ وَعَنْ كُلِّ الْمُوبِقَاتِ، فِي هَذَا الشَّهْرِ وَسَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَأَنْ تُجَدِّدَ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ إِلى اللهِ ، كَمَا أَمَركَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، وقَوْلِهِ : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
• قَالَ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِتَرْكِ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَةِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الصِّيَامِ إِلَّا بَعْدَ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِتَرْكِ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كُلِّ حَالٍ مِنَ الْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ عَلَى النَّاسِ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ. ا. هـ. (٢)
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، [وَلَا يَجْهَلْ]، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، [مَرَّتَيْنِ]». (٣) стр. 135
• وَلِلْبُخَارِيِّ (رَقْم: ٦٠٥٧) عَنْهُ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
• وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ [فَقَطْ]، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ». صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (رَقْم: ١٩٩٦)، وَابْنُ حِبَّانَ (رَقْم: ٣٤٧٩)، وَالْحَاكِمُ (رَقْم: ١٥٧٠)، وَالْأَلْبَانِيُّ ﵏. (١)
• وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمَا. (٢)
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمْعِ مِنِّي تَصَاوُنٌ … وَفِي بَصرِيْ غَضٌّ وَفِي مَنطِقِي صَمْتُ
فَحَظِّيْ إِذًا مِنْ صَوْمِيَ الْجُوعُ وَالظَّمَا … فَإِنْ قُلْتُ إِنِّي صُمْتُ يَوْمِيَ مَا صُمْتُ
• قَالَ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: وَسِرُّ هَذَا: أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِتَرْكِ الْمُبَاحَاتِ لَا يَكْمُلُ إِلَّا بَعْدَ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَمَنِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، ثُمَّ تَقَرَّبَ إِلَى اللهِ стр. 136
تَعَالَى بِتَرْكِ الْمُبَاحَاتِ كَانَ بِمَثَابَةِ مَنْ يَتْرُكُ الْفَرَائِضَ وَيَتَقَرَّبُ بِالنَّوَافِلِ، وَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ مُجْزِئًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بِحَيْثُ لَا يُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ إِنَّمَا يَبْطُلُ بِارْتِكَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِيْهِ لِخُصُوصِهِ، دُونَ ارْتِكَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ لِغَيْرِ مَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ، هَذَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. ا. هـ. (١)
• وَقَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَلَكِنَّ الْمُؤْسِفَ أَنَّ كَثِيْرًا مِنَ الصَّائِمِيْنَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ يَوْمِ صَوْمِهِمْ وَيَوْمِ فِطْرِهِمْ، فَهُمْ عَلَى الْعَادَةِ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَا تَشْعُرُ أَنَّ عَلَيْهِ وَقَارَ الصَّوْمِ، وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ لَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ، وَلَكِن تَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ، وَرُبَّما عِنْدَ الْمُعَادَلَةِ تَرْجَحُ عَلَى أَجْرِ الصَّوْمِ، فَيَضِيْعُ ثَوَابُهُ. (٢)
• عِبَادَ اللهِ: [الصَّوْمُ ثَلَاثَةٌ: صَوْمُ الرُّوْحِ، وَهُوَ: قِصَرُ الْأَمَلِ، وَصَوْمُ الْعَقْلِ، وَهُوَ: مُخَالفَة الْهوى، وَصَوْمُ الْجَوَارِح، وَهُوَ: الْإِمْسَاكُ عَنْ الطَّعَام وَالشرَاب وَالْجِمَاع.
• يَا أَخِي، مَنْ صَامَ عَنْ الطَّعَامِ وَالشرَابِ فَصَوْمُهُ عَادَةٌ، وَمَنْ صَامَ عَنْ الرِّبَا وَالْحرَامِ وَأفْطر على الْحَلَال من الطَّعَام فَصَوْمُهُ عُدَّة وَعِبَادَةٌ، وَمَنْ صَامَ عَنْ الذُّنُوبِ وَالْعِصْيَانِ وَأفْطَرَ عَلَى طَاعَةِ الرَّحْمَن فَهُوَ صَائِم رَضِيٌّ، وَمن صَامَ عَنِ الْقَبَائِحِ وَأفْطَرَ عَلَى التَّوْبَةِ لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ فَهُوَ صَائِمٌ تَقِيٌّ، وَمن صَامَ عَنْ الْغِيْبَةِ وَالْبُهْتَانِ وَأفْطَرَ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فَهُوَ صَائِمٌ رَشِيْدٌ، وَمن صَامَ عَنْ الْمُنكَر وَالْإِغْيَارِ وَأفْطَرَ عَلَى الْفِكْرَةِ وَالِاعْتِبَار فَهُوَ صَائِمٌ سَعِيْدٌ، وَمن صَامَ عَنْ الرِّيَاءِ وَالانتِقَاصِ وَأَفْطَرَ عَلَى التَّوَاضُع وَالْإِخْلَاص فَهُوَ صَائِمٌ سَالمٌ، وَمَنْ صَامَ عَلَى خِلَافِ النَّفسِ وَالْهَوَى وَأفْطَرَ عَلَى الشُّكْر وَالرِّضَا فَهُوَ صَائِمٌ غَانِمٌ، وَمَنْ صَامَ عَنْ قَبِيح أَفْعَالِهِ وَأفْطَرَ عَلَى تَقْصِير آمَالِهِ فَهُوَ صَائِمٌ مُشَاهِدٌ، وَمن صَامَ عَنْ طُولِ أَمَلِهِ وَأفْطَرَ عَلَى تَقْرِيْبِ أَجَلِهِ فَهُوَ صَائِمٌ زَاهِدٌ.] (٣) стр. 137
• [يَا مَنْ ضَيَّعَ عُمُرَهُ فِي غَيْرِ الطَّاعَةِ، يَا مَنْ فَرَّطَ فِي شَهْرِهِ بَلْ فِي دَهْرِهِ وَأَضَاعَهُ، يَا مَنْ بِضَاعَتُهُ التَّسْوِيْفُ وَالتَّفْرِيْطُ وَبِئْسَتِ الْبِضَاعَةُ، يَا مَنْ جَعَلَ خَصْمَهُ الْقُرْآنَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ! كَيْفَ تَرْجُو مِمَّنْ جَعَلْتَهُ خَصْمَكَ الشَّفَاعَةَ؟!
• كُلُّ قِيَامٍ لَا يَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ لَا يَزِيْدُ صَاحِبَهُ إِلَّا بُعْدًا، وَكُلُّ صِيَامٍ لَا يُصَانُ عَنْ قَوْلِ الزُّوْرِ وَالْعَمَلِ بِهِ لَا يُوْرِثُ صَاحِبَهُ إِلَّا مَقْتًا وَرَدًّا، يَا قَوْمِ أَيْنَ آثَارُ الصِّيَامِ؟! أَيْنَ أَنْوَارُ الْقِيَامِ؟!
إِنْ كُنْتَ نُحْتَ يَا حَمَامَ الْبَانِ … لِلْبَيْنِ أَيْنَ شَاهِدُ الْأَحْزَانِ
أَجْفَاكَ لِلدُّمُوعِ أَمْ أَجْفَانِي … لَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى بِلَا بُرْهَانِ
• هَذَا - عِبَادَ اللهِ - شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيْ أُنْزِلَ فِيْهِ الْقُرْآنُ، وَفِي بَقِيَّتِهِ لِلْعَابِدِيْنَ مُسْتَمْتَعٌ، وَهَذَا كِتَابُ اللهِ يُتْلَى فِيْهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَيُسْمَعُ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِيْ لَوْ أُنْزِلَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا يَتَصَدَّعُ، أَيْنَ القُلُوبُ الَّتِي تَخْشَعُ؟! وَالعُيُونُ الَّتِي تَدْمَعُ؟! لَا بُدَّ أَنْ يُصَانَ الصِّيَامُ عَنِ الْحَرَامِ حَتَّى يَنفَعَ، وَأَنْ يَسْتَقِيْمَ الْقِيَامُ حَتَّى يُرْجَى فِي صَاحِبِهِ أَنْ يَشْفَعَ، نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تَكُونَ قُلُوبُنَا كَخَرَابٍ بَلْقَعٍ، وَنَعُوذُ بِهِ أَنْ تَتَرَاكَمَ عَلَيْهَا ظُلْمَةُ الذُّنُوبِ فَهِيَ لَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَقُلُوبُهُمْ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٍ، وَمِمَّنْ يَتَوَالَى عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَحَالُهُمْ فِيْهِ كَحَالِ أَهْلِ الشِّقْوَةِ، أَيُّهَا الشَّابُّ، أَلَا تَنتَهِي عَنِ الصَّبْوَةِ!، أَيُّهَا الشَّيْخُ، أَلَا تَنزَجِرُ عَنِ الْقَبِيْحِ، فَتَلْتَحِقَ بِالصَّفْوَةِ!، أَيْنَ نَحْنُ مِنْ قَوْمٍ إِذَا سَمِعُوا دَاعِيَ اللهِ أَجَابُوا الدَّعْوَةَ؟ وَإِذَا تُلِيْتَ عَلَيْهِمْ آيَاتُ اللهِ جَلَتْ قُلُوبَهُمْ جَلْوَةً، وَإِذَا صَامُوا صَامَتْ مِنْهُمُ الْأَلْسِنَةُ وَالْأَسْمَاعُ وَالْأَبْصَارُ، أَمَا لَنَا فِيْهِمْ أُسْوَةٌ؟
يَا نَفْسُ فَازَ الصَّالِحُونَ بِالتُّقَى … وَأَبْصَرُوا الْحَقَّ بِعَيْنِ الْمُلْهَمِ
يَا حُسْنَهُمْ وَاللَّيْلُ قَدْ جَنَّهُمُ … وَنُورُهُمْ يَفُوقُ نُورَ الْأَنجُمِ
تَرَنَّمُوا بِالذِّكْرِ فِي لَيْلِهِمُ … فَعَيْشُهُمْ قَدْ طَّابَ بِالتَّرَنُّمِ
стр. 138
قُلُوبُهُمْ لِلذِّكْرِ قَدْ تَّفَرَّغَتْ … دُمُوعُهُمْ كَلُؤْلُؤٍ مُنتَظِمِ
أَسْحَارُهُمْ بِهِمْ لَهُمْ قَدْ أَشْرَقَتْ … وَخُلَعُ الْغُفْرَانِ خَيْرُ الْقَسَمِ
وَيْحَكِ يَا نَفْسُ أَلَا تَيَقُّظٌ … يَنْفَعُ قَبْلَ أَنْ تَزِلَّ قَدَمِيْ
مَضَى الزَّمَانُ فِي تَوَانٍ وَهَوًى … فَاسْتَدْرِكِي مَا قَدْ بَقِيْ وَاغْتَنِمِيْ (١)
• اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَنَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَنَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَنَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَنَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَنَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَنَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَنَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * * стр. 139
الْمَجْلِسُ الرَّابِعَ عَشَرَ: رَمَضَانُ وَالْقُرْآنُ
• الْحَمْدُ للهِ الِّذِيْ هَدَانَا إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيْمِ وَأَسْبَغَ عَلَيْنَا نِعَمَهُ وَلَقَّانَا، وَأَنْهَلَنَا مِنْ مَوْرِدِهِ الْعَذْبِ وَسَقَانَا، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِإِنزَالِ الْكِتَابِ نُوْرًا وَفُرْقَانًا، وَهَدَانَا بِهِ سُبُلَ السَّلَامِ وَكَفَانَا وَوَقَانَا، وَبَوَّأَنَا بِهِ مَنَازِلَ أَهْلِ الْفَضْلِ وَطَهَّرَنَا بِهِ مِنْ دَنَسِ الْغَيِّ وَنَقَّانَا، فَهَنِيئًا لِمَنْ مَهَرَ بِهِ وَأَتْقَنَهُ إِتْقَانًا، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالتَّمَسُّكِ بِكِتَابِهِ مَا أَبْقَانَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِقْرَارًا بِهِ وَإِيْقَانًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَعْلَمُنَا بِاللَّهِ وَأَخْشَانَا لَهُ وَأَتْقَانَا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ، الَّذِيْنَ لَيْسَ فِيْهِمْ أَحَدٌ إِلَّا جِهْبِذًا وَدِهْقَانًا، أَمَّا بَعْدُ:
• فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ فَضَائِلِ شَهْر رَمَضَانَ - كَمَا تَقَدَّمَ - أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ فِيْهِ الْقُرْآنَ، فَبَيْنَ رَمَضَانَ وَبَيْنَ الْقُرْآنِ رِبَاطٌ وَثِيْقٌ، قَالَ اللهُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيْمِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
• وَمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِيْ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، أَنَّ اللهَ أَنْزِلَ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْهُ، كَمَا قَالَ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، وَقَالَ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١].
• ثُمَّ كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مُنَجَّمًا، نَجْمًا نَجْمًا، فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، أَيْ: مُفَرَّقًا حَسَبَ الْوَقَائِعِ وَالْأَحْدَاثِ. (١)
• وَقِيلَ: أُنْزِلَ فِيهِ أَوَّلُ الْقُرْآنِ، أَيْ: كَانَ ابْتِدَاءُ نُزُولِهِ فِي رَمَضَانَ. стр. 140
• وَقِيلَ: أُنْزِلَ فِي شَأْنِهِ وَفْضْلِهِ الْقُرْآنُ. وَقِيْلَ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ بِفَرْضِ صِيَامِهِ. (١)
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ». (٢)
• وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُدَارَسَةَ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ المُدَارَسَةِ.
• قَالَ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: وَدَلَّ الْحَدِيْثُ أَيْضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ دِرَاسَةِ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ، وَالْاِجْتَماعِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَرْضِ الْقُرْآنِ عَلَى مَنْ هُوَ أَحْفَظُ لَهُ، وَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِكْثَارِ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ.
• قَالَ: وَفِيْهِ أَنَّ الْمُدَارَسَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جِبْرِيْلَ كَانَتْ لَيْلًا، فَيَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِكْثَارِ مِنَ التِّلَاوَةِ فِي رَمَضَانَ لَيْلًا؛ فَإِنَّ اللَّيْلَ تَنقَطِعُ فِيْهِ الشَّوَاغِلُ، وَيَجْتَمِعُ فِيْهِ الْهَمُّ، وَيَتَوَاطَأُ فِيْهِ الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ عَلَى التَّدَبُّرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. ا. هـ. (٣)
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَيِّدَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَاطِمَةَ ﵂، أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَأَنَّهُ عَارَضَهُ فِي الِعَامِ الَّذِيْ تُوُفِّيَ فِيْهِ مَرَّتَيْنِ. (٤) стр. 141
• وَلَقَدْ كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ ﵏ أُولِي هِمَمٍ عَلِيَّةٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي غَيْرِهِ، فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيْهِ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ فِي ثَلَاثٍ، وَفِي غَيْرِ رَمَضَانَ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ. (١)
• وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيْدَ النَّخَعِيُّ ﵀ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ لَيْلَتَيْنِ، وَكَانَ يَخْتِمُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فِي سِتَّةٍ. (٢)
• وَكَانَ عَلْقَمَةُ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ خَمْسٍ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ يَخْتِمُهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ. (٣)
• وَعَنْ عَلْقَمَةَ: أَنَّهُ قَرَأَهُ فِي لَيْلَةٍ بِمَكَّةَ. (٤)
• وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، أَنَّهُ: كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، فَإِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ خَتَمَ فِي لَيْلَتَيْنِ، وَاغْتَسَلَ كُلَّ لَيْلَةٍ. (٥)
• وَكَانَ سَعِيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِيْمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. (٦)
• وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِي الْكَعْبَةِ فِي رَكْعَةٍ. (٧)
• وعَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَلِيٍّ الأَزْدِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ. (٨) стр. 142
• وَعَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَ: «صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَبَلَغَ بِالثَّانِيَةِ إِلَى النَّحْلِ». (١)
• وَكَانَ عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَبْعٍ. (٢)
• وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّ الْحَيَّ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ يَخْتِمُ فِي سَبْعٍ. (٣)
• وَكَانَ الْمُسَيَّبُ بْنُ رَافِعٍ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، ثُمَّ يُصْبِحُ الْيَوْمَ الَّذِي يَخْتِمُ فِيهِ صَائِمًا. (٤)
• وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى مَسْرُوقٍ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي جُمُعَةٍ؟ فَقَالَ مَسْرُوقٌ: حَسَنٌ، لَوْ أَخَذْتَ مُصْحَفًا كُلَّ جُمُعَةٍ فَأَدْخَلْتَهُ بَيْتًا لأَوْشَكَ أَنْ تَمْلأَهُ. (٥)
• وَقَالَ خَالِدُ بْنِ دُرَيْكٍ - وَهُوَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِيْنَ -: كَانَ لَنَا إِمَامٌ بِالْبَصْرَةِ، يَخْتِمُ بِنَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، فَمَرِضَ، فَأَمَّنَا غَيْرُهُ، فَخَتَمَ بِنَا فِي كُلِّ أَرْبَعٍ، فَرَأَيْنَا أَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ. (٦)
• وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: «كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَخْتِمُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سِتِّينَ خَتْمَةً، مَا مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا فِي صَلَاةٍ». (٧)
• وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، فَعَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ ﵁، قَالَ: قُمْتُ خَلْفَ الْمَقَامِ أُصَلِّي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا стр. 143
يَغْلِبَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي يَغْمِزُنِي، فَلَمْ أَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ثُمَّ غَمَزَنِي، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁، فَتَنَحَّيْتُ، وَتَقَدَّمَ، فَقَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ. (١)
• وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نَهْيُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يَفْقَهْهُ». (٢)
• قَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي "أَصْلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ" (ج ٢/ صـ: ٥٢١): وَهَذَا نَصٌّ عَامٌّ شَامِلٌ لِجَمِيْعِ الْأَشْخَاصِ، وَفِيْهِ التَّقْدِيْرُ بِثَلَاثِ لَيَالٍ.
• وَقَالَ: فَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ.
• قُلْتُ: وَهُوَ - أَيْضًا - قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ ﵀، في "الْمُحَلَّى" (ج ٢/ صـ: ٩٦).
• قَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ فِي "فَضَائِلِ الْقُرْآنِ" (صـ: ١٧٢): وَقَدْ كَرِهَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْخَلَفِ أَيْضًا، وَثَبَتَ عَنْ كَثِيْرِ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَرَؤُوا стр. 144
الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَا بَلَغَهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيْثٌ مِمَّا تَقَدَّمَ، أَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْهَمُونَ وَيَتَفَكَّرُونَ فِيْمَا يَقْرَؤُونَهُ مَعَ هَذِهِ السُّرْعَةِ.
• قَالَ الْأَلْبَانِيُّ: وَالْجَوَابُ الصَّحِيْحُ هُوَ الْأَوَّلُ. ا. هـ. يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْحَدِيْثُ.
• وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْح. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٧٤٦ - ١٣٩).
• وَذَكَرَ الْأَلْبَانِيُّ فِي "الصَّحِيْحَةِ" (رَقْم: ٢٤٦٦) حَدِيْثَ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ». رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ (ج ١/ صـ: ٢٨٤)، وَغَيْرُهُ.
• قَالَ الْأَلْبَانِيُّ: وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا ثَبَتَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِمَّا هُوَ خِلَافُ هَذِهِ السُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْهُمْ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ رَحَمِهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَرْجَمَةِ الْحَافِظِ وَكِيْعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، فِي كِتَابِهِ الْعَظِيْمِ "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ" (ج ٩/ صـ: ١٤٣) وَقَدْ رُوِىَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ وَيَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ: قُلْتُ: هَذِهِ عِبَادَةٌ يُخضَعُ لَهَا، وَلَكِنَّهَا مِنْ مِثْلِ إِمَامٍ مِنَ الأَئِمَّةِ الأَثَرِيَّةِ مَفضُولَةٌ، فَقَدْ صَحَّ نَهْيُه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنْ صَومِ الدَّهْرِ (١)، وَصَحَّ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقْرَأَ القُرْآنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَالدِّيْنُ يُسْرٌ، وَمُتَابَعَةُ السُّنَّةِ أَوْلَى، فَرَضِيَ اللهُ عَنْ وَكِيْعٍ، وَأَيْنَ مِثْلُ وَكِيْعٍ؟!. ا. هـ.
• وَقَوْلُهُ: «لَمْ يَفْقَهْهُ»، أَيْ: لَمْ يَفْهَمْهُ، وَلَمْ يَتَدَبَّرْهُ، وَلَمْ يَتَأَمَّلْ فِي مَعَانِيْهِ، هَذَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا يَنجُمُ عَنْ هَذَا الْإِسْرَاعِ مِنَ الْإِخْلَالِ بِأَحْكَامِ التِّلَاوَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
• وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَهُوَ رَاجِزٌ، [هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَنَثْرًا كَنَثْرِ الدَّقَلِ!]». (٢) стр. 145
• وَقَالَ: «لَا تَقْرَءُوا الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، اقْرَءُوهُ فِي سَبْعٍ، وَيُحَافِظُ الرَّجُلُ يَوْمًا وَلَيْلَةً عَلَى جُزْئِهِ». رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (رَقْم: ٥٩٤٨) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
• وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَقَالَ: قَرَأْتُ المُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ: «هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ! لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ»، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٧٧٥)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ٨٢٢).
• زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ، فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ».
• وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: «لأَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَهُ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ، وَلأَنْ أَقْرَأَهُ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَهُ فِي عَشْرٍ، وَلأَنْ أَقْرَأَهُ فِي عَشْرٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَهُ فِي سَبْعٍ؛ أَقِفُ وَأَدْعُو». (١)
مَنَعَ الْقُرَانُ بِوَعْدِهِ وَوَعِيْدِهِ … مُقَلَ الْعُيُونِ بِلَيْلِهَا لَا تَهْجَعُ
فَهِمُوا عَنِ الْمَلِكِ الْعَظِيْمِ كَلَامَهُ … فَهْمًا تَذِلُّ لَهُ الرِّقَابُ وَتَخْضَعُ
• إِخْوَانِي: [هَذِهِ أَيَّامٌ تُصَانُ، هِيَ كَالتَّاجِ عَلَى رَأْسِ الزَّمَانِ، وَهَذَا تَنزِيْلٌ مِنَ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
• يَا لَهُ مِنْ وَقْتٍ عَظِيمِ الشَّانِ، تَجِبُ حِرَاسَتُهُ مِمَّا إِذَا حَلَّ شَانَ، كَأَنَّكُمْ بِهِ قَدْ رَحَلَ وَبَانَ، وَوَجْهُ الصُّلْحِ مَا بَانَ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. следующие страницы →