Полный текст (342 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
• وَكَذَا قَوْلُ عُمَرَ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
• قَالُوا: فَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ شَرْطًا لَمْ يَصِحَّ بِاللَّيْلِ وَحْدَهُ، وَاللَّيْلُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ للصَّوْمِ. (١)
• وَأَمَّا حَدِيْثُ: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ»؛ فَإِنَّهُ ضَعِيْفٌ، لَا يَثْبُتُ. (٢)
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَوْ صَحَّ فَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِحْبَابُ؛ فَإِنَّ الصَّوْمَ فِيهِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَعْتَكِفُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلِأَنَّ الْمُعْتَكِفَ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّشَاغُلُ بِالْعِبَادَاتِ وَالْقُرَبِ، وَالصَّوْمُ مِنْ أَفْضَلِهَا، وَيَتَفَرَّغُ بِهِ مِمَّا يَشْغَلُهُ عَنْ الْعِبَادَاتِ، وَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ. ا. هـ. (٣)
• وَالتَّحْقِيْقُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلِاعْتِكَافِ إِلَّا الشُّرُوطُ الْعَامَّةُ، وَهِيَ: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالتَّمْيِيْزُ، وَالنِّيَّةُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيْقُ. стр. 212
ثَامِنًا: يُفْسِدُ الِاعْتَكافَ أَحَدُ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ:
١. الْجِمَاعُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وَقَدْ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ إِذَا جَامَعَ عَامِدًا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، مِنْهُمُ: ابْنُ الْمُنذِرِ، وابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ رُشْدٍ، وَابْنُ قُدَامَةَ، وَالْقُرْطُبِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ ﵏. (١)
• وَأَمَّا إِذَا كَانَ نَاسِيًا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ عَلَى الصَّحِيْحِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِقَوْلِهِ : ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. (٢)
• وَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ وَالْقُبْلَةُ فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا بَأْسَ؛ لِحَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ مُجَاوِرٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. (٣)
• وَمَعْنَي: (مُجَاوِرٌ)، أَيْ: مُعْتَكِفٌ، فَيُقَالُ لِلِاعْتِكَافِ أَيْضًا: الْمُجَاوَرَةُ.
• وَفِي رِوَايَةٍ: «فَأُرَجِّلُهُ»، تَعْنِي: أُمَشِّطُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَأَنَا فِي حُجْرَتِي».
• وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيْثِ أَنَّ خُرُوجَ الْمُعْتَكِفِ بِبَعْضِ بَدَنِهِ كَيَدِهِ وَرِجْلِهِ وَرَأْسِهِ لَا يَبْطُلُ بِهِ اعْتِكَافُه، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَنْ أَخْرَجَ رَأْسَهُ أَوْ يَدَيْهِ أَوْ إحْدَى رِجْلَيْهِ أَوْ كِلَيْهِمَا وَهُوَ قَاعِدٌ مَادُّهُمَا فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِلَا خِلَافٍ، فَإِنْ أَخْرَجَ رِجْلَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا وَبَقِيَ رَأْسُهُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ فَهُوَ خَارِجٌ، فَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ. ا. هـ. (٤) стр. 213
• وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَاشَرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]: الْجِمَاعُ. (١)
• وَإِنْ كَانَتْ الْمُبَاشَرَةُ أَوِ الْقُبْلَةُ بِشَهْوَةٍ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمُعْتَكِفِ، وَفِي فَسَادِ الِاعْتِكَافِ بِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ الْبُطْلَانَ بِالْمُبَاشَرَةِ بِشَهْوَةٍ فِيْمَا دُونَ الْفَرْجِ، أَنْزَلَ، أَوْ لَمْ يُنزِلْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ الْبُطْلَانَ بِالْإِنزَالِ، وَمِنْهُم مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ مُطْلَقًا. (٢)
• وَأَمَّا التَّزَوُّجُ فِي الْمَسْجِدِ وَالتَّزْوِيْجُ وَشُهُودُ النِّكَاحِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِلْمُعْتَكِفِ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي "الْمَجْمُوعِ" (٦/ صـ: ٥٢٧) عَدَمَ الْخِلَافِ فِيْهِ.
٢. وَيُفْسِدُ الاعْتِكَافَ أَيْضًا: الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَأَمَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَلَهُ الْخُرُوجُ لَهُ، بِالْإِجْمَاعِ، نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" (٣/ صـ: ١٩٢).
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَوْ بَطَلَ الِاعْتِكَافُ بِخُرُوجِهِ إلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ لَأَحَدٍ الِاعْتِكَافُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَعْتَكِفُ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ: الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ، كَنَّى بِذَلِكَ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ يَحْتَاجُ إلَى فِعْلِهِمَا، وَفِي مَعْنَاهُ: الْحَاجَةُ إلَى الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، وَإِنْ بَغَتْهُ الْقَيْء، فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِيَتَقَيَّأ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَكُلُّ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ، وَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُطِلْ، وَكَذَلِكَ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، مِثْلُ مَنْ يَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ لَا جُمُعَةَ فِيهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى خُرُوجِهِ لِيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ، وَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَيْهَا، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا. ا. هـ. стр. 214
• وَإِنْ خَرَجَ لِعِيَادَةِ مَرِيْضٍ، أَوِ اتِّبَاعِ جَنَازَةٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ عَلَى الصَّحِيْحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
• وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجَنَازَةِ خَارَجَ الْمَسْجِدِ، أَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَغْسِيْلُ مَيِّتٍ وَتَكْفِيْنُهُ، أَوْ دَفْنُهُ؛ فَلَا بَأْسَ بِخُرُوجِهِ فِي هَذَا الْحَالِ. (١)
• وَلَا بَأْسَ بِخُرُوجِ الرَّجُلِ مِنِ اعْتِكَافِهِ لِيَصْحَبَ أَهْلَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ يَرُدَّها إِلَى مَنزِلِهَا، وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ!، قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا»، أَوْ قَالَ: «شَيْئًا». (٢)
٣. وَيُفْسِدُ الاعْتِكَافَ أَيْضًا: الرِّدَّةُ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي أَثْنَاءِ الاعْتِكَافِ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي الْحَالِ اسْتَأْنَفَ النِّيَّةَ.
٤. وَكَذَا يُفْسِدُهُ نِيَّةُ قَطْعِ الاعْتِكَافِ، وقَد تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَدِلَّتِهِ فِي مُفْسِدَاتِ الصَّوْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
• وَمَعْنَى كَوْنِ هَذِهِ الْأُمُورِ تُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ، أَيْ: تَقْطَعُ تَتَابُعَهُ، وَلَا يَذْهَبُ بِهَا أَجْرُ مَا سَلَفَ مِنِ اعْتِكَافِهِ وَسَائِرِ أَعْمَالِهِ، حَاشَا الرِّدَّةَ، إِنِ مَاتَ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّهَا تُحْبِطُ عَمَلَهُ. стр. 215
تَاسِعًا: لا اشْتِرَاطَ فِي الاعْتِكَافِ، عَلَى الصَّحِيْحِ الَّذِي عَلَيْهِ الجمهور، فَلَيْسَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْخُرُوجَ لِعِيَادَةِ مَرِيْضٍ أَوِ اتِّبَاعِ جَنَازَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي مَقْصُودَ الاعْتِكَافِ.
• فَإِنْ خَرَجَ اسْتَأْنَفَ، وَهَذَا فِي اشْتِرَاطِ طَاعَةٍ أَوْ مُبَاحٍ، فَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْمَعْصِيَةِ فَمُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فِي الاعْتِكَافِ وَغَيْرِهِ، فَلَيْسَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَطْءَ فِي اعْتِكَافِهِ وَلَا الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا الصِّنَاعَةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ فَلَا يَعْتَكِفْ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الِاعْتِكَافِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. ا. هـ. (١)
عَاشِرًا: الحِكْمَةُ مِنَ الاعْتِكَافِ وَمَقْصُودُهُ: هُوَ: الانقِطَاعُ لِلْعِبَادَةِ، وَالْخُلُوُّ بِالنَّفْسِ لِذِكْرِ اللهِ ، فَينبَغِيْ لِلْمُعْتَكِفِ مُرَاعَاةُ هَذَا الْمَقْصُودِ، وَامْتِثَالُهُ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: «يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِالصَّلَاةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ الْمَحْضَةِ، وَيَجْتَنِبُ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَلَا يُكْثِرُ الْكَلَامَ؛ لِأَنَّ مِنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ». (٢)
• وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَيُقْرِئَهُ غَيْرَهُ، وَأَنْ يَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمَهُ غَيْرَهُ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا: وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ؛ وَلِأَنَّهُ مُصَحِّحٌ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ؛ وَلِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ إلَى النَّاسِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِتَفْضِيلِ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِصَلَاةِ النَّافِلَةِ. стр. 216
• وَقَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: فَالْأَوْلَى لِلْمُعْتَكِفِ الِاشْتِغَالُ بِالطَّاعَاتِ مِنْ صَلَاةٍ وَتَسْبِيحٍ وَذِكْرٍ وَقِرَاءَةٍ وَاشْتِغَالٍ بِعِلْمٍ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا وَمُطَالَعَةً وَكِتَابَةً وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي شَئْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. ا. هـ. (١)
• وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي "زَادِ الْمَعَادِ" (ج ٢/ صـ: ٨٢ - ٨٣): لَمَّا كَانَ صَلَاحُ الْقَلْبِ وَاسْتِقَامَتُهُ عَلَى طَرِيقِ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مُتَوَقِّفًا عَلَى جَمْعِيِّتِهِ عَلَى اللَّهِ، وَلَمِّ شَعَثِهِ بِإِقْبَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ شَعَثَ الْقَلْبِ لَا يَلُمُّهُ إِلَّا الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ فُضُولُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَفُضُولُ مُخَالَطَةِ الْأَنَامِ، وَفُضُولُ الْكَلَامِ، وَفُضُولُ الْمَنَامِ، مِمَّا يَزِيدُهُ شَعَثًا، وَيُشَتِّتُهُ فِي كُلِّ وَادٍ، وَيَقْطَعُهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يُضْعِفُهُ أَوْ يَعُوقُهُ وَيُوقِفُهُ، اقْتَضَتْ رَحْمَةُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ بِعِبَادِهِ أَنْ شَرَعَ لَهُمْ مِنَ الصَّوْمِ مَا يُذْهِبُ فُضُولَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيَسْتَفْرِغُ مِنَ الْقَلْبِ أَخْلَاطَ الشَّهَوَاتِ الْمُعَوِّقَةِ لَهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَشَرَعَهُ بِقَدْرِ الْمَصْلَحَةِ، بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بَهِ الْعَبْدُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَلَا يَضُرُّهُ وَلَا يَقْطَعُهُ عَنْ مَصَالِحِهِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ.
• وَشَرَعَ لَهُمُ الِاعْتِكَافَ الَّذِي مَقْصُودُهُ وَرُوحُهُ عُكُوفُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَجَمْعِيَّتُهُ عَلَيْهِ، وَالْخَلْوَةُ بِهِ، وَالِانْقِطَاعُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْخَلْقِ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ، بِحَيْثُ يَصِيرُ ذِكْرُهُ وَحُبُّهُ، وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ هُمُومِ الْقَلْبِ وَخَطَرَاتِهِ، فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهِ بَدَلَهَا، وَيَصِيرُ الْهَمُّ كُلُّهُ بِهِ، وَالْخَطَرَاتُ كُلُّهَا بِذِكْرِهِ، وَالتَّفَكُّرُ فِي تَحْصِيلِ مَرَاضِيهِ وَمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ، فَيَصِيرُ أُنْسُهُ بِاللَّهِ بَدَلًا عَنْ أُنْسِهِ بِالْخَلْقِ، فَيُعِدُّهُ بِذَلِكَ لِأُنْسِهِ بِهِ يَوْمَ الْوَحْشَةِ فِي الْقُبُورِ حِينَ لَا أَنِيسَ لَهُ، وَلَا مَا يَفْرَحُ بِهِ سِوَاهُ، فَهَذَا مَقْصُودُ الِاعْتِكَافِ الْأَعْظَمُ. стр. 217
• وَأَمَّا فُضُولُ الْمَنَامِ، فَإِنَّهُ شُرِعَ لَهُمْ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ مَا هُوَ مِنْ أَفْضَلِ السَّهَرِ وَأَحْمَدِهِ عَاقِبَةً، وَهُوَ السَّهَرُ الْمُتَوَسِّطُ الَّذِي يَنْفَعُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ، وَلَا يَعُوقُ عَنْ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ، وَمَدَارُ رِيَاضَةِ أَرْبَابِ الرِّيَاضَاتِ وَالسُّلُوكِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَسْعَدُهُمْ بِهَا مَنْ سَلَكَ فِيهَا الْمِنْهَاجَ النَّبَوِيَّ الْمُحَمَّدِيَّ، وَلَمْ يَنْحَرِفِ انْحِرَافَ الْغَالِينَ، وَلَا قَصَّرَ تَقْصِيرَ الْمُفَرِّطِينَ. ا. هـ.
• قُلْتُ: وَمِمَّا يُخلُّ بِمَقْصُودِ الاعْتِكَافِ، وَتَنزِيْهِ الْمَسْجِدِ وَصِيَانَتِهِ: أَكْلُ الْقَاتِ فِيْهِ (التَّخْزِيْنُ)!، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ.
• [لَوْ رَأَيْتَ التَّائِبَ لَرَأَيْتَ جَفْنًا مَقْرُوحًا، تُبْصِرُهُ فِي الأَسْحَارِ عَلَى بَابِ الاعْتِذَارِ مَطْرُوحًا، سَمِعَ قَوْلَ الإِلَهِ: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
• مَطْعَمُهُ يَسِيرٌ، وَحُزْنُهُ كَثِيرٌ، وَمَزْعَجُهُ مُثِيرٌ، فَكَأَنَّهُ أَسِيرٌ قَدْ رُمِيَ مَجْرُوحًا.
• أَنْحَلَ بَدَنَهُ الصِّيَامُ، وَأَتْعَبَ قَدَمَهُ الْقِيَامُ، وَحَلَفَ بِالْعَزْمِ عَلَى هَجْرِ الْمَنَامِ، فَبَذَلَ جَسَدًا وَرُوحًا.
• الْخُشُوعُ قَدْ عَلاهُ، وَالْحُزْنُ قَدْ وَهَاهُ، يَذُمُّ نَفْسَهُ عَلَى هَوَاهُ، وَبِهَذَا صَارَ مَمْدُوحًا.
• أَيْنَ مَنْ يَبْكِي جِنَايَاتِ الشَّبَابِ، الَّتِي بِهَا اسْوَدَّ الْكِتَابُ، أَيْنَ مَنْ يَأْتِي إِلَى الْبَابِ يَجِد الْبَابَ مَفْتُوحًا، ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].] (١)
• ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤].
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * * стр. 218
الْمَجْلِسُ الْعِشْرُونَ: فِي فَضْلِ لَيْلَةِ الْقدْرِ
• الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَبْدَعَ الْأَشْيَاءَ بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهَدَى إِلَىْهِ مَنْ أَنَابَ بِتَوْفِيْقِهِ وَعِصْمَتِهِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَسَوَاءٌ عِندَهُ السِّرُّ وَالْجَهْرُ، وَقَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ عِزَّةً وَحُكْمًا، وَلَهُ كَمَالُ الْقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ، أَحْمَدُهُ فَضَّلَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عَلَى سَائِرِ لَيَالِي الدَّهْرِ، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٢ - ٣]، فَيَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَإِيَّاكَ وَالبَهْرَ، وَشَمِّرْ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ، فَمَنْ خَطَبَ الْحَسْنَاءَ لَمْ يُغْلِهِ الْمَهْرُ، وَدُونَكَ السَّبْقَ، فَخُذْ بِأَزِمَّتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، مُقِرًّا بِهِ غَيْرَ جَاحِدٍ بِنِعْمَتِهِ، وَعَائِذًا بِهِ مِنْ فُجَاءَةِ نِقْمَتِهِ، فَتِلْكَ لَعَمْرُو اللهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِيْ بَلَغَ مِنَ الْفَضْلِ أَعْلَى قِمَّتِهِ، وَفَاقَ كُلَّ مَخْلُوقٍ بِعَزْمِهِ وَهِمَّتِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ خَيْرِ أُمَّتِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا جَرَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ نَهْرٌ، وَتَفَتَّقَتْ بَرَاعِمُ الزَّهْرِ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ فَضَائِلِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ: أَنَّ فِيْهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَسَنَذْكُرُ في هذا المَجْلِسِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - مَا يَخُصُّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنْ فَضَائِلَ وَأَحْكَامٍ، فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيْقُ:
أوَّلاً: سُمِّيَتْ لَيْلةَ الْقَدْرِ؛ لِسَبَبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عِظَمُ قَدْرِهَا وَبَرَكَتِهَا؛ ولهذا قال : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾؛ تَعْظِيْمًا لِشَأْنِهَا.
وَالْآخَرُ: أَنَّ اللهَ يُقَدِّرُ فِيْهَا مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ مِنَ الْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ وَغَيْرِهَا، قَالَ : ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٤].
• قَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: أَيْ: فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يُفْصَلُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى الْكَتَبَةِ أَمْرُ السَّنَةِ، وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنَ الْآجَالِ وَالْأَرْزَاقِ، وَمَا يَكُونُ فِيهَا إِلَى آخِرِهَا. وَهَكَذَا
стр. 219
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
• وَقَوْلُهُ: ﴿حَكِيمٍ﴾، أَيْ: مُحْكَمٌ، لَا يُبَدَّلُ، وَلَا يُغَيَّرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ أَيْ: جَمِيعُ مَا يَكُونُ وَيُقَدِّرُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا يُوحِيهِ فَبِأَمْرِهِ وَإِذْنِهِ وَعِلْمِهِ. ا. هـ.
ثَانِيًا: أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ فِيْهَا الْقُرْآنَ، قَالَ : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
• وَقَالَ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣].
• وَقَالَ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١].
• وَمَعْنَى هَذِهِ الْآيَاتِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَضَائِلِ شَهْرِ رَمَضَانَ: أَنَّ اللهَ أَنْزِلَ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مُفَرَّقًا حَسَبَ الْوَقَائِعِ وَالْأَحْدَاثِ، فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً.
• وَقِيْلَ: كَانَ ابْتِدَاءُ نُزُولِ الْقُرْآنِ فِيْهَا.
ثَالِثًا: أَنَّهَا خَيْرُ لَيَالِي السَّنَةِ وَالدَّهْرِ، وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرِ، قَالَ : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٢ - ٣].
• وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّهَا فِي فَضْلِهَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيْهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِيْهَا أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيْهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ.
• وَكَفَى بِهَذَا مَنقَبَةً لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ فَإِنَّ أَلْفَ شَهْرٍ يَعْدِلُ ثَلَاثَةً وَثَمَانِيْنَ عَامًا ونيِّفًا!، وَلَا يَبْلُغُ هَذَا الْعُمُرَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا الْقَلِيْلُ؛ فَقَدْ قَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٣٥٥٠)، وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ٤٢٣٦) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. (١) стр. 220
• ثُمَّ لَوْ بَلَغَ هَذَا الْعُمُرَ، فَإِنَّهُ لَا يَصْفُو لَهُ مِنْهُ فِي الْعِبَادَةِ إِلَّا الْقَلِيْلُ؛ فَثُلُثُ عُمُرِهِ أَوْ أَكْثَرُ يَذْهَبُ فِي النَّوْمِ! وَنِسْبَةٌ مِنْهُ تَذْهَبُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالاشْتِغَالِ بِالْمُبَاحَاتِ، نَاهِيْكَ عَنِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُقْضَى فِي الْغَفَلَاتِ، وَالْمَكْرُوهَاتِ، بَلْ وَفِي الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَاتِ! نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْبَرَكَةَ فِي أَعْمَارِنَا.
• فَتَأَمَّلْ أَخِي الْمُسْلِمُ هَذَا الْأَمْرَ حَقَّ التَّأَمُّلِ؛ فَإِنَّهُ سَيَقُودُكَ إِلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَيَشْحَذُ هِمَّتَكَ إِلَى اغْتِنَامِ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَعَدَمِ التَّفْرِيْطِ فِي أَوْقَاتِهَا.
فَائِدَةٌ: سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ بِالنَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَفْضَلُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَلَيْلَةَ الْقَدْرِ أَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمَّةِ، فَحَظُّ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِنْهَا أَكْمَلُ مِنْ حَظِّهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَحَظُّ الْأُمَّةِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَكْمَلُ مِنْ حَظِّهِمْ مِنْ لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِيهَا أَعْظَمُ حَظٍّ، لَكِنَّ الْفَضْلَ وَالشَّرَفَ وَالرُّتْبَةَ الْعُلْيَا إنَّمَا حَصَلَتْ فِيهَا لِمَنْ أُسْرِيَ بِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (١)
رَابِعًا: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَنَزَّلُ فِيْهَا، كَمَا قَالَ : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤].
• وَأَمَّا الرُّوحُ فَهُوَ جِبْرِيْلُ ﵇، عَلَى الْقَوْلِ الْأَشْهَرِ، الَّذِيْ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَعَطْفُهُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِلتَّنبِيْهِ عَلَى فَضْلِ الْخَاصِّ وَشَرَفِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ جِبْرِيْلَ ﵇ أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ، وَمُقَدَّمُهُمْ. стр. 221
خَامِسًا: أَنَّهَا سَلَامٌ كُلُّهَا، كَمَا قَالَ : ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].
• وَمَعْنَى: ﴿سَلَامٌ﴾: سَالِمَةٌ، أَيْ: مِنَ الشُّرُورِ وَالْآفَاتِ، لَا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا سُوءًا وَلَا أَذًى، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي تَفْسِيْرِ الْآيَةِ.
• وَقَوْلُهُ : ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ انتِهَائَهَا يَكُونُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، بِخِلَافِ مَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ الْعَامَّةِ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ اللَّيْلَةِ!، أَوْ مُجَرَّدُ لَحْظَةٍ فِيْهَا!.
سَادِسًا: أَنَّ قِيَامَهَا أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ مَا سِوَاهَا مِنْ لَيَالِي السَّنَةِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (١)
• وَقِيَامُهَا هُوَ: إِحْيَاؤُهَا بِالتَّهَجِّدِ فِيْهَا وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللهِ .
• وَقَوْلُهُ: «إِيْمَانًا»، أَيْ: بِاللَّهِ، وَرِضًا بِمَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ.
• وَقَوْلُهُ: «وَاحْتِسَابًا»، أي: لِلْأَجْرِ عِنْدَ اللهِ .
• وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَيُوَافِقْهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ».
• وَتَتَحَصَّلُ مُوَافَقَتُهَا بِقِيَامِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ العِلْمُ بِهَا، عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: «فَيُوَافِقْهَا»، زِيَادَةُ بَيَانٍ، وَإِلَّا فَالْجَزَاءُ مُرَتَّبٌ عَلَى قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ. (٢)
سَابِعًا: لَيْلَةُ الْقَدْرِ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَمْ تُرْفَعْ، وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِيْنَ أَنَّهَا فِي الْأَوْتَارِ مِنْهَا، وَهِيَ تَتَنَقَّلُ، فَتَارَةً تَكُونُ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ، وَتَارَةً ثَلَاثًا وَعِشْرِيْنَ وَتَارَةً خَمْسًا وَعِشْرِيْنَ، وَتَارَةً سَبْعًا وَعِشْرِيْنَ، وَهِيَ أَرْجَى لَيَالِيْهَا، وَتَارَةً تِسْعًا وَعِشْرِيْنَ. стр. 222
• فَعن أَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ كُلِّ وِتْر». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٢٠١٦)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١٦٧).
• وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٢٠١٧).
• وَرَوَى أَيْضًا (رَقْم: ٤٩، و ٢٠٢٣، و ٦٠٤٩) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ، وَالسَّابِعَةِ، وَالخَامِسَةِ».
• وَقَوْلُهُ: «فَرُفِعَتْ»، أَيْ: رُفِعَ تَعْيِيْنُهَا تِلْكَ السَّنَةَ، وَالدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُرْفَعْ: قَوْلُهُ فِي الْحَدِيْثِ نَفْسِهِ: «فَالْتَمِسُوهَا».
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». (١)
وَرَوَى أَحْمَدُ (رَقْم: ٢١٤٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَجُلًا، أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلِيلٌ، يَشُقُّ عَلَيَّ الْقِيَامُ، فَأْمُرْنِي بِلَيْلَةٍ لَعَلَّ اللَّهَ يُوَفِّقُنِي فِيهَا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَالَ: «عَلَيْكَ بِالسَّابِعَةِ». (٢) стр. 223
وَرَوَى أَحْمَدُ (رَقْم: ٤٨٠٨) أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ»، وَقَالَ: «تَحَرَّوْهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ»، يَعْنِي: لَيْلَةَ الْقَدْرِ. (١)
• وَذَهَبَت طَائِفَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِيْنَ إِلَى أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي الْأَشْفَاعِ أَيْضًا، مِنْهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ، وَالْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ -رحمهما الله-.
• قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة ﵀: وَتَكُونُ فِي الْوِتْرِ مِنْهَا، لَكِنَّ الْوِتْرَ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي، فَتُطْلَبُ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ مَا بَقِيَ.
• ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدْرِ، فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٢٠٢١) مِنِ حَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
• وَفِي رِوَايَةٍ (رَقْم: ٢٠٢٢): «هِيَ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، هِيَ فِي تِسْعٍ يَمْضِيْنَ، أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ». يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْر. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «التَمِسُوا فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ».
• قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ يَكُونُ ذَلِكَ لَيَالِيَ الْأَشْفَاعِ، وَتَكُونُ الِاثْنَيْنِ وَالْعِشْرِينَ تَاسِعَةً تَبْقَى، وَلَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَابِعَةً تَبْقَى. قَالَ: وَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ كَانَ التَّارِيخُ بِالْبَاقِي، كَالتَّارِيخِ الْمَاضِي، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّاهَا الْمُؤْمِنُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ جَمِيعِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تَحَرَّوْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» (٢). стр. 224
قَالَ ﵀: وَتَكُونُ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ أَكْثَرَ، وَأَكْثَرُ مَا تَكُونُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، كَمَا كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَحْلِفُ: إَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. ا. هـ. (١)
• وَمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْإِمَامُ الْجِهْبِذُ وَاحْتَجَّ لَهُ بِالْأَثَرِ وَالنَّظَرِ هُوَ الصَّحِيْحُ؛ فَإِنَّ عَلَامَاتِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَدْ تَتَّفِقُ فِي بَعْضِ السِّنِيْنَ فِي إِحْدَى لَيَالِي الْأَشْفَاعِ، دُونَ الْأَوْتَار، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
•وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «وَقَدْ تَكُونُ فِي الْأَشْفَاعِ، وَهِيَ فِي الْأَوْتَارِ أَقْرَبُ مِنَ الْأَشْفَاعِ». (٢)
ثَامِنًا: لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ عَلامَاتٌ، تُعْرَفُ بِهَا، فَمِنْ عَلَامَاتِهَا:
١. أن الشَّمْسَ تَطْلُعُ فِي صَبِيْحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا، فَرَوَى مُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٦٢) عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: «وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ - يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي - وَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا».
٢. وَمِنْهَا: أَنَّهَا سَاكِنَةٌ، صَافِيَةٌ، مُعْتَدِلَةُ الْجَوِّ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٢٧٦٥) مِنْ حَدِيْثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ أَمَارَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا صَافِيَةٌ، بَلْجَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا، سَاكِنَةٌ، سَاجِيَةٌ، لَا بَرْدَ فِيهَا، ولَا حَرَّ، وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا حَتَّى تُصْبِحَ».
• وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيْثِ جَابِرٍ ﵁، مَرْفُوْعًا، بِلَفْظِ: «إِنِّي كُنْتُ أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ نُسِّيتُهَا، وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَهِيَ طَلْقَةٌ، بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، كَأَنَّ стр. 225
فِيهَا قَمَرًا يَفْضَحُ كَوَاكِبَهَا، لَا يَخْرُجُ شَيْطَانُهَا حَتَّى يَخْرُجَ فَجْرُهَا». رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (رَقْم: ٢١٩٠)، وَابْنُ حِبَّانَ (رَقْم: ٣٦٨٨). (١)
• وَمَعْنَى: (طَلْقَةٌ)، أَيْ: لَا حَرَّ فِيْهَا وَلَا بَرْدَ، وَقَدْ جَاءَ تَفْسِيْرُهَا كَذَلِكَ فِي حَدِيْثٍ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (رَقْم: ٢١٩٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا.
• و (بَلْجَةٌ): أَيْ: مُشْرقَةٌ.
٣. وَمِنْهَا: أَنَّها رُبَّما كَانَتْ أَحْيَانًا مُمْطِرَةً: فَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنِّي أُرِيتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ، وَإِنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ».
• قَالَ أَبُو سَعِيْدٍ: فَأَصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَدْ قَامَ إِلَى الصُّبْحِ، فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَأَبْصَرْتُ الطِّينَ وَالْمَاءَ، فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالْمَاءُ، وَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
٤. وَمِنْهَا: أَنَّهَا قَدْ تُّرَى فِي الْمَنَامِ، كَمَا فِي حَدِيْثَيِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيْدٍ، الْآنِفَين.
٥. وَمِنْهَا - عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ -: حُصُولُ الطُّمَأْنِيْنَةِ فِيْهَا، وَاللَّذَّةِ فِي الْقِيَامِ وَالنَّشَاطِ لَهُ.
• وَلَا دَلِيْلَ يَنُصُّ عَلَى هَذِهِ الْأَخِيْرَةِ، لَكِن يُسْتَدَلُّ لَهَا بِكَثْرَةِ نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ فِيْهَا، وَالْمَلَائِكَةُ - كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ - تَتَنَزَّلُ بِالسَّكِيْنَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَاسِعًا: رَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». стр. 226
• وَرَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ، بِلَفْظِ: أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟، فَذَكَرَتِ الْحَدِيْثَ. (١) стр. 227
عَاشِرًا: قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرِ ﵀: «قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي إِخْفَاءِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ لِيَحْصُلَ الِاجْتِهَادُ فِي الْتِمَاسِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ عُيِّنَتْ لَهَا لَيْلَةٌ لَاقْتُصِرَ عَلَيْهَا» (١)
• وَقَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَقَدْ أَخْفَاهَا اللهُ عَلَى عِبَادِهِ لِحِكْمَتَيْنِ عَظِيْمَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَتَبَيَّنَ الْجَادُّ فِي طَلَبِهَا، الَّذِي يَجْتَهِدُ فِي كُلِّ اللَّيَالِي لَعَلَّهُ يُدْرِكُهَا، أَوْ يُصِيْبُهَا، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ لَيْلَةً مُعَيَّنَةً لَمْ يَجِدَّ النَّاسُ إِلَّا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَقَطْ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَزْدَادَ النَّاسُ عَمَلًا صَالِحًا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى رَبِّهِمْ، وَيَنتَفِعُونَ بِهِ. (٢)
• [إِخْوَانِي: لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ يُفْتَحُ فِيهَا الْبَابُ، وَيُقَرَّبُ فِيهَا الأَحْبَابُ، وَيُسْمَعُ الْخِطَابُ، وَيُرَدُّ الْجَوَابُ، وَيُسْنَى لِلْعَامِلِينَ عَظِيمُ الأَجْرِ، ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].
• يَسْعَدُ بِهَا الْمُوَاصِلُ، وَيَتَوَفَّرُ فِيهَا الْحَاصِلُ، وَيُقْبَلُ فِيهَا الْمُعَامِلُ، فَيَا رِبْحَ الْمُعَامِلِ فِي الْتَّجْرِ، ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].
• لَيْلَةٌ تُتَلَقَّى فِيهَا الْوُفُودُ، وَيَحْصُلُ لَهُمُ الْمَقْصُودُ، بِالْقَبُولِ وَالْفَوْزِ وَالسُّعُودِ، أَتُرَى مَا يُؤْلِمُكَ أَيُّهَا الْمَطْرُودُ هَذَا الْهَجْرُ؟!، ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].
• أَخْلَصُوا وَمَا أَخْلَصْتَ قَصْدَكَ، وَبَلَغُوا الْمُرَادَ وَمَا بَلَغْتَ أَشُدَّكَ، وَكُلَّمَا جِئْتَ بِلَا نِيَّةٍ رَدَّكَ، أَفَمَا يُؤَثِّرُ عِنْدَكَ شَدِيدُ هَذَا الزَّجْرِ؟! ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]. стр. 228
• أَيْقِظْ نَفْسَكَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَانْتَظِرْ مَا سَيَأْتِي عَنْ قَلِيلٍ إِلَيْهَا، وَأَسْمِعْهَا الْمَوَاعِظَ فَقَدْ حَضَرَتْ لَدَيْهَا، وَاقْبَلْ نُصْحِي وَخُذْ عَلَيْهَا ضَرْبَ الْحَجْرِ، ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].
• هَذِهِ أَوْقَاتٌ يَرْبَحُ فِيهَا مَنْ فَهِمَ وَدَرَى، وَيَصِلُ إِلَى مُرَادِهِ كُلُّ مَنْ جَدَّ وَسَرَى، وَيُفَكُّ فِيهَا الْعَانِي وَتُطْلَقُ الأَسْرَى، تَقَدَّمَ الْقَوْمُ وَأَنْتَ رَاجِعٌ إِلَى وَرَا!، أَوَلَيْسَ كُلُّ هَذَا قَدْ جَرَى وَكَأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ!، ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].] (١)
أَيْنَ مَنْ يَحْذَرُ الْعَذَاب وَيَخْشَى … أَنْ يُصَلَّي الْجَحِيمَ مَأْوَى اللِّئَامِ
أَيْن من يَشْتَهِي الْتِذَاذًا بِحُورٍ … فِي جِنَانِ الْخُلُودِ بَيْنَ الْخِيَامِ
الْتَمِسْ فِيْهِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَاتْرُكْ … الْتِمَاسًا لَهَا لَذِيْذَ الْمَنَامِ
وَاجْتَهِدْ فِي عبَادَةِ اللهِ وَاسْأَلْ … فَضْلَهُ عِنْدَ غَفْلَةِ النُّوَّامِ
يَا لَهَا خَيْبَةٍ لِمَنْ خَابَ فِيْهِ … عَنْ بُلُوغ الْمُنَى بِدَارِ السَّلَام
يَا لَهَا حَسْرَةٍ لِمَنْ كَانَ فِيْهِ … سَاتِرًا شَرَّهُ بِثَوْبِ الظَّلَام
يَا إِلَهَ الْجَمِيع أَنْتَ بِحَالِي … عَالِمٌ فَاهْدِنِي سَبِيْلَ الْقَوَامِ
وَأَمِتْنِي عَلَى اعْتِقَادٍ جَمِيْلِ … وَاتِّبَاعٍ لِمِلَّةِ الْإِسْلَام (٢)
اللَّهُمَّ وَفِّقَنَا لِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَعْمَارِنَا وَجُهُودِنَا
وَأَوْقَاتِنَا، إِنَّكَ قَرِيْبٌ مُجِيْبٌ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * * стр. 229
الْمَجْلِسُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: فِي ذِكْرِ الْمُعِيْنَاتِ عَلَى الْعِبَادَةِ
• الْحَمْدُ للهِ الْغَفُورِ الْوَدُودِ، الَّذِيْ أَخْرَجَنَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى حَيِّزِ الْوُجُودِ، وَلَمْ يَزَلْ يُسْبِغُ نِعَمَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَيَجُودُ، جَعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالْقَائِمَيْنَ عَلَى مَا شَرَعَهُ وَمَا حَدَّهُ لَنَا مِنَ الْحُدُودِ، وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا، وَمَا كُنَّا لِنَقْوَى لَوْلَا حَوْلُهُ وَقُوَّتُهُ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ أَسْرِ الشَّيْطَانِ وَشَرَكِهِ وَالْقُيُودِ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا غَيْرَ مَحْصُورٍ وَلَا مَعْدُودٍ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُبَلِّغَنَا الْمَأْمُولَ مِنْ رِضَاهُ وَالْمَقْصُودَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، الْمُسْتَعَانُ الْمَعْبُودُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَاحِبُ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ، وَالْوَسِيْلَةِ فِي جَنَّاتِ الْخُلُودِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ كَانُوا للهِ وَلِرَسُوْلِهِ نِعْمَ الْأَنصَارُ وَالْجُنُودُ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ الْمَشْهُودِ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَإِنَّ اللهَ إِنَّمَا خَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنسَ لِعِبَادَتِهِ، كَمَا قَالَ : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
• قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ الْمُبَارَكِ الْعَظِيْمِ النَّفْعِ "رِيَاضِ الصَّالِحِيْنَ": «وَهَذا تَصْريحٌ بِأَنَّهُمْ خُلِقوا لِلعِبَادَةِ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الاعْتِنَاءُ بِمَا خُلِقُوا لَهُ، وَالإعْرَاضُ عَنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا بالزَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا دَارُ نَفَادٍ لَا مَحَلُّ إخْلَادٍ، وَمَرْكَبُ عُبُورٍ لَا مَنْزِلُ حُبُورٍ، ومَشْرَعُ انْفصَامٍ لَا مَوْطِنُ دَوَامٍ؛ فلِهذا كَانَ الأَيْقَاظُ مِنْ أَهْلِهَا هُمُ الْعُبَّادُ، وَأعْقَلُ النَّاسِ فيهَا هُمُ الزُّهَّادُ، قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]».
стр. 230
• وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْمُكَلَّفِ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا يُعِيْنُهُ عَلَى طَّاعَةِ رَبِّهِ وَعِبَادَتِهِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَلْقَاهُ، وَهَذِهِ أَهَمُّ تِلْكَ الْأَسْبَابِ وَالْمُعِيْنَاتِ الَّتِي تُعِيْنُ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ ، لَا سِيَّما فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ، شَهْرِ رَمَضَانَ:
الأُولَى: الاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
• فَذِكْرُ الاسْتِعَانَةِ بَعْدَ الْعِبَادَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ؛ لِلتَّنبِيْهِ عَلَى فَضْلِ وَشَرَفِ الْخَاصِّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيْلَ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ إِلَّا بِعَوْنِهِ وَتَوْفِيْقِهِ.
إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتَى … فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
• وَلِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ ﵀ فِي تَفْسِيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ: «يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوهُ عَلَى أَمَرَكُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيْرِهِ (ج ١/ صـ: ٢٩).
• قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: وَقُدِّمَ الْمَفْعُولُ، وَهُوَ: ﴿إِيَّاكَ﴾، وَكُرِّرَ؛ لِلِاهْتِمَامِ وَالْحَصْرِ، أَيْ: لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاكَ، وَلَا نَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْكَ، وَهَذَا هُوَ كَمَالُ الطَّاعَةِ، وَالدِّينُ يَرْجِعُ كُلُّهُ إِلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْفَاتِحَةُ سِرُّ الْقُرْآنِ، وَسِرُّهَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فَالْأَوَّلُ تَبَرُّؤٌ مِنَ الشِّرْكِ، وَالثَّانِي تَبَرُّؤٌ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَالتَّفْوِيْضُ إِلَى اللَّهِ .
• وَإِنَّمَا قَدَّمَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ عَلَى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَهُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَالِاسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، وَالِاهْتِمَامُ وَالْحَزْمُ هُوَ أَنْ يُقَدَّمَ مَا هُوَ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا. هـ.
• وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ قَدْ قِيْلَ: إنَّهَا تجْمَعُ سِرَّ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ كُلِّها؛ لأنَّ الْخَلقَ إِنَّمَا خُلِقُوا؛ لِيُؤْمَرُوا بالْعَبَادَةِ، كَمَا قَالَ : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وَإِنَّمَا أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ وأُنزلَتِ الْكُتُبُ لِذَلِكَ، فَالْعِبَادَةُ حقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلَا قُدْرَةَ لِلْعِبَادِ عَلَيْهَا بِدُونِ إِعَانَةِ اللَّهِ لَهُمْ؛ فَلِذَلِكَ كَانَتْ
стр. 231
هَذِهِ الْكَلِمَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عَبْدِهِ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ، وَالْإِعَانَةُ مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى عبْدِهِ. ا. هـ. (١)
• وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٣٩٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».
وَفِيهِ أَيْضًا (رَقْم: ٢٦٦٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَالْمُرَادُ بِالْقُوَّةِ هُنَا: عَزِيمَةُ النَّفْسِ، وَالْقَرِيحَةُ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ، فَيَكُونُ صَاحِبُ هَذَا الْوَصْفِ أَكْثَرَ إِقْدَامًا عَلَى الْعَدُوِّ فِي الْجِهَادِ، وَأَسْرَعَ خُرُوجًا إِلَيْهِ وَذَهَابًا فِي طَلَبِهِ، وَأَشَدَّ عَزِيمَةً فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالصَّبْرِ عَلَى стр. 232
الْأَذَى فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَرْغَبَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْأَذْكَارِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَأَنْشَطَ طَلَبًا لَهَا وَمُحَافَظَةً عَلَيْهَا. ا. هـ.
• وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: فَإِنَّ الْحِرْصَ عَلَى مَا يَنْفَعُ الْعَبْدَ هُوَ طَاعَةُ اللهِ وَعِبَادَتُهُ، إِذْ النَّافِعُ لَهُ هُوَ طَاعَةُ اللهِ، وَلَا شَيْءَ أَنْفَعُ لَهُ من ذَلِكَ، وَكُلُّ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ فَهُوَ طَاعَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنسِ الْمُبَاح. ا. هـ. (١)
• وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُ. (٢)
• وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ، كَمَا عِنْدَ الْبَزَّارِ (رَقْم: ٢٠٧٥) مِنْ حَدِيْثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁. (٣)
الثَّانِيَةُ: الاسْتِعَانَةُ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦].
• وَالصَّبْرُ، قِيْلَ: الْمُرَادُ بِهِ الصَّوْمُ، كَمَا جَاءَ فِي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، يَقُولُ: «شَهْرُ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ». стр. 233
• وَمِنْ حَدِيْثِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُقَيْشٍ، سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُوْلُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ وَحَرِ صَدْرِهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ».
• وَفِي رِوَايَةٍ: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ».
• وَقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُمَا فِي ذِكْرِ فَضَائِلِ الصِّيَامِ.
• وَالصَّوَابُ أَنَّهُ عَامٌّ، يَشْمَلُ أَنْوَاعَ الصَّبْرِ الثَّلَاثَةَ، وَهِيَ: الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَالصَّبْرُ عَنْ مَحَارِم اللهِ، وَالصَّبْرُ عَلَى أقْدَارِ اللهِ الْمُؤْلِمَةِ، وَمِنْ أَوْلَى مَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْعُمُومِ: الصَّوْمُ، فَقَدِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ أنْوَاعُ الصَّبْر الثَّلَاثَةُ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي فَضَائِلِ الصِّيَامِ.
• وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى الثَّبَاتِ فِي الْأَمْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، قَالَهُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀.
• وَقَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣].
• وَعَنْ صُهَيْبٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِذَا صَلَّى هَمَسَ شَيْئًا، لَا نَفْهَمُهُ، وَلَا يُحَدِّثُنَا بِهِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَطِنْتُمْ لِي؟»، قَالَ قَائِلٌ: نَعَمْ. قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ ذَكَرْتُ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أُعْطِيَ جُنُودًا مِنْ قَوْمِهِ؟ فَقَالَ: مَنْ يُكَافِئُ هَؤُلَاءِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ لِهَؤُلَاءِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: اخْتَرْ لِقَوْمِكَ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، أَوِ الْجُوعَ، أَوِ الْمَوْتَ، فَاسْتَشَارَ قَوْمَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ، نَكِلُ ذَلِكَ إِلَيْكَ، فَخِرْ لَنَا، فَقَامَ إِلَى صَلَاتِهِ، وَكَانُوا يَفْزَعُونَ إِذَا فَزِعُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى، قَالَ: أَمَّا عَدُوٌّ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا، أَوِ الْجُوعُ فَلَا، وَلَكِنِ الْمَوْتُ. فَسُلِّطَ عَلَيْهِمُ الْمَوْتُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، فَهَمْسِي الَّذِي تَرَوْنَ أَنِّي
стр. 234
أَقُولُ: اللهُمَّ يَا رَبِّ، بِكَ أُقَاتِلُ، وَبِكَ أُصَاوِلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. (١)
• وَالشَّاهِدُ مِنْهُ قَوْلُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَكَانُوا يَفْزَعُونَ إِذَا فَزِعُوا إِلَى الصَّلَاةِ».
الثَّالِثَةُ: اسْتِحْضَارُ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَثَمَرَةِ النَّصَبِ وَالتَّعَبِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ ، وَاسْتِحْضَارُ عُقُوبَةِ اللهِ لِلْعُصَاةِ وَالْمُفَرِّطِيْنَ.
• وَهَذَا بَابٌ يَطُولُ جِدًّا، سَوَاءٌ مَا يَتَعَلَّقُ بِثَوَابِ الطَّاعَةِ، وَعِقَابِ الْمَعْصِيَةِ عُمُومًا، أَوْ مَا وَرَدَ مَخْصُوصًا بِأَعْمَالٍ مُعَيَّنَةٍ، وَحَسْبُنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ نَقْتَصِرَ عَلَى:
• قَوْلِهِ : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران: ٥٦ - ٥٧]، وَقَوْلِهِ : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وَقَوْلِهِ : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]، وَقَوْلِهِ : ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١].
• قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: وَقَدْ أَجْمَعَ عُقَلَاءُ كُلِّ أُمَّةٍ عَلَى أَنَّ النَّعِيْمَ لَا يُدْرَكُ بِالنَّعِيْمِ، وَأَنَّ مَنْ آثَرَ الرَّاحَةَ فَاتَتْهُ الرَّاحَةُ، وَأَنَّ بِحَسَبِ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ стр. 235
تَكُونُ الْفَرْحَةُ وَاللَّذَّةُ، فَلَا فَرْحَةَ لِمَنْ لَا هَمَّ لَهُ، وَلَا لَذَّة لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ، وَلَا نَعِيْمَ لِمَنْ لَا شَقَاءَ لَهُ، وَلَا رَاحَة لِمَنْ لَا تَعَبَ لَهُ، بَلْ إِذَا تَعِبَ الْعَبْدُ قَلِيلًا اسْتَرَاحَ طَويْلًا، وَإِذا تَحَمَّلَ مَشَقَّةَ الصَّبْر سَاعَةً قَادَهُ لِحَيَاةِ الْأَبَدِ، وَكُلُّ مَا فِيهِ أَهْلُ النَّعيم الْمُقِيم فَهُوَ صَبْرُ سَاعَةٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّهِ، وَكُلَّمَا كَانَتِ النُّفُوسُ أَشْرَفَ وَالْهِمَّةُ أَعْلَى كَانَ تَعَبُ الْبَدَنِ أَوْفَرَ، وَحَظُّهُ مِنَ الرَّاحَةِ أَقَلَّ، كَمَا قَالَ الْمُتَنَبِّي:
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا … تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الْأَجْسَامُ
• وَقَالَ ابْن الرُّومِيِّ:
قَلْبٌ يُطِلُّ عَلَى أَفْكَارِهِ وَيَدٌ … تُمْضِي الْأُمُورَ وَنَفسٌ لَهْوُهَا التَّعَبُ
• وَقَالَ مُسلم فِي صَحِيحِهِ: قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيْرٍ: لَا يُنَالُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْبَدَنِ. وَلَا رَيْبَ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ كَمَالَ الرَّاحَةِ بِحَسَبِ التَّعَبِ، وَكَمَالَ النَّعيمِ بِحَسَبِ تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ فِي طَرِيْقِهِ، وَإِنَّمَا تَخْلُصُ الرَّاحَةُ وَاللَّذَّةُ وَالنَّعِيمُ فِي دَار السَّلَام، فَأَمَّا فِي هَذِهِ الدَّار فَكَلَّا، وَلَمَّا.
• وَقَالَ أَيْضًا: وَعَلَى حَسَبِ مُلَاحَظَةِ حُسْنِ الْجَزَاءِ وَالْوُثُوقِ بِهِ وَمُطَالَعَتِهِ يُخَفَّفُ حِمْلُ الْبَلَاءِ؛ لِشُهُودِ الْعِوَضِ، وَهَذَا كَمَا يَخِفُّ عَلَى كُلِّ مُتَحَمِّلٍ مَشَقَّةً عَظِيمًا حَمْلُهَا، لِمَا يُلَاحِظُهُ مِنْ لَذَّةِ عَاقِبَتِهَا وَظَفَرِهِ بِهَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَعَطَّلَتْ مَصَالِحُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَا أَقْدَمَ أَحَدٌ عَلَى تَحَمُّلِ مَشَقَّةٍ عَاجِلَةٍ إِلَّا لِثَمَرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، فَالنَّفْسُ مُولَعَةٌ بِحُبِّ الْعَاجِلِ، وَإِنَّمَا خَاصَّةُ الْعَقْلِ: تَلَمُّحُ الْعَوَاقِبِ، وَمُطَالَعَةُ الْغَايَاتِ.
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي الْعَزَائِمُ … وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ
وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا … وَتَصْغُرُ فِي عَيْنِ الْعَظِيْمِ الْعَظَائِمُ
• وَالْقَصْدُ: أَنَّ مُلَاحَظَةَ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ تُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ فِيمَا تَتَحَمَّلُهُ بِاخْتِيَارِكَ
стр. 236
وَغَيْرِ اخْتِيَارِكَ. ا. هـ. (١)
الرَّابِعَةُ: قِصَرُ الأَمَلِ؛ فَإِنَّهُ يَبْعَثُ عَلَى تَذَكُّرِ الْمَوْتِ وَالْآخِرَةِ وَالْعَمَلِ لَهَا.
• قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: فَأَمَّا قِصَرُ الْأَمَلِ، فَهُوَ: الْعِلْمُ بِقُرْبِ الرَّحِيلِ، وَسُرْعَةِ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْحَيَاةِ، وَهُوَ مِنْ أَنْفَعِ الْأُمُورِ لِلْقَلْبِ، فَإِنَّهُ يَبْعَثُهُ عَلَى مُعَاصَفَةِ الْأَيَّامِ، وَانْتِهَازِ الْفُرَصِ الَّتِي تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، وَمُبَادَرَةِ طَيِّ صَحَائِفِ الْأَعْمَالِ، وَيُثِيرُ سَاكِنَ عَزَمَاتِهِ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ، وَيَحُثُّهُ عَلَى قَضَاءِ جَهَازِ سَفَرِهِ، وَتَدَارُكِ الْفَارِطِ، وَيُزَهِّدُهُ فِي الدُّنْيَا، وَيُرَغِّبُهُ فِي الْآخِرَةِ، فَيَقُومُ بِقَلْبِهِ إِذَا دَاوَمَ مُطَالَعَةَ قِصَرِ الْأَمَلِ شَاهِدٌ مِنْ شَوَاهِدِ الْيَقِينِ، يُريْهِ فَنَاءَ الدُّنْيَا، وَسُرْعَةَ انْقِضَائِهَا، وَقِلَّةَ مَا بَقِيَ مِنْهَا، وَأَنَّهَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَأَنَّهَا لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمٍ صَارَتْ شَمْسُهُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَيُرِيهِ بَقَاءَ الْآخِرَةِ وَدَوَامَهَا، وَأَنَّهَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً، وَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا وَعَلَامَاتُهَا، وَأَنَّهُ مِنْ لِقَائِهَا كَمُسَافِرٍ خَرَجَ صَاحِبُهُ يَتَلَقَّاهُ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَسِيرُ إِلَى الْآخَرِ، فَيُوشِكُ أَنْ يَلْتَقِيَا سَرِيعًا.
• قَالَ: وَيَكْفِي فِي قِصَرِ الْأَمَلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٣ - ١١٤]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: стр. 237
١٠٣ - ١٠٤]، وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ يُعَالِجُونَ خُصًّا لَهُمْ قَدْ وَهَى، فَهُمْ يُصْلِحُونَهُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟». قَالُوا: خُصٌّ لَنَا قَدْ وَهَى، فَنَحْنُ نُعَالِجُهُ، فَقَالَ: «مَا أَرَى الْأَمْرَ إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ هَذَا». (١)
• قَالَ: وَقِصَرُ الْأَمَلِ بِنَاؤُهُ عَلَى أَمْرَيْنِ: تَيَقُّنِ زَوَالِ الدُّنْيَا وَمُفَارَقَتِهَا، وَتَيَقُّنِ لِقَاءِ الْآخِرَةِ وَبَقَائِهَا وَدَوَامِهَا، ثُمَّ يُقَايِسُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَيُؤْثِرُ أَوْلَاهُمَا بِالْإِيثَارِ. (٢)
• وَقَالَ ﵀: وَمِفْتَاحُ الِاسْتِعْدَادِ لِلْآخِرَةِ: قِصَرُ الْأَمَلِ، وَمِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ: الرَّغْبَةُ فِي اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَمِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ: حُبُّ الدُّنْيَا وَطُولُ الْأَمَلِ. ا. هـ. (٣)
• وَقَالَ: فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنفَعُ مِنْ قِصَرِ الْأَمَلِ، وَلَا أَضَرَّ مِنَ التَّسْوِيْفِ وَطُوْلِ الْأَمَلِ. (٤)
• وَفِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ٦٤١٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ».
• وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ». стр. 238
الخَامِسَةُ: مُجَالَسَةُ الصَّالِحِيْنَ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيْثَةً». (١)
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. (٢)
• وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَأَرَادَ بِهِ خَيْرًا، جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ، فَإِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٤٤١٤)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٢٩٣٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (رَقْم: ٤٤٩٤)، وَالْأَلْبَانِيُّ في "الصَّحِيْحَةِ" (رَقْم: ٤٨٩).
السَّادِسَةُ: التَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، قَالَ : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
• وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٢٦٦٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». стр. 239
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». (١)
السَّابِعَةُ: الاقْتِصَارُ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يُطَاقُ مِنَ الْعَمَلِ، وَإِعْطَاءُ الْجَسَدِ حَقَّهُ.
• قَالَ : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ». (٢)
• قَالَتْ: وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. (٣)
• وَقَالَتْ: «كَانَ عَمَلُهُ دِيْمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ يَسْتَطِيعُ». (٤)
• وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٢٦٧٠) عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»، قَالَهَا ثَلَاثًا.
• وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الحَبْلُ؟» قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا، حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٥) стр. 240
• وَفِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ (رقم: ٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».
• قَالَ ابْنُ الِقَيِّمِ ﵀: يَعْنِي: اسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ؛ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ يَسْتَعِينُ عَلَى قَطْعِ مَسَافَةِ السَّفَرِ بِالسَّيْرِ فِيهَا.
• قَالَ: وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِأَمْرٍ إِلَّا وَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَزْعَتَانِ: إِمَّا إِلَى تَفْرِيطٍ وَإِضَاعَةٍ، وَإِمَّا إِلَى إِفْرَاطٍ وَغُلُوٍّ، وَدِينُ اللَّهِ وَسَطٌ بَيْنَ الْجَافِي عَنْهُ وَالْغَالِي فِيهِ، كَالْوَادِي بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وَالْهُدَى بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ، وَالْوَسَطِ بَيْنَ طَرَفَيْنِ ذَمِيمَيْنِ، فَكَمَا أَنَّ الْجَافِيَ عَنِ الْأَمْرِ مُضَيِّعٌ لَهُ، فَالْغَالِي فِيهِ: مُضَيِّعٌ لَهُ، هَذَا بِتَقْصِيرِهِ عَنِ الْحَدِّ، وَهَذَا بِتَجَاوُزِهِ الْحَدَّ.
• وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنِ الْغُلُوِّ، بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧].
• وَالْغُلُوُّ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُطِيعًا، كَمَنْ زَادَ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَةً، أَوْ صَامَ الدَّهْرَ مَعَ أَيَّامِ النَّهْيِ، أَوْ رَمَى الْجَمَرَاتِ بِالصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الَّتِي يُرْمَى بِهَا فِي الْمَنْجَنِيقِ، أَوْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَشْرًا، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ عَمْدًا.
• وَغُلُوٌّ يُخَافُ مِنْهُ الِانْقِطَاعُ وَالِاسْتِحْسَارُ، كَقِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ، وَسَرْدِ الصِّيَامِ الدَّهْرَ أَجْمَعَ، بِدُونِ صَوْمِ أَيَّامِ النَّهْيِ، وَالْجَوْرِ عَلَى النُّفُوسِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْأَوْرَادِ. ا. هـ.
• وَعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ لَهُ: «إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
• وَإِعْطَاءُ الْجَسَدِ حَقَّهُ يَكُونُ بِأُمُورٍ، مِنْهَا:
١. عَدَمُ إِجْهَادِهِ فَوْقَ طَاقَتِهِ.
٢. وَأَخْذُ الرَّاحَةِ لَهُ. стр. 241
٣. وَتَنظِيْمُ الْغِذَاءِ، بِتَجَنُّبِ الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الْمَعِدَةِ، وَتَجْوِيْدِهِ بَانتِقَاءِ النَّافِعِ مِنْهُ، وَمَا أَحْوَجَ النَّاسَ إِلَى هَذَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُمْ سَيَتَجَنَّبُونَ بِهِ مَضَرَّةَ التُّخَمَةِ، ويَنتَفِعُونَ بِهِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ.
• وَيَجِبُ عَلَى الذَّاهِبِ إِلَى الْمَسْجِدِ أَنْ يَتَجَنَّبَ رَائِحَةَ الْفِجْلِ وَالْكُرَّاثِ وَالْبَصَلِ، وَالثُّوْمِ، إما بِتَجَنُّبِ أَكْلِهَا، أَوْ إِزَالَةِ رَائِحَتِهَا بَعْدَ أَكْلِهَا؛ حَتَّى لَا تُوْجَدَ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْأَوَّلُ أَبْرَأُ، وَأَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ ذَهَبَتْ رَائِحَتُهَا مِنَ الْفَمِ؛ فَرُبَّمَا تَجَشَّأَ رِيْحَهَا، فَكَانَ الْمَحْذُورُ!.
فَعَنْ جَابِرِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٥٦٤).
• [سُبْحَانَ مَنْ وَفَّقَ لِلتَّوْبَةِ أَقْوَامًا، ثَبَّتَ لَهُمْ عَلَى صِرَاطِهَا أَقْدَامًا، كَفُّوا الأَكُفَّ عَنِ الْمَحَارِمِ احْتِرَامًا، وَأَتْعَبُوا فِي اسْتِدْرَاكِ الْفَارِطِ عِظَامًا، فَكَفَّرَ عَنْهُمْ ذُنُوبًا وَآثَامًا، وَنَشَرَ لَهُمْ بِالثَّنَاءِ عَلَى مَا عَمِلُوا أَعْلامًا، فَهُمْ عَلَى رِيَاضِ الْمَدَائِحِ بِتَرْكِ الْقَبَائِحِ يَتَقَلَّبُونَ، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
• كَشَفَ لَهُمْ سِتْرَ الدُّنْيَا فَرَأَوْا عُيُوبَهَا، وَأَلَاحَ لَهُمُ الأُخْرَى فَتَلَمَّحُوا غُيُوبَهَا، وَبَادَرُوا شَمْسَ الْحَيَاةِ يَخَافُونَ غُرُوبَهَا، وَاشْتَغَلُوا بِالطَّاعَاتِ فَحَصَّلُوا مَرْغُوبَهَا، وَحَثَّهُمُ الإِيمَانُ عَلَى الْخَوْفِ، فَمَا يَأْمَنُونَ، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
• نَدِمُوا عَلَى الذُّنُوبِ فَنَدَبُوا، وَسَافَرُوا إِلَى الْمَطْلُوبِ فَاغْتَرَبُوا، فَتَأَمَّلْ أَرْبَاحَهُمْ وَتَلَمَّحْ مَا كَسَبُوا، وَاعْلَمْ أَنَّ نَيْلَ النَّصِيبِ بِالنَّصَبِ يَكُونُ، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
• نَظَرُوا إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الاعْتِبَارِ، فَعَلِمُوا أَنَّهَا لا تَصْلُحُ لِلْقَرَارِ، وَتَأَمَّلُوا أَسَاسَهَا فَإِذَا هُوَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، فَنَغَّصُوا بِالصِّيَامِ لَذَّةَ الْهَوَى بِالنَّهَارِ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ
стр. 242
يَسْتَغْفِرُونَ، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
• هَجَرُوا الْمَنَازِلَ الأَنِيقَةَ، وَفَصَمُوا عُرَى الْهَوَى الْوَثِيقَةَ، وَبَاعُوا الْفَانِيَ بِالْبَاقِي وَكَتَبُوا وَثِيقَةً، وَحَمَّلُوا نَجَائِبَ الصَّبْرِ مَا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ، وَطَلَبُوا الآخِرَةَ - وَاللَّهِ - عَلَى الْحَقِيقَةِ، هَكَذَا يَكُونُ ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
• أَبْدَانُهُمْ قَلْقَى مِنَ الْجُوعِ وَالضَّرَرِ، وَأَجْفَانُهُمْ قَدْ حَالَفَتْ فِي اللَّيْلِ السَّهَرَ، وَالْقَوْمُ قَدْ تَأَهَّبُوا فَهُمْ عَلَى أَقْدَامِ السَّفَرِ، عَبَرُوا عَلَيْكُمْ وَمَرُّوا لَدَيْكُمْ وَمَا عِنْدَكُمْ خَبَرٌ!، وَتَرَنَّمَتْ حُدَاتُهُمْ لَوْ أَنَّكُمْ تَسْمَعُونَ!، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
يَا رَبِّ أَعِنَّا عَلَى السَّيْرِ فِي سِرْبِ النَّجَابَةِ، وَوَفِّقْنَا لِلتَّوْبَةِ وَالإِنَابَةِ، وَافْتَحْ لأَدْعِيَتِنَا أَبْوَابَ الإِجَابَةِ، يَا مَنْ إِذَا سَأَلَهُ الْمُضْطَرُّ أَجَابَهُ، يَا مَنْ يَقُولُ لِلشَّيْءِ: (كُنْ)، فَيَكُونُ، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].] (١)
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * * стр. 243
الْمَجْلِسُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: فِي فَضْلِ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ وَوُجُوبِ تَدَبُّرِهِ
• الْحَمْدُ للهِ الْعَزِيْزِ الْوَهَّابِ، أَغَاثَ الْأَرْضَ بِالْمَاءِ الْمُنَزَّلِ مِنَ السَّحَابِ، وَأَغَاثَ الْقُلُوبَ بِإِنزَالِهِ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، أَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ بِكِتَابِهِ للصَّوَابِ، وَأَزَاحَ بِهِ الشَّكَّ وَالِارْتِيَابَ، وَجَعَلَهُ لِلْهُدَى أَعْظَمَ الْأَسْبَابِ، وَأشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالنُّورُ لَهُ حِجَابٌ، وَهُوَ الرَّحِيْمُ التَّوَّابُ، وَعَدَ مَنْ أَحْسَنَ بِجَزِيْلِ الثَّوَابِ، وَتَوَعَّدَ مَنْ أَسَاءَ بِأَلِيْمِ الْعِقَابِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ، وَسَيِّدُ مَنْ تَضَرَّعَ لِرَبِّهِ وَأَناَبَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْآلِ وَالْأَصْحَابِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْحِسَابِ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ فَضَائِلِ شَهْر رَمَضَانَ: أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ فِيْهِ الْقُرْآنَ، وَهُوَ كَلَامُ اللهِ ، تَكَلَّمَ بِهِ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ، وَتَعَبَّدَ الْعِبَادَ بِتِلَاوَتِهِ، وَهُوَ أَشْرَفُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَقَدْ حَثَّ عَلَى تِلَاوَتِهِ وَرَغَّبَ فِيْهَا، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْأَجْرَ الْعَظِيْمَ، قَالَ : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢١].
• قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ فِي "مَجَالِسِ شَهْرِ رَمَضَانَ" (صـ: ٢٦): تِلَاوَةُ كِتَابِ اللهِ عَلَى نَوْعَيْنِ: تِلَاوَةٌ حُكْميَّةٌ، وَهِيَ تَصْدِيقُ أَخْبَارِهِ وتَنْفيذُ أحْكَامِهِ بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيْهِ.
• وَالنَّوْعُ الثَّانِي: تِلَاوَةٌ لَفْظِيَّةٌ، وَهِيَ قِرَاءَتُهُ، وَقَدْ جَاءَتِ النُّصُوصُ الْكَثِيْرَةُ بِفضْلِها، إِمَّا فِي جَمِيْعِ الْقُرْآنِ، وَإمَّا فِي سُوَرٍ أَوْ آيَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْهُ. ا. هـ.
• وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-
стр. 244
يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٨٠٤).
• وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٥٠٢٧).
• وَفِي رِوَايَةٍ (رَقْم: ٥٠٢٨): «إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ».
• وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٧٩٨) بهَذَا اللَّفْظِ.
• وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٤٩٣٧) بِلَفْظِ: «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ، وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ».
• وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ، لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
• وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ هَذَا الْكِتَابَ، فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَتَصَدَّقَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
• وَعَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ، لَقِيَ عُمَرَ ﵁ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي، فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى، قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ стр. 245
قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ ، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ، قَالَ عُمَرُ ﵁: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَدْ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٨١٧).
• وَعَنْ أَنَسِ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ١٢٢٧٩، و ١٢٢٩٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ٢١٥). (١)
• وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. (٢)
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ، يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ أَنَا الَّذِي كُنْتُ أُسْهِرُ لَيْلَكَ، وَأُظْمِئُ هَوَاجِرَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَأَنَا لَكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تَاجِرٍ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى стр. 246
وَالِدَاهُ حُلَّتَانِ، لَا تَقُومُ لَهُمَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَيَقُولَانِ: يَا رَبُّ، أَنَّى لَنَا هَذَا؟ فَيُقَالُ لَهُمَا: بِتَعْلِيمِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآن». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الْأَوْسَطِ" (رَقْم: ٥٧٦٤). (١)
• وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (٢)
• ثُمَّ اعْلَمُوا أَيُّها الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ إِنَّما أَنْزَلَهُ اللهُ ؛ لِلتَّذَكُّرِ، وَتَدَبُّرِ آيَاتِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ، كَمَا قَالَ : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ стр. 247
[ص: ٢٩]. وَقَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
• وَقَالَ : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠].
• وَقَدْ ذَمَّ اللهُ الَّذِيْنَ لَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، فَقَالَ : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
• وَقَالَ : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
• وَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي ذَمِّ الْخَوَارِجِ: «يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي سَعِيْدٍ ﵁. (١)
• وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نَهْيُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يَفْقَهْهُ». (٢)
• وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمُرَاعَاةِ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ.
• وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: «قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَزُورَنَا!». فقَالَ: أَقُولُ يَا أُمَّهْ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا. قَالَ: فَقَالَتْ: «دَعُونَا مِنْ رَطَانَتِكُمْ هَذِهِ» قَالَ ابْنُ عُمَيْرٍ: أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. قَالَ: فَسَكَتَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، ذَرِينِي أَتَعَبَّدِ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي». قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ. قَالَتْ: فَقَامَ، فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ: يَا رَسُولَ стр. 248
اللَّهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]». (١)
• قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "الْفَوَائِدِ" (صـ: ٣): قَاعِدَةٌ جَلِيْلَةٌ: إِذَا أَرَدتَّ الِانْتِفَاعَ بِالْقُرْآنِ فَاجْمَعْ قَلْبَكَ عِنْد تِلَاوَته وَسَمَاعِهِ، وَأَلْقِ سَمْعَكَ وَاحْضُرْ حُضُورَ مَنْ يُخَاطِبُهُ بِهِ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
• وَذَلِكَ أَنْ تَمام التَّأْثِير لَمَّا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى مُؤَثِّرٍ مُقْتَضِ وَمَحَلٍّ قَابِلٍ وَشَرْطٍ لِحُصُولِ الْأَثَرِ وَانْتِفَاء الْمَانِع الَّذِي يمْنَع مِنْهُ تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ بَيَانَ ذَلِك كُلِّهِ بِأَوْجَزِ لَفْظٍ وَأَبْيَنِهِ وَأَدَلِّهِ عَلَى الْمُرَادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾؛ إِشَارَةٌ إِلَى مَا تقدَّمَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَهُنَا، وَهَذَا هُوَ الْمُؤَثِّرُ، وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، فَهَذَا هُوَ الْمَحَلُّ الْقَابِلُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَلْبُ الْحَيُّ الَّذِي يَعْقِلُ عَنْ اللهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠]، أَيْ: حَيَّ الْقَلْبِ.
• وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾، أَيْ: وجَّهَ سَمْعَهُ وَأَصْغَى حَاسَّةَ سَمْعِهِ إِلَى مَا يُقَالُ لَهُ، وَهَذَا شَرْطُ التَّأثُّرِ بالْكَلَامِ.
• وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، أَيْ: شَاهِدُ الْقَلْبِ، حَاضِرٌ غَيْرُ غَائِبٍ. ا. هـ.
• وَقَالَ فِي "مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ" (ج ١/ صـ: ٤٤١) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ -: وَالنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ قَلْبُهُ مَيِّتٌ، فَذَلِكَ الَّذِي لَا قَلْبَ لَهُ، فَهَذَا لَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ذِكْرَى فِي حَقِّهِ. стр. 249
• الثَّانِي: رَجُلٌ لَهُ قَلْبٌ حَيٌّ مُسْتَعِدٌّ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَمِعٍ لِلْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةِ الَّتِي يُخْبِرُ بِهَا اللَّهُ عَنِ الْآيَاتِ الْمَشْهُودَةِ؛ إِمَّا لِعَدَمِ وُرُودِهَا، أَوْ وُصُولِهَا إِلَيْهِ، وَلَكِنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ عَنْهَا بِغَيْرِهَا، فَهُوَ غَائِبُ الْقَلْبِ، لَيْسَ حَاضِرًا، فَهَذَا أَيْضًا لَا تَحْصُلُ لَهُ الذِّكْرَى مَعَ اسْتِعْدَادِهِ وَوُجُودِ قَلْبِهِ.
• الثَّالِثُ: رَجُلٌ حَيُّ الْقَلْبِ مُسْتَعِدٌّ، تُلِيَتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ، فَأَصْغَى بِسَمْعِهِ، وَأَلْقَى السَّمْعَ وَأَحْضَرَ قَلْبَهُ، وَلَمْ يَشْغَلْهُ بِغَيْرِ فَهْمِ مَا يَسْمَعُهُ، فَهُوَ شَاهِدُ الْقَلْبِ، مُلْقٍ السَّمْعَ، فَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِالْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةِ وَالْمَشْهُودَةِ.
• فَالْأَوَّلُ: بِمَنْزِلَةِ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِرُ.
• وَالثَّانِي: بِمَنْزِلَةِ الْبَصِيرِ الطَّامِحِ بِبَصَرِهِ إِلَى غَيْرِ جِهَةِ الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ، فَكِلَاهُمَا لَا يَرَاهُ.
• وَالثَّالِثُ: بِمَنْزِلَةِ الْبَصِيرِ الَّذِي قَدْ حَدَّقَ إِلَى جِهَةِ الْمَنْظُورِ، وَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ، وَقَابَلَهُ عَلَى تَوَسُّطٍ مِنَ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَرَاهُ.
• فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ كَلَامَهُ شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ. ا. هـ.
• وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَا سَبِيْلَ إِلَى تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَعَانِيْهِ وَأَحْكَامِهِ، وَلَا سَبِيْلَ إِلَى كَمَالِ تَدَبُّرِهِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ خَاصِّهِ وَعَامِّهِ، وَمُطْلَقِهِ وَمُقَيَّدِهِ، وَمُبَيَّنِهِ وَمُجْمَلِهِ، وَنَاسِخِهِ وَمَنسُوخِهِ، وَأَسْبَابِ نُزُولِهِ، فَلْتُصْرَفِ الْهِمَمُ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ؛ فَإِنَّها مِنْ أَولَى مَا يَنبَغِي عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِالْعِلْمِ أَنْ يَصْرِفَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ هِمَّتَهُ.
• فَمَا أَكْثَرَ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، لَكِن لَوْ أُوقِفَ كَثِيْرٌ مِنْهُمْ عَلَى مَا فِيْهِ، وَسُئِلَ عَنْهُ لَانقَطَعَ وَتَحَيَّر!، فَلَوْ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]، أَوْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]، أَوْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١]، أَوْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ مُوْسَى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه: ١٨]؛ لَمَا أَجَابَ بِالصَّوَابِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ!.
• فَالْفَهْمَ الْفَهْمَ عِبَادَ اللهِ، وَالتَّدَبُّرَ التَّدَبُّرَ، وَالتَّذَكُّرَ التَّذَكُّرَ.
стр. 250
• [﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، يَا مَشْغُولًا بِذُنُوبِهِ، مَغْمُورًا بِعُيُوبِهِ، غَافِلًا عَنْ مَطْلُوبِهِ، أَمَا نَهَاهُ الْقُرْآنُ عَنْ حُوْبِهِ؟! ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢].
• أَنَسِيَ الْعَاصِي قَبِيْحَ مَكْتُوبِهِ؟! لَا بُدَّ مِنْ سُؤَالِهِ عَنْ مَطْعُومِهِ وَمَشْرُوبِهِ، وَحَرَكَاتِهِ وَخُطُوَاتِهِ فِي مَرْغُوبِهِ، أَلا يَذْكُرُ فِي زَمَانِ رَاحَتِهِ أَحْيَانَ كُرُوبِهِ؟! أَلَا يَدَّخِرُ مِنْ خِصْبِهِ لأَيَّامِ جُدُوبِهِ،؟! أَلا يَتَفَكَّرُ فِي فِرَاقِهِ لِمَحْبُوبِهِ؟! أَلا يَتَذَكَّرُ النَّعْشَ قَبْلَ رُكُوبِهِ؟! كَيْفَ يَغْفُلُ مَنْ هُوَ فِي صَفِّ حُرُوبِهِ؟! رُبَّ إِشْرَاقٍ لَمْ يُدْرَكْ زَمَنُ غُرُوبِهِ! إِلَى مَتَى فِي حِرْصِهِ عَلَى الْفَانِي وَدَؤُوْبِهِ؟! مَتَى يَرُدُّ يُوسُفُ قَلْبَهُ عَلَى يَعْقُوبِهِ؟! لَقَدْ وَعَظَهُ الزَّمَانُ بِفُنُونِ ضُرُوبِهِ، وَحَذَّرَهُ اسْتِلابَهُ بِأَنْوَاعِ خُطُوبِهِ، وَلَقَدْ زَجَرَهُ الْقُرْآنُ بِتَخْوِيفِهِ مَعَ لَذَّةِ أُسْلُوبِهِ، ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾] (١)
اللَّهُمَّ فَقِّهْنَا فِي الدِّيْنِ، وَعَلِّمْنَا التَّأْوِيْلَ، وَارْزُقْنَا تِلَاوَةَ كِتَابِكَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * * следующие страницы →