← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30190

مجالس رمضانية

نجيب الشرعبي

Полный текст (342 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وَالِدَاهُ حُلَّتَانِ، لَا تَقُومُ لَهُمَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَيَقُولَانِ: يَا رَبُّ، أَنَّى لَنَا هَذَا؟ فَيُقَالُ لَهُمَا: بِتَعْلِيمِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآن». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الْأَوْسَطِ" (رَقْم: ٥٧٦٤). (١) • وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (٢) • ثُمَّ اعْلَمُوا أَيُّها الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ إِنَّما أَنْزَلَهُ اللهُ ؛ لِلتَّذَكُّرِ، وَتَدَبُّرِ آيَاتِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ، كَمَا قَالَ : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

стр. 247

[ص: ٢٩]. وَقَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. • وَقَالَ : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠]. • وَقَدْ ذَمَّ اللهُ الَّذِيْنَ لَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، فَقَالَ : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. • وَقَالَ : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. • وَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي ذَمِّ الْخَوَارِجِ: «يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي سَعِيْدٍ ﵁. (١) • وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نَهْيُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يَفْقَهْهُ». (٢) • وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمُرَاعَاةِ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ. • وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: «قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَزُورَنَا!». فقَالَ: أَقُولُ يَا أُمَّهْ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا. قَالَ: فَقَالَتْ: «دَعُونَا مِنْ رَطَانَتِكُمْ هَذِهِ» قَالَ ابْنُ عُمَيْرٍ: أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. قَالَ: فَسَكَتَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، ذَرِينِي أَتَعَبَّدِ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي». قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ. قَالَتْ: فَقَامَ، فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ: يَا رَسُولَ

стр. 248

اللَّهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]». (١) • قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "الْفَوَائِدِ" (صـ: ٣): قَاعِدَةٌ جَلِيْلَةٌ: إِذَا أَرَدتَّ الِانْتِفَاعَ بِالْقُرْآنِ فَاجْمَعْ قَلْبَكَ عِنْد تِلَاوَته وَسَمَاعِهِ، وَأَلْقِ سَمْعَكَ وَاحْضُرْ حُضُورَ مَنْ يُخَاطِبُهُ بِهِ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. • وَذَلِكَ أَنْ تَمام التَّأْثِير لَمَّا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى مُؤَثِّرٍ مُقْتَضِ وَمَحَلٍّ قَابِلٍ وَشَرْطٍ لِحُصُولِ الْأَثَرِ وَانْتِفَاء الْمَانِع الَّذِي يمْنَع مِنْهُ تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ بَيَانَ ذَلِك كُلِّهِ بِأَوْجَزِ لَفْظٍ وَأَبْيَنِهِ وَأَدَلِّهِ عَلَى الْمُرَادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾؛ إِشَارَةٌ إِلَى مَا تقدَّمَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَهُنَا، وَهَذَا هُوَ الْمُؤَثِّرُ، وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، فَهَذَا هُوَ الْمَحَلُّ الْقَابِلُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَلْبُ الْحَيُّ الَّذِي يَعْقِلُ عَنْ اللهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠]، أَيْ: حَيَّ الْقَلْبِ. • وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾، أَيْ: وجَّهَ سَمْعَهُ وَأَصْغَى حَاسَّةَ سَمْعِهِ إِلَى مَا يُقَالُ لَهُ، وَهَذَا شَرْطُ التَّأثُّرِ بالْكَلَامِ. • وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، أَيْ: شَاهِدُ الْقَلْبِ، حَاضِرٌ غَيْرُ غَائِبٍ. ا. هـ. • وَقَالَ فِي "مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ" (ج ١/ صـ: ٤٤١) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ -: وَالنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ قَلْبُهُ مَيِّتٌ، فَذَلِكَ الَّذِي لَا قَلْبَ لَهُ، فَهَذَا لَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ذِكْرَى فِي حَقِّهِ.

стр. 249

• الثَّانِي: رَجُلٌ لَهُ قَلْبٌ حَيٌّ مُسْتَعِدٌّ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَمِعٍ لِلْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةِ الَّتِي يُخْبِرُ بِهَا اللَّهُ عَنِ الْآيَاتِ الْمَشْهُودَةِ؛ إِمَّا لِعَدَمِ وُرُودِهَا، أَوْ وُصُولِهَا إِلَيْهِ، وَلَكِنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ عَنْهَا بِغَيْرِهَا، فَهُوَ غَائِبُ الْقَلْبِ، لَيْسَ حَاضِرًا، فَهَذَا أَيْضًا لَا تَحْصُلُ لَهُ الذِّكْرَى مَعَ اسْتِعْدَادِهِ وَوُجُودِ قَلْبِهِ. • الثَّالِثُ: رَجُلٌ حَيُّ الْقَلْبِ مُسْتَعِدٌّ، تُلِيَتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ، فَأَصْغَى بِسَمْعِهِ، وَأَلْقَى السَّمْعَ وَأَحْضَرَ قَلْبَهُ، وَلَمْ يَشْغَلْهُ بِغَيْرِ فَهْمِ مَا يَسْمَعُهُ، فَهُوَ شَاهِدُ الْقَلْبِ، مُلْقٍ السَّمْعَ، فَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِالْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةِ وَالْمَشْهُودَةِ. • فَالْأَوَّلُ: بِمَنْزِلَةِ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِرُ. • وَالثَّانِي: بِمَنْزِلَةِ الْبَصِيرِ الطَّامِحِ بِبَصَرِهِ إِلَى غَيْرِ جِهَةِ الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ، فَكِلَاهُمَا لَا يَرَاهُ. • وَالثَّالِثُ: بِمَنْزِلَةِ الْبَصِيرِ الَّذِي قَدْ حَدَّقَ إِلَى جِهَةِ الْمَنْظُورِ، وَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ، وَقَابَلَهُ عَلَى تَوَسُّطٍ مِنَ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَرَاهُ. • فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ كَلَامَهُ شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ. ا. هـ. • وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَا سَبِيْلَ إِلَى تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَعَانِيْهِ وَأَحْكَامِهِ، وَلَا سَبِيْلَ إِلَى كَمَالِ تَدَبُّرِهِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ خَاصِّهِ وَعَامِّهِ، وَمُطْلَقِهِ وَمُقَيَّدِهِ، وَمُبَيَّنِهِ وَمُجْمَلِهِ، وَنَاسِخِهِ وَمَنسُوخِهِ، وَأَسْبَابِ نُزُولِهِ، فَلْتُصْرَفِ الْهِمَمُ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ؛ فَإِنَّها مِنْ أَولَى مَا يَنبَغِي عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِالْعِلْمِ أَنْ يَصْرِفَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ هِمَّتَهُ. • فَمَا أَكْثَرَ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، لَكِن لَوْ أُوقِفَ كَثِيْرٌ مِنْهُمْ عَلَى مَا فِيْهِ، وَسُئِلَ عَنْهُ لَانقَطَعَ وَتَحَيَّر!، فَلَوْ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]، أَوْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]، أَوْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١]، أَوْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ مُوْسَى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه: ١٨]؛ لَمَا أَجَابَ بِالصَّوَابِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ!. • فَالْفَهْمَ الْفَهْمَ عِبَادَ اللهِ، وَالتَّدَبُّرَ التَّدَبُّرَ، وَالتَّذَكُّرَ التَّذَكُّرَ.

стр. 250

• [﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، يَا مَشْغُولًا بِذُنُوبِهِ، مَغْمُورًا بِعُيُوبِهِ، غَافِلًا عَنْ مَطْلُوبِهِ، أَمَا نَهَاهُ الْقُرْآنُ عَنْ حُوْبِهِ؟! ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]. • أَنَسِيَ الْعَاصِي قَبِيْحَ مَكْتُوبِهِ؟! لَا بُدَّ مِنْ سُؤَالِهِ عَنْ مَطْعُومِهِ وَمَشْرُوبِهِ، وَحَرَكَاتِهِ وَخُطُوَاتِهِ فِي مَرْغُوبِهِ، أَلا يَذْكُرُ فِي زَمَانِ رَاحَتِهِ أَحْيَانَ كُرُوبِهِ؟! أَلَا يَدَّخِرُ مِنْ خِصْبِهِ لأَيَّامِ جُدُوبِهِ،؟! أَلا يَتَفَكَّرُ فِي فِرَاقِهِ لِمَحْبُوبِهِ؟! أَلا يَتَذَكَّرُ النَّعْشَ قَبْلَ رُكُوبِهِ؟! كَيْفَ يَغْفُلُ مَنْ هُوَ فِي صَفِّ حُرُوبِهِ؟! رُبَّ إِشْرَاقٍ لَمْ يُدْرَكْ زَمَنُ غُرُوبِهِ! إِلَى مَتَى فِي حِرْصِهِ عَلَى الْفَانِي وَدَؤُوْبِهِ؟! مَتَى يَرُدُّ يُوسُفُ قَلْبَهُ عَلَى يَعْقُوبِهِ؟! لَقَدْ وَعَظَهُ الزَّمَانُ بِفُنُونِ ضُرُوبِهِ، وَحَذَّرَهُ اسْتِلابَهُ بِأَنْوَاعِ خُطُوبِهِ، وَلَقَدْ زَجَرَهُ الْقُرْآنُ بِتَخْوِيفِهِ مَعَ لَذَّةِ أُسْلُوبِهِ، ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾] (١) اللَّهُمَّ فَقِّهْنَا فِي الدِّيْنِ، وَعَلِّمْنَا التَّأْوِيْلَ، وَارْزُقْنَا تِلَاوَةَ كِتَابِكَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ. وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ * * *

стр. 251

الْمَجْلِسُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: فِي ذِكْرِ أَفْضَلِ الْقُرْآنِ • الْحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا فَأَفْضَلَ، وَأَعْطَانَا فَأَجْزَلَ، لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، فَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَالْوَصْفُ الْأَكْمَلُ، وَأشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَكْرَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِخَيْرِ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ، وَفَاضَلَ بَيْنَ سُوَرِهِ وَآيَاتِهِ، فَمِنْهَا فَاضِلٌ وَمِنْهَا أَفْضَلُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ تَلَا كِتَابَ رَبِّهِ وَرَتَّلَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ السَّالِكِيْنَ النَّهْجَ الْأَمْثَلَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمٍ يَجْمَعُ اللهُ فِيْهِ الْآخِرَ مِنْ خَلْقِهِ وَالْأَوَّلَ، أَمَّا بَعْدُ: فَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي هُوَ خَيْرُ الْكَلَامِ وَأَشْرَفُهُ يَتَفَاضَلُ، وَأَفْضَلُ الْقُرْآنِ عُمُومًا: أَرْبَعُ سُوَرٍ، وَثَلَاثُ آيَاتٍ. • أَمَّا السُّوَرُ، فَفَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. • وَأَمَّا الْآيَاتُ: فَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَالْآيَتَانِ الْأَخِيْرَتَانِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. • قَالَ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]. • وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ رَافِعِ بْنِ المُعَلَّى ﵁، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي المَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]». ثُمَّ قَالَ لِي: «لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي القُرْآنِ، قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ». ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ: «لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ؟»، قَالَ: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٤٤٧٤، و ٤٦٤٧، و ٤٧٠٣، و ٥٠٠٦).

стр. 252

• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خَرَجَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَا أُبَيُّ»، وَهُوَ يُصَلِّي، فَالتَفَتَ أُبَيٌّ وَلَمْ يُجِبْهُ، وَصَلَّى أُبَيٌّ، فَخَفَّفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ؟». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: «أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أُوحِي إِلَيَّ أَنِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]»، قَالَ: بَلَى، وَلَا أَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: «تُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الفُرْقَانِ مِثْلُهَا؟»، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟». قَالَ: فَقَرَأَ أُمَّ القُرْآنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الفُرْقَانِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ المَثَانِي وَالقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. (١) • وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٧٥٦)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ٣٩٤). • وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ». • وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٣٩٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ». ثَلَاثًا، غَيْرُ تَمَامٍ.

стр. 253

• وَفِي حَدِيْثِ أَبِي قَتَادَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي العَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ٧٧٦). • وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟». رَوَاهُ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ١١٧١). • وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، بِلَفْظِ: «هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؟». • قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّفْسِيْرِ مِنْ صَحِيْحِهِ: وَسُمِّيَتْ أُمَّ الكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي المَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ. • وَقَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ: وَقِيلَ: «إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِرُجُوعِ مَعَانِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ». • وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ فِي شَأْنِهَا - فِي قِصَّةٍ -: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) • وَسُمِّيَتْ صَلَاةً؛ فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٣٩٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ

стр. 254

وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». • وَهِيَ نُورٌ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٨٠٦). • فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَسْمَاءٍ لِهَذِهِ السُّوْرَةِ الْعَظِيْمَةِ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ، وَأُمُّ الْكِتَابِ، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيْمُ، وَالصَّلَاةُ، وَالرُّقْيَةُ، وَالنُّوْرُ. • وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٥٠١٣، و ٦٦٤٣، و ٧٣٧٤). • وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لِأَصْحَابِهِ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟»، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «اللَّهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٥٠١٥). • وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بِـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟»، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ

стр. 255

-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٧٣٧٥)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ٨١٣). • وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ يَقْرَأُ بِهَا، افْتَتَحَ بِـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ بِسُورَةٍ أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِيكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، قَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِهَا فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ. وَكَانُوا يَرَوْنَهُ أَفْضَلَهُمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ. فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَخْبَرُوهُ الخَبَرَ. فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ مِمَّا يَأْمُرُ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ أَنْ تَقْرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ حُبَّهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ. (١) • وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ عَنْهُ بِيَدِهِ، رَجَاءَ بَرَكَتِهَا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٥٠١٦)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ٢١٩٢).

стр. 256

• وَعَنْهَا ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٥٠١٧). • وَلِمُسْلِمٍ (رَقْم: ٨١٤) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾». • وَرَوَى النَّسَائِيُّ (رَقْم: ٩٥٣، و ٥٤٣٩) عنه ﵁، قَالَ: اتَّبَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَهُوَ رَاكِبٌ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمِهِ، فَقُلْتُ: أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ سُورَةَ هُودٍ، وَسُورَةَ يُوسُفَ. فَقَالَ: «لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾». (١) • وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (رَقْم: ٥٤٣٨): «مَا سَأَلَ سَائِلٌ بِمِثْلِهِمَا، وَلَا اسْتَعَاذَ مُسْتَعِيذٌ بِمِثْلِهِمَا». • وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ: «يَا عُقْبَةُ، اقْرَأْ بِـ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، فَإِنَّكَ لَنْ تَقْرَأَ بِسُورَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ، وَأَبْلَغَ عِنْدَهُ مِنْهَا، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَفُوتَكَ فَافْعَلْ». (٢) • وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ (رَقْم: ١٧٣٥٠): «أَلَا أُعَلِّمُكَ سُورَتَيْنِ لَمْ يُقْرَأْ بِمِثْلِهِمَا؟».

стр. 257

• وَفِيْهَا: فَلَمْ يَرَنِي أُعْجِبْتُ بِهِمَا، فَلَمَّا نَزَلَ الصُّبْحَ فَقَرَأَ بِهِمَا، ثُمَّ قَالَ لِي: «كَيْفَ رَأَيْتَ يَا عُقْبَةُ؟». • وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ (رَقْم: ١٤٦٢): «أَلَا أُعَلِّمُكَ خَيْرَ سُورَتَيْنِ قُرِئَتَا؟». • وَفِي رِوَايَةٍ لأَحْمَدَ (رَقْم: ١٧٤٥٢): «أَلَا أُعَلِّمُكَ سُوَرًا مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهُنَّ، لَا يَأْتِيَنَّ عَلَيْكَ لَيْلَةٌ إِلَّا قَرَأْتَهُنَّ فِيهَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾». • وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ١٧٤١٧، و ١٧٧٩٢)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٥٢٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٢٩٠٣)، وَالنَّسَائِيُّ (رَقْم: ١٣٣٦)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (رَقْم: ٧٥٥)، وَابْنُ حِبَّانَ (رَقْم: ٢٠٠٤)، وَالْحَاكِمُ (رَقْم: ٩٢٩)، عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَلَفْظُهُمْ: «اقْرَءُوا الْمُعَوِّذَاتِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ». وَهُوَ فِي "الصَّحِيْحَةِ" (رَقْم: ٦٤٥، و ١٥١٤). • وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٥٠٨٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٣٥٧٥)، وَالنَّسَائِيُّ (رَقْم: ٥٤٢٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خُبَيْبٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ لَهُ: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي، وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثًا تَكْفِيكَ كُلَّ يَوْمٍ». (١) • وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟». قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟». قَالَ: قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٨١٠).

стр. 258

• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ»، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّهُ سَيَعُودُ»، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ»، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «مَا هِيَ؟»، قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ - وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ - فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٢٣١١) عَلَى

стр. 259

صُورَةِ الْمُعَلَّقِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. (١) • وَعَنْ أبي أُمَامَة ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاة مَكْتُوبَةِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجنَّةِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي "عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" (رَقْم: ١٠٠). (٢) • وَفِي فَضْلِ الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فِي قَوْلِ الْمَلَكِ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ»؛ فِي فَضْلِهِمَا أَيْضًا: حَدِيْثُ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٤٠٠٨، و ٥٠٠٩، و ٥٠٤٠، و ٥٠٥١)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ٨٠٨). • قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: قِيلَ: كَفَتَاهُ مِنْ قِيَامِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ الْمَكْرُوهَ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا. هـ. • وَيُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الثَّانِيَ: حَدِيْثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَأَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ، فَخَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلَا يُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبَهَا الشَّيْطَانُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. (٣)

стр. 260

• وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ (رَقْم: ٢٠٦٥): «وَلَا تُقْرَآنِ فِي دَارٍ فَيَقْرَبَهَا الشَّيْطَانُ ثَلَاثَ لَيَالٍ». • وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ، الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ، وَقَدِ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ، ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي إِثْرِهَا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قَالَ: نَعَمْ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قَالَ: نَعَمْ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قَالَ: نَعَمْ. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ١٢٥). • وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ نَحْوُهُ مُخْتَصَرًا، وَفِيْهِ قَوْلُهُ : «قَدْ فَعَلْتُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ١٢٦). • وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «وَأُعْطِيتُ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ آخِرِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم:

стр. 261

٢٣٢٥١). (١) فَهَذِهِ السُّوَرُ وَالْآيَاتُ أَفْضَلُ الْقُرْآنِ، وَمِنْ أَفْضَلِ الْقُرْآنِ بَعْدَهَا: • سُورَةُ الْبَقَرَةِ عُمُومًا وَسُورَةُ آلِ عِمْرَانَ؛ فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٨٠٤) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ». وَالْبَطَلَةُ: السَّحَرَةُ. • وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁، نَحْوُهُ، دُونَ الشَّطْرِ الثَّانِي، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا (رَقْم: ٨٠٥). • وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٧٨٠). • وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامًا، وَسَنَامُ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ». رَوَاهُ الْحَاكِمُ (رَقْم: ٢٠٦٠)، وَلَهُ شَوَاهِدُ، ذَكَرَهَا الْأَلْبَانِيُّ فِي "الصَّحِيْحَةِ" (رَقْم: ٥٨٨). • وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمِئِينَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ١٦٩٨٢). (٢)

стр. 262

• وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي "الْكَبِيْرِ" (ج ٢٢/ صـ: ٧٦)، وَالْبَيْهَقِيِّ فِي "الشُّعَبِ" (رَقْم: ٢١٩٢): «السَّبْعَ الطِّوَال». • وَالسَّبْعُ الطِّوَالُ هِيَ: البَقَرَةُ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ، وَالمَائِدَةُ، وَالأَنْعَامُ، وَالْأَعْرَافُ، وَالتَّوْبَةُ. •وَفِي فَضْلِ الْعَشْرِ الْآيَاتِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ: مَا فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٨٠٩) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ». • وَفِي فَضْلِ سُورَةِ الْمُلْكِ: حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ سُورَةً مِنَ القُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ سُورَة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. (١) • وَفِي فَضْلِ آخِرِ آيَتَيْنِ مِنْ سُوْرَةِ الزَّلْزَلَةِ: حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ سُئِلَ عَنِ الحُمُرِ، فَقَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الآيَةَ الفَاذَّةَ الجَامِعَةَ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٤٩٦٢، و ٧٣٥٦)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ٩٨٧).

стр. 263

• [يَا مُتَحَيِّرًا فِي طَرِيقِهِ قَدْ بَانَ الْبَيَانُ، يَا ضَعِيْفَ الِاعْتِبَارِ وَقَدْ أَنْذَرَهُ الأَقْرَانُ، يَا مَنْ تَقْرَعُ قَلْبَهُ الْمَوَاعِظُ وَهُو قَاسٍ مَّا لَانَ، لَوْ حَضَرْتَ بِالذِّهْنِ كَفَاكَ زَجْرُ الْقُرْآنِ. • يَا مَنْ يُعَاتِبُهُ الْقُرْآنُ وَقَلْبُهُ غَافِلٌ!، وَتُنَاجِيهِ الآيَاتُ وَفَهْمُهُ ذَاهِلٌ!، اعْرِفْ قَدْرَ الْمُتَكَلِّمِ وَقَدْ عَرَفْتَ الْكَلَامَ!، وَأَحْضِرْ قَلْبَكَ الْغَائِبَ وَقَدْ فَهِمْتَ الْمَلامَ. • يَا مُعْرِضًا عَنْ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ!، مَشْغُولًا بِاللَّهْوِ وَالْهَذَيَانِ! سَتَدْرِي مَنْ يَنْدَمُ يَوْمَ الْخُسْرَانِ!، اسْتَدْرِكْ مَا قَدْ فَاتَ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ، وَقُمْ فِي الأَسْحَارِ فَلِلسَّحَرِ مَعَ الرَّحْمَةِ شَانٌ، وَسَلِ الْعَفْوَ عَمَّا سَلَفَ مِنْكَ وَكَانَ. مَوْلَايَ جِئْتُكَ وَالرَّجَا … ءُ قَدِ اسْتَجَارَ بِحُسْنِ ظَنِّي أَبْغِي فَوَاضِلَكَ الَّتِي … تَمْحُو بِهَا مَا كَانَ مِنِّي فَانْظُرْ إِلَيَّ بِحَقِّ لُطْـ … فِكَ يَا إِلَهِي وَاعْفُ عِنِّي لَا تُخْزِنِي يَوْمَ الْمَعَا … دِ بِمَا جَنَيْتُ وَلَا تُهِنِّي] (١) • اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ الَّذِيْنَ هُمْ أَهْلُكَ وَخَاصَّتُكَ، وَاهْدِنَا بِهِ سُبُلَ السَّلَامِ. وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ * * *

стр. 264

الْمَجْلِسُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: رَمَضَانُ وَالْجُودُ • الْحَمْدُ للهِ الْوَهَّابِ الْكَرِيْمِ، الْوَاسِعِ الْعَلِيْمِ، الْمَنَّانِ الْحَكِيْمِ، مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِالْخَيْرِ الْعَمِيمِ، وَغَرَسَ كَرَامَة الْمُؤْمِنِيْنَ بِيَدِهِ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَأشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيْمُ، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَيْرُ دَاعٍ إِلَى صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيْمِ، أَحْسَنُ النَّاسِ طَوِيَّةً، وَأَكْرَمُهُمْ سَجِيَّةً، وَحَسْبُهُ قَوْلُ رَبِّنَا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيْمِ، أَمَّا بَعْدُ: • فَقَد تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْمَجَالِسِ أَنَّ مِنْ فَضَائِلِ شَهْرِ رَمَضَانَ: أَنَّ الْجُودَ فِيهِ آكَدُ الْجُودِ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ». (١) • وَكَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، فَفِيْ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ». (٢) • وَمَنْ جُودِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَنَّهُ كَانَ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَقَالَ: «انْثُرُوهُ فِي المَسْجِدِ»، وَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 265

-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَاءَ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلَّا أَعْطَاهُ، إِذْ جَاءَهُ العَبَّاسُ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعْطِنِي، فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خُذْ»، فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ، قَالَ: «لَا». قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: «لَا». فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ: «لَا». قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: «لَا». فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا؛ عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ. عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٤٢١، و ٣١٦٥)، وَهُوَ صَحِيْحٌ. • وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٤٦٩)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١٠٥٣). • وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (رَقْم: ٦٤٧٠): «فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ». • وَقَالَ أَنَسٍ ﵁: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: «يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً، لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٢٣١٢). • وَفِي رِوَايَةٍ: «فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً، مَا يَخَافُ الْفَقْرَ». • قَالَ أَنَسٌ: «إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».

стр. 266

• قَالَ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: فَدَلَّكَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَمَا أَنَّهُ أَفْضَلُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ وَأَشْجَعُهُمْ وَأَكْمَلُهُمْ فِي جَمِيْعِ الْأَوْصَافِ الْحَمِيْدَةِ، وَكَانَ جُودُهُ بِجَمِيْعِ أَنْوَاعِ الْجُودِ مِنْ بَذْلِ الْعِلْمِ وَالْمَالِ، وَبَذْلِ نَفْسِهِ للهِ تَعَالَى فِي إِظْهَارِ دِيْنِهِ وَهِدَايَةِ عِبَادِهِ وَإِيْصَالِ النَّفْعِ إِلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيْقٍ: مِنْ إِطْعَامِ جَائِعِهِمْ، وَوَعْظِ جَاهِلِهِمْ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَتَحَمُّلِ أَثْقَالِهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ الْحَمِيْدَةِ مُنذُ نَشَأَ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ لَهُ خَدِيْجَةُ ﵂ فِي أَوَّلِ مَبْعَثِهِ: «وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ». (١) • ثُمَّ تَزَايَدَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ فِيْهِ بَعْدَ الْبِعْثَةِ وَتَضَاعَفَتْ أَضْعَافًا كَثِيْرَةً، وَكَانَ جُودُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كُلُّهُ للهِ وَفِي ابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَبْذُلُ الْمَالَ إِمَّا لِفَقِيرٍ أَوْ مُحْتَاجٍ أَوْ يُنفِقُهُ فِي سَبِيْلِ اللهِ أَوْ يَتَأَلَّفُ بِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ مَنْ يَقْوَى الْإِسْلَامُ بِإِسْلَامِهِ وَكَانَ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، فَيُعْطِي عَطَاءً يَعْجِزُ عَنْهُ الْمُلُوكُ مِثْلُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَيَعِيْشُ فِي نَفْسِهِ عَيْشَ الْفُقَرَاءِ، فَيَأْتِي عَلَيْهِ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ لَا يُوْقَدُ فِي بَيْتِهِ نَارٌ، (٢) وَرُبَّمَا رَبَطَ

стр. 267

عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُوعِ، (١) وَكَانَ قَدْ أَتَاهُ صَبِيٌّ مَرَّةً، فَشَكَتْ إِلَيْهِ فَاطِمَةُ مَا تَلْقَى مِنْ خِدْمَةِ الْبَيْتِ وَطَلَبَتْ مِنْهُ خَادِمًا يَكْفِيْهَا مُؤْنَةَ بَيْتِهَا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَسْتَعِيْنَ بِالتَّسْبِيْحِ وَالتَّكْبِيْرِ وَالتَّحْمِيْدِ عِنْدَ نَوْمِهَا. (٢) • وَقَالَ: «لَا أُعْطِيْكِ وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تَطْوَى بُطُونُهُمْ مِنَ الْجُوعِ». (٣) • وَكَانَ جُودُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَتَضَاعَفُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ، كَمَا أَنَّ جُودَ رَبِّهِ يَتَضَاعَفُ فِيْهِ أَيْضًا؛ فَإِنَّ اللهَ جَبَلَهُ عَلَى مَا يُحِبُّهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْكَرِيْمَةِ، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ الْبِعْثَةِ. • وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هَذَا الْكِتَابُ لَهُ خُلُقًا، (٤) بِحَيْثُ يَرْضَى لِرِضَاهُ، وَيَسْخَطُ لِسَخَطِهِ، وَيُسَارِعُ إِلَى مَا حَثَّ عَلَيْهِ، وَيَمْتَنِعُ مِمَّا زَجَرَ عَنْهُ؛ فَلِهَذَا كَانَ يَتَضَاعَفُ جُودُهُ وَإِفْضَالُهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِمُخَالَطَةِ جِبْرِيْلَ ﵇ وَكَثْرَةِ مُدَارَسَتِهِ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ الْكَرِيْمَ الَّذِي يَحُثُّ عَلَى الْمَكَارِمِ وَالْجُودِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُخَالَطَةَ تُؤَثِّرُ وَتُورِثُ أَخْلَاقًا مِنَ الْمُخَالَطَةِ.

стр. 268

• كَانَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ قَدِ امْتَدَحَ مَلِكًا جَوَادًا، فَأَعْطَاهُ جَائِزَةً سَنِيَّةً، فَخَرَجَ بِهَا مِنْ عِندِهِ، وَفَرَّقَهَا كُلَّهَا عَلَى النَّاسِ، فَأَنشَدَ: لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَبْتَغِي الْغِنَى … وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الْجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي • فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَلِكَ، فَأَضْعَفَ لَهُ الْجَائِزَةَ. • وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ يَمْتَدِحُ بَعْضَ الْأَجْوَادِ - وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلَّا لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: تَعَوَّدَ بَسْطَ الْكَفِّ حَتَّى لَوَ انَّهُ … ثَنَاهَا لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أَنَامِلُهْ تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا … كَأَنَّكَ تُعْطِيْهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهْ هُوَ الْبَحْرُ مِنْ أَيِّ النَّوَاحِي أَتَيْتَهُ … فَلُجَّتُهُ الْمَعْرُوفُ وَالْجُودُ سَاحِلُهْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كَفِّهِ غَيْرُ رُوحِهِ … لَجَادَ بِهَا فَلْيَتَّقِ اللهَ سَائِلُهْ (١) • وَقَالَ: وَفِي تَضَاعُفِ جُودِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِخُصُوصِهِ فَوَائِدُ كَثِيْرَةٌ: • مِنَهَا: شَرَفُ الزَّمَانِ، وَمُضَاعَفَةُ أَجْرِ الْعَمَلِ فِيْهِ. • وَمِنْهَا: إِعَانَةُ الصَّائِمِيْنَ وَالْقَائِمِيْنَ وَالذَّاكِرِيْنَ عَلَى طَاعَتِهِمْ. • وَمِنْهَا: أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرٌ يَجُودُ اللهُ فِيْهِ عَلَى عِبَادِهِ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالْعِتْقِ مِنَ النَّارِ، لَا سِيَّمَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَرْحَمُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ، كَمَا قَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». (٢)، فَمَنْ جَادَ عَلَى عِبَادِ اللهِ جَادَ اللهُ عَلَيْهِ بِالْعَطَاءِ وَالْفَضْلِ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنسِ الْعَمَلِ.

стр. 269

• وَمِنْهَا: أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ مِنْ مُوجِبَاتِ الْجَنَّةِ، كَمَا فِي حَدِيْثِ عَلِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى بُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، وَظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا»، قَالُوا: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ». (١) • وَهَذِهِ الْخِصَالُ كُلُّهَا تَكُونُ فِي رَمَضَانَ، فَيَجْتَمِعُ فِيْهِ لِلْمُؤْمِنِ الصِّيَامُ وَالْقِيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَطِيْبُ الْكَلَامِ؛ فَإِنَّهُ يُنْهَى فِيْهِ الصَّائِمُ عَنِ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ. • وَمِنْهَا: أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ أَبْلَغُ فِي تَكْفِيْرِ الْخَطَايَا وَاتِّقَاءِ جَهَنَّمَ وَالْمُبَاعَدَةِ عَنْهَا، وَخُصُوصًا إِنْ ضُمَّ إِلَى ذَلِكَ قِيَامُ اللَّيْلِ. • وَمِنْهَا: أَنَّ الصِّيَامَ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ فِيْهِ خَلَلٌ أَوْ نَقْصٌ، وَتَكْفِيْرُ الصِّيَامِ لِلذُّنُوبِ مَشْرُوطٌ بِالتَّحَفُّظِ مِمَّا يَنبَغِي التَّحَفُّظُ مِنْهُ، فَالصَّدَقَةُ تَجْبُرُ مَا فِيْهِ مِنَ النَّقْصِ وَالْخَلَلِ. • وَمِنْهَا: أَنَّ الصَّائِمَ يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ للهِ، فَإِذَا أَعَانَ الصَّائِمِيْنَ عَلَى التَّقَوِّيْ عَلَى طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ كَانَ بِمَنزِلَةِ مَنْ تَرَكَ شَهْوَةً للهِ وَآثَرَ بِهَا أَوْ وَاسَى مِنْهَا. • قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أُحِبُّ لِلرَّجُلِ الزِّيَادَةَ فِي الْجُودِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَلِحَاجَةِ النَّاسِ فِيْهِ إِلَى مَصَالِحِهِمْ، وَلِتَشَاغُلِ كَثِيْرٍ مِنْهُمْ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَنْ مَكَاسِبِهِمْ. وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَيْضًا. ا. هـ مُلَخَّصًا. (٢)

стр. 270

• وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُودَ وَالْكَرَمَ مِنْ أَشْرَفِ خِصَالِ الْخَيْرِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى سُوقِ الصَّبْرِ وَالْعِفَّةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْعَدْلِ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: وَحُسْنُ الْخُلُقِ يَقُومُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ، لَا يُتَصَوَّرُ قِيَامُ سَاقِهِ إِلَّا عَلَيْهَا: الصَّبْرِ، وَالْعِفَّةِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَالْعَدْلِ. • فَالصَّبْرُ: يَحْمِلُهُ عَلَى الِاحْتِمَالِ وَكَظْمِ الْغَيْظِ، وَكَفِّ الْأَذَى، وَالْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ وَالرِّفْقِ، وَعَدَمِ الطَّيْشِ وَالْعَجَلَةِ. • وَالْعِفَّةُ: تَحْمِلُهُ عَلَى اجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ وَالْقَبَائِحِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَتَحْمِلُهُ عَلَى الْحَيَاءِ، وَهُوَ رَأْسُ كُلِّ خَيْرٍ، وَتَمْنَعُهُ مِنَ الْفَحْشَاءِ، وَالْبُخْلِ وَالْكَذِبِ، وَالْغَيْبَةِ وَالنَّمِيمَةِ. • وَالشَّجَاعَةُ: تَحْمِلُهُ عَلَى عِزَّةِ النَّفْسِ، وَإِيثَارِ مَعَالِي الْأَخْلَاقِ وَالشِّيَمِ، وَعَلَى الْبَذْلِ وَالنَّدَى، الَّذِي هُوَ شَجَاعَةُ النَّفْسِ وَقُوَّتُهَا عَلَى إِخْرَاجِ الْمَحْبُوبِ وَمُفَارَقَتِهِ. • قَالَ: وَالْعَدْلُ: يَحْمِلُهُ عَلَى اعْتِدَالِ أَخْلَاقِهِ، وَتَوَسُّطِهِ فِيهَا بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، فَيَحْمِلُهُ عَلَى خُلُقِ الْجُودِ وَالسَّخَاءِ الَّذِي هُوَ تَوَسُّطٌ بَيْنَ [الْبُخْلِ وَالْإِسْرَافِ]، وَعَلَى خُلُقِ الشَّجَاعَةِ، الَّذِي هُوَ تَوَسُّطٌ بَيْنَ الْجُبْنِ وَالتَّهَوُّرِ، وَعَلَى خُلُقِ الْحِلْمِ، الَّذِي هُوَ تَوَسُّطٌ بَيْنَ الْغَضَبِ وَالْمَهَانَةِ وَسُقُوطِ النَّفْسِ. • وَمَنْشَأُ جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ. ا. هـ. (١) • وَالْكَرَمُ خُلُقُ يُحِبُّهُ اللهُ ؛ لِأَنَّهُ كَرِيْمٌ، فَلَا أَكْرَمَ مِنْهُ ، فَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵄، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا». رَوَاهُ الْحَاكِمُ. (٢)

стр. 271

• وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي الْجُودِ أَنَّهُ بِالْمَالِ، لَكِنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، فَقَدْ يَكُونُ بِالنَّفْسِ، قَالَ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. • وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. • وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ». يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ الْأُولَى مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٩٦٩) وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٢٤٣٨)، وَاللَّفْظُ لَهُ. • وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ١٦٩٦) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَلِيَّهَا، فَقَالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا»، فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدتَّ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى؟». • قَالَ الشَّاعِرُ: يَجُودُ بِالنَّفْسِ إِنْ ظَنَّ الْبَخِيْلُ بِهَا … وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ

стр. 272

• وَقَدْ يَكُونُ بِالْعِلْمِ، وَفَضَائِلُ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ وَفَضَائِلُ نَشْرِهِ وَبَذْلِهِ لِلنَّاسِ كَثِيْرَةٌ مُسْتَفِيْضَةٌ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا. • قَالَ الْأَلْبِيْرِيُّ ﵀ فِي شَأْنِ الْعِلْمِ: يَزِيدُ بِكَثْرَةِ الإِنفَاقِ مِنْهُ … وَيَنقُصُ إِنْ بِهِ كَفًّا شَدَدتَّا وَقَدْ حَمَلَ بعضُ السَّلَفِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧]، عَلَى بُخْلِ الْيَهُودِ بِإِظْهَارِ الْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَهُمْ، مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧]. • قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀: «فَوَصَفَهُمْ بِالْبُخْلِ الَّذِي هُوَ الْبُخْلُ بِالْعِلْمِ وَالْبُخْلُ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ السِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبُخْلَ بِالْعِلْمِ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَكْبَرُ، وَكَذَلِكَ وَصَفَهُمْ بِكِتْمَانِ الْعِلْمِ فِي غَيْرِ آيَةٍ». (١) • وَقَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: «وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّيَاقَ فِي الْبُخْلِ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ الْبُخْلُ بِالْعِلْمِ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلى». • وَمِنْ صُوَرِ الْجُودِ أَيْضًا مَا فِي حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ؟ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ» قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولُ اللهِ. قَالَ: «تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)

стр. 273

• وَلِلْبُخَارِيِّ: وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ. • وَلِمُسْلِمٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». • وَعَنْهُ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) • وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالُوا لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ١٠٠٦). • وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٢٦٢٦).

стр. 274

• وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٦٠٢١)، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ١٠٠٥) مِنْ حَدِيْثِ حُذَيْفَةَ ﵁. • [صَدَقُوا فِي الْمَحَبَّةِ وَالْوَلاءِ، وَصَبَرُوا عَلَى نُزُولِ الْبَلاءِ، وَقَامُوا فِي دَيَاجِي الظَّلْمَاءِ، يَشْكُرُونَ عَلَى سَوَابِغِ النَّعْمَاءِ، فَأَرْبَحَهُمْ فِي الْمُعَامَلَةِ رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، ﴿يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. • بَذَلُوا الْمَالَ وَمَالُوا إِلَى السَّخَاءِ، وَطَرَقُوا بَابَ الْفَضْلِ بِأَنَامِلِ الرَّجَاءِ، وَتَلَمَّحُوا وَعْدَ الصَّادِقِ بِجَزِيلِ الْعَطَاءِ، وَتَأَهَّبُوا لِلْحُضُورِ يَوْمَ اللِّقَاءِ، وَقَدَّمُوا الأَمْوَالَ ثِقَةً بِالْجَزَاءِ، ﴿يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. • أَنَاخُوا بِبَابِ الطَّبِيبِ طَلَبًا لِلشِّفَاءِ، وَصَبَرُوا رَجَاءَ الْعَافِيَةِ عَلَى شُرْبِ الدَّوَاءِ، فَإِنِ ابْتُلُوا صَبَرُوا، وَإِنْ أُعْطُوا شَكَرُوا، فَالأَمْرُ عَلَى السَّوَاءِ. • تَاللَّهِ لَقَدْ شَغَلَهُمْ حُبُّهُ عَنِ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ، وَلَقَدْ عَامَلُوهُ بِإِيثَارِ الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ، ﴿يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤].] (١) • اللَّهُمَّ أَعْظِمِ النَّفْعَ بِنَا، وَاجْعَلْنَا مُبَارَكِيْنَ أَيْنَمَا كُنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا مَا كَانَ مِنَّا. وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. * * *

стр. 275

الْمَجْلِسُ الخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي فَضْلِ الزَّكَاةِ وَمَكَانَتِهَا فِي الإِسْلامِ وَالتَّرْهِيْبِ مِنْ مَنْعِهَا وَذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهَا • الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ وَحْدَانِيَّتِهِ مَا لَا يَدَعُ لِكُلِّ ذِي بَصِيْرَةٍ رَيْبًا وَلَا شَكًّا، فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفْرًا بِهِ وَشِرْكًا، رَفَعَ مِنَ السَّمَاءِ سَمْكًا، وَحَبَكَهَا طَرَائِقَ حَبْكًا، وَفَرَشَ الْأَرْضَ وَجَعَلَهَا قَرَارًا إِلَى أَجَلٍ تُدَكُّ فِيْهِ دَكًّا، وَأَسْبَغَ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ أَصْنَافِ النِّعَمِ وَخَوَّلَهُمْ أَمْوالًا وَمُلْكًا، وَهُوَ الَّذِيْ أَغْنَى وَأَقْنَى وَأَضْحَكَ وَأَبْكَى، يُوكِي عَلَى مَنْ أَوْكَى، وَيُخْلِفُ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ بِأَطْيَبَ وَأَزْكَى، أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَفُوحُ مَندَلًا وَمِسْكًا، وَأشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعَالَى عَمَّا يَقُولُهُ الظَّالِمُونَ زُورًا وَإِفْكًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ وَحَّدَ وَصَامَ وَصَلَّى وَزَكَّى، هَتَكَ اللهُ بِهِ سُتُورَ الزَّيْغِ هَتْكًا، وَجَلَّى بِهِ الدِّيْنَ أَمْرًا وَنَهْيًا، فَكَانَ أَتْقَى النَّاسِ لِرَبِّهِ فِعْلًا وَتَرْكًا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ قَارَعُوا الْبَاطِلَ وصَكُّوا أَهْلَهُ صَكًّا، وَصَيَّرُوا طَوَاغِيْتَ الْكُفْرِ بِعَوْنِ رَبِّهِمْ صَرْعَى وَهَلْكَى، أَمَّا بَعْدُ: • فَإِنَّ إِيْتَاءَ الزَّكَاةِ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِيْهِ الْعِظَامِ، وَهَاكَ أَخِي الْمُسْلِمُ جُمْلَةً مِمَّا حُفَّ بِهَذِهِ الشَّعِيْرَةِ الْعَظِيْمَةِ، مِنَ التَّعْرِيْفِ بِهَا، وَبَيَانِ فَضْلِهَا، وَالتَّرْهِيْبِ مِنْ مَنْعِهَا، وَشَيْئًا مِنْ أَحْكَامِهَا: أَوَّلاً: تَعْرِيْفُهَا: الزَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ تَأْتِي عَلَى مَعَانٍ، وَهِيَ: ١. النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي مَعْنَى الزَّكَاةِ، يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ إِذَا نَمَا، وَكَذَا الْمَالُ. ٢. وَالتَّطْهِيْرُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. ٣. وَالصَّلَاحُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف: ٨١]. • وَوَرَدَتْ شَرْعًا بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي جَمِيْعِهَا؛ فَهِيَ سَبَبٌ لِلنَّمَاءِ فِي الْمَالِ، وَتَكْثِيرِهِ،

стр. 276

وَحُلُولِ الْبَرَكَةِ فِيْهِ، وَإِصْلَاحِهِ، وَلِأَنَّ أَجْرَهَا يُنْمَى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، ويُضَاعَفُ ثَوَابُهَا، وَلِأَنَّهَا تُطَهِّرُ صَاحِبَهَا، وَتَكُونُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الصَّلَاحِ. (١) • أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيْحِهِ (رَقْم: ٢٥٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ». • فَائِدَةٌ: قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَاعْلَمْ أَنَّ الزَّكَاةَ لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ، مَعْرُوفَةٌ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، مُسْتَعْمَلَةٌ فِي أَشْعَارِهِمْ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ لَهُ. ا. هـ. • وَتُسَمَّى أَيْضًا: صَّدَقَةً؛ لِأَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى صِدْقِ إِيْمَانِ صَاحِبِهَا، فَقَدْ قَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ». رَوَاهُ مُسْلمٌ (رَقْم: ٢٢٣) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁. • وَالصَّدَقَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَعَمُّ مِنْ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، فَمِنْهَا الْوَاجِبُ، وَمِنْهَا الْمُسْتَحَبُّ. ثَانِيًا: حُكْمُهَا: هِيَ فَرْضٌ وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَام، وَقَدْ تَّظَاهَرَتِ الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ. • أَمَّا مِنَ الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣، و ٨٣، و ١١٠، والنساء: ٧٧، والنور: ٥٦، والمزمل: ٢٥]، وَقَوْلُهُ : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وَقَوْلُهُ : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. • وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ فَأَحَادِيْثُ كَثِيْرَةٌ، مِنْهَا: حَدِيْثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». رواه البخاري (رَقْم: ٨، و ٤٥١٤)، ومسلم (رَقْم: ١٦).

стр. 277

• وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ نَقَلَهُ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ: ابْنُ حَزْمٍ، وَابْنُ قُدَامَةَ، وَالنَّوَوِيُّ ﵏. (١) ثَالِثاً: أَوَّلَ مَا فُرِضَتِ الزّكَاةُ ذَاتُ النِّصَابِ وَالْحَوْلِ فِي الْمَدِيْنَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، عَلَى الصَّحِيْحِ الْمَشْهُورِ الَّذِيْ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، فَعَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ بْنِ عُبَادَةَ ﵄، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الزَّكَاةُ لَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا وَنَحْنُ نَفْعَلُهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. (٢) • قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: «وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ فَرْضَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ كَانَ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ؛ فَيَقْتَضِي وُقُوعَهَا بَعْدَ فَرْضِ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ». • قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فَرْضَ رَمَضَانَ كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. • وَأَمَّا أَصْلُ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيْرٍ بِأَنصِبَةٍ وَحَوَلَانِ الْحَوْلِ، وَلَكِن بِمَا جَادَتْ بِهِ النَّفْسُ وَسَمَحَتْ بِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وَقَوْلِهِ : ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧]، وَقَوْلِهِ : ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥]، وَهَذِهِ الْآيَاتُ مَكِّيَّةٌ.

стр. 278

رَابعًا: تَجِبُ الزّكَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ عَاقِلٍ بَالِغٍ مَلَكَ النِّصَابَ مِلْكًا تَامًّا، وَذَلِكَ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. • فَأَمَّا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. • وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدَ نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمُ: ابْنُ رُشْدٍ، وَالنَّوَوِيُّ -رحمهما الله-. (١) • وَالزَّكَاةُ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ، لَا بِالذِّمَّةِ، وَلِهَذَا تَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ الصَّحِيْحِ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]. • قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «فَالْمَدَارُ عَلَى الْمَالِ لَا عَلَى الْمُتَمَوِّلِ». • وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) • قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «فَجَعَلَ مَحَلَّ الزَّكَاةِ الْمَالَ». • وَقَالَ: «وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْآدَمِيِّ؛ فَاسْتَوَى فِي وُجُوبِ أَدَائِهِ الْمُكَلَّفُ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الصَّغِيْرُ مَالَ إِنسَانٍ فَإِنَّنَا نُلْزِمُهُ بِضَمَانِهِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ». (٣)

стр. 279

• وَمَنْ مَضَتْ عَلَيْهِ سِنُوْنَ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَالِهِ فِيْهَا لَزِمَهُ إِخْرَاجُهَا عَنْ جَمِيْعِ السِّنِيْنَ الْمَاضِيَةِ؛ لِأَنَّهَا بِمَثَابَةِ الدِّيْنِ عَلَيْهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي "الْمَجْمُوعِ" (ج ٥/ صـ: ٣٣٧): سَوَاءٌ عَلِمَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَمْ دَارِ الْحَرْبِ، هَذَا مَذْهَبُنَا. ا. هـ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ. • وَإِنْ تَلِفَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أَوْ ضَاعَتْ قَبْلَ إِيْصَالِهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيْهَا فَإِنَّهَا تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ. • وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُعْتَرِفًا بِهِ بَاذِلًا لَهُ، فَعَلَى صَاحِبِهِ زَكَاتُهُ إِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَ النِّصَابَ وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ، فَلَزِمَهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ، كَالْوَدِيعَة. • وَهَذَا الْقَوْلُ مَنقُولٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِيْنَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ. (١) • فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُعْسِرًا، أَوْ جَاحِدًا، أَوْ مُمَاطِلًا، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يُزَكِّيْهِ إِذَا قَبَضَهُ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ سَنَةُ الْقَبْضِ، وَقِيْلَ: يَسْتَأْنِفُ بِهِ حَوْلًا، ثُمَّ يُزَكِّيْهِ. (٢) • وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزَّكَاةَ، فَمَنْ مَلَكَ نِصَابًا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَجَبَ إِخْرَاجُ زَكَاتِهِ، سَواءٌ أَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَمْ لَا. • وَلَا يُجْزِئُ مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى جَاحِدٍ قَدْ أَيِسَ منه، أَوْ عَلَى مُعْسِرٍ، أَوْ مُمَاطِلٍ أَنْ يُسْقِطَهُ عَنْهُ مِنْ حِسَابِ زَكَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إِلَى مَنفَعَةٍ، وَهِيَ رِفْدُ مَالِهِ. (٣)

стр. 280

• وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ وَجَبَتْ فِي مَالِهِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهَا تُخْرَجُ مِنْ مَالِهِ، كَالدَّيْنِ؛ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٥٣)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١٤٨) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. خَامِسًا: يُشْترَطُ لَهَا النِّيَّةُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٦٦٨٩)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١٩٠٧) مِنْ حَدِيْثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁. • فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيْفِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَهَا قَبْلِ إِخْرَاجِهَا، سَوَاءٌ أَخْرَجَهَا عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ أَخْرَجَهَا غَيْرُهُ عَنْهُ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ والمَجْنُونُ، فَيَنْوِيْهَا مَنْ يُخْرِجُ عَنْهُ. (١) • وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيٌّ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا، فَلَوْ أَنَّ الْإِنسَانَ دَفَعَ عَنْ غَيْرِهِ زَكَاةً، وَأَجَازَهُ الْغَيْرُ، فَإِنَّ ذلك يُجْزِئُ، وَرَجَّحَهُ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينٍ ﵀، وَمَثَّلَ لِذَلِكَ بِرَجُلٍ جَاءَ، فَطَلَبَ مِنْ رَجُلٍ مَالًا من الزَّكَاةِ لِلْمُجَاهِدِيْنَ، وَكَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ يعْلَمُ أَنَّ صَاحِبًا لَهُ عِندَهُ زَكَاةٌ كَثِيْرَةٌ، فَأَعْطَي هَذَا الرَّجُلَ ثَلَاثِيْنَ أَلْفًا، عَلَى أَنَّهَا زَكَاةُ صَاحِبِهِ، فَفِي هَذِهِ الصُّوْرَةِ لَا تُجْزِئُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيْهَا النِّيَّةُ، وَالَّذي عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لَمْ يَنْوِ هُنَا، وَيَكُونُ مَا دُفِعَ صَدَقَةً نَافِلَةً. • قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ: فَلَوْ أَنَّنِي أَخْبَرْتُهُ، وَقُلْتُ: إِنَّنِي دَفَعْتُ عَنْكَ زَكَاةً، فَقَالَ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، وَأَنَا مُجِيْزٌ لَكَ هَذَا التَّصَرُّفَ، فَالْمَذْهَبُ لَا يُجْزِئُ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ النِّيَّةِ حِيْنَ الدَّفْعِ. • ثُمَّ صَحَّحَ الْإجْزَاءَ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ،

стр. 281

وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. وَذَكَرَ الْحَدِيْثَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٢٣١١) عَلَى صُورَةِ الْمُعَلَّقِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. (١) • قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: فَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ حِينَ دَفَعَ مِنَ الزَّكَاةِ لَمْ يَدْفَعْ بِإِذْنِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، لَكِنِ الرَّسُولُ ﵊ أَجَازَهُ. ا. هـ. • وَقَالَ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: «وَالشَّاهِدُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﵊ أَجَازَ هَذَا التَّصَرُّفَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَجَعَلَهُ مُجْزِئًا، مَعَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ زَكَاةٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ وَكِيْلٌ فِي الْحِفْظِ، لَا وَكَيْلٌ فِي التَّصَرُّفِ. ا. هـ. (٢) • وَالْأَظْهَرُ وَالْأَحْوَطُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ: الْقَلْبُ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيْقُ. سَادِسًا: مَا يَترَتبُ عَلَى مَنْعِهَا: مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ جُحُودًا كَفَرَ، إِلَّا إِن كَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَأن يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيْدَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ، بَلْ يُعَرَّفُ وُجُوبَهَا، وَتُؤْخَذُ مِنْهُ. (٣) • فَإِنْ مَنَعَهَا بُخْلًا مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهَا لَمْ يَكْفُرْ، وَيَكُونُ مُرْتَكِبًا لِكَبِيْرَةٍ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ. • قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ

стр. 282

وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]. • وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ (١)، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». • قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». • قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلَا غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ، وَلَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٩٨٧). • وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ»، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَلَا

стр. 283

يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، إِلَى آخِرِ الآيَة. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٤٠٣، و ٤٥٦٥). • وَفِي رِوَايَةٍ (رَقْم: ٦٩٥٧): «وَاللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ، حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ». • وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٩٨٨) مِنْ حَدِيْثِ جَابِرٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «وَلَا صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ، إِلَّا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيهِ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ، فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ، سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ». • وَالشُّجَاعُ: الْحَيَّةُ الذَّكَرُ، وَالْأَقْرَعُ: الَّذِي تَمَعَّطَ شَعْرُهُ؛ لِكَثْرَةِ سُمِّهِ، وَقِيلَ: الشُّجَاعُ الَّذِي يُوَاثِبُ الرَّاجِلَ وَالْفَارِسَ وَيَقُومُ عَلَى ذَنَبِهِ، وَرُبَّمَا بَلَغَ رَأْسَ الْفَارِسِ وَيَكُونُ فِي الصَّحَارِي. قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀. • وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمُؤْنَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ. (١)

стр. 284

• فَإِنْ مَنَعَ فَرْدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ الزَّكَاةَ، وَلَمْ يُمْكِن لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُمْ إِلَّا بِقِتَالِهِمْ قَاتَلَهُمْ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَّاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) • وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ». • فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا». • قَالَ عُمَرُ ﵁: «فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ». (٢) • فَإِنْ قَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُمْ قَهْرًا أَخَذَهَا، وَلَهُ أَنْ يُعَزِّرَهُمْ، وَهَلْ يَأْخُذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ زِيَادَةً عَلَى الزَّكَاةِ؟ فِيْهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَأَخُذُهَا وَشَطْرَ الْمَالِ؛ لِحَدِيْثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَلَا يُفَرَّقُ

стр. 285

إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا ، لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ». (١) • وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيْمِ، وَعَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْجَدِيْدِ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيِهِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ، وَاللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ بِرَئَاسَةِ ابْنِ بَازٍ ﵏. (٢) وَالآخَرُ: لَا يَأخُذُ زِيَادَةً عَلَيْهَا، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَأَتْبَاعُهُمْ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَمْ يُنقَلْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَخَذَ مِمَّنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ زِيَادَةً عَلَيْهَا، وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ. • قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: وَأَجَابَ مَنْ صَحَّحَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ بِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ الْأَمْرَ كَانَ أَوَّلًا كَذَلِكَ ثُمَّ نُسِخَ، وَضَعَّفَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْجَوَابَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعُقُوبَةَ بِالْمَالِ لَا تُعْرَفُ أَوَّلًا حَتَّى يَتِمَّ دَعْوَى النَّسْخِ، وَلِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَرْطِهِ، كَمَعْرِفَةِ التَّارِيخِ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ، وَاعْتَمَدَ النَّوَوِيُّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ تَضْعِيفِ بَهْزٍ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّهُ مُوَثَّقٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
следующие страницы →