← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30190

مجالس رمضانية

نجيب الشرعبي

Полный текст (342 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة الطبعة السادسة • الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيْرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، أَمَّا بَعْدُ: • فَهَذِهِ الطَّبْعَةُ السَّادِسَةُ مِنْ كِتَابِي: "مَجَالِسَ رَمَضَانِيَّةٍ"، وَالْحَمْدُ للهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، بَاطِنًا وَّظَاهِرًا، عَلَى مَا مَنَّ بِهِ مِنْ قَبُولِ هَذَا الْكِتَابِ، ﴿هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾ [الرعد: ٣٠]. • وَقَدْ تَّلَافَيْتُ فِي هَذِهِ الطَّبْعَةِ مَا رَأَيْتُهُ مِنْ سَقْطٍ وَأَخْطَاءٍ مَطْبَعِيَّةٍ فِي الطَّبَعَاتِ السَّابِقَةِ، وَزِدتُّ فِي حَجْمِ الْخَطِّ قَلِيلًا؛ فَلِهَذَا ازْدَادَ عَدَدُ الصَّفَحَاتِ فِي هَذِهِ الطَّبْعَةِ، وَلَمْ أَزِدْ فِي مَادَّةِ الْكِتَابِ عَلَى الطَّبْعَةِ الرَّابِعَةِ إِلَّا زِيَادَاتٍ يَّسِيرَةً، لَا تَكَادُ تُذْكَرُ. • وَمَنِ اسْتَطَالَ الْكِتَابَ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى قِرَاءَةِ مَا رَآهُ مُنَاسِبًا، أَوْ فَلْيَرْجِعْ إِلَى مُخْتَصَرِهِ، فَقَدْ وَضَعْتُ لَهُ مُخْتَصَرًا، لَيْسَ بِالْمُخِلِّ، وَلَا بِالطَّوِيلِ الْمُمِلِّ. وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ. كَتَبَهُ: أَبُو يُوسَفَ نجِيْبُ بنُ عَبْدِه بْنِ قَاسِمٍ الأَحْمَدِيُّ الشَّرْعَبِيُّ عَفَا الله عَنْهُ وَسَدَّدَهُ فِي مَسْجِدِ السُّنَّةِ بِجَرَانِعَ، لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ، التَّاسِعِ وَالْعِشْرِيْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الثَّانِي، لِعَامِ ١٤٤٤ هـ. * * *

стр. 2

مقدمة الطبعة الأولى • إنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِيْنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنِا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ. • ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. • ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. • ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. • أَمَّا بَعْدُ: - فَهَذِهِ مَجَالِسُ وَدُرُوسٌ رَمَضَانِيَّةٌ، وَتَصْلُحُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ خُطَبَ جُمُعَةٍ، رَأَيْتُ الْحَاجَّةَ دَاعِيَةً إِلَى كِتَابَتِهَا، وَضَمَّنتُهَا جُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ فِقْهِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَرَاعَيْتُ فِيْهَا صِحَّةَ الْأَحَادِيْثِ، وَحُسْنَ التَّنَاسُبِ، وَبَرَاعَةَ الاسْتِهْلَالِ، وَجَمَالَ الْعِبَارَةِ، وَخَتَمْتُهَا بِمَوَاعِظَ إِمَّا مِنَ "التَّبْصِرَةِ"، أَوْ "بُسْتَانِ الْوَاعِظِيْنَ"، أَوِ "الْمُدْهِشِ"، ثَلَاثَتُهَا لِحَامِلِ لِوَاءِ الْوَعْظِ (١): الْإِمَامِ أَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ ﵀، أَوْ

стр. 3

مِنْ "لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ" لِلْإِمَامِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنبَلِيِّ ﵀، مَعِ الْعَزْوِ فِي ذَلِكَ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا سَتَرَاهُ، وَتَصَرُّفٍ يَسِيْرٍ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا حِيْنَ الْفَرَاغِ مِنْهُ، بَعْدَ ظُهْرِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، الثَّامِنِ وَالْعِشْرِيْنَ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ، لِسَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَأَلْفٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، وَأَتَمُّ التَّسْلِيْمِ، فِي قَرْيَةِ جَرَانِعَ، مِنْ أَعْمَالِ مَاوِيَةَ، مُحَافَظَةِ تَعِزَّ، وَأَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْجُهْدَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، وَأَنْ يُبَارِكَ فِيْهِ، وَأَنْ يَنفَعَ بِهِ، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. • اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. كَتَبَهُ: أَبُو يُوسَفَ نجِيْبُ بنُ عَبْدِه بْنِ قَاسِمٍ الأَحْمَدِيُّ الشَّرْعَبِيُّ عَفَا الله عَنْهُ وَسَدَّدَهُ * * *

стр. 4

الْمَجْلِسُ الأَوَّلُ: فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ • الْحَمْدُ للهِ الَّذِي فَاضَلَ بَيْنَ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ، وَجَعَلَ خَيْرَ شُهُورِ الْعَامِ شَهْرَ رَمَضَانَ، أَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآنَ؛ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ، وَجَعَلَ صِيَامَهُ فَرْضًا مِنْ فَرَائِضِ هَذَا الدِّينِ وَأَحَدَ مَبَانِيْهِ وَالْأَرْكَانِ، سُبْحَانَهُ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، وَلَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَانٍ، منَّ عَلَى عِبَادِهِ فَأَفْضَلَ، وَأَعْطَاهُمْ فَأَجْزَلَ، فَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَمَا شَاءَ كَانَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الرَّحِيمُ الرَّحْمَنُ، وَالْكَرِيمُ المَنَّانُ، وَالعَظِيمُ السُّلْطَانِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، المَبْعُوثُ إِلَى الِإنسِ وَالجَانِّ، والْمُؤَيَّدُ بِالدَّلِيلِ والبُرْهَانِ، بِأَحْسَن تَفْسِير وَأَبْلَغ بَيَانٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، مَدَى الَأَزْمَانِ، أَمَّا بَعْدُ: • أَيُّها الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ، قَدْ أَظلَّنَا شَهْرٌ هُوَ خَيْرُ شُهُورِ الْعَامِ، [شَهْرٌ لَيَالِيهِ أَنْوَرُ مِنَ الْأَيَّام، وَأَيَّامُهُ مَطْهَرَةٌ من دَنَس الْآثَام، وَصِيَامُهُ أَفْضَلُ الصِّيَامِ، وَقِيَامُهُ أَجَلُّ الْقِيَامِ، شَهْرٌ فَضَّلَ اللهُ بِهِ أُمَّةَ مُحَمَّد عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاة وَالسَّلَام، شَهْرٌ جَعَلَهُ اللهُ مِصْبَاحَ الْعَامِ وَوَاسِطَةَ النِّظَامِ، وَمِنْ أَشْرَفِ قَوَاعِد الْإِسْلَامِ، المُشَرَّف بِنُورِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، شَهْرٌ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ كِتَابَهُ، وَفَتَحَ لِلتَّائِبِينَ فِيهِ أَبْوَابَهُ، فَالدُّعَاءُ فِيهِ مَسْمُوعٌ، وَالْعَمَلُ مَرْفُوعٌ، وَالخَيْرُ مَجْمُوعٌ، وَالضَّرَرُ مَدْفُوعٌ، شَهْرٌ السَّيِّئَاتُ فِيهِ مَغْفُورَةٌ، وَالْأَعْمَالُ الْحَسَنَةُ فِيهِ مَوْفُورَةٌ، وَالتَّوْبَة فِيهِ مَقْبُولَةٌ، وَالرَّحْمَةُ مِنَ اللهِ لِمُلْتَمِسِهَا مَبْذُولَةٌ، وَالْمَسَاجِدُ بِذِكْرِ اللهِ فِيهِ مَعْمُورَةٌ، وَقُلُوبُ الْمُؤمنِينَ بِالتَّوْبَةِ فِيهِ مَسْرُورَةٌ]. (١) إِنَّ لِهَذَا الشَّهْرِ مِنَ الْفَضَائِلِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنَ الشُّهُور، وَهَذِهِ بَعْضُ فَضَائِلِهِ:

стр. 5

° الفَضِيْلَةُ الأُوْلى: أنَّ صِيَامَهُ أَفْضلُ الصِّيَامِ، وَأَحَبُّهُ إِلَى المَلِيْكِ الْعَلَّامِ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُحَطُّ بِهَا الذُّنُوبُ وَالْآثَامُ، وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِيْهِ الْعِظَامِ، قَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]. • وَقَالَ : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. • وَفِي الْحَدِيْثِ الْقُدْسِيِّ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِليَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ». (١) • وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». (٢) • وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (٣) • «إِيْمَانًا»، أَيْ: بِاللَّهِ، وَرِضًا بِفَرْضِ الصَّوْمِ، «وَاحْتِسَابًا»، أَيْ: لِلْأَجْرِ عِنْدَ اللهِ. • وَلِمُسْلِمٍ (رَقْم: ٢٣٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ».

стр. 6

• وَكَانَ ابْتِدَاءُ فَرْضِ صِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَصَامَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ بِالْإِجْمَاعِ. (١) وَقَدْ مَرَّ فَرْضُ الصِّيَامِ بِمَرَاحِلَ ثَلَاثٍ: المرْحَلة الأُولى: صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَدْ فَرَضَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صِيَامَهُ بَعْدَ قُدُومِهِ إِلَى الْمَدِيْنَةِ، وَلَمْ يُنسَخ وُجُوبُهُ إِلَّا بِفَرِيْضَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ». (٢) • وَنَحْوُه فِيْهِمَا أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄. (٣) • وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ هَذَا يَوْمٌ كَانَ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّة». • وَعَنْ جَابِر بْنِ سَمُرَةَ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَأْمُرُنَا بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ، وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ، لَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رقم: ١١٢٨). • قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "الزَّادِ" (ج ٢/ صـ: ٦٨): «فَهَذَا لَا يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إِلَّا بِأَنَّ صِيَامَهُ كَانَ فَرْضًا قَبْلَ رَمَضَانَ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْمَتْرُوكُ وُجُوبَ صَوْمِهِ لَا اسْتِحْبَابَهُ، وَيَتَعَيَّنُ هَذَا وَلَا بُدَّ». • وَلَمْ يُصَمْ عَاشُوْرَاءُ وُجُوبًا إِلَّا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَفِيْهَا أَيْضًا فُرضَ صِيَامُ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ قُدُومَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الْمَدِيْنَةَ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.

стр. 7

• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ: «مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ». (١) • قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "الزَّادِ" (ج ٢/ صـ: ٦٦): «وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَاجِبِ». • وَفيْهِمَا عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنتِ مُعَوِّذٍ ﵂، قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَليَصُمْ»، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ. (٢) المرحلة الثانية: التَّخْيِيْرُ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْإِفْطَارِ، مَعَ تَفْضِيلِ الصِّيَامِ عَلَيْهِ، وَإِيْجَابِ الإِطْعَامِ حَالَ الْإِفْطَارِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. • قَالَ : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. المرحلة الثالثة: نَسْخُ التَّخْيِيرِ، وَفَرْضُ الصِّيَامِ، قَالَ : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. • وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا، فَنَسَخَتْهَا. (٣)

стр. 8

• وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: «كُنَّا فِي رَمَضَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ، فَافْتَدَى بِطَعَامِ مِسْكِينٍ، حَتَّى أُنزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]». ° الفَضِيْلةُ الثانِيَةُ: أَنَّهُ شَهْرٌ تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الجِنَانِ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ النِّيْرَانِ، وَتُصَفَّدُ فِيهِ شَيَاطِينُ الْجَانِّ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». (١) • وَلِلتِّرْمِذِيِّ (رَقْم: ٦٨٢)، وَابْنِ مَاجَهْ (رَقْم: ١٦٤٢): «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ». • وَلَهُمَا أَيْضًا: «وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ». • وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، نَحْوُهُ، وَفِيهِ: «وَيُنَادِي فِيهِ مَلَكٌ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَبْشِرْ، يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، حَتَّى يَنْقَضِيَ رَمَضَانَ». (٢) مَا أَعْظَمَهَا مِنْ فَضَائِلَ وَمَنَاقِبَ!، وَمَا أَجَلَّها مِنْ رَغَائِبَ وَمَوَاهِبَ!، فَأَبْوَابُ الجِنَانِ مُفَتَّحَةٌ مُرْصَدَةٌ، وَأَبْوَابُ النَّار مُوْصَدَةٌ، والشَّيَاطِينُ مُسَلْسَلَةٌ مُصَفَّدَةٌ، [فَلَا يَصِلُونَ إِلَى مَا يُرِيدُونَ مِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ مِنْ الْإِضْلَالِ عَنْ الْحَقِّ وَالتَّثْبِيطِ عَنْ الْخَيْر، وَهَذَا مِنْ مَعُونَةِ اللهِ لَهُمْ أَنْ حَبَسَ عَنْهُمْ عَدُوَّهُم الَّذِي يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير؛

стр. 9

وَلِذَلِكَ تَجِدُ عِنْدَ الصَّالِحِينَ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي الْخَيْرِ وَالعُزُوفِ عَنِ الشَّرِّ فِي هَذَا الشَّهْرِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِه]. (١) ° الْفَضِيْلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآنَ، قَالَ : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. •وَقَالَ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]. • وَقَالَ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. ° الفَضِيْلَةُ الرَّابعَةُ: أَنَّ مُدَارَسَةَ الْقُرْآنِ فِيهِ أَفْضَلُ المُدَارَسَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ أَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآنَ، وَالْجُودُ فِيهِ آكَدُ الْجُود، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ». (٢) ° الفَضِيْلَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ فِيهِ لَيْلَةَ الْقَدْر، وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر، قَالَ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣ - ٤]. • وَقَالَ : ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥]. ° الفَضِيْلَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ قِيَامَهُ أَفْضَلُ الْقِيَامِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (٣)

стр. 10

° الفَضِيْلَةُ السَّابعَةُ: أَنَّ الاعْتِكَافَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ». (١) ° الفَضِيْلَةُ الثامِنَةُ: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَال: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي». (٢) ° الفَضِيْلَةُ التاسِعَةُ: مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ عُتَقَاءَ». (٣) • وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ». (٤) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ في "الْحِلْيَةِ" (ج ٨/ صـ: ٢٥٧): «إِنَّ للهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، عَبِيدًا وَإِمَاءً، يُعْتِقُهُمْ مِنَ النَّارِ».

стр. 11

• وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَفِيْهِ: «وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ». (١)، يَعْنِي فِي رَمَضَانَ. • أَيُّهَا الْإِخْوَةُ: [بُلُوغُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَصِيَامُهُ نِعْمَةٌ عَظِيْمَةٌ عَلَى مَنْ أَقْدَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، مَنْ رُحِمَ فِيهِ فَهُوَ الْمَرْحُومُ، وَمَنْ حُرِمَ خَيْرَهُ فَهُوَ الْمَحْرُومُ، وَمَنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ لِمَعَادِهِ فِيْهِ فَهُوَ مَلُومٌ. أَتَى رَمَضَانُ مَزْرَعَةُ الْعِبَادِ … لِتَطْهِيْرِ الْقُلُوبِ مِنَ الْفَسَادِ فَأَدِّ حُقَوقَهُ قَوْلًا وَفِعْلًا … وَزَادَكَ فَاتَّخِذْهُ لِلْمَعَادِ فَمَنْ زَرَعَ الْحُبُوبَ وَمَا سَقَاهَا … تَأَوَّهَ نَادِمًا يَوْمَ الْحَصَادِ يَا مَنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ عَنَّا قَدْ قَرُبَتْ أَيَّامُ الْمُصَالَحَةِ، يَا مَنْ دَامَتْ خَسَارَتُهُ قَدْ أَقْبَلَتْ أَيَّامُ التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ، مَنْ لَمْ يَرْبَحْ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَفِيْ أَيِّ وَقْتٍ يَرْبَحُ؟! من لَمْ يَقْرُبْ فِيْهِ مِنْ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَلَى بُعْدِهِ لَا يَبْرَحُ!. إِذَا رَمَضَانُ أَتَى مُقْبِلًا … فَأقْبِلْ فَبِالْخَيْرِ يُسْتَقْبَلُ لَعَلَّكَ تُخْطِئُهُ قَابِلًا … وَتَأْتِي بِعُذْرٍ فَلَا يُقْبَلُ • كَمْ مِمَّنْ أَمَّلَ أَنْ يَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ فَخَانَهُ أَمَلُهُ، فَصَارَ قَبْلَهُ إِلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ!، كَمْ مِنْ مُسْتَقْبِلٍ يَوْمًا لَا يَسْتَكْمِلُهُ! وَمُؤَمِّلٍ غَدًا لَا يُدْرِكُهُ!، إِنَّكُمْ لَوْ أَبْصَرْتُمُ الْأَجَلَ وَمَسِيْرَهُ لَأَبْغَضْتُمُ الْأَمَلَ وَغُرُوْرَهُ. يَا ذَا الَّذِي مَا كَفَاهُ الذَّنبُ فِي رَجَبٍ … حَتَّى عَصَى رَبَّهُ فِي شَهْرِ شَعْبَانِ لَقَدْ أَظَلَّكَ شَهْرُ الصَّوْمِ بَعْدَهُمَا … فَلَا تُصَيِّرْهُ أَيْضًا شَهْرَ عِصْيَانِ

стр. 12

وَاتْلُ الْقُرَآنَ وَسَبِّحْ فِيهِ مُجْتَهِدًا … فَإِنَّهُ شَهْرُ تَسْبِيحٍ وَقُرْآنِ فَاحْمِلْ عَلَى جَسَدٍ تَرْجُو النَّجَاةَ لَهُ … فَسَوْفَ تُضْرَمُ أَجْسَادٌ بِنِيْرَانِ كَمْ كُنْتَ تَعْرِفُ مِمَّنْ صَامَ فِي سَلَفٍ … مِنْ بَيْنِ أَهْلٍ وَجِيْرَانٍ وَإِخْوَانِ أَفْنَاهُمُ الْمَوْتُ وَاسْتَبْقَاكَ بَعْدَهُمُ … حَيًّا فَمَا أَقْرَبَ القَاصِي مِنَ الدَّانِي] (١) اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِاغْتِنَامِ أَوْقَاتِ هَذَا الشَّهْرِ، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَتُبْ عَلَيْنَا؛ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيْمُ، وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. * * *

стр. 13

الْمَجْلِسُ الثَّانِي: فِي فَضْلِ الصِّيَام • الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْبَغَ نِعَمَهُ عَلَى عِبَادِهِ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً جِسَامًا عِظَامًا، فَلَا يُحْصَى مَا أَفَاضَ عَلَى عِبَادِهِ إِفْضَالًا وَإِنْعَامًا، وَأشْهد أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَمْ يَزَلْ حَيًّا قيَّامًا، مَلِكًا قُدُّوسًا سَلَامًا، حَكِيمًا خَبِيْرًا عَلَّامًا، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيم، وَمَا شَرَعَهُ لَنَا مِنْ النَّهْجِ الْقَوِيم وَأَحْكَمَهُ إِحْكَامًا، وَفصَّل فِيهِ مَا أَبَاحَ لِعَبَادِهِ حَلَالًا وَحَظَرَ عَلَيْهِمْ حَرَامًا، وَجَعَلَ لَهُ خَمَسَةَ أَرْكَانٍ تَمامًا: تَوْحِيدًا وَصَلَاةَ وَزَكَاةً وَصِيَامًا، وَحَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَام الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ لِلنَّاسِ قِيَامًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيْلُهُ، أَكْرَمَهُ اللهُ إِكْرَامًا، فَكَانَ لِلنَّبِيِّينَ خِتَامًا، ولِلْمُتقين إِمَامًا، شَرَحَ اللهُ بِهِ صُدُورَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ وَأَنَارَ لَهُمْ بَصَائِرَ وَأَحْلَامًا، وَفَجَّرَ يَنَابِيعَ الْهِدَايَةِ فِي قُلُوبِهِمْ؛ تَوْفِيقًا مِنْهُ وَإِلْهَامًا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ كَانُوا لِدِيْنِهِ أَعْلَامًا، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا تَعَاقَبَ الدَّهْرُ لَيَاليَ وَأَيَّامًا وَشُهُورًا وَأَعْوَامًا، أَمَّا بَعْد: • فَإِنَّ الصِّيَامَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ، وَمِنْ أَجَلِّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّه وَمَوْلَاهُ، وَهُوَ عِبَادَةٌ جَلِيْلَةٌ، وَرَدَتْ بِفَضْلِهِ أَدِلَّةٌ لَيْسَتْ قَلِيْلَةً، وَهَذِهِ بَعْضُ فَضَائِلِهِ: • الفَضِيْلَةُ الأُوْلى: أَنَّ اللهَ جَعَلَ صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ أَحَدَ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ الْعِظَام، الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا دِيْنُ الْإِسْلَام، قَالَ : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. • وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ

стр. 14

-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». (١) • الفَضِيْلَة الثانِيَة: أنَّ اللهَ فَرَضَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَم: قَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]. • ولَوْلَا أنَّهُ عِبَادَةٌ عَظِيْمَةٌ، لَا غِنَى لِلْخلْقِ عَنْ التَّعَبُّد بها للهِ وَعَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ ثوابٍ مَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَم. (٢) ° الْفَضِيْلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللهَ اخْتَصَّهُ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِثَوَابٍ مُعَيَّن، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «قَالَ اللهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ». (٣) • وَفِي رِوَايَةٍ: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي». (٤) • وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ : إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِه». (٥) • فَالْعَطِيَّةُ بِقَدْرِ مُعْطِيهَا، فَيَكُونُ أَجْرُ الصَّائِمِ عَظِيمًا كَثِيرًا بِلَا حِسَابٍ، وَالصِّيَامُ صَبْرٌ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَصَبْرٌ عَنْ مَحَارِم اللهِ، وَصَبْرٌ عَلَى أقْدَارِ اللهِ الْمُؤْلِمَةِ مِنَ الجُوعِ وَالْعَطَشِ وَضَعْفِ البَدَنِ والنَّفْسِ، فَقَدِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ أنْوَاعُ الصَّبْر الثَّلَاثَةُ، وَتَحقَّقَ أَنْ

стр. 15

يَكُونَ الصَّائِمُ مِنَ الصَّابِرِينَ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. (١) • وَإِنَّمَا كَانَ لِلصِّيَامِ مِثْلُ هَذَا الْفَضْلِ عِنْدَ اللهِ ؛ [لِشَرَفِهِ عِندَهُ، وَمَحَبَّتهِ لَهُ، وَظُهُورِ الْإِخْلَاصِ لَهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ، لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ الصَّائِمَ يَكُونُ فِي الْمَوْضِعِ الْخَالِي مِنَ النَّاسِ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَنَاوُلِ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالصِّيَامِ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا يطَّلِعُ عَلَيْهِ فِي خَلْوَتِهِ، وَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَيَتْرُكُهُ للهِ؛ خَوْفَا مِنْ عِقَابِهِ وَرَغْبَةً فِي ثَوَابِهِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ شَكَرَ اللهُ لَهُ هَذَا الْإِخْلَاصَ، وَاخْتَصَّ صِيَامَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَعْمَالِهِ]. (٢) • فَالصِّيَامُ إِحْسَانٌ، وَالْإِحْسَانُ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْإِيْمَانِ، فَالصِّيَامُ يُعَوِّدُ صَاحِبَهُ عَلَى الْإِخْلَاصِ؛ لَأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَى حَقِيْقَةِ صِيَامِ الْعَبْدِ إِلَّا رَبُّهُ وَمَوْلَاهُ، مَعَ أَنَّ جِنسَ الصَّلَاةِ أَعْظَمُ مِنْ جِنسِ الصِّيَامِ، فَقَدْ يُرَائِي الْمُصَلِّي بِصَلَاتِهِ، قَال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. • وَقَالَ : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧]. • وَقد يُرَائِي الْمُزَكِّي بِزَكَاتِهِ، قَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. • وَقَالَ فِي الْمُنَافِقِيْنَ: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٣٨].

стр. 16

• وَقَدْ يُرَائِي بِالْحَجِّ، وَفِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، لَكِنَّهُ لَوْ أَكَلَ وَشِرَبَ، وَقَضَى شَهْوَتَهُ فِي النَّهَارِ، وَتَظَاهَرَ لِلنَّاسِ بِالصِّيَامِ؛ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ أَتَى بِرُكْنِ الصِّيَامِ أَصْلًا!. • قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي "غَرِيبِ الْحَدِيثِ" (ج ١/ صـ: ٣٢٥ - ٣٢٦): وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَعْمَالَ الْبرِّ كُلَّهَا لله تَعَالَى، وَهُوَ يَجزي بهَا، فَنَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِنَّمَا خَصَّ الصَّوْمَ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى جَزَاءَهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَظْهَرُ مِنْ ابْن آدَمَ بِلِسَانٍ وَلَا فِعْلٍ، فَتَكْتُبَهُ الْحَفَظَةُ، وإِنَّمَا هُوَ نَيَّةٌ بِالْقَلْبِ، وَإِمْسَاكُ عَنْ حَرَكَةِ الْمَطْعَم وَالْمشْرَب وَالنِّكَاح. ا. هـ. • وَقَالَ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" (ج ٤/ صـ: ١٧٠ - ١٧١): فَدُخُولُ الرِّيَاءِ فِي الصَّوْمِ إِنَّمَا يَقَعُ مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ الرِّيَاءَ قَدْ يَدْخُلُهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهَا، وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إِلْحَاقَ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ بِالصَّوْمِ، فَقَالَ: إَنَّ الذِّكْرَ بِـ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) يُمْكِنُ أَنْ لَا يَدْخُلَهُ الرِّيَاءُ؛ لِأَنَّهُ بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ خَاصَّةً، دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْفَمِ، فَيُمْكِنُ لِلذَّاكِرِ أَنْ يَقُولَهَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَلَا يَشْعُرُونَ مِنْهُ بِذَلِكَ. ا. هـ. • قُلْتُ: لَكِنْ قَدْ يُتَعَقَّبُ هَذَا الْإِلْحَاقُ بِأَنَّهُم قَدْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِم انشِغَالُ ذِهْنِهِ؛ فَيَعْلَمُونَ حِينَهَا أَنَّهُ فِي شَأْنٍ، إِمَّا فِي تَفَكُّرٍ، أَوْ ذِكْرِ بِالْقَلْبِ، فَيَطَّلِعُونَ عَلَى جُزْءٍ مِنْ عِبَادَتِهِ الَّتِي أَرَادَ أَنْ يُخْفِيَهَا عَنْهُمْ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ اخْتِصَاصُ الصَّوْمِ بِهَذِهِ الْفَضِيْلَةِ. • وَلأَحْمَدَ (رَقْم: ٢٢٢٧٦)، وَالنَّسَائِيِّ (رَقْم: ٢٢٢٢) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ». (١)

стр. 17

• وَفِي رِوَايَةٍ لَهُما: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي بِعَمَلٍ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي بِعَمَلٍ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ». (١) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا أيضًا: مُرْنِي بِأَمْرٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ؛ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ». (٢) ° الفَضِيْلة الرَّابعَة: أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ مَحْوِ السَّيِّئَاتِ وَمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَاتِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (٣) • «إِيْمَانًا»، أَيْ: بِاللَّهِ، وَرِضًا بِفَرْضِ الصَّوْمِ، «وَاحْتِسَابًا»، أَيْ: لِلْأَجْرِ عِنْدَ اللهِ. • وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ». (٤) • وَرَوَى أَحْمَدُ (رَقْم: ٨٣٩٩) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ، حَيٍّ مِنْ قُضَاعَةَ، أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً، قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا، أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَأَصْبَحْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَوْ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ

стр. 18

-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ، وَصَلَّى سِتَّةَ آلَافِ رَكْعَةٍ، أَوْ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ السَّنَةِ؟». (١) • وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، عن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صَلَّى أَلْفًا وَثَمَانِ مِائَةِ صَلَاةٍ، وَصَامَ رَمَضَانَ». (٢) ° الفَضِيْلَة الخَامِسَة: أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَللْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَّسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا». (٣)

стр. 19

• وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا أَعَدَّهَا اللهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلَانَ الْكَلَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ وَصَلَّى وَالنَّاسُ نِيَامٌ». (١) • وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا». (٢) • قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: فِيهِ فَضِيلَةُ الصِّيَامِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ، وَلَا يُفَوِّتُ بِهِ حَقًّا، وَلَا يَخْتَلُّ بِهِ قِتَالُهُ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ مُهِمَّاتِ غَزْوِهِ، وَمَعْنَاهُ: الْمُبَاعَدَةُ عَنِ النَّارِ، وَالْمُعَافَاةُ مِنْهَا، وَالْخَرِيفُ: السَّنَةُ. ا. هـ. • وَقِيْلَ أَيْضًا فِي مَعْنَى: «فِي سَبِيل اللهِ»، أَيْ: فِي طَاعَتِهِ، قَاصِدًا بِهِ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى. ° الفَضِيْلَةُ السَّادِسَةُ: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ». (٣) • وَخُلُوفُ الْفَمِ: رَائِحَةُ مَا يَتَصَاعَدُ مِنْهُ مِنَ الْأَبْخِرَةِ؛ لِخُلُوِّ الْمَعِدَةِ مِنَ الطَّعَامِ، وَهِيَ مُسْتَكْرَهَةٌ فِي مَشَامِّ النَّاس فِي الدُّنْيَا، لَكِنَّها طَيِّبَةٌ عِنْدَ اللهِ، حَيْثُ كَانَتْ نَاشِئَةً عَنْ

стр. 20

طَاعَتِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ، كَمَا أَنَّ دَمَ الشَّهِيدِ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَثْعَبُ دَمًا، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ المِسْكِ. (١) • قَالَ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: وَفِي طِيْبِ رِيْحِ خُلُوفِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللهِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصِّيَامَ لَمَّا كَانَ سِرًّا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ فِي الدُّنْيَا أَظْهَرَهُ اللهُ فِي الْآخِرَةِ لِلْخَلْقِ؛ لِيَشْتَهِرَ بِذَلِكَ أَهْلُ الصِّيَامِ، وَيُعْرَفُوا بِصِيَامِهِمْ بَيْنَ النَّاسَ؛ جَزَاءً لِإِخْفَائِهِمْ صِيَامَهُمْ فِي الدُّنْيَا. وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللهَ وَأَطَاعَهُ وَطَلَبَ رِضَاهُ فِي الدُّنْيَا بِعَمَلٍ، فَنَشَأَ مِنْ عَمَلِهِ آثارٌ مَكْرُوهَةٌ لِلنُّفُوسِ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ تِلْكَ الْآثَارَ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ عِنْدَ اللهِ، بَلْ هِيَ مَحْبُوبَةٌ لَهُ، وَطَيِّبَةٌ عِندَهُ؛ لِكَوْنِهَا نَشَأَتْ عَنْ طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، فَإِخْبَارُهُ بِذَلِكَ لِلْعَامِلِينَ فِي الدُّنْيَا فِيهِ تَطْيِيْبٌ لِقُلُوبِهِمْ؛ لِئَلَّا يُكْرَهَ مِنْهُمْ مَا وُجِدَ فِي الدُّنْيَا. ا. هـ. (٢) وَرَوَى أَحْمَدُ (رَقْم: ١٧١٧٠، و ١٧٨٠٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ (رَقْم: ٢٨٦٣) عَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا، وَيَأْمُرَ بني إسرائيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، … »، فَذَكَرَ الْحَدِيْثَ، وَفِيْهِ: «وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ، فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا، وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ». (٣)

стр. 21

° الفَضِيْلَةُ السَّابعَةُ: أَنَّهُ جُنَّةٌ، أي: وِقَايَةٌ وَسَتْرٌ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، [وَلَا يَجْهَلْ]، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، [مَرَّتَيْنِ]». (١) • وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ (رقم: ٧٦٤): «وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ». • وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ (رقم: ٢٢٣٤) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂. • وَرَوَى أَحْمَدُ (رقم: ١٦٢٧٨، و ١٧٩٠٢)، والنَّسَائِيُّ (رقم: ٢٢٣١) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ». (٢) • وَلِأَحْمَدَ (رقم: ١٧٩٠٩): «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ». • قَالَ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" (ج ٤/ صـ: ١٠٤): «وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُتَعَلَّقُ هَذَا السَّتْرِ، وَأَنَّهُ مِنَ النَّارِ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ». • وقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: «مَعْنَى كَوْنِهِ جُنَّةً، أَيْ: يَقِي صَاحِبَهُ مَا يُؤْذِيهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ». (٣) • وَقَالَ النَّوَوِيُّ: «وَمَعْنَاهُ: سُتْرَةٌ وَمَانِعٌ مِنَ الرَّفَثِ وَالْآثَامِ، وَمَانِعٌ أَيْضًا مِنَ النَّارِ».

стр. 22

° الفَضِيْلَةُ الثامِنَةُ: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». (١) • وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ». • قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: «قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَمَّا فَرْحَتُهُ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ فَبِمَا يَرَاهُ مِنْ جَزَائِهِ وَتَذَكُّرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ بِتَوْفِيقِهِ لِذَلِكَ، وَأَمَّا عِنْدَ فِطْرِهِ فَسَبَبُهَا تَمَامُ عِبَادَتِهِ». ° الفَضِيْلَةُ التاسِعَةُ: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ، أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ». (٢) • وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (رَقْم: ٣٢٥٧): «فِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ». • وَفِيهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ». (٣)

стр. 23

° الفَضِيْلَة العَاشِرَة: أَنَّهُ يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ، أَيْ: غِلَّهُ، وَحِقْدَهُ، وَفَسَادَهُ، فَعَن رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُقَيْشٍ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ وَحَرِ صَدْرِهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. (١) • وَفِي رِوَايَةٍ: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ». (٢) وَشَهْرُ الصَّبْرِ هُوَ: شَهْرُ رَمَضَانَ. ° الفَضِيْلَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «شَهْرُ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ». (٣) • [فَاللَّهَ اللهَ عِبَادَ اللهِ، اغْتَنِمُوا شَهْرَ الْمَتَابِ، وَمَا وَعدكُم فِيهِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَاب وَمن الْعَفْوِ عَنْ الْأَوْزَارِ وَعِتْق الرِّقَاب. أَيْنَ مَنْ يَرْكَبُ الذُّنُوبَ اغْتِرَارًا … لَا يخَافُونَ سَطْوَةَ الْقَهَّارِ قَدْ أَهَلَّ الْهَلَالُ مِنْ رَمَضَانٍ … شَهْر زُلْفَى وَتَوْبَةٍ وَادِّكَارِ فَاذْكُرُوا اللهَ فِيهِ ذِكْرًا كَثِيْرًا … وَاسْتَجِيْرُوهُ مِنْ عَذَاب النَّار

стр. 24

وَارْجِعُوا عَنْ ذُنُوبِكُمْ بِمَتَابٍ … صَادِق وَأَقْلِعُوا عَنْ الْإِصْرَار رُبَّ مَنْ كَانَ مُسْرِفًا مُسْتَمِرًّا … فِي خَطَايَاهُ مُكْثِرَ الْأَوْزَارِ ثمَّ إِنْ الْإِلَهَ تَابَ عَلَيْهِ … فَاقْتَضَى حَمْدَهُ سَبِيلَ الْخِيَار فَاعْمَلُوا أَيُّهَا المُسِيْئُونَ وَادْعُوا … رَبَّكُمْ جَهْرَةً وَفِي الْإِسْرَار وَاحْذَرُوا غَفلَةَ الْقُنُوطِ وَدَاوُوا … دَاءَهَا بِالرُّجُوعِ لِلْغَفَّار تَجدُوا اللهَ فِي الْمعَادِ كَرِيمًا … مَاحِيًا لِلذُّنُوبِ وَالْآصَار] (١) اللَّهُمَّ أَكْرِمْنَا بِطَاعَتِكَ، وَلَا تُذِلَّنَا بِمَعْصِيَتِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ المُسَارِعِيْنَ إِلَى مَغْفِرَتِكَ وَجَنَّتِكَ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ؛ بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ. وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوْبُ إِلَيْكَ. * * *

стр. 25

الْمَجْلِسُ الثَّالِثُ: فِي فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ عَامَّةً وَقِيَامِ رَمَضَانَ خَاصَّةً • الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَرْشَدَ عِبَادَهُ إِلَى كُلِّ خَيْرِ وَشَأْنٍ مَلِيْحٍ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْ كُلِّ أَمْر قَبِيْحٍ، وَدَلَّهُمْ عَلَى الْمَتْجَرِ الرَّبِيْحٍ، بِأَكْمَلِ بَيَانٍ وَأَتَمِّ تَوْضِيْحٍ، مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِشَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرِ الْبَرَكَاتِ، وَمَوْسِمِ الْخَيْرَاتِ، وَشَرَعَ فِيْهِ أَنْوَاعًا مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، مِنْهَا الصِّيَامُ وَالْقِيَامُ (صَلَاةُ التَّرَاوِيْح)، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ أَتَمَّ حَمْدٍ وَأُسَبِّحُهُ أَكْمَلَ تَسْبِيْحٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَه، سُبْحَانَهُ زَيَّنَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ، وزيَّن الْأَرْضَ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ نَفِيْسٍ وَطَرِيْح، وَمُتْعِبٍ وَمُرِيْحٍ، ورَّغَب فِي مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ: الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَانَبَ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الذَّمَّ وَالتَّجْرِيحَ، فَمَا أَفْلَحَ عَبْدٌ إِلَّا بِطَاعَةِ رَبِّهِ وَشُكْرِهِ، وَلَا اطْمَئَنَّ قَلْبٌ إِلَّا بِذِكْرِهِ، فَحَرِيٌّ أن يُسْتَعْذَبَ فِي ذَلِكَ الْوجْدُ والتَّبْريحُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ النَّبِيُّ الْفَصِيْحُ، وَالْخَاتَمُ الصَّرِيحُ، الْمَوْلُودُ مِنْ نَسْلِ الذَّبِيْح، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي النَّهْجِ الصَّحِيْح، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ ما هَبَّتْ عَلَى الْأَرْضِ رِيْحٌ، أَمَّا بَعْدُ: • [فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَأَجِيْبُوا الدَّاعِيَ إِلَى دَارِ كَرَامَتِهِ وَجَنَّاتِهِ، وَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا بِمَا فِيْهَا مِنْ زَهْرَةِ الْعَيْشِ وَلَذَّاتِهِ، فَقَدْ قَرُبَ الرَّحِيْلُ، وَذُهِبَ بِسَاعَاتِ الْعُمُرِ وَأَوْقَاتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِحَذَافِيْرِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَأَدْلِجُوا فِي السَّيْرِ إِلَيْهَا، وَالشَّرَّ كُلَّهُ بِحَذَافِيْرِهِ فِي النَّارِ، فَاجْتَهِدُوا فِي الْهَرَبِ مِنْهَا، أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، وَالْآخِرَةُ وَعْدٌ صَادِقٌ، يَحْكُمُ فِيْهَا مَلِكٌ قَاهِرٌ، فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّهَا دَارُ بَلَاءٍ، وَمَنزِلُ تَرْحَةٍ وَعَنَاءٍ، نَزَعَتْ عَنْهَا نُفُوسُ السُّعَدَاءِ، وَانتُزِعَتْ بِالْكُرْهِ مِنْ أَيْدِي الْأَشْقِيَاءِ، وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا أَمَّلُوهُ الْقَدَرُ وَالْقَضَاءُ.

стр. 26

• وَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِسَاحَتِكُمْ شَهْرٌ عَظِيْم، خَصَّهُ اللهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الشُّهُورِ بِالتَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيْم، أَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآنَ الْعَظِيْمَ، وَفَرَضَ صِيَامَهُ وَجَعَلَهُ أَحَدَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الَّتِي لَا يَقُومُ بِنَاؤُهُ عَلَى غَيْرِهَا وَلَا يَسْتَقِيْمُ، وَسَنَّ قِيَامَهُ نَبِيُّكُمُ الْكَرِيمُ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيْمِ]. (١) • فَقِيَامُ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الْقِيَامِ، وَالْقِيَامُ عُمُومًا أَفْضَلُ نَوَافِلِ الصَّلَاةِ عَلَى مَدَارِ الْعَامِ. • فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ١١٦٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ». • وَفِي رِوَايَةٍ: سُئِلَ - يَعْنِي النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ؟ وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ: الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ: صِيَامُ شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ». • وَكَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ أَوَّلَ مَا شُرِعَ فَرِيْضَةً، ثُمَّ نُسِخَ الْوُجُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الاسْتِحْبَابِ الْمُؤَكَّدِ، فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٤٦) أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَ: أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَتْ: «أَلَسْتَ تَقْرَأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟». قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: «فَإِنَّ اللهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ».

стр. 27

• وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٣٠٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ أَوَّلُ الْمُزَّمِّلِ، كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى نَزَلَ آخِرُهَا، وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا سَنَةٌ». (١) • وَفِي رِوَايَةٍ (رَقْم: ١٣٠٤): فِي الْمُزَّمِّلِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]، نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي فِيهَا: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. • وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوْتِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ، يُحِبُّ الْوِتْرَ». (٢) يُقَالُ: وَتْرٌ، وَوِتْرٌ، بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ. • وَهَذَا الْأَمْرُ لِلاسْتِحْبَابِ الْمُؤَكَّدِ؛ فَعِندَهُمْ سِوَى أَبِي دَاوُدَ فِي الْحَدِيْثِ نَفْسِهِ: «الوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-». • وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. (٣)

стр. 28

• قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَقَوْلُهُ: «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا»، يَقْتَضِىْ التَّرْغِيْبَ فِيْهِ، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ بِآخِذٍ سُنَّتَنَا وَلَا مُقْتَدٍ بِنَا، كَمَا قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ»، (١) وَلَمْ يُرِدْ إِخْرَاجَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ. (٢) • وَقَالَ الصَّنْعَانِيُّ ﵀: وَمَعْنَى: «لَيْسَ مِنَّا»، أَيْ: لَيْسَ عَلَى سُنَّتِنَا وَطَرِيقَتِنَا، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى تَأَكُّدِ السُّنِّيَّةِ لِلْوِتْرِ؛ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ. (٣) • وَالْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى التَّرْغِيْبِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى أَهْلِهِ - سِوَى مَا تَقَدَّمَ - كَثِيْرَةٌ، مِنْهَا: ° قَوْلُهُ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. • وَالتَّهَجُّدُ قِيَامٌ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ: مَا كَانَ بَعْدَ نَوْم. • وَقَوْلُهُ : ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، أي: لَكَ خَاصَّةً؛ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَهُوُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى تَكْفِيْرِ الذُّنُوبِ؛ لِأَنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَلَيْسَ لَنَا بِنَافِلَةٍ؛ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِنَا؛ فنحن نَعْمَلُ لِكَفَّارَتِهَا.

стр. 29

• قَالَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀: وَالْأَمْرُ بِالتَّهَجُّدِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبَ، لَكِنَّ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ نَافِلَةً قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ لِلْأَمْرِ. ا. هـ. • هَذَا هُوَ الصَّحِيْحُ فِي تَفْسِيْرِ الْآيَةِ، وَقِيْلَ: فَرِيضَةٌ زَائِدَةٌ لَكَ دُونَ أُمَّتِكَ، فَنَسْخُ الْوُجُوْبِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ، لَمْ يُنسَخْ. • وَقَالَ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]. • وَقَالَ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]. • وَقَالَ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦]. • وَقَالَ : ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. • وَنَاشِئَةُ اللَّيْلِ هِيَ: الْقِيَام بَعْد النَّوْم، وَمَعْنَى: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ [المزمل: ٦ - ٧]، أَيْ: أَنَّ مُوَافَقَةَ الْقَلْبِ لِلِّسَانِ فِي تَدَبُّر الْقُرْآنِ فِي هَذَا الْحَالِ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ؛ وَذَلِكَ لِسَلَامَةِ الْفِكْرِ، وَهُدُوْءِ الْبَالِ، فَذَلِكَ أَجْمَعُ لِلْخَاطِرِ فِي أَدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَتَفَهُّمِهَا مِنْ قِيَامِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ النَّاسِ ولَغَطِ الْأَصْوَاتِ وَأَوْقَاتُ الْمَعَاشِ. (١) • وَقَالَ : ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]، أَيْ: فَرَاغًا وَوَقْتًا يَكْفِيْكَ؛ لِقَضَاءِ حَوَائِجِكَ؛ لِتَتَمَكَّنَ فِي اللِّيْلِ مِنَ الْقِيَامِ. • وَأَثْنَى رَبُّنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الطَّاعَةِ الْعَظِيْمَةِ، فَقَالَ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، وَقَالَ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وَقَالَ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وَقَالَ: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]، وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]، وَقَالَ:

стр. 30

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧]. • وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: قَالَ اللَّهُ: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) • وَعِنْدَ أَحْمَدَ (رَقْم: ٢٢٠١٦)، وَالتِّرْمِذِيِّ (رَقْم: ٢٦١٦)، وَابْنِ مَاجَهْ (رَقْم: ٣٩٧٣) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ». قَالَ: ثُمَّ تَلَا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. (٢) • وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلْإِثْمِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُعَلَّقًا، وَوَصَلَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ. (٣) • وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄، قال: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ

стр. 31

مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الْأَوْسَطِ"، وَالْحَاكِمُ. (١) • وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْبِئْنِي عَنْ أَمْرٍ إِذَا أَخَذْتُ بِهِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: «أَفْشِ السَّلَامَ، وَأَطْعِمِ الطَّعَامَ، وَصِلِ الْأَرْحَامَ، وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، ثُمَّ ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلَام». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٧٩٣٢ و ٨٢٩٥، و ١٠٣٩٩). (٢) • وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٣٧٨٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٢٤٨٥)، وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ١٣٣٤)، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. • وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا أَعَدَّهَا اللهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلَانَ الْكَلَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ وَصَلَّى وَالنَّاسُ نِيَامٌ». (٣)

стр. 32

• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ». (١) • وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمِ (رَقْم: ٧٥٧) عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ». • وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (رَقْم: ٣٥٧٩)، وَالنَّسَائِيِّ (رَقْم: ٥٧٢) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ». (٢) • وَلَا شَكَّ أَنَّ قِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الْقِيَامِ، وَأَعْظَمُهُ فِي رِفْعَةِ الدَّرَجَاتِ وَتَكْفِيْرِ الْآثَامِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ». (٣) • وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ. • وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَيْضًا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ». (٤)

стр. 33

• فَاحْرِصْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ عَلَى أَنْ لَا يَفُوتَكَ قِيَامُ رَمَضَانَ، وَحَافِظْ عَلَى أَدَاءِهِ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ؛ فَعِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ، فَقَامَ بِنَا، حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِقِيَّةَ الشَّهْرِ. (١) • وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ - وَهُوَ أَيْضًا لَفْظٌ لِلنَّسَائِيِّ -: «كَتَبَ اللَّهُ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ». • وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ: «يَعْدِلُ قِيَامَ لَيْلَةٍ». • قَاَلَ الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: وَتُشْرَعُ الْجَمَاعَةُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، بَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنَ الانِفَرادِ؛ لِإِقَامَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَهَا بِنَفْسِهِ، وَبَيَانِهِ لِفَضْلِهَا بِقَوْلِهِ. • قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقُمْ بِهِمْ ﵊ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ؛ خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ، فَيَعْجِزُوا عَنْهَا. (٢) • فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي اللَّيْلَةِ

стр. 34

الثَّانِيَةِ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ؛ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا». (١) • قَاَلَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: وَقَدْ زَالَتْ هَذِهِ الْخَشْيَةُ بِوَفَاتِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ اللهُ الشَّرِيْعَةَ، وَبِذَلِكَ زَالَ الْمَعْلُولُ، وَهُوَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَبَقِيَ الْحُكْمُ السَّابِقُ، وَهُوَ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ؛ وَلِذَلِكَ أَحْيَاهَا عُمَرُ ﵁. ا. هـ. • وَفِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ٢٠١٠) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ، فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: «إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ أَمْثَلَ»، ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ ﵁: «نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ»، يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. • قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَسَمَّاهَا عُمَرُ ﵁ بِدْعَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمَّا تَرَكَ الْقِيَامَ صَارَ النَّاسُ مُتَفَرِّقِيْنَ، يَقُومُ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيَقُومُ الرَّجُلُ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالرَّجُلُ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالرَّهْطُ وَالنَّفَرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَرَأَى أَمِيْرُ الْمُؤْمِنِيْنَ عُمَرُ ﵁ بِرَأْيِهِ السَّدِيْدِ الصَّائِبِ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ هَذَا

стр. 35

الْفِعْلُ بِالنِّسْبَةِ لِتَفَرُّقِ النَّاسِ مِنْ قَبْلُ بِدْعَةً، فَهِيَ بِدْعَةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ إِضَافِيَّةٌ، وَلَيْسَتْ بِدْعَةً مُطْلَقَةً إِنشَائِيَّةً أَنشَأَهَا عُمَرُ ﵁؛ لِأَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي عَهْدِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَهِيَ سُنَّةٌ، لَكِنَّهَا تُرِكَتْ مُنذُ عَهْدِ الرَّسُولِ ﵊ حَتَّى أَعَادَهَا عُمَرُ ﵁. اهـ. (١) • وَقَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: وَيُشْرَعُ لِلنِّسَاءِ حُضُورُهَا، كَمَا فِي حَدِيْثِ أَبِي ذَرٍّ السَّابِقِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ لَهُنَّ إِمَامٌ خَاصٌّ بِهِنَّ، غَيْرُ إِمَامِ الرِّجَالِ؛ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا جَمَعَ النَّاسَ عَلَى الْقِيَامِ، جَعَلَ عَلَى الرِّجَالِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَعَلَى النِّسَاءِ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ، وَعَنْ عِرْفِجَةَ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَأْمُرُ النَّاسَ بِقِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيَجْعَلُ لِلرِّجَالِ إِمَامًا، وَلِلنِّسَاءِ إِمَامًا، قَالَ: فَكُنتُ أَنَا إِمَامَ النِّسَاءِ. (٢) • قَالَ: وَهَذَا مَحَلُّهُ عِندِيْ إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا؛ لِئَلَّا يُشَوِّشَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ. ا. هـ. يَا رِجَالَ اللَّيْلِ جِدُّوا … رُبَّ دَاعٍ لَا يُرَدُّ مَا يَقُومُ اللَّيْلَ إلَّا … مَنْ لَهُ عَزْمٌ وَجِدُّ • [إخْوَانِي، هَذَا شَهْرٌ لَا كَسَائِر الشُّهُور، الذَّنبُ فِيهِ مَغْفُورٌ، وَالسَّعْيُ فِيهِ مَشْكُورٌ، وَالْمُؤمِنُ فِيهِ مَحْبُورٌ، وَالشَّيْطَانُ مُبْعَدٌ مَثْبُورٌ، وَالْوِزْرُ وَالْإِثْم فِيهِ مَهْجُورٌ، وَقَلْبُ الْمُؤمِن بِذِكْرِ اللهِ مَعْمُورٌ، وَقدْ أَنَاخَ بِفِنَائِكُمْ، وَهُوَ عَنْ قَلِيل رَاحِلٌ عَنْكُم، شَاهدٌ لَكُمْ أَوْعَلَيْكُم، مُؤْذِنٌ بِشَقَاوَةٍ أَوْ سَعَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ زِيَادَةٍ.

стр. 36

• فَاللَّهَ اللهَ، أَمْضُوا نَهَارَهُ بِتَحْقِيقِ الصِّيَام، وَاقْطَعُوا لَيْلَهُ بِطُولِ الْبُكَاءِ وَالْقِيَام، فَلَعَلَّكُمْ أَنْ تَفُوزُوا بِدَارِ الْخُلْدِ وَالسَّلَام، مَعَ النَّظَر إِلَى وَجْهِ ذِي الْجلَالِ وَالْإِكْرَام، وَمُرَافَقَةِ النَّبِيِّ ﵊. أَلا دَاع إِلَى الله الْمُجِيْبِ … بِقَلْبٍ مِنْ مَعَاصِيْهِ مَعِيْبِ أَلَا بَاكٍ لِأَيَّامٍ تَقَضَّى … بِلَا عَمَلٍ وَلَا قَوْل مُصِيْب أَلَا بَاكٍ عَلَى أَمَدٍ بَعِيْدٍ … يُؤَدِّيْهِ إِلَى أَجَلٍ قَرِيْبِ فَإِنَّ الْمَوْتَ يَندُبُنُا وَيَبْغِيْ … نُفُوسًا لَيْسَ تَأْلَمُ لِلذُّنُوْبِ تُنَادَي للتَّرَحُّلِ كُلَّ يَوْم … وَلَا تُصْغِيْ إِلَى الدَّاعِي الْقَرِيْبِ كَأَنَّ يَقِيْنَنَا بِالْمَوْتِ شَكٌّ … وَنُلْغِي الْحَقَّ بِالْإِفْكِ الْمُرِيْبِ وَشَهْرُ الصَّوْم شَاهِدُهُ عَلَيْنَا … بِأَعْمَالِ الْقَبَائِحِ وَالذُّنُوْبِ فَيَا رَبَّاهُ عَفْوًا مِنْكَ وَالْطُفْ … بِفَضْلِكَ بِالْمُحَيَّرِ وَالْكَئِيْبِ (١) اللهُمَّ أَعِنَّا عَلَى صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ، وَاغْتِنَامِ فَضَائِلِ لَيَالِيْهِ وَأَيَّامِهِ. وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. * * *

стр. 37

الْمَجْلِسُ الرَّابِعُ: فِي صِفَةِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَكَيْفِيَّاتِهِ • الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ لَمْ يَزَلْ بِجَمِيْعِ الْمَحَامِدِ جَدِيْرًا، وَتَبَارَكَ الَّذِيْ نزَّل الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُوْنَ لِلْعَالَمِيْنَ نَذِيْرًا، وَفَجَّرَ يَنَابِيْعَ الْهِدَايَةِ فِي قُلُوبِ مَنْ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْهُ الْحُسْنَى تَفْجِيْرًا، أَحْمَدُهُ ، وَأَسْتَعِيْنُهُ، فَهُوَ الْغَنِيُّ، وَلَمْ يَزَلْ كُلُّ عَبْدٍ إِلَى عَوْنِهِ وَخَيْرِهِ وَفَضْلِهِ فَقِيْرًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأُكَبِّرُهُ تَكْبِيْرًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ اللهُ بَيْنَ يَدِيِ السَّاعَةِ بَشِيْرًا وَنَذِيْرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيْرًا، وَفَتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوْبًا غُلْفًا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الَّذِيْنَ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيْرًا، وَعَلَى أَصْحَابِهِ الَّذِيْنَ عَزَّرُوْهُ تَعْزِيرًا وَوَقَّرُوهُ تَوْقِيْرًا، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدَّيْنِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا، أَمَّا بَعْدُ: • أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ، دُوْنَكُمْ جُمْلَةً مِنْ مُهِمَّاتِ مَسَائِلِ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَمَا فِيْهِ مِنْ أَحْكَامٍ: • أوَّلاً: حُكْمُهُ: الاسْتِحْبَابُ الْمُؤَكَّدُ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. • ثانيًا: وَقْتُهُ: مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ؛ فَعَنْ أَبِيْ بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ اللهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، وَهِيَ الْوِتْرُ، فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْر». رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ. (١) • وَأَفْضَلُ أَوْقَاتِهِ آخِرُ اللَّيْلِ؛ فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٥٥) عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ».

стр. 38

• وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) • وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ». • وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ». (٢) • وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (رقم: ٣٥٧٩)، وَالنَّسَائِيِّ (رقم: ٥٧٢) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَّذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ». (٣) • قَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الصَّلَاةِ أَوَّلَ اللَّيْلِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَبَيْنَ الصَّلَاةِ آخِرَ اللَّيْلِ مُنفَرِدًا، فَالصَّلَاةُ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ؛ لَأَنَّهُ يُحْسَبُ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ تَامَّةٍ. قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى عَمَلُ الصَّحَابَةِ فِي عَهْدِ عُمَرَ ﵁. • وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَاقِ (رقم: ٧٧٤١) عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ يُصَلِّي بِنَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَيَنْصَرِفُ بِلَيْلٍ». • قَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وَقَدْ أَشَارَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِلَى هَذَا الْأَثَرِ وَالَّذِي قَبْلَهُ حِيْنَ سُئِلَ: يُؤَخِّرُ الْقِيَامَ - يَعْنِي: التَّرَاوِيحَ - إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: لَا، سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "مَسَائِلِهِ" (صـ: ٦٢). ا. هـ. (٤)

стр. 39

• قُلْتُ: إِنْ أُخِّرَتْ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ، بِحَيْثُ لَا يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. • ثَالِثًا: عَدَدُهُ: أَمَّا أَقَلُّهُ: فَرَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». (١) • وَلَهُمَا عَنْهُ ﵁ مَرْفُوعًا: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». (٢) • وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ». (٣) • قَالَ ابْنُ الْمُنذِرِ: رَوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْوِتْرُ رَكْعَةٌ، وَيَقُولُ: كَانَ ذَلِكَ وِتْرَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى الْوِتْرَ رَكْعَةً: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةُ، وَفَعَلَ ذَلِكَ مُعَاذٌ الْقَارِّيُّ، وَمَعَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ. ا. هـ. (٤) • وَأَمَّا أَكْثَرُهُ، فالسُّنَّةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ لِحَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَزِيدُ فِي

стр. 40

رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) • زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ (رقم: ٣٥٦٩): فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: «تَنَامُ عَيْنِي وَلَا يَنَامُ قَلْبِي». • وعن ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) • وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ». (٣) • وَأَمَّا الْأَثَرُ الَّذِيْ فِيْهِ: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ فِي رَمَضَانَ بِعِشْرِيْنَ رَكْعَةً، فَشَاذٌّ ضَعِيْفٌ، مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ أَمَرَ أُبَيَّا وتميمًا الدَّارِيَّ ﵄ أَنْ يُصَلِّيَا بِالنَّاسِ التَّراوِيْحَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وِفْقَ السُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ. (٤) • وَمَنْ أَوْتَرَ، ثُمَّ نَشِطَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلصَّلَاةِ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّهُ يُصَلِّى مَثْنَى مَثْنَى، وَلَا يُكَرِّرُ الْوِتْرَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ». (٥)
следующие страницы →