← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30190

مجالس رمضانية

نجيب الشرعبي

Полный текст (342 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

• فَاللَّهَ اللهَ، أَمْضُوا نَهَارَهُ بِتَحْقِيقِ الصِّيَام، وَاقْطَعُوا لَيْلَهُ بِطُولِ الْبُكَاءِ وَالْقِيَام، فَلَعَلَّكُمْ أَنْ تَفُوزُوا بِدَارِ الْخُلْدِ وَالسَّلَام، مَعَ النَّظَر إِلَى وَجْهِ ذِي الْجلَالِ وَالْإِكْرَام، وَمُرَافَقَةِ النَّبِيِّ ﵊. أَلا دَاع إِلَى الله الْمُجِيْبِ … بِقَلْبٍ مِنْ مَعَاصِيْهِ مَعِيْبِ أَلَا بَاكٍ لِأَيَّامٍ تَقَضَّى … بِلَا عَمَلٍ وَلَا قَوْل مُصِيْب أَلَا بَاكٍ عَلَى أَمَدٍ بَعِيْدٍ … يُؤَدِّيْهِ إِلَى أَجَلٍ قَرِيْبِ فَإِنَّ الْمَوْتَ يَندُبُنُا وَيَبْغِيْ … نُفُوسًا لَيْسَ تَأْلَمُ لِلذُّنُوْبِ تُنَادَي للتَّرَحُّلِ كُلَّ يَوْم … وَلَا تُصْغِيْ إِلَى الدَّاعِي الْقَرِيْبِ كَأَنَّ يَقِيْنَنَا بِالْمَوْتِ شَكٌّ … وَنُلْغِي الْحَقَّ بِالْإِفْكِ الْمُرِيْبِ وَشَهْرُ الصَّوْم شَاهِدُهُ عَلَيْنَا … بِأَعْمَالِ الْقَبَائِحِ وَالذُّنُوْبِ فَيَا رَبَّاهُ عَفْوًا مِنْكَ وَالْطُفْ … بِفَضْلِكَ بِالْمُحَيَّرِ وَالْكَئِيْبِ (١) اللهُمَّ أَعِنَّا عَلَى صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ، وَاغْتِنَامِ فَضَائِلِ لَيَالِيْهِ وَأَيَّامِهِ. وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. * * *

стр. 37

الْمَجْلِسُ الرَّابِعُ: فِي صِفَةِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَكَيْفِيَّاتِهِ • الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ لَمْ يَزَلْ بِجَمِيْعِ الْمَحَامِدِ جَدِيْرًا، وَتَبَارَكَ الَّذِيْ نزَّل الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُوْنَ لِلْعَالَمِيْنَ نَذِيْرًا، وَفَجَّرَ يَنَابِيْعَ الْهِدَايَةِ فِي قُلُوبِ مَنْ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْهُ الْحُسْنَى تَفْجِيْرًا، أَحْمَدُهُ ، وَأَسْتَعِيْنُهُ، فَهُوَ الْغَنِيُّ، وَلَمْ يَزَلْ كُلُّ عَبْدٍ إِلَى عَوْنِهِ وَخَيْرِهِ وَفَضْلِهِ فَقِيْرًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأُكَبِّرُهُ تَكْبِيْرًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ اللهُ بَيْنَ يَدِيِ السَّاعَةِ بَشِيْرًا وَنَذِيْرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيْرًا، وَفَتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوْبًا غُلْفًا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الَّذِيْنَ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيْرًا، وَعَلَى أَصْحَابِهِ الَّذِيْنَ عَزَّرُوْهُ تَعْزِيرًا وَوَقَّرُوهُ تَوْقِيْرًا، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدَّيْنِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا، أَمَّا بَعْدُ: • أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ، دُوْنَكُمْ جُمْلَةً مِنْ مُهِمَّاتِ مَسَائِلِ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَمَا فِيْهِ مِنْ أَحْكَامٍ: • أوَّلاً: حُكْمُهُ: الاسْتِحْبَابُ الْمُؤَكَّدُ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. • ثانيًا: وَقْتُهُ: مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ؛ فَعَنْ أَبِيْ بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ اللهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، وَهِيَ الْوِتْرُ، فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْر». رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ. (١) • وَأَفْضَلُ أَوْقَاتِهِ آخِرُ اللَّيْلِ؛ فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٥٥) عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ».

стр. 38

• وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) • وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ». • وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ». (٢) • وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (رقم: ٣٥٧٩)، وَالنَّسَائِيِّ (رقم: ٥٧٢) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَّذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ». (٣) • قَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الصَّلَاةِ أَوَّلَ اللَّيْلِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَبَيْنَ الصَّلَاةِ آخِرَ اللَّيْلِ مُنفَرِدًا، فَالصَّلَاةُ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ؛ لَأَنَّهُ يُحْسَبُ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ تَامَّةٍ. قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى عَمَلُ الصَّحَابَةِ فِي عَهْدِ عُمَرَ ﵁. • وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَاقِ (رقم: ٧٧٤١) عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ يُصَلِّي بِنَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَيَنْصَرِفُ بِلَيْلٍ». • قَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وَقَدْ أَشَارَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِلَى هَذَا الْأَثَرِ وَالَّذِي قَبْلَهُ حِيْنَ سُئِلَ: يُؤَخِّرُ الْقِيَامَ - يَعْنِي: التَّرَاوِيحَ - إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: لَا، سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "مَسَائِلِهِ" (صـ: ٦٢). ا. هـ. (٤)

стр. 39

• قُلْتُ: إِنْ أُخِّرَتْ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ، بِحَيْثُ لَا يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. • ثَالِثًا: عَدَدُهُ: أَمَّا أَقَلُّهُ: فَرَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». (١) • وَلَهُمَا عَنْهُ ﵁ مَرْفُوعًا: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». (٢) • وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ». (٣) • قَالَ ابْنُ الْمُنذِرِ: رَوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْوِتْرُ رَكْعَةٌ، وَيَقُولُ: كَانَ ذَلِكَ وِتْرَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى الْوِتْرَ رَكْعَةً: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةُ، وَفَعَلَ ذَلِكَ مُعَاذٌ الْقَارِّيُّ، وَمَعَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ. ا. هـ. (٤) • وَأَمَّا أَكْثَرُهُ، فالسُّنَّةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ لِحَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَزِيدُ فِي

стр. 40

رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) • زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ (رقم: ٣٥٦٩): فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: «تَنَامُ عَيْنِي وَلَا يَنَامُ قَلْبِي». • وعن ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) • وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ». (٣) • وَأَمَّا الْأَثَرُ الَّذِيْ فِيْهِ: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ فِي رَمَضَانَ بِعِشْرِيْنَ رَكْعَةً، فَشَاذٌّ ضَعِيْفٌ، مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ أَمَرَ أُبَيَّا وتميمًا الدَّارِيَّ ﵄ أَنْ يُصَلِّيَا بِالنَّاسِ التَّراوِيْحَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وِفْقَ السُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ. (٤) • وَمَنْ أَوْتَرَ، ثُمَّ نَشِطَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلصَّلَاةِ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّهُ يُصَلِّى مَثْنَى مَثْنَى، وَلَا يُكَرِّرُ الْوِتْرَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ». (٥)

стр. 41

• رابعًا: كَيْفِيَّاتُهُ: • الكَيْفِيَّةُ الأُولى: إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوْتِرُ بِوَاحِدَةٍ، أَمَّا الْعَدَدُ فَلِحَدِيْثِ عَائِشَةَ الَّذِيْ سَبَقَ قَرِيْبًا، وَأَمَّا التَّسْلِيْمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ؛ فَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي التَّطَوُّعِ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ؛ وَلِحَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». (١) • الكَيْفِيَّةُ الثَّانِيَةُ: إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ أَرْبَعًا بِسَلَامٍ، ثُمَّ ثَلَاثًا بِسَلَامٍ؛ لِظَاهِرِ حَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂، الَّذِيْ سَبَقَ آنِفًا، وَفِيْهِ: «يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا». • الكَيْفِيَّةُ الثَّالِثَةُ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَفْتَتِحُهَا بِرَكْعَتَيْنِ، خَفِيْفَتَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ طَوِيْلَتَيْنِ جِدَّا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ دُوْنَهُمَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ دُوْنَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ دُوْنَهُمَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ دُوْنَهُمَا، ثُمَّ يُوْتِرُ بِرَكْعَةٍ. • فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٦٥) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اللَّيْلَةَ، قَالَ: «فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً». • وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيْفَتَيْنِ، فَقِيْل: سُنَّةُ الْعِشَاءِ الْبَعْدِيَّةُ، وَرَجَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀.

стр. 42

وَقِيْلَ: الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْوُضُوءِ. (١) وَقِيْلَ: رَكْعَتَانِ مَخْصُوصَتَانِ يُفْتَتَحُ بِهِمَا قِيَامُ اللَّيْلِ. • وَقَدْ ذُكِرَتا أَيْضًا فِي حَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٧٦٧). • وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا (رَقْم: ٧٦٨) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، يَذْكُرُهُ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مِنْ قَوْلِهِ، آمِرًا بِهِ، لَا مِنْ فِعْلِهِ، وَالتَّحْقِيْقُ أَنَّ الصَّوَابَ مِنْ فِعْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَأَمَّا مِنْ قَوْلِهِ فَشَاذٌّ مَرْفُوعًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ. (٢) • وَفِي الْحَدِيْثَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِمَا؛ لِيَنْشَطَ بِهِمَا لِمَا بَعْدَهُمَا. • قَالَ الْحَافِظُ ﵀: ذَكَرَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي "شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ" أَنَّ السِّرَّ فِي اسْتِفْتَاحِ صَلَاةِ اللَّيْلِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى حَلِّ عُقَدِ الشَّيْطَانِ، وَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْحَلَّ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَمَامِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَمْ يُسَاوِ مَنْ أَتَمَّهَا، وَكَذَا الْوُضُوءُ، وَكَأَنَّ الشُّرُوعَ فِي حَلِّ الْعُقَدِ يَحْصُلُ بِالشُّرُوعِ فِي الْعِبَادَةِ وَيَنْتَهِي بِانْتِهَائِهَا. (٣) • وَقَدْ أَشَارَ إِلَى حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ،

стр. 43

فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيْثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ». رَوَاهُ الْبُخَارِّيُ (رَقْم: ١١٤٢، و ٣٢٦٩)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ٧٧٦). • قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ: وَهُوَ مَعْنًى حَسَنٌ بَدِيعٌ، وَلَا يَخْدِشُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مُنَزَّهٌ عَنْ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَتِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّهُ ﵊ فَعَلَ ذَلِكَ تَشْرِيعًا لِأُمَّتِهِ؛ لِيَقْتَدُوا بِهِ فَيَحْصُلَ لَهُمْ هَذَا الْمَقْصُودُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ا. هـ. (١) • الكَيْفِيَّةُ الرَّابِعَةُ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُوْتِرُ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهَا، وَيُسَلِّمُ. • فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٣٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا». • والْجَمْعُ بَيْن رِوَايَاتِ عَائِشَةَ الْمُخْتَلَفَةِ فِي حِكَايَتِهَا لِصَلَاتِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَنَّهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ تَارَةً، وَأَنَّهَا إحْدَى عَشْرَةَ أُخْرَى، بِأَنَّهَا ضَمَّتْ رَكْعَتَي الاسْتِفْتَاحِ، فَقَالَتْ: (ثَلَاثَ عَشْرَةَ)، وَلَمْ تَضُمَّهُمَا، فَقَالَتْ: (إحْدَى عَشْرَةَ)، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْن هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَبَيْن قَوْلِهَا فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: (صَلَّى أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ)؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ: صَلَّى أَرْبَعًا بَعْدَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ. قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀. (٢) • وَقَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيُّ: «وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى عَدِّ رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ مِنْ جُمْلَتِهَا». (٣)

стр. 44

• قُلْتُ: وَذَلِكَ لِحَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الفَجْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) • وَلِمُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٣٨) عَنْهَا ﵂، قَالَتْ: «كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِاللَّيْلِ، مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ». • وَلَهُ أَيْضًا (رَقْم: ٧٣٨) (١٢٨) عَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً». • الْكَيْفِيَّةُ الخَامِسَةُ: إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، لَا يَقْعُدُ فِيْهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، يَتَشَهَّدُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثُمَّ يَقُومُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يُوْتِرُ بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ يُسَلِّمُ، فَهَذِهِ تِسْعٌ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ. • فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رقم: ٧٤٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللهَ، وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً. • وَلِأَحَمْدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. (٢)

стр. 45

• الكَيْفِيَّةُ السَّادِسَةُ: أَنْ يُوْتِرَ بِسَبْعٍ، وَيَصْنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ، فَتِلْكَ تِسْعٌ، فَعَلَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمَّا أَسَنَّ، وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ. (١) • وَقِيلَ لِعَائِشَةَ ﵂: بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُوتِرُ؟ قَالَتْ: «كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ، وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ، وَعَشْرٍ وَثَلَاثٍ، وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٥١٥٩)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٣٦٢). (٢) • وَيُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ أَنْوَاعٌ أُخْرَى، وَذَلِكَ بِأَنْ يَنقُصَ مِنْ كُلِّ نِوْعٍ مِنْهَا مَا شَاءَ مِنْ الرَّكَعَاتِ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى خَمْسِ رَكَعَاتٍ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ. (٣) • فَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ. (٤)

стр. 46

• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ، أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ، أَوْ بِسَبْعٍ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (رَقْم: ٢٤٢٩)، والدَّارَقُطْنِيُّ (رَقْم: ١٦٥٠، و ١٦٥١)، وَالْحَاكِمُ (رَقْم: ١١٣٨)، وَالْبَيْهَقِيُّ (رَقْم: ٤٨١٥). (١) وَيَكُونُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمُشَابَهَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: ١ - إِمَّا التَّسْلِيْمُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَهُوَ الْأَقْوَى وَالْأَفْضَلُ. ٢ - أَوْ تَرْكُ الْقُعُودِ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، بِحَيْثُ يَسْرُدُهَا بِقُعُودٍ وَاحِدٍ وَسَلَام. (٢)

стр. 47

• [أَيُّهَا الْغَافِلُ عَنْ الثَّوَابِ الْكَثِيْرِ، وَالسَّاهِي عَنْ المُلْكِ الْكَبِيْر، واللَّاهِي عَنْ لِبَاس السُّندِسِ وَالْحَرِير، الْمُتَقَاعِدُ عَنْ الْيَوْم الْعَبُوسِ الْقَمْطَرِيْرِ، النَّائِمُ عَمَّا أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ البَشِيْرُ النَّذِيْرُ، الَّذِي أَنقَذَ اللهُ بِهِ مِنْ جَهَنَّمَ وَحَرِّ السَّعِيْر.] (١) • هَذَا شَهْرٌ [يُعْظِمُ اللهُ فِيْهِ الْأَجْرَ وَيُجْزِلُ الْمَوَاهِبَ، وَيَفْتَحُ أَبْوَابَ الْخَيْرِ فِيْهِ لِكُلِّ رَاغِب، شَهْرُ الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ، شَهْرُ الْمِنَحِ وَالْهِبَاتِ.] (٢) [أَلَا خَبَرًا لِمُقْتَرِح النُّوَاحِ … أَطِيْرُ إِلَيْهِ مَنشُورَ الْجَنَاحِ فَأَسْأَلَهُ وَأَلْطُفَهُ عَسَاهُ … سَيُسْلِي مَا بِقَلْبِي مِنْ جِرَاحِ وَيَجْلُو مَا دَجَا مِنْ لِيْلِ جَهْلِي … بِنُورِ هُدًى كَمُنسَلَخ الصَّبَاح سَأَصْرِفُ هِمَّتِي بِالْكُلِّ عَمَّا … نَهَانِي اللهُ مِنْ أَمْرِ الْمُزَاحِ إِلَى شَهْرِ الْخُضُوعِ مَعَ الْخُشُوع ئ … إِلَى شَهْرِ الْعَفَافِ مَعَ الصَّلَاحِ يُجَازَي الصَّائِمُونَ إِذَا اسْتَقَامُوا … بِدَارِ الْخُلْدِ وَالْحُورِ الْمِلَاحِ وَبِالْغُفْرَانِ مِنْ رَبٍّ عَظِيْم … وَبِالْمُلْكِ الْكَبِيْر بِلَا بَرَاح فَيَا أَحْبَابَنَا اجْتَهِدُوا وَجِدُّوا … لهَذَا الشَّهْر مِنْ قَبْل الرَّوَاحِ عَسَى الرَّحْمَنُ أَنْ يَمْحُو ذُنُوبِي … وَيغْفِرَ زلَّتِي قَبْلَ افْتِضَاحِي] (٣) • رَبِّ أَعِنِّا وَلا تُعِنْ عَلَيْنَا، وَانْصُرْنَا وَلا تَنْصُرْ عَلَيْنَا، وَامْكُرْ لَنَا وَلَا تَمْكُرْ عَلَيْنَا، وَاهْدِنَا وَيَسِّرِ الْهُدَى إِلَينا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لَكَ شَاكِريِنَ، لَكَ ذَاكِرينَ، لَكَ رَاهِبينَ، لَكَ مِطْوَاعينَ، إِلَيْكَ مُخْبِتيْنَ مُنِيبيْنَ، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتَنَا، وَاغْسِلْ

стр. 48

حَوْبَتَنَا، وَأَجِبْ دَعْوَتَنَا، وَثَبِّتْ حُجَّتَنَا، وَاهْدِ قُلُوبَنَا، وَسَدِّدْ أَلْسِنَتَنَا، وَاسْلُلْ سَخَائِمَ قُلُوبِنَا. وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. * * *

стр. 49

الْمَجْلِسُ الْخَامِسُ: فِي ذِكْرِ بَعْضِ أَحْكَامِ قِيَامِ اللَّيْلِ أيضًا • الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ ذلَّ لجَبَرُوتِهِ كُلُّ شَيْءٍ وَخَضَعَ، أَتْقَنَ مَا صَنَعَ، وسَوَّى مَا خَلَقَ وَأَبْدَعَ، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨]، الْحَمْدُ للهِ مَا قَامَ قَائِمٌ بِاللَّيْلِ وَهَجَعَ، وَقَنَتَ لِرَبِّهِ وَسَجَد وَرَكَعَ، وَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ وَخَشَعَ، وَتَرَقْرَقَ الدَّمْعُ فِي عَيْنَيْهِ وَهَمَعَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ، وَلَا رَافِعَ لِمَا خَفَضَ وَلَا خَافِضَ لِمَا رَفَعَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُبَلِّغُ عَنْ رَبِّهِ مَا أَذِنَ مِنَ الدِّيْنِ وَشَرَعَ، خَيْرُ إِمَامٍ يُتَّبَعُ، وَسَيِّدُ أَهْلِ الزُّهْدِ وَالْوَرَع، القَائِمُ لِرَبِّه حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمُهُ وَانصَدَعَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ الْقَائِمِيْنَ بِالسُّنَنِ الْمُنَابِذِيْنَ لِلْبِدَع، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا أَفَلَ نَجْمٌ وَطَلَعَ، وَانشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الْفَجْرِ وَسَطَعَ، أَمَّا بَعْدُ: • فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنْ أَحْكَامِ قِيَامِ اللَّيْلِ لَاحِقَةٌ، تُضَافُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الجَلْسَةِ السَّابِقَةِ، مِنْهَا: • أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنَ أَدْعِيَةِ الاسْتِفْتَاحِ مَا يَخُصُّهُ سِوَى مَا هُوَ عَامٌّ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ، فَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، [وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ،] وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، [وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، (وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ،) وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، [وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حَقٌّ]، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ،

стр. 50

وَبِكَ آمَنتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، [أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، (أَنْتَ إِلَهِي) لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، [أَوْ: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ]». (١) • قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينٍ ﵀: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقُولُ دُعَاءَ الاِسْتِفْتَاحِ الَّذِيْ يَكُونُ فِي التَّهَجُّدِ بَعْدَ ركْعَتَي الِاسْتِفْتَاحِ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ خَفِيْفَتَانِ، وَدُعَاءُ الِاسْتِفْتَاحِ الَّذِيْ فِي التَّهَجُّدِ طَوِيْلٌ. (٢) • وَقَالَ ﵀: اسْتِفْتَاحُ صَلَاةِ التَّرَاوِيْحِ لَيْسَ كَاسْتِفْتَاحِ صَلَاةِ التَّهَجُّدِ الَّذِيْ يَكُونُ بَعْدَ النَّوْمِ، بَلْ هُوَ اسْتِفْتَاحٌ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. (٣) • وَقَالَ: أَكْثَرُ الَّذِيْنَ يُصَلُّونَ التَّراوِيْحَ يَسْتَفْتِحُونَ فِي أَوَّلِ تَسْلِيْمَةٍ فَقَطْ، فَسُبْحَانَ اللهِ!! لِمَاذَا تَتْرُكُ الِاسْتِفْتَاحَ؟ أَلَيْسَتِ التَّسْلِيْمَةُ الثَّانِيَةُ مُسْتَقِلَّةً عَنِ الْأُولَى؟ بَلَى، لَوْ بَطَلَتِ الثَّانِيَةُ لَمْ تَبْطُلِ الْأُولَى، فَإِذَا كَانَتْ مُسْتَقِلَّةً عَنْهَا فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ فِي الْأُولَى يَكُونُ مَشْرُوعًا فِي الثَّانِيَةِ. ا. هـ. (٤) • وَمِنْ ذَلِكَ: الْحِرْصُ عَلَى الْخُشُوعِ، وَالْإِطَالَةِ فِي الْقِيَامِ بِالْقَدْرِ الَّذِي لَا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ، فَرَوَى مَالِكٌ في "الْمُوَطَّأ" (ج ٢/ صـ: ١٥٨) (رَقْم: ٣٧٩) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً.

стр. 51

•قَالَ: وَقَدْ كَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ، حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلاَّ فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ. • قَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي "صَلَاةِ التَّرَاوِيْحِ" (صـ: ٥٣): «سَنَدُهُ صَحِيْحٌ جِدًّا». • ورَوَى مَالِكٌ أَيْضًا (ج ٢/ صـ: ١٥٩) (رقم: ٣٨١) عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ الْأَعْرَجَ يَقُولُ: وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ. • إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وَالْأَعْرَجُ تَابِعِيٌّ جَلِيْلٌ. • ورَوَى أَيْضًا (ج ٢/ صـ: ١٦٠) (رَقْم: ٣٨٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ، فَنَسْتَعْجِلُ الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ، مَخَافَةَ الْفَجْرِ. (١) • وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: دَعَا عُمَرُ الْقُرَّاءَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَ أَسْرَعَهُمْ قِرَاءَةً أَنْ يَقْرَأَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَالْوَسَطَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ آيَةً، وَالْبَطِيءَ عِشْرِينَ آيَةً. (٢) • وَسُئِلَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه: كَمْ يَقْرَأُ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَلَمْ يُرَخِّصْ فِي دُونِ عَشْرِ آيَاتٍ. • فَقِيْلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ؟ فَقَالَ: لَا رَضُوا، فَلَا تَؤُمَّهُمْ إِذَا لَمْ يَرْضَوْا بِعَشْرِ آيَاتٍ مِنَ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ إِذَا صِرْتَ إِلَى الْآياَتِ الْخِفَافِ فَبِقَدْرِ عَشْرِ آيَاتٍ مِنَ الْبَقَرَةِ. (٣)

стр. 52

• قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي "لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ" (صـ: ١٧٠): يَعْنِي فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَكَذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقْرَأَ دُونَ عَشْرِ آيَاتٍ. وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ عَمَّا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي السَّرِيْعِ الْقِرَاءَةِ وَالْبَطِيءِ، فَقَالَ: فِي هَذَا مَشَقَّةٌ عَلَى النَّاسِ، وَلَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ اللَّيَالِي الْقِصَارِ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ النَّاسُ، وَقَالَ أَحْمَدُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي رَمَضَانَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ ضَعْفَى، اقْرَأْ خَمْسًا، سِتًّا، سَبْعًا، قَالَ: فَقَرَأْتُ، فَخَتَمْتُ لَيْلَةَ سَبْعِ وَعِشْرِيْنَ. وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُرَاعِي فِي الْقِرَاءَةِ حَالَ الْمَأْمُومِينَ، فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ. ا. هـ. • أَمَّا إِذَا صَلَّى مُنفَرِدًا، أَوْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يُوَافِقُهُ، مِمَّنْ تَوَافَرَتْ هِمَمُهُمْ عَلَى إِطَالَةِ الْقِيَامِ، فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ، وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ». (١) • وفيهما عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا». (٢) • وَلَهُمَا نَحْوُهُ مِنْ حَدِيْثِ الْمُغِيْرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، وَفِيْهِ: قَامَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ. (٣)

стр. 53

• وَلِلْبُخَارِيِّ: أَوْ سَاقَاهُ. (١) • وَلَهُمَا: حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ. (٢) • وَلَهُمَا أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَيْلَةً، [فَأَطَالَ]، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ»، قُلْنَا: وَمَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: «هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-». (٣) • وَلِمُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٧٢) عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِه. • قَالَ الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: «وَكُلَّمَا أَطَالَ فَهُوَ أَفْضَلُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُبَالِغُ فِي الْإِطَالَةِ حَتَّى يُحْيِيَ اللَّيْلَ كُلَّهُ؛ اتِّبَاعَا لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-». (٤) • قُلْتُ: يَعْنِي مَا فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٤٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاح.

стр. 54

• وَمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ مَشَقَّةً شَدِيْدِةً، أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ أَوِ الْهَلَاكَ فَلْيَجْلِسْ، وَلَهُ الْأَجْرُ كَامِلًا؛ لَأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الرُّكُوعُ أَوِ السُّجُودُ أَوْمَأَ إِيْمَاءً، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ؛ فَفِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ١١١٥، و ١١١٦) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا -، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ». وَمَعْنَى: نَائِمًا، أَيْ: (مُضْطَجِعًا). • وَلَهُ - فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ خاصةً، وَالَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا قِيَامُ اللَّيْلِ - أَنْ يَجْلِسَ حَتَّى مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ، وَيَكُونُ لَهُ فِي هَذَا الْحَالِ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ. • فَرَوَى مُسْلِمٌ (رَقْم: ٧٣٥) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ»، فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو؟»، قُلْتُ: حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ قُلْتَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ»، وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا، قَالَ: «أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ». وَلِأَبِي دَاوُدَ (رَقْم: ٩٥٠): فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى رَأْسِي. • وَحَدِيثُ عِمْرَانَ يَشْمَلُ الْفَرَضَ وَالنَّفْلَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ التَّنَفُّلِ مُضْطَجِعًا؛ فَالْمُفْتَرِضُ الَّذِيْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَحَامَلَ فَيَقُومَ مَعَ مَشَقَّةٍ، لَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ؛ تَرْغِيْبَا لَهُ فِي الْقِيَامِ، مَعَ جَوَازِ قُعُودِهِ. • قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: فَلَوْ تَحَامَلَ هَذَا الْمَعْذُورُ وَتَكَلَّفَ الْقِيَامَ - وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِ - كَانَ أَفْضَلَ؛ لِمَزِيدِ أَجْرِ تَكَلُّفِ الْقِيَامِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَجْرُهُ عَلَى ذَلِكَ نَظِيرَ أَجْرِهِ عَلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ، فَيَصِحُّ أَنَّ أَجْرَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى النَّفْلَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ أَجْزَأَهُ وَكَانَ أَجْرُهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَجْرِ الْقَائِمِ

стр. 55

بِغَيْرِ إِشْكَال. ا. هـ. (١) • وَفِي صَحِيْحِ الْبُخَارِي (رقم: ٤٨٣٧) عَنْ عَائِشَةِ ﵂ فِي قِيَامِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَتْ: «فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ». • وَقَدْ اعْتَادَ بَعْضُ النَّاسِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيْحِ أَنْ يَنتَظِرَ رُكُوعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا رَكَعَ دَخَلَ مَعَهُ فِي صَلَاتِهِ، وَيَصْنَعُ هَذَا بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَيُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ أَجْرًا، وَلَوْ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ فِي تَكْبِيْرَةِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ جَلَسَ حَتَّى يَرْكَعَ، فَيَقُومَ، فَيَرْكَعَ مَعَهُ؛ لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ. • وَمِنْ أَحْكَامِ الْقِيَامِ أَيْضًا: التَّرَسُلُّ فِي الْقِرَاءَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيْثِ حُذَيْفَةَ ﵁: «إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ». • قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: «فِيهِ اسْتِحْبَابُ هَذِهِ الْأُمُورِ لِكُلِّ قَارِئٍ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَمَذْهَبُنَا اسْتِحْبَابُهُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ». • وَزَادَ فِي "الْمَجْمُوعِ" (٤/ صـ: ٦٦): «وَسَوَاءٌ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، فَاسْتَوَوْا فِيهِ». • قُلْتُ: وَتَقْيِيْدُه بِالنَّفْلِ أَقْرَبُ؛ وُقُوفًا عِنْدَ الدَّلِيْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٢) • وَمِنْ أَحْكَامِ الْقِيَامِ أَيْضًا: مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ،

стр. 56

سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَه. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُما. (١) • وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ (رَقْم: ١٧٥٣): يَمُدُّ صَوْتَهُ فِي الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَرْفَعُ. • وَيَعْنِي بِالْوِتْرِ: الثَّلَاثَ الرَّكَعَاتِ الْأَخِيْرَةَ. • وَرَوَاهُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ﵁، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ. (٢) • وفي رِوَايَةٍ: وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ. (٣) • وَيَدْعُو فِي الْقُنُوتِ بِحَدِيْثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ

стр. 57

تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. (١) • وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سُخْطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. (٢) • وَقَوْلُهُ: «فِي آخِرِ وِتْرِه»، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُعُودِ قَبْل السَّلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ السَّلَامِ مِنَ الْوِتْرِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَالْبَيْهَقِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. • وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُمْ - يَعْنِي فِي عَهْدِ عُمَرَ ﵁ كَانُوا يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي النِّصْفِ: «اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ وَيُكَذِّبُونَ

стр. 58

رُسُلَكَ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِوَعْدِكَ، وَخَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وَأَلْقِ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَأَلْقِ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ، إِلَهَ الْحَقِّ»، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَيَدْعُو لِلْمُسْلِمِينَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ خَيْرٍ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَسْأَلَتِهِ: «اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، وَنَرْجُو رَحْمَتَكَ رَبَّنَا، وَنَخَافُ عَذَابَكَ الْجِدَّ، إِنَّ عَذَابَكَ لِمَنْ عَادَيْتَ مُلْحِقٌ»، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَهْوِي سَاجِدًا. رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (رَقْم: ١١٠)، بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ. • ورَوَى مَالِكٌ في "الموطأ" (ج ٢/ صـ: ١٥٨) (رَقْم: ٣٨١) عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، أَنَّهُ سَمِعَ الْأَعْرَجَ يَقُولُ: «مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ». • وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. • وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّا فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ. (١) • وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي "الْأُمِّ" (ج ١/ صـ: ١٥٦). • وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي "مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ" (صـ: ٩٥): قُلْتُ لِأَحْمَدَ: الْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ، السَّنَةَ كُلَّهَا؟ قَالَ: «إِنْ شَاءَ». قُلْتُ: فَمَا تَخْتَارُ أَنْتَ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا مَا أَقْنُتُ إِلَّا فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، إِلَّا أَنْ أُصَلِّيَ خَلْفَ إِمَامٍ يَقْنُتُ، فَأَقْنُتُ مَعَهُ. (٢)

стр. 59

• وقَالَ أَيْضًا (صـ: ٩٦): سَمِعْتُ أَحْمَدَ، سُئِلَ: يَرْفَعُ يَدَهُ فِي الْقُنُوتِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يُعْجِبُنِي»، وَرَأَيْتُ أَحْمَدَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْقُنُوتِ. وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنِ الْقُنُوتِ؟ فَقَالَ: «الَّذِي يُعْجِبُنَا: أَنْ يَقْنُتَ الْإِمَامُ وَيُؤَمِّنَ مَنْ خَلْفَهُ». • وَمِمَّا يَنبَغِي التَّنبِيْهُ عَلَيْهِ بِشَأْنِ الْقُنُوتِ الشَّائِعِ الْآنَ بَيْنَ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ أَرْبَعَةُ أُمُوْرٍ، هِيَ خِلَافُ السُّنَّةِ: أَوَّلُهَا: الْإِطَالَةُ فِيْهِ. وَثَانِيْهَا: تَكَلُّفُ الدُّعَاءِ الْمَسْجُوعِ. • فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ». (١) • وَحَدِيثَا الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَبِيْهِ فِي الْبَابِ مِنْ جَوَامِعِ الْأَدْعِيَةِ، وَللَّهِ الْحَمْدُ. وَثَالِثُهَا: تَكَلُّفُ الْبُكَاءِ، فَلَرُبَّمَا مَرَّ أَحَدُهُمْ عَلَى آيِ الْقُرْآنِ دُونَ تَدَبُّرٍ أَوْ خُشُوعٍ أَوْ بُكَاءٍ، فَإِذَا حَضَرَ الدُّعَاءُ تَبَاكَوْا!. وَرَابِعُهَا: التَّغَنِّي بِالدُّعَاءِ، كَالتَّغَنِّي بِالْقُرْآن، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَشْرُوعِ؛ فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]. • وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا، وَلَا نَعْلُو شَرَفًا، وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا

стр. 60

النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا [قَرِيبًا]». (١) • زَادَ مُسْلِمٌ: «وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ». • عَلَى أَنَّهُ يَنبَغِي اغْتِنَامُ السُّجُودِ بِالدُّعَاءِ فِيْهِ، بِخَلَافِ مَا عَلَيْهِ الْكَثِيْرُ مِنْ تَخْفِيْفِ السُّجُودِ وَتَرْكِ الدُّعَاءِ فِيْهِ؛ فَلِمُسْلِمٍ (رَقْم: ٤٨٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ». • وَلَهُ أَيْضًا (رَقْم: ٤٧٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ». قُلْ لِأَهل الذُّنُوب وَالآثَامِ … قَابِلُوا بِالْمَتَابِ شَهْرَ الصِّيَامِ وَأَقِلُّوا الْكَلَامَ فِيْهِ نَهَارًا … وَاقْطَعُوا لَيْلَهُ بِطُولِ الْقِيَامِ وَاطْلُبُوا الْعَفْوَ مِنْ إِلَهٍ عَظِيم … لَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَنَامِ كَمْ لَهُ فِيهِ مِنْ إِزَاحَةِ ذَنْب … وَخَطَايَا مِنَ الذُّنُوب عِظَام كَمْ لَهُ فِيهِ مِنْ أَيَادٍ حِسَانٍ … عِنْد عَبْدٍ يَرَاهُ تَحْتَ الظَّلَامِ كَمْ لَهُ فِيهِ مِنْ عَتيقٍ سَعِيْدٍ … آمِنٍ فِي الْقِيَامِ خِزْيَ الْمقَامِ] (٢) اللهُمَّ إِنّا نعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ، الْقَبْرِ اللهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللهُمَّ إِنَّا

стр. 61

نَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوْبُ إِلَيْكَ. * * *

стр. 62

الْمَجْلِسُ الْسَّادِسُ: فِي رُكْنِ الصِّيَامِ وَوَقْتِ ابْتِدَاءِهِ وَانتِهَائِهِ • الْحَمْدُ للهِ رَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ، شَيَّدَ هَذَا الدِّيْنَ صَرْحًا وَبُنْيَانًا، وَجَعَل لَهُ دَعَائِمَ وَأَرْكَانًا، وَجَعَلَ التَّوْحِيْدَ أُسَّهُ وَالْغِرَاسَ، وَجَعَلَ الصَّلَاةَ عَمُودَهُ وَنُورَ أَهْلِ الِاقْتِبَاسِ، وَجَعَلَ الزَّكَاةَ حَقَّ المَالِ، فَمَانِعُهَا مُتَوَعَّدٌ بِالتَّلَفِ وَالْإِفْلَاسِ، وَجَعَلَ الصِّيَامَ تَعَبُّدًا لَهُ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفطِّرَاتِ فِي النَّهَارِ، فَذَلِكَ رُكْنُهُ وَالْأَسَاسُ، وَجَعَلَ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ خَامِسَ هَذِهِ الْأَخْمَاسِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ بِلَا عَدٍّ وَلَا قِيَاس، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، يُذْهِبُ البَأسَ بَعْدَ التَّحَيُّرِ وَالإِبْلَاسِ، ويُنَزِّلُ الْغَيْثَ بَعْدَ الْقُنُوطِ وَالْإِيَاسِ، وَأَشْهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى التَّقْوَى خَيْرِ لِبَاس، كَشَفَ اللهُ بِهِ الْغُمُوضَ وَالالْتِبَاسَ، وَجَدَّد بِهِ مَعَالَمَ الدِّيْنِ بَعْدَ الاندِرَاس، وَأَحْرَزَ بِهِ الَأُمِّيِّيْنَ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، مَا خُطَّ بِمِدَادٍ عَلَى قِرْطَاسٍ، وَمَا بَدَّدَ ظَلَامَ اللَّيْلِ نِبْرَاسٌ، أَمَّا بَعْدُ: • فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الصِّيَامَ عِبَادَةٌ جَلِيْلَةٌ، وَقُرْبَةُ إِلَى اللهِ وَوَسِيْلَةٌ، فَاحْرِصُوا عَلَى بُلُوغِ هَذِهِ الْفَضِيْلَةِ. • وَالصِّيَامُ فِي اللغَةِ مَعْنَاهُ: الْإِمْسَاكُ وَالتَّرْكُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَنْ مَرْيَمَ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]. • وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ التَعَبُّد للهِ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفطِّرَاتِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. • قَالَ : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. • سُئِلَ فَضِيْلَةُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ عَنْ أَرْكَانِ الصِّيَامِ؟ فَأَجَابَ: الصَّيِامُ لَهُ رُكْنٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا التَّعْرِيفَ.

стр. 63

• قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْفَجْرِ هُنَا، الْفَجْرُ الثَّانِي دُونَ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ، وَيَتَمَيَّزُ الْفَجْرُ الثَانِي عَنِ الْفَجْرِ الأَوَّلِ بِثَلاثِ مُمَيّزَاتٍ: الأُوْلى: أَنَّ الْفَجْرَ الثَّانِيَ يَكُونُ مُعْتَرِضَا فِي الْأُفُقِ، أَيْ: مُمْتَدًا مِنَ الشِّمَالِ إِلَى الْجَنُوبِ، وَأَمَّا الْفَجْرُ الْأَوَّلُ فَيَكُونُ مُسْتَطِيْلًا، أَيْ: مُمْتَدًّا مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ. المِيزَةُ الثَّانِيَة: أَنَّ الْفَجْرَ الثَّانِيَ لَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ، بَلْ يَسْتَمِرُّ النُّورُ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَأَمَّا الْفَجْرُ الْأَوَّلُ فَيُظْلِمُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ لَهُ شُعَاعٌ. المِيزَةُ الثَّالِثَة: أَنَّ الْفَجْرَ الثَّانِيَ مُتَّصِلٌ بَيَاضُهُ بِالْأُفُقِ، وَأَمَّا الْفَجْرُ الْأَوَّلُ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُفُقِ ظُلْمَةٌ. وَالْفَجْرُ الْأَوَّلُ لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ فِي الشَّرْعِ، فَلَا تَحِلُّ بِهِ صَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَا يَحْرُمُ بِهِ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، بِخِلَافِ الْفَجْرِ الثَّانِي. ا. هـ. (١) • وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، عَمَدتُّ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ، وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ، فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) • وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؛ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ الصَّوْمَ، رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَالْخَيْطَ الْأَبْيَضَ، فَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رِئْيُهُمَا فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فَعَلِمُوا أَنَّهُ أَنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣)

стр. 64

• وَلَا يَجُوزُ الْأَذَانُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ الْفَجْرُ أَوْ غَيْرُهَا، فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي غَيْرِهِ، وَيَجِبُ تَحَرِّي الْوَقْتِ بِمَعْرِفَةِ عَلَامَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ الاعْتِمَادُ عَلَى التَّقَاوِيْمِ؛ فَإِنَّ غَالِبَهَا فِيْهِ تَقْدِيْمٌ أَوْ تَأْخِيْرٌ، وَتَوْقِيْتُ الْفَجْرِ فِيْهَا يَكُونُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، إِمَّا بِخَمْسِ دَقَائِقَ أَوْ عَشْرِ دَقَائِقَ، وَرُبَّمَا فِي بَعْضِهَا بِنَحْوِ رُبُعِ سَاعَةٍ تَقْرِيَبًا!. • حَتَّى لَوْ تَقَدَّمَ بِدَقِيْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الْأَذَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَلَا يُجْزِئُ، ثُمَّ إِنَّ مَنْ لَّا يَشْهَدُ الْجَمَاعَةَ، كَالنِّسَاءِ، وَالْمَرْضَى، وَنَحْوِهِمْ، رُبَّمَا اغْتَرُّوا بِهَذَا الْأَذَانِ الَّذِي يَكُونُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَيَشْرَعُونَ فِي تَكْبِيْرَةِ الْإِحْرَامِ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِهِ، فَيُوقِعُونَ الصَّلَاةَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَلَا تَصِحُّ فِي هَذَا الْحَالِ، فَيَكُونُ فِي هَذَا إِخْلَالٌ بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنَ الصِّيَامِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. • وَكَذَلِكَ تَأْخِيْرُ الْمَغْرِبِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا خِلَافُ السُّنَّةِ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ اللَّيْلَ غَايَةَ الْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ، وَجَعَلَهُ وَقْتًا لِإِفْطَارِ الصَّائِمِ، وَاللَّيْلُ الْمُرَادُ بِهِ فِي الْآيَةِ هُوَ: دُخُولُهُ، وَيَكُونُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ. • قَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يَقْتَضِي الْإِفْطَارَ عِنْدَ غُرُوب الشَّمْسِ حُكْمًا شَرْعِيًّا. ا. هـ. • وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ هَذَا الْأَمْرَ بَيَانًا شَافِيًا، فَمِنْ ذَلِكَ: ° حَدِيْثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٥٤)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١٠٠). • وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»، أَي: انقَضَى صَوْمُهُ وَتَمَّ، وَلَا يُوصَفُ الآنَ بِأَنَّهُ صَائِمٌ؛ فَإِنَّ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ خَرَجَ النَّهَارُ وَدَخَلَ اللَّيْلُ، وَاللَّيْلُ لَيْسَ مَحَلًّا للصَّوْمِ. قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي "شَرْحِ مُسْلِمٍ" (٧/ صـ: ٢٠٩). • وَقَالَ أَيْضًا: وَقَوْلُه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَقْبَلَ اللَّيْلُ»، «وَأَدْبَرَ النَّهَارُ»،

стр. 65

«وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ»؛ قَالَ الْعُلَمَاءُ: كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَتَضَمَّنُ الْآخَرَيْنِ وَيُلَازِمُهُمَا وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي وَادٍ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ لَا يُشَاهِدُ غُرُوبَ الشَّمْسِ، فَيَعْتَمِدُ إِقْبَالَ الظَّلَامِ وَإِدْبَارَ الضِّيَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا. هـ. • وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "الاسْتِذْكَارِ" (ج ٣/ صـ: ٢٨٨): «أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا حَلَّتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَقَدْ حَلَّ الْفِطْرُ لِلصَّائِمِ فَرْضًا وَتَطَوُّعًا، وَأَجْمَعُوا أَنَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ا. هـ. • وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمْسَيْتَ! قَالَ: «انزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، قَالَ: إِنَّ عَلَيْنَا نَهَارًا، فَنَزَلَ، فَجَدَحَ لَهُ، فَشَرِبَ، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا - وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ - فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) • وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي سَفَرٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. • وَمَعْنَى: «فَاجْدَحْ لَنَا»، أَي: اخْلِطِ السَّوِيْقَ بِالْمَاءِ، وَحَرِّكْهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ. • قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: لَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِالْجَدْحِ؛ لِيُفْطِرُوا، فَرَأَى الْمُخَاطَبُ آثَارَ الضِّيَاءِ وَالْحُمْرَةِ الَّتِي بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَظَنَّ أَنَّ الْفِطْرَ لَا يَحِلُّ إِلَّا بَعْدَ ذَهَابِ ذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمْ يَرَهَا، فَأَرَادَ تَذْكِيرَهُ وَإِعْلَامَهُ بِذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ: «إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا»؛ لِتَوَهُّمِهِ أَنَّ ذَلِكَ الضَّوْءَ مِنَ النَّهَارِ الَّذِي يَجِبُ صَوْمُهُ، وَهُوَ مَعْنَى: «لَوْ أَمْسَيْتَ»، أَيْ: تَأَخَّرْتَ؛ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسَاءُ.

стр. 66

• ثُمَّ ذَكَرَ ﵀ مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: بَيَانَ انْقِضَاءِ الصَّوْمِ بِمُجَرَّدِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَاسْتِحْبَابَ تَعْجِيلِ الْفِطْر. ا. هـ. • وَهَذَا الاسْتِحْبَابُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. (١) • وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي "الْمُصَنَّفِ" (رقم: ٧٥٩٤): «وَلَوْ تَرَاآهَا أَحَدٌ عَلَى بَعِيرِهِ لَرَآهَا»، يَعْنِي الشَّمْسَ. • وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ - إِنْ سَلِمَتْ مِنَ الشُّذُوذِ - مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْمُبَالَغَةِ فِي وَصْفِ تَعْجِيْلِ الْفِطْرِ بَعْدَ التَّحَقُّقِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، بِإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَإِدْبَارِ النَّهَارِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ لَا تَزَالُ تُرَى مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ؛ فَالنَّهَارُ بَاقٍ حَتَّى تَتَوارَى بِالْحِجَابِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيْقِ. • وَفِي "فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ" (الْمَجْمُوعَةِ الْأُوْلَى) (ج ١٠/ صـ: ١٣٦) (رَقْم: ١٦٩٣): إِذَا كَانَ الصَّائِمُ فِي الطَّائِرَةِ، وَاطَّلَعَ بِوَاسِطَةِ السَّاعَةِ وَالتِّلِيْفُونِ عَلَى إِفْطَارِ الْبَلَدِ الْقَرِيْبَةِ مِنْهُ وَهُوَ يَرَى الشَّمْسَ بِسَبَبِ ارْتِفَاعِ الطَّائِرَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وَهَذِهِ الْغَايَةُ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِي حَقِّهِ مَا دَامَ يَرَى الشَّمْسَ. وَأَمَّا إِذَا أَفْطَرَ بِالْبَلَدِ بَعْدَ انتِهَاءِ النَّهَارِ فِي حَقِّهِ، فَأَقْلَعَتِ الطَّائِرَةُ ثُمَّ رَأَى الشَّمْسَ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ مُفْطِرًا؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْبَلَدِ الَّتِي أَقْلَعَ مِنْهَا، وَقَدِ انتَهَى النَّهَارُ وَهُوَ فِيْهَا. ا. هـ. • وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) • وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (رقم: ٢٠٦١) - وَعَنْهُ ابْنُ حِبَّانَ (رقم: ٣٥١٠) - وَالْحَاكِمُ (رَقْم: ١٥٨٤)، بِلَفْظِ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي مَا لَمْ تَنْتَظِرْ بِفِطْرِهَا النُّجُومَ».

стр. 67

• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: «فِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَعْجِيلِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمَعْنَاهُ: لَا يَزَالُ أَمْرُ الْأُمَّةِ مُنْتَظِمًا وَهُمْ بِخَيْرٍ مَا دَامُوا مُحَافِظِينَ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ، وَإِذَا أَخَّرُوهُ كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى فَسَادٍ يَقَعُونَ فيه». • وَقَالَ الْحَافِظُ ﵀ فِي "الْفَتْحِ" (ج ٤/ صـ: ١٩٩): قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُزَادَ فِي النَّهَارِ مِنَ اللَّيْلِ؛ وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالصَّائِمِ، وَأَقْوَى لَهُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ، وَكَذَا عَدْلٍ وَاحِد فِي الْأَرْجَحِ. • قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الشِّيْعَةِ فِي تَأْخِيرِهِمُ الْفِطْرَ إِلَى ظُهُورِ النُّجُومِ. ا. هـ. • وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ، لِأَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. (١) • قَالَ الْحَافِظُ ﵀: «وَتَأْخِيرُ أَهْلِ الْكِتَابِ لَهُ أَمَدٌ، وَهُوَ ظُهُور النَّجْم». • وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُؤَخِّرَ سُحُورَنَا، وَنُعَجِّلَ فِطْرَنَا، وَأَنْ نُمْسِكَ بِأَيْمَانِنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي صَلَاتِنَا». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَغَيْرُهُ. (٢)

стр. 68

• وَيَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْخِيْرِ الْفِطْرِ: تَأْخِيْرُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهُوَ أَيْضًا خِلَافُ السُّنَّةِ، فَلِمُسْلِمٍ (رَقْم: ١٠٩٩) عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَ لَهَا مَسْرُوقٌ: رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كِلَاهُمَا لَا يَأْلُو عَنِ الْخَيْرِ، أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ، فَقَالَتْ: مَنْ يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ؟ قَالَ: عَبْدُ اللهِ، فَقَالَتْ: «هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَصْنَعُ». • وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ أَوْ عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ١٧٣٢٩، و ٢٣٥٣٤، و ٢٣٥٨٢)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٤١٨). (١) • وَقَوْلُهُ: «حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ»، أَي: تَظْهَرَ جَمِيعُهَا، وَيَخْتَلِطَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ؛ لِكَثْرَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا. قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيْرِ فِي "النِّهَايَةِ". • وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) • وَعَنْ رَّافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا. (٣) • قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْمَغْرِبَ تُعَجَّلُ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشِّيْعَةِ فِيهِ شَيْءٌ لَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ، وَلَا أَصْلَ

стр. 69

لَهُ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ إِخْبَارٌ عَنْ عَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الْمُتَكَرِّرَةِ الَّتِي وَاظَبَ عَلَيْهَا إِلَّا لِعُذْرٍ، فَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا. هـ. • وَمِمَّا سَبَقَ يَتَبَيَّنُ لَكَ اسْتِحْبَابُ تَعْجِيْلِ الْفِطْرِ بَعْدَ التَّحَقُّقِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَرَاهِيَّةُ تَأْخِيْرِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ فَأَخَذَا بِضَبْعَيَّ … »، الْحَدِيْث، وَفِيْهِ: «ثُمَّ انْطَلَقَ بِي، فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ، تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا! قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ». (١) • فَهَذَا الْحَدِيْثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَا عَلَى مَنْ تَعَجَّلَ الْفِطْرَ بَعْدَ غُرُوبِهَا، قَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: «مِنْ شُؤْمِ الاعْتِمَادِ عَلَى الْمُؤَذِّنِيْنَ الَّذِيْنَ يُؤَذِّنُونَ عَلَى التَّوْقِيْتِ الْفَلَكِيِّ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ سَيُفْطِرُ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ … ». (٢) • وَيَتَبَيَّنُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِأَذَانِ الْمُؤَذِّنِ إِذَا كَانَ لَا يَتَحَرِّى الْوَقْتَ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «فَالْمُعْتَبَرُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، لَا الْأَذَانُ، لَا سِيَّمَا فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ، حَيْثُ يَعْتَمِدُ النَّاسُ عَلَى التَّقْوِيْمِ!، ثُمَّ يَعْتَبِرُونَ التَّقْوِيمَ بِسَاعَاتِهِمْ، وَسَاعَاتُهُمْ قَدْ تَتَغَيَّرُ بِتَقْدِيْمٍ أَوْ تَأْخِيْرٍ، فَلَوْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَأَنْتَ تُشَاهِدُهَا، وَالنَّاسُ لَمْ يُؤَذِّنُوا بَعْدُ، فَلَكَ أَنْ تُفْطِرَ، وَلَوْ أَذَّنُوا وَأَنْتَ تُشَاهِدُهَا لَمْ تَغْرُبْ، فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُفْطِرَ. ا. هـ. (٣)

стр. 70

• وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بالتَّقَاوِيْمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ سَمَاعُ الْأَذَانِ بَعْدَ تَحَقُّقِ غُرُوبِ الشَّمْسِ. (١) • وَمَنْ يُقَدِّمُ الفَجْرَ وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ إِنَّمَا يَصْنَعُهُ احْتِيَاطًا للصَّوْمِ، زَعَمَ!، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَر ﵀: «مِنَ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ مَا أُحْدِثَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ إِيقَاعِ الْأَذَانِ الثَّانِي قَبْلَ الْفَجْرِ، بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ فِي رَمَضَانَ، وَإِطْفَاءِ الْمَصَابِيحِ الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الصِّيَامَ؛ زَعْمًا مِمَّنْ أَحْدَثَهُ أَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ! وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ إِلَّا آحَادُ النَّاسِ، وَقَدْ جَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارُوا لَا يُؤَذِّنُونَ إِلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ بِدَرَجَةٍ؛ لِتَمْكِينِ الْوَقْتِ زَعَمُوا! فَأَخَّرُوا الْفِطْرَ وَعَجَّلُوا السُّحُورَ، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ؛ فَلِذَلِكَ قَلَّ عَنْهُمُ الْخَيْرُ، وَكَثُرَ فِيهِمُ الشَّرُّ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ». (٢) • وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ كَمَا فِي "مَجْمُوعِ فَتَاوَاهُ وَرَسَائِلِهِ" (ج ١٩/ صـ: ٢٩١ - ٢٩٢) - أَنَّ وَضْعَ قِسْمٍ يُسَمَّى الْإِمْسَاكَ فِي بَعْضِ التَّقَاوِيْمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، بِحَيْثُ يُجْعَلُ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بِنَحْوِ عَشْرِ دَقَائِقَ، أَوْ رُبُعِ سَاعَةٍ، ذَكَرَ أَنَّهُ مِنَ الْبِدَعِ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مِنَ السُّنَّةِ، بَلِ السُّنَّةُ عَلَى خِلَافِهِ. • وَمِنْ بَابِ الْفَائِدَةِ فَقَدْ جَاءَ فِي "فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ" (الْمَجْمُوعَةِ الثَّانِيَةِ) (ج ٥/ صـ: ٢٣٨): أَنَّ وَضْعَ هَذِهِ التَّقَاوِيْمِ فِي الْمَسَاجِدِ لَا يَجُوزُ؛ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى صُوَرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ الْمُحَرَّمَةِ، وَلِكَوْنِهَا مِمَّا يَشْغَلُ الْمُصَلِّيْنَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِمْ لِلنَّظَرِ فِيْهَا، وَالتَّأَمُّلِ فِي أَلْوَانِهَا وَأَشْكَالِهَا، مِمَّا يَتَنَافَى مَعَ الْمَقْصُودِ مِنَ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْخُشُوعُ وَجَمْعُ الْقَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى.

стр. 71

• وَفِيْهَا أَيْضًا (ج ٥/ صـ: ٢٣٩): لَا يَجُوزُ تَعْلِيْقُ التَّقَاوِيْمِ وَالْإِمْسَاكِيَّاتِ الرَّمَضَانِيَّةِ الصَّادِرَةِ مِنْ بَعْضِ الْبُنُوكِ أَوِ الْمُؤَسَّسَاتِ التِّجَارِيَّةِ فِي الْمَسَاجِدِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَحْذُورَاتٍ شَرْعِيَّةٍ؛ كَالدِّعَايَةِ لِلْمُعَامَلَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، وَجَعْلِ بُيُوتِ اللهِ تَعَالَى مَحَلًّا لِنَشْرِ الْمُنتَجَاتِ التِّجَارِيَّةِ، وَالدِّعَايَةِ لَهَا، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُنَافِيَةِ لِحُرْمَةِ الْمَسَاجِدِ، وَمُنَاقَضَتِهَا لِمَا بُنِيَتْ لَهُ، مِنَ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَتَعْلِيْمِ النَّاسِ الْخَيْرَ، وَحَثِّهِمْ عَلَيْهِ، وَتَحْذِيْرِهِمْ مِنَ الشَّرِّ، وَتَرْهِيْبِهِمْ مِنْهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِ اللهِ تَعَاَلَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. ا. هـ. • [يَا قَوْمِ، أَلَا خَاطِبٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ إِلَى الرَّحْمَنِ!، أَلَا رَاغِبٌ فِيْمَا أَعَدَّهُ اللهُ للطَّائِعِيْنَ فِي الْجِنَان!، أَلَا طَالِبٌ لِمَا أُخْبِرَ بِهِ مِنَ النَّعِيْمِ الْمُقِيْمِ!، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعَيَانِ. مَنْ يُرِدْ مُلْكَ الْجِنَانِ … فَلْيَدَعْ عَنْهُ التَّوَانِي وَلْيَقُمْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْـ … ـلِ إِلَى نُورِ الْقُرَآنِ وَلْيَصُمْ للهِ صَوْمًا … إِنَّ هَذَا الْعَيْشَ فَانِي إِنَّمَا الْعَيْشُ جِوَارَ الْـ … للهِ فِي دَارِ الْأَمَانِ] (١) • [لَوْ رَأَيْتَ أَرْبَابَ الْقُلُوبِ وَالأَسْرَارِ، وَقَدْ أَخَذُوا أُهْبَةَ التَّعَبُّدِ فِي الأَسْحَارِ، وَقَامُوا فِي مَقَامِ الْخَوْفِ عَلَى قَدَمِ الاعْتِذَارِ، ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧].

стр. 72

• عَقَدُوا عَزْمَ الصِّيَامِ وَمَا جَاءَ النَّهَارُ، وَسَجَنُوا الْأَلْسِنَةَ فَلَيْسَ فِيْهِمْ مِهْذَارٌ، وَغَضُّوا أَبْصَارَهُمْ وَلَازِمٌ غَضُّ الأَبْصَارِ، فَانْظُرْ مَدْحَهُمْ إِلَى أَيْنَ انْتَهَى وَصَارَ، أَحْزَانُهُمْ أَحْزَانُ ثَكْلَى مَا لِهَذَا اصْطِبَارٌ، وَوُجُوهُهُمْ مِنَ الْخَوْفِ قَدْ عَلاهَا الصَّفَارُ، وَالْقَلَقُ قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ وَدَارَ، ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]. • جَدُّوا فِي انطِلَاقِهِمْ إِلَى خَلَّاقِهِمْ، وَرَاضُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَحْسِينِ أَخْلاقِهِمْ، فَإِذَا بِهِمْ قَدْ أَذَابَهُمْ كَرْبُ اشْتِيَاقِهِمْ، أَتَدْرِي مَا الَّذِي حَبَسَكَ عَنْ لَحَاقِهِمْ؟ حُبُّ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ!. أَيْقَظَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذِهِ السِّنَةِ، وَرَزَقَنَا اتِّبَاعَ النُّفُوسِ الْمُحْسِنَةِ، وَآتَانَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَوَقَانَا عَذَابَ النَّارِ.] (١) وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. * * *

стр. 73

الْمَجْلِسُ الْسَّابِعُ: فِي ذِكْرِ النِّيَّةِ فِي الصِّيَامِ • الْحَمْدُ للهِ بَارِئ الْبَرَايَا، عَالِمِ الْأَسْرَارِ وَالْخَفَايَا، أَحَاطَ عِلْمًا بِالنِّيَّاتِ وَمَا تُكِنُّهُ الصُّدُورُ وَالطَّوَايَا، فَالسِّرُّ عِندَهُ كَالْجِهَارِ، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]، فَمَا عَلَى اللهِ مِنْ خَبَايَا، أَحْمَدُهُ لَهُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ الْمُبَارَكَاتُ وَالتَّحَايَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، الْحَيُّ الَّذِيْ لَا يَمُوتُ، والْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقْصِ وَالْفَوْتِ، كَتَبَ عَلَى خَلْقِهِ الْمَنَايَا، وَقَدَّر عَلَيْهِمُ الرَّزَايَا وَالْبَلَايَا، وَجَعَلَ مَا عَلَى الْأَرْضِ زِيْنَةً لَهَا؛ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتْرُكْهُمْ سُدًى، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ هَمَلًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَرِيْمُ السَّجَايَا، أَعْظَمَ اللهُ بِهِ الْمِنَّةَ وَأَجْزَلَ الْعَطَايَا، وَهَدَى اللهُ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَخَلَّصَهُمْ مِنْ أَسْرِ الشَّيْطَانِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا لَهُ ضَحَايَا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِلْمَجْدِ رَايَاتٍ وَلِلْحَقِّ جُندًا وَسَرَايَا، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمٍ يُوَفَّى فِيْهِ الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، غَيْرَ نَدَامَى وَلَا خَزَايَا، أَمَّا بَعْدُ: • فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلِومِ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ، وَأَنَّ الْعِبَادَاتِ تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٦٦٨٩)، ومسلم (رَقْم: ١٩٠٧)، مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁. • وَمِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ: الصِّيَامُ. • وَلَا شَكَّ أَنَّ إِخْلَاصَ النِّيَّةِ للهِ شَرْطٌ لِقَبُولِ الْعَمَلِ، فَلَا يَقْبَلُ اللهُ عَمَلَ عَامِلٍ إِلَّا إِذَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، وَكَانَ رَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هُوَ الْقُدْوَةَ الْمُتَابَعَ عَلَى ذَلِكَ. • وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ فَضِيْلَةٍ مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِ الصِّيَامِ، وَهِيَ أَنَّ دُخُولَ الرِّيَاءِ فِيهِ إِنَّمَا يَقَعُ مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ الرِّيَاءَ قَدْ يَدْخُلُهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهَا.

стр. 74

• وَالحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ هِيَ: تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ، أَوْ تَمْيِيزُ مَرَاتِب الْعِبَادَاتِ. فَالأَوَّلُ: لِتَمْيِيْزِ مَا للهِ تَعَالَى عَنْ مَا لَيْسَ لَهُ، كَالْغسْلِ يَقعُ تَبَرُّدًا وَتنظِيْفًا، وَيَقَعُ عِبَادَةً مَأْمُورًا بهَا، فَإِذا نَوَى تَعْيِيْنَ أَنَّهُ للهِ تَعَالَى فَيَقَعُ تَعْظِيمُ العَبْدِ للرَّبِّ بِذَلِكَ الْغسْل، وَمَعَ عَدَمِ النِّيَّة لَا يَحْصُلُ التَّعْظِيمُ، وَكَالصَّوْمِ يَكُونُ لِعَدَمِ الْغذَاءِ وَيَكُونُ لِلتَّقَرُّبِ، فَإِذَا نَوَى حَصَلَ بِهِ التَّعْظِيمُ للهِ تَعَالَى، وَنَظَائِرُهُ فِي الْأَفْعَال كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَكَالصَّلَاةِ تَنْقَسِمُ إِلَى فَرْضٍ وَمَندُوبٍ، فَالْفَرْضُ كَالصَّلَوَات الْخمسِ، قَضَاءً وَأَدَاءً، وَالْمَنْدُوبُ يَنْقَسِمُ إِلَى رَاتِبٍ، كَالْوِتْرِ، وَغيرِ رَاتِبٍ، كَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ، وَكَذَلِكَ القَوْلُ فِي قُرُبَاتِ المَالِ وَالصَّوْم وَالنُّسُكِ، فَشُرِعَتِ النِّيَّةُ لِتَمْيِيْزِ هَذِهِ الرُّتَبِ. قَالَه الْقَرَافِيُّ ﵀. (١) • وَهَذِهِ أَهَمُّ مَسَائِلِ النِّيَّةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالصِّيَامِ: أَوَّلاً: أَنَّ النِّيَّةَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، مَحَلُّهَا الْقَلْبُ، فَالتَّلَفُّظُ بِهَا فِي الصَّوْمِ وَفِي غَيْرِهِ بِدْعَةٌ فِي الدِّيْنِ. وَالنِّيَّةُ لُغَةً: الْقَصْدُ، وَالْعَزْمُ، وَشَرْعًا: الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِ الْعِبَادَةِ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ . فَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ عَقِبَ سُحُورِهِ: (نَوَيْتُ أَنْ أَصُومَ هَذَا الْيَوْمَ … )!، بِدْعَةٌ، يَجِبُ تَرْكُهَا، وَالتَّوْبَةُ إِلَى اللهِ مِنْهَا. • وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا هُوَ شَعِيْرَةٌ مِنْ شَعَائِرِهِ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ، فَالتَّلْبِيَةُ بِنَفْسِهَا ذِكْرٌ، لَيْسَتْ إِخْبَارَا عَمَّا فِي الْقَلْبِ. (٢)

стр. 75

• قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْجَهْرُ بِهَا وَلَا تَكْرَارُهَا، وَيَنْبَغِي تَأْدِيبُ مَنْ اعْتَادَهُ. • وَقَالَ: وَالْجَهْرُ بِلَفْظِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَهُ دَيْنًا خَرَجَ عَنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجِبُ نَهْيُهُ. (١) • وَقَالَ: التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ: أَمَّا فِي الدِّينِ؛ فَلِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَأَمَّا فِي الْعَقْلِ؛ فَلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُرِيدُ أَكْلَ الطَّعَامِ، فَقَالَ: أَنْوِي بِوَضْعِ يَدِي فِي هَذَا الْإِنَاءِ أَنِّي آخُذُ مِنْهُ لُقْمَةً، فَأَضَعُهَا فِي فَمِي فَأَمْضَغُهَا، ثُمَّ أَبْلَعُهَا لِأَشْبَعَ، فَهَذَا حُمْقٌ وَجَهْلٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلْمَ، فَمَتَى عَلِمَ الْعَبْدُ مَا يَفْعَلُ كَانَ قَدْ نَوَاهُ ضَرُورَةً، فَلَا يُتَصَوَّرُ مَعَ وُجُودِ الْعِلْمِ بِهِ أَنْ لَا تَحْصُلَ نِيَّةٌ. (٢) • وَقَالَ الشَّيْخُ الْفَوْزَانُ حَفِظَهُ اللهُ: وَالتَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ كَمَا أَنَّهُ بِدْعَةٌ؛ فَقَدْ يَدْخُلُ فِي الرِّيَاءِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ للهِ وَإِخْفَاؤُهُ؛ إِلَّا مَا وَرَدَ دَلِيْلٌ بِإِظْهَارِهِ؛ فَالَّذِي يَنبَغِيْ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ وَقَّافًا عِنْدَ حُدُودِ الشَّرِيْعَةِ، عَامِلَا بِالسُّنَنِ، تَارِكًا لِلْبِدَعِ، مَهْمَا كَانَ نَوْعُهُا، وَمِمَّنْ كَانَ مَصْدَرُهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٦]. • فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّاتِ الْقُلُوبِ وَمَقَاصِدِهَا؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّلَفُّظِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ وَفِي جَمِيْعِ الْعِبَادَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ا. هـ. (٣)
следующие страницы →