← Указатели

Указатели · id 30192

أنشاب الكثب في أنساب الكتب

الجلال السيوطي

Полный текст (666 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كلمة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين. وبعد، فقد دأب مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية منذ نشأته الميمونة المباركة على الإسهام الفاعل في نشر مجموعة مختارة من أعلاق التراث ونفائسه النادرة، وتكليف نُخبة من أفاضل المحققين المتمرسين بدقائق الفن للقيام بهذه المهمة على أكمل وجه ضمن التقاليد العلمية الراسخة في مسار التحقيق، وإخراج ذلك كله في طبعات علمية أنيقة استوفت مطالب التحقيق شكلا ومضمونا، بحيث غدت منشورات المركز شامةً في وجه التراث النضير، ويتطلع إلى الإسهام فيها خيرة الباحثين والمحققين. وخلال هذه المسيرة الزاهرة أنجز المركز مجموعةً من كتب التراث القيمة التي ظفرت بتقدير أهل العلم والباحثين؛ لما توفّر لها من ضروب العناية والإتقان، وكان هذا التقدير حافزًا لمواصلة المسيرة، ومُشجّعًا على إعادة إصدار مجموعة مختارة من الكتب السابقة؛ لوضعها بين يدي الأجيال اللاحقة التي ربما لم يتيسر لها تلك النشرات الأصيلة المتميزة. في هذا السياق من الاهتمام والرغبة الصادقة في التجديد وإحياء الكنوز

стр. 2

التراثية تأتي نشرتنا لهذا الكتاب النافع «أنشاب الكثُب في أنساب الكتب» للحافظ جلال الدين السيوطي (المتوفى سنة ٩١١ هجرية)، الذي نهض بأعباء تحقيقه باحث مختص في آثار هذا العلامة الموسوعي. وهو كتاب في فن الرواية مما أسماه سلفنا الصالح بالفهارس أو المشيخات أو المعاجم، حيث يسرد العالم أسماء الكتب التي أخذها بطرق التحمّل المعتبرة من القراءة والسماع والإجازة والمناولة، فنجد فيه مرآة صادقة لتقليد من أعرق التقاليد الثقافية الراسخة في حضارتنا العربية الإسلامية، هي قيمة العلم وطرق الأخذ عن الشيوخ من خلال هذا الاستقصاء الباهر لهذه الكتب التي قاربت الثلاثة آلاف كتاب، وفي إشارة واضحة إلى مدى ما يبلغه الصبر والدأب في طلب العلم لدى أسلافنا. إن كتاب «أنشاب الكُثُب في أنساب الكتب» هو وثيقة تاريخية بالغة الدلالة على طبيعة التفكير العلمي ومدى الاهتمام بتحصيل المعرفة، وانخراط المجتمع المثقف في نشر المعرفة برجاله ونسائه، حيث نجد أسماء مجموعة من النساء اللواتي أسهمن في نشر العلم وتبليغه العلماء. وقد اقتدى السيوطي في كتابه هذا بجماعة ممن سبقوه، يأتي في مقدّمتهم حافظ عصره الإمام ابن حجر العسقلاني (المتوفى سنة ٨٥٢ هجرية) صاحب الكتاب المشهور في هذا السياق «المعجم المفهرس»، فقدّم لنا هذا الفهرست الذي يشتمل على جملة مسموعاته وقراءاته ومناولاته وإجازاته، وبلغ عدد الكتب الواردة في هذا السفر النفيس (٢٨١٩) كتابًا؛ افتتحها بصحيح البخاري، واختتمها بقصيدة الفرج للإمام أبي الفضل الأنصاري، مرورًا بمئات الكتب والأجزاء والمسانيد والمجاميع والمشيخات والأمالي، وانتهاء بدواوين بعض الشعراء الذين قلّ أن يشتغل بشعرهم علماء الحديث وفقهاء الشريعة.

стр. 3

إن من أروع ما اشتمل عليه هذا الكتاب احتفاظه بالصورة الدقيقة لتلقي العلم مع التحلي بالأمانة الأخلاقية في ذلك، فهو يذكر بالتفاصيل القدر المقروء أو المسموع من الكتاب، مع النص على القدر الفائت الذي لم يتمكن من قراءته أو سماعه، وهذا ملمح حضاري أخلاقي نادر ربما لا نجده في غير هذه الثقافة المستنيرة بنور الوحي ولهجة الصدق. وهو كذلك سجل ثمين لغير قليل من الكتب التي نسمع بها ولا نعرف من أخبارها شيئًا. كما يستفيد المؤرّخ لحركة العلم من مثل هذا الكتاب عند الحديث عن الحركة العلمية ورصد مظاهر هيمنة مجموعة محددة من الكتب وانتشارها، وهو قبل ذلك وبعده مُحفّز عظيم التأثير للهمم وبَعْثِ الإرادة لتجديد سير الآباء في طلب العلم والحفاوة الصادقة بالمعرفة. هذا وقد حظي الكتاب بعناية إضافية من المركز، مقابلة وتصحيحًا ومراجعة وفهرسة، فتضافرت جهود المحقق مع جهود المركز، فجاءت هذه الطبعة في غاية من الحسن والإجادة. د. سعود السرحان الأمين العام للمركز الرياض ٢٤ رجب ١٤٣٩ هـ الموافق ١٠ أبريل ٢٠١٨ م

стр. 4

مقدمة التحقيق هذه هي رحلتي الثالثة مع الإمام السيوطي ﵀؛ رحلتي الأولى كانت قصيرة استمرت أياماً معدودات، صحبته في رسالة صغيرة ألفها، عنوانها «جزيل المواهب في اختلاف المذاهب»، تعرفت إلى شيء من شخصية هذا العالم الفذ، وأريحيته في قبول الرأي الآخر في مسائل الفقه والحديث، وأنبأتني عن عدم تعصبه لمذهبه الشافعي، بثنائه على كل علماء الأمة، وإيراده الكثير من النصوص والحوادث من واقع السلف الصالح: الصحابة ومن بعدهم، تُبين استيعاب كل منهم لرأي الآخر، وأن الاختلاف الفقهي لم يؤثر على العلاقات الشخصية بين علماء الأمة. حببتني هذ الرحلة القصيرة بالرجل، وأيقنت أن وراء هذه الشخصية العالمة المتسامحة علماء أجلاء صقلوا شخصيته، وجعلوا منه إماماً مبرزاً في فنون شتى من المعارف والعلوم، لم يترك فنّاً من فنون العلوم إلا وكتب فيه، ما بين رسالة قصيرة في ورقة أو وريقات، وما بين كتاب ضخم في مجلدات عدة. فأحببت التعرف إلى هؤلاء العلماء والمشايخ الذين كان لهم فضل تعليم الإمام السيوطي وتدريسه، فكانت رحلتي الثانية معه، وكانت أطول من سابقتها بكثير، فصحبته في رحلة ماتعة مع شيوخه الذين أخذ عنهم شتى أنواع العلوم والمعارف، فكانت تلك الرحلة مع كتابه الذي ترجم فيه لهؤلاء الأشياخ الأجلاء، والذي سماه «المنجم في المعجم»، ورأيت في هذا «المنجم»، الكثير الكثير من الكنوز والجواهر التي زينت عنق تلميذهم النجيب السيوطي، فكان عدادهم (١٩٥) جوهرة جميلة ما

стр. 5

بين شيخ وشيخة، نهل منهم مختلف أنواع العلوم؛ من تفسير وحديث وأصول وفقه وأدب وشعر وغير ذلك. وهذه الرحلة، التي عرفتني بشيوخ هذا الإمام، زادت شوقي ورغبتي في التعرف إلى الكتب والمؤلفات التي قرأها عليهم .. فكانت الرحلة الثالثة هذه، والتي صحبته فيها شهوراً، بل سنوات عدة، زادت من حبي وإعجابي بهذا الإمام، الذي حق له أن يكون عالماً موسوعياً. كيف لا! وقد قرأ على أشياخه أو روى عنهم قرابة الثلاثة آلاف من الكتب التي ذكرها في هذا الكتاب. وما كان ينقضي عجبي من الوقت الذي قضاه السيوطي في قراءة هذه الكتب وروايتها، ثم ما كان ينقضي عجبي من الوقت الذي قضاه السيوطي في تأليف غيرها من الكتب، التي بلغت العشرات، بل المئات، ما بين رسالة صغيرة في وريقات، أو كتاب كبير في مجلدات عدة. وكنت أود أن أصحبه في رحلة رابعة، مع مؤلفاته وكتبه التي ألفها، ولكن سبقني إلى صحبته في هذه الرحلة أساتذة أجلاء وعلماء فضلاء؛ منهم: أستاذنا الدكتور يحيى محمود بن جنيد، وأحمد الشرقاوي إقبال، وسمير الدروبي، والخازندار والشيباني، فكتبوا عن مؤلفاته، ذاكرين أماكن وجود نسخها الخطية، والمطبوع منها وغير المطبوع، وما تصح نسبته إليه مما هو منتحل عليه. وكان لزاماً علي أن أقرأ ما دونه هؤلاء الجلة من العلماء في رحلاتهم مع مؤلفات الإمام السيوطي، حتى تكتمل الصورة، فأكون قد عرفت منهجه في التفكير، وعرفت شيوخه في هذا المنهج، وعرفت الكتب والمؤلفات التي قرأها على شيوخه لصقل هذا المنهج، ثم عرفت الكتب والمؤلفات التي كتبها تطبيقاً لهذا المنهج الذي رسمه لنفسه، وارتاه ديناً يدين الله به.

стр. 6

وقبل الحديث تفصيلاً عن رحلتي الثالثة مع الإمام السيوطي، أرى أنه لا بد من التعريف به تعريفاً مختصراً؛ إذ إنه، ﵀، بلغ من الشهرة بين العامة من المسلمين، فضلاً عن أهل العلم منهم، مبلغاً عظيماً، فلا يكاد يجهله أحد من المسلمين. ترجمة مؤلف هذا الكتاب وقد استأذنت الإمام السيوطي أن يعرفنا بنفسه، وذكر شيء من سيرته العطرة، وحياته العلمية؛ من طلب للعلم، وتدريس وتأليف، فأحالني على ما ذكره من ترجمته في كتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة»؛ فقال: [الاسم والأسرة]: عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان بن ناظر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الهمام الخضيري الأسيوطي. وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب اقتداء بالمحدثين قبلي، فقل أن ألف أحد منهم تاريخاً إلا وذكر ترجمته فيه؛ وممن وقع له ذلك: الإمام عبد الغافر الفارسي في «تاريخ نيسابور»، وياقوت الحموي في «معجم الأدباء»، ولسان الدين ابن الخطيب في «تاريخ غرناطة»، والحافظ تقي الدين الفارسي في تاريخ مكة، والحافظ أبو الفضل ابن حجر في «قضاة مصر»، وأبو شامة في «الروضتين»؛ وهو أورعهم وأزهدهم. فأقول: أما جدي الأعلى همام الدين؛ فكان من أهل الحقيقة، ومن مشايخ الطريق، ومن دونه كانوا من أهل الوجاهة والرياسة؛ منهم: من ولي الحكم ببلده،

стр. 7

ومنهم من ولي الحسبة بها، ومنهم من كان تاجراً في صحبة الأمير شيخون، وبنى مدرسة بأسيوط، ووقف عليها أوقافاً، ومنهم من كان متمولاً، ولا أعرف منهم من خدم العلم حق الخدمة إلا والدي. [النسبة والمولد]: وأما نسبتنا بالخضيري؛ فلا أعلم ما تكون إليه هذه النسبة إلا بالخضيرية: محلة ببغداد؛ وقد حدثني من أثق به أنه سمع والدي، رحمه الله تعالى، يذكر أن جده الأعلى كان أعجميّاً أو من الشرق؛ فالظاهر أن النسبة إلى المحلة المذكورة. وكان مولدي بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة. [طلب العلم]: وحُملت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب؛ رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد النفيسي، فبرك علي. ونشأت يتيماً، فحفظت القرآن ولي دون ثماني سنين، ثم حفظت «العمدة»، و «منهاج الفقه» و «الأصول»، و «ألفية» ابن مالك؛ وشرعت في الاشتغال بالعلم، من مستهل سنة أربع وستين، فأخذت الفقه والنحو عن جماعة من الشيوخ، وأخذت الفرائض عن العلامة فرضي زمانه: الشيخ شهاب الدين الشار مساحي؛ الذي كان يقال: إنه بلغ السن العالية وجاوز المائة بكثير، والله أعلم بذلك؛ قرأت عليه في شرحه على «المجموع»، وأجزت بتدريس العربية في مستهل سنة ست وستين. وقد ألفت في هذه السنة، فكان أول شيء ألفته: الاستعاذة والبسملة، وأوقفت عليه شيخنا شيخ الإسلام علم الدين البلقيني، فكتب عليه تقريظاً، ولازمته في الفقه

стр. 8

إلى أن مات؛ فلازمت ولده، فقرأت عليه من أول «التدريب» لوالده إلى الوكالة، وسمعت عليه من أول «الحاوي الصغير» إلى العدد، ومن أول «المنهاج» إلى الزكاة، ومن أول «التنبيه» إلى قريب من باب الزكاة، وقطعةً من «الروضة» من باب القضاء، وقطعة من «تكملة شرح المنهاج» للزركشي؛ ومن إحياء الموات إلى الوصايا أو نحوها، وأجازني بالتدريس والإفتاء من سنة ست وسبعين، وحضر تصديري. فلما توفي سنة ثمان وسبعين لزمت شيخ الإسلام شرف الدين المناوي. فقرأت عليه قطعة من «المنهاج»، وسمعته عليه في التقسيم إلا مجالس فاتتني، وسمعت دروساً من «شرح البهجة»، ومن حاشية عليها، ومن تفسير البيضاوي. ولزمت في الحديث والعربية شيخنا الإمام العلامة تقي الدين الشمني الحنفي، فواظبته أربع سنين، وكتب لي تقريظاً على «شرح ألفية ابن مالك»، وعلى «جمع الجوامع في العربية تأليفي، وشهد لي غير مرة بالتقدم في العلوم بلسانه وبنانه، ورجع إلى قولي مجرداً في حديث؛ فإنه أورد في حاشيته على الشفاء» حديث أبي الحمرا في الإسراء، وعزاه إلى تخريج ابن ماجه، فاحتجت إلى إيراده بسنده، فكشفت ابن ماجه في مظنته، فلم أجده، فمررت على الكتاب كله، فلم أجده، فاتهمت نظري، فمررت مرة ثانية فلم أجده، فعدت ثالثة فلم أجده؛ ورأيته في معجم الصحابة لابن قانع، فجئت إلى الشيخ وأخبرته، فبمجرد ما سمع مني ذلك أخذ نسخته، وأخذ القلم، فضرب على لفظ ابن ماجه، وألحق ابن قانع في الحاشية؛ فأعظمت ذلك وهبته لعظم منزلة الشيخ في قلبي، واحتقاري في نفسي، فقلت: ألا تصبرون، لعلكم تراجعون! فقال: لا، إنما قلدت في قولي ابن ماجه البرهان الحلبي. ولم أنفك عن الشيخ إلى أن مات. ولزمت شيخنا العلامة أستاذ الوجود محيي الدين الكافيجي أربع عشرة سنة؛

стр. 9

فأخذتُ عنه الفنونَ من التفسير والأصول والعربية والمعاني وغيرِ ذلكَ؛ وكتبَ لي إجازةً عظيمة. وحضرتُ عند الشيخِ سيفِ الدين الحنفي دروساً عديدةً في «الكشاف» و «التوضيح» وحاشيتهِ عليه، و «تلخيص المفتاح»، و «العَضُد». وشرعتُ في التصنيفِ في سنةِ ستٍ وستينَ، وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلاثمائةِ كتابٍ سوى ما غسلتُهُ ورجعتُ عنه. [الرحلات]: وسافرتُ، بحمدِ اللهِ تعالى، إلى بلادِ الشامِ والحجازِ واليمنِ والهندِ والمغربِ والتكرور، ولما حججتُ شربتُ من ماءِ زمزمَ لأمورٍ؛ منها: أن أصلَ في الفقهِ إلى رتبةِ الشيخِ سراج الدين البلقيني، وفي الحديثِ إلى رتبةِ الحافظِ ابنِ حجر. [سِعَةُ العِلْمِ]: وأفتيتُ من مستهلِّ سنةِ إحدى وسبعينَ، وعقدتُ إملاء الحديثِ من مستهلِّ سنةِ اثنتين وسبعين. ورُزِقتُ التبحرَ في سبعةِ علومٍ: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع؛ على طريقةِ العربِ والبلغاء، لا على طريقةِ العجمِ وأهل الفلسفة. والذي أعتقدهُ: أن الذي وصلتُ إليه من هذهِ العلومِ السبعةِ، سوى الفقهِ والنقول التي اطلعتُ عليها فيها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحدٌ من أشياخي؛ فضلاً عمَّن هو دونهم. وأما الفقهُ فلا أقولُ ذلك فيهِ؛ بل شيخي فيهِ أوسعُ نظراً،

стр. 10

وأطول باعاً؛ ودون هذه السبعة في المعرفة: أصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها: الإنشاء والترسل والفرائض، ودونها: القراءات، ولم آخذها عن شيخ، ودونها: الطب، وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني؛ وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلاً أحمله. وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى؛ أقول ذلك تحدثاً بنعمة الله تعالى لا فخراً؛ وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها بالفخر، وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب، وذهب أطيب العمر! ولو شئتُ أن أكتب في كل مسألة مصنفاً بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية، ومداركها ونقوضها وأجوبتها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها، لقدرت على ذلك، من فضل الله، لا بحولي ولا بقوتي، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. وقد كنتُ في مبادئ الطلب قرأتُ شيئاً في علم المنطق، ثم ألقى الله كراهته في قلبي. وسمعتُ أن ابن الصلاح أفتى بتحريمه فتركته لذلك، فعوضني الله تعالى عنه علم الحديث، الذي هو أشرف العلوم. [الشيوخ]: وأما مشايخي في الرواية سماعاً وإجازة فكثير؛ أوردتهم في المعجم الذي جمعتهم فيه، وعدتهم نحو مائة وخمسين (١)؛ ولم أكثر من سماع الرواية لاشتغالي بما هو أهم، وهو قراءة الدراية. _________ (١) بل بلغوا مائة وخمسة وتسعين شيخاً. ذكرهم في «المنجم في المعجم». وقد أكرمني الله وشرفني بتحقيق هذا الكتاب ونشره. وكنت اعتمدت في تحقيقه على نسختين خطيتين، إحداهما بخط المصنف، وهي مسودته، ويلحظ عليها أنه كان دائم الزيادة عليها، إذ يكثر فيها الحواشي والجزازات التي كان يلحق فيها تراجم غير التي كان كتبها أول تأليفه للكتاب.

стр. 11

[المؤلفات]: وهذه أسماء مصنفاتي لتستفاد: • فن التفسير وتعلقاته والقراءات: الإتقان في علوم القرآن، الدر المنثور في التفسير المأثور، ترجمان القرآن في التفسير، المسند، أسرار التنزيل: يسمى «قطف الأزهار في كشف الأسرار»، لباب النقول في أسباب النزول، مفحمات الأقران في مبهمات القرآن، المهذب فيما وقع في القرآن من المعرَّب، الإكليل في استنباط التنزيل، تكملة تفسير الشيخ جلال الدين المحلي، التحبير في علوم التفسير، حاشية على تفسير البيضاوي، تناسق الدرر في تناسب السور، مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع، مجمع البحرين ومطلع البدرين في التفسير، مفاتيح الغيب في التفسير، الأزهار الفائحة على الفاتحة، شرح الاستعاذة والبسملة، الكلام على أول الفتح، وهو تصدير ألقيته لما باشرت التدريس بجامع شيخون بحضرة شيخنا البلقيني، شرح الشاطبية، الألفية في القراءات العشر، خمائل الزهر في فضائل السور، فتح الجليل للعبد الذليل في الأنواع البديعية المستخرجة من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، وعدتها مائة وعشرون نوعاً، القول الفصيح في تعيين الذبيح، اليد البسطى في الصلاة الوسطى، معترك الأقران في مشترك القرآن. • فن الحديث وتعلقاته: كشف المغطى في شرح الموطا، إسعاف المبطا برجال الموطا، التوشيح على الجامع الصحيح، الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود، شرح ابن ماجه، تدريب الراوي في شرح تقريب النووي، شرح ألفية العراقي، الألفية، وتسمى «نظم الدرر في علم الأثر»، وشرحها يسمى «قطر الدرر»، التهذيب في الزوائد على التقريب، عين الإصابة في معرفة الصحابة، كشف التلبيس عن قلب أهل التدليس، توضيح المدرك في

стр. 12

تصحيح المستدرك، اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، النكت البديعات على الموضوعات، الذيل على القول المسدد، القول الحسن في الذب عن السنن، لب اللباب في تحرير الأنساب، تقريب الغريب، المدرج إلى المدرج، تذكرة المؤتسي بمن حدث ونسي، تحفة النابه بتلخيص المتشابه، الروض المكلل والورد المعلَّل في المصطلح، منتهى الآمال في شرح حديث «إنما الأعمال»، المعجزات والخصائص النبوية، شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور، والبدور السافرة عن أمور الآخرة، ما رواه الواعون في أخبار الطاعون، فضل موت الأولاد، خصائص يوم الجمعة، منهاج السنة، ومفتاح الجنة، تمهيد الفرش في الخصال الموجبة لظل العرش، بزوغ الهلال في الخصال الموجبة للظلال، مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة، مطلع البدرين فيمن يُؤتى أجرين، سهام الإصابة في الدعوات المجابة، الكلم الطيب، القول المختار في المأثور من الدعوات والأذكار، أذكار الأذكار، الطب النبوي، كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة، الفوائد الكامنة في إيمان السيدة آمنة، ويُسمى أيضاً التعظيم والمنة في أن أبوي النبي ﷺ في الجنة، المسلسلات الكبرى، جياد المسلسلات، أبواب السعادة في أسباب الشهادة، أخبار الملائكة، الثغور الباسمة في مناقب السيدة آمنة، مناهج الصفا في تخريج أحاديث الشفا، الأساس في مناقب بني العباس، در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة، زوائد شعب الإيمان للبيهقي، لم الأطراف وضم الأتراف، إطراف الأشراف بالإشراف على الأطراف، جامع المسانيد، الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة، الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة، تخريج أحاديث الدرة الفاخرة، تخريج أحاديث الكفاية - يسمى «تجربة العناية» - الحصر والإشاعة لأشراط الساعة، الدرر المنتشرة في الأحاديث المشتهرة، زوائد الرجال على تهذيب الكمال، الدر المنظم في الاسم المعظم، جزء في الصلاة على النبي ﷺ ، من عاش من الصحابة مائة وعشرين، جزء

стр. 13

في أسماء المدلسين، اللمع في أسماء من وضع، الأربعون المتباينة، درر البحار في الأحاديث القصار، الرياضة الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة، المرقاة العلية في شرح الأسماء النبوية، الآية الكبرى في شرح قصة الإسرا، أربعون حديثاً من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر، فهرست المرويات (١)، بغية الرائد في الذيل على مجمع الزوائد، أزهار الآكام في أخبار الأحكام، الهبة السنية في الهيئة السنية، تخريج أحاديث شرح العقائد، فضل الجلد، الكلام على حديث ابن عباس: «احفظ الله يحفظك»، هو تصدير ألقيته لما وليت درس الحديث بالشيخونية، أربعون حديثاً في فضل الجهاد، أربعون حديثاً في رفع اليدين في الدعاء، التعريف بآداب التأليف، العشاريات، القول الأشبه في حديث: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، كشف النقاب عن الألقاب، نشر العبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير، من وافقت كنيته كنية زوجه من الصحابة، ذم زيارة الأمراء، زوائد نوادر الأصول للحكيم الترمذي، تخريج أحاديث الصحاح - يسمى «فلق الصباح» - ذم المكس، آداب الملوك. فن الفقه وتعلقاته: الأزهار الغَضَّة في حواشي الروضة، الحواشي الصغرى، مختصر الروضة: يسمى «القنية»، مختصر التنبيه: يسمى «الوافي»، شرح التنبيه، الأشباه والنظائر، اللوامع والبوارق في الجوامع والفوارق، نظم الروضة: يسمى «الخلاصة»، شرحه يسمى: «رفع الخصاصة»، الورقات المقدمة، شرح الروض، حاشية على القطعة للإسنوي، العذب السلسل في تصحيح الخلاف المرسل، جمع الجوامع، الينبوع فيما زاد على الروضة من الفروع، مختصر الخادم: يسمى «تحصين الخادم»، تشنيف الأسماع بمسائل الإجماع، شرح التدريب، الكافي، زوائد المهذب على الوافي، الجامع في الفرائض، شرح الرحبية في الفرائض، مختصر الأحكام السلطانية للماوردي. _________ (١) وهو هذا الكتاب.

стр. 14

• الأجزاء المفردة في مسائل مخصوصة على ترتيب الأبواب: الظفر بقلم الظفر، الاقتناص في مسألة النماص، المستطرفة في أحكام دخول الحشفة، السلالة في تحقيق المقر والاستحالة، الروض الأريض في طهر المحيض، بذل العسجد لسؤال المسجد، الجواب الحزم عن حديث التكبير جزم، القذاذة في تحقيق محل الاستعاذة، ميزان المعدلة في شأن البسملة، جزء في صلاة الضحى، المصابيح في صلاة التراويح، بسط الكف في إتمام الصف، اللمعة في تحقيق الركعة لإدراك الجمعة، وصول الأماني بأصول التهاني، بلغة المحتاج في مناسك الحاج، السلاف في التفصيل بين الصلاة والطواف، شد الأثواب في سد الأبواب في المسجد النبوي، قطع المجادلة عند تغيير المعاملة، إزالة الوهن عن مسألة الرهن، بذل الهمة في طلب براءة الذمة، الإنصاف في تمييز الأوقاف، أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب، الزهر الباسم فيما يزوج فيه الحاكم، القول المضي في الحنث في المضي، القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق، فصل الكلام في ذم الكلام، جزيل المواهب في اختلاف المذاهب، تقرير الإسناد في تيسير الاجتهاد، رفع منار الدين وهدم بناء المفسدين، تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء، ذم القضاء، فضل الكلام في حكم السلام، نتيجة الفكر في الجهر بالذكر، طي اللسان عن ذم الطيلسان، تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك، أدب الفتيا، إلقام الحجر لمن زكى ساب أبي بكر وعمر، الجواب الحاتم عن السؤال الخاتم، الحجج المبينة في التفضيل بين مكة والمدينة، فتح المغالق من أنتِ طالق، فصل الخطاب في قتل الكلاب، سيف النظار في الفرق بين الثبوت والتكرار. • فن العربية وتعلقاته: شرح ألفية ابن مالك: يسمى «البهجة المرضية في شرح الألفية»، الفريدة في النحو والتصريف والخط، النكت على الألفية والكافية والشافية

стр. 15

والشذور والنزهة الفتح القريب على مغني اللبيب، شرح شواهد المغني، جمع الجوامع، شرحه يسمى «همع الهوامع» شرح الملحة، مختصر الملحة، مختصر الألفية ودقائقها، الأخبار المروية في سبب وضع العربية، المصاعد العلية في القواعد النحوية، الاقتراح في أصول النحو وجدله، رفع السِّنة في نصب الزنة، الشمعة المضيئة، شرح كافية ابن مالك، در التاج في إعراب مشكل المنهاج، مسألة ضربي زيداً قائماً، السلسلة الموشحة، الشهد شذا العرف في إثبات المعنى للحرف، التوشيح على التوضيح، السيف الصقيل في حواشي ابن عقيل، حاشية على شرح الشذور، شرح القصيدة الكافية في التصريف، قطر الندا في ورود الهمزة للندا، شرح تصريف العزي، شرح ضروري التصريف لابن مالك، تعريف الأعجم بحروف المعجم، نكت على شرح الشواهد للعيني، فجر الثمد في إعراب أكمل الحمد، الزند الوري في الجواب عن السؤال الكندري. • فن الأصول والبيان والتصوف: شرح لمعة الإشراق في الاشتقاق، الكوكب الساطع في نظم جمع الجوامع، شرحه شرح الكوكب الوقاد في الاعتقاد، نكت على التلخيص: يسمى «الإفصاح»، عقود الجمان في المعاني والبيان، شرحه، شرح أبيات تلخيص المفتاح، مختصره، نكت على حاشية المطول لابن الفنري رحمه الله تعالى، حاشية على المختصر، البديعية، شرحها، تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية، تشييد الأركان في ليس في الإمكان أبدع مما كان، درج المعالي في نصرة الغزالي على المنكر المتغالي، الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال، مختصر الإحياء، المعاني الدقيقة في إدراك الحقيقة، النقاية في أربعة عشر علماً، شرحها، شوارد الفوائد، قلائد الفرائد، نظم التذكرة: ويسمى «الفلك المشحون»، الجمع والتفريق في الأنواع البديعية.

стр. 16

فن التاريخ والأدب: تاريخ الصحابة، وقد مر ذكره، طبقات الحفاظ، طبقات النحاة: الكبرى والوسطى والصغرى طبقات شعراء العرب، تاريخ الخلفاء، تاريخ مصر هذا، تاريخ سيوط، معجم شيوخي الكبير: يسمى «حاطب ليل وجارف سيل»، المعجم الصغير: يسمى «المنتقى»؛ ترجمة النووي، ترجمة البلقينيين، الملتقط من الدرر الكامنة، تاريخ العمر؛ وهو ذيل على «إنباء الغمر»، رفع الباس عن بني العباس، النفحة المسكية والتحفة المكية، على نمط «عنوان الشرف»، درر الكلم وغرر الحكم، ديوان خطب ديوان شعر، المقامات الرحلة الفيومية، الرحلة المكية، الرحلة الدمياطية، الرسائل إلى معرفة الأوائل، مختصر معجم البلدان، ياقوت الشماريخ في علم التاريخ، الجمانة، رسالة في تفسير ألفاظ متداولة، مقاطع الحجاز، نور الحديقة من نظم القول المجمل في الرد على المهمل، المنى في الكنى، فضل الشتاء، مختصر «تهذيب الأسماء للنووي»، الأجوبة الزكية عن الألغاز السبكية، رفع شأن الحبشان، أحاسن الأقباس في محاسن الاقتباس، تحفة المذاكر في المنتقى من تاريخ ابن عساكر، شرح بانت سعاد، تحفة الظرفاء بأسماء الخلفاء، قصيدة رائية، مختصر شفاء الغليل في ذم الصاحب والخليل. وفاته: قلت: وبعد حياة حافلة من العطاء العلمي في شتى أنواع العلوم، توفي الإمام السيوطي، ﵀، سنة إحدى عشرة وتسعمائة. الرحلة مع الكتاب: ونعود للحديث عن رحلتي الثالثة مع الإمام السيوطي، وهي هذه الرحلة التي صحبته فيها مع المؤلفات والكتب التي قرأها على شيوخه ﵏. وكان دليلي في هذه الرحلة، أخي وصديقي الدكتور عبد الله بن حمد

стр. 17

المنصور، الذي دَلَّنِي مشكوراً على هذا السَّفَرِ النفيس، لما علم من عنايتي بكتب التراث عامَّةً، وكتب الإمام السيوطي خاصة. وأعلمني أن ابتداء الرحلة سيكون من تركيا، وتحديداً من مكتبة كوتاهية؛ حيث تحتفظ بنسخة فريدة من مخطوطة الكتاب تحت رقم (١٣٤٠). وعمل أخي عبد الله، جزاه الله كل الخير، على تأمين نسخة مصورة من هذا الكتاب لتبدأ مرحلة أخرى وطويلة من الرحلة مع الإمام السيوطي. توثيق صحة نسبة الكتاب للمؤلف: وقبل الشروع في هذه الرحلة الطويلة، كان لا بد من التوثُّق من صحة نسبة الكتاب إلى الإمام السيوطي. وبعد البحث والاستقصاء وجدت أنّ مِمَّا لا شك فيه صحة نسبة هذا السَّفَرِ إلى صاحبه الجليل الإمام السيوطي؛ حيث ذكره هو نفسه في أكثر من كتاب من مؤلفاته. فقد ذكره في: • حسن المحاضرة، بعنوان «فهرست المرويات». • وكذلك في التحدث بنعمة الله. • وفهرست مؤلفاته (١). • وزاد المسير في الفهرس الصغير (ص ٧٧)، حيث قال: هذا جزء لطيف لخصته من فهرستي الكبير (٢). _________ (١) طبع كتاب فهرس مؤلفات السيوطي عدة طبعات، سنعرض لها عند الحديث عن عنوان الكتاب والاختلاف فيه. (٢) قلت: لا يضر قول محقق كتاب زاد المسير، الدكتور يوسف المرعشلي، حفظه الله: «ويظهر أنه لم يصلنا»، يعني كتابنا هذا؛ فمن عرف حجة على من لم يعرف.

стр. 18

كما ذكره السيوطي في الكتاب نفسه (ص ٩١) عند ذكره إسناده في صحيح مسلم، فقال: قال ابن الصلاح: (فلا ندري حملها عنه إجازة أو وجادة). ثم قال السيوطي: وهي مبينة في الفهرست الكبير. قلت: وهذا القول بنصه ذكره المؤلف في إسناد صحيح مسلم الذي رواه في كتابنا هذا برقم (١٦). • وذكره المؤلف أيضاً في كتابه في ترجمته لنفسه، والتي أوردناها آنفاً من كتاب حسن المحاضرة، وسماه «فهرست المرويات». وهناك نصوص وأقوال أخرى ذكرها الإمام السيوطي في غير ما كتاب من كتبه، تتفق تماماً مع ما في هذا الكتاب. فعندما ذكر تصانيف الحافظ ابن حجر العسقلاني ص ٣٧٩؛ قال: «أنبأني عنه غير واحد. ولي منه إجازة عامة، ولا أستبعد أن يكون لي منه إجازة خاصة؛ فإن والدي، ﵀، كان يغشى مجالسه؛ لأنه كان ينوب عنه في الحكم، وكنت كثيراً ما أحضر مع والدي مجالس الأكابر، فلا أستبعد أن يكون صحبني معه في شيء من مجالسه». ونحن نجد هذا النص في كتابه «التحدث بنعمة الله» (١) (ص ٤٥)، كما نجده في كتاب طبقات الحفاظ (ص ٥٨٠). كما أن كثيراً من أسانيد هذا الكتاب قد وردت بنصها في كتب أخرى للإمام السيوطي؛ مثل: بغية الوعاة في طبقات النحاة، وزاد المسير في الفهرس الصغير، وغيرهما. وكثير من الأسانيد أيضاً رواها عن السيوطي من أتى بعده ممن ألف في المعاجم والمشيخات، كالرُّوداني في صلة الخلف بموصول السلف. _________ (١) التحدث بنعمة الله، ص ٤٥، تحقيق إليزابث ماري سارتين، المطبعة العربية الحديثة.

стр. 19

ودليل آخر واضح دامغ، يثبت صحة نسبة الكتاب إلى الإمام السيوطي: هو أن الشيوخ الذين يروي عنهم في هذا الكتاب هم نفسهم الذين ترجم لهم في معجم شيوخه الموسوم «المنجم في المعجم»، وقد ذكر في تراجمهم كثيراً من الكتب التي قرأها عليهم أو رواها عنهم، مما هو مذكور في هذا الكتاب. ومن أتى بعد السيوطي، من تلامذته وغيرهم ممن ترجم له، أو عُني بذكر مؤلفاته، أثبت له هذ الكتاب؛ من أمثال: • الداودي في ترجمة السيوطي (ق ٢٥). مخطوط، نسخة برلين. • عبد القادر الشاذلي في كتاب «بهجة العابدين بترجمة حافظ العصر جلال الدين السيوطي» ص ١٩٦. • حاجي خليفة في كشف الظنون ١/ ١٨٢. • والبغدادي في هدية العارفين ١/ ٥٣٦. • والكتاني في فهرس الفهارس ٢/ ٩٣١. • وفيلهلم الورت (Wilhelm Ahlwardt) في فهرس المخطوطات العربية في مكتبة برلين ١/¬١٧. • وأحمد الشرقاوي إقبال في مكتبة الجلال السيوطي ص ٩٣. • وأحمد الخازندار وإبراهيم الشيباني في كتابيهما دليل مخطوطات السيوطي وأماكن وجودها، (ص ٢٦٢) في الطبعة الأولى، و (ص ١٤١) في الطبعة الثانية. والكتابان الأخيران اعتمدا على ما جاء في كشف الظنون وهدية العارفين وعقود الجوهر للعظم.

стр. 20

عنوان الكتاب: وبعد التوثق من صحة نسبة الكتاب إلى الإمام السيوطي، كان لا بد من التوثق من صحة عنوان هذا الكتاب؛ فقد اتفق كل من سبق على ذكر الكتاب ونسبته إلى الإمام السيوطي، ولكنهم لم يتفقوا على عنوان واحد له، يوافق ما جاء في المخطوطة الوحيدة والفريدة التي اعتُمدت في التحقيق، وهو (أنشاب الكُثُب في أنساب الكتب). وقد جاء العنوان عندهم كما يأتي: في ترجمة السيوطي للداودي «أنشاب الكُثُب في أسماء الكتب». ومثله في «بهجة العابدين» للشاذلي. ومثله كذلك في الطبعة الثانية من دليل مخطوطات السيوطي وأماكن وجودها، وفي الطبعة الأولى كُتبت كلمة (انشاب) من غير ضبط لهمزة الألف. في كشف الظنون: «إنشاب الكُثُب في أنساب الكتب»، بكسر الهمزة في (إنشاب)، وباقي العنوان كما في المخطوطة. وفي هدية العارفين: «أنشاب الكتب في أنساب الكتب». فذكر «الكتب» في الموضعين. ومثله في مكتبة الجلال السيوطي. وفي فهرس الفهارس: «نشاب الكتب في أنساب الكتب»، فأسقط الألف من (أنشاب)، وجعل (الكتب) في الموضعين، كما فعل البغدادي في هدية العارفين.

стр. 21

وعند ألْوَرت في فهرس مخطوطات برلين «انشاب الكُتَب في أنساب الكُتُب». فاتفق مع ما في المخطوطة في الكلمة الأولى من العنوان (انشاب)، لكنه لم يضبط الهمزة فيها؛ إن كانت فوقية أم تحتية (أَنْشَاب أم إِنْشَاب). كما أنه خالف المخطوطة في كلمة (الكتب)، فجعلها (الكُتب)، كما عند البغدادي والكتاني، لكنه زاد عليهما بضبط الكلمة بالشكل، فكانت بضم الكاف وفتح التاء المثناة. مما سبق، نجد أنفسنا أمام مجموعة من العنوانات للكتاب متباينة فيما بينها، كما أنها تختلف قليلاً أو كثيراً عن العنوان المدوّن على المخطوطة، والتي كتبها أحد تلامذة المؤلف، وعليها خطه بالإجازة له. كما أن الداودي والشاذلي، وهما من تلامذة السيوطي، قد ذكرا العنوان مطابقاً لما هنا، بل إن الشاذلي صاحب كتاب «بهجة العابدين» لَمَّا ذكر - في الباب الثالث من كتابه - أسماء مصنفات شيخه السيوطي، قال: «هذا فهرست العالم العلامة، حافظ العصر الجلال السيوطي، من نسخة عليها خط المؤلف». ولا بد من الرجوع إلى ما ذكره المؤلف نفسه في عنوان الكتاب في مؤلفاته الأخرى. فهو قد ذكره في حسن المحاضرة، وفي التحدث بنعمة الله، وفي زاد المسير في الفهرست الصغير، بعنوان «فهرست مروياتي»، أو «فهرست المرويات»، دون التصريح بالعنوان الذي بين أيدينا. إلا أنه صرح به في فهرس مؤلفاته، مضافاً للعنوان الأول. وقد طبع فهرس مؤلفات السيوطي طبعات عدة؛ أولها بتحقيق أستاذنا الدكتور يحيى محمود بن جنيد، ونشره في مجلة عالم الكتب بالرياض، مج ١٢، عدد ٢، شوال، سنة (١٤١١ هـ).

стр. 22

كما نشره الدكتور سمير الدروبي في مجلة مجمع اللغة العربية الأردني العدد ٥٧، السنة الثالثة والعشرون، سنة (١٤٢٠ هـ). ونشره أيضاً الدكتور يوسف مرعشلي مع كتاب زاد المسير في الفهرس الصغير، في دار البشائر الإسلامية في بيروت، سنة (١٤٢٨ هـ). وجاء العنوان في نشرة مجلة عالم الكتب «فهرست المرويات: تُسمى إنشاب الكتب في أسماء الكتب». وفي طبعة دار البشائر «فهرست المرويات: يسمى إنشاب الكتب في أسماء الكتب». وفي نشرة مجمع اللغة العربية الأردني «فهرست المرويات: يُسمى أنشاب الكتب في أسماء الكتب». فهذه النشرات الثلاث لفهرس المرويات اتفقت على عنوان واحد، وهو «أنشاب الكتب في أنساب الكتب»، على أن ضبط كلمة (أنشاب) في نشرة الدروبي جاء بفتح الهمزة لا كسرها، كما في النشرتين الآخرين. وأمام هذا الاختلاف والتباين في ضبط العنوان، فإنني أميل إلى ترجيح ما ورد في عنوان المخطوط الذي بين أيدينا، والمعتمد في التحقيق؛ لأنه كُتب في حياة المؤلف، وعليه خطه، كما أن من كتبه هو أحد تلاميذ السيوطي، ﵀. ويعضد هذا الترجيح ما جاء في كتابين لتلميذين من تلامذة المؤلف؛ وهما الداودي والشاذلي، وهما أعرف من غيرهما بتصانيف شيخهما. وزيادة على ذلك، فإن الشاذلي، كما أسلفنا، نقل أسماء مصنفات السيوطي، وهذا منها، من نسخة من «فهرست مروياته» عليها خطه، أعني خط السيوطي.

стр. 23

أما ما ورد في النسخ الثلاث المطبوعة من «فهرست المرويات»، والاختلاف فيما بينها، فلا يعدو أن تكون كلمة (الكتب)، بالتاء المثناة، قد صُحفت عن كلمة (الكثب)، بالثاء المثلثة؛ إما في أصول النسخ الخطية التي اعتمدت في التحقيق، أو أنها قُرئت خطاً من قبل المحققين الفضلاء. ورغم ذلك، أرى أنه لا بد من محاولة التدليل على ما ذهبت إليه في إثبات هذا، وفي الوقت نفسه توجيه الصيغ الأخرى للعنوان، والتي سبق ذكرها. ويمكن حصر الاختلاف في العنوان في كلمتين: (أنشاب)، و (الكثب). أما (أنشاب)، فالاختلاف الوارد عند من ذكروها: هل هي بفتح الهمزة (أنشاب)، أم بكسرها (إنشاب)؟ و (الكثب) في الموضوع الأول: هل هي بالثاء المثلثة (الكثب)، أم بالتاء المثناة (الكتب)؟ وإذا كانت بالتاء، فهل هي بضم التاء (الكُتُب)، أم بفتحها (الكُتَب)، كما ضبطها ألورت؟ فكان لزاماً علينا تفسير معنى هاتين الكلمتين مدار الاختلاف، والعمل على إيجاد رابط لغوي بينهما، يكون مقبولاً وموافقاً لما جاء في عنوان الكتاب، ومدللاً على معنى العنوان وفحوى الكتاب. وبالرجوع إلى كلمة (أنشاب) في كتب اللغة، نجد أن أصلها (نشب)، وقد قال الزبيدي في تاج العروس، مادة (نشب): «نَشبَ العظم … ؛ أي: عَلِقَ فيه … . وأَنْشَبَه، فانْتَشَبَ، ونَشَّبَه، بالتشديد: أَعْلَقَه». وقال أيضاً: «نشب الشيء في الشيء نَشَباً، كما ينشب الصيد في الحبالة». أي: إن المقصود بالنشب هو علوق شيء بشيء حتى لا يستطاع الفكاك منه. أما كلمة (الكُثُب)؛ فهي جمع (كثيب)، وتُجمع أيضاً على (كثبان) و (أكثبة).

стр. 24

وقال الزبيدي في تاج العروس (كَثَب): «والكَثِيبُ: هو التَّلُّ المُسْتَطِيلُ المُحْدَوْدِبُ من الرَّمْل. وقيل: الكَثِيبُ من الرَّمْل: القِطْعَةُ تَنْقادُ». وبجمع معنى الكلمتين، نجد أنهما تدلان على تماسك هذه (الكُثُب) بعضها مع بعض، حتى تبدو وكأنها سلسلة واحدة، لا ينفك واحد منها عن الآخر، كما يتضح من هاتين الصورتين.

стр. 25

وقد سألت صديقنا الدكتور عوض البادي عن هذه الكلمة (أنشاب) وعلاقتها بالكُثُب، كونه من أهل منطقة الجوف في البادية الشمالية للمملكة العربية السعودية، التي تكثر فيها كُثُب الرمال، وكأنها أمواج البحر، فأفادني بأن كلمة (أنشاب) تعني (الأكتاف) من الإنسان، وهو أعلى ما في الجسم بعد الرأس، كما تُستعمل، مجازاً، للدلالة على أعلى الكثيب من الرمل، أو هي الكثبان المتشابكة. وأرى هذا القول متوافقاً - إلى حد كبير- مع ما ذكره الزبيدي في تفسيره للكثيب بأنه «التَّلُّ المُسْتَطِيلُ المُحْدَوْدِبُ من الرَّمْل». وكأن أعلى هذه الكُثُب قد نشب بعضه في بعض وعلق وتماسك. يبقى القول في همزة (أنشاب): هل هو بفتحها، فتكون (أنشاب)، جمع (نشب)، أم بكسرها، فتكون (إنشاب) على المصدر؛ أي: ربط هذه الكتب بعضها في بعض؟ وأرى أن كلا القولين له وجه، لكن الأولى إثبات ما أثبته المؤلف وتلاميذه من بعده في كتبهم. والله أعلم. وكما جمعنا كلمتي المقطع الأول من العنوان، وهو (أنشاب الكُثُب)، فلا بد من جمع الكلمتين الأخريين في المقطع الثاني، وهما (أنساب الكتب)، ثم جمع المقطعين بعد ذلك ليتضح معنى العنوان كاملاً. فأنساب الكتب، هي كأنساب القبائل والجماعات، يتصل النسب من الجد الأعلى إلى مَنْ دونه من ذريته. وكذلك الكتاب؛ تتصل سلسلة إسناده، أو (نَسَبُه) من مؤلفه إلى من دونه من الرواة عنه، حتى تكون حلقات يرتبط بعضها ببعض كالسلسلة. وهذا ما يميز أمة الإسلام عن غيرها من الأمم؛ أنَّ كتبها معروفة النسب، مروية بسلسلة من الرواة يلحق آخرها بمن قبله حتى يصل إلى مؤلف الكتاب، وقل مثل ذلك في رواية الأحاديث والأخبار. ويؤيد ذلك ما نقله المؤلف (ص ٦١) عن الحافظ ابن حجر: «الأسانيد أنساب الكتب».

стр. 26

وعندئذ نقول في توضيح العنوان: إن أنساب (الكتب) التي رواها الإمام السيوطي، ﵀، بسلسلة لا تنقطع من الأسانيد عن شيوخه، إلى مصنفي هذه الكتب، هي تماماً كسلسلة (الكُثُب) من الرمل التي لا ينفك بعضها عن بعض. أما ما ورد بأن العنوان هو «أنشاب الكتب في أنساب الكتب»، على اعتبار أن كلمة (الكتب) قد تكررت مرتين في العنوان، كما ورد في الطبعات الثلاث لفهرست مرويات السيوطي، وفي هدية العارفين للبغدادي، وفي فهرس مكتبة برلين لألورت، ومكتبة الجلال السيوطي لأحمد الشرقاوي إقبال، فإن اعتبرنا أن (الكتب) الأولى مشابهة للثانية في الضبط؛ أي: بضم الكاف والتاء، فلا معنى لذلك حينئذ، مع مخالفته لمطلب السجع الذي كان مستعملاً ودارجاً عند المؤلفين في عنونة كتبهم. وأما إذا قلنا بما أورده ألورت في فهرس مخطوطات برلين من ضبط كلمة (الكتب) الأولى بضم الكاف وفتح التاء المثناة (الكُتَب)، وإن كنا لا نعلم مستنده في ذلك، فإنه يمكن توجيه هذا الضبط من خلال تفسير كلمة (الكتب). وبالرجوع إلى تاج العروس، نجد قول الزبيدي في مادة (كتب): (الكُتبَةُ، بالضَّمِّ: السَّيْرُ الَّذِي يُخْرَزُ بِهِ المَزَادَةُ والقِرْبَة، وجَمْعُهَا كُتَبٌ). فعلى ذلك يمكن تفسير العنوان بأن سلسلة أنساب الكتب أو أسانيدها هي مثل سلسلة السير الذي (ينشب) في جلد القربة أو المزادة، فيضم أطرافها بعضها إلى بعض. هذا ما ظهر لي من القولين، وقد أهملت قولاً ثالثاً، وهو ما ورد عند الكتاني في فهرس الفهارس (نشاب الكتب … )، بإسقاط الألف من (أنساب)، فهو مخالف لما ورد عند جميع من ذكر العنوان على تباين واختلاف فيما بينهم، كما أسلفنا. وقد يكون من أخطاء الطبع. وبعد، فإني أرجح القول الأول، وهو العنوان المدون على المخطوطة، لمطابقته ما ذكره تلامذة المؤلف أولاً، ولأنه الأقرب إلى التفسير اللغوي ثانياً.

стр. 27

ويبقى الأمر اجتهاداً، وباب الاجتهاد في ذلك مفتوح أمام الباحثين ليدلوا بدلوهم في هذا. والله الموفق والهادي للصواب. وصف النسخة: وبعد التوثق من صحة نسبة الكتاب، ثم التوثق من صحة العنوان، رأيت من المستحسن وصف هذا السفر النفيس وذكر ناسخه، ومالكيه، وعدد أوراقه، وما إلى ذلك. وحال هذه المخطوطة كحال كثير من المخطوطات العربية، فقد هاجر كثير منها من بلد إلى آخر، وهذه المخطوطة كتبت في مصر، ثم سافرت وارتحلت حتى حل بها المقام في مكتبة كوتاهية في البلاد التركية، وهي محفوظة في هذه المكتبة برقم (١٣٤٠) (١). وتقع في ١٣٦ ورقة، في كل منها ٢٧ سطراً. وتاريخ نسخها هو: يوم الأربعاء سادس عشر جمادى الآخرة سنة (٨٩٠ هـ). _________ (١) وهم كثير من الباحثين الذين ذكروا هذا الكتاب، فظنوا أنه موجود في مكتبة برلين بألمانيا، اعتماداً على ما ذكره ألورت (Wilhelm Ahlwardt) في فهرس المخطوطات العربية ببرلين ١/¬١٧. وألورت إنما ذكر العنوان مجرد ذكر في معرض إيراده لمجموعة من العناوين التي تُعنى بالكتب والكتابة بشكل عام؛ مثل: كتاب الفهرست للنديم، والدر الثمين في أسماء المصنفين، وتنميق النطاقة في علم الوراقة للسخاوي، وغير ذلك. وقد أورد هذه العناوين بعد أن ذكر مجموعة من المخطوطات في هذا الفن، والموجودة فعلاً في مكتبة برلين. ومن منهج ألورت أن يسرد المخطوطات التي تعنى بفن معين، فيذكر عنوانها ومؤلفها وعدد أوراقها وتاريخ نسخها … ثم يذكر كتباً أخرى في الفن نفسه، ولكن لا توجد في مكتبة برلين، التي عمل لها الفهارس.

стр. 28

وكُتِبَ عنوانها، وكذلك عنوانات الكتب في المتن بالمداد الأحمر، أما الأسانيد فكتبت بالمداد الأسود. وخطها نسخي جميل، إلا أن جمال الخط لا يشفع للناسخ ما وقع فيه من تحريفات وتصحيفات في النص، عملت على إصلاحها وتصويبها، وقد نبهت على ذلك في مواضعه من الحواشي. وقد أصابت الرطوبة الخفيفة الورقة الأولى منها، ولم تؤثر على قراءة النص. إلا أن مجلد المخطوط، سامحه الله، قام بقص أوراقها من دون أن يتنبه إلى أن هناك كلاماً قد ذهب بهذا الفعل، ومنه الإجازة التي كتبها المؤلف بخطه لناسخ هذا الكتاب. وهناك نصوص أخرى جار عليها مقص المجلد، عملت على استدراكها من مظانها في الكتب الأخرى، أشرت إليها في أماكنها من الكتاب. أما الناسخ، فهو (بدر الدين أبو المحاسن حسن)، إلا أنه لم يدوّن اسمه على هذه المخطوطة، لا في أولها، ولا في نهايتها عند تدوينه تاريخ النسخ. لكننا نجد اسمه، أو جزءاً من اسمه، في إجازة المصنف له، والتي دونها على الورقة الأولى من المخطوطة. وجاء في هذه الإجازة ما نصه: «الحمد لله،، سمع من لفظي هذا السند صاحب الكتاب، الجناب العالي الفاضلي الكاملي بدر الدين أبو المحاسن حسن [. . . . .]، وأجزت له ولأولاده وذريته رواية جميع ما تضمنه هذا الفهرس، وسائر ما لي من تأليف ونظم ونثر. كتبه الفقير عبد الرحمن [. . . . . .]». وقد أثر القص على الورقة، فذهب ببعض كلمات الإجازة. والله المستعان. لكنني اهتديت بفضل الله، إلى هذا الناسخ، وهو من المهتمين بتصانيف

стр. 29

شيخه السيوطي. وقد ترجم له السخاوي في الضوء اللامع (٣/ ١٣٠) ترجمة مختصرة، فقال: «حسن بن ثابت بن إسماعيل بن علي، البدر الزمزمي المكي. حفظ البهجة والألفية، وعرضهما على جماعة، وتميز في الفرائض والحساب، وأخذهما عن قريبه نور الدين، وفي الميقات؛ أخذه عن قريبه الجمال محمد بن أبي الفتح، ودخل الشام وغيرها». كما ترجم له النجم الغزي في الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة (١/ ١٧٧)؛ فقال: «حسن بن ثابت بن إسماعيل، الشيخ الإمام الحيسوب المفيد، بدر الدين الزمزمي المكي. خادم بئر زمزم، وسقاية العباس، رضي الله تعالى عنه، نزيل دمشق الشافعي. أخذ العلم عن قريبه الشيخ إبراهيم الزمزمي وغيره، ثم اعتنى بعلم الزيارج، وبتصانيف الشيخ جلال الدين السيوطي، رحمه الله تعالى. وتوفي بالمدرسة الباذرائية داخل دمشق في سابع عشر ربيع الأول تقريباً، سنة إحدى وعشرين وتسعمائة تحقيقاً، و دفن بمقبرة باب الصغير، رحمه الله تعالى». وعن الغزي أخذ الترجمة ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب (١٠/ ١٤١). ويبدو أن الزمزمي هذا كان مهتماً بنسخ الكتب واقتنائها، ومنها تصانيف الجلال السيوطي، كما ذكر الغزي؛ فقد كتب نسخة من كتاب «المطالع السعيدة في شرح الفريدة» للسيوطي، وهي محفوظة في مخطوطات مكتبة العلامة الجليلي في كرمانشاه بإيران (١)، كما كتب نسخة من كتاب «الكوكب الدري» لجمال الدين الإسنوي، المتوفى سنة (٧٧٢ هـ). وهذه النسخة محفوظة في مكتبة شيستربيتي، ومنها نسخة في جامعة الكويت برقم (٤٢٦٩). _________ (١)http://www.alhassanain.com/arabic/magazin/torathena/torathena_5/65.html

стр. 30

قيود التملك: ولأهمية هذه المخطوطة، ولشهرة مؤلفها، ولاهتمام ناسخها بكتب المؤلف السيوطي، فقد تنافس العلماء من مفتين وقضاة، على شرائها واقتنائها ومطالعتها، تعاقبوا على شرائها، في أكثر من مصر وقطر. ١ - وكان من أوائل من ملك هذه النسخة: (يحيى بن محمد الملاح)، فكتب بخطه: «ملك العبد الفقير يحيى بن محمد الملاح». ويظهر أن يحيى الملاح كان مولعاً باقتناء الكتب عامة، وكتب التاريخ خاصة؛ فقد وجدت له تملكاً على الجزء السابع من تاريخ ابن كثير المحفوظ في المكتبة الأحمدية بحلب، ونص التملك: (في نوبة الفقير يحيى بن محمد الملاح عفي عنه) (١). كما وجدت له تملكاً على تاريخ ابن قاضي شهبة، ونصه: (ملك العبد الفقير يحيى بن محمد الملاح عفي عنهما). ووجدت له كذلك تملكاً على شرح كتاب في الفقه الشافعي، من تأليف عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر الإسنوي، الشافعي، المتوفى سنة (٧٧٢ هـ). والمخطوط محفوظ في المكتبة الخالدية في القدس برقم (٩٥٥). واقتنى كذلك نسخة من كتاب «الهوامل والشوامل»، وهي محفوظة الآن في مكتبة أيا صوفيا بتركيا، برقم (٢٤٧٦) (٢). وقد ورَّث يحيى الملاح حبَّ العلم لبنيه، فسلكوا مسلكه، وساروا على نهجه. وكان منهم ابنه عبد الرحمن بن يحيى بن محمد الملاح، المتوفى سنة (١٠٤٤ هـ). _________ (١) البداية والنهاية لابن كثير ١/ ٦٣. (٢) المخطوطات الألفية في مكتبات تركيا، الدكتور رمضان ششن. http://alalbayt.org.lb/web/NewsDetails.aspx?id=172&category=ArticlesStudi es&language=ar

стр. 31

وقد ترجم له المحبي في خلاصة الأثر (٢/ ٤٠٤)، فقال: «عبد الرحمن بن يحيى بن محمد الملاح الحنفي المصري، الناظم الناثر، الكاتب الشاعر، أوحد أهل زمانه، والمتميز بالفضل على أقرانه. كان أديباً فاضلاً شاعراً مجيداً، زاحم بمنكبه صدور الأماجد، ونظم مع بلغاء عصره ذوي المحامد، له نظم أرق من النسيم، ونثر أحلى من التسنيم، وكان له حظوة تامة عند الأستاذ الشيخ زين العابدين بن محمد البكري، ثم لازم بعده أخاه أبا المواهب، ثم لازم الشيخ أحمد بن زين العابدين، وكان كاتب يد الجميع، إلى أن اخترمته المنية … وكانت وفاته في يوم الثلاثاء ثامن عشر شعبان سنة أربع وأربعين وألف بمصر، وصلي عليه بجامع الأزهر في مشهد عظيم لم ير مثله، حضره أكابر العلماء رحمه الله تعالى». كما ترجم له الزركلي في الأعلام (٣/ ٣٤١ - ٣٤٢)، ونقل بعض ما عند المحبي في «خلاصة الأثر»، وزاد على ذلك بأن لعبد الرحمن الملاح كتاب «قرة العين في فرح الزين»، وصف فيه بعض عادات مصر في أيامه وصفاً بديعاً. قلت: وقد طبع هذا الكتاب بتحقيق: محمد رضوان الداية، في المجمع الثقافي بالإمارات العربية المتحدة، سنة (٢٠٠٣ م). ولعبد الرحمن بن يحيى بن محمد الملاح أيضاً كتاب «العرف الندي في تخميس لامية ابن الوردي»، منه نسخة خطية محفوظة في جامعة الملك سعود برقم (٧٤٣٩). ٢ - ثم تملك هذه النسخة عالم آخر، له مكانته العلمية والوظيفية والاجتماعية، وهو: أحمد بن عبد الحليم الحسني، الذي عرف بنفسه في قيد تملكه للكتاب بقوله: «ثم استسعد تملكه العبد الفقير السيد أحمد بن عبد الحليم الحسني، القاضي بالغربية، ونقيب السادة الأشراف بالديار المصرية، عفا عنهما رب البرية».

стр. 32

ولم أعثر على ترجمة لهذا العالم الشريف القاضي، بيد أن قاضياً ونقيباً للأشراف في الوقت نفسه، لا بد أن يكون له مكانة علمية واجتماعية رفيعة بين معاصريه. - وتملك ثالث في غاية الأهمية والنفاسة، دون على صفحة العنوان، ونصه: «في نوبة شرف الدين ابن شيخ الإسلام، عفا الله عنه، آمين». وشرف الدين هذا هو: يحيى بن زين الدين بن محيي الدين بن ولي الدين، ابن شيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري، وكان بلقبه المذكور (شرف الدين) اشتهر وعُرف. وهو الذي كان يكتب في إمضائه على الكتب التي كان يقتنيها، وهي كثيرة جداً، ومنها كتاب السيوطي هذا. وقد ترجم له المحبّي في خلاصة الأثر (٢/ ٢٢٢)، والكتاني في فهرس الفهارس (٢/ ١٠٦٤). ومما جاء في ترجمته: «كان له اعتناء تام بالأسانيد ومعرفة الشيوخ وموالدهم ووفياتهم، وكانت كتبه كثيرة، بحيث إنه اجتمع عنده كتب جده شيخ الإسلام، ومن جاء بعده من أسلافه على كثرتها، وأضاف إليها مثلها شراء واستكتاباً، فكان إذا أتاه كتاب؛ أي كتاب، للبيع، لا يخرجه من بيته ولو بزيادة ثمن مثله. وكان حريصاً على خطوط العلماء، ضنيناً بها. وإن عنده من طبقات السبكي ثماني عشرة نسخة، وثمانية وعشرين شرحاً على البخاري، وأربعين تفسيراً. ولما مات فرقت كتبه شذر مذر، وكانت تباع بالزنبيل بعد أن كان يشخ بورقة. ولد سنة (١٠٣٠) تقريباً، وتوفي في رجب سنة (١٠٩٢)». وقد جمع أحد الباحثين ما وصل إليه من مخطوطات كان قد اقتناها شرف الدين ابن شيخ الإسلام، فزادت على ٦٠ مخطوطة، فوضعها بين يدي الباحثين في موقع (دونكم تراثكم) على شبكة الإنترنت (١). _________ (١)http://wadod.org/vb/showthread.php?t=2206

стр. 33

إذاً، نحن أمام مالك ثالث لهذه المخطوطة كانت له مكانة علمية واجتماعية عالية. ٤ - ومالك رابع، كذلك كانت له مكانة علمية واجتماعية عالية، وهو الذي آلت إليه هذه النسخة، واستقرت في مدينة (كوتاهية)، ألا وهو مفتي هذه المدينة، وقد كتب بخطه: «من ودائع الدهر لدى الفقير إليه عز شأنه عبد الله، المفتي بمدينة كوتاهية»، ثم مهر خاتمه ونصه: «وما توفيقي واعتصامي إلا بالله. عبد الله». ٥ - وهناك كذلك مجموعة من التملكات والأختام التي جنى عليها جان فطمسها وأزال معالمها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. مما سبق يتبين أن هناك قيمة إضافية لهذه المخطوطة، تتمثل في العلماء والوجهاء الذين تعاقبوا على قراءتها وشرائها وتملكها، فأصبحت غنية بموضوعها، وغنية بمؤلفها، وغنية بناسخها، وغنية بملاكها. وزادها غنى ونفاسة تلك التعليقات والتصحيحات التي كتبت على حواشيها؛ من الناسخ أو مِمَّنْ ملكها من بعده. فنجد أحياناً تعليق فائدة مما ورد في إسناد ما، أو تصويباً لخطأ وقع في النسخ، أو إعادة كتابة عناوين بعض الكتب على الهامش، ربما لأهميتها عند قارئ المخطوطة. وتكرر كثيراً على هوامش المخطوطة كلمة (يحفظ)، ويدل ذلك على أن من كتب هذه الكلمة كان يقرأ من هذا الكتاب قراءة بحث ودرس، لا مجرد مطالعة. منهج السيوطي في الكتاب بين السيوطي منهجه في مقدمة مختصرة لكتابه هذا. ويمكن إجمال هذا المنهج في عدة نقاط، وقد أقتبسها من كلام السيوطي نفسه، ثم أعلق عليها.

стр. 34

١ - أنه جمع فهرست جميع أسانيد مروياته بالقراءة والسماع والمناولة والإجازة والمكاتبة. ٢ - قال: «فقد يكون للكتاب الواحد عدة أسانيد، فأقتصر على إسناد واحد، لحصول المقصود به؛ طلباً للاختصار». قلت: لم يلتزم السيوطي، ﵀، بشرطه هذا، فكثيراً ما يروي الكتاب الواحد بأسانيد متعددة، وتجد مصداق ذلك في أول كتاب يرويه، وهو صحيح الإمام البخاري، فانظره في مكانه لترى الأسانيد الكثيرة التي روى بها هذا الكتاب. ٣ - جعل عمدته في تأليف هذا الكتاب، كتاب الحافظ ابن حجر العسقلاني «المعجم المفهرس» (١)، فقال: «وعمدت إلى «فهرست» حافظ وقته قاضي القضاة الشهاب أبي الفضل ابن حجر، فلخّصت غالب ما فيه، ولم أترك منه إلا النزر اليسير من المعاجيم والمشيخات والأجزاء، وعرضت من ذلك مهمات كتب خلا عنها «فهرسته»، رمزت عليها صورة». قلت: سنبحث لاحقاً تأثر السيوطي بالحافظ ابن حجر، ومحاولته في الوقت نفسه التميز عنه، كما نبحث أيضاً أوجه الشبه والاختلاف بين كتابي السيوطي وابن حجر. ٤ - بين السيوطي مصادره التي اعتمد عليها في هذا الكتاب؛ ومنها: فهرست _________ (١) طبع هذا الكتاب بتحقيق محمد شكور محمود امرير المياديني عام (١٤١٨ هـ)، في مؤسسة الرسالة. وقد شاب هذه الطبعة كثير من التحريفات والتصحيفات التي قلما تخلو منها صفحة واحدة من صفحاته. وقد نبهت على النزر اليسير منها في ثنايا التعليقات والحواشي.

стр. 35

عز الدين ابن جماعة، وفهرست السراج القزويني، وفهرست الحافظ ولي الدين العراقي، ومجاميع المحدث كمال الدين الشمني. كما ذكر غيرها في ثنايا الكتاب، مثل: «تاريخ بغداد» لابن النجار؛ حيث نقل نصا في كتاب «القراآت الشواذ»، لقطرب النحوي، الوارد برقم (٢٣٣٥)، ثم قال: «كتبته من تاريخ بغداد لابن النجار». ٥ - وعن منهجه في ترتيب الكتاب يقول: «وراعيت ترتيب «فهرست» الحافظ ابن حجر غالبا؛ لأنه أنسب. فبدأت بالجوامع، ثم بالمسندات، ثم بالأبواب المفردات، ثم بفنون الحديث، ثم الأمالي، ثم بفوائد الشيوخ، ثم الأجزاء، مرتبا على حروف المعجم، على ما يشتهر به ذلك الجزء، والتواريخ، ونحوها، ثم المعاجم والمشيخات، ثم الأربعينات، ثم التصانيف في سائر الفنون من فقه ونحو ولغة وتصوف، ثم بدواوين الشعر». ثم قال: «إلا أني حيث ذكرت كتابا، أتبعته بسائر ما لصاحبه من الكتب؛ لأني رأيت جمع تصانيف الرجل الواحد في مكان واحد أليق وأنسب وأقرب إلى الاختصار». قلت: لم يلتزم بشرطه هذا في بعض الأحيان، فهو يذكر كتب أحد العلماء، ويتبعها بكتب عالم غيره، ثم يعود إلى ذكر المؤلف الأول فيما بعد. وقد نبهت على ذلك في مواضعه. انظر على سبيل المثال الأرقام (٣٢٠ و ٦٠٤ و ٦٨٦ و ٨٧٧ و ٩٢٢ و ١٠٣١ و ١٠٧٨). كما أنه قد يكرر الكتاب الواحد مرتين، في موضعين مختلفين. إلا أنني لم ألتفت إلى ذلك التكرار في ترقيم الكتب، بل جعلت لكل كتاب رقما واحدا، وإن تكرر وروده فيما بعد، وأكتفي بأن أتبع الرقم المكرر بحرف (م).

стр. 36

بين ابن حجر والسيوطي: كانت شخصية الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ من الشخصيات المحببة إلى الحافظ السيوطي، بل إنه تمنى أن يكون مثله في سعة العلم والحفظ، بل إنه دعا ربه أن يكون كذلك، وكان هذا الدعاء في أحب البقاع إلى الله، مكة المكرمة، وفي أفضل الأيام والشهور، في الأشهر الحرم في موسم الحج، وعند شربه ماء زمزم، الذي قال فيه المصطفى ﷺ «ماء زمزم لما شرب له»، وفي ذلك يقول: «ولما حججت، شربت من ماء زمزم، لأمور؛ منها: أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر». بل إنه كان يتوق إلى أن يكون الحافظ ابن حجر أحد مشايخه الذين أجازوه بالرواية، فعند روايته تصانيف الحافظ ابن حجر ص ٣٧٩، قال: «أنبأني عنه غير واحد. ولي منه إجازة عامة، ولا أستبعد أن يكون لي منه إجازة خاصة؛ فإن والدي، ﵀، كان يغشى مجالسه؛ لأنه كان ينوب عنه في الحكم، وكنت كثيراً ما أحضر مع والدي مجالس الأكابر، فلا أستبعد أن يكون صحبني معه في شيء من مجالسه. وقد وقفت على استدعاء بخط أحد الفضلاء، شهاب الدين الزواوي، سأل فيه الإجازة لمن وقف على هذا الاستدعاء، وأجاز فيه الحافظ ابن حجر، فدخلت في هذه الإجازة بوقوفي عليه». وإعجاب السيوطي بشخصية الحافظ ابن حجر جعلته يقلده في كتابه هذا؛ من حيث الترتيب الموضوعي، ثم ترتيب الكتب نفسها في الموضوع الواحد. وأنقل هنا ما ذكره المصنف في مقدمة كتابه مما يتعلق بالحافظ ابن حجر، ثم أعلق عليه بما يقتضيه الكلام.

стр. 37

قال ﵀: «وعمدت إلى «فهرست» حافظ وقته قاضي القضاة الشهاب أبي الفضل ابن حجر، فلخّصت غالب ما فيه، ولم أترك منه إلا النزر اليسير من المعاجيم والمشيخات والأجزاء. وعرضت من ذلك مهمات كتب خلا عنها «فهرسته»، رمزت عليها صورةً». وقال في آخر المقدمة: «وراعيتُ ترتيب «فهرست» الحافظ ابن حجر غالباً؛ لأنه أنسب. فبدأت بالجوامع، ثم بالمسندات، ثم بالأبواب المفردات، ثم بفنون الحديث، ثم الأمالي، ثم بفوائد الشيوخ، ثم الأجزاء مرتباً على حروف المعجم، على ما يشتهر به ذلك الجزء، والتواريخ، ونحوها، ثم المعاجم والمشيخات، ثم الأربعينات، ثم التصانيف في سائر الفنون من فقه ونحو ولغة وتصوف، ثم بدواوين الشعر. إلا أني حيث ذكرتُ كتاباً، أتبعته بسائر ما لصاحبه من الكتب؛ لأني رأيت جمع تصانيف الرجل الواحد في مكان واحد أليق وأنسب وأقرب إلى الاختصار». وأنا أعلق على ما ذكره السيوطي في نقاط مفصلة، أبينها فيما يأتي: ١ - روى الحافظ ابن حجر في فهرسته (١٩٦٠) كتاباً، ولم يذكر مصنفات مؤلف ما مجملة، كما فعل السيوطي في كثير من الأحيان، حيث يقول، على سبيل المثال: (١١٣٦) تصانيف الحافظ المقرئ أبي العلاء الحسن بن أحمد بن العطار الهمذاني، و (١٢١١) تصانيف الحافظ أبي عبد الله الدُّبَيْثي، مؤرخ العراق، وغير ذلك كثير، من دون أن يذكر من تصانيفهم شيئاً، أو يقول: تصانيف فلان، ثم يذكر بعض كتبه. ومثل ذلك كثير أيضاً. ٢ - رغم أن السيوطي التزم بالترتيب الذي وضعه ابن حجر في فهرسته، إلا أنه خالفه في بعض الأحيان؛ مثال على ذلك: المسلسلات وضعها ضمن حرف الميم من الأجزاء والفوائد الحديثية، بينما أفردها ابن حجر مستقلةً في فصل مفرد أوائل المعجم.

стр. 38

٣ - قوله: «وعرضت من ذلك مِهِمَّاتِ كتب خلا عنها فهرسته». ذلك صحيح؛ فإن ما في كتاب السيوطي قد يكون ضعف ما عند ابن حجر من مرويات، إلا أن كثيراً من هذه المرويات لا يتفق مع منهج ابن حجر، والذي يأبى الاستكثار من الرواية مهما كانت الكتب المروية، بينما نرى السيوطي يروي بعض الكتب المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، مثل كتب التصوف والمتصوفة؛ أمثال: ابن عربي، وابن الفارض، والقنائي، وحزب البحر، والحكم العطائية، ومثل رسالة الحسن البصري إلى عبد الرحمن بن زياد (٧٧٨) التي في إسنادها بكر بن سوادة أبو عبيدة الناجي، ضعيف الحديث وهو متهم بالكذب، ومثل كتاب «بهجة الأسرار» لأبي الحسن بن جهضم (٧٨٤). قال الذهبي في تاريخ الإسلام ٢٨/ ٣٥١: «أتى فيه بمصائب يشهد القلب ببطلانها». ٤ - أما قول المؤلف عن هذه الكتب التي زادها على الحافظ ابن حجر: «رمزت عليها صورة». فلم يبين ما هي هذه الصورة، وإن كان الناسخ وضع في المتن حرف (ك) أمام كل كتاب استدركه السيوطي على ابن حجر. وقد جعلت مكان الحرف إشارة (*). ثم إن الحافظ السيوطي لم يلتزم في كثير من الأحيان بوضع هذا الرمز، إذ يروي كثيراً من الكتب التي لم ترد عند الحافظ ابن حجر، ولا يعلم عليها بعلامة الاستدراك. وقد أشرت إلى ذلك في مواضعه. كما أنه وضع علامة الاستدراك على بعض العناوين التي رواها الحافظ ابن حجر، فلا تدخل في باب الاستدراك عليه. ولا أعلم إن كان كلا الأمرين: عدم وضع العلامة، أو وضعها في غير موضعها، من صنيع المصنف أو الناسخ.

стр. 39

وأحياناً لا يكتفي السيوطي بعلامة الاستدراك على ابن حجر، بل ينص على ذلك كتابة؛ كقوله في «مسند الأوزاعي» لأبي الحسن بن جوصا (٤٨٩): «هذا الكتاب مما فات ابن حجر في فهرسته»؛ وقوله في كتاب «التصديق بالنظر» للآجري (٥٦٨): «وهذا الكتاب من جملة أبواب كتاب الشريعة، وقد فات ابن حجر في فهرسته، فلم يذكر له إسناداً». ٥ - ونلحظ كذلك أن كثيراً من الأخطاء والتحريفات التي ترد في متن الكتاب لا نتهم فيها الناسخ، بل إنها موجودة في أصل السيوطي، وذلك أنها تتوافق تماماً مع ما في فهرست ابن حجر من أخطاء وتصحيفات وتحريفات في رجال الإسناد. ٦ - ينقل السيوطي عن ابن حجر في فهرسته في بعض الأحيان دون إشارة إلى ذلك؛ مثل قوله في رواية صحيح ابن حبان (١٤١): «وهذا الكتاب على ترتيب مخترع ليس على الأبواب ولا على المسانيد». وهذا قول ابن حجر في «المعجم المفهرس» ص ٤٥؛ وكذلك قوله في رواية السنن للدارقطني (١٩٨): «وبين رواية أبي طاهر بن عبد الرحيم ورواية ابن بشران ورواية النوقاني تفاوت بالتقديم والتأخير والزيادة والنقص في نسب بعض الرواة، وفي الألفاظ خاصة دون الأحاديث؛ فهي مستوفاة، إلا كتاب السبق، فإنه ليس في رواية ابن عبد الرحيم». وهذا قول ابن حجر في «المعجم المفهرس» ص ٤٧ باختلاف يسير. - يتعقب السيوطي الحافظ ابن حجر في بعض المواضع؛ كقوله في إسناد سنن الإمام الشافعي رواية المزني (٨٥): «تنبيه: رواية الأرتاحي للسنن عن الفراء؛ الذي من ظنون الناس أنها بالسماع، وكذا أطلق الإخبار فيها حافظ العصر ابن حجر في «فهرسته»، لكن في نسخة سماعنا - وهي قديمة - أخبرنا الفراء في كتابه. فتفطن لذلك».

стр. 40

- وقبل هذا وذاك، فإننا نلمس أمراً في غاية الأهمية، وهو أنه بالرغم من شدة إعجاب السيوطي بشخصية (حافظ العصر ابن حجر)، كما يسميه، وتمنيه ودعائه أن يصير مثله في العلم والحفظ، إلا أننا لا نجد إسناداً واحداً يرويه السيوطي من طريق الحافظ ابن حجر! وكأنه يريد أن يكون متميزاً في روايته، فيروي الأسانيد من طرق تلتقي مع شيوخ ابن حجر، لا ابن حجر نفسه، مع أن كثيراً من شيوخ السيوطي هم تلاميذ الحافظ ابن حجر، ومن الرواة عنه. بل إن السيوطي يحاول أن يروي الأسانيد من طرق أعلى إسناداً من ابن حجر؛ ففي روايته لكتاب «ناسخ القرآن ومنسوخه» لأبي عبيد القاسم بن سلام، من طريق أبي هريرة بن الملقن (٥٠٩)، قال: أخبرنا من «فهرست القزويني» (١)، وهو أعلى بدرجتين من الإسناد الذي في «فهرست الحافظ ابن حجر» (٢). ملحوظات عامة: ١ - في بعض الأحيان نرى المؤلف يضبط الأسماء بالحروف؛ كقوله في رواية كتاب «الأدب المفرد للبخاري (٥): حدثنا أبو الخير أحمد بن محمد بن الجليل - بالجيم - العبقسي». وأحياناً يضبط الأسماء بالحركات؛ كاسم (البطروجي) في رواية «السنن الكبرى» للنسائي (٥٢). ٢ - يذكر المدن والبقاع التي روى فيها أسانيده في الكتب عن شيوخه. فهو يذكر مكة، والمدينة الشريفة (المنورة)، ومنى، وسمنود، ومنية سمنود، والقاهرة، ودمياط، وإنبابة، والقطائع، وجوجر، وغير ذلك. _________ (١) مشيخة القزويني، ص ٣٦٥. (٢) المعجم المفهرس، ص ١١٣.
следующие страницы →