Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إِنَّ اَلْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسَنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهُدُّهُ اَللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضَلِّلُ فَلَا هَاديَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهْ وَرَسُولُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرُ الهُدَى هُدَى محمد ﷺ ، وشرُّ الأمورِ مُحْدثَاتُها، وكُلُّ مُحْدَثةٍ بِدْعةٌ، وكُلُّ بِدْعَةٍ ضلالةٌ، وكُلُّ ضَلالَةٍ في النَّارِ.
أخي المسلم الكريم:
الله ﷻ هو الرب العظيم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والنعوت الجميلة، والأحكام المجيدة، والقدرة القاهرة، والرحمة الواسعة، والملك الكبير، والعلم المحيط: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى
стр. 2
(٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٥ - ٨].
الله هو الحي الذي خلق الحياة في كل حي، وهو الرزاق الذي وهب الرزق لكل مخلوق، وهو الكريم الذي خلق الكرم في كل كريم، وهو الرحمن الذي خلق الرحمة في كل مخلوق، وهو الغني الذي أعطى كل غنى، وهو الشافي الذي يشفي كل مخلوق، وهو السميع الذي خلق السمع في كل مخلوق، وهو البصير الذي خلق البصر في كل مخلوق: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].
الله هو العظيم الذي لا أعظم منه، هو الكبير الذي لا أكبر منه، هو الرحمن الذي لا أرحم منه، هو القوي الذي لا أقوى منه، هو العزيز الذي لا أعز منه، له الخلق كله، وله الأمر كله، وبيده الخير كله: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
الله سبحانه هو العظيم الذي خضع كل شيء لعظمته، وذل كل مخلوق لعزته، وتصاغر كل مخلوق لكبريائه، وسجد كل مخلوق لذاته وجلاله وجماله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
هو سبحانه السميع البصير، العليم الخبير، الذي يعلم كل شيء، ويسمع كل شيء، ويبصر كل شيء، الخبير بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء، ولا يغيب
стр. 3
عنه شيء، ولا يعزب عنه شيء، ولا يعجزه شيء، ولا يحول دونه شيء: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩].
هو ﷻ الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، وجميع مخلوقاته محتاجة إليه في كل حال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
هو سبحانه العظيم في ذاته، العظيم في أسمائه، العظيم في صفاته، العظيم في أفعاله، العظيم في جلاله، العظيم في جماله، العظيم في ملكه، العظيم في إحسانه، العظيم في خلقه، العظيم في حكمه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
هو ﷻ الرب الواحد الأحد الصمد، الخالق لكل أحد، المحيط بكل أحد، المالك لكل أحد، الرزاق لكل أحد، الغني عن كل أحد، الذي يحتاج إليه كل أحد، وهو لا يحتاج إلى أحد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
هو سبحانه الحميد الذي تسبح بحمده جميع مخلوقاته في العالم العلوي، والعالم السفلي، لكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة ملكه وسلطانه، وعظمة إنعامه وإحسانه، وعظمة جلاله وجماله وكماله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤]
فالحمد لله الذي له الملك والملكوت، وله العزة والجبروت.
стр. 4
والحمد لله الذي خلق المخلوقات، وأبدع الكائنات، وأتقن المصنوعات، وقدر المقادير، وقسم الأرزاق، وأجزل الإنعام: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
والحمد لله الذي خلق السموات والأرض، والحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وله الحمد في الأولى والآخرة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ: ١]
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتنزل البركات، وتضاعف الحسنات، وتكفر السيئات، وترفع الدرجات، وتزول المكروهات: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والحمد لله رب العالمين على نعمه الظاهرة والباطنة، والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، والحمد لله الذي أكرم الناس بالدين العظيم، والكتاب المبين، والرسول الرحيم، والثواب العظيم.
والحمد لله الذي أرسل رسوله محمدًا ﷺ إلى الثقلين هادياً ومبشراً ونذيرا، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منير: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
• إن أحسن ما سمعته الأذن هو العلم الإلهي، وأفضل ما كتبه القلم هو العلم الإلهي، وأجمل ما نطق به اللسان هو العلم الإلهي، وأحسن ما قرأته العين هو العلم الإلهي، وأحسن ما تعلمه الإنسان هو العلم الإلهي، وأحسن ما عمل به الإنسان هو العلم الإلهي، وأفضل ما نشره الإنسان هو
стр. 5
العلم الإلهي: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن أكرمه الله بهذا العلم العظيم، فقد أدرج النبوة بين جنبيه، وتزين بأحسن الزينات، ولبس لباس الإيمان والتقوى، وصار للمتقين إماماً، وصار نائب النبي ﷺ في أمته، وصار كالشمس يمد العالم الإنساني بالنور الإلهي الذي يصلهم بربهم، ويسعدهم في الدنيا والآخرة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]
إن العلم الإلهي نور عظيم، وصراط مستقيم، يهدي كل ضال إلى ربه العظيم، وينقل الناس من الطريق المعوج إلى الصراط المستقيم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويقلب حياة الناس من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الباطل إلى الحق: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
• العلم الإلهي يصلح الله به البدن والروح، والقلب والقالب، والظاهر والباطن، والعالم والجاهل، والفرد والأمة، والرجال والنساء، والحياة الإنسانية، والاجتماعية، والاقتصادية، والأخلاقية: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
стр. 6
• العلم الإلهي تاج يتوج الله به من شاء من عباده، ممن علم أنه يزكو بالعمل به، ونشره في بقاع الأرض: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
• والعلم والإيمان نور على نور، والعلم بلا إيمان يمشي مشية الأعمى، والإيمان بلا علم يمشي مشية الأعرج: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
فالعلم الإلهي نور، والجهل ظلمات، والعلم شفاء، والجهل داء، والعلم من أعظم القربات، والجهل من أعظم الضلالات، والعلم هو القائد والدليل، والجهل هو الداء الوبيل، والعلم هدى، والجهل ضلال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٢ - ٥].
• العلم الإلهي هو حياة القلوب، وضياء العقول، ونور البصائر، وشفاء الصدور، كاشف للشبهات، ومزيل للمشكلات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
• العلم الإلهي تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، وتعليمه عبادة، والبحث عنه جهاد، وبذله لأهله قربة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
стр. 7
• والعلماء ورثة الأنبياء، ومصابيح الدجى، وقدوة الأنام، وصفوة البشر.
بالعلم الإلهي يعرف العبد ربه العزيز العلام، ويعلم الحلال من الحرام، ويفرق بين النافع والضار، ويعرف الطيب من الخبيث، والهُدى من الضلال، والحق من الباطل.
بالعلم الإلهي تتزين القلوب، ويعُبد الرحمن، وتوصل الأرحام.
بالعلم الإلهي تزداد القلوب والعقول هدى ورشداً، وترتقي النفوس درجات وزلفى، وتمتلئ يقيناً وثقة وعزماً: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]
• العلم الإلهي نعمة عظيمة أمتن الله بها على نبيه محمد ﷺ حيث قال له: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
وامتن الله به على هذه الأمة، حيث بعث فيهم رسولاً منهم، يعلمهم الكتاب والحكمة، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
ورفع سبحانه أهل العلم والإيمان درجات، كما قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].
• والعلم الإلهي يورث قوة العبادة، وقوة الخشية، وقوة الانكسار بين يدي الله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
стр. 8
• وعلم الله ذاتي، لا أول له ولا أخر، ولا بداية له ولا نهاية، وهو صفة من صفات الرب، لا ينفك عنه أبداً: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦].
• فالعليم سبحانه عليم بكل شيء، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، ويعلم الظاهر والباطن، ويعلم السر والعلن، ويعلم القليل والكثير، ويعلم ما نراه وما لا نراه، ويعلم الخواطر والنيات، ويعلم عدد الذرات والقطرات، ويعلم عدد الحركات والسكنات: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١].
• إن أعظم ثمرات توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية، فلا تطمع في ثمرة بلا شجرة، ولا تطمع في شجرة بلا ماء يسقيها.
فالشجرة هي توحيد الربوبية التي تحيا وتثمر بعد سقيها بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة عظمة ملكه وسلطانه، ومعرفة عظمة نعمه وإحسانه، ومعرفة عظمة خلقه وأمره: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والثمرة هي توحيد الألوهية الذي يحرك القلب والجوارح بالقيام بالعبادات الظاهرة والباطنة لله وحده، بكمال الحب والتعظيم والذل لله ﷻ : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وإذا وجد الخلل في الثمرة، فسببه عدم سقي الشجرة بالعلم الإلهي الذي يجعل الشجرة حية مثمرة للأعمال الصالحة، والأخلاق العالية.
стр. 9
وإبليس عرف هذا السر، فسعى لقطع الماء عن الشجرة فذبلت، وأقنع أكثر الناس بأن الشجرة فيها ماء يكفيها: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
وبهذا خدع أكثر الناس، فماتت شجرة الإيمان، ثم انقطعت الثمرة بسبب موت الشجرة، فجاء الشرك بدل التوحيد، وكثرت المعاصي، وقلت الطاعات، وتعلق القلب بالمخلوق، ونسى الخالق، وعكف الإنسان على الشهوات، وأعرض عن أوامر ربه، فضل وشقى في دنياه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠].
• وقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وهيأه كله ليكون قائماً بالعبودية لله وحده لا شريك له في كل حال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
فعبودية القلب أن تذوق به حلاوة التوحيد، والايمان، واليقين، والطاعات، وتشعر بمرارة الكفر، والشرك، والبدع، والمعاصي.
وعبودية العقل أن تعرف به ربك، وتميز به بين الطاعات والمعاصي، وتستعمله فيما يحبه الله ورسوله.
وعبودية اللسان أن تتكلم مع الله في العبادة، وتتكلم عنه بين الناس بالدعوة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
стр. 10
وعبودية العين أن تنظر بها في الآيات الكونية، لتؤمن بالله، وتوحده، وتحبه، وتحمده، وتتدبر الآيات القرآنية، لتعبد ربك بما يحبه الله ويرضاه، بما جاء به رسوله ﷺ : ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وعبودية الأذن أن تسمع بها ما قال الله ورسوله، وتسمع الناس ما قال الله ورسوله، وتستجيب لما أمر الله ورسوله، وتجتنب ما نهى الله ورسوله عنه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وعبودية بقية الجوارح أن تركع وتسجد لله، وتحسن إلى خلق الله بأنواع الإحسان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨].
• وجميع الطاعات تزيد الإيمان في القلب، وتحرك الجوارح بالأعمال الصالحة، وجميع المعاصي تحبس الإنسان عن الجولان في فضاء التوحيد، وعن جني ثمار الأعمال الصالحة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 11
• وقد خلق الله كل إنسان مركباً من أربعة أشياء هي:
الأول: جسد مادي، غذاؤه من الطعام والشراب، ويشترك فيه مع غيره
الثاني: نفس بهيمية شهوانية، ويشترك فيها مع البهائم.
الثالث: روح ملكية، غذاؤها من الوحي الإلهي، ويشترك فيها مع الملائكة والأنبياء.
الرابع: عقل بشري، يميزه عن البهائم، ويستقبل به وحي ربه، وسائر العلوم.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
• وقد خلق الحكيم العليم كل إنسان من جسد مادي، وروح ملكي، فهذان أصلان.
والفرعان العاطفة والعقل، فالعاطفة فرع عن الجسد، تجره إلى شهوات الأرض التي خلقه الله منها، وفطره على حبها: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٥].
والعقل فرع عن الروح، يشد الإنسان إلى ما يحبه الله ويرضاه ويرغبه في الفضائل، ويحجزه عن الرذائل: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١].
стр. 12
والناس مختلفون في اهتماماتهم ورغباتهم، حسب عطاء الله لهم.
فمنهم من يغلب عليه الجانب الأرضي، الجسم والعاطفة، فتجده مائلاً إلى شهوات نفسه، غافلاً عن أوامر ربه، فهذا قد أخلد إلى الأرض، واتبع هواه، فهذا بأسفل المنازل في الدنيا والآخرة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠].
ومنهم من حلقت روحه في جو السماء، وأعطى للروح مجالها، وتجاوز السماء إلى رب السماء، فسارع إلى كل ما يحبه الله ويرضاه، فهذا بأرفع المنازل في الدنيا والأخرة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
• وأعمال كل إنسان تقوم على ثلاثة أصول:
o هدف.
o ووسيلة.
o ونتيجة.
فلا يمكن الوصول للنتائج الطيبة إلا بالأهداف الطيبة، والوسائل الطيبة.
فالنتائج ثمرة الوسائل، إما منافع عظيمة، أو خسائر كبيرة.
فمن كان هدفه رضوان الله، والجنة، ووسيلته الإيمان والأعمال الصالحة، فاز برضوان ربه، ودخول الجنة، وهذه أعظم الأهداف، والوسائل، والنتائج، كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي
стр. 13
مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
والناس مختلفون في العلم والفهم والعمل والإرادة.
فالناس في صلاتهم ليسوا سواء، والناس في أخلاقهم ليسوا سواء، والناس في تدريسهم ليسوا سواء، والطلاب في فهمهم ليسوا سواء، ليظهر الله قدرته فيما أعطاه لخلقه، وليحصل التنافس في الأعمال الصالحة بين الجميع: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨].
فما أحوجنا إلى البيئات الإيمانية التي تزيد الإيمان، وتحرك الجوارح بالأعمال الصالحة:
- بيئة العلم والعلماء.
- وبيئة الصالحين المصلحين.
- وبيئة الدعاة إلى الله.
فالذي يريد الوصول إلى المطلوب، عليه أن يسترجع المفقود، والذي يريد جهة المغرب، ويستدبر جهة المشرق، والذي يريد الهداية يسلك طريق الهداية، ويلزم بيئة الهداية، وينقطع عن بيئة الغفلة والضلالة، حتى لا يضيع جهده وعمله، ويخسر تجارته: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
стр. 14
• والحياة نعمة وأمانة، وتجارة وخسارة.
فالمؤمن ينعم بالحياة على طريقة الأنبياء، ويعبد الله كالأنبياء، ويؤدي أمانة الدعوة إلى الله كالأنبياء، فيربح بذلك أعظم الأرباح: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
والكافر ينعم بالحياة على طريقة البهائم، والشياطين، فيخسر دنياه وأخراه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
• إن أصحاب النبي ﷺ لما آمنوا بالله ورسوله، أخرجهم الله من الظلمات إلى النور، ونقلهم من الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الباطل إلى الحق، ومن إتباع الهوى إلى إتباع الهدى، ومن حب الشهوات إلى حب الطاعات، ومن تقديم محبوبات النفس إلى تقديم محبوبات الرب، ومن الجهل إلى العلم، ومن الظلم إلى العدل، ومن شر البرية إلى خير البرية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وبذلك كانوا خير أمة أخرجت للناس، فرضي الله عنهم، ورضوا عنه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨].
стр. 15
• والهداية إلى الإيمان أعظم شيء في خزائن الله، والإيمان يحصل للعبد بالنظر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات القرآنية، والاستمرار في طلب الهداية من الله، وبذل الجهد لإعلاء كلمة الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومن رحمة الله بخلقه من البشر أنه فطرهم على التوحيد، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليه الكتب، وزودهم بآلات العلم من السمع والبصر والعقول التي تميز النافع من الضار، والحق من الباطل، والحسن من القبيح، والخير من الشر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١].
• ولما كانت هذه الدنيا دار الابتلاء والمجاهدة، ودار الإيمان والكفر، ودار إتباع الهدى أو الهوى، ومطية البر والفاجر، جعل الله فيها سفينة النجاة والفلاح، وحبل الله المتين، الذي من تمسك به نجا وأفلح، وهو هذا الدين العظيم الذي يتجاوز به العبد المخلوقات إلى الخالق، ويتجاوز عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ويتجاوز الدنيا إلى الأخرة، ويتجاوز الجهد على الأموال والشهوات البهيمية، إلى الجهد على الإيمان والأعمال الصالحة الإلهية، ويتجاوز العقل الإنساني إلى النور القرآني، ويتجاوز ما تحبه النفس إلى ما يحبه الرب: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
стр. 16
فمن تجاوز هذا إلى هذا، فهو مؤمن حقاً، ومن قعد به هذا عن هذا، وشغله اتباع الهوى عن إتباع الهدى، فهو الكافر حقاً، وهذا سر الابتلاء في هذه الدار: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
وإذا كان كل ظلام يعقبه نور، وكل ليل يعقبه نهار، وكل داء له دواء، فإن أعظم الأدواء وأخطرها هو الكفر بالله، والشرك بالله، والتعلق بغير الله.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وسبب ذلك كله هو الجهل بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، والجهل بعظمة ملكه وسلطانه، والجهل بعظمة نعمه وإحسانه، والجهل بدينه وشرعه، والجهل بوعده ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
• وإذا كانت الأرض إذا نزل عليها ماء السماء، أنبتت من كل زوج بهيج، فكذلك القلوب إذا نزل عليها الوحي من رب السماء، أظهر المسلمين، والمؤمنين، والصابرين، والصادقين، والمتقين، والمحسنين وغيرهم من أهل الصفات التي يحبها الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ
стр. 17
وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥].
وإذا انقطع الماء أجدبت الأرض، وامتلأت بالغبار والشوك.
وكذلك إذا فقد الوحي، وخلت منه القلوب، كثر الكفر والشرك، وجف الإيمان، وانتشرت البدع والمعاصي، وفسدت الأخلاق، وساد الظلم، وساءت الأحوال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
• إن طوفان الشرك والباطل قد كشر عن أنيابه، وعض الأمة بمخالبه، وأوحش الناس بسرعة انتشاره، والغيور على دينه يواري بداخله أوجاع أمته، ويبدأ بالعلاج مستعينًا بربه ﷻ : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥].
ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها من التوحيد والإيمان واليقين، والقرآن كله يعلمنا التوحيد والإيمان بأن الله وحده بيده كل شيء، وله كل شيء، وكل ما سواه ليس بيده شيء: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
стр. 18
بيد الله وحده الخلق والأمر، والعطاء والمنع، والنفع والضر، والتدبير والتصريف، والحياة والموت: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وشهادة أن محمداً رسول الله معناها طاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وتصديقه فيما أخبر، وألا يعبد الله إلا بما شرع: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
• ونكثر من ذكر الله في كل وقت، ليرسخ الإيمان في قلوبنا، ويقوى التوحيد في نفوسنا، ويزيد شكرنا لربنا، وبذلك نعبد الله كأننا نراه بجلاله وجماله، بكمال الحب والتعظيم والذل له: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
ونفرغ أوقاتنا لعبادة الله، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلق الله، ليحيا الدين كله في حياتنا، وفي حياة العالم كله، إلى قيام الساعة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
• والدنيا دار المسؤولية، دار الإيمان والعمل والدعوة.
وكل إنسان سوف يسأل يوم القيامة عن النعيم الذي تنعم به، وعن أوامر الله التي أرسل الله بها رسله إليه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
стр. 19
وقال الله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٥ - ٨].
• إن حقيقة لا إله إلا الله هي أصل الدين كله، وأركانها إتنان:
الأول: النفي:
وهو نفي فعل كل ما سوى الله بنفسه من دون أمر الله ﷻ .
الثاني: الإثبات:
وهو إثبات جميع صفات الجلال والجمال، والكمال لله وحده لا شريك له.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وللحصول على حقيقة لا إله إلا الله لا بد من أمور هي:
النفي قبل الإثبات، والتكنيس قبل التأسيس، والتطهير قبل التعطير، والهدم قبل البناء، والانفصال قبل الاتصال، والمحو قبل الإثبات: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ [آل عمران: ٢].
فيعتقد القلب أن كل ما سوى الله ليس بيده شيء، والله وحده بيده كل شيء: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
فالله وحده بيده الخلق والأمر، والعطاء والمنع، والحياة والموت، والنفع والضر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
стр. 20
فإذا جاء في القلب النفي الكامل لفعل كل ما سوى الله، جاء الإثبات الكامل للربوبية والألوهية والعبودية لله وحده لا شريك له، ثم جاء الثبات الكامل على التوحيد والإيمان والتقوى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧].
• والله وحده له الخلق والأمر، وأوامر الله ثلاثة أقسام:
الأول: أوامر كونية ربانية:
وهي كل ما يجريه الله في ملكه العظيم كأوامر الخلق والرزق، وأوامر العطاء والمنع، وأوامر الحياة والموت، وأوامر التدبير والتصريف ونحو ذلك، وهذه لابد من وقوعها، ولا يمكن لأحد من الخلق ردها: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
فمن عرف ذلك حقاً آمن بالله، ووحده وعبده وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
الثاني: أوامر جهد الدين.
وهي الدعوة إلى الله التي قام بها جميع الأنبياء والرسل، وشرف الله بها هذه الأمة، وهذه الأوامر قائمة العزائم، ولا تقبل الرخص، لحاجة البشرية الماسة إليها، وحاجة كل مسلم إليها: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا
стр. 21
كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
وهذه الأوامر واجبة على كل مسلم ومسلمة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
الثالث: أوامر شرعية إلهية.
وهي الدين والحق المشتمل على حسن العلاقة مع الرب، وحسن العلاقة مع الخلق، وهي أوامر العبادات، والمعاملات، والأخلاق.
وهذه الأوامر قائمة على الرخص، لأنها متعلقة بالشخص من صلاة وزكاة، وصوم وحج وغيرها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
أما أوامر جهد الدين من الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهي متعلقة بالأمة كلها رجالاً ونساءً.
قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
ومن البشائر والحقائق أن الأمة إذا قامت بأوامر جهد الدين أحيا الله الأوامر الشرعية في حياة الأمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وإذا قامت الأوامر الشرعية في حياة الأمة سخر الله لها ما في الكون من الخيرات والبركات، وإذا فُقدت الأوامر الشرعية حلت العقوبات بالأمة.
стр. 22
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
• ولا ريب أن أعمال الدين، وجهد الدين متلازمان، وجهد الأنبياء والرسل موجود في القرآن، ولكن جهد الدين الآن شبه مفقود في حياة كثير من المسلمين بسبب ضعف الإيمان، وعدم تدبر القرآن، ونسيان المسؤولية.
ومقتضى الايمان طاعة الله ورسوله في امتثال أوامر الدين، وامتثال أوامر جهد الدين، على حد سواء، وفي هذا وهذا الفوز والفلاح في الدنيا والأخرة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
• والله حكيم عليم في خلقه وأمره، ما خلق الله شيء إلا أحسن صورته، وما أمر سبحانه بشي إلا أعان عليه، وضاعف الأجر عليه، وما نهى عن شيء إلا أغنى عنه، وأبدله بأحسن منه، وما أباح شيئاً إلا سهل الوصول إليه، والانتفاع به، وما سكت عن شيء إلا لعدم الحاجة إليه، وما ترك خيراً إلا أمرنا به، وما ترك شراً إلا نهانا عنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
• والله وحده خالق كل شيء، ومالك كل شيء، وبيده كل شيء، وله خزائن كل شيء، فلا تسأل إلا إياه، ولا تقف بباب أحد سواه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
فمن سأل غير الله ذل له، ومن خاف غير الله سلطه الله عليه، ومن رجا غير الله وكله الله إليه، ومن أحب غير الله عذبه الله به، ليعود إلى ربه ﷻ : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
стр. 23
• والإيمان له ستة أركان:
وهي أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الأخر، والقدر خيره وشره، والإيمان بالله قمة الإيمان بداية، والإيمان باليوم الأخر قمة الإيمان: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
• وقد أمر الله بأكل الحلال، واجتناب الحرام، لأن الحلال أغدية نافعة، والحرام سموم مهلكة، وأكل الحلال يجعل الإنسان يقبل الحق، ويعمل به، كالأرض تقبل الماء، وتنبت من كل زوج بهيج.
وأكل الحرام يجعل الإنسان يرفض الحق ولا يقبله، كصفائح الحديد لا ينفذ منها الماء: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤].
• وكل إنسان مفطور على العبودية، فهو إما عابد لله، أو عابد لعبد الله من هوى أو صنم: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
• وإذا فسد إيمان الأمة، فسدت أعمالها، ثم فسدت أخلاقها، ثم جاء غضب الله عليها، ثم نزلت بها الفتن المهلكة، والزلازل المدمرة، والحروب الطاحنة، وتضطرب الحياة، ويفسد الاقتصاد، وينتشر الخوف والجوع والفساد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
стр. 24
• إن منهاج الشيطان كله سيء وأسوأ، يحتاج من اتبعه إلى خلوة، لأنه فضيحة وجريمة ورذيلة: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
أما منهاج الرحمن فكله محاسن، كله حسن وأحسن، إن فعلته في العلن فأنت تحب أن تعلن العبودية لله بين الناس، وإن فعلته في السر فأنت تحب أن تخلو بربك: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
• وأحكام الله صادرة من رب تجب طاعته، لأنه رب، وأنت عبد، فيجب عليك طاعته، لأنه ربك الذي خلقك ورزقك.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].
• والله سبحانه هو الرب الرحمن الرحيم بخلقه، فقد أعطى كل واحد من البشر مفتاح الطريق الذي يوصله إلى ربه، وإلى الجنة، بدءاً بالفطرة الربانية، وانتهاءً بالشريعة الاسلامية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].
• إن المؤمن حقاً من يذكر ربه بعدد النعم، وبعدد النقم.
стр. 25
يذكره ويشكره على عدد النعم، ليزيده من النعم، ويذكره بعدد النقم، ليبدل له تلك النقم بالنعم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
• والله سبحانه هو الخالق الذي خلق كل شيء، وأحسن صورة كل شيء، فخلقه كل حسن وأحسن، فلا تسخر من ذي عيب، فإن كان العيب في دينه وأخلاقه فقومه، وإن كان العيب في خلقه وشكله، فتأدب مع الرب الذي خلقه وصوره، وأحمد ربك الذي جملك، وأحسن صورتك.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧].
والله سبحانه يكون لعبده، على حسب ما يكون العبد لخلقه، فمن أحسن إلى خلقه أحسن الله إليه، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
• واعلم يا عبد الله أن أوامر الله لعباده المؤمنين قسمان:
أحدهما: أوامر انفرادية لكل مسلم ومسلمة.
كالأمر بالتوحيد، والإيمان والتقوى، والصلاة والزكاة والصيام والحج، والأدعية والأذكار، ومكارم الأخلاق ونحو ذلك.
الثاني: أوامر اجتماعية، لكل مسلم ومسلمة.
وهي الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
стр. 26
فإذا ترك العبد أوامر الله الانفرادية، جاءت عليه مصيبة انفرادية، كما حصل لقارون الذي خسف الله به وبداره الأرض.
وإذا تركت الأمة أوامر الله الاجتماعية، جاءت عليهم عقوبة اجتماعية، كما حصل لبني إسرائيل لما تركوا أوامر الله سلط الله عليهم فرعون وجنوده.
• إن حلاوة الإيمان أعظم نعمة أنعم الله بها علينا، وثمرتها الأعمال الصالحة في الدنيا، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، يوم القيامة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
فاعلم يا عبد الله أن الله لا يقضي لك أمراً إلا وهو خير لك، فإذا منعك ما تحب، فإنه قد ادخر لك ما يحب، وما يحب هو أحسن مما تحب، فما منعك ربك إلا ليعطيك، وما ابتلاك إلا ليعافيك، وما أفقرك إلا ليغنيك: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
• والله هو الرب الرؤوف الرحيم بخلقه، يجازي من أطاعه بفضله، ويعاقب من عصاه بعدله، والناس في الدنيا شركاء في دينه وشرعه ورزقه، ويوم القيامة هم ما بين مكرم ومهان، ورابح وخسران، ومنعَّم ومعذب، فهم فريقان: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى: ٧].
• إن أغزر الناس عقلاً من آمن بربه العظيم، ولزم عبوديته، ودعا الناس إلى عبادته، وعدم الالتفات إلى ما سواه.
стр. 27
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
• يا عبد الله إنك لا تكاد تفتح صفحة من القرآن، أو تتلوا آية من القرآن، إلا وجدت فيها عظمة ربك، وعظمة ملكه وسلطانه، وعظمة نعمه وإحسانه، وعظمة سمعه وبصره، وعلمه وإحاطته، وقوته وقدرته، ولطفه ورحمته.
فالقرآن كله رسائل من الله إلى خلقه، ليعرفوه ويعبدوه وحده لا شريك له، لكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وإذا عرفت ربك حقاً فبادر إلى التوبة إليه بعد الشرود عنه، والانغماس في اللهو واللعب، واضاعة الأوقات في الغفلات والمحرمات.
فكم ليلة ذبحتها بالقيل والقال الحرام؟ وكم يوماً قتلته بما يسر الشيطان، ويغضب الرحمن؟.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].
وكم تجرأت يا عبد الله على معصية رب الأرض والسموات العلى؟ وكم كفرت نعمه؟ وكم جحدت بره؟
стр. 28
وكم أمنت مكره، وكم عصيته في النور والظلام، وهو يراك ويسمعك، ويغدق عليك نعمه، لعلك تذكره وتشكره وتتوب إليه؟
أيليق بمن خلقك، ورزقك، وهداك أن تعصيه في ملكه؟
أيليق بمن ملأ لك الكون بنعمه أن تملأ الكون بمعصيته؟
فسارع إلى التوبة إلى ربك، وألبس شعار الندم قبل زلة القدم، وقبل سوء المصرع: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].
فيا مفاز من تاب واتقى، ويا خسارة من بغى وطغى، واتبع الشهوات والهوى، واشعل نيران الفتنة بين الورى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
• فلا تطمع في راحة إلا بالدين، ولا تطمع في ثروة إلا بالأعمال الصالحة، ولا تطمع في طمأنينة القلب إلا بالإيمان، ولا تطمع في لين القلب مع تراكم الشهوات فيه، ولا تطمع في حب الله مع حب المال والجاه، ولا تطمع في الأنس بالله مع الأنس بالمخلوقين، ولا تطمع في رفعة الدرجات، وأنت مشغول بالدنيا والشهوات: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
стр. 29
• إن من دخل جنة المعرفة في الدنيا، أسعده الله في الدنيا، وأدخله جنة الأخرة يوم القيامة، ومن لم يدخل جنة المعرفة شقى في الدنيا، وأدخله الله النار يوم القيامة.
• وجنة المعرفة هي العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه، والعمل بموجب هذه المعرفة.
وجنة المعرفة أفضل من جنة الأخرة، لأن جنة المعرفة متعلقة بالرب ﷻ ، ومن عرف الرب حقاً أحبه حقاً، وعبده حقاً: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
أما جنة الأخرة فهي إكرام لمن دخل جنة المعرفة في الدنيا، وهي مخلوقة، والأنس بالخالق أعظم من الأنس بالمخلوق: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم جنة المعرفة، وجنة الأخرة: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
• إن جمع الحجر مع الحجر يبني بيتا، وجمع القماش مع القماش يصنع ثوباً، وجمع الطعام مع الطعام يغذي الأجساد، وجمع العلم مع العلم يكوِّن
стр. 30
فقيها، وعالما، ومعلما، ومفتياً، ومدرساً، ومصلحاً، وقاضياً، وتقياً، ومحسناً.
والذي يجمع الثياب هو الخيط، والذي يجمع الأبواب هو المسمار، والذي يجمع العلوم هي القراءة والاستماع، وأحسن ما سمعته الأذن، وقرأته العين، هو العلم الإلهي المذكور في القرآن: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وسلة طعام واحدة، ليست كسلة غذاء متنوعة، فيها من كل الثمرات، وأنواع الخيرات والبركات.
• إن جمع أنواع العلوم في الذهن، كجمع أنواع الطعام في القدر، هذا يغذي الأجساد، وذاك يغذي العقول، ويحيي القلوب بالإيمان.
وكما تحفظ الأموال والبضائع في البنوك والمخازن، فكذلك يجب أن تحفظ العلوم في الكتب والعقول.
• إن العلم الإلهي أعظم العلوم وأزكاها وأحسنها، ولما كان العلم الإلهي أنواعه كثيرة، وأبوابه متعددة، وأقسامه مختلفة، فقد اخترنا منها أعظمها وأكبرها، وأصلها وأساسها، من علم التوحيد، وعلم الإيمان، وعلم التقوى، وعلم الأخلاق، وعلم الشريعة أصولها وفروعها، وقواعدها وثمراتها، وحررناها في ضوء القرآن والسنة، بفهم سلف الأمة.
• ولما كانت العلوم الإلهية متنوعة، ومختلفة المقاصد، فبعضها يخص القلب، وبعضها يخص العقل، وبعضها يخص العين، وبعضها يخص الأذن، وبعضها يخص اللسان، وبعضها يخص بقية الجوارح.
стр. 31
وبعضها خاص بالفرد، وبعضها خاص بالأسرة، وبعضها خاص بالأمة، وبعضها خاص بالحاكم، وبعضها خاص بالرعية.
وبعضها خاص بالأحوال، وبعضها خاص بالأعمال، وبعضها خاص بالأقوال، وبعضها خاص بالدنيا، وبعضها خاص بالأخرة، وبعضها خاص بالثواب، وبعضها خاص بالعقاب، وبعضها خاص بالبشر، وبعضها خاص بالجن، وبعضها خاص بالملائكة، وبعضها خاص بالخلق، وبعضها خاص بالرزق، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله وحده، سبحانه لا نحصي ثناء عليه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
وإحصاء جميع هذه الخزائن العظيمة محال، لأن الذي عنده العلم بكل شيء، وعنده خزائن كل شيء هو الله وحده: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
• وحسب المخلوق الضعيف أن يطلع على شيء من هذه الخزائن الإلهية العظيمة، ويعمل بموجبها، وينشرها بين الناس، ومن أعظمها هذا الدين العظيم، توحيداً وإيماناً، وأقوالاً وأعمالاً، وأخلاقاً وآداباً، وثواباً وعقاباً، وعبادة ودعوة.
فالتوحيد له خزائن، والإيمان له خزائن، والإحسان له خزائن، والتقوى لها خزائن، والأخلاق لها خزائن، والآداب لها خزائن، والأقوال لها خزائن، والأعمال لها خزائن، والمخلوقات لها خزائن، والأرزاق لها خزائن، والنعيم له خزائن، والعذاب له خزائن، وجميع العلوم والعوالم لها خزائن.
فكل شيء خزائنه عند الله وحده، وبيد الله وحده: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
стр. 32
وكل بلد مكون من مدن وقوى، وكل بيت مكون من غرف ومرافق.
وهذه الخزائن الإيمانية والعلمية والعملية والأخلاقية، مشتملة على ما يغذي القلوب والعقول بأنواع العلوم الإيمانية والعملية والأخلاقية، يتجمل بها المؤمن، ويسير بواسطتها إلى ربه على صراط مستقيم، ويفوز من خلالها على اعظم النعيم، ويسعد برضوان رب العالمين: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
فهنيئاً لمن آمن بالله واتقاه، وملك هذه الخزائن العظيمة، وفتح أبوابها، وتمتع بخيراتها، وتغذى قلبه وعقله بعلومها، وتحركت جوارحه بالعمل بها، ونطق لسانه بالتعبد لله بها، ونشر محاسنها، وتعليم فضائلها وسننها وأحكامها: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
• إن بحر الماء مملوء بمخلوقات كثيرة لا يحصيها إلا الله وحده، وبحر الهواء فيه مخلوقات عظيمة لا يحصيها إلا الذي خلقها، وبحر العلم فيه أنواع كثيرة من العلوم التي لا يعلمها ولا يحصيها إلا الله وحده.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧].
فلا إله إلا الله، ما أعظم علمه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
стр. 33
• وهذه الخزائن بفضل الله بحر من العلوم النافعة، ونهر جار يسقي القلوب والعقول بأنواع العلوم الإلهية، وبستان فيه من كل الثمرات.
قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
• هذه الموسوعة بحر عظيم من العلم الإلهي الذي يخاطب القلوب تارة، ويخاطب العقول تارة، ويخاطب العلماء تارة، ويخاطب العامة تارة، ويخاطب الفرد تارة، ويخاطب الأسرة تارة، ويخاطب الأمة تارة، ويخاطب المؤمنين تارة، ويخاطب الكافرين تارة، ويخاطب أهل الحق تارة، ويخاطب أهل الباطل تارة: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
ومن أعظم خصائص هذه الموسوعة الشمول، والترتيب، وصحة المعلومات، والأسلوب السهل الذي يوصل المعلومة إلى القارئ بدون مشقة ولا تكلف.
وأهم أهداف هذه الموسوعة الإسلامية هي:
١ - إعداد مرجع شامل في علوم التوحيد، والإيمان، وعلوم الشريعة من العبادات والمعاملات، والأخلاق والآداب.
٢ - إثراء المكتبة الإسلامية بمصدر علمي في ضوء القرآن والسنة.
٣ - تنوير قلوب المسلمين بالدين الحق، وتذكير الغافلين بمحاسن هذا الدين العظيم.
٤ - تعريف المعارضين والملحدين والمشركين بعظمة هذا الدين الحق.
٥ - أداء أمانة الدعوة إلى الله، وبيان الحق للأمة.
стр. 34
وحيث أن فضاء البشرية في هذا الزمان قد امتلاء بالغبار والدخان، والغبش والفتن، والغرور والحروب، وطفح الوادي بالغث والسمين، وهبت رياح الباطل من كل جهة.
لذا فالحاجة ماسة إلى إصدار عمل إسلامي جديد، يناسب العصر، وينور قلوب البشرية بالحق الذي نزل من عند الله، ويقمع الباطل الذي عم وطم، وذاع وانتشر، ويطفئ نار الفتن والفساد والعدوان التي اشتعلت في أغلب بقاع الأرض، وأكلت الأخضر واليابس إلا ما رحم ربك، ويملاء فضاء الأمة بالعلم الإلهي النقي، ويسد ثغرة الجهل والهوى والبدع، ويذب عن هذا الدين العظيم، ويشبع نهم الراغبين في معرفة الحق، ويحرك المحبين للدين للعمل به، ونشره في العالم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والله سبحانه كريم يعطي شرف نيابة النبي ﷺ لمن توفرت فيه ثمانية شروط:
الأول: الارتقاء من فكر هداية الأسرة، إلى فكر هداية الأمة.
الثاني: التضحية بالنفس والمال، والوقت من أجل إعلاء كلمة الله.
الثالث: الاستقامة والصبر والتحمل عند القيام بالدين وجهد الدين، ابتغاء وجه الله .
الرابع: اليقين على الإيمان والأعمال الصالحة.
الخامس: عدم الالتفات إلى الأموال والأشياء.
السادس: التوكل على الله
السابع: الاستعانة بالله في كل حال.
الثامن: الرحمة العالمية
стр. 35
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقد أكرم الله هذه الأمة بعمل الأنبياء، وجهد الأنبياء، فعمل الأنبياء هو الاستقامة على الدين، وجهد الأنبياء هو الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
فأسعد الناس من آمن بالله، واستقام على الدين، وقام بجهد الدين حتى يلقى الله .
وكل من قام بالتهجد بين يدي الله ليلاً، وقام بالدعوة إلى الله بين الناس نهاراً، زاد إيمانه وقوي يقينه، وأعطاه الله قوة التواضع بين يدي الناس، وقوة الانكسار بين يدي الله.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومن قام بالدعوة إلى الله نهاراً، وترك التهجد بين يدي الله ليلاً، أصابه الكبر والعجب، ورؤية النفس.
ومن قام بالتهجد ليلاً، وترك الدعوة نهاراً، فقد قام بالدين، وترك جهد الدين، وضعف إيمانه ويقينه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
стр. 36
والخطاء والنسيان، والغفلة والتقصير، من طبيعة البشر التي لا تنفك عنهم، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.
فنسأل الله أن يتوب علينا من كل ذنب: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
والحمد لله رب العالمين في المسلمين خير كثير، لكن لعل هذه الموسوعة الجامعة تسعد طالب العلم، وتجمع له ما تفرق في كتب أهل العلم من الفوائد الجمة، والثمار اليانعة، وتكشف له عن غوامض المسائل المشتبهة، وتبين له ما خفي عليه من أحكام الدين وأسراره، وتكشف لثام الجهل بالعلم الإلهي، عن أقوام ضلوا السبيل، وتاهوا عن الطريق الموصل إلى التوحيد، والإيمان، وحسن عبادة الله ، إما بعدم الذكاء الفطري، أو الجهل بأمهات العلم الإلهي الموصل إلى رضوان الله والجنة.
• إن هذه الموسوعة المباركة صفحات مشرقة، وأنوار هادية، تعكس عظمة الإسلام، وأنوار القرآن، وسيرة سيد الأنام ﷺ .
نسأل الله أن تكون خالصة لوجهه الكريم، موافقة لسنة نبيه محمد ﷺ ، في أقواله وأعماله، وأخلاقه وفي سائر شريعته.
• وكل ما ورد في هذه الموسوعة من أخبار وأحكام ومسائل من فضل رب العلمين، وكله بتوفيق الله متوج بآيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي ﷺ الصحيحة، ومدون بفهم سلف الأمة.
• والأحاديث النبوية كلها إما من الصحيحين أو أحدهما، أو عند أحمد وأصحاب السنن، أو غيرهم من أئمة الحديث الثقات.
стр. 37
• وما في الصحيحين خرجناه منهما، وإن كان من أحدهما خرجناه منه.
• أما ما كان في غيرهما فنكتب أمامه صحيح أو حسن، ونخرجه من اثنتين من أئمة الحديث غالباً كأحمد والترمذي وابي داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم.
• أسأل الله أن تكون هذه الموسوعة قرة عين للمؤمنين، ومصباحاً للمتعبدين، وزاداً للدعاة والمعلمين، ونوراً للسائرين، ومناراً للتائهين: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨].
• وهذه الموسوعة التي بين يديك محض فضل الله عليّ، لا أحصي ثناء على ربي الذي هداني إليها، وأعانني على إعدادها، ووفقني لتحريرها وإخراجها، وقد سميتها (موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة).
• وهذه الموسوعة العلمية جاءت بفضل الله وحده في عشرة مجلدات وافية، مملؤة أوراقها بالعلوم النافعة، خالية من الحشو والتكرار والإطناب.
• وقد تم تحرير هذه الموسوعة بأسلوب يناسب المبتدئ والمنتهي، والعالم والمتعلم.
وهذه الموسوعة فيها خير كثير من العلم الإلهي، ولا ندعي أنها بحر واسع من العلم، لكن نرجو من الله أن تكون نهرًا صافيًا نقيّا من الكدر، يسقي العالمين، ويروي الظمأن، ويهدي الضال، ويعلم الجاهل، ويملأ قلوب البشرية بالتوحيد ولإيمان والتقوى، ويذوق المؤمن من خلالها طعم الإيمان وحلاوته وحقيقته، ويعرف عظمة ربه العظيم، وحسن هذا الدين العظيم،
стр. 38
ويرى من خلالها رحمة أرحم الراحمين، وكمال عنايته بخلقه أجمعين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١].
• وقد اشتملت هذه الموسوعة بفضل الله على أكثر من مأتي ألف مسألة شرعية، وفوائد علمية، وأغذية إيمانية، في أبواب التوحيد والإيمان، وأبواب اليقين والإحسان، وأبواب الأخلاق، والآداب، وأبواب الأوامر والمناهي الشرعية، وأبواب الحقوق والواجبات، وأبواب الفضائل والمسائل، وأبواب الدعوة والتعليم وغيرها.
• ما كان فيها من صواب فمن الله وحده، وأشكر الله عليه، وما كان فيها من خطأ أو تقصير أو زلل فمن نفسي ومن الشيطان، واستغفر الله منه.
• أسأل الله أن تكون خالصة لةجهه الكريم، موافقة لسنة سيد المرسلين، وأن ينفع بها الناس أجمعين.
• واسأله سبحانه العفو عما زل به اللسان، أو وقع سهواً في غير محله، فكل مؤلف ومصنف مع غاية الحرص والتأني، وإدمان النظر والتأمل، ومواصلة البحث والتأليف، وكثرة المسائل والأبواب، والبسط والاختصار، قلما ينفك عن زلة أو خطاء غير مقصود، خاصة في هذا الزمان الذي قلما يصفوا للمؤلف فيه الذهن، لكثرة المشاغل والطوارق، وهجوم المنغصات والمزعجات، وتتابع البلايا والهموم، وكثرة الفتن والملهيات.
• وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوّابون، فنسأل الله العفو الكريم المغفرة والرضوان
стр. 39
• والعالم كالقلم، يخطي ويصيب، ويبدي ويعيد، ويقدم ويؤخر، وليس من زلة اللسان والبنان أمان.
• فرحم الله عبداً شكر ما رأه في هذه الموسوعة من صواب، ودلني على ما رآه فيها من خطأ، من أخ كريم، وناصح أمين، يعالج الجروح التي قلما يسلم منها أحد، ولا يكسر العظام، ولا يزرع الفتن بين الخاص والعام، كريم يشكر كل حسنة، رفيق لطيف ينبه على أي خطأ أو زلة من هذا العبد الضعيف، فالله أعلم بمرادي وما يجري في فؤادي، من الرغبة في كل خير، والتحذير من كل شر.
وهذا الدين العظيم بلا ريب لمن تعلمه، وعمل به، ودعا إليه، وذب عنه، وصبر عليه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
فالإيمان والعمل الصالح جهد على النفس، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر جهد على الغير.
وفي الختام أشكر الله على نعمة البدء والختام والتمام.
واسأل الله الكريم أن ينفعني والمسلمين بهذه الموسوعة، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يتقبلها مني، وأن يغفر لي، ولوالدي، ولأهل بيتي، ولكل من قرأها، أو سمعها، او انتفع بها، او علمها، أو أعان على نشرها، ولجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى، ونعم النصير.
стр. 40
وصلى الله وسلم على أعلم الخلق أجمعين، وأعبد الخلق لله رب العالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، الذي حقق بفضله وعونه ما أردناه، وأظهر ما كتبناه.
وقد تم بفضل الله وتوفيقه الفراغ من كتابة ومراجعة هذه الموسوعة يوم الأربعاء الموافق: ١٨/ ٧/ ١٤٤٧ هـ، فلله الحمد والشكر.
﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قاله كاتبه ومحرره الفقير إلى ربه ومولاه،
محمد بن ابراهيم بن عبد الله التويجري.
المملكة العربية السعودية - بريدة
جوال:
(٠٥٠٨٠١٣٢٢٢) (٠٥٠٤٩٥٣٣٣٢)
موقعنا على الأنترنت: (هذا الإسلام)
hatha-alislam.com/index
البريد الإلكتروني:Mb_twj@hotmail.com
следующие страницы →