← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والخطاء والنسيان، والغفلة والتقصير، من طبيعة البشر التي لا تنفك عنهم، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. فنسأل الله أن يتوب علينا من كل ذنب: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. والحمد لله رب العالمين في المسلمين خير كثير، لكن لعل هذه الموسوعة الجامعة تسعد طالب العلم، وتجمع له ما تفرق في كتب أهل العلم من الفوائد الجمة، والثمار اليانعة، وتكشف له عن غوامض المسائل المشتبهة، وتبين له ما خفي عليه من أحكام الدين وأسراره، وتكشف لثام الجهل بالعلم الإلهي، عن أقوام ضلوا السبيل، وتاهوا عن الطريق الموصل إلى التوحيد، والإيمان، وحسن عبادة الله ، إما بعدم الذكاء الفطري، أو الجهل بأمهات العلم الإلهي الموصل إلى رضوان الله والجنة. • إن هذه الموسوعة المباركة صفحات مشرقة، وأنوار هادية، تعكس عظمة الإسلام، وأنوار القرآن، وسيرة سيد الأنام ﷺ . نسأل الله أن تكون خالصة لوجهه الكريم، موافقة لسنة نبيه محمد ﷺ ، في أقواله وأعماله، وأخلاقه وفي سائر شريعته. • وكل ما ورد في هذه الموسوعة من أخبار وأحكام ومسائل من فضل رب العلمين، وكله بتوفيق الله متوج بآيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي ﷺ الصحيحة، ومدون بفهم سلف الأمة. • والأحاديث النبوية كلها إما من الصحيحين أو أحدهما، أو عند أحمد وأصحاب السنن، أو غيرهم من أئمة الحديث الثقات.

стр. 37

• وما في الصحيحين خرجناه منهما، وإن كان من أحدهما خرجناه منه. • أما ما كان في غيرهما فنكتب أمامه صحيح أو حسن، ونخرجه من اثنتين من أئمة الحديث غالباً كأحمد والترمذي وابي داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم. • أسأل الله أن تكون هذه الموسوعة قرة عين للمؤمنين، ومصباحاً للمتعبدين، وزاداً للدعاة والمعلمين، ونوراً للسائرين، ومناراً للتائهين: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]. • وهذه الموسوعة التي بين يديك محض فضل الله عليّ، لا أحصي ثناء على ربي الذي هداني إليها، وأعانني على إعدادها، ووفقني لتحريرها وإخراجها، وقد سميتها (موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة). • وهذه الموسوعة العلمية جاءت بفضل الله وحده في عشرة مجلدات وافية، مملؤة أوراقها بالعلوم النافعة، خالية من الحشو والتكرار والإطناب. • وقد تم تحرير هذه الموسوعة بأسلوب يناسب المبتدئ والمنتهي، والعالم والمتعلم. وهذه الموسوعة فيها خير كثير من العلم الإلهي، ولا ندعي أنها بحر واسع من العلم، لكن نرجو من الله أن تكون نهرًا صافيًا نقيّا من الكدر، يسقي العالمين، ويروي الظمأن، ويهدي الضال، ويعلم الجاهل، ويملأ قلوب البشرية بالتوحيد ولإيمان والتقوى، ويذوق المؤمن من خلالها طعم الإيمان وحلاوته وحقيقته، ويعرف عظمة ربه العظيم، وحسن هذا الدين العظيم،

стр. 38

ويرى من خلالها رحمة أرحم الراحمين، وكمال عنايته بخلقه أجمعين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١]. • وقد اشتملت هذه الموسوعة بفضل الله على أكثر من مأتي ألف مسألة شرعية، وفوائد علمية، وأغذية إيمانية، في أبواب التوحيد والإيمان، وأبواب اليقين والإحسان، وأبواب الأخلاق، والآداب، وأبواب الأوامر والمناهي الشرعية، وأبواب الحقوق والواجبات، وأبواب الفضائل والمسائل، وأبواب الدعوة والتعليم وغيرها. • ما كان فيها من صواب فمن الله وحده، وأشكر الله عليه، وما كان فيها من خطأ أو تقصير أو زلل فمن نفسي ومن الشيطان، واستغفر الله منه. • أسأل الله أن تكون خالصة لةجهه الكريم، موافقة لسنة سيد المرسلين، وأن ينفع بها الناس أجمعين. • واسأله سبحانه العفو عما زل به اللسان، أو وقع سهواً في غير محله، فكل مؤلف ومصنف مع غاية الحرص والتأني، وإدمان النظر والتأمل، ومواصلة البحث والتأليف، وكثرة المسائل والأبواب، والبسط والاختصار، قلما ينفك عن زلة أو خطاء غير مقصود، خاصة في هذا الزمان الذي قلما يصفوا للمؤلف فيه الذهن، لكثرة المشاغل والطوارق، وهجوم المنغصات والمزعجات، وتتابع البلايا والهموم، وكثرة الفتن والملهيات. • وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوّابون، فنسأل الله العفو الكريم المغفرة والرضوان

стр. 39

• والعالم كالقلم، يخطي ويصيب، ويبدي ويعيد، ويقدم ويؤخر، وليس من زلة اللسان والبنان أمان. • فرحم الله عبداً شكر ما رأه في هذه الموسوعة من صواب، ودلني على ما رآه فيها من خطأ، من أخ كريم، وناصح أمين، يعالج الجروح التي قلما يسلم منها أحد، ولا يكسر العظام، ولا يزرع الفتن بين الخاص والعام، كريم يشكر كل حسنة، رفيق لطيف ينبه على أي خطأ أو زلة من هذا العبد الضعيف، فالله أعلم بمرادي وما يجري في فؤادي، من الرغبة في كل خير، والتحذير من كل شر. وهذا الدين العظيم بلا ريب لمن تعلمه، وعمل به، ودعا إليه، وذب عنه، وصبر عليه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. فالإيمان والعمل الصالح جهد على النفس، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر جهد على الغير. وفي الختام أشكر الله على نعمة البدء والختام والتمام. واسأل الله الكريم أن ينفعني والمسلمين بهذه الموسوعة، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يتقبلها مني، وأن يغفر لي، ولوالدي، ولأهل بيتي، ولكل من قرأها، أو سمعها، او انتفع بها، او علمها، أو أعان على نشرها، ولجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى، ونعم النصير.

стр. 40

وصلى الله وسلم على أعلم الخلق أجمعين، وأعبد الخلق لله رب العالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، الذي حقق بفضله وعونه ما أردناه، وأظهر ما كتبناه. وقد تم بفضل الله وتوفيقه الفراغ من كتابة ومراجعة هذه الموسوعة يوم الأربعاء الموافق: ١٨/ ٧/ ١٤٤٧ هـ، فلله الحمد والشكر. ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قاله كاتبه ومحرره الفقير إلى ربه ومولاه، محمد بن ابراهيم بن عبد الله التويجري. المملكة العربية السعودية - بريدة جوال: (٠٥٠٨٠١٣٢٢٢) (٠٥٠٤٩٥٣٣٣٢) موقعنا على الأنترنت: (هذا الإسلام) hatha-alislam.com/index البريد الإلكتروني:Mb_twj@hotmail.com

стр. 41

الجزء الأول ويشتمل على المباحث التالية: الأول: خزائن الإسلام الثاني: خزائن الإيمان الثالث: خزائن الإحسان الرابع: خزائن اليقين الخامس: خزائن أركان الإيمان وتشتمل على ما يلي: ١ - خزائن الإيمان بالله ٢ - خزائن الإيمان بالملائكة ٣ - خزائن الإيمان بالكتب ٤ - خزائن الإيمان بالرسل ٥ - خزائن الإيمان باليوم الآخر ٦ - خزائن الإيمان بالقضاء والقدر

стр. 42

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]

стр. 43

١ - خزائن الإسلام وتشمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة

стр. 44

١ - الخزانة الأولى • الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله والخلوص منه. ودين الإسلام على ثلاث مراتب وهي: الإسلام .. الإيمان .. الإحسان. وكل مرتبة لها أركان، ولا سعادة للبشرية في الدنيا والآخرة إلا بالإسلام وحاجتهم إليه أعظم من حاجتهم للطعام والشراب والهواء والإسلام أعظم نعم، أنعم الله بها على خلقه فلله الحمد والشكر: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وكل إنسان مضطر إلى الإسلام فهو بين حركتين: حركة يجلب بها ما ينفعه .. وحركة يدفع بها ما يضره. والإسلام هو النور الذي يبين للإنسان ما ينفعه وما يضره، ويعطي أتباعه الأجر المضاعف على العمل الصالح: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. وأركان الإسلام خمسة: عن ابن عمر ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ «بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» متفق عليه (١).

стр. 45

والإسلام هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فلا يحتاج إلى إكراه عليه، لأنه دين القيمة، ودلائل صحته ظاهرة، وبراهين مصلحته بينة ووجوه حسنه وكماله وجماله ونفعه قائمة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. فمن قبل الإسلام فاز بالسعادة والأمن، ونال المثوبة والأجر في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]. ومن لم يقبل الإسلام فهو معرض متعرض للعقوبة والشقاء والضنك والنكد. وحكمه: إن كان من أهل الكتاب أو المجوس تؤخذ منه الجزية إن لم يؤمن ليكون الدين كله لله. قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. أما بقية المشركين فيقاتلون إن لم يسلموا حتى يسلموا ويستسلموا لحكم الإسلام، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله. قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٣٩ - ٤٠]. والإسلام دين الله الذي ارتضاه لعباده، ولا يقبل الله دينًا غيره بعد بعثة محمد ﷺ : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].

стр. 46

وقد اهتم الإسلام بإصلاح الجسد والروح معًا، وبصلاحهما تصلح دنيا الإنسان وآخرته، وبفسادهما تفسد دنيا الإنسان وآخرته، فيجب علينا الاهتمام بنصيب الجسد والروح معًا فلا يكفي نصيب الجسد دون الروح ولا نصيب الروح دون الجسد، فالأنبياء وأتباعهم اهتموا بنصيب الروح، والجسد فصلحت أبدانهم وأرواحهم، ودنياهم وأخراهم. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]. والكفار اهتموا بنصيب الجسد، وأهملوا نصيب الروح، ففسدت حياتهم وأبدانهم وأخلاقهم؛ لأنهم خدموا الجسد خدمة فائقة، وأهملوا الروح، فأنتجوا ماء زلالًا نافعًا، وسمًا فتاكًا قاتلًا، وهم مع بعضهم في رعب وخوف. والمؤسف أن المسلمين أخذوا من الكفار السم القاتل وهو الأخلاق الفاسدة، وتركوا الماء الزلال وهو العلم والصناعة التي وصلوا إليها، ولا فلاح ولا سعادة للمسلمين إلا بالدين الحق والعلم النافع معًا. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]. ولو بقي المسلمون في المساجد يصومون النهار، ويقومون الليل، ويعبدون الله، ويتلون القرآن ولم يتعلموا العلم النافع، ولم يزاولوا القوة التي يردون بها كيد الأعداء، كانوا كأنهم لم يأتوا بمدلول القرآن ولم يطيعوا الله، لأن الله أمر بإعداد القوة، ونهى عن التكاسل والضعف، وعدم إعداد القوة مخالفة للشرع، لأن الله

стр. 47

ﷻ يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وعدم اعداد القوة تعريض للأمة للخطر والإبادة، وحصول الهوان والذلة، وكذلك الذين أعدوا القوة العسكرية، وخالفوا أوامر الله الشرعية، ضالون هالكون. فالكل من هؤلاء وهؤلاء ليسوا على هدى. والهدى ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهو إعداد القوة الكاملة، في جميع الميادين بحسب الاستطاعة، مع المحافظة على إرضاء خالق هذا الكون العظيم، والعمل بما شرعه، والدعوة إليه، والتوكل عليه. وبهذا وهذا نفوق جميع الأمم ونحفظ أنفسنا وبلادنا من شر الأعداء ونغلب جميع من في الدنيا؛ لأن من أطاع الله صار من حزب الله، وحزب الله لا يغلب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢]. وطاعة الله والتمسك بكتابه جند لا يغلب كما نصر الله المؤمنين في غزوة بدر والأحزاب، ومن خالف أصابه ما أصاب المسلمين في غزوة أحد وحنين. قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].

стр. 48

• مراتب دين الإسلام ثلاث: الإسلام .. والإيمان .. والإحسان. وكل مرتبة لها أركان، وهذه المراتب تشمل دين الإسلام كله، وتطلق كل واحدة على الأخرى إذا انفردت، وإذا اجتمعت فلكل مرتبة معنى يخصها وأفضلها حينئذ الإحسان، ثم الإيمان، ثم الإسلام. والإسلام هو الدين الحق الذي أرسل الله به جميع رسله، وبعث به رسوله محمدًا ﷺ إلى الناس كافة إلى يوم القيامة. • والإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، وهذا هو الإسلام الذي جاء به جميع الرسل كما قال الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وإذا ذكر الإسلام منفردًا غير مقرون بالإيمان فالمراد به الدين كله أصوله وفروعه، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقد أكمل الله الإسلام ظاهرًا وباطنًا أصولًا وفروعًا ببعثة محمدِ ﷺ ، فلا يقبل الله من أحد غير الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ بأصوله وفروعه. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أحد من هذه الأمة لا يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كانَ مِنْ أَصْحَابِ النار» أخرجه مسلم (١). وإذا ذكر الإسلام مقرونًا بالإيمان فالمراد بالإسلام: الأعمال الظاهرة التي هي أركان الإسلام، والمراد بالإيمان الأعمال الباطنة التي هي أركان

стр. 49

الإيمان، كما قال الله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. وكما فسر ذلك النبي ﷺ في حديث جبريل حين جاء إلى النبي ﷺ وَقَال يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِليْهِ سَبِيلا قَال صَدَقْتَ قَال فَعَجِبْنَا لهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَال فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَال أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَال صَدَقْتَ، قَال فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ قَال أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» أخرجه مسلم (١). والإسلام دين السماحة واليسر والرحمة والعدل والإحسان، فجميع الأوامر الشرعية في مقدور كل إنسان، بل نحن نقدر على أكثر مما أمرنا به الله، فالله لم يكلف نفسًا إلا وسعها كما قال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥]. فالصلوات الخمس هي: الركن الثاني بعد الشهادتين تستغرق من المسلم ساعة واحدة من كل يوم، والوقت الباقي كله للعبد. والزكاة هي: الركن الثالث لا تجب على كل أحد. بل تجب على من عنده مال معين، وحال عليه الحول، ومقدار الواجب جزء واحد من أربعين جزءًا وهو ربع العشر غالبًا، والمال الباقي كله للعبد.

стр. 50

والصوم: الركن الرابع من أركان الإسلام، ثلاثون يومًا من ثلاثمائة وستين يومًا، والباقي كله للعبد. والحج: لا يجب على كل أحد، بل يجب على المستطيع في العمر مرة، وباقي العمر كله له، فلله الحمد على أن أمرنا بالقليل من العمل وأكرمنا بالعظيم من الثواب، وأعطانا العمر كله للتقرب إليه بما يحب ويرضى. قال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. هذا بالنسبة للدين بمراتبه الإسلام، والإيمان، والإحسان. أما جهد الدين وهو: الدعوة إلى الله، وتعلم شرع الله، فله كل الأوقات. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. • ويحكم للشخص بالإسلام بواحدة من ثلاث: الأولى: النطق بالشهادتين لقول النبي ﷺ : «أُمِرْتُ أن أقاتِل الناسَ حتى يَشهدُوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسولُ الله» متفق عليه (١). الثانية: الولادة لأبوين مسلمين كما قال النبي ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أو يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ

стр. 51

جَدْعَاءَ؟». ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]» متفق عليه (١). والفطرة هي: الإسلام. الثالثة: الصلاة، فمن صلى حكمنا بإسلامه كما قال النبي ﷺ : «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» أخرجه مسلم (٢). وقال ﷺ : «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح (٣). الإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك. والاستسلام لله بالتوحيد يقوم على ثلاثة أركان: الأول: استسلام قلب العبد لله محبة له وتعظيمًا له وذلًا له ﷻ . ثانيًا: استسلام لسانه لما أمره الله به أن يقول. ثالثًا: استسلام جوارحه كما أمره الله أن يفعل. ولهذا أسلم إبراهيم ﷺ ظاهره وباطنه لربه، كما قال سبحانه لإبراهيم ﷺ : ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣١ - ١٣٣].

стр. 52

• والفرق بين الإسلام والكفر والشرك: أن من استسلم لله وحده فهو مسلم، ومن استسلم لله ولغيره فهو مشرك، ومن لم يستسلم لله فهو كافرًا مستكبر، والكفر إنكار الرب بالكلية، والشرك تنقص لرب العالمين بجعل غيره شريكًا له. والكفر أعظم من الشرك؛ لأن الشرك فيه إثبات للرب، وإثبات شريك له، والكفر جحد الرب بالكلية، ويطلق كل واحد منهما على الآخر. وإذا اجتمع الكفر والشرك في آية أو حديث افترقا، وإذا افترقا شمل كل واحدًا معنى الآخر وحكمه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]. وجميع هذه الأمة مخاطبون بأصول الشريعة وفروعها، فالمؤمنون تحملوا الأمانة وقبلوها فنجوا بقبول الدين والعمل به. والكفار مخاطبون بأصول الشريعة وفروعها، فيدعون إلى الإيمان فإذا آمنوا نلزمهم بالأحكام، والفروع لا يلزم الكفار بها حال الكفر؛ لأنهم لم يأتوا بالأساس وهو الإيمان الذي تبنى عليه الأعمال، ولا يؤمرون بقضائها إذا أسلموا؛ لكنهم محاسبون يوم القيامة على ترك الواجب، وفعل المحرم زيادة في عقوبتهم: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. وقال الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقال عن المنافقين: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٣ - ٥٤].

стр. 53

٢ - الخزانة الثانية • الظلمات ثلاثة أقسام: ظلمة الجهل. ظلمة الكفر. ظلمة المعاصي. فالكفار غارقون في هذه الظلمات الثلاث: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠]. • أما المؤمنون فهم سعداء بثلاث: نور العلم .. نور الإيمان .. نور الاستقامة. فمن عاش في الدنيا في تلك الظلمات خلده الله في ظلمات النار يوم القيامة، ومن عاش في الدنيا في ذلك النور خلده الله في نعيم الجنة يوم القيامة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. فسبحان الهادي الذي يهدي من يشاء: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. فمن عاش في الدنيا في ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة المعاصي خلده الله في دار الظلمات، وهي نار جهنم يوم القيامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].

стр. 54

وقال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. ومن عاش في الدنيا في نور العلم، ونور الإيمان، ونور الاستقامة، خلده الله في دار النور والنعيم، وهي الجنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]. • والناس في الدنيا ثلاثة أقسام: مسلمون .. وكفار .. ومنافقون. فالمؤمن آمن بالله، واتصل بالقوي، فله قوتان: الأولى: قوة على نفسه بحملها على الإيمان وعبادة الله وحده لا شريك له. الثانية: قوة على مواجهة الباطل فله قوة داخلية على نفسه الأمارة بالسوء، وله قوة خارجية يرد بها شراسة الباطل. والكافر له قوة واحدة: فلم يقدر على نفسه الأمارة بالسوء ليحملها على الحق، وإن قوي على دعوة الحق ليواجهها بالسيف.

стр. 55

والمنافق: لا قوة له على نفسه ليحملها على الإيمان، ولا قوة له على مهاجمة أهل الحق، فهو معزول من القوتين: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣]. فالكافر عدواته للإسلام سافرة ظاهرة، والمنافق لضعفه عداوته للإسلام مستخفيه، فالمنافق نفسه شرسة لم يستطع أن يكبح جماحها عن الميل إلى الباطل، ولم يستطع مواجهة دعوة الحق، بل أشفق من أهلها وخاف منهم، فأعلن الإيمان بالحق ظاهرًا، وأبطن الكفر بالحق؛ لأنه لا قدرة ولا قوة له على نفسه، وهؤلاء أخطر من الكفار: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]. فالكافر عاند وعادى بصراحة كأهل مكة. والمنافق عاند وعادى بخفية، كالمنافقين في المدينة ولهذا كان المنافق أخطر، وخطره أشد لأنه أوهم أهل الحق أنه معهم وهو ضدهم ينخر في جسد الأمة من الداخل، وهي لا تشعر، ولهذا كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]. • أركان الإسلام خمسة هي: ١ - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ٢ - إقام الصلاة. ٣ - إيتاء الزكاة. ٤ - صوم رمضان. ٥ - حج بيت الله الحرام.

стр. 56

فهذه الأركان واجبة على كل مسلم ومسلمة. وفي هذه الأركان الخمسة ركنان لازمان هما الشهادتان وإقام الصلاة، فهذان الركنان لازمان للإنسان ما دام حيًا يعقل، أما الزكاة فتسقط عن الفقير، والصوم يسقط عن المريض أو المسافر، والحج يسقط عن غير القادر، أما الشهادتان والصلاة فلا يسقطان أبدًا لماذا؟ لدوام إعلان الولاء والعبودية لله بالإيمان والطاعة باطنًا وظاهرًا، فتلك أركان الإسلام، وهذه أركان المسلم. ومن أكمل الله له الأركان الخمسة فليشكر ربه على هذه النعمة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. والله رءوف بالعباد، ورحمته وسعت كل شيء، لهذا أمرنا الله أن ندخل جميعًا في الإسلام، وأن نأخذ بجميع أحكام الإسلام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]. فإذا دخلنا في الإسلام كلنا صلحت أحوالنا جميعًا، وصار بنو آدم متحابين متآخين يطمئن بعضهم لبعض، وإذا دخل بعضنا في الإسلام دون بعض يشقى الذين يسلمون بالذين لا يسلمون؛ لأن الذي لا يسلم سيكون عدوًا لهذا المسلم الذي استقام على أوامر الله. فالذي أسلم سيهذب سلوكه بالنسبة للآخرين ولأن نفع المسلم يكون لسواه، ويشقى هو بغير من لم يسلم بالكيد له والاستهزاء به ونهب أمواله. ومن أخذ بجميع أحكام الإسلام صلحت أحواله، وله في الدنيا والأخرة الأمن والهداية كما قال : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].

стр. 57

ولهم الطمأنينة في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. ولهم البشرى من ربهم بكل خير: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]. ومن أخذ من أحكام الإسلام بالبعض، وترك البعض، فإنه سيتعب ويشقى في الدنيا والآخرة؛ لأنه لفق حياته من حق وباطل، وجمع بين العدل والظلم، ومن فعل ذلك فلن يفلح في الدنيا والآخرة: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]. من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه يعرف به معبوده، وما يجب له، وما سيكرمه الله به: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. ومن نور الله قلبه بالإيمان لم يبق فيه التفات إلى الدنيا لا بالرغبة ولا بالرهبة، فالرغبة: أن يكون القلب متعلقًا بالأهل والأولاد والأموال، وتحصيل مصالح الأهل، ودفع المضار عنهم. وأما الرهبة: فهي أن يكون خائفًا من الأعداء والمنازعين، فيشغله ذلك عن ذكر الله وعبادته، فإذا شرح الله صدر العبد بالإسلام صغر كل ما يتعلق بالدنيا

стр. 58

في عينه فيصير ذلك كالذباب لا تدعوه رغبة إليها، ولا تمنعه رهبة منها، ففرعون أمام موسى ﷺ كالذباب، والنمرود أمام إبراهيم ﷺ كالذباب. فإذا امتلأ القلب بالإيمان فعند ذلك يقبل القلب بكليته نحو طلب مرضاة اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. فالقلب كينبوع الماء إذا تفرق ماؤه في الجداول الكبيرة ضعف جريانه، وإذا اجتمع في مجرى واحد قوى جريانه وسقى البستان بأكمله، فمن عرف الله فر إليه ولم يلتفت لأحدِ سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. ومن استأنس بجمال الحق استوحش من جمال الخلق: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. والقلب إذا امتلأ بالإيمان أفاض من نوره على الصدر؛ فانشرح الصدر واستنار، والصدر هو الفضاء المحيط بالقلب كما قال : ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. ويرد الصدر في القرآن والمراد به القلب، كما قال : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. والظروف أربعة: الصدر .. والقلب .. والفؤاد .. واللب. وكل واحد منها يطلق على الآخر إذا انفرد، وإذا اجتمعا فالصدر مقر الإسلام: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].

стр. 59

والقلب محل الإيمان: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧]. والفؤاد مقر المعرفة: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. واللب مقر التوحيد: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩]. وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. والقلب كاللوح الساذج ليس فيه نقش إلا نقش الفطرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. وهي فطرة التوحيد والإيمان وكانت هذه الفطرة كافية للإيمان بالله ومعرفته، ولكن الله برحمته أكرم هذا الإنسان بهذه الفطرة، وبالوحي المنزل، وإرسال الرسل، وإعطاء العقول والأسماع والأبصار: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. وقال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].

стр. 60

٣ - الخزانة الثالثة • الإسلام هو: الدين الكامل الذي أكرم الله به البشرية، وهو أكبر نعمة أنعم الله بها على عباده، وبالإسلام تتحقق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فالله خلق هذا الكون العظيم؛ ليدل على كمال أسمائه وصفاته وأفعاله، وليدل على كمال عظمة الله وقدرته، ليدل على كمال علمه وإحاطته. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وكل مخلوق من مخلوقات الله العظيمة، بل كل ذرة في الكون شاهدة بوحدانية الله، ومسبحة بحمده، ومستجيبة لمشيئته، ومسرعة إلى إرادته، وناطقة بعظمته. قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]. وجعل سبحانه لكل مخلوق في هذا الكون سنة كونية يسير عليها وبها يتحقق مراد الله منه، فلكل شيء سنة لا تتبدل ولا تتقدم ولا تتأخر إلا بأمر الله وحده. قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]. فالشمس لها سنة تشرق من المشرق، وتغرب من المغرب، والقمر له سنة يبدو هلالًا، ثم يكتمل، ثم يعود كما بدأ، والليل له سنة، والنهار له سنة، والجماد له سنة، والنبات له سنة، والحيوان له سنة، والرياح لها سنة، والمياه

стр. 61

لها سنة والكواكب لها سنة، والبحار لها سنة، والجبال لها سنة، وهكذا في جميع المخلوقات التي خلقها الله : ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٧ - ٤٠]. والإنسان مخلوق عظيم من مخلوقات الله خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وهو محتاج إلى سنة يسير عليها في جميع أحواله، ليسعد في الدنيا والآخرة، وهذه السنة هي الدين الذي أكرمه الله به، ورضيه له، ولا يقبل منه غيره: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وسعادته وشقاوته مرتبطة بمدى تمسكه به أو إعراضه عنه، وهو أحوج شيء إليه وهو مختار في قبوله أو رده وقد بينه الله له، ودعاه للدخول فيه، ورغبه في العمل به، وحذره من مخالفته. قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]. ولما خلق الله الإنسان سخر له ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة، وأنزل عليه الكتب، وأرسل إليه الرسل، وزوده

стр. 62

بآلات العلم والمعرفة كالسمع والبصر والعقل، وشرفه بعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠]. • الله أنعم على عباده بنعم لا تعد ولا تحصى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]. وأعظم هذه النعم ثلاث: نعمة الإيجاد .. ونعمة الإمداد .. ونعمة الإسلام. وأعظم هذه النعم وأجلها نعمة الإسلام الذي أرسل الله به محمدًا ﷺ إلى الناس كافة. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]. والإسلام دين الحق والعدل والإحسان والرحمة، وهو الدين الكامل الشامل الباقي إلى يوم القيامة، والذي فيه سعادة البشرية إلى يوم القيامة، وهذا الدين هو الإسلام الذي لا يقبل الله غيره إلى يوم القيامة بعد بعثة محمد ﷺ : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].

стр. 63

فالإسلام هو الدين الحق الذي ينظم علاقة الإنسان مع ربه بعبادته وتوحيده وشكره وطاعته، والتوجه إليه في جميع أموره، والخوف منه، والتوكل عليه، والذل له، والمحبة له، والتقرب إليه، والاستعانة به، وطلب مرضاته، وسبل الوصول إلى جنته، وكيفية النجاة من غضبه وعقابه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. والإسلام ينظم علاقة الإنسان مع سيد الخلق رسول الله ﷺ ، وذلك بطاعته ومحبته، وإتباع سنته، وتصديق ما جاء به، والاقتداء به في أقواله وأعماله وأخلاقه وألا يعبد الله إلا بما شرع. قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. والإسلام ينظم علاقة الإنسان مع غيره على أحسن الوجوه كالأم والأب والزوجة والزوج والأولاد، والأقارب والجيران، والعالم والجاهل والمسلم والكافر والحاكم والمحكوم وغيرهم. قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]. وينظم الإسلام معاملات الإنسان المالية بكسب الحلال، وتجنب الغش والخيانة والسرقة ونحو ذلك، والسماحة في البيع والشراء والإنفاق في وجوه البر والخير، وكيفية توزيع الصدقات وتقسيم المواريث ونحوها، وتحري الصدق، وتجنب الربا والكذب والنفاق والحسد: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى

стр. 64

مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وينظم الإسلام حياة الإنسان الزوجية وتربية الأولاد على أكمل الوجوه، وصيانة الأسرة من الفساد، وينظم حياة الرجل والمرأة في حال السراء والضراء وحال الغنى والفقر، وحال الصحة والمرض والأمن والخوف والحضر والسفر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وينظم الإسلام سائر العلاقات على جسور متينة من الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله، والمنع لله، ويدعوا إلى مكارم الأخلاق، وجميل الصفات كالكرم والجود، والحلم والعفو، والحياء والعفة، والصدق والبر، والعدل والإحسان، والرحمة والشفقة وغيرها من الصفات والأخلاق الكريمة: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وينهى الإسلام عن كل شر وفساد، وعن كل ظلم وطغيان، وينهى عن الشرك بالله، والقتل بغير حق، وينهى عن الزنا والكذب والكبر والنفاق والسرقة والغيبة والنميمة، وأكل أموال الناس بالباطل، وينهى عن الربا والخمر والسحر والرياء والرشوة ونحو ذلك من الأخلاق الذميمة. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 65

اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢]. ويكشف الإسلام بعد ذلك كله حياة الإنسان في الآخرة، وأنها مبنية على حياته في الدنيا، فمن جاء بالإيمان والأعمال الصالحة دخل الجنة، وسعد برؤية ربه وتمتع بما في الجنة مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مع الخلود في النعيم المقيم. ومن جاء بالكفر والمعاصي دخل النار، والنار فيها عذاب أليم، وعذاب مقيم، وعذاب شديد، وعذاب عظيم، وعذاب كبير، يخلد فيها الكافر، ويعذب فيها العاصي بقدر ذنوبه، أو يغفر الله له، ثم يخرج منها. قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فلا إله الا الله ما أعظم نعم الله على خلقه. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ

стр. 66

الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. فمن آمن بالله وأطاعه واتقاه فليبشر بخير من ربه في الدنيا و الآخرة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. وسيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار بلا ريب، ثم يعود غريبًا كما بدء، ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة كما قال الرسول ﷺ : «إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» أخرجه مسلم (١). وقال النبي ﷺ : «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا» أخرجه مسلم (٢). وقال النبي ﷺ : «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّه بِهِ الْكُفْرَ» أخرجه أحمد والحاكم. (٣) الله هو الملك الحق الذي يفعل في ملكه ما يشاء بقدرته، له ﷻ ملك العالم العلوي والعالم السفلي، وله ملك الدنيا والآخرة، وله ملك عالم الغيب وعالم الشهادة، وله ملك السماوات والأرض، وله ملك ما في السماوات والأرض، وله خزائن السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض،

стр. 67

وله مقاليد السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض، له الملك كله وله الخلق كله وله الأمر كله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. هو ﷻ الملك الحق الذي يفعل في ملكه العظيم ما يشاء بقدرته، جعل سبحانه نور الشمس للعالم كله، وجعل الهوا للعالم كله، وجعل السحب تنزل بالغيث على العالم كله، وجعل نبات الأرض قوتًا للعالم كله، وجعل الإسلام دينًا للعالم كله، وجعل القرآن كتابًا للعالم كله، وجعل محمدًا ﷺ رسولًا للعالم كله، وجعل الكعبة قبلة للعالم كله، وجعل هذه الأمة خير أمة وداعية للعالم كله. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]. والإسلام هدىً ورحمة للعالمين، أمتن الله به على خلقه أجمعين، وأرسل به سيد المرسلين وخاتم النبيين، وشرف أمته بالدعوة إليه إلى يوم الدين. فالله رب الناس ليس لهم ربُ سواه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]. والله ملك الناس ليس لهم ملكُ سواه كما قال سبحانه: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]. والله إله الناس ليس لهم إله سواه، كما قال سبحانه: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٣]. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٣]. وأنزل الله القرآن الكريم هدى للناس: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].

стр. 68

وأرسل الله رسوله ﷺ كافة للناس كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وجعل الله الكعبة قبلة لجميع الناس، فهي أول بيت وضع للناس، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧]. وجعل الله هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال النبي ﷺ : «إِنَّكُمْ وَفَّيْتُمْ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ » أخرجه احمد والترمذي (١). والدعوة إلى الله، وإبلاغ دين الله في مشارق الأرض ومغاربها، واجب على كل المسلمين لكل الناس، حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].

стр. 69

وقال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]. والله دعا الناس إلى عبادته وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه، ودعا إلى معرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرفنا بدعوة الناس إلى ذلك. فأول نداء في القرآن موجه إلى الناس هو الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. والله رب العالمين خلق الجن والإنس ليعبدوه وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. وقد أرسل الله رسوله محمدًا ﷺ نذيرًا للعالمين، ورحمة لهم إلى يوم الدين: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. لهذا واجبنا الدعوة إلى الله ، ومن فضل الله على عباده أنه أعطانا وظيفة الأنبياء والرسل وهي الدعوة إلى الله ، وعبادة الله وحده لا شريك له واجتناب عبادة من سواه. ومن فضل الله علينا أن فتح علينا من أبواب العلم في كل وقت ما يسهل علينا الحياة.

стр. 70

فمن فضل الله على عباده أنه يفتح لهم في كل زمان ومكان من أبواب العلم في كل وقت ما يسهل عليهم حياتهم، ويقرب التواصل فيما بينهم من أجهزة الاتصال الحديثة كالهاتف والفاكس والجوال والفيس بوك واليوتيوب، وغيرها من القنوات الموجودة على الإنترنت، وهذه أواني فارغة من وضع فيها خيرًا فله أجره، ومن وضع فيها شرًا فعليه وزره. لهذا يجب على من ملكها أن يشكر الله عليها، وأن يستعملها فيما ينفع المسلم وغيره، وفيما يرضي ربه من نشر العلم الشرعي، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وغير ذلك من المصالح: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. ولا يجوز استعمال هذه الوسائل فيما حرم الله من قول أو فعل أو تجسس على الناس، أو إشاعة الفساد، ونشر الصور والأغاني، ومضايقة النساء وابتزازهن ونحو ذلك من ضروب الفساد والإفساد: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧].

стр. 71

٤ - الخزانة الرابعة الإسلام هو الدين الحق، هو دين الله الذي أكرم الله به البشرية منذ عهد آدم ﷺ إلى بعثة نبينا محمد ﷺ : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. فله الحمد والشكر على عنايته بخلقه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقد أكرم الله هذه الأمة واصطفاها من بين الأمم، فأنزل عليها أحسن كتاب، وأرسل إليها أفضل رسول، وأرسله بأحسن شريعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]. والقرآن العظيم أحسن الكتب التي أنزلها الله : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]. • والقرآن العظيم يهدي للتي هي أقوم في كل شيء ومن ذلك: أولًا: توحيد الله في ربوبيته، وتوحيد الله في أسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيد الله في عبادته وحده لا شريك له: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ [الإسراء: ٩ - ١٠].

стр. 72

ثانيًا: الطلاق، فقد جعل الله الطلاق بيد الرجل؛ لأن النساء مزارع وحقول، والرجل زارع والمرأة مزرعة تبذر فيها النطف كما يبذر الحب في الأرض، وأقوم الطرق أن الرجل الذي معه آلة الزراعة لا يرغم على الزراعة في حقل لا يرغب فيه، فكانت الحكمة أن جعل الله بيده الطلاق: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]. ثالثًا: ومن هدي القرآن للتي هي أقوم تعدد الزوجات؛ لأن المرأة الواحدة تحيض وتمرض ويصيبها النفاس، ولو حبس الرجل عليها لتعطلت منافع قضاء الوطر، وتكثير الأمة، واعفاف النفس، ولبقي كثير من النساء بلا زوج. رابعًا: ومن ذلك تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث؛ لأن الذكورة كمال والتزام بالنفقات، والأنوثة نقصِ ومتاع: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. خامسًا: ملك اليمين الذي سببه الكفر ومحاربة الله ورسوله، فالله خلق الخلق ليعبدوه فإذا تمرد الكفار وأعرضوا عن ربهم وطغوا، وحاربوا الرسل وأتباعهم، واستعملوا نعم الله في محاربة أوليائه؛ عاقبهم الله عقوبة تناسب جريمتهم بسلبهم التصرف في أنفسهم، ووضعهم من مقام الإنسانية إلى مقام أسفل منه كمقام الحيوانات التي تباع وتشترى، فأباح بيعهم وشراءهم ونحو ذلك من التصرفات المالية، فلما لم يعبدوا الله اختياراً عاقبهم الله بأن يكونوا عبيدًا للمخلوق اضطرارًا. سادسًا: القصاص فإن الإنسان إذا تذكر أنه إذا اعتدى بقتل أو جرح لغيره عوقب بالقصاص امتنع من العدوان، فقتل القاتل يحيا به ما لا يعلمه إلا الله

стр. 73

من البشر: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]. سابعًا: قطع يد السارق، فإن الله خلق اليد للبناء والعمل فيما يرضي الله والكسب الحلال، والجهاد في سبيل الله، فإذا خانت ومدت أصابعها إلى مال الغير لتأخذه بغير حق صارت يدًا نجسةً خبيثةً قذرة، يجب قطعها كالعضو الفاسد يبتر، لئلا يجر الداء إلى سائر البدن: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]. ثامنًا: رجم الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة وجلد البكر مائة؛ لأن من فعل ذلك فهو نجس قذر لا يصلح للمصاحبة الإنسانية، فعاقبه الله بشر عقوبة وقتله؛ لأن جريمته أفظع جريمة، وجريمة الزنا تفسد الأعراض، وجريمة القتل تفني الأنفس، ولزوال هذا الفساد العظيم شرع الله القصاص والحدود رحمة بالأمة: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]. فالحمد لله رب العالمين على نعمة الإسلام: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله للبشرية، والذي لا تصلح حياة البشرية إلا به فقط، وهو أعظم نعمة أنعم الله بها على عبادة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فإذا قبل الناس الإسلام أسعدهم الله في الدنيا و الآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].

стр. 74

وتحققت طمأنينتهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. وتمت هدايتهم: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. وإذا ترك الناس الإسلام وأعرضوا عنه شقوا وتعبوا في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]. وتحقق عذابهم في الدنيا والآخرة: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]. ودين الله واحد هو الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. والشرائع مختلفة فلكل نبي شريعة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. • والمصالح الكبرى التي تدور عليها الشرائع السماوية ثلاث: المصلحة الأولى: درء المفاسد، وتسمى بالضروريات. المصلحة الثانية: جلب المصالح، وتسمى بالحاجيات. المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق، وتسمى بالتحسينات. فالضروريات هي درء المفاسد عن خمسة أشياء هي: الدين .. والنفس .. والعقل .. والعرض .. والمال. وجلب المصالح يكون بإباحة المصالح المشتركة بين الناس على الوجه المشروع؛ ليستجلب كل شخص حاجته ومصلحته من الأخر، كالبيوع والإيجارات والقروض ونحوها من سائر المعاملات.

стр. 75

والجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات يزيد الحياة حسناً وطمأنينة ومحبة وآمنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. وإذا أخذ المسلمون بعض أحكام الإسلام، وخالفوا البعض الأخر، فقد فتحوا على أنفسهم أبواب المشاكل والمصائب، وأبواب العذاب، وأبواب الاختلاف، وأبواب الاضطراب، وأبواب الخزي: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥]. وقد بين الله في القرآن الكريم أن الناس إذا خالفوا القرآن أصابتهم ثلاث مشاكل، وبين برحمته حلها في كتابه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وهذه المشاكل هي: ضعف المسلمين عن مقاومة الكفار .. تسليط الكفار على المؤمنين بالقتل والأذى .. اختلاف قلوب المؤمنين فيما بينهم. الأولى: ضعف المسلمين عن مقامة الكفار في كل زمان ومكان. وقد هدى القرآن العظيم إلى حل هذه المشكلة بأقوم الطرق وأعدلها، فبين أن علاجها يكون بصدق التوجه إلى الله والاستعانة به، ودوام التوكل عليه؛ لأن الله قوي عزيز قاهر لما سواه، فمن كان من حزبه لا يمكن أن يغلبه الكفار: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
следующие страницы →